Полный текст (2 122 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
السؤال عما شجر بين السلف الصالح
قال: (الموضع التاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح).
أي: الخلاف الذي كان بين الصحابة ﵃.
فمن المكروه والمذموم أن يخوض الإنسان فيما كان بينهم من الخلاف، وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال: (تلك دماء عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا).
وقال آخر وقد سئل عن ذلك في مناسبة أخرى مماثلة: (قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]).
فالمقصود عدم الخوض حتى لو كان بعض الصحابة مخطئين في ذلك؛ لأن شأننا نحن مع هؤلاء السادة الأطهار الأبرار هو ما ذكره الله في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] يبين الله الذين يستحقون أن يوزع عليهم مال الفيء، وهو المال الذي يتركه المشركون ويهربون إذا رأوا المسلمين من بعيد، أما الغنيمة فهي ما يؤخذ مغالبة عن طريق القتال.
فيقول في معرض توزيع مال الفيء لمستحقيه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] وهؤلاء هم المهاجرون.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وهؤلاء هم الأنصار.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
ولذلك استنبط الإمام مالك من هذه الآية أن الشيعة الرافضة -قبحهم الله- لا يستحقون شيئاً من مال الفيء؛ لأنهم ليسوا من الطوائف التي ذكرها الله الذين يستحقون مال الفيء، وهم المهاجرون، والأنصار، ومن جاء بعدهم وكان محباً ومستغفراً للمهاجرين والأنصار، فما بالك بمن يلعن المهاجرين والأنصار والعياذ بالله؟! ما بالك بهؤلاء المجرمين الشيعة الذين يكفرون الصحابة ما عدا خمسة أو ثلاثة؟! فهل لهم حظ؟ لا.
فإن هؤلاء قد غاظهم أصحاب الرسول ﵊، حتى إن الإمام مالك أخذ تكفيرهم من قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال: كل من وجد في قلبه غيظاً على أصحاب الرسول ﵇ فهو كافر لهذه الآية.
وموضوع تكفيرهم له تفصيل، لكن الشاهد من الكلام قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] وهي تعني كل مؤمن إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فمن وجد في قلبه غلاً للذين آمنوا وثبت -ومعلوم أن المؤمنين منهم الصحابة، فهم أفضل أمة، وخير أمة أخرجت للناس- فلا يستحق أن يأخذ من مال الفيء.
إذاً نحن نستغفر لهم فيما اجتهدوا فيه وأخطئوا، ونعتقد أن ما حصل من الصحابة من القتال في موقعه الجمل وصفين إنما هو عن اجتهاد خالص لله ، يريدون به إحقاق الحق، ولكن هذا أمر قدره الله وقضاه ووقع، وليس لنا أن نخوض في هذا الأمر بالوقوع في أحد من صحابة رسول الله ﷺ .
وهذه المسألة من شدة أهميتها أصبح كل علماء السلف -تقريباً- يختمون بها عقائدهم ومتون العقيدة بأننا يجب أن نمسك عما شجر بين صحابة رسول الله ﷺ ، ونترضى عنهم، إلى آخر النصوص المعروفة سواء في الطحاوية أو غيرها، فهم يدرجون هذه القضية في قضايا أصول العقيدة وأصول الإيمان، أي: الترضي عن الصحابة، والإمساك عما شجر بينهم وعدم الخوض فيه، فمن سأل سؤالاً من هذا الباب فقد وقع فيما نُهينا عنه من كثرة السؤال كما بينا.
стр. 842
سؤال التعنت وقصد غلبة الخصم
قال: (الموضع العاشر: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام).
وفي القرآن في ذم نحو هذا قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، (ألد الخصام) أي: مجادل.
ومنه قوله ﵎: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] وهو الجدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
ومناسبة هذا أنهم قالوا: هل ما قتله الله حرام وما قتلتموه أنتم أو ما ذبحتموه أنتم يكون حلالاً؟ انظر إلى التلبيس وإيقاع الشبهات في قلوب المؤمنين! فنزل قوله وتعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
فهذا من الجدل القبيح والمذموم، وقال النبي ﵌: (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) (الألد الخصم) الشخص الشديد الجدل والشديد الخصومة والتعنت، فهذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، ويقاس عليها ما سواها.
وأعيد التذكير برءوس هذه المواضع العشرة، وهي المواضع التي يكره فيها
السؤال
الأول: السؤال عما لا ينفع في الدين، ومثاله قول عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وكذلك سؤالهم: ما بال الهلال يبدوا رقيقاً؟ الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩].
الموضع الثاني: أن يسأل بعدما بلغ من العلم حاجته، ومثاله سؤال الرجل عن الحج: أكل عام؟ وكذلك سؤال بني إسرائيل عن صفات البقرة.
الموضع الثالث: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، ويدل عليه قوله: (ذروني ما تركتكم)، وقوله: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان).
الموضع الرابع: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كالأغلوطات التي ورد النبي عنها.
الموضع الخامس: أن يسأل عن علة الحكم، وهو من قبيل التعبدات، أو يكون السائل ممن لا يليق به السؤال، كما قالت عائشة للمرأة: (أحرورية أنت؟) لما سألت عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة.
الموضع السادس: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، كذلك سؤال صاحب الحوض عن طهارته.
الموضع السابع: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة في الرأي.
الموضع الثامن: السؤال عن المتشابهات.
الموضع التاسع: السؤال عما شجر بين السلف الصالح.
الموضع العاشر: سؤال التعنت والإفحام، وطلب الغلبة في الخصام.
فهذه جملة من المواضع التي يكره فيها السؤال، ويقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها على درجة واحدة، بل منها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محل اجتهاد، وعلى جملة منها ما يقع النهي عن الجدال في الدين، كما جاء في الحديث: (إن المراء في القرآن كفر) أي: أن يأتي الناس ويضربون الآيات بعضها ببعض.
وهذا أوضح ما يكون في مسائل القدر، فهذا يأتي بالآيات التي تدل على في مذهبه الضال إذا كان جبريا، والآخر يأتي بآية تعارضه إذا كان قدرياً، ويضرب القرآن بعضه ببعض.
وقد قال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه.
وبعض المفسرين قالوا: لابد من تقييد النهي في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
فقالوا: إلا لما تدعوا إليه الحاجة؛ لأن الأمر الذي تدعوا إليه الحاجة هو من أمور الدين، وقد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
وقال النبي ﷺ في الحديث المشهور الذي رواه جابر ﵁ فقال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجرٌ فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده).
قالوا: إنه لابد من تقييد الآية بـ: (لا تسألوا إلا عن الأشياء التي أنتم محتاجون إليها في الدين) وهذا القيد لا داعي لتقديره؛ لأن هناك في الآية قيداً يفيد ذلك؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] فمعناها: لكم أن تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تفيدكم وتنفعكم في دينكم.
فمن مفهوم الآية نستغني عن افتراض مثل هذا القيد، فيقال: أما إذا كنتم تسألوا عن أشياء تفيدكم في دينكم ولابد لها من أمر الدين كما يسأل السائل الذي يبحث عن الحق فلا حرج في ذلك.
فما تدعو إليه الحاجة لا تشمله الآية كما يتضح من نظمها الكريم مع ما قيدته السنة في سبب النزول؛ لأنه معروف وواضح سبب النزول، سواء أكان في هذا الرجل الذي قال: من أبي؟ أم من قال: أكل عام؟ أم غير ذلك، فيتضح أن النهي إنما هو عن الأشياء التي تشق عليهم من التكاليف الصعبة، أو الأشياء المستورة التي يفتضحون بجوابها، مما القول فيه فضول وشروع فيما لا حاجة إليه وفيه المفسدة، والعاقل مطالب بأن يحترز عما ينتج عنه مفسدة.
فتحرج الصحابة ﵃ عن السؤال معلوم أنه فيما لا ضرورة إليه، وإلا فكتب السنة طافحة بالأحاديث التي تدل على أنهم سألوه كثيراً جداً، وسألوه عن الشيء الذي لابد منه في الدين إما من الضروريات وإما من الحاجيات.
وقد كان ﷺ يكره فتح باب كثرة المسائل خشية أن تفضي إلى حرج أو مساءة أو تعنت، روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه كتب إلى معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال).
وروى أحمد وأبو داود: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات أو الغلوطات) وهي صعاب المسائل، والآثار في ذلك كثيرة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 843
رحمة النبي للعالمين
تضمن المقطع الأخير من سورة الأنبياء توجيهات للنبي ﷺ في دعوته أمته، فقد أمره الله تعالى بالدعوة إلى التوحيد، وبيان عاقبة الإعراض عن إجابة هذه الدعوة، وأن يرد أمره إلى الله تعالى فيما شجر بينه وبين قومه، وأن يستعين ربه على ما يصدر منهم من إفك وكذب، كما تضمن المقطع بيان رحمته ﷺ للعالمين في معرض مقارعته قومه؛ ليعلم الناس أن دعوته ﷺ إنقاذ لهم من المهالك.
стр. 844
رحمة النبي ﵊ بأمته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار فتغلبوني تقحمون فيها) وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل ينزعهن ويغلبنه يتقحمن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وهم يقتحمون فيها).
هذا الحديث من النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي تجلي صفة الرحمة في رسول الله ﵌، وهذه الرحمة ملأت قلبه حتى كادت تهلك نفسه الشريفة ﷺ حزناً وحسرة على هذه الأمة، قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، ففاضت هذه الرحمة وفاضت حتى كادت تقتل صاحبها ﷺ حزناً لما يرى من انصراف الخلق عن طريق الجنة إلى طريق النار.
يقول ﷺ : (مثلي) وفي بعض الألفاظ (مثلي ومثلكم) أي: مثلي ومثل الناس (كمثل رجل استوقد) أي: أوقد ناراً فاتقدت هذه النار واشتعلت وسرى ضوءها (فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها).
والفراش جمع فراشة، وهي دواب مثل البعوض تطير وتتهافت في السراج وتنجذب ناحية الضوء، فإذا رأت السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج فوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فتظل تطلب هذا الضوء وترمي بنفسها إلى هذه الفوة، فإذا ذهبت بعيداً عنها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب تلك الفوة، فتعود إليها إلى أن تحترق بهذه النار التي تحسبها نوراً.
والجنادب، جمع دابة، وهي التي تقع في النار كالفراش والبعوض والجندب حيث ينجذبن إلى النار ويقعن في هذه النار، (وجعل الرجل يحجزهن) أي: يمنعهن عن النار مخافة عليهن (ويغلبنه) فرغماً عنه تصر هذه الدواب على أن تقع في النار وتتقحمها، قال: (فيغلبنه فيقتحمن فيها) أي: فيدخلن في النار قال رسول الله ﷺ : (فذلكم مثلي ومثلكم) أي: ما ذكر من حال الرجل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حولها صار الفراش والدواب يقتحمن فيها والرجل يمنعهن من ذلك وهن يغلبنه يقتحمن في النار.
