← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تحريم الخلوة بالأجنبيات من هذه الإجراءات أيضاً: تحريم الخلوة بالأجنبية، وحقيقة الخلوة أن ينفرد الرجل بامرأة أجنبية عنه في غيبة عن أعين الناس، فهذه من أعظم الذرائع وأقرب الطرق إلى وقوع الفاحشة الكبرى. وهذه الخلوة كما ذكر القرطبي من الكبائر، ومن أفعال الجاهلية، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] لا تخلو المرأة بالرجال، وقال بعض السلف: لا تخلو برجل غير ذي محرم ولا تسافر إلا مع ذي محرم. فالخلوة بالأجنبية من أخطر الذرائع التي تؤدي إلى المحرم، فهي من أسباب القرب التي قال فيها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، فتجد أن الله حينما يعالج جريمة القتل، ينهى عن القتل نفسه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]؛ لأن النفس أصلاً تكره القتل، لكن هذه الفاحشة يعالجها بالحجز عن أسبابها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]. فشدد الرسول ﷺ في أمر الخلوة، حتى تسد منافذ الفاحشة، وتجفف منابع الفتنة، يقول ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)، وقال ﵊: (ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثهما الشيطان)، فأي إنسان يقول بخلاف قول رسول الله فهو كذاب، ينادي على نفسه بالكذب والفجور والفسوق والعصيان، فما دام الرسول الذي لا ينطق عن الهوى يقول (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) فحتماً يكون ثالثهما الشيطان، وهذا الحديث يعم جميع الرجال حتى الصالحين، ويعم جميع النساء حتى الصالحات والعجائز. وقال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان). وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهانا أن ندخل على المغيبات)، والمغيبة هي المرأة التي غاب زوجها. وعنه أيضاً: (نهانا رسول الله ﷺ أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن). وقال ﷺ : (لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان)، وفي حديث آخر: (لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم). أيضاً قرابة الزوج من الرجال غير الأب لا يحل لهم أن يدخلوا على المرأة، ولذلك قال ﵊: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ -الحمو هو قريب الزوج- قال: الحمو الموت) يعني: أنه يفسد حياة الزوجية كما يفسد الموت البدن. وقد حكى الإجماع على تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي وابن حجر، وقال النووي: وكذا لو كان معهما من لا يستحيا منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحوه، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام. ويقول الإمام الأبي رحمه الله تعالى: لا تعرض المرأة نفسها بالخلوة مع أحد وإن قل الزمن. يعني: مثل داخل المكتب، أو المصعد وأي شيء تقع فيه خلوة لا يحل، يقول: لعدم الأمن، لاسيما مع فساد الزمن، والمرأة فتنة إلا فيما جبلت عليه النفوس من النفرة من محارم النسب. يقول بعض الشعراء: لا يأمنن على النساء أخ أخا ما في الرجال على النساء أمين إن الأمين وإن تعفف جهده لا بد أنه بنظرة سيخون فالمقصود: ألا يوكل الأمر إلى الضمائر والثقة، ولا بد من مراعاة حدود الشرع، يقول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: ائتمنوني على خزائن الذهب والفضة، ولا تأتمنوني على أمة سوداء. يقول بعض السلف: ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلمها القرآن.

стр. 877

تحريم سفر المرأة بغير محرم من ذلك أيضاً: أن الشريعة حرمت سفر المرأة بغير محرم، يقول النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك) فأمره أن يترك الجهاد حتى يحج مع امرأته ولا يدعها تسافر بدون محرم. يقول الإمام النووي: المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وحيائه. فالذين يتهاونون بالخلوة والاختلاط ويقولون: إن بناتنا أو أبناءنا تربوا على الفضيلة ورعاية الخلق إلى آخر هذا الكلام، هؤلاء تماماً مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لن يقع، لأنه مكتوب على البارود تحذير من الاشتعال والاحتراق، فهل يغني هذا التحذير شيئاً؟ فهذا خيال ومغالطة للواقع.

стр. 878

تحريم خروج المرأة متعطرة من هذه الإجراءات: تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، فما يشمه الرجل من ريح المرأة لا شك أنه من دواعي الفتنة، يقول ﵊: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم يجدون ريحها فهي زانية، وكل عين زانية)، فالحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس ألا يحتمل حتى هذا العامل الخفي اللطيف! خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ متطيبة، فوجد ريحها فعلاها بالدرة، ثم قال: تخرجن متطيبات فيجد الرجل ريحكن، وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تفلات، يعني: غير واضعات هذه الروائح.

стр. 879

تحريم الخضوع بالقول من هذه الإجراءات: تحريم الخضوع بالقول؛ فإن خضوع القول يؤدي إلى بلية المعصية أو بلية العشق، قال بشار الشاعر: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا فربما أوقع صوت المرأة الرجل في هذه الفتنة؛ فلهذا نهيت المرأة عن الخضوع بالقول، لكن تتكلم بجفاء وبقسوة؛ حتى تنفر الرجل الأجنبي منها. بعض الناس رأى أختاً منتقبة تلبس ثياباً ذات ألوان غامقة بحيث إنها تنفر الذي يراها، فقال: هذا لا يصح هذا منفر! فكان الجواب إن المفروض أنها تنفر، فليس المقصود مد جسور المودة بين الرجال والنساء، والكلام إنما يجوز للحاجة بقدر الحاجة: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهذا الخطاب وجه لأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، فكيف بمن دونهن؟! قال ﵊: (والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام)، فهذا أيضاً من المحرمات.

стр. 880

تحريم الاختلاط أعظم وسائل الإسلام في تجفيف منابع هذه الفتنة تحريم الاختلاط، والاختلاط هو: اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. أقوى دليل على تحريم الاختلاط قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإذا رجعنا إلى كتب التفسير، لننظر ما يذكره المفسرون عن تبرج الجاهلية الأولى، نجد أن الجاهلية الأولى تستحي مما عليه الجاهلية الأخيرة الآن، ففي تفسير الآية يقولون: كانت المرأة تخرج فتمشي بين أيدي الرجال، أو تخرج وقد غطت رأسها وأظهرت نحرها، فهذا هو تبرج الجاهلية الأولى، فماذا نقول عن تبرج الجاهلية الأخرى ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويقول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني فتوى، أو طعاماً، أو صدقة ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم علل الحكم فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني: الحجاب، أو السؤال من وراء حجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ثم يأتي بعض الناس الذين لم يشموا رائحة الفقه، ويقولون: إن هذه خاصة بأمهات المؤمنين. سبحان الله! إذا كان الخطاب موجهاً لأمهات المؤمنين اللاتي هن محرمات علينا، وموجهاً لجيل الصحابة الذين هم خير أمة أخرجت للناس، وعلل الحكم بأن ذلك الحجاب والكلام من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن، فكيف نقول في رجال ونساء هذا الزمان! يقول النبي ﵊ (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها). وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء بالطريق، فقال لهن: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق) أي: ليس لكن أن تمشين في حاق الطريق وهو وسط الطريق. الآن الرجال لكي يتقوا شر النساء يمشون على الرصيف، ويتقون بالجدران! النبي ﵊ يقول: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به، أي من شدة الحرص على عدم المخالطة أوقات الخروج من المسجد. وقد جعل النبي ﵊ في المسجد باباً خاصاً بالنساء لا يشاركهن ولا يخالطهن فيه الرجال، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات، وكان عمر بن الخطاب ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء. وقد شرع الرسول ﵊ للمصلين ألا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء حتى يخرجن. قال أبو داود: باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة. عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال). وجاءت أم حميد الساعدية إلى الرسول ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) أي: المسجد النبوي، ومعروف فضيلة الصلاة في المسجد النبوي. وقال ﵊: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن). وقال ﵊: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، وهذا في حالة العبادة والبعد عن الشيطان، فما بالك بما خالف ذلك! كانت عائشة ﵂ تطوف حذرة، أي تطوف حول الكعبة بالليل حتى لا تخالط الرجال، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين! فقالت: انطلقي أنت، وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن، أي: إذا أراد نساء المؤمنين أن يدخلن الكعبة وقفن على بابها حتى يخرج الرجال، ثم تدخل النساء. ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها فقالت لها: يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعاً، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً، فقالت لها عائشة ﵂: لا آجرك الله، لا آجرك الله، تدافعين الرجال، ألا كبرت ومررت! ومن أجل ذلك تجد الشرع حث على صلاة الجمعة، ولكن ليست واجبة على النساء، وجعل جهادهن هو الحج المبرور، ولما أرادت فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم سليم، قال لها النبي ﷺ : (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك). كل هذه الإجراءات تبين لنا أن روح الشريعة يرفض تماماً انفتاح النساء على الرجال واختلاطهن بهم بهذه الصورة المزرية.

