Полный текст (2 122 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وصاياه ﷺ لأصحابه وأمته في مرض موته
كان النبي ﷺ أثناء ذلك يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم وآلمه المرض كشفها عن وجهه ﷺ ، فكان النبي ﷺ في هذه اللحظات الأخيرة من حياته يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فكانت هي الوصية الأخيرة للنبي ﷺ ، كما في بعض الروايات عن عائشة ﵂: (يحذر ما صنعوا) تعني: يحذر هذه الأمة من أن تصنع مثل صنيع اليهود والنصارى، فعجباً لغربة الإسلام وإعراض المسلمين عن هدي نبيهم ﷺ ، واقتحامهم وانتهاكهم الحرمات! وذلك باستحلال هذا الفعل القبيح وهو إدخال القبور في المساجد.
ثم بعد ذلك اقترب رسول الله ﷺ أكثر إلى حكم الله الذي أجراه على عباده كلهم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
دخل فجر يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر من الهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون خلف أبي بكر ﵁ إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه إلى الصف، فقد ظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وما كان النبي ﷺ يريد أن يصلي، ولكن كان يلقي عليهم هذه النظرة الأخيرة ليطمئن على أصحابه، فهمَّ المسلمون حينئذ أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله ﷺ ، فأشار بيده أن: أتموا صلاتكم.
ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، وانصرف الناس من صلاتهم وهم يحسبون أن النبي ﷺ قد برئ من مرضه، ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه ﷺ إلى أصحابه، فقد عاد ﷺ فاضطجع إلى حجر عائشة ﵂ وأسندت ﵂ رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت.
وفي بعض الأحاديث: أن الرسول ﵊ نطق بوصيتين في آخر لحظة من حياته حيث قال: (الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم) فكانت هذه وصيته الأخيرة لأصحابه وأمته ﷺ .
стр. 807
أمره ﷺ لأبي بكر بالصلاة بالناس في مرض وفاته
ولم يعد رسول الله ﷺ يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف -تعني: رجل رقيق القلب- وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس من شدة بكائه، فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) فـ عائشة ﵂، خشيت أن يتشاءم الناس من أبيها، فتعللت بشيء ليس هو العلة التي في نفسها، فمن أجل ذلك قال النبي ﷺ : (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك، وخرج النبي ﷺ ذات مرة وقد شعر بخفة فأتى وأبو بكر قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر لما أحس بالنبي ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك في الصلاة، فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر ﵁، واستبشر الناس خيراً لخروجه ﷺ إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة يصلي فيها مع الناس.
стр. 808
موقف أبي بكر والصحابة من وفاته ﷺ
لقد انتشر خبر وفاته ﷺ في الناس، وأقبل أبو بكر ﵁ على فرس من عوالي المدينة، فقد كان له منزل في ذلك المكان، ذهب وهو على أمل أن الرسول ﵊ قد شفي من مرضه، فأتى فدخل المسجد ولم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مغطى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: (بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها) ثم خرج ﵁ وعمر يكلم الناس أن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وأنه ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، فأقبل أبو بكر ﵁، وهنا يظهر مقام أبي بكر وثباته وصموده أمام هذه المحنة الشديدة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون على بصيرة وعلى فطنة في تلقي مثل هذه المصائب الكبيرة.
أقبل أبو بكر يقول له: على رسلك يا عمر، أنصت.
ولكنه استمر في كلامه، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد: أيها الناس! من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]، فكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها، قال عمر ﵁: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت -أي: كأنه قطعت ساقاه- لا تحملني رجلاي، فأهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي ﷺ قد مات.
هكذا توفي النبي ﷺ عن ثلاثة وستين عاماً من العمر، قضى أربعين منها قبل البعثة، وثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله في مكة، وعشر سنين قضاها في المدينة بعد الهجرة، وكانت وفاته في أول العام الحادي عشر للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
روى البخاري عن عمرو بن الحارث قال: (ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة، إلا بلغته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)، فهذه قصة وداع النبي ﷺ لهذه الدنيا وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فهذه السورة كما ذكرنا تسمى سورة التوديع التي جاء فيها نعي رسول الله ﵌.
стр. 809
تفسير قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح
يقول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] يأتي في الآية النصر والفتح، مع أن كلاً منهما مرتبط بالآخر، فمع كل نصر فتح ومع كل فتح نصر، فجاء النصر مضافاً إلى الله تعالى، والفتح جاء مطلقاً.
وقد اتفقوا على نزول هذه السورة بعد فتح مكة، ومعلوم أنه سبق فتح مكة عدة فتوحات، منها فتح خيبر، ومنها صلح الحديبية، قال عن صلح الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] وقال الله : ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
والنصر يكون في معارك القتال، ويكون بالحجة والبيان، فيكون بكف العدو كما في سورة الأحزاب، يقول الله : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، وكما قال في شأن اليهود: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧].
إن النصر من عند الله العزيز الحكيم، ولقد علم المسلمون ذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] فجاءهم
الجواب
﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فدائماً النصر يضاف إلى الله ، فقال عنهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] ثم قال: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وقال : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١].
وقال ﷺ (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وقد قال الله لموسى ولأخيه هارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فهذا -أيضاً- من نصر المعية، وكذلك الفتح يكون بانتشار دين الإسلام، وكما نعلم أن أعظم الفتوح في الإسلام فتحان: فتح الحديبية، وفتح مكة، ففتح الحديبية كان تمهيداً للثاني، والثاني كان قضاءً على دولة الشرك في الجزيرة.
стр. 810
تفسير قوله تعالى: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً
يقول الله : ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢] هذا القول من الله يدل على إرادة العموم، فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] عام لكل نصر وفي كل فتح، بدليل العطف بقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢]، فكان الناس يأتون من كل جهة حتى اليمن أقبلت لتدخل في دين الله، فهذا يدل على أن الدعوة قد بلغت كمالها وأن الرسالة قد بلغت وأن الأمانة قد أديت، لذلك استنبط ابن عباس ﵄ وكثير من الصحابة استنبطوا من هذه الآية أن فيها إشارة إلى اقتراب أجل النبي ﷺ ، وأن رسالتك قد تمت، وأديت ما عليك، فتهيأ للقاء ربك.
ويدل لهذا المعنى في السورة قوله قبل ذلك بحوالي ثلاثة أشهر في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] أي: كمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله لنا الإسلام ديناً، فلذلك بكى عمر ﵁ حينما نزلت هذه الآية، وعلم ذلك لأنه ما من شيء يبلغ الكمال إلا ويئول إلى النقصان.
قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] الفتح قيل: المراد به هنا فتح مكة، وقيل: فتح المدائن والبلاد كلها، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: المراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولاً واحداً، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً.
فهم يعلمون أن من شأن مكة أن لا يسلط الله عليها أي كافر أو كذاب، كما فعل الله مع أبرهة الحبشي، حيث قال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
ثم يقول ﵀: فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، فلله الحمد والمنة.
وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: كنا بماء ممر للناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما فتح الله عليه مكة بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فأسلم قوم عمرو بن سلمة بعد ما وقع ما كانوا ينتظرونه من دخول الناس في دين الإسلام.
وقيل أيضاً: إن الفتح عامٌّ في فتوح البلاد كلها، وتقدمت الإشارة إلى فتوحات قبل مكة.
стр. 811
الفتوحات الإسلامية مصداق للنبوة
لقد تنبأ النبي ﷺ بكثير من هذه الفتوحات، ووقع منها الكثير بفضل الله ، وما لم يقع فسيقع مصداقاً لكلامه ﵊، من هذه الفتوحات التي أخبر بها الوحي فتح خيبر وفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، سواء من اليمن أو من غيرها، وأخبر النبي ﷺ بفتح بلاد العرب، أخبر بفتح مصر، فعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً، أو قال: ذمة وصهراً)، رواه مسلم.
وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه).
أما قوله: (منعت) فله معنيان: أحدهما أن النبي ﷺ أخبر أنهم سيسلمون ويسقط ما عليهم بإسلامهم، فصاروا بإسلامهم مانعين ما كان عليهم من الوظائف، واستدل على هذا بقوله: (وعدتم من حيث بدأتم) لأنهم في علم الله وفي قضائه وقدره أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدءوا.
الثاني: أنهم يرجعون عن الطاعة، قال أبو هريرة ﵁: (كيف أنتم إذا لم تجدوا ديناراً ولا درهماً؟! فقيل: وكيف ترى ذلك كائناً؟! قال: إذاً والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق أنه قال: تهتك حرمة الله وذمة رسوله، فيصب الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم) رواه البخاري.
وأخبر النبي ﷺ بقوله: (إنه لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) أي أنه لا تقوم الساعة حتى يعم دين الإسلام الأرض كلها.
وعن عبد الله بن الزبير عن سفيان بن أبي زهير أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم يفتح العراق فيأتي قوم يبسون ويتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون).
والمقصود من هذا الحديث أنه ﷺ أخبر بفتح اليمن والشام والعراق، وما فتحت هذه البلاد إلا من بعده ﷺ إلا اليمن، ويؤيد هذا ما ذكره ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: (بينما رسول الله ﷺ في المدينة إذ قال: الله أكبر، الله أكبر جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن، قيل: يا رسول الله! وما أهل اليمن؟ قال: قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية).
وبعد فتح مكة جاءت الوفود التي دخلت في دين الله أفواجاً العام التاسع من الهجرة، وجاء وفد اليمن، وأرسل النبي ﷺ عماله إلى اليمن بعد فتح مكة، وقدم عليه علي ﵁ من اليمن في العام العاشر في موسم الحج، ففتحت اليمن بعد فتح مكة في حياته ﷺ .
فهذا كله يؤيد أن الفتح هنا عام في كل فتح، وليس فقط فتح مكة، وهذا يؤخذ بدلالة الإيماء وبدلالة الإشارة.
وقوله: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) فيه وعد بفتوحات كثيرة لمناطق شاسعة؛ لأن الله أخبر -كما في سورة الحج- أن الناس يأتون للحج من كل فج عميق، فقال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨].
فهذا يدل على أن الناس سوف يأتون إلى الحج من أماكن بعيدة، وهذا الإتيان إلى الحج يدل على أن الإسلام قد انتشر في تلك البلدان البعيدة.
стр. 812
تفسير قوله تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توباً
стр. 813
المعنى الإشاري المضمن في سورة النصر
وهذه السورة يؤخذ منها قوة دلالة الإشارة والإيماء، كما جاء في قصة ابن عباس مع عمر ﵁، قال ابن عباس ﵄: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال عمر: إنه ممن قد علمتم) أي: ابن عم الرسول ﵊، وقد دعا له النبي ﷺ فقال: (اللهم! فقه في الدين وعلمه التأويل)، فظهرت استجابة الله لدعوة النبي ﵊ في العلم الزاخر الذي جمعه هذا الحبر رضي الله تعالى عنه.
يقول ابن عباس: (فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقال: فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، فقال عمر: وأنا لا أعرف فيها إلا كما قلت) أي أنه ﷺ جاء لأداء مهمة وقد تمت بمجيء النصر والفتح والدخول في دين الله أفواجاً، وعليه يكون قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة، فليستعد لملاقاة ربه ليلقى جزاء عمله.
فهذا مأخذ واستنباط وفهم وفقه دقيق لهذه الآية.
فاللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
стр. 814
الذكر الفاضل
ونقول للذين يداومون على ذكر الله : لقد كان أكثر ما يداوم النبي ﵊ عليه هو الاستغفار مطلقاً مع ما ورد عنه في أذكار الصباح والمساء، فقد ورد الترغيب فيه، وورد في السنة العملية أن النبي ﷺ كان يكثر من الاستغفار، كان لا يجلس مجلساً إلا يقول فيه: (رب اغفر لي وتب علي؛ إنك أنت التواب الغفور) وفي بعض الأحاديث: (فإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة).
فإذاً: كان النبي ﷺ يواظب على الاستغفار ويأمر به ويرغب فيه مع ورود الاستغفار -أيضاً- في أذكار الصباح والمساء، كما قال النبي ﵊: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، وهذا الدعاء له فضيلة.
إذاً: علينا أن نهتم بمراتب الأعمال في تقديم الفاضل على المفضول، فمثلاً: قبل الانصراف من الصلاة قبل التسليم وردت أحاديث كثيرة تقال قبل التسليم، من أهمها ما أمر به النبي ﷺ ، وهو التعوذ من أربع: (اللهم! إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال)، فهذا أمر به فتقدمه على غيره.
كذلك سيد الاستغفار، فإنه يقال في المساء وفي الصباح، وقد بين النبي ﷺ فضيلة هذا الدعاء بقوله: (فمن قاله حين يصبح ثم مات من يومه دخل الجنة، ومن قاله حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة)، إذاً هذا أولى من غيره من الأعمال؛ لأنه قد يقول الإنسان هذا الدعاء فيكون بذلك قد ضمن الله له الجنة بنص حديث الرسول ﵊.