ثم زاد هذا الأمر بياناً فقال ﷺ : (أنا آخذ بحجزكم عن النار) والحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار، ومن السراويل هي موضع التّكّة، (وأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار) أي: أقبلوا إلي عن النار، أقبلوا إلي ولا تنجذبوا ناحية هذه النار، ففي متابعتي السلامة منها (فتغلبوني تقحمون فيها) أو: (تتقحمون فيها) على الروايتين، أي: تدخلون فيها هجوماً عليها من غير روية.
فشبه ﷺ تساقط العصاة في نار الآخرة بجهلهم عاقبة الشهوات بتهافت الفراش في نار الدنيا بسبب جهلها وعدم تمييزها لما تقصد إليه، فهي تعتقد نفع النار وهي سبب هلاكها، فكذلك أهل الشهوات في شهواتهم الغالبة، يعتقدون أنها نافعة وهي مضرة، والعاقل منهم الذي تحقق له أنها مضرة، لكن كان أسيراً للشهوات، فإنه لا ينفعه علمه بالضرر الذي فيها عن أن يسلك طريق النار فيقتحم فيها اقتحام الفراشة في النار مع علمه بأن فيها هلاكه.
يقول بعض العلماء: إلى الله أشكو طوع نفسي للهوى وإسرافها في غيها وعيوبها إذا سقتها للصالحات تقاعست ودبت على كره إليها دبيبها وتهب نحو الموبقات نشيطة إذا ساوقتها الريح ساقت هبوبها وما هي إلا كالفراشة إنها ترى النار ناراً ثم تصلى لهيبها فهذا الحديث من أجلى ما يبين رحمة النبي ﵌ لهذه الأمة، كيف أنه يحرص أشد الحرص على إنجاء الناس من النار، وإنما يهلك من هلك رغماً عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
стр. 845
صور من رحمة النبي ﷺ
خلق الرحمة وصف الله به رسوله ﷺ في القرآن في قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، هذا الخلق من أخلاقه العظيمة ﵌ التي تجلت مع كل العالمين، ليس مع المؤمنين فقط، ولكن كان رحمة لجميع الأمم وجميع العالمين، الجن والإنس والدواب والطيور والحيوانات، فالنبي ﷺ رحمة لهم أجمعين.
لقد آذوه واضطهدوه وهو يقول ﷺ (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) يتمثل قول نبي سابق قال لقومه كذا.
وهذا ملك الجبال جاء إلى النبي ﷺ بعدما آذاه قومه فقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.
فيجيب ﷺ قائلاً: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً).
فما كان مقصوده ﵌ إلا أن يعبد الله فلا يشرك به شيء، ولا يبالي في سبيل ذلك بما أصابه، فإذا وحد معبوده حصل مقصوده، وإذا عبد محبوبه حصل مطلوبه، وإذا ذكر ربه رضي قلبه، وأما نفسه فما يبالي بما أصابه في سبيل ربه، على حد قول القائل: إن كان سركم ما قد بليت به فما لجرح إذا أرضاكم ألم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (دخل النبي ﷺ المسجد فجلس إلى الفقراء وذكرهم بالجنة، وبدا على وجوههم البشر، فحزنت لأني لم أكن منهم)؛ وذلك من شدة رحمته بالضعفاء ﷺ .
وفي صحيح البخاري: (أنه ﷺ ذكر ذات يوم رجلاً أسود فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله.
قال: أفلا آذنتموني -أي أفلا أعلمتموني بموته حتى أشيعه-؟ فقالوا: إنه كذا وكذا.
فكأنهم حقروا من شأنه، فقال: دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه ﷺ .
وفي الصحيحين قال ﷺ : (إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه)، فنبي الرحمة ﷺ يدخل في الصلاة ينوي أن يطيل فيها، فإذا سمع بكاء الصبي ترك إطالة الصلاة، وما دفعه إلى التجوز في الصلاة إلا الشفقة على أمه، وقد يتبادر إلى الذهن أنه الشفقة على الصبي نفسه وبكائه، لكنه ﷺ يعلم مدى شدة هذا الأمر على أمه، فيخفف في الصلاة شفقة على أمه، فما أعظم خلقه ﷺ ! وما أبعد كثيراً من المسلمين اليوم عن خلقه ﵌! فحينما يصطحب بعض الناس معه صبية صغاراً إلى المسجد فبحكم صغر سنهم لا أقول: يبكون.
لكنهم يصيحون أو يتحركون أو يفعلون في المسجد أشياء هم فيها معذورون، فبمجرد تسليم الإمام نرى كثيراً من الكبار يصيحون صياحاً أشد من صياح هؤلاء الأطفال، وينتهكون حرمة المسجد، ويشنعون على أبيه، وربما طردوا الأولاد من المسجد، وفعلوا معهم وفعلوا، ولو أن الواحد منهم قُدِّر أن هذا الولد هو ولده ما تأذى منه.
لقد كان الحسن يركب على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي، ويطيل السجود لأجل ذلك، ويقول بعدما أطال السجود: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله) ﵌.
ولما أُسر أبو عزة الشاعر أول مرة استعطف النبي ﷺ حتى أطلق سراحه بشرط أن لا يقف بعد يوم بدر ضده ﷺ ، وتدور الأيام، ويحضر أبو عزة المعركة ضد رسول الله ﷺ ، فيأسره مرة أخرى ويستعطفه، ولكن رسول الله ﷺ يقول له: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) وأمر ﵌ بقتله، وهذا الشيء هو الذي أخذ به القانون الدولي في القرن الأخير، بأن الأسير السابق إذا أسر في معركة مرة ثانية في حربه ضد تلك الدولة فإن من حقها أن تقتله.
стр. 846
حث النبي ﷺ أمته على الرحمة
يقول ﵌ فيما يرويه عنه أنس ﵁: (والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم.
قالوا: كلنا يرحم.
قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة).
وعن جرير ﵁ مرفوعاً: (من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له، ومن لا يتب لا يتب الله عليه).
وقال ﷺ : (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء).
وقال ﵌: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وقال للرجل الذي لم يُقبِّل أحداً من أولاده معاتباً له: (أوأملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة؟!).
وقال ﵌: (في الكبد الحارة أجر) أي: كل حيوان حي لم يؤمر بقتله، ويكون كبده حاراً من شدة العطش نتيجة الحر.
وقد كان ﷺ أرحم الناس بالصبيان والعيال.
ويقول ﵊: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) يعني النساء اللاتي يسبين في الحرب لا يجوز لأحد أن يفرق بين الأم وولدها من السبي.
стр. 847
رحمة النبي ﷺ بالحيوانات
الحيوانات ممن شملتهم رحمة رسول الله ﵌، يقول ﵊: (لعن الله من مثل بالحيوان) أي: من شوهه فمثل به.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه: (قال رجل: يا رسول الله! إني لأذبح الشاة فأرحمها -أي: عندما أذبح الشاة أشعر برحمة تجاهها- فقال ﷺ : والشاة إن رحمتها رحمك الله) فأقره على هذا الشعور بالرحمة.
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال ﷺ : (من رحم ولو ذبيحة عصفور ﵀ يوم القيامة).
ومن مظاهر رحمته ﵌ ما صح عن عبد الله بن جعفر قال: (أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفاً أو حائش نخل، فدخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى الجمل النبي ﵌ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته إلى سنامه وذفريه فسكن، فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه).
وعن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (اركبوا هذه الدواب سالمة، وابتدعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي) يعني: اتركوها وخففوا عنها إذا لم تحتاجوا لركوبها، ولا تتخذوها كراسي، بل استعملوها فقط لما سخرت من أجله.
وقال ﷺ في حديث آخر: (إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم).
ومر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه -أي: فقد شحمه ونقص وزنه وهزل حتى التصق ظهره ببطنه- فقال ﷺ : (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة) (وخرج رسول الله ﷺ في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فلم يوجد، فقال رسول الله ﷺ : اتقوا الله في هذه البهائم، واركبوها صحاحاً واركبوها سماناً.
كالمتسخط) أي: قال ذلك متسخطاً هذا الفعل الذي فعله صاحب هذه الدابة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال ﷺ : أفلا قبل هذا؟! أتريد أن تميتها موتتين؟!) يعني: أفلا حددت شفرتك بعيداً عنها؟! وفي بعض الروايات: (أتريد أن تميتها موتات؟! ألا حددت شفرتك قبل أن تدمعها؟!).
وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجة فرأينا حُمَّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش -يعني: جعلت ترفرف بأجنحتها حتى تقترب منهم- فجاء النبي ﷺ فقال: من فجع هذه بولدها؟! ردوا ولدها إليها، ورأى ﷺ قرية نمل قد أحرقناها فقال: من حرق هذه؟! قلنا: نحن.
قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار).
وصح عنه ﷺ -أيضاً- قوله: (عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) وخشاش الأرض الحشرات والهوام.
وقال ﷺ : (بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فنزل بئراً فشرب وخرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش -يعني: يلعق التراب من العطش- فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، فقالوا: يا رسول الله! وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر).
وفي بعض الأحاديث -أيضاً-: (بينما كلب يطيف برَكِيَّة قد كاد يقتله العطش -الركية: هي البئر التي طويت- إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته إياه فغفر الله لها به).
стр. 848
الرحمة في حياة السلف الصالح
وردت آثار كثيرة تدل على تخلق الصحابة رضي الله ﵎ عنهم والسلف الصالح بهذا الخلق الكريم، فعن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً حد شفرة أمام شاة ليذبحها فضربه عمر بالدرة، وقال: أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟ وعن عمر ﵁ أنه رأى رجلاً يجر شاة ليذبحها فضربه بالدرة، وقال: سقها -لا أم لك- إلى الموت سوقاً جميلاً.
وعن وهب بن كيسان أن ابن عمر ﵄ رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكاناً أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي! حولها، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (كل راع مسئول عن رعيته).
وعن معاوية بن قرة قال: كان لـ أبي الدرداء جمل يقال له: دمون.
فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا فإنه لا يطيق أكثر من ذلك.
فلما حضرته الوفاة قال: يا دمون! لا تخاصمني غداً عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق.
وعن أبي عثمان الثقفي قال: كان لـ عمر بن عبد العزيز ﵁ غلام يعمل على بغل له، ويأتيهم بدرهم كل يوم، فجاء يوماً بدرهم ونصف فقال: ما بدا لك، فقال: نفقت السوق.
قال: لا، ولكن اتعبت البغل، أجمه -أي: أرحه- ثلاثة أيام.
فهذه بعض الآثار التي تدل على تخلق المسلمين بخلق الرحمة الذي غرسه فيهم رسول الله ﵌، ويأتي مزيد بيان لمعنى قوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، عند تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنبياء.
стр. 849
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦].