стр. 881

صور من الاختلاط يتهاون بها الناس هناك صور من الاختلاط يتهاون بها الناس لا بد من الالتفات إليها. أول صور الاختلاط المحرم: اختلاط الإخوة الذكور والإناث بعد التمييز في المضاجع، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع كما في الحديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فلا بد من التفريق بين الذكور والإناث حتى لو كانوا أشقاء في المضاجع. صورة ثانية: اتخاذ الخدم من الرجال، بعض الناس يأتون بخدم في المنزل من الرجال، فيختلطون بالنساء، وقد تحصل بهن الخلوة. الصورة الثالثة: اتخاذ الخادمات في بعض البيوت، وقد تحصل بهن الخلوة. الصورة الرابعة: السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، يقول: هذا خطيبها، فيخلو بها، فيجرهم الاختلاط إلى الخلوة ثم إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف وأن يدرس بعضهم بعضاً. الصورة الخامسة: استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب أو أصدقاؤه في حال غيابه ومجالستهم، وهذا مما ينافي أحكام الإسلام. الصورة السادسة: الاختلاط في دور التعليم والمدارس والجامعات والمعاهد والدروس الخصوصية. الصورة السابعة: الاختلاط في الوظائف والأندية والمواصلات والأسواق والمستشفيات والزيارات بين الجيران. الصورة الثامنة: الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد والمكاتب والعيادات عند الطبيب إلى غير ذلك، فلا ينبغي حصول خلوة أبداً، ولا يسمح للرجل بخلوة امرأته برجل حتى في الطريق. والحاصل أننا ينبغي أن نحذر الخلوة والاختلاط والتبرج، وكل هذه الأشياء والزنا رفيقان لا يفترقان، وصنوان لا ينفصمان أبداً، يقول بعض الشعراء: إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل السباع تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان فالإسلام وضع حصوناً وقلاعاً؛ لأن الإسلام يعرف ما معنى العرض، وما معنى الشرف.

стр. 882

حال الغربيين بسبب الاختلاط هؤلاء الغربيون يعيشون كالبهائم العجماوات، وإذا سبرت أغوارهم وعرفت أحوالهم؛ وجدت الحيوانات أفضل منهم، فليسوا هم أسوتنا، لكن أسوتنا خير أمة أخرجت للناس، فإذا لم نحل بين الرجال والنساء الأجانب بهذه الحصون والقلاع، فلا بد أن تسقط الأعراض أمام هذه الهجمة الشرسة ويقع المحذور، ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولاً وأخيراً على ولي البنت الذي ألقى لها الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان، فيداه أوكتا وفوه نفخ، يقول بعض الشعراء: نعب الغراب بما كرهـ ت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر ويقول الآخر: أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت فاعل فلا يلومن أحد إلا نفسه، كل أب أو ولي يفرط في هذه الواجبات فمسئوليته أمام الله . أخيراً نقول: إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية والفضائح المشينة التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين، وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فشا فيها الاختلاط صارخة بخطر الاختلاط على الدين والدنيا، لخصها العلامة أحمد وثيق باشا العثماني ﵀، فقد كان من الأتراك المشهورين، وكان قد سأله بعض عشرائه من رجال السياسة في أوروبا في مجلس إحدى العواصم الأوروبية، فقال له: لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟ فأجابه في الحال قائلاً: لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن! وكان هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر. ولما وقعت فتنة الاختلاط في الجامعة المصرية على يد طه حسين وقعت حوادث يندى لها الجبين، وسئل طه حسين: ما رأيك في الاختلاط والسنة السيئة التي أدخلتها في بلاد المسلمين، وقد حدث منها كذا وكذا، مما يندى الجبين عرقاً من حكايته؟ فكان جوابه: لا بد من ضحايا! لكنه لم يبين بماذا تكون التضحية؟ وفي سبيل ماذا لا بد من ضحايا؟ وهل يوجد شيء أغلى وأثمن من أعراض المسلمين حتى يضحى به في سبيل غيره؟! نستطيع أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة دنس بها العرض وذبح العفاف وأهدر الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة وسهلت سبيلها؛ فإنك حتماً ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان، قال الله : ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨]. فلأن الإنسان ضعيف ولأن الله بنا رحيم، شرع لنا هذه القيود وهذه الضوابط كي تصب في هذا المجرى العظيم، صيانة العرض وحماية المجتمع من هذه الفاحشة.

стр. 883

التدابير الإيجابية لصيانة الأعراض ذكرنا بعض الإجراءات الوقائية التي تسد باب الفتنة، فما هي التدابير التي شرعها الإسلام بهذا الصدد؟

стр. 884

الترغيب في النكاح فتح الإسلام أبواب الحلال على مصارعها، وقضى على أي عقبة تعترض النكاح بكل قوة، فرغب الإسلام في الزواج المشروع وحث عليه، وبين أنه من سنن الهدى، وجادة الإسلام، ونهت الشريعة عن التبتل والرهبانية، وأنها مولود مبتدع في الملة النصرانية، وشدد الله النكير على فعلتها، فليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ولا يحل لأي إنسان أن يستحسن العزوبة بأي عذر، فإنه يقع حينئذ تحت قوله ﷺ : (ومن رغب عن سنتي فليس مني). ومعروف حديث الثلاثة الرهط الذين أتوا إلى بيت النبي ﷺ ، وقال ﵊: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى)، فمن أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية تكثير نسل المسلمين. فبعض المضلين يستدلون ببعض الحالات الفردية أو بعض الأحاديث الواردة في إباحة العزل على إباحة استئصال النسل المسلم والتآمر عليه، فهناك فرق بين دراسة الحالات الفردية كرخص طبقاً لظروف شخصية لبعض الناس، وبين أن الدولة تتبنى سياسة تنافي وتضاد مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا تحل المناداة برفع شعار يتعارض مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، وقد ذكرنا أن من مقاصد الشريعة الإسلامية العليا حفظ العرض عن طريق هذه الوسائل التي نذكرها. فالمقصود: أن الترغيب في النكاح أصل مقطوع به من دين الإسلام، يقول ﵊: (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى). قال طاوس ﵀: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج، أي: لا يحل للواحد أن يقول: أنا اشتغل بالتعبد ويترك الزواج. وقال لـ إبراهيم بن إبراهيم بن ميسرة: تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب ﵁ لـ أبي الزوائد: لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. فالتعبد لا يمنع من النكاح، قال المروزي: قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد بن حنبل -: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، تزوج النبي ﷺ أربع عشرة، ومات عن تسع، وقد كان النبي ﷺ يصبح وما عندهم شيء من الفقر، وكان يختار النكاح ويحث عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنة النبي ﷺ فهو على غير الحق. وتزوج يعقوب في حزنه وولد له، والنبي ﷺ قال: (حبب إلي من دنياكم النساء). وقال الإمام أحمد: لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزاً أفضل من كذا وكذا. يعني: حتى لو كان فقيراً؛ لأن الله يحب أن يكثر نسل المسلمين الذين يشهدون له بالتوحيد، فما يدريك لعله أن يخرج منهم من ينقذ الله به الأمة! ويقول الإمام أحمد: أنى يلحق المتعبد المتزوج! وعن عثمان بن خليل أن شداد بن أوس قال: زوجوني، فإن رسول الله ﷺ أوصاني ألا ألقى الله عزباً. وقال ابن مسعود: لو لم يبق من أجلي سوى عشرة أيام، أعلم أني أموت بعدهن، ولي طول النكاح فيهن؛ لتزوجت مخافة الفتنة. ففقهاء الإسلام يقررون أن النكاح سنة مؤكدة، والبعض يقول بالوجوب؛ أخذاً من قوله ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء). وأرشد الإسلام إلى الصيام كشيء بديل؛ لأنه مما يعين على غض البصر، وفي القرآن إشارة إلى هذا في قوله : ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ثم عقب بقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] لأن الصيام يعين على هذا الأمر، يقول بعض العلماء: لو سأل سائل فقال: إني رجل مستطيع النكاح ولا أخاف على نفسي الحرام لو لم أتزوج، وأريد أن أظل عزباً ليكفيني أقل مال وعمل لكسب معيشتي، وسأشغل وقتي كله بالعبادات من صلاة وصوم وذكر وقرآن إلى آخره؛ لقال العلماء لهذا الرجل: الزواج مع أداء العبادات المفروضة والسنن الراتبة أفضل. ولكي يزيد الإسلام فتح في باب الحلال كتدبير إيجابي لسد باب الفتنة؛ رخص لمن لم يقدر على نكاح الحرائر أن ينكح الإماء، وأمر المسلمين بالتعاون على تزويج عزابهم من نساء ورجال حتى لا يبقى في القرية أو الحي عزب تخشى فتنته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، والأيامى: جمع أيم، وهو من ليس له زوج من رجل أو امرأة، قال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، ثم تلا هذه الآية: ((إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)). وقال عمر: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: ((إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))! وقد بين هذا وشرحه قول النبي ﷺ : (حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله)، وقال ﵊: (ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف).