فعلى الإنسان المسلم أن يعرف فضائل الأدعية حتى يقدم بعضها على بعض، فمثل هذا الدعاء جدير بأن تحافظ عليه وأن لا تفرط فيه خشية أن يكون هذا آخر يوم أو آخر ليلة في حياتك، فتختمها بالاستغفار، كما أُمر ﷺ أن يختم يومه أو يختم عمره بالاستغفار: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣].
وفيه رد على ممن يواظب على الذكر بلفظ المفرد، فيقول: الله، الله، الله مثلاً آلاف المرات، أو يقول: يا رحمان، يا رحمان، يا رحمان، يا لطيف، يا حي يا قيوم بدون أن يأتي بجملة ذات معنى واضح، فهذا -أيضاً- مما يعده بعض المحققين من البدع؛ لأنه لم يرد به نص صريح ولا صحيح، ولأن الخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع، وأي خير أعظم مما اختاره الله لنبيه ﷺ في آخر حياته وأمره به، فالتزم به وامتثل ذلك، فكان يكثر أن يقول: (سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، اللهم! اغفر لي)، وذلك لأنه توفي بعد ذلك بمدة يسيرة، فأراد أن يختم حياته بالاستغفار وبهذا الدعاء العظيم، وتأمل فعل الإمام البخاري رحمه الله تعالى كيف أنه ختم جامعه الصحيح الذي يعد أصح الكتب بعد القرآن ختمه بقوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فآخر عبارة في صحيح البخاري: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم).
وقال ﷺ : (من ضن بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله وبحمده) أي: إذا كنت عاجزاً عن النفقة في سبيل الله نتيجة فقر أو بخل فهناك البديل يعوضك عن الأجر الذي تناله من الصدقة أو من قيام الليل، ألا وهو التسبيح والتحميد.
стр. 815
الاستغفار ودوره في أعمال العبد
ثم قال : (وَاسْتَغْفِرْهُ) قال البعض: إذا كان الاستغفار على الذنب فيكون الاستغفار في حق النبي ﷺ زيادة في الحسنات ورفعة في الدرجات؛ لأن الأنبياء معصومون عن الوقوع في المعاصي، فمثل هذه الآيات كثيرة في القرآن، فإنما تحمل على أن الاستغفار في ذاته عبادة يتعبد بها، وإن لم تقع معصية أصلاً.
والبعض قال: إن هذا من باب (حسنات الأبرار سيئات المقربين) أو من باب شعور الأنبياء بالتقصير في حق الله ، ومن أجل ذلك ينسب إليهم الذنب.
أو أن التوبة هي دعوة الأنبياء والرسل، فهذا آدم ﵊ يقول الله تعالى عنه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ويقول نوح ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] ويقول إبراهيم ﵊: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨] فيكون هذا تعليماً منه ﷺ لأمته حتى يستغفروه ، وقيل: هو رفع لدرجاته ﷺ .
وقال النبي ﷺ : (توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة).
إذاً التوبة هي دعوة الأنبياء، فتكون -أيضاً- من باب الاستكثار من الخير والإنابة إلى الله .
وجاء عند جميع المفسرين أنه ﷺ منذ نزلت هذه السورة لم يكن يدع أبداً قول: (سبحانك -اللهم- وبحمدك) تقول عائشة ﵂: يتأول القرآن.
حيث روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلا يقول فيها: سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، اللهم! اغفر لي.
يتأول القرآن) وفيه عنها أيضاً: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، اللهم! اغفر لي.
يتأول القرآن).
قال الحافظ ابن حجر: معنى (يتأول القرآن) يجعل ما أمر به من التهليل والتحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور، كان إذا سلم من الصلاة يقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله)، وإذا خرج من الخلاء كان يقول: (غفرانك)، وورد الأمر بالاستغفار -أيضاً- عند انقضاء المناسك في قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩].
إذاً: الاستغفار دائماً يكون في خواتيم الأمور ليجبر ما كان فيها من نقص أو مداخلة رياء.
فمن حق النبي ﷺ علينا أن نتأسى به في ذلك.
وأمره ﷺ بالاستغفار في خاتمة حياته في سورة التوديع التي نعي فيها إليه نفسه الشريفة ﵌ مع التسبيح فيه امتثال للأمر،، ومن باب الاحتراز من المعاصي، فيكون أمره بذلك مع عصمته أمراً لأمته، وأن الاستغفار من التواضع، وهو مع ذلك عبادة في نفسه.
стр. 816
دلالات الأمر بالتسبيح
قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) هذا أمر للنبي ﷺ بأن ينزه ربه عن أن يترك الحق ويدعه للباطل فيهزمه، فمن سوء الظن بالله أن يُظَنَّ بالله تعالى أنه يترك المسلمين دائماً في حال ضعف وانهزام، ويترك الباطل دائماً في حال علو واستكبار في الأرض، لكن كما قال : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالأيام دواليك، يوم لك ويوم عليك، فهذه سنة الله : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤] فهي ابتلاءات وقعت للمرسلين والأنبياء، ووقعت للعلماء ووقعت للصالحين، فلا بد من أن تدور الأيام دورتها، فلا يفرح أهل الباطل ولا ييأسن أهل الحق، فكلمة الله ظاهرة ولا شك في ذلك؛ لأن من وقع في مثل هذا الظن فإنه يدخل في قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] فكون المسلم يعتقد بالله أن يترك الله أولياءه ويخذل دينه ويعلي عليه كلمة الكفر والكفار والمشركين هو من سوء الظن بالله ، بل لا بد من أن يتحقق -كما أخبر النبي ﵌ النصر للمؤمنين والعاقبة للمتقين.
وتنزيه الرسول ﷺ لربه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين فإنما لينتقم منهم وينصر المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين، ولن يفلح عمل المفسدين، وهو البصير سبحانه بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين.
فقد قرن الله التسبيح بالحمد كثيراً.
قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) هذا له ارتباط بأول السورة؛ لأن أول السورة فيه دلالة على كمال مهمة الرسول ﷺ ، فقوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يعني: لقد اكتملت رسالتك، وأديت أمانتك، وأتى نصر الله للمؤمنين ولدين الله ، وجاء الفتح العام على المسلمين لبلاد الله، إما بالفعل وإما بالوعد الصادق، وهذه نعمة تستوجب الشكر والثناء والحمد لله ، فلذلك قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فكان التسبيح مقترناً بالحمد في مقابل ذلك.
قوله: (بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي أنه المتفضل بهذه النعم، كما جاء في سورة الضحى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، وقال في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:١]، وقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:٣] فترتبط وتقترن الربوبية بالإنعام؛ لأن الرب هو الذي يربي وينعم على مربوبه.
стр. 817
حكم تارك الصلاة
اتفق العلماء على تكفير من جحد وجوب الصلاة وإن أداها، واختلفوا في تكفير من تركها تهاوناً وتكاسلاً مع اعتقاده فرضيتها، ولكل أدلته الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
стр. 818
تارك الصلاة بين التكفير وعدمه
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أيها الأخ المسلم! يقول رسول الله ﷺ : (إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فوالذي نفسي بيده فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له عليه في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار! قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم.
فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجون منها بشراً كثيراً، فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا.
قال: ثم يعودون فيتكلمون فيقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان.
فيخرجون خلقاً، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا.
ثم يقول: ارجعوا، فمن كان في قلبه وزن نصف دينار فأخرجوه.
فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا.
حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة.
فيخرجون خلقاً كثيراً، قال أبو سعيد ﵁: فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]: قال: فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير.
قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار -أو قال: قبضتين- ناساً لم يعملوا لله خيراً قط، قد احترقوا حتى صاروا حمماً، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: الحياة، فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، قال: فيخرجون من أجسادهم مثل اللؤلؤ وفي أعناقهم الخاتم -وفي رواية: الخواتم- مكتوب عليها: (عتقاء الله)، قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم ومثله معه.
فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه! قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين.
قال: فيقول: فإن لكم عندي أفضل منه.
فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ قال: فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً) هذا الحديث أصله في الصحيحين، وهو في رواية خارج الصحيحين صحيح على شرط الشيخين، قد رواه عبد الرزاق وعنه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في التوحيد، والمروزي في (تعظيم قدر الصلاة).
وهذا الحديث يعد من أقوى الحجج التي يستدل بها من لا يكفر تارك الصلاة، ولا يخرجه من الملة بالكلية بترك الصلاة كصلاة واحدة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.
стр. 819
الأحكام الدنيوية والأخروية المترتبة على ترك الصلاة
يكثر الكلام في وعيد ترك الصلاة وخطورة التقصير في الصلاة وبيان أهميتها، وسنتعرض لزاوية أخرى من البحث تليق بطلبة العلم؛ إذ إنهم يضعون الكلام في مواضعه، ولا يغترون بأمثال هذه القضايا الخلافية، وظننا بهم أنهم لن يقعوا فيما حذر منه النبي ﷺ حين قال: (لا تخبرهم بها لئلا يتكلوا) فإذا كان الخطاب مع طلبة علم فلا بأس به؛ لأنهم يفهمون الكلام ويضعونه في مواضعه، بل لابد من توضيح هذه الأحكام، خاصة أن الكلام فيها يترتب عليه الكثير من الأحكام الخطيرة.
فمثلاً إذا قلنا بقول بعض العلماء، وهو الحكم بكفر تارك الصلاة وخروجه من الملة بالكلية فمعنى ذلك أنه يكون مرتداً لا حظ له في الإسلام، فهذه ليست كلمة تقال وحسب، لكن وراءها عواقب خطيرة جداً، سواء في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة، فمن أحكام الدنيا سقوط ولايته، فلا يجوز أن يولى أي ولاية، فلا يولي الولاية العظمى، ولا يولى الولاية في النكاح، فلا يصلح لأن يزوج بناته؛ لأنه غير مسلم فلا يؤتمن عليهن، ولا يولى على القاصرين من أولاده وغيرهم.
ومنها -أيضاً-: أنه يسقط إرثه من أقاربه؛ لأن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر، كما جاء في الحديث المتفق عليه.
ومنها أنه يحرم عليه دخول مكة، فلا يجوز له أن يمكن من دخول الحرمين الشريفين؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].
ومنها: تحريم ما ذكاه، فإذا ذكى شيئاً من بهيمة الأنعام -الإبل أو البقر أو الغنم- أو ذكى دجاجة وحكمنا بكفره فلا يحل أكل ما ذكاه، لأنه مثل الميتة ولأن من شروط الذكاة الشرعية أن يكون المذكي مسلماً أو كتابياً.
فذبيحة الكتابي اليهودي أو النصراني تحل بشرطها، لكن لا تحل ذبيحة هذا المرتد.
ومن ذلك أنه تحرم الصلاة عليه بعد موته، ولا يجوز الدعاء له بالمغفرة والرحمة.
وكذلك تحريم نكاحه المرأة المسلمة، إذا قلنا بالكفر فلا يجوز أبداً لكافر أن يتزوج مسلمة كما هو معلوم.
وأما الأحكام الأخروية فمنها أن الملائكة توبخه وتقرعه، بل تضرب وجهه ودبره إذا توفته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].
ومنها أنه يحشر مع الكفرة والمشركين، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣].
ومنها الخلود في النار أبد الآبدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٦] فهذه بعض الإشارات إلى ما يترتب على الحكم بتكفير تارك الصلاة.
فهذا الموضوع ليس موضوعاً نظرياً، بل يترتب عليه أحكام، ونحن نواجه هذه المشاكل في حياتنا العملية، وفي الأسئلة الموجهة لنا، فلابد من أن نكون على بصيرة من حقيقة الخلاف في هذا الأمر.
стр. 820
مؤلفات في حكم تارك الصلاة
يفرح طالب العلم إذا وجد في مثل هذا الموضوع كلاماً فيه من الشيوخ أو طلاب العلم أو الباحثين؛ فإن ذلك -بلا شك- لا يخلو من فوائد عظيمة جداً تثري البحث العلمي.
ويتوافر لدينا بعض المصنفات المستقلة في هذا الباب، أشهرها على الإطلاق هو كتاب للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو كتاب الصلاة وحكم تاركها، وسياق صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، فهذا هو أول مرجع وأشهره.
وتوجد رسالة للشيخ محمد بن صالح العثيمين اسمها (حكم تارك الصلاة) وأيضاً صدر كتاب بعنوان (فتح من العزيز الغفار لإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار) وقد وجهت إلى مؤلف هذا الكتاب نصيحة بتغيير اسم الكتاب، فلبى النصيحة وغير اسم الكتاب إلى اسم آخر، ويعد هذا الكتاب من أوفى البحوث في هذه القضية؛ لأنه جمع أدلة الفريقين بالتفصيل، وتتبع أدلة مخالفيه، ويعتبر من أقوى البحوث التي تناولت هذه القضية وأوسعها، ويكفي كتاب (فتح من العزيز الغفار) فضلاً أن الشيخ الألباني مدحه، والشيخ الألباني معروف بأنه عزيز المدح، وصعب جداً أن يمدح أحداً، فالشيخ ناصر قد أطلق قلمه في مدح هذا الكتاب والثناء عليه بما لم يظفر به غيره من المصنفين في هذا الزمان، فهذه -بلا شك- شهادة لها قيمتها ولها وزنها من العلامة الألباني.