يخبر تعالى عما قدره وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدارين ووراثة الأرض فيهما، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥]، وأخبر تعالى أن هذا الأمر وهذا القضاء السابق مذكور في الكتب الشرعية والقدرية، وهو كائن لا محالة، ولهذا قال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] والزبور: هو الكتب التي أنزلت على الأنبياء، فهو اسم جنس لكل ما زبر -أي: كتب- من الكتب التي أنزلت على الأنبياء، وهو -أيضاً- اسم الكتاب الذي أنزل على داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قولع تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) المراد من الذكر هاهنا: أم الكتاب الذي كتب الله فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة، والمعنى أن الله تعالى كتب في التوراة والإنجيل والقرآن وفي الصحف التي أنزلت على الأنبياء جميعاً من بعدما سبقت كتابة ذلك في أم الكتاب في اللوح المحفوظ (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، من كل الأمم المؤمنة بالله تعالى، فإنه تعالى يكفل لهم السعادة والمجد والحكم والفتح، ويوليهم على أمم الأرض بالحق والعدل، وذلك في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال : ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] فهذه سنة ماضية، وكون بعض الناس يظنون أن أمر الدين أو أمر الإسلام يكون دائماً في انحسار، وأن هذا الدين يمكن أن يأتي يوم يستأصل ولا يبقى منه باقية هو أقبح الظن بالله ﵎، وهذا هو عين ما سماه الله في سورة الفتح ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:١٢]، ظننتم أنه يستأصل هذا الدين، ولا يبقى منه شيء، فهذا أسوأ الظن بالله الذي يتنزه الله عنه، وإنما الأيام دول، وإنما الله يبتلي عباده بعضهم ببعض، كما قال : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]، فالله قادر بكلمة (كن) أن يدمر ما على الأرض من الكفر، لكنه يشاء أن يبتلي العباد؛ لأن هذه دار الامتحان ودار البلاء، فكم من أمم أقوى من هذه الأمم التي تسيطر على العالم اليوم ضاعت وصارت في خبر (كان) ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨]، كم توالت أمم وقوى على ظهر هذه الأرض ثم اندثروا وكانوا في خبر (كان)، فهذه سنة الله ، فلابد من أن يمكن الله لدينه، لابد من أن تكون العاقبة في النهاية للتقوى، كما قال الله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، ويقول : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
وإذا تدبرنا آيات الله ﵎ في السابقين من المجرمين الهالكين لأيقنا بهذه الحقيقة الكونية التي هي كائنة قبل أن تخلق هذه الدنيا، وهي أن العاقبة تكون للتقوى، يقول الله : ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيورثهم أرض الجنة وما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم.
стр. 850
كلام الشنقيطي في تفسير الآية
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب، فالزبور هنا لا يراد به خصوص الكتاب الذي نزل على داود ﵇، لكن هنا المراد به جنس الكتاب، فيشمل الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل وزبور داود وغير ذلك، والمراد بالذكر أم الكتاب، وعليه فالمعنى: ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب، وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه.
وقيل: الزبور في الآية زبور داود، والذكر التوراة، وقيل غير ذلك، وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك -كتاب: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن- أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق يشهد له القرآن، فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق داخل في الآية، ومن ذلك هذه الآية الكريمة، فالمراد بالأرض في قوله هنا: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] للعلماء فيه وجهان: الأول: أن هذه الأرض التي يرثها عباد الله الصالحون هي أرض الجنة، يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين، وهذا القول يدل له قوله ﵎: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] ومعنى إيراث الجنة ورد -أيضاً- في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]، وفي قوله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ويقول : ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر:٢٣].
الوجه الثاني في تفسير الأرض: أن المراد بالأرض أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا؛ لا أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة لعباده الصالحين.
ونضيف إلى المعنى قوله ﵎ في سورة المؤمنون: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١] فقد جاء حديث في تفسير هذه الآية، وهو أن النبي ﷺ أخبر أن كل عبد له مقعد في الجنة ومقعد في النار، فحينما يدخل المؤمنون الجنة يرثون مقاعد الكافرين في الجنة؛ لأن الكافرين يذهب بهم إلى النار، ويرث الكافر مقعد المؤمن في النار.
стр. 851
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
في هذه الرحمة وجهان: الأول: أنها رحمة للمؤمنين فقط، وأما الأمم النائية عنه ﷺ فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنها رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكنهم لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواء لهذا المرض.
قال الرازي: إنه ﷺ كان رحمة في الدين والدنيا، أما في الدين فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله تعالى محمداً ﷺ حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام.
ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق، فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قريناً له، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤]، وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب، ونصروا ببركة دينه ﵌.
يقول القاسمي رحمه الله تعالى في محاسن التأويل: كل من لحظ بعين الحكمة والاعتبار ونفذت بصيرته إلى مكنون الأسرار علم حاجة البشر كافة إلى رسالة خاتم النبيين، وأكبر منة الله به على العالمين، لقد بعث صلوات الله عليه وسلامه على حين فترة من الرسل، وإخافة للسبل، وانتشار من الأهواء، وتفرق من الملل ما بين مشبه لله بخلقه، وملحد في اسمه، ومشير إلى غيره، كفر بواح وشرك صراح، وفساد عام، وانتهاب للأموال والأرواح، واغتصاب للحقوق، وشن للغارات، ووأد للبنات، وأكل للدماء والميتات، وقطع للأرحام، وإعلان بالسفاح، وتحريف للكتب المنزلة، واعتقاد لأضاليل المتكهنة، وتأليه للأحبار والرهبان، وسيطرة من جبابرة الجور وزعماء الفتن وقادة الغرور، ظلمات بعضها فوق بعض، وطامات طبقت أكناف الأرض، استمرت الأمم على هذه الحال الأجيال الطوال حتى دعا داعي الفلاح، وأذن الله تعالى بالإصلاح، فأحدث بعد ذلك أمراً، وجعل بعد عسر يسراً، فإن النوائب إذا تناهت انتهت، وإذا توالت تولت، وذلك أن الله تعالى أرسل إلى البشر رسولاً ليعتقهم من أسر الأوثان ويخرجهم من ظلمة الكفر وعمى التقليد إلى نور الإيمان، وينقذهم من النار والعار، ويرفع عنهم الأصرار، ويطهرهم من مساوئ الأخلاق والأعمال، ويرشدهم إلى صراط الحق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
стр. 852
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد)
قال : ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨].
يأمر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يبلغ المشركين ويقول لهم: (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له؟ وهذا أسلوب قصر، فيه قصر الوحي في كلمة التوحيد: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، وقصر الوحي على استئثاره تعالى بالوحدانية فيه إشارة إلى أن التوحيد هو الأصل الأصيل، وما عداه راجع إليه، فكل ما عدا (لا إله إلا الله) راجع إلى (لا إله إلا الله)، فكأن كل بعثة محمد ﵊ إنما المقصود بها تحقيق كلمة (لا إله إلا الله) التي هي كلمة التوحيد وكلمة النجاة، وليس معنى ذلك أن الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات وكل الأحكام لا تدخل في (لا إله إلا الله)، لكن هذا إشارة إلى أن الأصل الأصيل في الدين هو توحيد الله ﵎ وتحقيق هذا التوحيد، وإذا تأملنا القرآن نجد أن القرآن من أوله إلى آخره كله في التوحيد؛ لأن القرآن إما دعوة إلى التوحيد وتنفير من ضده وهو الشرك، وإما بيان لحال الأنبياء والدعاة الذين دعوا إلى التوحيد، وبيان حال الذين اهتدوا وأسلموا في الدنيا، أو بيان حال القوم الذين أعرضوا، وكيف كانت عاقبة المؤمنين في الدنيا نتيجة التزامهم بالتوحيد وحقوق التوحيد، وكيف كانت عاقبة الكافرين الذين تولوا عن التوحيد وحقوقه، ثم أحوال أهل الجنة الذين استجابوا لدعوة التوحيد، وأحوال أهل النار الذين أعرضوا عن التوحيد، وإما إخبار بأوامر وتكاليف هي حقوق التوحيد، فإذا قلنا: (لا إله إلا الله) فمعناه: لا يستحق أن يعبد إلا الله، فكيف إذاً نعبد الله؟ لقد أتت الشرائع لتبين العبادات، وهي من حقوق التوحيد، كما جاء في الحديث المعروف: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، فهذه كلها من حقوق التوحيد.
إذاً: كل الرسالة موضوعها تحقيق (لا إله إلا الله)، فمن أجل ذلك قصر وحصر الله الوحي في (لا إله إلا الله).
стр. 853
تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء)
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: أعلمتكم؛ لأن معنى الأذان: الإعلام (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ) أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، وأنا بريء منكم كما أنكم برآء مني، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]، ومثل قوله ﵎: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] أي: ليكن علمك وعلمهم لنبذ العهود على السواء، وهكذا هاهنا قال : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني لعلمي بذلك.
يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في نفس هذه الآية: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: أعرضوا وصدوا عما تدعوهم إليه: (فَََقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني.
واستدل بنفس هذه الآيات التي ذكرنا، وبين أن معنى (آذنتكم) أعلمتكم، ومنه الأذان للصلاة، وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣] يعني: إعلام من الله، وقال : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] أي: اعلموا.
ومنه قول بعض الشعراء: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء يعنى: أعلمتنا ببينها، فالمقصود: (فَََقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، وإن كان بيننا وبينكم أي عهد فقد نقضناه.
إذاً: (آذنتكم) أي: أعلمتكم، ويكون علمي وعلمكم بهذه الحرب سواء ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦].
فقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] يعني: إن كان بينك وبين قوم عهد وميثاق وخفت منهم الخيانة فأعلمهم أولاً بأن هذا العهد انقضى ولا تغدر؛ فإن الأنبياء لا يغدرون، بل أعلمهم قبل أن تقاتلهم بأنك قد نقضت هذا العهد، فاستويت أنت وهم في العلم بذلك، فليس لفريق عهد ملزم في حق الفريق الآخر.
قال الزجاج: معنى الآية: أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به.
وهذا تفسير آخر، أي: كل الناس سواء في هذا الحق، لم أكتم عن فريق ما أظهر به لفريق، لكنني أعلمتكم جميعاً ما أوحي إلي، ولم أكتم منه شيئاً، وكلكم سواء في العلم بما أوحي إلي، ولم أظهر لأحد شيئاً كتمته عن غيره.
стр. 854
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون)
قال ﵎: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء:١٠٩] يعني: ما أدري، فـ (ما) هي النافية ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٩] يعني: ما توعدون من الفتح عليكم، وإيراث أرضكم غيركم، ولحوق الذل والصغار بعصيانكم، فـ (مَا تُوعَدُونَ) واقع لا محالة، لكن لا أدري متى هو، فهو واقع لا محالة، لكن لا علم لي بقربه ولا ببعده.