стр. 885

تيسير النكاح حرص الرسول ﷺ على تيسير النكاح، فقال ﵊: (خير النكاح أيسره) وهذا إرشاد إلى التساهل من جانب الأولياء ومن جانب الأزواج. وقال ﵊: (خير الصداق أيسره). وأمر الله من لم يجد النكاح بالاستعفاف، ولم يفتح أي ثغرة إلى ما حرم الله، قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧] فأي وسيلة غير هذه التي أحلها الله فهي من العدوان الذي حرمه الله . هكذا نظم الإسلام الحياة الاجتماعية تنظيماً دقيقاً، ووضع لنا التشريعات التي تكفل السعادة والاستقامة، وبينا كيف أن الشريعة حينما تحرم شيئاً تحرم كل الأسباب التي تؤدي إليه، حتى تستوقف المرء على مسافة بعيدة قبل أن يفضي إلى حدود الجريمة الأصلية. لا ترتضي الشريعة الإلهية المحكمة حين تحرم شيئاً من الجرائم أن تشعر الناس أن العقوبة قد شرعت لمجرد التمثيل بهم ومحاسبتهم، بل تشعرهم أنها ناصحة لهم، ومصلحة لمفاسدهم، ومزيلة لمفاتنهم، فتستخدم كل ما يؤثر من التدابير الوقائية الممكنة والتدابير العلاجية التي توصد باب الفتنة، وتعين على اجتناب الموبقات: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨]. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 886

منكرات التمثيل التمثيل أمر محدث لم يكن من هدي السلف، والناظر في واقعه يجد أغلبه يحوي أموراً منكرة، كالغيبة بالمحاكاة أو القول، والاستهزاء بالدين وعلمائه، وتشويه تاريخ المسلمين، واختلاط الرجال بالنساء، والنظر إلى العورات، كما أن فيه إهداراً للأموال والأوقات في باطل يعود على المسلم بالضرر في دينه ودنياه.

стр. 887

حرمة الغيبة

стр. 888

الغيبة بالقول والإشارة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول ﷺ : (حسبك من صفية أنها كذا وكذا -تعني: قصيرة-، فقال رسول الله ﷺ : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته! قالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) رواه أبي داود والترمذي، ورمز له السيوطي بالصحة، وصححه الألباني. قول عائشة ﵂ أم المؤمنين للنبي ﷺ : (حسبك من صفية) أي: يكفيك من عيوبها البدنية أنها قصيرة، ولعلها قالت بلسانها: إنها قصيرة، وأشارت بيدها إلى كونها قصيرة، فأرادت التأكيد بالجمع بين القول والفعل، فقالت بلسانها وحكت أيضاً بيدها أنها قصيرة. فقال لها النبي ﷺ : (لقد قلت كلمة) أي: كلمة طويلة عريضة مرة ومنتنة عند أرباب الحواس الكاملة (لو مزجت بماء البحر) أي: لو خلط بها على فرض أن الكلمة كأنها تجسدت وأصبحت سائلاً مائعاً بحيث تختلط بماء البحر، والمزج هو الخلط بين المادتين، فينتقل من المعنى إلى الحس (لمزجته) أي: لغلبت عليه وغيرته. والمعنى أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال قذرة قد خلطت بها هذه الغيبة؟! وفي هذا الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذه الكلمة منك ولو كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو أن هذه الكلمة مزجت بكل البحار بأجناسها وأصنافها وأنواعها من طولها وعرضها وعمقها لغلبتها ولغيرتها وعكرتها! فهذا من البلاغة في غاية مبلغها، وفي البليغ من الزجر نهاية حده ومنتهاه.

стр. 889

الغيبة بالمحاكاة قالت عائشة ﵂: (وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا). فقوله: (ما أحب) يعني: ما أود (أني حكيت إنساناً) أي: فعلت مثل فعل أحد. يعني: ما أحب أن أتحدث بعيب أحد سواء أكان هذا الحديث قولياً أم فعلياً. وقولها: (وحكيت له إنساناً) بمعنى: حاكيت. أي: فعلت مثل فعله. أي: قلدته فمثلت بشخصه، وفعلت نفس حركته أو مشيته أو كلامه. يقال: حكاه، وحاكاه. وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبيح، ولو حملنا قوله: (ما أحب أني حكيت إنساناً) على المعنى الحسن -أي: المحاكاة الحسنة- فيكون هذا إشارة إلى المبالغة، أي: إن كان النبي ﷺ زجر في المحاكاة الحسنة وقال: (ما أحب أني حكيت إنساناً) فكيف بالمحاكاة في الأفعال القبيحة؟! قوله: (وأن لي كذا وكذا) هذه جملة حالية، يعني: لا أحب أني أقلد إنساناً، أو أمثل بشخص فلان، أو أقلد حركاته (وأن لي كذا وكذا) أي: ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا. يعني: حتى لو وزن لي من المال أو من الدنيا الشيء العظيم حتى أقوم بفعل المحاكاة ما أحب ذلك، ولا أقبل ذلك. قال الإمام النووي ﵀: من الغيبة المحرمة المحاكاة، بأن يمشي متعالياً أو مطأطئاً رأسه أو غير ذلك من الهيئات. فالإنسان لا يقلد شخصاً فيحاكيه في حركاته أو في مشيته. وقال -أيضاً- رحمه الله تعالى: هذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئاً من الأحاديث بلغ في ذمها هذا المبلغ. وما ينطق عن الهوى ﷺ .