وكالعادة ما سلم الأمر من أخذ ورد، فبمجرد أن ألف الشيخ عطاء كتاب (فتح من العزيز الغفار) قام بالرد عليه أخ يدعى ممدوح جابر عبد السلام، فألف كتاباً حول مسألة حكم تارك الصلاة وسماه: (الرد العلمي على كتاب فتح من العزيز الغفار لإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار)، ثم عاد الشيخ عطاء وألف من جديد كتاباً سماه: (فيض من رب الناس بإبطال رد ممدوح بن جابر من الأساس).
وما زلنا ننتظر المزيد من الردود، وعلى أي الأحوال نحن المستفيدون من هذه المساجلات العلمية، لكن نبرأ من الأساليب الغليظة من بعض المؤلفين في الرد على البعض الآخر في مثل هذه القضايا الاجتهادية.
ونحن إنما نبحث عن الخلاصة، وننتفع بكلام هذا وكلام ذاك، ولكن لا ننصت ولا نلتفت إلى شدة بعضهم على بعض، أو ما يقع من تجاوزات، فهذا لا يعنينا في شيء، فذكر هذه البحوث يُفيد في تفصيل هذه القضية.
والكلام كثير جداً، لكن سنحاول إن شاء الله تعالى أن نمر مروراً سريعاً بقدر المستطاع على هذا البحث إن شاء الله تعالى.
стр. 821
أدلة من لا يكفر تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً
وقبل معرفة الأدلة ينبغي أن نعلم أن الخلاف هو في الذي يقر بوجوب الصلاة ويكسل عنها، أما الذي يجحد وجوب الصلاة فهو كافر مرتد وإن كان يصلي الفرض والنفل ويحافظ على الصلاة في الجماعة، ويأتي بظاهرها وباطنها، فمن كان يفعل ذلك ويقول: أنا أفعل هذا وأعتقد أن الصلاة ليست فريضة وليست واجبة، فهو كافر كفراً اعتقادياً؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
فالذي لا يقر بوجوب الصلاة لا خلاف في كفره بين العلماء، لكن اختلفوا في الذي يقر بوجوب الصلاة لكنه يكسل عن أدائها، فهذا هو محل الخلاف، أما الشخص الذي يجحد وجوب الصلوات فهو كافر مرتد مشرك حلال الدم والمال، واليهود والنصارى خير من الذي يجحد وجوب الصلاة، حتى ولو كان يصلي.
فكلامنا عن حكم تارك الصلاة الذي يقر بوجوبها ويكسل عنها.
وهنا مجموعة من الأدلة التي استدل بها الذين لا يكفرون تارك الصلاة: الدليل الأول: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: (ثلاث أحلف عليهن: لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وسهام الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة، ولا يتولى الله عبداً في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوماً إلا جعله الله معهم، والرابعة: لو حلفت عليها رجوت ألا آثم: لا يستر الله عبداً في الدنيا إلا ستر عليه يوم القيامة) رواه الإمام أحمد والحاكم والنسائي وغيرهم، وهو حديث صحيح.
فهذا الحديث يدل على أن من جاء بسهم واحد أياً كان هذا السهم وترك بقية سهام الإسلام كلها فإن حكمه يختلف عن حكم من ترك سهام الإسلام كلها ولم يأت منها بأي سهم.
فوجه الدلالة في هذا الحديث على عدم تكفير تارك الصلاة أنه جعل الصلاة سهماً من أسهم الإسلام، مثل الصيام ومثل الزكاة، ثم صرح بأن من أدى واحدة من هذه الأسهم الثلاثة كان له سهم في الإسلام، ولا يتساوى في الحكم مع من لم يؤد واحداً منها، فهذا يدل على أن من أدى الزكاة فقط -مثلاً- وترك الصوم والصلاة له سهم في الإسلام، وعليه فإن له نصيباً فيه، فلو كان ترك الصلاة مخرجاً من الملة بالكلية لما كان له -أصلاً- نصيب في الإسلام.
فقوله: (لا يجعل الله من له سهم في الإسلام -أي: من هذه الأسهم الثلاثة- كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة) هو الدليل الأول الذي استدلوا به.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق) والصوى علامات من الحجارة توضع على الطريق لتبين مراحل الطريق في السفر، قال: (إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، من ذلك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم، فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فالذي انتقص منهن شيئاً فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره) هذا رواه المروزي في (تعظيم قدر الصلاة) وهو حديث صحيح رجاله ثقاة رجال الشيخين.
فوجه الدلالة في هذا الحديث أن النبي ﵊ جعل هذه منارات وعلامات في الإسلام، أعظمها بلا شك: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، ومعلوم أن التوحيد هو شرط في صحة كل شعب الإيمان، إذا فقد التوحيد بطلت كل شعب الإيمان، ولا ينتفع بها صاحبها في الآخرة.
قال: (وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم، فإن ردوا عليك ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئاً فهو سهم من الإسلام تركه) فقوله: (فمن انتقص منهن شيئاً فهو سهم من الإسلام تركه) يعم كل ما تقدم ذكره ما عدا شهادة التوحيد؛ لأنها شرط في صحة كل شعب الإيمان، فالذي لا يأتي بالتوحيد لا نقول عنه: إنه ترك سهماً من سهام الإسلام.
بل إنه لا حظ له في الإسلام، لكن المقصود باقي الشعب المذكورة، وهي (أن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان) إلى آخره، يقول (فمن انتقص منهن شيئاً فهو سهم من الإسلام تركه، ومن تركهن -يعني: جميعاً- فقد نبذ الإسلام وراء ظهره).
الدليل الثالث: عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: (الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له) ووجه الدلالة قريب مما مضى.
الدليل الرابع: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه) هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والبغوي في (شرح السنة) وفي بعض الروايات: (وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن).
فمعنى ذلك أن من قصر في شيء من هذه الصلوات فإنه يدخل تحت المشيئة، فإن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، وهذا شأن أهل الكبائر وليس شأن المشركين أو الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فإذا كان ترك الصلاة كفراً فإن الله لا يغفره، أما دخوله هنا تحت المشيئة فيدل بنص هذا الحديث على أنه لا يكفر بذلك كفراً يخرجه من ملة الإسلام.
الدليل الخامس: عن عبادة ﵁ مرفوعاً: (خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئاً لقيه وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لقيه ولا عهد له، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) وهذا -أيضاً- حديث صحيح، ووجه الدلالة واضح وموافق لما مضى.
الدليل السادس: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أدخل رجل قبره فأتاه الملكان فقالا: إنا ضاربوك ضربة.
فقال لهما: علام تضرباني؟! فضرباه ضربة امتلأ قبره منها ناراً، فتركاه حتى أفاق وذهب عنه الرعب، فقال لهما: علام ضربتماني؟ فقالا: إنك صليت صلاة وأنت على غير طهور، ومررت برجل مظلوم ولم تنصره) وهذا رواه الطبراني وهو حديث حسن بطرقه.
الدليل السابع: عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: (أنه أتى النبي ﷺ فأسلم على أن يصلي صلاتين فقبل منه) وهذا رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح ورجال إسناده ثقات.
فالنبي ﷺ قبل منه الإسلام مع هذا الشرط، فكونه قبل منه الإسلام مع أنه اشترط أنه لا يصلي غير صلاتين يدل على أنه لا يمكن أن يقبل منه شرطاً لا يدخله في الإسلام، فهذا الحديث يدل -أيضاً- على أنه لم يكفر بذلك.
الدليل الثامن: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (إن أول ما يحاسب به الناس من أعمالهم الصلاة، فيقول ربنا للملائكة وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي هل أتمها أم نقصها.
فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان قد انتقص شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه.
ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم) وهذا حديث صحيح ثبت عن ستة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
الدليل التاسع: حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة) وهذا رواه الإمام أحمد، والشاهد هنا قوله ﵊: (وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء) فهذا دليل على عدم تكفير المتعمد ترك الصلاة كسلاً.
الدليل العاشر: عن أبي ذر الغفاري ﵁: (أن النبي ﷺ قام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة -أي أنه ظل يردد هذه الآية حتى صلى صلاة الفجر- وقال: دعوت لأمتي.
قلت: فماذا أجبت -أو: ماذا رد عليك؟ - قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة.
قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: بلى.
فانطلقت معنقاً قريباً من قذفة بحجر فقال عمر: يا رسول الله! إنك إن تبعث إلى الناس بهذا ينكلوا عن العبادة.
فنادى أن: ارجع فرجع، وتلك الآية ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]).
الدليل الحادي عشر: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه مرفوعاً إلى
стр. 822
نتيجة أدلة من لا يفكر تارك الصلاة كسلاً
تلك الأدلة تدل على أن ترك الصلاة -بلا شك- من أكبر الكبائر على الإطلاق، لكن ليس هو كفراً أكبر مخرجاً من الملة؛ لأننا لا يمكن أن نسوي بين من آمن بالرسول ﵊ إيماناً صادقاً وأيقن أن محمداً ﵊ رسول من عند الله حقاً وبين من كذب الرسول ﷺ كاليهودي أو النصراني.
فهناك أدلة على عدم تخليد أصحاب الكبائر في النار، وهي تثبت أن تارك الصلاة يعذب بالنار ويستحق ذلك إن شاء الله ، لكن لا يخلد فيها، ولذلك نجد أن أدلة الفريق الآخر الذي يكفر تارك الصلاة غاية ما فيها أن تارك الصلاة يعذب في النار، لكن يرد عليهم بالقول: فأين الدليل على خلوده؟ فنحن لا نختلف على أنه يدخل النار إذا قدر الله له العذاب.
ومن الأدلة التي تؤيد القاعدة العامة التي تقول: إنه ليس هناك من الأعمال الصالحة ما إذا ضيعه الإنسان يخلد في النار قول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩]، ومنها قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١] وغير ذلك من الأدلة العامة التي تدل على تكفير مرتكب الشرك، أما من ارتكب الكبائر خلا الشرك فإنه لا يكفر إلا إذا استحلها.
ومن ذلك -أيضاً- قوله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ﴾ [فاطر:٣٢] فقوله: (فمنهم ظالم لنفسه) هم أصحاب الكبائر.
فيدل هذا على عدم كفره؛ لأنه داخل في الذين اصطفاهم الله، وإن كان قد يعذب.
وهناك جملة كبيرة من النصوص التي فيها وصف أفعال معينة بالكفر، والكفر فيها ليس كفراً أكبر، ولكنه كفر دون كفر، والآيات في هذا كثيرة جداً والأحاديث في هذا كثيرة.
стр. 823
أدلة من يكفر تارك الصلاة مطلقاً والرد عليها
استدل القائلون بكفر تارك الصلاة بقول الله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فقالوا: اشترط الله تعالى لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط: الأول: أن يتوبوا من الشرك.
الثاني: أن يقيموا الصلاة.
الثالث: أن يؤتوا الزكاة.
أما إذا تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا، ولا تنتفي أخوة الدين إلا بالشيء الذي يخرج من الملة، بدليل أن بعض المعاصي لم تنتف بها -رغم وقوعها- أخوة الدين، كقوله ﵎ في القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] إذاً: لا تنتفي أخوة الدين مع وجود القتل الذي هو كبيرة من الكبائر، فدل على أنها ليست كفراً.
وكذلك -أيضاً- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] وهذا في فئتين متقاتلتين، ومع ذلك بقيت أخوة الإيمان مع وجود القتال.
فالأخوة في الدين لا تنتفي إلا بما يخرج من الملة، وهنا قاعدة، وهي أن ما علق على شرطين لا يتحقق بواحد منهما، وما علق على ثلاثة لا يتحقق باثنين أو واحد منها، وهكذا هنا، قالوا: قال الله تعالى: (فإن تابوا) يعني: من الشرك (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)، فإن افتقد واحد من هذه الشروط الثلاثة، فإنهم لا يكونون إخوة لكم في الدين.
وأما الفريق الذي لا يكفر تارك الصلاة فقد ردوا على هذا وقالوا: إذا تابوا من الشرك وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة هل يكونون كفاراً؟ وهل تنقطع أخوة الدين بناء على هذا الكلام؟ قالوا: لا؛ إذ عندنا أدلة تدل على أن تارك الزكاة لا يكفر، وهو أنه ورد في وعيد تارك الزكاة أنه يصور له ماله شجاعاً أقرع إلى آخر الحديث، وفي آخر الحديث قال ﵊: (ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار) فبعد أن يعذب هذا العذاب يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار، فهذا يدل على أن تارك الزكاة لا يكفر لمجرد تركها.