стр. 855
تفسير قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠] أي: إنه يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره عباده وما يسرون، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل، يقول تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة:٩٩]، ويقول : ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣]، ويقول : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، ويقول : ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
стр. 856
تفسير قوله تعالى: (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين)
قال : ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ [الأنبياء:١١١] يعني: ما أدري ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١] يعني: لعل هذا الإمهال والتأخير اختبار وامتحان لكم، ولعل إمهال هذا الموعد المرتقب وتأخيره فتنة لكم ومتاع إلى حين، وهذا هو الواقع، فإننا نرى الكفار يغترون بإمهال الله ﵎ إياهم، ويحسبون أن الله إذا أمهلهم فقد يهملهم، لكن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وهذا نراه عياناً في مشارق الأرض ومغاربها.
فقوله: (وَإِنْ أَدْرِي) يعني: ما أدري (لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ)، أي: تمتيع يمتعكم الله بالدنيا (إلى حين) حتى يأتي القدر المقدور.
وقال ابن جرير: أي: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم، أي: استدراج وابتلاء ومتاع إلى أجل مسمى.
стр. 857
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون)
قال الله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢]، وفي بعض القراءات: (قل رب احكم بالحق).
فعامة القراء السبعة ما عدا حفصاً عن عاصم يقرءون: (قل رب احكم بالحق) بصيغة الأمر، فقراءة الجمهور تدل على أنه ﷺ أمر أن يقول ذلك، وقراءة حفص (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) تدل على أنه ﷺ امتثل الأمر بالفعل.
وما أمره الله أن يقوله هنا قاله نبي الله شعيب ﵇ كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩] (افْتَحْ بَيْنَنَا) أي: احكم بيننا.
فقوله: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق أي: بحكمك الحق.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢] أي: الله الرحمن المستعان على ما تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك، كما قال : ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل:٦٢]، وقال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]، وما قاله النبي ﷺ في هذه الآية قاله يعقوب ﵇ لما علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف غير ما أخبروه عنه، وأخبروه خبراً كاذباً حيث زعموا أن الذئب أكل يوسف ﵇، وعلم أنهم كاذبون في ذلك، فذكر نص هذه العبارة فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] والمستعان هو المطلوب منه العون ﵎، فقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق، والله المستعان عليكم على ما تقولون وتفترون من الكذب بجعل الأنداد لله تعالى وعبادتها من دونه .
يقول الرازي: قال القاضي: إنما ختم الله هذه السورة بقوله: (قل رب احكم بالحق) لأنه ﵊ كان قد بلغ في البيان لهم الغاية.
يعني: استوفى كل ما يستطيع في بيان حقيقة هذا التوحيد، والدعوة إلى هذا الدين، استوفى كل ما أمكن في بيان رسالته، فقد كان قد بلغ في البيان لهم الغاية.
وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه، فهو استفرغ وسعه وجهده في أداء الرسالة وهم بلغوا النهاية وأقصى حد ممكن في أذيته وتكذيبه، فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له (قل رب احكم بالحق)، تسلية له وتعريفاً أن المقصود مصلحتهم، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر قريب، فكل ما هو كائن قريب، فالله توعد هؤلاء الكافرين المعرضين بالإهلاك وبالعذاب الأليم، وأخبر أنه يمهل ولا يهمل ، فمن أجل ذلك أمره الله أن يقول هذا القول كالاستعجال بالأمر بجهادهم حتى يجعل الله للمسلمين مخرجاً.
هذا آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام فلله الحمد والمنة.
стр. 858
فتنة النساء
أشد ما يُخاف على الرجال هي فتنة النساء، وقد جاء الإسلام بمقاصد كلية منها: حفظ الأعراض، وشرع لأجل ذلك التدابير الواقية من الافتتان بالنساء المؤدي إلى هتك العرض، كما شرع سبل الحلال التي تحفظ العرض، وتشبع الرغبة عند الناس.
стр. 859
عظم الفتنة بالنساء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً!)، فبين النبي ﷺ أن الإنسان الذي امتن الله عليه بعصمته من الفتن، وبتثبيته إذا ابتلي بالصبر، فإنه هو السعيد حق السعادة.
وكلمة الفتن تنصرف في أذهاننا إلى فتن آخر الزمان، وما يكون من أشراط الساعة، والفتن منها هذا القسم بلا شك، وقد بدت ولاحت كثير منها، ومنها فتن موجودة مع البشر بحكم كونهم بشراًً، سواء في ذلك فتنة الشهوات، أو فتنة الشبهات، وأشد فتنة من فتن الشهوات هي الفتنة بالنساء، فمن ثم اختصت هذه الفتنة بكثير من التحذير والاحتياط والتنبيه على لسان الشرع الشريف.
стр. 860
تحذير الشرع من خطر الفتنة بالنساء
كان الإشفاق من وبال هذه الفتنة أشد ما خامر قلب رسول الله ﷺ ، وأشد ما أشفق منه على أمته، وفي سبيل تحذير هذه الأمة من خطر هذه الفتنة ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته خالدة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).
بين لنا ﷺ في هذا الحديث كيف أن الافتتان بالمرأة قد يؤدي إلى إحباط عمل من أفضل ما يتقرب به إلى الله ، ألا وهو الهجرة إلى الله سبحانه, وإلى رسوله ﵌.
وأشار القرآن الكريم إلى خطر فتنة المرأة فقال : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] فقدم على رءوس هذه الفتن كلها فتنة النساء لعراقتهن في هذا الباب؛ ولأن أكثر الرجال إنما دخل عليهم الخلل من قبل هذه الشهوة، ولعله لأجل ذلك أيضاً قدم الله المرأة على الرجل في قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]؛ لأن دواعي الفتنة قد تكون من جانب المرأة إذا تساهلت أكثر منها من جانب الرجل، في حين قدم الرجل في السرقة لأنه هو الحريص على جمع المال؛ لأنه المسئول عن النفقة فقدم الرجل فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة:٣٨]، أما في الزنا فإن الخلل إذا أتى من قبل المرأة تكون الفتنة أشد.
وقال حاكياً عن عزيز مصر قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨].
وحذر رسول الله ﷺ من فتنة المرأة ونصح لأمته في هذا الباب أعظم النصح فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) قال بعض العلماء: المعنى المتبادر من هذا الحديث أنه ما دامت المرأة في خدرها لم يطمع الشيطان فيها لإغواء الناس، فإذا خرجت المرأة من بيتها الذي هو قرارها ومستقرها طمع فيها الشيطان وأطمع فيها الناس؛ لأنها حبائله.
وقوله ﷺ : (استشرفها الشيطان) أصل الاستشراف وضع الكف فوق الحاجب حينما تريد أن تنظر إلى شيء بعيد.
يقول المنذري: يستشرفها الشيطان أي: ينتصب ويرفع بصره إليها، ويهم بها؛ لأنها قد تعاطت سبباً من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها.
وهذا في حق شياطين الجن، فما بالك بشياطين الإنس في هذا العصر الذين هم أضر على المرأة من ألف شيطان جني، حيث إن أغلب هؤلاء الشباب لا مروءة عندهم ولا دين ولا شرف، ويتعرضون للنساء بشكل مفجع وهيئة تدل على خساسة ودناءة وانحطاط، فلا شك أن فتنة هؤلاء الشباب بهذه المرأة إذا خرجت -خاصة إذا كانت متبرجة- شديدة.
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتيه، وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضاً أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها.
فأعظم أنواع العبادة وأعلى درجات الثواب للمرأة أن تعبد ربها داخل حدود بيتها، كما أمر الله في القرآن العظيم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 861
فتنة نساء بني إسرائيل
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
أوغل بنو إسرائيل في المعاصي، وتفنن نساؤهم في فتنة الرجال؛ لذلك حذرنا النبي ﵇ من هذه الفتنة، وقرن هذه الأمة ببني إسرائيل مباشرة؛ لأنها أكبر الأمم التي سبقتنا، والقرآن يربط بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبين هذه الأمة وبني إسرائيل.
وعلى أي الأحوال فإن نساء بني إسرائيل أوغلن في المعصية.
ومن مظاهر تفننهن تفنن نساء بني إسرائيل في فتنة الرجال ما أخبر به ﷺ في قوله: (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتماً من ذهب مغلق مطبق ثم حشته مسكاً، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها فقالت: بيدها هكذا) يعني جعلت في هذا الخاتم مسكاً ثم جعلت له شيئاً مثل الغطاء فإذا مرت بمجلس رجال وأرادت أن تفتنهم حركت هذا الغطاء حتى تفوح هذه الريح، وفي رواية: (فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فتمسح ريحه أو فتنفخ ريحه) فينشر ريحه في الجو لتفتن بهذا الطيب الرجال.
أيضاً هذه المرأة كانت قصيرة، وكانت ستظهر قصيرة إذا مشت مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وهو يشبه ما يسمى الآن بالكعب العالي، حتى تبدو طويلة، وهي في الحقيقة قصيرة.
стр. 862
حكم صلاة النساء في المساجد إذا خشيت الفتنة
روى عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: (كن نساء بني إسرائيل يتخذن أرجلاً من خشب يتشرفن للرجال في المسجد، فحرم الله عليهن المساجد وسلطت عليهن الحيضة).
تبين عائشة أن نساء بني إسرائيل كن يصلين في المسجد مع الرجال، فإذا كان للمرأة خليل وتريد أن يعرفها وسط النساء تتخذ رجلين من خشب حتى تتطول لخليلها فيراها، فيتشرفن للرجال في المسجد عن طريق هذه الأحذية العالية، فحرم الله عليهن المساجد، وسلطت عليهن الحيضة.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلون جميعاً، فكانت المرأة إذا كان لها خليل، تلبس القالِبين أو القالَبين -بالفتح أو الكسر وهو نعل من خشب كالقبقاب -تطول بهما لخليلها؛ فألقى الله عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخرجوهن من حيث أخرجهن الله.
يعني: إذا سلك النساء المسلمات نفس هذا المسلك، فأخرجوهن من المساجد كما أخرج الله نساء بني إسرائيل من قبل.
وفي لفظ آخر: فأخروهن من حيث أخرهن الله.
يعني: باعدوا بينهن وبين الرجال.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت -فيما روته عنها عمرة بنت عبد الرحمن -: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل، قيل لـ عمرة: أومنعن؟ قالت: نعم.
أي أن نساء بني إسرائيل منعن لما أحدثن الزينة والتبرج داخل المساجد.
والنساء اللائي يحضرن عقود القران وبعض الاحتفالات في المساجد وهن في منتهى التبرج والتهتك؛ لا شك أن لهن نصيباً من مثل هذه الزواجر.
يقول الإمام الكرماني رحمه الله تعالى: فإن قلت: من أين علمت عائشة رضي الله تعالى عنها هذه الملازمة، والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا لله تعالى، يعني: كيف تجزم عائشة بأن الرسول ﵊ لو رأى ما أحدثته النساء من الزينة لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل؟ قلت: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد.