стр. 890

التمثيل أحكامه وأنواعه يقودنا الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] إلى بيان معاني الهمز واللمز المقصودين في هذه الآية الكريمة، فالذم حاصل لكل من أتى بهما أو بأحدهما، يعني: ويل لكل هامز لامز يكثر منه الهمز واللمز للآخرين، وفي قراءة: (ويل لكل هُمْزَة لُمْزَة) يعني: الشخص الذي يهمز ويلمز، وهو المفعول، وذلك بأن يأتي بحركات سفيهة أو يمثل أو يفعل نحو هذه الأشياء بحيث يضحك الناس، فهذا المعنى يستفاد من قراءة: (ويل لكل هُمْزَة لُمْزَة) بتسكين الميم، فهي تعني المفعول، أو الشخص الذي يتعرض للناس ليهمزه ويضحكوا منه. والآية تتناول أحد أنواع التمثيل على هذه القراءة، وهو التشخيص، والمعروف أن الممثلين كانوا معروفين منذ زمن بالحقارة والمذلة والهوان، وكانوا أحقر ناس، حتى كان القضاء الوضعي نفسه يرد شهادة الممثلين، ولا تقبل شهادتهم تفسيقاً لهم؛ لأنهم يتعاطون مهنة قبيحة وحرفة خبيثة، وبعض هؤلاء الممثلين كان يفخر بإنجازات بعض الرؤساء فقال: إن من ضمن إنجازات هذا الرئيس أنه جعل عيداً للفن، وأنه بعد أن كان القضاء يرد شهادتنا أصبحنا الآن الأبطال والقدوة، ويقال لأحدنا: المربي الكبير والأستاذ القدير إلى آخر هذه الألقاب! ومن الأنواع المذمومة من أنواع التمثيل التي تبلغ من القباحة غايتها ما يسمونه الكوميديا أو الضحك أو النكت أو ما شابه هذه الأشياء، والنبي ﷺ يقول: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له). فالكلام على هذا النوع من الهمز واللمز يقود إلى بيان وعيد الذي يكذب في حديثه ليضحك به الناس. والمراد هنا الكلام على سائر أنواع هذا التمثيل، لكن حينما نتكلم في هذا التمثيل فإننا نقصد به المعنى العرفي؛ إذ أصبح علماً على الفسق والفجور الذي نعرفه جميعاً ونعلمه ونسمع به. إن التمثيل المقصود به النوع الشائع المعروف الذي يتفق على تحريمه العلماء والعقلاء وذوو الفطرة السليمة، ولا يدخل فيه النوع المختلف فيه الذي هو -كما نسميه- التمثيل الأخلاقي الذي يدعو إلى الفضيلة والحث على الجهاد ونحو ذلك، فهذا فيه خلاف شرعاً هل هو محرم لذاته أم لا، أما إن كان التمثيل يحتوي على الفواحش كالتبرج والفساد المعروف فهذا محرم للأدلة الكثيرة في ذلك، لكن التمثيل فيما يهدف إلى إبراز المقاصد الأخلاقية، الذي يعرى عن وجود النساء المتبرجات أو غير المتبرجات، ويدعو إلى الأخلاق والحث على الفضائل هل هو محرم لذاته؟ بعض العلماء يرى أنه محرم لذاته، لكن هذا لا يفيدنا كثيراً، فلا نحتاج إلى أن نتكلم عن التمثيل الأخلاقي بصحة أو خطأ؛ لأننا لسنا نقصده؛ لأنه لا يوجد الآن تمثيل أخلاقي أبداً، وليس هناك أحد يدعي ذلك، بل الذي يبدأ بالأخلاق ينتهي بما نعلم! فهو نادر أو معدوم. ومن أنواع التمثيل المعروفة ما تجرأ عليه بعض الملاحدة وقاموا بتمثيل بعض الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، بل منهم من وصل به هذا الفجور والفسوق إلى تمثيل النبي ﷺ ، فهذا حرام أو كفر، كما يأتي بيانه إن شاء الله. وكذلك في هذه الأوضاع المذمومة تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم. أما التمثيل المعروف الآن بكل ملابساته فيقول أحد العلماء الذين ألفوا في هذا الموضوع: اعلم أنه لا يختلف اثنان ممن يعرف شيئاً عن دين الإسلام أن التمثيل من أعظم المحرمات وأكبر الكبائر، ولا يشك في ذلك إلا من لا يعرف شيئاً عن دين الإسلام، أو كان من المنحلين المارقين الذين يدسون فيه الدسائس لمحو رسومه وإتلاف معالمه والقضاء عليه بتحليل محرماته وإسقاط واجباته، كما هو الواقع من الكثيرين، بل لا يشك عاقل ولا يمتري فاضل في أن التمثيل مناف للمروءة والعقل، منابذ للأخلاق والفضيلة، لا يرضاه ذو نفس شريفة، ولا همة أبية فضلاً عن ذي دين ومروءة، بل لا يرضاه لنفسه إلا دنس الأصل، وضيع النفس، ساقط المروءة، فاقد الشعور بالكرامة، خفيف العقل، قليل الدين أو ذاهبه بالكلية. وهذا هو المشاهد من الممثلين، فإننا لا نرى في الممثلين ذا أهل وكرامة ودين ومروءة.

стр. 891

تنبيهات بين يدي الحديث عن التمثيل

стр. 892

مكانة الصحابة ﵃ وحرمة تصويرهم نقدم بين يدي الكلام في هذا الموضوع بعض التنبيهات: اتفق العلماء على حرمة تصوير الصحابة ﵃، وهناك اعتبارات لابد أن نراعيها قبل الكلام في موضوع التمثيل: الأول: ما لأصحاب رسول الله ﷺ من المكانة العليا في الإسلام بحكم معاصرتهم رسول الله ﷺ وقيامهم بواجب نصرته وموالاته، والتفاني في سبيل الله ببذل أموالهم وأولادهم ونفوسهم ﵃، فقد اتفق أهل العلم على أنهم صفوة هذه الأمة وخيارها، وأن الله شرفهم وخصهم بصحبة رسوله ﷺ ، وأثنى عليهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآيات. وجاءت الأحاديث الصحيحة بتسجيل فضلهم، وأن لهم قدم صدق عند الله، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم) ففي الجيل الثاني قال: (أفيكم من رأى من رأى رسول الله ﷺ ؟) يعني أصحاب الصحابة، وفي المرة الثالثة: (أفيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم) فمدار الفضل على هذا الشرف الذي يلحق الصحابة ومن يصحبهم ومن يصحب من يصحبهم. وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) أي: البدانة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في شأن بعض أصحابه رضوان الله عليهم: (ذروا لي أصحابي -أي: دعوني وأصحابي- فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ﵃.

стр. 893

التمثيل وقضاؤه على الأوقات وشغلها باللهو والعبث التنبيه الثاني: قبل الكلام في منكرات التمثيل تأتي النظرة العامة إلى مشاهدة التمثيل من أنه حال من أحوال اللهو والتسلية وشغل فراغ الوقت، فمشاهده في الغالب يذهب إلى السينما، أو يجلس أمام الأفلام ونحوها، ولا يريد أن يجلس ليتعظ، بل هو يريد أن يضيع وقته، ويحصل إشباع غرائزه بما يشرح النفس وينسي الهموم وينقل المرء من حال الجد إلى حال العبث والهزل؛ ولذلك يقول قائلهم: كم ساعة تريد أن تجلس فيها لضحك متواصل؟! فهو هروب من الهموم، أو هروب من المسئوليات ولجوء إلى البطالة وإلى العبث، كما يلجأ الإنسان إلى أي شيء قبيح ومنكر مثل الخمور والمسكرات، وكذلك يلجأ طوائف من الناس إلى هذه المسارح والسينما وغيرها، ويقصدون بذلك الترويح على أنفسهم بهذا اللغط والعبث.

стр. 894

تردي أخلاق الممثلين التنبيه الثالث: حال محترفي التمثيل من الناحية السلوكية، لو تأملنا في وضع التمثيل وحال محترفي هذا النوع من الفسق، فسنخرج بنتيجة واحدة هي: أن غالبهم سقط من الناس، ليس للصلاح ولا للتقوى مكان في حياتهم العامة، ولا للأخلاق الإسلامية محل في دائرة أخلاقهم، ولا للقيم النبيلة اعتبار عندهم، فإذا تقمص أحدهم شخصية امرئٍ صالح أو نبيل أو شهم أو عفيف أو جواد فذلك لأجل ما سيتقاضاه ثمناً لهذا الدور، وليس لأنه يعظم هذه المبادئ أو يحترم هذه القيم، لكن هذا الدور يفرض عليه أنه يتمثل برجل طيب أو صادق أو نبيل مقابل الثمن، ثم يعود إلى سيرته الأولى ضاحكاً لاهياً ساخراً معرضاً عن الجوانب المشرقة في حياة هؤلاء النبلاء! بل إن منهم من فلمه المعروض يبين حال فسقة، ولا أعتقد أنهم يقدرون على رفع قضايا سب وشرف إلى المحكمة؛ لأن الفسق معروف عنهم تماماً الآن، بل هم أنفسهم يجهرون به، ولا يحتاج إلى اتهام، بل القضايا التي تنشر لهم بين وقت وآخر تدل على اتهامهم نساء ورجالاً بأقبح أنواع القبائح، نسأل الله العافية. وإننا لنتذكر كلمة قالها محمد الصباغ -حفظه الله- في بعض المناسبات في رمضان لما كان في مسجد الفتح، فكان يذكر حديث جريج العابد لما أتته أمه وهو يتعبد في صومعته فنادت عليه فقال: صلاتي أو أمي؟ فأقبل على صلاته ولم يجب أمه، وذلك ثلاث مرات، فدعت عليه أمه في المرة الثالثة بأنه لا يموت حتى يرى وجوه المومسات (الزانيات) فهذه الدعوة عقوبة دعت بها عليه أمه، وهي أن تقع عينه على هؤلاء النساء، فهذه عقوبة، فكيف -إذاً- بالمسلم الذي يتعمد النظر إلى الفاسقات! ويسعى إلى النظر إلى الفاسقات! فهذا أمر عظيم بلا شك؛ فالرسول ﷺ يقول لـ علي: (لك الأولى وليست لك الآخرة) والأولى هي نظر الفجأة، فكيف بالنظر المتعمد؟! فبعضهم يبذل ماله ووقته وعمره ليسعى إلى أماكن الفساد، ويبذل المال والوقت ويسعى إلى الفاسقات حتى يرى صورهن القبيحة، بل ويستلذ بهذه المعاصي ويستحسن ذلك ويفرح! فهذا النوع من الفرح شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة.