وردوا كذلك على هذا الاستدلال بأن منطوق هذه الأدلة التي ذكرناها آنفاً يدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة، وهذا المنطوق يقدم على مفهوم هذه الآية، فالله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] فمنطوق هذه الآية أن من تاب من الشرك وأقام الصلاة وآتى الزكاة فإنه يكون أخاً لنا في الدين مسلماً، أما المفهوم فهو: أن من ترك هذه الثلاثة أو شيئاً منها فليس أخاً لنا.
فالتعارض هو بين مفهوم الآية ومنطوق النصوص أو الأحاديث التي ذكرناها من قبل التي تدل على عدم كفره، وعند تعارض المنطوق مع المفهوم يقدم المنطوق.
وكما لا يكفر تارك الزكاة تقديماً لمنطوق حديث: (ثم يرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار) على مفهوم هذه الآية، فكذلك يقدم منطوق النصوص الدالة على عدم كفر تارك الصلاة على مفهوم هذه الآية.
فتكون كلمة (فإخوانكم في الدين) في شأن الشرك محمولة على أصل الأخوة، أما في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فتحمل على كمال الأخوة في الدين، يعني: ليسوا إخواننا إخوة كاملة، بل ناقصة.
الدليل الثاني: استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠] فقالوا: قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن) دل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات ليسوا مؤمنين؛ لأن الآية تقول: (إلا من تاب وآمن) فدل ذلك على أن تارك الصلاة غير مؤمن؛ لأن توبته مرتبطة بالإيمان.
والجواب أن قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن) معناه: لو تاب وداوم وثبت على إيمانه.
كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] أي: داوموا على إيمانكم.
لأنه خاطبهم بصفة الإيمان.
فيكون معنى قوله: (إلا من تاب وآمن) أي: آمن إيماناً كاملاً بشروعه في الصلاة.
والدليل على إبطال احتمال أن قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن) قصد به الدخول في أصل الإيمان وأنه مشرك بتضييعه للصلاة أنه لم يكتف بكلمة (إلا من تاب) لأن التوبة ستشمل الكفر وتشمل المعاصي، لكنه لم يكتف بها ولم يقل: (تاب) فحسب كما قال في الكافرين: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة:٧٤] ولم يقل: فإن يتوبوا ويؤمنوا.
مع أن الله ذكر في حق المنافقين أنهم كفروا بعد إسلامهم، فتوبة الكافر هي إيمانه، وقد قال النبي ﵊ لرجل قال له: أقاتل ثم أسلم، أم أسلم ثم أقاتل؟ قال له: (أسلم ثم قاتل)، ولم يقل له: تب وأسلم.
أو: تب وآمن ثم قاتل.
لكنه قال: (أسلم).
وفي حديث معاذ قوله ﵊: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم) إلى آخر الحديث، فقال: (فادعهم إلى أن يشهدوا) ولم يقل: إلى أن يتوبوا.
وقال ﵊ لـ هرقل: (أسلم تسلم)، وقال الله حاكياً عن الوالدين يعظان ابنهما: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الأحقاف:١٧].
فالشاهد من هذا كله أن المقصود من كلمة (آمن) أي: دخل في تمام الإيمان وكماله.
وقد أولنا كلمة (آمن) عن معناها الحقيقي -وهو الدخول في أصل الإيمان- إلى المعنى المجازي -وهو تمام الإيمان وكماله- القرينة، فقوله تعالى: (إلا من تاب وآمن) أي: إيماناً كاملاً.
والقرينة التي جعلتنا نصرف كلمة (آمن) عن معناها الحقيقي هي الأدلة التي تدل على أن تارك الصلاة كسلاً لا يكفر كفراً مخرجاً من الملة، وليس المقصود بذلك أصل الإيمان، بل كماله.
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ * يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٤٣] فقوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) يفهم منه: أنه لا يليق بحكمة الله أن يجعل المسلمين كالمجرمين، فبين ﵎ حال هؤلاء المجرمين أنهم يوم القيامة عندما يكشف عن ساق -كما بين ذلك الحديث الصحيح- ويدعون إلى السجود يحال بينهم وبين السجود عقوبة لهم على ترك السجود مع المصلين في دار الدنيا، قال تعالى: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون) أي: في الدنيا (إلى السجود وهم سالمون) فيمتنعون من الصلاة، فلذلك يؤاخذون بذلك، فيفهم من هذا أنهم يكونون مع الكفار والمنافقين؛ لأن المنافقين ستبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كالطبق الواحد لا يستطيعون السجود، فلو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين.
والجواب على هذا الاستدلال أن الآية لم تتعرض لخلودهم في النار حتى تدل صراحة على كفرهم، وتعجيزهم عن السجود لا يستلزم دخولهم النار؛ لأن هذا في موقف من مواقف يوم القيامة، ولو افترضنا أنه يستلزم دخولهم النار، فهل دخول النار يستلزم الخلود فيها؟ والجواب أنه لا يستلزم الخلود فيها إذا دخلوها.
أما قولهم: لو كانوا من المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين، فجوابه أن هذا غير مسلَّم؛ لأن عدم الإذن لهم بالسجود ربما لأنهم كانوا لا يسجدون لله في الدنيا فعوقبوا بمنعهم من السجود في الآخرة، أو كانوا يسجدون في الدنيا رياء لا لوجه الله، فعوقبوا بحرمان السجود في الآخرة مع المؤمنين.
وأما في الحديث فيقول ﵊: (فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له في السجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه) إلى آخر الحديث، والسجود رياء لا يستلزم الخروج من الملة بالكلية.
إذاً: عدم الإذن بالسجود لا يستلزم أن يكون غير المأذون لهم كافرين، ثم إن الآيات لم تذكر أنهم لو دخلوا النار يكون خالدين فيها أو غير خالدين.
الدليل الرابع: استدلوا بقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٨] فاستدلوا هنا بقوله تعالى: (في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر) قالوا
стр. 824
ذم كثرة السؤال
السؤال قضية ترد في حياة المسلم، وقد جعل لها الشرع آداباً كثيرة، حيث كره الإكثار منه فيما لا يعود بفائدة على المسلم وفيما يؤدي إلى التعمق والتكلف ونحو ذلك، كما أرشد الشرع إلى اجتناب المسائل التي يحصل بها ضيق وحرج على المسلمين أو يأتي فيها الجواب بما يسوء السائل، وهناك آداب أخرى ينبغي للمسلم -خاصة طالب العلم- أن يعتنى بها لكي يسلم في دينه.
стр. 825
غضب النبي ﷺ من كثرة الأسئلة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بسنده في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) في (باب ما يكره من كثرة السؤال) عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام إلى المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم فيه ما دمت في مقامي هذا.
قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء) يعني أن الرسول ﵊ فتح لهم باب السؤال، وكأنه كان مغضباً من كثرة السؤال، فلذلك قال: ما دمتم تكثرون الأسئلة إذاً فاسألوا، فوالله لا يسألني أحد سؤالاً إلا أجبته عنه.
يقول: (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامكم هذا.
قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء - خوفاً من غضب رسول الله ﷺ فأكثر رسول الله ﷺ أن يقول لهم: سلوني، سلوني.
قال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار.
فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة.
قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر على ركبتيه - علم عمر أن الرسول ﷺ غضب من كثرة أسئلتهم- وقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً.
فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثم قال ﷺ : والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر).
وعند مسلم: قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة -وقد كان الناس يطعنون في نسبته إلى أبيه حذافة، فلما فتح الرسول ﵊ هذه الفرصة ليجيب عن أي سؤال سأل هذا
السؤال
من أبي يا رسول الله؟ وأراد بذلك أن يحسم هذا الكلام، فلما وقع منه ذلك ورد ﵊ وقال أبوك: حذافة.
قالت له أمه-: (ما سمعت بابن قط أعق لأمه منك! أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف النساء من أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته.
هذا الحديث رواه الإمام البخاري في (باب ما يكره من كثرة السؤال)، وذلك في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)، والحقيقة أن كثرة السؤال وعدم الانشغال بالعمل، وترك الإعراض عن تشقيق الأسئلة وتفريعها والجدل، والسؤال عما لا يعني ظاهرة بلا شك من الأخلاق المضادة تماماً لسلوك السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم؛ فإن الله لا يحب كثرة السؤال والجدل والمراء والتكلف والتنطع في الأسئلة، وتتبع المغاليق من المسائل، وتتبع سقطات الناس وأغلاطهم كل هذا مما يتنافى مع قول السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
وفي بداية الحديث أحب أنبه على أن ما سنذكره لا نذكره من أجل المتعة الذهنية، أو زيادة المعلومات النظرية، وإنما المقصود أن ينعكس على سلوكنا، وإذا ما انشغلنا بالعلم النافع فلن نحتاج إلى كثرة الأسئلة، إذا انشغلنا بالعلم وبالقرآن الكريم، وبحفظ القرآن، وبذكر الله لن نقع في هذا الخلق الذي ذمه السلف الصالح رحمهم الله تعالى أجمعين.
فأنت ترى كيف أن النبي ﵊ غضب لما كثرت أسئلة الصحابة، فوقف وقال لهم: (سلوني) أي: ما دمتم تريدون كثرة الأسئلة إذاً سلوني ما شئتم، فأي شيء تسألون عنه سوف أجيبكم عنه ووقع ما وقع كما في الحديث.
стр. 826
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)
ونفس هذا المعنى هو الذي علمه الله الصحابة رضي الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة:١٠١ - ١٠٢].
فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا) يعني: لا تسألوا نبيكم ﵊ (عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ) أي: تظهر لكم (تَسُؤْكُمْ) لما فيها من المشقة (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يعني: وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذٍ.
هذا أحد الوجوه في تفسير الآية (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يعني: إذا أنزل شيء في القرآن وكان مجملاً وأنتم تطلبون بيانه فهذا ليس منهياً عنه، بل لكم أن تسألوا عن الشيء الذي يوضح ما أجمل في القرآن، فيبينه النبي ﷺ ، فهذا من مواضع الحاجة التي لا حرج في السؤال فيها.
وثم توجيه آخر، وهو جعل (حين) ظرفاً لـ (تبد)، يعني: إن تسألوا عنها تبد لكم حين ينزل القرآن.
وقيل: إن قوله تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يتضمن التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنه في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسؤكم، وربما يأتيكم البيان بما يسؤكم.
فيحمل معنى الآية على: لا تتعرضوا للسؤال عما يسؤكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم؛ لأن زمن الوحي زمن التشريع، كما جاء في سبب نزول هذه الآية حينما نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فقال رجل: (أكل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه الرسول ﷺ ، فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه النبي ﵊، ثم قال في الثالثة: أكل عام يا رسول الله؟ قال: لا.
ولو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم أن تحجوا في كل عام).
فلو أن ملايين المسلمين الموجودة في الأرض تريد الحج إلى مكة خاصة، وكان الحج فريضة كفريضة الصلوات الخمس، فكم سيكون في ذلك من المشقة؟ إذاً هذا الرجل فتح باب السؤال، ولو أتى الجواب موافقاً لكان في ذلك تعنت ومشقة وإساءة للمؤمنين.
وقال بعضهم: إنه ﵎ بين أولاً أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم أساءتهم، ثم بين ثانياً أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، فكان حاصل الكلام: إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين: أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم، فالمراد بهذه الأشياء ما يشق عليهم ويضمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشبيه لإساءتهم الأدب، واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عما لا يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله من غير بحث ولا تعرض لكيفيته وأهميته.
стр. 827
نموذج من التعنت وكثرة الأسئلة
إذا أتى الأمر الشرعي فامتثله ولا تستتبع حتى لا يأتيك الجواب بما يسوؤك ويثقل عليك، كما حصل مع بني إسرائيل، حين أمروا أن يذبحوا بقرة، فالتنطع في الأسئلة وكثرة مراجعتها خلق إسرائيلي يهودي، خلق المغضوب عليهم، ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة وذبحوها لكانت تجزئهم؛ لأن الأمر كان بأي بقرة، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة:٦٧ - ٦٨] وانظر إلى سوء الأدب مع الله ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٦٨]، اسألوه عن السن، فأتاهم الجواب عن السن: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة:٦٨] وما كفاهم التقيد بقيد السن، بل تنطعوا: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] هذا هو بيان (إن تبد لكم تسؤكم) لما في ذلك من التضييق والتشديد.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦٩ - ٧٠] فلبركة هذا الاستثناء (وأنا إن شاء الله) أتاهم الجواب الفاصل في النهاية: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] وهذا أيضاً من سوء القول، وكأنه من قبل ما أتى بالحق.
فهذا نموذج من نماذج التنطع والتشدق وتتبع الأسئلة وتقريعها مما يورد هذه المشاق وهذا العنت، فالواجب الاستسلام لأمر الله كيفما كان دون السؤال عن الكيفية أو الكمية.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] معناه: لا تكثروا مساءلة رسول الله ﷺ عما لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم؛ لأنه إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه فلن تطيقوها، ونحو بعض أمور مستورة إذا سألتم وبرزت سوف يسوءكم الجهر بها.