جاء في كتب بني إسرائيل -حتى الكتب التي لا زالت بين أيديهم مع تحريفها- ما يشير إلى وقوع هذا العقاب الذي أخبر عنه رسول الله ﵌، فقد جاء في الإصحاح الثالث من سفر أشعيا: (إن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهاة برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والحلق والأساور والبراقع والعصائب).
وفي هذا أن النقاب له أصل في التوراة والإنجيل، وأن النساء كن يتنقبن في الأمم السابقة، بدليل قوله: (والبراقع)، وإن كنا لا نحتاج لكتبهم؛ وإنما هذا كنوع من الشاهد يستأنس به.
وقد أخبر النبي ﷺ بوقوع بعض نساء أمته في نفس هذه الكبيرة، وذكرهن بأسوأ مصير، فقد قال ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، فيريد النبي ﷺ أن يبين أن مثل هؤلاء النساء بعيدات عن الجنة حتى لا يجدن ريح الجنة فضلاً عن أن يدخلنها.
وصفة هؤلاء النساء أنهن كاسيات عاريات، وفي العصور السابقة كان العلماء يختلفون في معنى (كاسيات عاريات)، أما في هذا الزمان فأصبحنا لا نحتاج لشرح الحديث مما نراه من تطبيق هذه الأحاديث حتى ممن يزعمن أنهن محجبات وهن عين المتبرجات المتهتكات الكاسيات العاريات.
وقوله: (مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) هي نوع من الإبل لها سنام.
стр. 863
تفسير قوله تعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم)
قد يقع الافتتان بالمرأة من وجه آخر، وذلك إذا سحرت المرأة لب الرجل وزينت له ترك الواجب أو فعل الحرام، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن).
لهذا يقول بعض الشعراء: إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أَركانا قال الله مبيناً هذا النوع الخفي الدقيق من الفتنة بالمرأة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٤ - ١٥].
قال المفسرون: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم فيقيم ويقعد عن الجهاد، فنزلت الآية منبهة لذلك محذرة من الركون إلى الأزواج والأولاد.
وروي أنها نزلت في رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله ﷺ .
فلما هاجروا إلى النبي ﷺ بعد زمان طويل ورأوا الناس قد فقهوا في الدين، هموا أن يعاقبوا أولادهم ونساءهم الذين كانوا يمنعونهم من الهجرة مبكراً.
فكان أحدهم يقول: لأرجعن إلى الذين كانوا ينهون عن هذا الأمر فلأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله : ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
يقول العلماء ﵏: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته -أي أن الأزواج والأولاد في مثل هذه الحالة ليسوا بأعداء على الحقيقة- وإنما كان عدواً لفعله، فإذا فعلت الزوجة والولد فعل العدو كانوا هم العدو، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين طاعة ربه .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه وآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك، وتنكح نساؤك، ويقسم مالك؟ فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة).
وقعود الشيطان الوارد في الحديث يكون بوجهين: أحدهما: بالوسوسة.
الثاني: أن يحمله على ما يريد من ذلك الزوجة والولد والصاحب.
فإما أن يوسوس لك الشيطان مباشرة بهذه الأشياء، أو يسلط عليك الزوجة أو الولد فينطق على لسانهم بما يريد من تثبيطك عن طاعة الله ، يقول الله : ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥].
وكما أن الرجل يكون له ولده وزوجته عدواً كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدواً بهذا المعنى بعينه، فإن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)) يشمل الرجال ويشمل النساء، فالمرأة يمكن أن تفتن الرجل في دينه، وكذلك الرجل يمكن أن يكون عدواً للمرأة يفتنها في دينها بنفس هذا المعنى، فيفعل فعل العدو، فقوله تعالى: ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ)) يدخل فيه الذكر والأنثى، وهذه الآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد، ومن ذلك أن يبكي الأولاد يريدون جهاز التلفزيون كما أن أولاد الجيران عندهم جهاز تلفزيون، فيأتي ويقول: الأولاد بكوا وضغطوا علي وما استطعت أن أفعل شيئاً، وهذا أحسن من أن يذهبوا بيوت الجيران وينظروا عندهم، وهكذا كأنه سلطان بلا تاج، وكأنه لن يسأل عن هذه الرعية التي يهلكها بنفسه! ومن ذلك السكوت على الزوجة والأولاد إذا قعدوا عن فريضة من فرائض الله كالصلاة والصيام وغيرها، أو ارتكبوا معصية من معاصي الله ﵎.
ومن ذلك: إقرار الزوجة والبنات على التبرج والتكشف والسفور والاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، وسماع آلات اللهو، وإقرار النساء على مخالطة المتبرجات، ومماشاتهن في الشوارع والطرقات، ومجالستهن في المجامع والضيافات.
قال العلماء: إن في النساء فتنتين، وفي الأولاد فتنة واحدة.
أما الفتنتان اللتان في النساء: فإحداهما: أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطع الأمهات والأخوات، وإذا لم يتفطن لهذه المحاذير فإنه ربما طاوع امرأته حتى أدت هذه المطاوعة إلى أن يقطع رحمه من أمهات أو أخوات إلى آخره.
الفتنة الثانية في الزوجة: أن يبتلى بجمع المال لها من الحلال أو الحرام.
أما الأولاد فالفتنة فيهم واحدة، وهي أنه ابتلي بجمع المال من أجلهم.
فإذا بحث الإنسان عن ذات الدين، سلم له دينه؛ لذلك أوصى النبي ﷺ وشدد في الوصية وقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)؛ لأن المرأة إما أن تكون ستراً من النار، أو تكون هي النار بعينها، أو السبب المؤدي للإنسان إلى النار إذا لم يلتفت لهذه الفتنة.
стр. 864
الفرق بين النظام الإسلامي وغيره في جانب حفظ الأعراض
قبل أن نذكر احتياطات الإسلام لحماية المجتمع من فتنة المرأة لا بد من مقدمة مهمة نقول فيها: إن كل مجتمع من المجتمعات له عقيدة، فإنه يحدد أهدافاً له يحققها في هذه الحياة طبقاً لما يعتقد.
هذه الأهداف يحققها عن طريق وسائل ونظم تكون خادمة لأهدافه الأولى الأصيلة، وفي إطار هذه العقيدة، فالإسلام عقيدة الحق بلا شك، وهو يهدف من خلال نظامه الاجتماعي إلى تحقيق هدف معين، وهو صيانة الأعراض وترويض الشهوات وضبطها بضوابط أخلاقية تضمن الطهر والعفاف، وتؤدي إلى سعادة الدنيا وسعادة الأخرى.
إذا تأملت في نظام الإسلام ستجد الأحكام كلها تصب في خمسة روافد أساسية، وهي: حفظ الدين، والعرض، والعقل، والمال، والنفس، فأي حكم شرعي ستجده يحافظ على شيء من هذه الأشياء، فالصلاة مثلاً تتعلق بالدين، والزكاة تتعلق بالدين وتتعلق بالمال، وهكذا، فجميع الأحكام الإسلامية لا بد أن تدخل لخدمة أحد هذه المقاصد أو أكثر من مقصد.
والمحافظة على العرض أحد مقاصد الشريعة العليا التي تشكل رافداً أساسياً من روافد الشريعة، فأحد أهداف المجتمع الإسلامي تحقيق هذا الهدف الأكبر من مقاصد الشريعة العليا الخمسة، ومن أجل صيانة الأعراض تجد مئات من الأحكام تصب في هذا المجرى.
وهناك جملة كبيرة من العقائد تمثل خلفية للنظم الإسلامية، كلها تنبثق عن أننا لم نخلق عبثاً ولن نترك سدى، اعتقادنا في هذه الغيبيات: جنة نار حساب صراط ميزان حشر، فكل هذه الأهوال ستصير بين أيدينا ونوقن بوقوعها، من أجل ذلك فنحن ننضبط فنراعي حق الله، ونراعي حق المجتمع، وحق النفس، فحق الله مراعى في النظام الاجتماعي الإسلامي، فتارك الصلاة وإن لم يؤذ أحداً فإنه مضيع لحق الله.
فالمقصود أن عقيدة المجتمع التي يتبناها لا بد أن تنعكس على نظامه، بحيث يكون النظام خادماً لهذه العقيدة ومتماشياً مع أسانيدها.
النظام الغربي نظام مادي إلحادي، وقضية الدين عندهم قضية شخصية، وكل إنسان حر في تدينه: يكفر، يعبد الشيطان، يعبد الهوى، يعبد الحجر، يعبد الشجر، فهذا أمر يرجع إليه.
اليابان: من أكبر الدول المتقدمة في العالم، وما زال اليابانيون الذين أوتوا القدرة العجيبة على الاختراع يعبدون صنم بوذا! إذاً: هذا مجتمع عقيدته أن الدنيا هي فرصته الوحيدة في الوجود، وأن الدنيا ليس وراءها آخرة ولا حساب، فبالتالي لا شك أن هذه العقيدة ستنعكس على أهداف المجتمع وعلى وسائله، فأهداف هذا المجتمع الملحد الذي يسقط حق الله، أن يحول الحياة إلى متع ومسرات وملذات وشهوات؛ لأنها فرصته الوحيدة، ثم لا يخشى حساباً من أحد، ولا يعرف حق الله، فمن أجل ذلك تجد هذا المجتمع سلك إلى تحقيق هذه الأهداف وسائل كثيرة، ومن هذه الوسائل: رفع الحجب تماماً بين الرجال وبين النساء، وإشراك المرأة مع الرجل في كافة مجالات الحياة، واستعمال الشهوات والتفنن في تزيينها وتحويلها إلى أوضاع بهيمية كما هو معلوم عن أحوالهم.
ففي أمريكا نسبة الزواج (٣٠ %)، وهي لا تتم إلا بعد معاشرة قد تطول، ثم بعد ذلك قد يقررون الزواج وقد لا يقررون، والمقصود أن هذا انعكاس لعقيدة المجتمع الذي لا يؤمن بالله.
وتعريف الحرية عندهم أنك حر ما لم تضر، ونحن نقول: أنت حر ما لم تضر الآخرين وما لم تعص أوامر الله .
وعندهم أن لك أن تعتقد ما شئت من العقائد، لكن هذه العقيدة تظل حبيسة الصدر، ولا يكون لها أي تأثير على واقع المجتمع، فقد يعتقدون أن الله خلق العالم ثم حركه ثم تركه، فلا أوامر ولا نواه، ولا شريعة ولا حساب، ولا عذاب.
إذاً: هذه القضية تنعكس على سلوك المجتمع، ولذلك فهم لا يراعون صيانة العرض، قال بعض الباحثين: إن قواميس الأوروبيين تخلو من كلمة العرض، فلا يعرفون الغيرة والشرف والعرض، بل يعتقدون أن الغيرة على النساء من الأمراض النفسية التي ينبغي أن يتخلص منها الإنسان، أو أنها من العقائد الشرقية المتخلفة! فالمقصود من هذه المقدمة: أن المجتمع لا بد أن تكون له عقيدة، وهذه العقيدة تحدد له أهدافاً، وهذه الأهداف يسلك المجتمع وسائل من أجل تحقيقها.