стр. 895

حرص أرباب التمثيل على المكاسب المادية التنبيه الرابع: أغراض التمثيل، فلا يختلف اثنان أن الهدف الأول لأرباب المسارح في إقامة التمثيل فيها هو المكاسب المادية، ومكاسبهم المادية لا تحصل إلا بمداعبة غرائز المشاهدين وشهواتهم، فإذا عرفنا أن غالب المشاهدين لا يقصدون من مشاهدتهم التمثيل إلا قضاء فراغ أوقاتهم بما فيه العبث واللهو والتسلية، وفهمنا أن الهدف الأول والأخير من التمثيل الكسب المادي؛ أدركنا أن القائمين على التمثيل سيحرصون على إنماء رصيد مشاهدي مسرحيتهم، بتحقيق رغبة المشاهد في إشباع غرائزه، وعرض ذلك على شاشة التمثيل وخشبات المسارح، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالأمة، وتحطيم طاقات شبابها، وإفساد أخلاقهم، والنبي ﵊ يقول: (لا ضرر ولا ضرار) فالحديث يدل على تحريم كل أنواع الضرر، وأبلغ أنواع الضرر ما يثلم الأعراض ويقصم الأديان ويقضي عليها ويفسدها.

стр. 896

التساهل في تحقيق الوقائع التاريخية ومحاولة تشويه التاريخ الإسلامي التنبيه الخامس: اعتماد كثير من المؤرخين في مؤلفاتهم التاريخية على التساهل في تحقيق الوقائع التاريخية، فإن مجموعة من ذوي الميول المنحرفة والأهواء المغرضة قد نفثوا سمومهم في التاريخ الإسلامي، حتى الأفلام التاريخية تجد فيها تشويهاً بشعاً لحقائق التاريخ الإسلامي، فيصورون لنا العهد العباسي أو العهد الأموي بأنه كان عهد في غاية الفساد والانحطاط، وأن هارون الرشيد كان إنساناً ما له شغل غير معاقرة الخمور ومجالسة الندامى والجواري! في حين أن ابن خلدون حينما تكلم على هذا الخليفة المظلوم قال: ما علمنا عليه من سوء، وكان هارون الرشيد يحج سنة ويغزو سنة، وكان على قدر من الصلاح والتقوى والورع والجهاد، وقد أدب أسلاف هؤلاء الذين يشوهون سيرته من أعداء الإسلام من الكفار اليهود والنصارى، فلذلك من الطبيعي أن يحقدوا على الخلفاء ويشوهوا صورتهم في نظر الأجيال، فهو الذي كتب الرسالة المعروفة لـ نقفور وقال له فيها: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. وكان نقفور معروفاً بعدائه للنبي ﷺ ، وكان المرتدون من حوله ينشئون له القصائد في سب النبي ﷺ ، وكان يطعن في الإسلام، فقال الرشيد لـ نقفور: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم: قد بلغني كتابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسار إليه بجيوشه وأدبه! فهذا الرجل كان يحج سنة ويغزو سنة، والسنة التي كان لا يحج فيها يرسل ثلاثمائة من المسلمين على نفقته لحج بيت الله. وصلاح الدين الأيوبي كم شوه تاريخه إلى ما ينقض المفاهيم الإسلامية، والأمثلة كثيرة جداً، فهي عبارة عن نشاطات مغرضة لاستغلالها كوسيلة من وسائل الأعلام في الانحراف بمفاهيم الإسلام والكذب على السلف الصالح. ومن ذلك أنها تحرف مفاهيم الناس حول بعض القضايا الإسلامية مثل قضايا الطلاق وتعدد الزوجات. وقد سمعنا عن فلم مُثِّل فيه الرسول ﵇ للناس، وأظهروا أن الإسلام ثورة كأية ثورة لنصرة الفقراء والضعفاء، وكأي هدف من أهداف الثورات الهمجية في الأرض، وليس لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فيصورون أن الإسلام هدفه جزئي محض، وأنه نوع دعوة من دعوات العدل أو المساواة أو التحرير، ولا يذكرون حقيقة الدين الإسلامي! فإذا ألقينا نظرة على هذه الاعتبارات قبل أن نخوض في منكرات التمثيل، وألقينا نظرة على واقعنا الذي نتألم منه، بل إذا خرجنا خارج مصر نجد أن المصريين يصورون في صورة مخزية جداً نتأسف لها كثيراً، فالإنسان الذي هو خارج مصر يرى المصريين في منتهى الفسق من خلال هؤلاء الفجرة المردة؛ لأنهم يصورون لنا أن هذا هو المجتمع المصري، والمصريون ما زال فيهم الخير، وما زال فيهم الإسلام والمساجد والصلاة، لكنهم يحاولون أن يخدعوا المجتمع بهذه الغاية في الفسق التي ليس بعدها فسق إرضاءً لأسيادهم من الأوروبيين وغيرهم.

стр. 897

منكرات التمثيل نبدأ في سرد بعض منكرات التمثيل امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]؛ فكم نسمع عن أناس طيبين ومصلين ويفعلون الخيرات ومع ذلك يظنون أن هذا من اللهو المباح، وأن التمثيل ما فيه شيء، وأن فلاناً من الشيوخ أباحه!

стр. 898

منافاته للمروءة والعقل السليم فأول شيء من منكرات التمثيل هو أن التمثيل ينافي المروءة والعقل السليم، فنحن لا نرى في التمثيل أناساً من الفضلاء، لكن نرى الساقطين الذين تسمح لهم نفوسهم الوضيعة بوقوف تلك المواقف السائمة المخزية، وتساعدهم عقليتهم السخيفة على أن ينصبوا أنفسهم ضحكاً للضاحكين وهزأة للساخرين.

стр. 899

بدعيته المخالفة لنهج السلف رضوان الله عليهم الأمر الثاني: مخالفته لنهج السلف، فهو من البدع المحدثة، قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا ما كان أبداً، فما سمعنا أن أحداً من الخلفاء الراشدين ولا من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من فضلاء المسلمين استباح هذا النوع من التمثيل قبل ذلك، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وقد كانوا أحرص الناس على نصر الإسلام وخدمته، ولا نتخيل أبداً أن أحد الصحابة أو التابعين يقف يمثل شخصاً آخر مهما كان الهدف، فإن الغاية لا تبرر الوسيلة.

стр. 900

التشبه بالكافرين الأمر الثالث: أنه تشبه بالكفار، وهم الذين ابتدعوه، وفتن بهم غيرهم، فـ رفاعة الطهطاوي لما سافر إلى أوروبا فتن بالوضع الذي في فرنسا، فرجع يقول: إن المسرح والتمثيل ليس من الفسق، بل هو من الفتوة والرجولة! وظل يدافع عن معالم فرنسا، وذلك مصداقٌ لقول النبي ﵊: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم. قلنا -أي: قال الصحابة- اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) أو: (فمن الناس غيرهم؟!)، فما أتانا هذا الشر إلا لما استعبدنا الأوروبيون، وصدروا إلينا هذا الفساد، والنبي ﷺ يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم) وقال ﷺ : (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) فهذه ليست سنة المسلمين، لكن نشأت في الأوربيين، ثم هي من جملة الملاهي التي غزوا بها بلادنا.

стр. 901

كونه من اللهو الباطل الأمر الرابع: أنه من اللهو الباطل واللعب المذموم شرعاً وعقلاً، يقول النبي ﷺ : (كل شيء يلهو به ابن آدم باطل، إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته). فقوله: (كل شيء يلهو به ابن آدم) يعني: يلهو به ويلعب به (باطل) لا أجر فيه (إلا رميه بقوسه) يعني: يتدرب على الجهاد (أو تأديبه فرسه) أيضاً ليقوى على الجهاد (أو ملاعبته امرأته)؛ لأن هذا يحببه فيها أو يحببها فيه، ويورث المودة والألفة، وجاءت زيادة في بعض الروايات: (وتعليمه السباحة). ويقول النبي ﷺ : (إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة) والشرة هي النشاط والخفة، والإنسان عليه أن يكون حريصاً على أن يأتي بالعمل، فكل عمل يبدأ دائماً بحماس واندفاع وهمة، (إن لكل عمل شرة) وهي الهمة (ولكل شرة فترة) فإذا الإنسان استمر قليلاً يصيبه نوع من الفتور والتراخي، قال: فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك). وقال الله في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، ثم قال : ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، وقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥]. رأى عبد الله بن عمر ﵄ أناساً يلعبون الشطرنج فقال لهم: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! فكيف -إذاً- بالتماثيل المعبودة الآن، أليست هي معبودة؟ ألا يقولون: هي معبود الجماهير؟! ألا يقولون: هي فاتنة يعنون الممثلة؟ فإذاً الفتنة مقصودة، وتعبيد الناس لغير الله مقصود. فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥] فشيمة المسلم أن يعرض عن هذا اللغو وهذا الفساد، ولا يغره كثرة الهالكين.