وقوله تعالى: (عفى الله عنها) يعني: عفا عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن، ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم، فأنتم بالسؤال قد تفتحون باب التضييق عليكم.
أو: عفى الله عن بيانها كي لا يسوءكم بيانها.
قال تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة:١٠٢] (ثم أصبحوا بها) أي: بسببها (كافرين) لأنهم لما أجيبوا بما سألوا عنه لم يمتثلوا هذا الذي وجب عليهم بسبب السؤال، ولم يفعلوه، وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له.
стр. 828
ما روي في سبب نزول آية المائدة
هذه الآية روى البخاري في سبب نزولها عن أبي الجويرية عن ابن عباس ﵄ قال: (كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاءاً، فيقول رجل: من أبي؟ ويقول رجل تضل ناقته: أين ناقتي؟) كما يعمل هذا بعض المستفتين في هذا الزمان عندما يأتون إلى الشيوخ والعلماء لحل أسئلة المسابقات.
وهذا نوع من الاستخفاف بالأشخاص، وهذا الخلق -كثرة الأسئلة- يحمل هذا المعنى، فكان الرجل تضل ناقته فيأتي يسأل الرسول ﵊ عنها، فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة:١٠١].
وعن أنس ﵁ قال: (خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.
قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فنزلت هذه الآية: ((لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:١٠١]).
وروى البخاري أيضاً في كتاب الفتن عن قتادة أن أنساً حدثهم قال: (سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة - حتى أحرجوه وأضجروه بكثرة المسائلة - فصعد النبي ﷺ ذات يوم المنبر، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم.
فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي) عرف الصحابة أن الرسول ﷺ قد غضب من كثرة السؤال.
فلذلك قال: إذا كنتم تفتحون هذا الباب إذاً اسألوا وسأجيبكم حتى لو كان ذلك فيه ما يسوءكم ويؤذيكم.
ومن أجل ذلك أفاق الصحابة وفهموا أنه في حالة غضب شديد على هؤلاء الذي يسلكون هذا المسلك، ولذلك يقول هنا: (فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي) يعني: خوفاً من غضب رسول الله ﷺ ، وندماً على ما كان منهم من قبل.
قال: (فأنشأ رجل كان إذا لاحى -يعني: وقع جدال أو عراك بينه وبين شخص- ينسب إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذافة.
ثم أنشأ عمر فقال رضي الله تعالى عنه: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي ﷺ : ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط؛ إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط) فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
وعن السدي قال: (غضب رسول الله ﷺ يوماً من الأيام، فقام خطيباً فقال: سلوني -إلى أن قال مثل ما مضى من الأحاديث- فقام إليه عمر فقبل رجله، وقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وزاد: وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك.
فلم يزل به حتى رضي ﷺ .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان محمر وجهه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: في النار -بنحو ما مضى- وفيه فنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]).
стр. 829
أدب لطلبة العلم في ضوء الآية
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وفي هذه الزيادة على ما في البخاري من قول الرجل للنبي ﷺ : (أين أنا؟ قال: في النار) يتضح أن هذه القصة هي سبب نزول قوله تعالى: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
وكيف ستكون حياة هذا الرجل في الأيام أو الشهور أو السنوات المتبقية من عمره وهو يترقب أنه بعد موته يدخل النار؟ وما مقدار المساءة في مثل هذا الخبر الذي يؤذيه ويسوءه بلاشك؟ فالمساءة هنا جاءت صريحة، بخلافها في حق حذافة فقد جاءت بطريق الجواز، وربما إذا أجاب بأن أباه ليس حذافة تؤذيه بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه؛ وبين أباه الحقيقي لافتضحت أمه كما صرحت بذلك حين عاتبته على هذا السؤال، لكن المساءة هنا جاءت بحكم قاطع أنه في النار.
وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي البختري، عن علي ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت.
فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت.
قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: لا.
ولو قلت: نعم.
لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]).
وجاء أن بعض الصحابة قالوا: (لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: الحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة.
ونحن -معشر طلاب العلم- وأخص من ينتسبون إلى المنهج السلفي -نحتاج لتحذير متكرر في غاية الجدية في هذا الأمر؛ لأنني ألحظ بعض الإخوة حينما يجلسون إلى الشيوخ أو يراسلونهم بالأسئلة ويتصلون بهم ألحظ كثيراً من هذه الأغراض، فيتصل بأحد العلماء مثلاً، ويسأله سؤالاً ما، ويعد له كميناً حين يوصل جهاز التلفون بجهاز سري، ودون أن يستأذنه يسجل له فتاوى، ثم إذا به يستعمل كلام هذا الشيخ لنصرة طائفته التي ينتمي إليها، أو مهاجمة الشيخ نفسه أو غيره، ويسخر هذا الكلام في مثل هذه الأذية، وهذا -بلاشك- خلق ينافي سلوك السلف؛ لأنه -بلاشك- نوع من خيانة الأمانة، ولابد من استئذانه في مثل هذه الأشياء، وهناك رسالة جديدة أصدرها العلامة الدكتور بكر أبو زيد حفظه الله تعالى، تحدث فيها عن مثل هذا بالتفصيل.
أو ربما يكون السؤال على سبيل الامتحان وطالب العلم لديه غرض، لكنه يخفيه في البداية، ثم يفتح الطريق للكلام بطريقة تشبه الاستدراج إلى الموضوع ليجادله، كلما أدلى بحجة يعارضه بحجة.
وهناك فرق بين الاستفتاء السريع الذي هو سؤال وجواب للإرشاد وبين مقام المناظرة، فالمناظرة لها مجلسها ووضعها وأوضاعها، أما الاستفتاء فأمر آخر، فهذا يحصل كثيراً مع كثير من الشيوخ، وهو أن طالب العلم يسأل متعنتاً لا راغباَ في الاستفهام والسؤال.
وقد أدركت بعض الأخوة في مرة من المرات مع أحد الشيوخ الكبار حفظه الله تعالى، وكأن هذا الطالب سهر الليالي حتى يحفظ مسألة معينة، ثم أتى يجادل بها الشيخ بحيث يستدرجه بأن يفتح له الموضوع، ثم إذا به يجادل ويحرج الشيخ ويحاصره كأنه ملاكم أو مصارع يواجه خصمه، فلا شك أنه يوجد كثير من التعنت وتعمد الإحراج أو الامتحان أحياناً، حتى إن الشيخ -حفظه الله تعالى وبارك في عمره وعمله- رد على الأخ بمنتهى البساطة، وقال: يا أخي! إني لا أحسن هذه المسألة.
وعلم الله أن الشيخ يحسنها من قبل أن يولد هذا الشاب وألف فيها كتباً.
فالشاهد أن مراعاة الأدب عند السؤال واجبة، وأما امتحان السائل فهذا من البدع.
وفي قصة الإمام البخاري في محنته المشهورة أنه أتى رجل وسأله سؤالاً أمام الناس حتى يمتحنه، كي يأخذ الجواب ويشنع على عقيدة البخاري، وهذا ما حصل بالفعل، حتى اضطر البخاري إلى الخروج من بلاده، وحصلت له محنة عظيمة بسبب هذا، فلما سأله على مجمع من الناس وهو يقصد امتحانه واختباره وإيقاعه أجابه على مسألة (اللفظ بالقرآن مخلوق) ثم قال له: وامتحان المسلم بدعة.
فليس من الأدب أنك تسأل المسلم لتمتحنه، أو الشيخ لتمتحنه أو لتظهر أنك أعلم منه في هذه المسألة، فالشخص الذي يتعنت ولا يطلب العلم لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره، ولا يجاب ولا يستحق جواباً، لكن فليتأدب في السؤال، ويتلطف ولا يتعنت، ولا ينوي الامتحان ولا الإحراج، ولا استعمال هذا الكلام لامتحان بعض الشيوخ في بعض الموضوعات، إلى غير ذلك من هذه الأشياء.
يقول الحافظ ابن حجر: (والحاصل أنها -أي: هذه الآية- نزلت لكثرة المسائل إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان).
وأما موضوع الامتحان في الاتجاهات الحزبية والانتماء للجماعات والاتجاهات الفكرية فهذه مشهورة وكأنها خلق عادي، وكثير من طلبة العالم يسأل كي يمتحن، لا محتاجاً للإجابة، فلا تمتحن وتقول: سأبحث عن اتجاه هذا الشيخ، أو اتجاه هذا الرجل فمثل هذه الامتحانات الأفضل للمسلم أن يكون سلوكه فيها حسن الظن إلى أقصى مدى، خصوصاً مع العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.
يقول ابن حجر: (إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لولم يسأل عنه لكان على الإباحة).
بجانب أن كثرة هذه الأسئلة حجة على صاحبها، كما كان بعض الناس يكثر الأسئلة على عالم معين، فلما أضجره وأكثر عليه من الأسئلة قال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا.
قال فما تصنع بازدياد حجة الله عليك.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها.
وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) ورواه أبو داود والترمذي، لكن في سنده كلام.
стр. 830
الانعكاسات السلبية على الفرد والمجتمع بكثرة التتبع
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الآية الكريمة بقوله في (إعلام الموقعين): لم ينقطع حكم هذه الآية.
يعني: الأدب أو الحكم المأخوذ من هذه الآية لم يكن مختصاً بهؤلاء الذين نزلت فيهم وإنما هو حكم عام باق.
فيقول ابن القيم ﵀: لم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه، بل يستعفي ما أمكنه ويأخذ بعفو الله.
ومن ههنا قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا) لما سأله رفيقه عن مائه أطاهر أم لا؟ (لا تسأل) لأن الأصل في الماء الطهارة، فالذي كان يمشي مع عمر سأل صاحب الميزاب عن طهارة ذلك الماء، فقال عمر: (يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا) لأن الذي سقط ماء، والأصل في الماء الطهارة، فإذا كنت تمشي بجانب مستنقع من الماء وهناك سيارة تسير بسرعة قذفت بالماء عليك -مثلاً- فلا تبحث عنه، أنت غير مكلف بهذا، ولكن إذا خالفت هذا الأدب وظللت تسأل وتستتبع فقد يظهر لك ما يسوؤك فتصير ثيابك نجسة مثلاً، لكن أنت متعبد بعلمك الذي هو اصطحاب أصل الطهارة في كل المياه والتراب.
كذلك نلاحظ بعض الناس يريد أن يصلي في البيت -مثلاً- فيحضر السجادة، فهذا يقال له: صل على أي شيء من تراب أو فرش، ودع الوسوسة بهذه الطريقة، فأنت غير مطالب بالتحري في أي مكان في الأرض، بل صل فقط، أما أن تتتبع وتفتش وتقول: لعل ولعل فلا.
فما دمت لم تر دليلاً حسياً على النجاسة أمامك فابن على الأصل ولا تتعنت، هكذا الإسلام في سماحته وسهولة أحكامه ويسره، وفي الحديث؛ (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) فخذ الأمور ببساطة، فإذا زرت أخاك المسلم فقدم لك الطعام فلا تسأل عنه، ولا تقل له: من أين هذا؟ أو تسأل عن اللحم من أين، أو الجزار يصلي أو لا يصلي، فأنت غير مطالب بهذا، والأصل أن المسلم يتقي الله، فتأكل مما قدمه لك، وأنت غير مطالب بتتبع هذا الأمر.
هذا هو الأصل، أما إذا ظهر لك ما ينقلك عن الأصل فهذا شيء يعتبر، لكن لا تفتش عن أشياء قد تضيق عليك حياتك، ولذلك يقول ﵊: (إذا زار أحدكم أخاه فأكل أو شرب عنده فلا يسأله) لا تسأله، واستصحب هذا الأصل.
يقول ابن القيم: (وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره، فلعله يسوءه إن أبدي له).
وأحياناً بعض الناس لا يقنع بمعاملة العبيد مع العبيد حتى يعامل الناس كأنه رب وهؤلاء العباد عبيد له.
فمن رحمة الله بنا أنه لا يطلع على ما في صدور الناس إلا الله رب الناس، أما بعض الناس فإنه يفتش ويتحرى حتى يستتبع خبايا الأمور ودخائل النفوس، وبالتالي يبدأ يحصر نفسه في محيط من العداوات، ولن تستقيم له الحياة أبداً؛ لأنه يحاول أن يتعامل معهم كرب، والرب هو الذي يطلع على ما في القلوب، فاقبل من الناس ظاهرهم ودع عنك باطنهم.
وكنت منذ سنوات بعيدة جداً سمعت عن قصة أو رواية اسمها (نظارة الحقيقة)، هذه النظارة اخترعها رجل زعم أن من لبسها جعلت كل من يحدثه يكلمه بما في قلبه، فيأتي لرجل يتكلم مع زوجته ويسلط عليه نظارة الحقيقة، وبعد أن يكون معها بغاية اللطف والمجاملة إذا به ينقلب الحوار ويكشف كل الأحقاد التي في نفسه تجاهها، ثم إذا سلطها على الآخر يحصل نفس الشيء وهكذا، فظل الرجل يستعمل هذه النظارة فوجد أن الحياة ستصبح جحيماً لا يطاق بسبب أن الناس ستتعامل على حقيقة ما في بواطنها، فمن رحمة الله أنه جعل خبايا النفوس مستورة، فاقبل من الناس ما يظهرون، ولا تفتش عن الخبايا؛ لأنك لو فتشت ستطَّلع على ما يسوؤك ويؤذيك، فعامل الناس على أنك عبد مثلهم لا تعلم ما في صدورهم.