هدف الإسلام من نظامه الاجتماعي هو صيانة الأعراض، فمن أجل ذلك شرع مجموعة من الضوابط كلها تصب في هذا الرافد، وهو صيانة أعراض الناس وترويض شهواتهم وتصريفها فيما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
ونحن نوقن أنه ليس من الإنصاف أن نسلك سلوك النظام الغربي في هذا الجانب، ثم نحاول الترقيع بأن نصبغ عليه أدلة من الإسلام، ونصوغه بقواعد النظام الاجتماعي في الإسلام، فهذا ليس من الإنصاف، فضلاً عن أنه يخالف الحقيقة، فيأتي أناس لهم هوى في إباحة الاختلاط، فيفتشون في أعماق الكتب، لعلهم يجدون نصاً قابلاً للتأويل أو حديثاً ضعيفاً، أو أي نوع من القصص المنحرفة فيقولون: الإسلام يبيح الاختلاط، ويستدلون بما ليس فيه دلالة، يقول لك: بعض النساء كن يساعدن الرجال في القتال، فيوسعون هذه الرخصة، ويقولون: لا بد من خروج النساء إلى المجتمع!
стр. 865
احتياطات الإسلام لصيانة الأعراض
احتياطات الإسلام شرعت من أجل صيانة الأعراض، فما هي هذه الاحتياطات التي شرعها الله لسد ذرائع الفتنة بالمرأة؟ لا شك أن الله خلق الإنسان وهو أعلم به، قال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فمن حكمة الله أنه ركب في الإنسان شهوة الفرج تركيبا قوياً، وجعل لها عليه سلطاناً شديداً، فإذا ثارت فإنها تكون أشد الشهوات عصياناً، فإن لم يكن عند الإنسان تقوى وورع وخوف من الله، فإنه لا يمنعه من المعصية شيء.
قالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، علمت أن التقوى تحجب صاحبها عن المعصية فأرادت أن تذكره بالتقوى.
والدليل على شدة هذا الميل في الإنسان أنه يحتمل بكل الرضا مشاق وتكاليف الزوجية، وتربية الأولاد والكد والتعب من أجلهم، بحيث صار الإنسان مسوقاً عن طريق هذه الشهوات إلى التناسل وعمارة الدنيا؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
والمرأة من طبعها استهواء الرجل، والسيطرة على مشاعره، وامتلاك حسه ولبه، وفي سبيل إغوائه وتوجيه نظره إليها؛ قد تصنع من ألوان الفتن ما يجر إلى المنكر.
فإذا ترك الناس لدواعي هذه الشهوات فسدت الأعراض وفشت الإباحية، فالله خلق الرجل والمرأة والشيطان، وقد بين الله أن هدف الشيطان الأساسي في موضوع المرأة أن يوقع العبد في حضيض الفاحشة الكبرى والعياذ بالله والشيطان عنده خبرة بهذه الأحابيل وهذه الأساليب، فيسلك مسالك الاستدراج وإغراء الإنسان بالشهوات عن طريق خطوات بعضها يقود إلى بعض كدرجات السلم، ولذلك عندما يحذرنا الله من فتنة الشيطان يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨]، سماها خطوات؛ لأنه يستدرج الإنسان خطوة خطوة، فإن أول ما يبدأ الشيطان بفتنة الإنسان في هذا الباب بالنظرة، فإذا تسامح الإنسان في النظر فإن النظرة تولد خطرة، وهذه الخطرة -أي: الفكرة- تطرق القلب، فإن دفعها العبد استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عاجلها وإلا صارت عزيمة، فإذا وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد.
ودفع مبادئ هذه الفتنة أسهل مما بعد ذلك، فإذا غض المرء بصره كما أمر الله كفي شر هذه الفتنة، لكن إذا اتبع الشيطان فلم ينته واستجاب لهذا الاستدراج فإنه يقع فيما هو أصعب، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، ولهذا لما أراد ربنا أن ينهى العباد عن فاحشة الزنا لم يقل لهم: ولا تزنوا، ولكنه قال لهم: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، فنهى عن مجرد الاقتراب منه، وهذا أبلغ؛ وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] فكيف بمن يتعداها ويتخطاها؟! فنقول: إن من أجل شدة هذه الفتنة على العباد فإن الشريعة الإسلامية جعلت أحد مقاصدها العليا الحفاظ على العرض، فإذا تأملت جميع الأحكام التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام وجدتها كلها تصب في هذا الهدف، وهو الحفاظ على الأعراض، ومنع وقوع فاحشة الزنا والعياذ بالله.
فمن أجل تعظيم حرمات الله، وصيانة الأعراض، والمحافظة على النفس، وتطهير المجتمع من الرذيلة؛ اتخذت الشريعة في مواجهة هذه الفتنة اتجاهين: اتجاه وقائي، واتجاه علاجي.
الاتجاه الوقائي يمنع وقوع الفاحشة عن طريق سد الذرائع التي تؤدي إليها سداً محكماً.
والاتجاه العلاجي عن طريق فتح أبواب التعفف والحصانة على مصارعها، وشق الطرق المعبدة الممهدة التي توصل إلى ما أحل الله .
стр. 866
التدابير الوقائية من الفتنة بالنساء
стр. 867
التقوى والورع
أول ما اهتم به الإسلام لمنع فاحشة الزنا وغيرها من الفواحش أن جعل الإيمان وتعمير القلب بمراقبة الله والخوف منه أعظم رادع عن المعاصي، يقول الرسول ﷺ : (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)، ويقول ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فصلاح القلب هو أول أسباب الوقاية من المحرمات.
التربية الإيمانية، التوجيه الواعي، لزوم جماعة المسلمين الصالحين، اجتناب صحبة الفاسقين، ومع أن الشريعة تحثنا على مراقبة الله ، لكن الشريعة لا تكلنا فقط إلى ضمائرنا؛ لأن الضمير يمكن أن يطرأ عليه انحراف، والقلب الحي يمكن أن يطرأ عليه المرض.
فمن أجل ذلك وضعت ضوابط صارمة، فلا يحل للإنسان أن يتعلل مثلاً بطهارة قلبه، ويقول: سأخلو بهذه المرأة وقلبي طاهر، أو سأصافح هذه المرأة وقلبي سليم، هناك ضوابط لا بد من سلوكها وعدم التهاون بها.
стр. 868
تحريم الزنا
الإجراء الوقائي الثاني: تحريم فاحشة الزنا، وبيان أنه خراب للدين والدنيا: فقد أجمعت كل الشرائع السماوية على تحريم هذه الفاحشة، واعتبرت هذا الفعل من أكبر الآثام وأعظم الجرائم التي تدنس النفس البشرية، وتحول بينها وبين سعادتها وكمالها، ووضعت له أشنع عقوبة في الحدود الشرعية، وهي الرجم بالحجارة حتى الموت للزاني المحصن، وتوعدت فاعليها بالعقوبات الآجلة والعذاب الأليم في العاجلة، قال الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
ليس هذا فحسب، بل قرن الله الزنا بأكبر الكبائر فقال في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩] إلى آخر الآيات.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في خطبة الكسوف: (يا أمة محمد! والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) تخيل الأب كيف يغار على عرض ابنته، وكيف يغار الزوج على عرض زوجته، فالله أشد غيرة من هذا الرجل على ابنته أو امرأته، فيغضب الله حين تنتهك حرماته وتعصى أوامره.
ثم قال: (يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ثم رفع يديه فقال: اللهم هل بلغت؟).
ليس هذا فحسب، بل إن رسول الله ﷺ ينفي الإيمان من قلوب هؤلاء الذين استمرءوا الكبائر، وبين انسلاخهم من الدين، يقول ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وقال ﵊: (إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة) يخرج الإيمان من قلبه، ويبقى بعيداً عنه كالظلة، فإذا أقلع رجع إليه.
وقال ﷺ : (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله)، وقال ﷺ (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم).
وعن بريدة مرفوعاً: (ما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت).
بلغ التنفير من هذه الفاحشة وتبغيضها إلى قلوب المؤمنين أن أم جريج العابد دعت على ابنها حينما أتته في صومعته ونادته ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يتنفل بالصلاة ويقول: يا رب! أمي وصلاتي، فيقبل على صلاته، فدعت عليه أمه بعقوبة شديدة، وهي ألا يموت حتى يرى وجوه الزانيات، فكان أن افترت عليه امرأة زانية وادعت أنه هو الذي فعل بها الفاحشة، وكان مظلوماً، فأتى إلى الغلام المولود من الحرام، فغمزه بيده وقال: من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فبرأه الله ، لكن المقصود من هذه القصة: أن مجرد وقوع العين على الذين يقعون في هذه الفاحشة عقوبة كما دعت بها أم هذا العبد الصالح عليه بأن يعاقب بها.
وجعل الله التعفف من هذه الفاحشة من صفات المؤمنين المصلحين، قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٧].
وقصة يوسف دليل على فضيلة العفة وحسن عاقبتها، وفي السنة أحاديث كثيرة صحيحة في هذا المعنى، مثل حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال ﵊: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، وقال ﷺ : (من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة).
وفي حديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم بعدما أطبقت عليهم الصخرة في الغار، توسل كل منهم بصالح عمله، فاستشفع أحدهم ببره بوالديه، والآخر برده أجر العامل الذي تركه عنده فاستثمره له، واستشفع الثالث بأنه كانت له ابنة عم يهواها، فما زال يراودها عن نفسها حتى ألم بها قحط فراودها فخضعت له، فلما تمكن منها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فإذا هو يرتعد من خشية الله، وينصرف عنها ويترك لها المال الذي أعطاها ابتغاء وجه الله، فأزال الله الصخرة عن فم الغار بفضل هذه الأعمال الصالحة.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كان فيمن كان قبلكم رجل اسمه الكفل، وكان لا ينزو عن شيء، -وفي رواية: كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتى امرأة علم بها حاجة، فأعطاها عطاءً كثيراً -وفي رواية: أعطاها ستين ديناراً-، فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك، ووالله لا أعصيه أبداً، فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله تعالى قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك، حتى أوحى الله تعالى إلى نبي زمانهم بشأنه) هذا الحديث رواه الترمذي في صفة القيامة وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
стр. 869
عقوبات الزنا في الإسلام
شدد الله ي عقوبة الزاني الأثيم من الناحية المادية والمعنوية، أما العقوبة المادية فهي العذاب الأليم بالجلد أو الرجم، وأما العقوبة المعنوية فهي ألا يرأف به المؤمنون، ولا يجدوا في قلوبهم أي رحمة له، قال ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
وزادت السنة الشريفة بعد هذه العقوبة الحكم بجلد الزاني البكر والزانية البكر مائة جلدة أن يغربا عاماً، وزادت أيضاً الرجم بالحجارة للمحصن، فعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
وهنا إشارة يسيرة في قول النبي ﵊: (نفي سنة) فإنها عقوبة فيها حكمة عظيمة جداً، وهي: أن من مقتضيات التوبة أن يغير الإنسان البيئة التي كان يعيش فيها، والتي عرف فيها بمزاولة المعصية؛ لأنه ربما كان له في هذه البيئة أصحاب سوء يزينون له المعاصي، فإذا هاجر إلى مكان جديد تمكن من التوبة.