стр. 902

دخول الكذب فيه للإضحاك الأمر الخامس: في التمثيل المزاح والإضحاك بالكذب المتوعد عليه في الحديث: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له) فيظن أنه بطل، فيضحك الناس، وأحياناً يمثل صوت امرأة، ويتمادى في هذا الفسق وهذا الفجور، وقد يكون الإضحاك بما هو كفر أو حرام، إذ قد يكون الإضحاك بتعبيرات فيها استهزاء بآيات الله أو بالصالحين، أو إهانة لشيء من حدود الله ، قال النبي ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء -أي: الجدل٠ وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه). والممثلون يتكلمون بما يضحك الحاضرين ولو كان محظوراً أو كفراً، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)، وفي لفظ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً)، وفي لفظ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها سبعين خريفاً في النار)، وفي رواية البيهقي بلفظ: (إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإن الرجل ليزل عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه).

стр. 903

منافاة التمثيل لخلق الحياء الأمر السادس من منكرات التمثيل: أنه ينافي الحياء ويدل على السفه وقلة العقل، كما قال النبي ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء)، وقال ﷺ : (الحياء من الإيمان)، وقال ﷺ : (إن الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر) فالإنسان أول ما يتجرأ على أن يرتاد هذه الأماكن النجسة مثل المسارح والسينما، وكذلك ما هو داخل البيوت في هذا الوقت وهو أخبث وأشد وأطم، ألا وهو الفيديو أو التلفزيونات، فإذا تجرأ إنسان وجلس أمام هذه المعبودات وأما هذه الأصنام الجديدة فلا شك أنه يبذل حياءه ومروءته ودينه، ويبيع إيمانه بالتدرج، وهؤلاء الممثلون معروفون بنقص العقول وسفاهتها؛ لأنهم يفعلون أفعالاً يأبى الحمقاء أن يفعلوا بأنفسهم مثلها ليضحكوا الناس، فتارة يجعل الممثل نفسه حماراً يمشي على أربع وينهق نهيق الحمير، وتارة يجعل نفسه كلباً يعوي عواء الكلب، ويقلد الكلاب في مشيها وفي حركاتها وجلوسها وأكلها، وتارة يجعل نفسه امرأة حاملاً ذات بطن منتفخة ثم يجلس للولادة، وأخرى يجعل نفسه مجنوناً عاري البدن مقلداً للأحمق في سائر أفعاله، حتى البول على عقبه ونحو ذلك، وأخرى يجعل نفسه سكران مقلداً هيئة السكارى، ثم هو في كل ذلك يفعل بحواجبه ومناخيره وفمه ولسانه وشفتيه أفعالاً مشوهة للخلقة ما رأينا -والله- مجنوناً مطبقاً يأتي بربعها، بل ولا عشرها، ثم مع كل هذا يعدون هذه الخسة والحقارة وصفاقة الوجه والوقاحة من العلوم والفنون، ويسمون الممثل السفيه الجاهل الأحمق الساقط الفاسق الفاجر -بل الملحد الكافر الذي يفسد أخلاق المسلمين ودينهم ودنياهم- يسمونه البطل والأستاذ الكبير والمربي القدير، ونحو ذلك من الألفاظ الجليلة والألقاب السامية، نعوذ بالله من الفجور والجهل! ونستطيع نحن أن ندرك مدى فتنة الناس بهؤلاء الفساق حينما نتأمل جنائزهم أو جنائز بعضهم، فهذه المرأة الفاسقة التي ملأت الدنيا فسقاً بغنائها وفسادها ترى الناس أفواجاً حول جنازتها، ففي ثاني يوم من وفاة أم كلثوم كانت الجرائد حافلة بالتمجيد وما يسمونه بالتأبين، وفيها الصور والأحداث، فقال بعض مشايخنا: ينبغي الاحتفاظ بهذه الجريدة؛ لأنها وثيقة تاريخية لإدانة هذه الأمة، وتصوير لمدى التفريط الذي نحن عليه من تعظيم مَنْ حقه أن يحتقر وأن يوضع وأن ينفى من الأرض، كما قال الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦١]، فهاتان الآيتان في ذم أمثال هؤلاء ونظرائهم في العهد النبوي.

стр. 904

إضاعة الأوقات الثمينة الأمر السابع: هذا التمثيل والجلوس والوقوف أمام هذه الأصنام ما هو إلا تضييع للوقت الثمين النفيس الذي لا يعوض، وقد أوضح الله تعالى مسألة الوقت في سورة العصر، وسورة العصر تصلح لأي مجلس فيه تذكير وأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فهذا الوقت أقسم الله به فقال: ﴿وَالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل بني آدم في خسر ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] فهذا هو الميزان، الميزان الحساس لنقيس به الأفعال والتصرفات والأشخاص، فهل الذين يجلسون في بيوت التمثيل يعلمون الناس الفسق والفجور ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]؟! كلا، إذاً هم في خسر، والذي يقتدي بهم ويحبهم وينقاد لضلالهم في خسر، قال الله : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف:١٠٢]. فينبغي مجانبتهم والحرص على هذا الوقت الثمين، ويكفي استدلالاً على شرف الوقت -بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً- أن الإنسان لو بذل كل مال الدنيا وكل علم الدنيا وكل طاقات الدنيا، واجتمع كل من في السماوات والأرض ليعيدوا لحظة قد فاتته من أمسه لا يستطيع أبداً، فاليوم والوقت الذي يفوت إما لك وإما عليك، فما هناك طريقة لتداركه إلا أن يتوب الله على الإنسان، فالوقت ثمين، وهو جزء من عمرك، وإذا ذهب الوقت ذهب بعض منك فلا يعود أبداً.

стр. 905

منافاته للهدي النبوي في ترك السهر بعد العشاء الأمر الثامن: من منكرات التمثيل والجلوس إلى أصنامه: السهر والسمر بعد العشاء. فكما يفرح المؤمنون لخلوتهم بربهم لمناجاته وقراءة القرآن وقيام الليل والتهجد في الأسحار وصلاة العشاء والفجر ونحو هذه الأعمال الصالحات فكذلك أهل اللهو يفضلون الوقت الذي خلق للمناجاة والأعمال الصالحة للهوهم وفسادهم، فتجدهم يسمرون حتى وقت الفجر أحياناً ثم يختم على قلوبهم فلا يصلون! وقد ورد نهي الشارع عن السمر بعد العشاء إلا لحاجة دينية أو دنيوية مباحة لا محرمة، كمؤانسة أهل أو محادثة ضيف أو السهر في طلب العلم ونحو ذلك، ففي الصحيح من حديث أبي برزة: (أنه ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها)، وكانت عائشة ﵂ إذا دخل الليل ترسل إلى أمهات المؤمنين وتقول لهن: ألا تُرحْن الكتَّاب؟! والكتاب: جمع كاتب، تعني: الملائكة الذين يكتبون ويحصون الأعمال، وهي تعني أن يشتغلن بالأعمال الصالحة، وكتاب الشمال يكتبون سيئات أصحاب التمثيل والسهرات التي تضيع الدين والدنيا. وفي حديث الطبراني (نهى عن النوم قبل العشاء والحديث بعده).

стр. 906

دخول المنهي عنه كوصل الشعر ونحوه في التمثيل الأمر التاسع من منكرات هذا الفسق: وصل الشعر والنمص وما يسمونه المكياج، فهذه أشياء لا يمكن أن ينفك عنها التمثيل، وهذا من تغيير خلق الله ، فيعقدون الشعر تارة في الرأس بلبس ما يسمى الباروكة، وتارة في الوجه، وكل ذلك حرام ملعون صاحبه، ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أسماء أن امرأة سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي أصابت الحصبة شعرها وإني زوجتها، أفأصله؟ تعني: هل تبيح لي أن أصل لها شعرها؟ فقال النبي ﷺ : (لعن الله الواصلة والمستوصلة). وفي الصحيحين -أيضاً- عن عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فمتعص شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل شعرها، فقال: (لا؛ إنه قد لعن الواصلات). وفي الحديث: (لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) فإذا كانت المرأة حالها أصلاً كما يقول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] يعني أن الطفلة من صغرها تنشأ على حب الزينة لتكملة نقص ظاهرها بهذه الزينة والحلي، وتحرص على الزينة، فإذا كانت ملعونةً إذا وصلت شعرها بشعر غيرها فكيف بالرجل الذي يستعمله لمجرد اللهو واللعب؟!