ولو أن الإنسان تتبع، وظل يسأل ويحاور ويفتش ويسأل عن النوايا ويتتبعها، فلو قدر أنها كشفت له فهي -قطعاً- سوف تسوءه، والستر سينكشف، والنفس ستفتضح، ومن ثم نعيش في جو بحر من العداوات والأحقاد، ولا يمكن أبداً أن تستقيم معه حياة، فمن رحمة الله أن تترك الأمور مستورة لا تفتش ولا تنقب.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره، فلعله يسوءه إن أبدي له، فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله ؛ فإنه يكره إبداءها ولذلك سكت عنها).
يقول القاسمي معلقاً على كلام ابن القيم: (وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها، ويدل له ما رواه له البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته).
فقوله: (إن من أعظم المسلمين جرماً يعني: عقوبة.
فإذا كان السؤال الذي سأله كان بسببه تحريم شيء كان حلالاً فهذا إنسان يعاقب، وهو من أعظم المسلمين جرماً عند الله ، وهذا يجسد لنا خطورة موضوع تتبع الأسئلة بهذه الطريقة، (إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)، ومثل ذلك قد أمن الآن؛ لأن التحريم قد انقطع بانقطاع الوحي.
стр. 831
ذم كثرة السؤال في السنة وأقوال السلف
عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ذروني ما تركتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) رواه أحمد ومسلم والنسائي.
وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)، فالشيء الذي سكت عنه الشرع لا تبحث عنه ما دام أنه لم يذكر في القرآن ولا في السنة، فالأصل هو استصحاب الأصل الذي هو الإباحة في مثل هذه الأشياء؛ فالحلال بين والحرام بين.
فقوله: (إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تقربوها، وسكت عن أشياء غير نسيان) ما تركه الله لم يكن عن نسيان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فاتركها ولا تتتبعها؛ فإن الله لم يكن لينساها، فكونها لم يحتويها القرآن ولا السنة يدل على أن الأصل فيها هو العفو.
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلفوا) يعني: لا تتنطعوا ولا تتتبعوا ولا تفتشوا وتتعنتوا.
لماذا؟ لأن من وصف الرسول ﵊ ما جاء في القرآن: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] والحديث رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة.
وأخرج الشيخان عن أنس ﵁ قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع)، وفي رواية مسلم: (نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع)، وانظر إلى شدة تهيب الصحابة ﵃ من كثرة الأسئلة، حتى إنهم كانوا ينتظرون مجيء الرجل من البادية ليسأل؛ لأنه لن يعامل مثل الصحابي الذي يعيش ليل نهار مع الرسول ﵊.
والرسول ﵊ يعذر من جاء من البادية، فمن جاء من أهل البادية وكان عاقلاً فهذا ما كانوا يفرحون به؛ لأنه سيسأل أسئلة تفيدهم، فلذلك كانوا يفرحون.
وهذا الحديث يبين المعنى الذي نقصده بياناً واضحاً جداً، وكيف أن الصحابة وعوا هذا الأدب والتزموه، حتى إنهم كانوا يمنعون أنفسهم من أن يكثروا من الأسئلة، وما يكاد يوجد لهم منفذ إلا أن يأتيه رجل غريب فيعذره الرسول ﵊ فيسأل، لكن إذا كان الرجل عاقلاً فإنه يسأل أسئلة جيدة موضوعية فيفرحون بذلك لأنهم سيستفيدون حينها.
(فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق)، إلى آخر الحديث.
وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر: (فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها).
ولـ مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ قال: (أقمت مع رسول الله ﷺ سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي ﷺ يعني: أقمت بصفة أني رجل وافد غريب، وما أظهرت أني أريد الإقامة؛ لأنه إذا أراد الإقامة وصار من المهاجرين المقيمين فلابد أن يلتزم بهذا الأدب؛ لأنه أدب الصحابة المحيطين بالرسول ﵊.
فما أجمع إقامةً وهجرةً سنةً كاملةً؛ لأنه سيظل يعامل معاملة الوافد الغريب، فقد كان يعطي نفسه فرصة الأسئلة ويستفيد من مساءلة النبي ﷺ .
يقول القاسمي: (ومراده أنه قدم وافداً فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجراً فيمتنع عليه السؤال، وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب وفوداً كانوا أو غيرهم).
وأخرج الإمام أحمد، عن أبي أمامة ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] كنا قد اتقينا أن نسأله ﷺ -امتثلوا هذا النهي واتقوا أن يسألوا الرسول ﵊ فأتينا أعرابياً فرشوناه برداء) وهذه رشوة غير محرمة وإن كانت في معنى الرشوة، ولكنها ليست رشوة في الحقيقة، قال: (فأتينا أعرابياً فرشوناه برداء، وقلنا: سل النبي ﷺ لأنه أعرابي فله أن يسأل، وحتى يحرضوه على أن يسأل أهدوا إليه هذا الرداء كيما يقوم بالسؤال ويستمعوا هم إلى الجواب، وهذا -أيضاً- يعطينا معنى تمكنهم من هذا الأدب الذي أدبهم الله به.
ولـ أبي يعلى عن البراء قال: (إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب -يعني قدومهم- ليسألوا، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب فيستفيدوها).
وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيحتمل أنه كان قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه فالنهي لا يتناول الأمور التي يحتاج إليها المسلم، وما من شك في أن كل مسلم تعرض له قضايا أو مواقف يحتاج فيها لمعرفة حكم الشرع، كما قال النبي ﵊: (قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال) فالجهل مرض ودواؤه السؤال، فمن يسأل عن شيء واقع له ثمرة فنعم، أما أن يسأل عن الافتراضات والتفريعات وسائر صور التنطع فهذا غير مأذون به.
والمقصود أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يسألونه -فقط- عن بيان أحكام الدين التي يحتاجون إليها، وهذا ليس داخلاً في هذا النهي، كسؤاله عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ويقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧] ويقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠] وهكذا، فوجود السؤال عما سبق وغير ذلك مما ورد في القرآن يثبت أنهم سألوا الرسول ﵊، لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهة كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريقة الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لما كانت سبباً للتكليف بما يشق فحقها أن تجتنب، وأورد الإمام الدارمي في أوائل مسنده باباً أورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين أقوالاً كثيرة في ذلك.
منها: قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن)، وعن عمر قال: (أحرم عليكم أن تسألوا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلاً) أي: نحن نشتغل بالأمور التي يترتب عليها ثمرة، أما الافتراضات والتفريعات التي لا طائل من ورائها ولا فائدة ولا ثمرة فهذا مما نهينا عن أن نسأل عنه.
وعن زيد بن ثابت ﵁ أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا وقع؟ فإن قيل: لا قال: دعوه حتى يكون.
فلا تسأل عما لم يقع، فإن وقع فحينئذ تسأل.
وعن أبي سلمة ومعاذ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد أو وفق، وإن عجلتم تشتت بكم السبل)، وهذا مرسل، فالأصل أننا نشتغل بالأمور التي يترتب عليها ثمرة، أما الافتراضات والتفريعات التي لا طائل من ورائها ولا فائدة ولا ثمرة فهذا نهينا عن أن نسأل عنه.
ومثل ذلك الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، وهي مسألة نادرة الوقوع جداً، فيفرغ زماناً كان صرفه في غيرها أولى، ولاسيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه.
وأشد من كثرة السؤال البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحكمة، كمثل السؤال عن وقت الساعة، وهذا سؤال عما لا يعني؛ إذ علمها عند الله ، فالسؤال عن وقت الساعة مما لا يفيد ولا ثمرة من ورائه، ولذلك لما سئل النبي ﷺ عن الساعة نقل السائل إلى ما ينفعه، وأعرض عن جواب سؤاله، وانتقل إلى ما يفيد فقال: (وما أعددت لها) إلى آخر الحديث.
كذلك السؤال عن الروح، كما قال الله : ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، كذلك السؤال عن مدة هذه الأمة، إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، ولا سبيل إلى التعرف على جواب هذه الأسئلة إلا الوحي، وإذا كان الوحي نهانا عن الخوض فيها فلا مطمع أن نجد جواباً صحيحاً لها، فيجب الإيمان بذلك من غير بحث.
وأشد أنواع هذه الأسئلة النوع الذي توقع كثرة البحث بسببه في الشك والحيرة، قال بعضهم: مثل التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسئول إلى الجواب ب
стр. 832
مواضيع عشرة يكره السؤال فيها
стр. 833
السؤال عما لا ينفع في الدين
قال الشاطبي: (ويتبين من هذا أن الكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع): الموضع الأول: السؤال عما لا ينفع في الدين: كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ فهذا لن يعود عليه بأي فائدة، بجانب أنه لو افترض أن أمه قد قارفت ذنباً في الجاهلية، وأنه كان ثمرة هذا الذنب فأي أذية وأي عقوق يكون قد صدر منه في حق أمه وهي إنما كانت في الجاهلية؟! لكن -والحمد الله- الرسول ﵊ برأها من ذلك.
فأي فائدة تعود عليه بمثل هذا السؤال؟! إذاً يتحرى الإنسان، وربما يعاقب إذا بحث فيما نهى الشرع عن البحث فيه، فتكون العقوبة بقدر الله أن يصدر ما يسوؤه، كما في حديث: (نهى الرسول ﵊ أن يطرق الرجل أهله ليلاً)، فلم يتخونهم أو يتلمس عثراتهم؟ لأنه إذا كان مسافراً أو غائباً يفاجئ زوجته في البيت في وسط الليل وهو يقصد بذلك التجسس عليها، ومن ثم ينشأ عن هذا شك وريبة، فربما إذا خالف الأدب الشرعي في أنه لا يطرق أهله ليلاً ربما يبتلى بأن يظهر له ما يسوؤه، كما حصل لبعض الناس حينما خالفوا هذا الأدب بشؤم مخالفة الأدب النبوي في عدم طرقهم لأهلهم ليلاً فرأوا ما يسوؤهم ويؤذيهم.
إذاً الموضع الأول من مواضع كراهية
السؤال
السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة ﵁: من أبي؟ وروي أيضاً أن بعض الناس سألوا: ما بال الهلال يبدو رقيقاً كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدراً، ثم ينقص إلى أن يصير كما كان.
فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩]، فأعرض القرآن الكريم عن إجابة السؤال، وأجاب بما يفيد السائل في دينه؛ لأنه سؤال ليس وراءه فائدة.
وفي قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية، حيث كانوا يعتقدون أنه يحرم على من عاد من الحج وأراد أن يدخل البيت أن يدخله من الباب، ولكن يدخله من الخلف من النافذة، فيمنعون المحرم من الدخول من باب البيت، وبعض العلماء يقول: إن المقصود هنا الإشارة إلى انتقاد هذا الذي سأل عن الأهلة بأن الهلال يبدوا دقيقاً ثم يصير بدراً ثم ينقص ثانية.
فقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) يعني أن المشتغل بهذه المسائل كالذي يأتي البيوت من ظهورها، لكن عليك أن تأتي البيوت من أبوابها بأن تسأل عما يفيدك في دينك لا عما لا يعنيك.
стр. 834
السؤال بعد بلوغ الحاجة
قال: (الموضع الثاني: أن يسأل بعدما بلغ من العلم حاجته): فالنص الشرعي قد يكون واضحاً وظاهراً، ثم بعدما يبلغه العلم يبدأ يشق على نفسه، ويسأل بعدما بلغ من العلم حاجته، كالرجل الذي سأل عن الحج: أفي كل عام يا رسول الله؟ مع أن ظاهر قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] يكفي في امتثاله أن يوقعه الإنسان مرة واحدة في عمره، فظاهره أنه ليس إلى الأبد لإطلاقه، فمثل هذا السؤال يجعل موضعاً من مواضع كراهة السؤال، مع أن ظاهر الآية أنه يكفي أن تحج مرة واحدة، لكنه مصر أن يصرح ويسأل: أفي كل عام؟ حتى قال له: (لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم).
ومن هذا سؤال بني إسرائيل عن البقرة بعد ما قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] أيَّ بقرة، ولو ذبحوا أي بقرة لانتهى الأمر ولأدوا ما وجب عليهم، لكنه التنطع والتشدد، وكان يكفيهم النص الشرعي بذبح بقرة، فالسؤال في مثل هذا الموضع هو استجلاب للضيق وللعنت، وهو من التنطع.
стр. 835
السؤال في غير وقت الحاجة
قال: (الموضع الثالث: السؤال عن غير احتياج إليه في الوقت).