فخص الله عقوبة هذه الجريمة بثلاث خصائص: أولها: القتل بأشنع القتلات، وحيث شدد العقوبة بالجمع بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الأمر الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينهم، بحيث تمنعهم من إقامة الحد.
الأمر الثالث: أنه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهم أحد؛ لأن ذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر.
وقد ثبتت أحاديث كثيرة بتعذيب الزناة في قبورهم إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث المشهور في رؤيا النبي صلى الله عليه وآله سلم.
وهذه الفاحشة لها مراتب، ففعل هذا الأمر بأجنبية لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبية لها زوج، وأقبح منه زوجة الجار، قال ﷺ لأصحابه: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال ﷺ لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره).
وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من الشاب، قال ﵊: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر).
стр. 870
من مفاسد الزنا وشنائعه
من مفاسد هذه الفاحشة وعواقبها الوخيمة: أن يَعْمى القلب، ويُطمَس نوره، والزنا يحقر النفس ويقمعها، ويسقط كرامة الإنسان عند الله وعند خلقه، ويؤثر في نقصان العقل، ويمحق بركة العمر، ويضعف في القلب تعظيم الله، ويوجب الفقر، ويكسو صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس.
ومن مفاسده أيضاً: أنه يشتت القلب ويمرضه، ويجلب الهم، والحزن، والخوف، ويباعد صاحبه من الملك، ويقربه من الشيطان، وليس بعد مفسدة القتل مفسدة أعظم من الزنا، فلهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها، ولو بلغ العبد أن امرأة من نسائه قُتِلت لكان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت.
وروي أن الجزاء من جنس العمل، فإن الله قد ينتقم من هذا الزاني بأن يسلط على عرضه من لا يتقي الله فيه، فينال من عرضه كما نال هو من أعراض الناس، يقول بعض الشعراء: يا هاتكاً حُرَم الرجال وتابعاً طرق الفساد فأنت غير مكرَّمِ من يزن في قوم بألفي درهم في أهله يزنى بربع الدرهم إن الزنا دَين إذا استقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم وصف بعض العلماء آثار هذه الفاحشة المدمرة فقال: عاره يهدم البيوت الرفيعة، ويطأطئ الرءوس العالية، ويسود الوجوه البيض، ويصبغ بأسود من القار أنصع العمائم بياضاً، ويخرق الألسنة البليغة، ويبدل أشجع الناس من شجاعتهم جبناً لا يدانيه جبن، ويهوي بأطول الناس أعناقاً وأسماهم مقاماً وأعرقهم عزاً إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة، ليس لها من قرار.
وهو أقدر أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما استتر، ونباهة الذكر مهما بعدت، وإنبات ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلفت إلى من كان في بيوتهم لفتة احترام.
وهو -أي الزنا- لطخة سوداء إذا لحق التاريخ أسرة غمرت كل صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سواداً حالكاً.
وهو الذنب الظلوم الذي إن كان في قوم لا يقتصر على شين من قارفته من نسائهم، بل يمتد شينه إلى من سواها منهم، فيشينهن جميعاً شيناً يترك لهم من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهن النسوي، وهو العار الذي يطول عمره طولاً، فقاتله الله من ذنب، وقاتل فاعليه! يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رءوسهم بين الناس، وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإن أبقته حملته على الزوج فأدخلت على أهلها وأهله أجنبياً ليس منهم، فورثهم وليس منهم، ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم.
وأما زنا الرجل فإنه يوجب اختلاط الأنساب أيضاً، وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد، ففي هذه الكبيرة خراب الدين والدنيا.
стр. 871
منع الزواج ممن عرف بالفاحشة ومنع الاختلاط والبذاءة
اتخذ الشرع نتيجة خطورة هذه المعصية إجراءات كثيرة جداً، منها منع الزواج ممن عرف بالفاحشة ومنع الاختلاط، وأنت إذا فتشت عن أي معصية وقعت من هذا النوع، وجدت أن أسبابها الأولى التي أدت إليها وجود خلل في نظام الأسلاك الشائكة، فالإسلام جعل من الرجال الأجانب والنساء نظام أسلاك شائكة تمنع اختلاط الحابل بالنابل، وتمنع ما يحدث في مثل هذه المجتمعات المتحللة، فإذا بحثت وفتشت فلا بد أن تجد ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة، قد تكون بدأت بنظرة، بمصافحة، بخلوة، بأي شيء من هذه الإغراءات التي سنذكرها، والتي من شأنها أن تمنع وقوع الفاحشة.
ومن ذلك أن الله حرم البذاء والفحش من القول، لأن الآذان تتعود على سماع الألفاظ القبيحة، فمنعها من الاحتياطات التي يسد بها ذرائع الفاحشة: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨].
وحرم الشرع أن يظن السوء بالمؤمن، وأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه سوءاً أن يظن به البراءة من الإثم، والطهارة من السوء كما أنه يثق بنفسه أنه طاهر وبريء، كما قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ﴾ [النور:١٢] يعني: بإخوانهم ﴿خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٢ - ١٣].
وقد حدث في عهد عمر أنه شهد ثلاثة بالفاحشة شهادة مفصلة، وتلكأ الرابع ولم يضبط الشهادة الشرعية المفروضة، فحد الثلاثة حد القذف، وبعض الناس في هذا الزمان يظنون الخوض في أعراض الناس أمراً سهلاً؛ لأنهم لا يعاقبون عقوبات شرعية، لكن أين يفرون من عقاب الله في الآخرة؟! فبعض الناس يعتبر الخوض في الأعراض بطولة، وبمجرد الظن أو الشك في الناس يشيع الفاحشة في المؤمنين، ويغفل عما ينتظره من العقاب الأليم! إذاً: يجب على أي مسلم إذا أتاه رجل فرمى شخصاً بالفاحشة أن يقول له: هل معك ثلاثة شهداء؟ فإذا لم يأت فلك أن تقول له: إنك من الكاذبين، إن هذا هو الإفك المبين الذي حذرنا منه الله .
стр. 872
خطر إشاعة الفاحشة والإيلاء من النساء
حرم الشرع إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]، فإذا كان مجرد حب إشاعة الفاحشة يترتب عليه هذه العقوبة، فكيف بمن يشيع الفاحشة في المجتمع الإسلامي، ويدفع الناس إليها دفعاً؟! وحظر الشرع على الرجل أن يغيب عن زوجه مدة طويلة، قال : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧].
إذا حلف الرجل ألا يقرب زوجته ترك أربعة أشهر، فإما أن يرجع بعد فترة الإيلاء ويتوب فيغفر الله له، وإما أن يطلق.
стр. 873
فرض الحجاب على النساء
من أعظم التدابير الوقائية في أمر هذه الفتنة: فرض الحجاب على النساء، واعتبار قرار المرأة في بيتها هو الأصل الأصيل في دائرة عملها، قال ﷺ : (والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسئولة عن رعيتها) فأصل مقر المرأة هو البيت، وليس كما يحصل في هذه الأزمان، وإنما تخرج محجبة، وتخرج بشروط معروفة، وهذه الشروط لحمايتها وحماية المجتمع من فتنتها.
من ذلك أيضاً: أنه حرم التبرج وإظهار الزينة والتجمل للفت نظر الأجانب، يقول تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 874
تشريع الاستئذان عند دخول البيوت وغض البصر
من هذه الإجراءات تشريع الاستئذان وعدم دخول البيوت إلا بإذن، فربما وقعت عين خائنة على عورة غافلة فوقع المحرم.
أيضاً من هذه الاحتياطات: الأمر بغض البصر، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وهنا فعل مقدر محذوف، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا يغضوا إلخ، فحذف صيغة الأمر (غضوا) وأتى
الجواب
( يغضوا).
فكأن المؤمنين ليس لهم شأن أمام أوامر الله إلا الامتثال، فأصل الآية: قل للمؤمنين: غضوا يغضوا من أبصارهم، أي: سوف يستجيبون لك إذا قلت لهم ذلك؛ لأن هذا شأن المؤمنين.
وقرن الله الأمر بغض البصر بالأمر بحفظ الفرج، لأن غض البصر هو السبيل إلى هذا الحفظ، ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، حتى يراقب الإنسان ربه ولا يراقب عين الناس، ولا يقع في خائنة الأعين، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء تمر به، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود لو اطلع على عورتها، وأن لو قدر عليها لزنى بها! وقال الثوري: الرجل يكون في مجلس في القوم يسترق النظر إلى المرأة التي تمر بهم، فإذا رأوه ينظر إليها اتقاهم فلم ينظر، وإن غفلوا نظر.
((وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)) يعني: ما يجد في نفسه من الشهوة، ولا شك أن خائنة الأعين في هذا الزمان تضاءلت، لأن المرأة الآن تخرج في الشارع على أقبح صورة وأبلغ زينة، فلم يبق احتمال وجود خائنة الأعين إلا عند المسلمين الذين تستتر نساؤهم، أما الذين فتنوا بتقليد الكفار فقد عدمت فيهم خائنة الأعين، وحل محلها تسريح النظر في النساء الأجنبيات ومضاحكتهن ومجالستهن، والتحدث معهن في الخلوة وفي غير الخلوة! يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر:١٩] يقول سفيان: هي النظرة بعد النظرة فالنظرة الأولى معفو عنها كما في الحديث: (يا علي!، لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة).
ويشترط للعفو عن الأولى ألا تكون عمداً، بل تكون نظرة فجأة عفواً بغير قصد، فإذا كان الإنسان ينظر عمداً فلا تحل له الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، فإنما الكلام هنا في نظرة الفجأة التي لا يتعمدها الإنسان.
كذلك يجب على من رأى رجلاً يترصد امرأة أن ينصحه ويرشده إلى غض البصر، فعن ابن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر) فهذا إنكار باليد، وهو أبلغ مراتب الإنكار.
وننبه هنا إلى خطأ يقع من بعض الناس حتى المتدينين، وهو التساهل في النظر إلى المخطوبة، فالمخطوبة يجوز لك أن تنظر إليها إذا أردت الخطبة، فإذا لم يكفك النظر مرة طلبت الثانية، ولا يجوز أن يظل الباب مفتوحاً؛ لأنها أجنبية، وإلا أصبحت بنات الناس معارض ومسارح للناظرين، فالخاطب ينظر إليها عند الحاجة، ويتكلم معها عند الحاجة، شأنها شأن أي امرأة أجنبية، لأن الخطبة ما هي إلا وعد بالزواج، لا يترتب عليه أي أثر، فالتساهل في هذا الباب لا شك أنه خلل في نظام الأسلاك الشائكة.