стр. 907

تغيير خلق الله تعالى في التمثيل الأمر العاشر من منكرات التمثيل: النمص، وهو نتف شعر الحاجب أو الوجه وتحسينه وتلميعه، وهو حرام ملعون فاعله، ففي الحديث: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، ولما لعن ابن مسعود ﵁ فاعلات ذلك قالت امرأة لـ ابن مسعود: كيف تلعنه؟! فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟! ثم تلا عليها قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. والحديث إذا كان فيه: (لعن الله كذا)، فهذا دعاء، فنقول على وجه الخبر: إن الله لعن فاعل كذا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. والنمص -الذي هو نتف الشعر من الحواجب- منكر شائع في كثير من المسلمات، ولا يلتفتن ولا يأبهن بهذا التهديد باللعن والطرد من رحمة الله ، وإذا كانت المرأة تلعن على النمص الذي تتجمل به لزوجها فكيف بالرجل أو المرأة إذا فعلا النمص لغرض التمثيل؟!

стр. 908

إضاعة المال فيما يعود بالضرر وفساد الأخلاق الأمر الحادي عشر: في التمثيل تبذير المال وإضاعته في الباطل وما لا يعود على الإنسان بالنفع، بل يعود عليه بالضرر المحقق وإفساد الأعراض والأخلاق، وذهاب المروءة وخسران الدين، وما أكثر الأموال التي تنفق للممثلين في شراء هذه الاحتياجات، والملايين التي تنفق في هذا الفسق! أيضاً الأموال التي يشترى بها جهاز الفيديو أو التلفزيون الذي يشغلهم عن ذكر الله لابد أن العبد سيسأل عنها يوم القيامة، فإنه سيسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧]، وقال ابن مسعود وابن عباس ﵄: المبذرون هم الذين يتلفون المال في غير الحق. وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، فإذا كان الإسراف في النفقة المباحة منهياً عنه مبغوضاً فاعله إلى الله تعالى لقوله : ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١] فماذا يكون حال الإسراف في معصية الله ؟! ومعلوم أن المال من أغلى الأشياء على الإنسان، فإذا الإنسان بذل الكثير من ماله في هذه المعاصي من مسارح وسينما ونحوها فمعنى ذلك أن حب المعصية متمكن في قلبه، حتى إنه غلب حبه للمال.

стр. 909

دخول الغيبة والمحاكاة في التمثيل من النصوص الواردة المحكية في خصوص التمثيل ما جاء في كتب السير وخرجه جماعة من المصنفين في أخبار الصحابةِ أن الحكم بن أبي العاص الأموي كان يحكي النبي ﷺ ويمثله في مشيته وحركاته، فالتفت النبي ﷺ يوماً فرآه فلعنه ونفاه إلى الطائف، واللعن لا يترتب إلا على كبيرة كما هو مقرر في محله من كتب الفقه والأصول؛ لأن الاستهزاء بالنبي ﷺ هو من الكفر والردة، والعياذ بالله. ومن أعمدة التمثيل وأصوله التي لا يقوم إلا بها: الغيبة، والنبي ﷺ يقول: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره) فإذا كان التمثيل يتناول شخصاً بعينه ليمثل به فلا شك أن هذا فيه غيبة، وصاحب الأمر يكرهه، خاصة إذا كان التمثيل بميت، فيمثل به ليس فقط في السينما، بل أمام الناس في المحافل والأعداد الغفيرة، فإذا كان مجرد الإشارة باليد غيبة، فكيف بتمثيل الشخص في ملابسه ومشيته وسيرته وكلامه وصوته وسائر حركاته وسكناته؟! لا شك أن ذلك أفحش من الاغتياب بمجرد اللسان. والغيبة من الذنوب الكبيرة، وإذا تاب الإنسان منها فإنه لا تتم توبته -في رأي كثير من الفقهاء- إلا بأن يطلب من الشخص الذي اغتابه أن يجعله في حل.

стр. 910

التعدي على شرع الله والاستهزاء بالمسلمين وفي التمثيل الاحتقار والسخرية والاستهزاء بالمسلمين، لذلك ترى الممثلين لا يمثلون من يخافون سطوته، ونحن لعلنا قد تأثرنا بالجو الذي نعيش فيه، وأصابنا شيء من دخن هذه الفتن، أي أننا نعطي هذا الأمر حجمه، ونشعر بخطورة هذا الأمر، فهل هناك أحد عنده مروءة يقبل أن يقف ليمثل أمام الناس حتى لو كان يبيح للناس التمثيل؟ فهل يقبل الشيخ الذي يبيح التمثيل أن يمثل بنفسه؟ وهل يقبل أن يقف ليمثل ويرقص ويغني؟ أنا أعلم حادثة حدثت قبل سنوات في مسجد في الإسكندرية، حصل فيها أن بعض الناس الذين يروجون لمنكر التمثيل مثلوا داخل المسجد، وزعموا أنهم يمثلون قصة أخلاقية من أجل أن يستفيد الناس من التوبة، فقعد شخص يمثل على طاولة في المسجد أنه يسكر ويحتسى الخمر، وجاء آخر يلبس لباساً أسود قبيحاً يمثل صورة الشيطان، ويوسوس لهذا الشخص ويزين له المعصية! فهل هذا يليق بالمسجد وبحرمة المسجد؟ فإذا فتحت هذه الذريعة جرت إلى فساد كبير بلا شك، ولقد انتهى ذلك إلى أن بعض الجماعات فيما مضى في مصر في دمنهور قاموا بتمثيل قصة الذبيح، فأتوا بشخص يمثل جبريل يمسك خروفاً، وآخر لبس فراء خروفٍ، وصوت يقول: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، كأنه يمثل صوت الله! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! إذاً: فتح هذا الباب يأتي بشر مستطير، وتجد أن الممثلين لا يمثلون الأحياء المعظمين، فلا يأتون إلى ملك أو رئيس في حياته ليمثلوه؛ لأنه يعتبر هذا نوعاً من التنقص والازدراء له، ويعاقب فاعله، كما قال بعض الشعراء: يقاد للسجن من سب الزعيم ومن سب الإله فإن الناس أحرار فالذي يسب الدين ويطعن في دين الله حر لا يعاقب عندهم. أحد الممثلين الفسقة قام بالظهور في أحد الأفلام -واسمه سيف شرف وليس فيه رائحة الشرف-، قام يمثل دور امرأة منقبة، ولا أعرف ما هو المقصود بهذا؟ فهل مقصودهم أن المرأة المنتقبة تختفي تحت نقابها وهي لصة أو سارقة؟ فهم يضلون الناس، ويمثلون لهم بهذه المعاني البغيضة التي يبغضون للناس بها دين الله . فلا يمثلون الشخص الذين يجلونه أو يخافون سطوته من الملوك أو الرؤساء الأحياء؛ لأن القانون يمنعهم من ذلك، ويفرض عليهم عقوبة صارمة؛ لأنه من الإهانة بهذا المنصب الذي يعظمونه، وإنما يمثلون من الأحياء من يريدون إهانته، أو الملوك الأقدمين الذين لا يمنعهم القانون من تمثيلهم، كملوك بني أمية وبني العباس وملوك الأندلس أو نحوهم، فلا يخفى أن هذا ممنوع في الشرع، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات:١١]، وهذه من السخرية، وقال النبي ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله) رواه مسلم في صحيحه. وقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً! فقال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) أي: احتقار الناس. وفي رواية الحاكم: (ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس) أي: احتقر الناس، فهذا من الاحتقار لهؤلاء الخلفاء، وهؤلاء الملوك المسلمين الذين فتحوا الأرض من مشرقها إلى مغربها، فنقول للممثلين: أنتم ماذا فعلتم للإسلام؟!