يعني: أن يسأل وهو غير محتاج إلى جوابه في ذلك الوقت، وليس في زمن الاحتياج إليه، وكأن هذا -والله تعالى أعلم- خاص بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله ﵊: (ذروني ما تركتكم)، وقوله -أيضاً- ﵊: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).
стр. 836
السؤال عن صعاب المسائل وشرارها
قال: (الموضع الرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها).
أما السؤال عن صعاب المسائل وشرارها فكما جاء النهي عن الأغلوطات في حديث معاوية عند أبي داود: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات) والأغلوطات هي المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيها، فيهيج بذلك شر وفتنة، أي: ينصب فخاً لعالم، ويلقي له هذا السؤال كي يصدر منه الجواب، فيحصل بذلك شر وفتنة، وهي جمع أغلوطة.
стр. 837
السؤال عن علة الحكم
قال: (الموضع الخامس: أن يسأل عن علة الحكم).
يعني هنا الحكم الشرعي من الأمور التعبدية التي لا يعقل معناها، وهي لها معنى وحكمة وإن لم يطلع على ذلك، كتقبيل الحجر الأسود، وبعض مناسك الحج، أو أي أمر تعبدي كما هو معروف، فيكون الأمر من قبيل التعبد، ثم هو يتنطع ويسأل عن علة هذا الحكم مع أنه من الأمور التعبدية؛ كالسؤال عن علة قضاء الصوم دون الصلاة في حق الحائض والنفساء.
فعن معاذة ﵂ قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: (أحرورية أنت؟!).
أي: أأنت من الخوارج؟! والخوارج يرون أن الحائض تقضي الصلاة كما تقضي الصوم، فلم تقف هذه المرأة عند ما ورد وحُدَّ لها في الشرع، ولذلك جاء جواب عائشة ﵂ أولاً بأن وبختها وقالت: (أحرورية أنت؟!) أي: أأنت تذهبين مذهب الخوارج؟! لأن الخوارج ينسبون إلى حروراء، وهي بلدة أو قرية في العراق خرج منها الخوارج.
ثم قالت عائشة: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فقولها: (كان يصيبنا ذلك) أي: في عهد رسول الله ﵊.
стр. 838
بلوغ السؤال حد التكلف والتعمق
قال: (الموضع السادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق).
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، والتكلف هو التنطع في الأسئلة والتعمق، ولما سأل عمر: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال ﷺ : (يا صاحب الحوض! لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا).
وأقوى ما يكون هذا في مسائل الطهارة، خاصة إذا كان الإنسان مبتلى بالوسواس فهذا مما يزيد الوسواس، فيعذب نفسه بيده؛ لأنه يظل يفتش وينقب بهذه الطريقة، ولو أنه أخذ الأمور بيسر وسماحة الإسلام الذي هو دين الفطرة واليسر والتبشير والتيسير ورفع الحرج والجناح لما عذب نفسه بنفسه بهذه الطريقة.
стр. 839
ظهور معارضة الكتاب والسنة بالرأي من السؤال
قال: (الموضع السابع: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي).
هذا من المواضع المذمومة، أن يكون واضحاً من صيغة السؤال أنه يريد أن يعارض القرآن والسنة بعقله وبرأيه وبهواه، ولذلك قال سعيد رضي الله تعالى عنه لما سأله رجل سؤالاً من مثل هذه الأسئلة فقال له: (أعراقي أنت؟!).
لأن العراق اشتهرت بأنها منبع الفتن في كل زمان، أو: أأنت من الخوارج أو من المبتدعين الذين هم بالعراق؟ وقيل لـ مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه: الرجل يكون عالماً بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: (لا.
ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت) فمع أنه مع الحق لكنه لا يماري ولا يجادل، وهذه أيضاً من الأخلاق المذمومة، فالجدل والمماراة والملاحاة من الأخلاق الذميمة عند السلف، وقد قال النبي ﵌: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) والمراء: الجدال.
يعني: حتى لو كنت محقاً فالأفضل أن تترك هذا الذي يريد الجدال وتسكت عنه، ويبشرك الرسول ﵊ ببيت في ربض الجنة وبأنه ضامن لك بما قال، ولا تقل: أخشى أن أكون قد كتمت العلم.
ولكن متى ما بدا لك أن هذا الشخص مجادل تصدق عليه بالسكوت حتى لو كان معك الحق؛ لأنه بجداله حرم نفسه من وصول الحق إليه.
فمتى بدا لك أن الشخص الذي يحادثك يريد الجدل والمماراة فإنك تثاب إذا سكت عنه حتى لو كان معك الحق، وهذه أخلاق السلف، وهذا هو خلق الإسلام.
стр. 840
السؤال عن المتشابهات
قال: (الموضع الثامن: السؤال عن المتشابهات).
وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وفي الحديث: (متى رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)، هؤلاء هم الذين حذرنا الله في القرآن الكريم منهم، الذين يتتبعون المتشابهات، ولعلنا نجد صورة واضحة جداً في العلمانيين والملاحدة من الكفار، هؤلاء الناس هذه مهنتهم وهذه حرفتهم، فهم يتقنون صناعة الشبهات والخوض في الأمور المشتبهة، وعدم رد المتشابه إلى المحكم، فالتمسك بالمتشابه والإعراض عن المحكم مما ينبئ عن وجود هذا المرض والزيغ في القلب، والعياذ بالله .
وقد روى يحيى بن يحيى التميمي، وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا: جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكاً وجد في شيء كما وجد فيه من مقالته.
يعني: ما رأى الإمام مالك غضب من أحد كما غضب من مقالة هذا الرجل.
قال: وعلاه الرحضاء -من شدة غضب الإمام مالك احمر وجهه، والعرق ظل يتصبب من وجهه وجبينه -وأطرق ثم قال: (الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً) وأمر به فأخرج.
فحملوه وطردوه خارج المسجد.
وهنا ملاحظة، وهي أن بعض الإخوة يريد أن يسلك مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الخوض في أمور هي من علم الكلام وما أشبهه نتيجة الولع الشديد بمحبة شيخ الإسلام ابن تيمية ودوره التجديدي في الدفاع عن المنهج السلفي، ولأنه أنفق جزءاً كبيراً من عمره في المنافحة عن أهل السنة والجماعة والرد على أهل البدع، والظروف التي وجد فيها شيخ الإسلام اقتضت كثيراً من التفاصيل، حتى إنه لجأ أحياناً إلى مجادلتهم بنفس أسلحتهم سواء في المنطق أو علم الكلام أو غيره، وهذه حالة خاصة بـ شيخ الإسلام، ولا يطلب من كل مسلم أو طالب علم أن يخوض هذا الخوض في هذه الأمور.
وقد رزقنا الله السلامة من الشبهات في هذا الباب، فلا تعتبر أنك قصرت في دراسة التوحيد إن لم تخض مثل هذا الخوض، فما دمت في عافية لا تخض في هذه المسائل، إنما شيخ الإسلام وأمثاله من العلماء المجاهدين في سبيل الدفاع عن المنهج السلفي وعقيدة أهل السنة والجماعة لهم وضع خاص، كالشخص الذي يرد على النصارى، وهل نطالب كل المسلمين أن يخوضوا في مثل هذا بهذه التفاصيل؟ هذه تعتبر من الفروض الكفائية، لكن مادمت في عافية من الخوض والتعمق في هذه التفاصيل فهذا أحد الملامح الأساسية للمنهج السلفي، أما شيخ الإسلام فلأنه كان في مرحلة تجديد ودفاع، والبيئة الثقافية أو العلمية في مجتمعهم كانت تحمل هذه الأمراض التي غلبت عليه اضطر إلى مواجهة الأشاعرة والصوفية والفلاسفة والمتكلمين والمناطقة بنفس أسلوبهم، وهذا لا يعني أننا ننتهج نفس الأسلوب إلا إن احتجنا إليه في ظروف مشابهة.
وساق البيهقي بإسناد صحيح عن أبي الربيع الرشديني، عن ابن وهب قال: (كنت عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة.
أخرجوه)، لماذا؟ لأن الله سبحانه لا يقال له: كيف.
فـ (كيف) تقال لشيء أنت رأيته من قبل وتصورته، فإذا ذكر أمامك ستتخيله في ذهنك، وسوف تستطيع أن تتصوره، فمن رأى الله حتى يكيفه؟ والعقل لا يستطيع أن يقيس أو أن يكيف الله، وإذا كنا نعجز بعقولنا عن تكييف مخلوقات الجنة فكيف بالله ؟ فمن يستطيع أن يكيف الجنة ويعرف قصتها؟ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) فمهما اجتهدت أن تتخيل في وصف الجنة فلن تصل إلى الحقيقة؛ فهي أعظم مما تتخيل، فإذا كان هذا مخلوقاً ونحن لا نقوى على تكييفه فكيف بالله جل وعلا؟ ويحكى أن شاباً كان يخوض في هذا الباب، ويقع في مثل تلك الهفوات -والعياذ بالله-، فسأله بعض العلماء عن حديث جبريل الذي فيه أن النبي ﵊ قال: (ورأيت جبريل له ستمائة جناح يسد ما بين المشرق والمغرب) فقال له: أخبرني عن خلق من مخلوقات الله له ستمائة جناح كيف تتخيلها وكيف صورتها؟ فعجز.
فقال: فأنا أضع عنك منها سبعةً وتسعين وخمسمائة فيكون الباقي ثلاثة، فصف لي خلقاً من خلق الله تعالى له ثلاثة أجنحة؟ فعجز، وقال: يا فلان! قد عجزنا عن صفة المخلوق فنحن عن صفة الخالق أعجز.
هذه هي الحقيقة، لا يعلم كيف الله إلا الله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] بينما هو أحاط بكل شيء علماً.
стр. 841
السؤال عما شجر بين السلف الصالح
قال: (الموضع التاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح).
أي: الخلاف الذي كان بين الصحابة ﵃.
فمن المكروه والمذموم أن يخوض الإنسان فيما كان بينهم من الخلاف، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال: (تلك دماء عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا).
وقال آخر وقد سئل عن ذلك في مناسبة أخرى مماثلة: (قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]).
فالمقصود عدم الخوض حتى لو كان بعض الصحابة مخطئين في ذلك؛ لأن شأننا نحن مع هؤلاء السادة الأطهار الأبرار هو ما ذكره الله في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] يبين الله الذين يستحقون أن يوزع عليهم مال الفيء، وهو المال الذي يتركه المشركون ويهربون إذا رأوا المسلمين من بعيد، أما الغنيمة فهي ما يؤخذ مغالبة عن طريق القتال.
فيقول في معرض توزيع مال الفيء لمستحقيه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] وهؤلاء هم المهاجرون.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وهؤلاء هم الأنصار.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
ولذلك استنبط الإمام مالك من هذه الآية أن الشيعة الرافضة -قبحهم الله- لا يستحقون شيئاً من مال الفيء؛ لأنهم ليسوا من الطوائف التي ذكرها الله الذين يستحقون مال الفيء، وهم المهاجرون، والأنصار، ومن جاء بعدهم وكان محباً ومستغفراً للمهاجرين والأنصار، فما بالك بمن يلعن المهاجرين والأنصار والعياذ بالله؟! ما بالك بهؤلاء المجرمين الشيعة الذين يكفرون الصحابة ما عدا خمسة أو ثلاثة؟! فهل لهم حظ؟ لا.
فإن هؤلاء قد غاظهم أصحاب الرسول ﵊، حتى إن الإمام مالك أخذ تكفيرهم من قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال: كل من وجد في قلبه غيظاً على أصحاب الرسول ﵇ فهو كافر لهذه الآية.
وموضوع تكفيرهم له تفصيل، لكن الشاهد من الكلام قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] وهي تعني كل مؤمن إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فمن وجد في قلبه غلاً للذين آمنوا وثبت -ومعلوم أن المؤمنين منهم الصحابة، فهم أفضل أمة، وخير أمة أخرجت للناس- فلا يستحق أن يأخذ من مال الفيء.
إذاً نحن نستغفر لهم فيما اجتهدوا فيه وأخطئوا، ونعتقد أن ما حصل من الصحابة من القتال في موقعه الجمل وصفين إنما هو عن اجتهاد خالص لله ، يريدون به إحقاق الحق، ولكن هذا أمر قدره الله وقضاه ووقع، وليس لنا أن نخوض في هذا الأمر بالوقوع في أحد من صحابة رسول الله ﷺ .
وهذه المسألة من شدة أهميتها أصبح كل علماء السلف -تقريباً- يختمون بها عقائدهم ومتون العقيدة بأننا يجب أن نمسك عما شجر بين صحابة رسول الله ﷺ ، ونترضى عنهم، إلى آخر النصوص المعروفة سواء في الطحاوية أو غيرها، فهم يدرجون هذه القضية في قضايا أصول العقيدة وأصول الإيمان، أي: الترضي عن الصحابة، والإمساك عما شجر بينهم وعدم الخوض فيه، فمن سأل سؤالاً من هذا الباب فقد وقع فيما نُهينا عنه من كثرة السؤال كما بينا.