стр. 875
تحريم مس الأجنبيات
أيضاً من هذه الإجراءات: تحريم مس الأجنبية ومصافحتها، يقول النبي ﵊: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).
وقال ﵊: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه).
الشاهد قوله ﵊: (واليد زناها البطش) وهو أن يمس بها امرأة أجنبية.
وبعض المتساهلين بمصافحة النساء يقول: الصغيرة مثل أخته، والكبيرة مثل أمه! إذاً: حدود الله تنسى وتمحى، فيتساهل الناس في هذه المعصية، ويحتجون بطهارة القلب وسلامة النية، ويقول بعضهم: إنه لا يتأثر بذلك! فلا شك أن هذا ينادي على نفسه بنقص صفات الرجولة، وهو كذاب في دعواه قطعاً؛ لأن أطهر ولد آدم ﷺ قال: (إني لا أصافح النساء)، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها) أي: يملك نكاحها، فهل هو أطهر قلباً من رسول الله ﵊؟! أيضاً: هناك تنبيه تمس الحاجة إليه فيما يتعلق بالمصافحة وغيرها، وهو أن بعض الناس يتهاونون بمثل هذه الأحكام بزعم أن المرأة تمد يدها فيصافحها، ويقول: أنا استحييت، أو المرأة تقول: أنا استحييت، فيقول: صافحت حتى لا أحرجه أو حتى لا أحرجها، فهذا في الحقيقة ليس بحياء، هذا عجز عن المحافظة على حدود الله، فأنت راعيت حق العبد وضيعت حق الله، وكان ينبغي أن تغار على حدود الله أكثر من خشيتك أن تغضب هذا العبد.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: لقد كان المصطفى ﷺ يأخذ نفسه بالحياء ويأمر به، ويحث عليه، ومع ذلك لا يمنعه الحياء من حق يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسكاً بقوله في الحديث: (إن الله لا يستحيي من الحق).
وهذا هو نهاية الحياء وكماله، وحسنه واعتداله، فإن من فرط عليه الحياء حتى منعه من الحق، فقد ترك الحياء من الخالق واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حرم منافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإن الله أحق أن يستحيا منه، فليحفظ هذا الأصل فإنه نافع.
стр. 876
تحريم الخلوة بالأجنبيات
من هذه الإجراءات أيضاً: تحريم الخلوة بالأجنبية، وحقيقة الخلوة أن ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه في غيبة عن أعين الناس، فهذه من أعظم الذرائع وأقرب الطرق إلى وقوع الفاحشة الكبرى.
وهذه الخلوة كما ذكر القرطبي من الكبائر، ومن أفعال الجاهلية، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] لا تخلو المرأة بالرجال، وقال بعض السلف: لا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر إلا مع ذي محرم.
فالخلوة بالأجنبية من أخطر الذرائع التي تؤدي إلى المحرم، فهي من أسباب القرب التي قال فيها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، فتجد أن الله حينما يعالج جريمة القتل، ينهى عن القتل نفسه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]؛ لأن النفس أصلاً تكره القتل، لكن هذه الفاحشة يعالجها بالحجز عن أسبابها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢].
فشدد الرسول ﷺ في أمر الخلوة، حتى تسد منافذ الفاحشة، وتجفف منابع الفتنة، يقول ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)، وقال ﵊: (ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان)، فأي إنسان يقول بخلاف قول رسول الله فهو كذاب، ينادي على نفسه بالكذب والفجور والفسوق والعصيان، فما دام الرسول الذي لا ينطق عن الهوى يقول (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) فحتماً يكون ثالثهما الشيطان، وهذا الحديث يعم جميع الرجال حتى الصالحين، ويعم جميع النساء حتى الصالحات والعجائز.
وقال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان).
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهانا أن ندخل على المغيبات)، والمغيبة هي المرأة التي غاب زوجها.
وعنه أيضاً: (نهانا رسول الله ﷺ أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن).
وقال ﷺ : (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)، وفي حديث آخر: (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم).
أيضاً قرابة الزوج من الرجال غير الأب لا يحل لهم أن يدخلوا على المرأة، ولذلك قال ﵊: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ -الحمو هو قريب الزوج- قال: الحمو الموت) يعني: أنه يفسد حياة الزوجية كما يفسد الموت البدن.
وقد حكى الإجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي وابن حجر، وقال النووي: وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحوه، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام.
ويقول الإمام الأبي رحمه الله تعالى: لا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد وإن قل الزمن.
يعني: مثل داخل المكتب، أو المصعد وأي شيء تقع فيه خلوة لا يحل، يقول: لعدم الأمن، لاسيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب.
يقول بعض الشعراء: لا يأمنن على النساء أخ أخا ما في الرجال على النساء أمين إن الأمين وإن تعفف جهده لا بد أنه بنظرة سيخون فالمقصود: ألا يوكل الأمر إلى الضمائر والثقة، ولا بد من مراعاة حدود الشرع، يقول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: ائتمنوني على خزائن الذهب والفضة، ولا تأتمنوني على أمة سوداء.
يقول بعض السلف: ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلمها القرآن.
стр. 877
تحريم سفر المرأة بغير محرم
من ذلك أيضاً: أن الشريعة حرمت سفر المرأة بغير محرم، يقول النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا.
قال: انطلق فحج مع امرأتك) فأمره أن يترك الجهاد حتى يحج مع امرأته ولا يدعها تسافر بدون محرم.
يقول الإمام النووي: المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وحيائه.
فالذين يتهاونون بالخلوة والاختلاط ويقولون: إن بناتنا أو أبناءنا تربوا على الفضيلة ورعاية الخلق إلى آخر هذا الكلام، هؤلاء تماماً مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لن يقع، لأنه مكتوب على البارود تحذير من الاشتعال والاحتراق، فهل يغني هذا التحذير شيئاً؟ فهذا خيال ومغالطة للواقع.
стр. 878
تحريم خروج المرأة متعطرة
من هذه الإجراءات: تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، فما يشمه الرجل من ريح المرأة لا شك أنه من دواعي الفتنة، يقول ﵊: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم يجدون ريحها فهي زانية، وكل عين زانية)، فالحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس ألا يحتمل حتى هذا العامل الخفي اللطيف! خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ متطيبة، فوجد ريحها فعلاها بالدرة، ثم قال: تخرجن متطيبات فيجد الرجل ريحكن، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تفلات، يعني: غير واضعات هذه الروائح.
стр. 879
تحريم الخضوع بالقول
من هذه الإجراءات: تحريم الخضوع بالقول؛ فإن خضوع القول يؤدي إلى بلية المعصية أو بلية العشق، قال بشار الشاعر: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا فربما أوقع صوت المرأة الرجل في هذه الفتنة؛ فلهذا نهيت المرأة عن الخضوع بالقول، لكن تتكلم بجفاء وبقسوة؛ حتى تنفر الرجل الأجنبي منها.
بعض الناس رأى أختاً منتقبة تلبس ثياباً ذات ألوان غامقة بحيث إنها تنفر الذي يراها، فقال: هذا لا يصح هذا منفر! فكان
الجواب
إن المفروض أنها تنفر، فليس المقصود مد جسور المودة بين الرجال والنساء، والكلام إنما يجوز للحاجة بقدر الحاجة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهذا الخطاب وجه لأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، فكيف بمن دونهن؟! قال ﵊: (والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام)، فهذا أيضاً من المحرمات.
стр. 880
تحريم الاختلاط
أعظم وسائل الإسلام في تجفيف منابع هذه الفتنة تحريم الاختلاط، والاختلاط هو: اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد.
أقوى دليل على تحريم الاختلاط قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإذا رجعنا إلى كتب التفسير، لننظر ما يذكره المفسرون عن تبرج الجاهلية الأولى، نجد أن الجاهلية الأولى تستحي مما عليه الجاهلية الأخيرة الآن، ففي تفسير الآية يقولون: كانت المرأة تخرج فتمشي بين أيدي الرجال، أو تخرج وقد غطت رأسها وأظهرت نحرها، فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى، فماذا نقول عن تبرج الجاهلية الأخرى ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني فتوى، أو طعاماً، أو صدقة ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم علل الحكم فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: الحجاب، أو السؤال من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ثم يأتي بعض الناس الذين لم يشموا رائحة الفقه، ويقولون: إن هذه خاصة بأمهات المؤمنين.
سبحان الله! إذا كان الخطاب موجهاً لأمهات المؤمنين اللاتي هن محرمات علينا، وموجهاً لجيل الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس، وعلل الحكم بأن ذلك الحجاب والكلام من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن، فكيف نقول في رجال ونساء هذا الزمان! يقول النبي ﵊ (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها).
وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء بالطريق، فقال لهن: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق) أي: ليس لكن أن تمشين في حاق الطريق وهو وسط الطريق.
الآن الرجال لكي يتقوا شر النساء يمشون على الرصيف، ويتقون بالجدران! النبي ﵊ يقول: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به، أي من شدة الحرص على عدم المخالطة أوقات الخروج من المسجد.
وقد جعل النبي ﵊ في المسجد باباً خاصاً بالنساء لا يشاركهن ولا يخالطهن فيه الرجال، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات، وكان عمر بن الخطاب ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء.
وقد شرع الرسول ﵊ للمصلين ألا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء حتى يخرجن.
قال أبو داود: باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة.
عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال).
وجاءت أم حميد الساعدية إلى الرسول ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) أي: المسجد النبوي، ومعروف فضيلة الصلاة في المسجد النبوي.
وقال ﵊: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن).
وقال ﵊: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، وهذا في حالة العبادة والبعد عن الشيطان، فما بالك بما خالف ذلك! كانت عائشة ﵂ تطوف حذرة، أي تطوف حول الكعبة بالليل حتى لا تخالط الرجال، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! فقالت: انطلقي أنت، وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن، أي: إذا أراد نساء المؤمنين أن يدخلن الكعبة وقفن على بابها حتى يخرج الرجال، ثم تدخل النساء.
ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً، فقالت لها عائشة ﵂: لا آجرك الله، لا آجرك الله، تدافعين الرجال، ألا كبرت ومررت! ومن أجل ذلك تجد الشرع حث على صلاة الجمعة، ولكن ليست واجبة على النساء، وجعل جهادهن هو الحج المبرور، ولما أرادت فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم سليم، قال لها النبي ﷺ : (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك).
كل هذه الإجراءات تبين لنا أن روح الشريعة يرفض تماماً انفتاح النساء على الرجال واختلاطهن بهم بهذه الصورة المزرية.
следующие страницы →