стр. 842
سؤال التعنت وقصد غلبة الخصم
قال: (الموضع العاشر: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام).
وفي القرآن في ذم نحو هذا قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، (ألد الخصام) أي: مجادل.
ومنه قوله ﵎: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] وهو الجدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
ومناسبة هذا أنهم قالوا: هل ما قتله الله حرام وما قتلتموه أنتم أو ما ذبحتموه أنتم يكون حلالاً؟ انظر إلى التلبيس وإيقاع الشبهات في قلوب المؤمنين! فنزل قوله وتعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
فهذا من الجدل القبيح والمذموم، وقال النبي ﵌: (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) (الألد الخصم) الشخص الشديد الجدل والشديد الخصومة والتعنت، فهذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، ويقاس عليها ما سواها.
وأعيد التذكير برءوس هذه المواضع العشرة، وهي المواضع التي يكره فيها
السؤال
الأول: السؤال عما لا ينفع في الدين، ومثاله قول عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وكذلك سؤالهم: ما بال الهلال يبدوا رقيقاً؟ الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩].
الموضع الثاني: أن يسأل بعدما بلغ من العلم حاجته، ومثاله سؤال الرجل عن الحج: أكل عام؟ وكذلك سؤال بني إسرائيل عن صفات البقرة.
الموضع الثالث: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، ويدل عليه قوله: (ذروني ما تركتكم)، وقوله: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان).
الموضع الرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كالأغلوطات التي ورد النبي عنها.
الموضع الخامس: أن يسأل عن علة الحكم، وهو من قبيل التعبدات، أو يكون السائل ممن لا يليق به السؤال، كما قالت عائشة للمرأة: (أحرورية أنت؟) لما سألت عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة.
الموضع السادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، كذلك سؤال صاحب الحوض عن طهارته.
الموضع السابع: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة في الرأي.
الموضع الثامن: السؤال عن المتشابهات.
الموضع التاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح.
الموضع العاشر: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام.
فهذه جملة من المواضع التي يكره فيها السؤال، ويقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها على درجة واحدة، بل منها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محل اجتهاد، وعلى جملة منها ما يقع النهي عن الجدال في الدين، كما جاء في الحديث: (إن المراء في القرآن كفر) أي: أن يأتي الناس ويضربون الآيات بعضها ببعض.
وهذا أوضح ما يكون في مسائل القدر، فهذا يأتي بالآيات التي تدل على في مذهبه الضال إذا كان جبريا، والآخر يأتي بآية تعارضه إذا كان قدرياً، ويضرب القرآن بعضه ببعض.
وقد قال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه.
وبعض المفسرين قالوا: لابد من تقييد النهي في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
فقالوا: إلا لما تدعوا إليه الحاجة؛ لأن الأمر الذي تدعوا إليه الحاجة هو من أمور الدين، وقد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
وقال النبي ﷺ في الحديث المشهور الذي رواه جابر ﵁ فقال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده).
قالوا: إنه لابد من تقييد الآية بـ: (لا تسألوا إلا عن الأشياء التي أنتم محتاجون إليها في الدين) وهذا القيد لا داعي لتقديره؛ لأن هناك في الآية قيداً يفيد ذلك؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] فمعناها: لكم أن تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تفيدكم وتنفعكم في دينكم.
فمن مفهوم الآية نستغني عن افتراض مثل هذا القيد، فيقال: أما إذا كنتم تسألوا عن أشياء تفيدكم في دينكم ولابد لها من أمر الدين كما يسأل السائل الذي يبحث عن الحق فلا حرج في ذلك.
فما تدعو إليه الحاجة لا تشمله الآية كما يتضح من نظمها الكريم مع ما قيدته السنة في سبب النزول؛ لأنه معروف وواضح سبب النزول، سواء أكان في هذا الرجل الذي قال: من أبي؟ أم من قال: أكل عام؟ أم غير ذلك، فيتضح أن النهي إنما هو عن الأشياء التي تشق عليهم من التكاليف الصعبة، أو الأشياء المستورة التي يفتضحون بجوابها، مما القول فيه فضول وشروع فيما لا حاجة إليه وفيه المفسدة، والعاقل مطالب بأن يحترز عما ينتج عنه مفسدة.
فتحرج الصحابة ﵃ عن السؤال معلوم أنه فيما لا ضرورة إليه، وإلا فكتب السنة طافحة بالأحاديث التي تدل على أنهم سألوه كثيراً جداً، وسألوه عن الشيء الذي لابد منه في الدين إما من الضروريات وإما من الحاجيات.
وقد كان ﷺ يكره فتح باب كثرة المسائل خشية أن تفضي إلى حرج أو مساءة أو تعنت، روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كتب إلى معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال).
وروى أحمد وأبو داود: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات أو الغلوطات) وهي صعاب المسائل، والآثار في ذلك كثيرة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 843
رحمة النبي للعالمين
تضمن المقطع الأخير من سورة الأنبياء توجيهات للنبي ﷺ في دعوته أمته، فقد أمره الله تعالى بالدعوة إلى التوحيد، وبيان عاقبة الإعراض عن إجابة هذه الدعوة، وأن يرد أمره إلى الله تعالى فيما شجر بينه وبين قومه، وأن يستعين ربه على ما يصدر منهم من إفك وكذب، كما تضمن المقطع بيان رحمته ﷺ للعالمين في معرض مقارعته قومه؛ ليعلم الناس أن دعوته ﷺ إنقاذ لهم من المهالك.
стр. 844
رحمة النبي ﵊ بأمته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار فتغلبوني تقحمون فيها) وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه يتقحمن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها).
هذا الحديث من النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي تجلي صفة الرحمة في رسول الله ﵌، وهذه الرحمة ملأت قلبه حتى كادت تهلك نفسه الشريفة ﷺ حزناً وحسرة على هذه الأمة، قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، ففاضت هذه الرحمة وفاضت حتى كادت تقتل صاحبها ﷺ حزناً لما يرى من انصراف الخلق عن طريق الجنة إلى طريق النار.
يقول ﷺ : (مثلي) وفي بعض الألفاظ (مثلي ومثلكم) أي: مثلي ومثل الناس (كمثل رجل استوقد) أي: أوقد ناراً فاتقدت هذه النار واشتعلت وسرى ضوءها (فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها).
والفراش جمع فراشة، وهي دواب مثل البعوض تطير وتتهافت في السراج وتنجذب ناحية الضوء، فإذا رأت السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج فوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فتظل تطلب هذا الضوء وترمي بنفسها إلى هذه الفوة، فإذا ذهبت بعيداً عنها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب تلك الفوة، فتعود إليها إلى أن تحترق بهذه النار التي تحسبها نوراً.
والجنادب، جمع دابة، وهي التي تقع في النار كالفراش والبعوض والجندب حيث ينجذبن إلى النار ويقعن في هذه النار، (وجعل الرجل يحجزهن) أي: يمنعهن عن النار مخافة عليهن (ويغلبنه) فرغماً عنه تصر هذه الدواب على أن تقع في النار وتتقحمها، قال: (فيغلبنه فيقتحمن فيها) أي: فيدخلن في النار قال رسول الله ﷺ : (فذلكم مثلي ومثلكم) أي: ما ذكر من حال الرجل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها صار الفراش والدواب يقتحمن فيها والرجل يمنعهن من ذلك وهن يغلبنه يقتحمن في النار.
ثم زاد هذا الأمر بياناً فقال ﷺ : (أنا آخذ بحجزكم عن النار) والحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار، ومن السراويل هي موضع التّكّة، (وأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار) أي: أقبلوا إلي عن النار، أقبلوا إلي ولا تنجذبوا ناحية هذه النار، ففي متابعتي السلامة منها (فتغلبوني تقحمون فيها) أو: (تتقحمون فيها) على الروايتين، أي: تدخلون فيها هجوماً عليها من غير روية.
فشبه ﷺ تساقط العصاة في نار الآخرة بجهلهم عاقبة الشهوات بتهافت الفراش في نار الدنيا بسبب جهلها وعدم تمييزها لما تقصد إليه، فهي تعتقد نفع النار وهي سبب هلاكها، فكذلك أهل الشهوات في شهواتهم الغالبة، يعتقدون أنها نافعة وهي مضرة، والعاقل منهم الذي تحقق له أنها مضرة، لكن كان أسيراً للشهوات، فإنه لا ينفعه علمه بالضرر الذي فيها عن أن يسلك طريق النار فيقتحم فيها اقتحام الفراشة في النار مع علمه بأن فيها هلاكه.
يقول بعض العلماء: إلى الله أشكو طوع نفسي للهوى وإسرافها في غيها وعيوبها إذا سقتها للصالحات تقاعست ودبت على كره إليها دبيبها وتهب نحو الموبقات نشيطة إذا ساوقتها الريح ساقت هبوبها وما هي إلا كالفراشة إنها ترى النار ناراً ثم تصلى لهيبها فهذا الحديث من أجلى ما يبين رحمة النبي ﵌ لهذه الأمة، كيف أنه يحرص أشد الحرص على إنجاء الناس من النار، وإنما يهلك من هلك رغماً عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
стр. 845
صور من رحمة النبي ﷺ
خلق الرحمة وصف الله به رسوله ﷺ في القرآن في قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، هذا الخلق من أخلاقه العظيمة ﵌ التي تجلت مع كل العالمين، ليس مع المؤمنين فقط، ولكن كان رحمة لجميع الأمم وجميع العالمين، الجن والإنس والدواب والطيور والحيوانات، فالنبي ﷺ رحمة لهم أجمعين.
لقد آذوه واضطهدوه وهو يقول ﷺ (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) يتمثل قول نبي سابق قال لقومه كذا.
وهذا ملك الجبال جاء إلى النبي ﷺ بعدما آذاه قومه فقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.
فيجيب ﷺ قائلاً: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً).
فما كان مقصوده ﵌ إلا أن يعبد الله فلا يشرك به شيء، ولا يبالي في سبيل ذلك بما أصابه، فإذا وحد معبوده حصل مقصوده، وإذا عبد محبوبه حصل مطلوبه، وإذا ذكر ربه رضي قلبه، وأما نفسه فما يبالي بما أصابه في سبيل ربه، على حد قول القائل: إن كان سركم ما قد بليت به فما لجرح إذا أرضاكم ألم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (دخل النبي ﷺ المسجد فجلس إلى الفقراء وذكرهم بالجنة، وبدا على وجوههم البشر، فحزنت لأني لم أكن منهم)؛ وذلك من شدة رحمته بالضعفاء ﷺ .
وفي صحيح البخاري: (أنه ﷺ ذكر ذات يوم رجلاً أسود فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله.
قال: أفلا آذنتموني -أي أفلا أعلمتموني بموته حتى أشيعه-؟ فقالوا: إنه كذا وكذا.
فكأنهم حقروا من شأنه، فقال: دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه ﷺ .
وفي الصحيحين قال ﷺ : (إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه)، فنبي الرحمة ﷺ يدخل في الصلاة ينوي أن يطيل فيها، فإذا سمع بكاء الصبي ترك إطالة الصلاة، وما دفعه إلى التجوز في الصلاة إلا الشفقة على أمه، وقد يتبادر إلى الذهن أنه الشفقة على الصبي نفسه وبكائه، لكنه ﷺ يعلم مدى شدة هذا الأمر على أمه، فيخفف في الصلاة شفقة على أمه، فما أعظم خلقه ﷺ ! وما أبعد كثيراً من المسلمين اليوم عن خلقه ﵌! فحينما يصطحب بعض الناس معه صبية صغاراً إلى المسجد فبحكم صغر سنهم لا أقول: يبكون.
لكنهم يصيحون أو يتحركون أو يفعلون في المسجد أشياء هم فيها معذورون، فبمجرد تسليم الإمام نرى كثيراً من الكبار يصيحون صياحاً أشد من صياح هؤلاء الأطفال، وينتهكون حرمة المسجد، ويشنعون على أبيه، وربما طردوا الأولاد من المسجد، وفعلوا معهم وفعلوا، ولو أن الواحد منهم قُدِّر أن هذا الولد هو ولده ما تأذى منه.
لقد كان الحسن يركب على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي، ويطيل السجود لأجل ذلك، ويقول بعدما أطال السجود: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله) ﵌.
ولما أُسر أبو عزة الشاعر أول مرة استعطف النبي ﷺ حتى أطلق سراحه بشرط أن لا يقف بعد يوم بدر ضده ﷺ ، وتدور الأيام، ويحضر أبو عزة المعركة ضد رسول الله ﷺ ، فيأسره مرة أخرى ويستعطفه، ولكن رسول الله ﷺ يقول له: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) وأمر ﵌ بقتله، وهذا الشيء هو الذي أخذ به القانون الدولي في القرن الأخير، بأن الأسير السابق إذا أسر في معركة مرة ثانية في حربه ضد تلك الدولة فإن من حقها أن تقتله.
следующие страницы →