стр. 911

إهانة التعليم واحتقار العلماء وفي نفس الوقت الذي يحقرون فيه الشيوخ، ويأتون بالشيوخ -مثلاً- في هيئة منكرة وقبيحة ويسخرون منهم ويهزءون بهم؛ لا يجرؤ أحد منهم أن يمثل دور القسيس أو الحاخام احتراماً للأديان، وديننا نحن ينتهكون حدوده ويسخرون من علمائنا ومن المشايخ! يقول بعض العلماء في هذه المسألة: وإن كان التمثيل بأشخاص غير معينين فتقع المنكرات فيه كثيرة، منها أنهم يمثلون علماء الإسلام ورجال الدين على العموم، فيلبسون ملابسهم وعمائمهم على هيئة منكرة مشوهة، ويلصقون اللحى المصطنعة في حالة مزرية تدل على غاية الاحتقار والاهانة، ويقلدونهم في كلامهم، ويحكونهم في النطق بالقاف، ويأتون بالكلمات المعربة، والحاضرون يضحكون، وفيهم اليهود والنصارى، فيسرون بذلك غاية السرور، ويحتقرون هؤلاء الفجرة المارقين أشد الاحتقار؛ إذ يرونهم يمثلون علماءهم في حين أنهم يجلون أحبارهم غاية الإجلال، فتكون المصيبة بهذا التمثيل أعظم. فالمقصود من هذا التمثيل إهانة العلم، وإهانة الدين الذي ينتمي إليه العلماء، وليس المقصود الأشخاص والهيئات؛ لأن أكثر العوام يشاركونهم في ذلك اللباس، فالإزراء والإهانة راجعان إلى العلم والدين، وذلك كفر بإجماع العلماء، وقد حكم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بكفر من قال لعمامة العالم: (عميمة) بالتصغير يقصد بها احتقارهم، فلو أن أحداً يتكلم على عمامة أحد الأئمة أو العلماء ويقول: عميمة هذا الرجل، ويقصد بذلك الاحتقار والازدراء والتصغير والاستخفاف والإهانة، فهذا راجع إلى وصف العالم الذي هو حامل علم الشريعة المطهرة، وقد قال رسول الله ﷺ : (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه). وتجدهم يخصون من أهل اللحى ذوي الشيبة في الإسلام، فيمثلون الناس الذين شابوا في الإسلام، حتى إنهم يلصقون أحياناً قطعاً من الفراء الأبيض مبالغة في التشويه والإهانة والسخرية، فهي لحى مصطنعة ترمز لذوي الشيبة من المسلمين، وهذا مع كون فاعله ملعوناً -كما في الحديث- فإن فيه اعتداءً وانتهاكاً لحرمة المسلم الذي قد شاب، قال ﷺ : (إن من إجلال الله -أي: من تعظيم الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) فأين هذا الإكرام من هذه المهانة؟! وقال الله في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وهناك ألفاظ أخرى للحديث، منها: (من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) وفي لفظ آخر: (من آذى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة).

стр. 912

أذية المسلمين وتتبع عوراتهم أيضاً من منكرات التمثيل أن فيه أذية للمسلمين وتتبع عوراتهم ونشرها بين الناس بالمحاكاة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، وقال عبد الله بن عمر ﵄: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع) أي: مرتفع عال (فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته) فلا شك أن تمثيل المسلمين بهذه الصورة هو من هتك حرمة المسلمين، ففاعله ممن لم يدخل الإيمان في قلبه كما أخبر النبي ﵌. وإذا كان الشخص الممثل به من سلف الأمة من الخلفاء والملوك والعلماء والصلحاء ففي التمثيل بهم مساس بحرمتهم، ومخالفة للشريعة الآمرة بالثناء على موتى المسلمين والكف عن مساوئهم، يقول النبي ﷺ : (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) والمقصود: لا تسبوا الأموات الذين ليسوا بكفار ولا فجار بعد موتهم، ولا يدخل فيه الجرح والتعديل، وحكاية أقوال الناس وأفعال الناس الذين طعنوا في دين الله وصدوا عن سبيل الله بقصد هدم أفكارهم المضادة لدين الإسلام، فالمقصود (لا تسبوا الأموات) الذين ليسوا كفاراً ولا فجاراً يصدون عن سبيل الله ويحاربون دين الإسلام (فتؤذوا الأحياء). ومن هذا الحديث أخذ بعض الفقهاء أن من سوء الأدب أن الإنسان يتكلم في حق أبوي الرسول ﷺ ، ويطيل في ذكر أن والديه ﷺ كانا مشركين، فمن الأدب عدم إكثار الخوض في مثل هذه القضية؛ لأن هذا مما يؤذي رسول الله ﵌. وقال ﷺ : (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم) وقال ﷺ : (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) فهذا في أي ميت، حتى لو كان مسلماً فاسقاً أو عاصياً أو مفرطاً، فأي ميت له هذه الحرمة في الإسلام، فكيف بأموات السلف الصالح ﵃، سيما العلماء والصالحون منهم الذين أمرنا بتعظيمهم واحترامهم والدعاء لهم، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].

стр. 913

احتواء التمثيل على الكذب وقول الزور من أصول التمثيل: الكذب وقول الزور. يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] فإن قيل: إن هذا الكذب هو مزاح! أي: هو أناس يضحكون على بعضهم، فالممثل يضحك على الناس ويعرف أنهم يعرفون الذي يضحك عليه، فالمسألة خداع وكذب من الطرفين، فالممثل عارف أنه يضحك على الناس، والناس تعرف أنه يضحك عليهم، وهؤلاء يدفعون فلوساً له، ويشجعونه على هذا الكذب وهذا الفجور. والنبي ﷺ قال: (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) سواء كان مزاحاً أو كان جداً فإنه يطلق عليه الكذب، وروى أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عامر قال: (دعتني أمي يوماً -أي: وهو صغير- ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: تعال لأعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ : ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) حتى مع الطفل الصغير الإنسان يراعي ألا يكذب عليه في وعد أو في غيره، وقد ورد الترغيب في ترك الكذب كما سبق في الحديث: (أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) فهذا من التعبد بالتروك؛ أن تتعبد بترك الكذب ابتغاء هذا الثوب العظيم. وقد أشار النبي ﷺ إلى ظهور التمثيل في آخر الزمان وسماه كذباً، فروى الإمام أحمد في المسند برجال الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن) وفي بعض الأحاديث عن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ وفيها ذكر انتشار الفتن ثم قال: (حتى ينظر المؤمن من حوله من كل الجهات فلا يجد شبراً من الأرض لم تقع فيه هذه الفتنة)، وهذا موجود فعلاً، فلا يجد الإنسان الآن شبراً من الأرض لا يسمع فيه أحياناً صوت الغناء والموسيقى، فهذا تلفزيون من هنا، وهذا جاء بالفيديو من هنا، وهؤلاء يغنون من هنا، وهؤلاء يعملون فرحاً من هنا، فتجد أصوات الغناء ما تركت مكاناً إلا دخلته، فنسأل الله العافية! وفي الحديث الآخر: (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج. قلت: وما الهرج؟ قال: القتل) فحمل بعض العلماء قوله ﷺ في هذا الحديث: (ويكثر الكذب) على الأفلام والمسرحيات وكل هذه الفتن. ومما يقع بسبب التمثيل أن كل المنكرات إن كانت متعلقة بالممثلين فالذي هو عاكف على هذه الأفلام ومقر لها يشاركهم في الوزر، فمن يجلس أمام هؤلاء الفاسقين فرحاً ومنبسطاً ومستمتعاً ومستلذاً بهذا الفساد وهذا الفجور فهو مشارك لهم في الوزر؛ لأن الواجب أن المنكر تحاربه، فأزله أو زل عنه، أما أنك تجلس مع ناس يشربون خمر وتقول: أنا أنكرت عليهم وأنت قاعد معهم قادر على هجرتهم والانصراف عنهم فأنت وهم في الوزر سواء، لكن يعذر الإنسان عندما يزيل المنكر أو يزول عنه بقدر استطاعته. ومن المنكرات التي تقع -أيضاً- الحلف، فيحلفون على أشياء كذباً. وأيضاً: ليس هذا التمثيل من الأمور التي جوز الشرع أن تكذب فيها، فالرسول ﷺ أباح الكذب في ثلاث: في الحرب مع الأعداء في الجهاد، وفي حديث الرجل لامرأته، فيمدح -مثلاً- طعامها أو هيئتها أو شيئاً تفعله تألفاً لها، وفي الإصلاح بين الناس، فلم يكذب الذي ينمي بين الناس فيقول لأحد المتخاصمين: والله فلان ذكرك بخير، ويحبك ويعزك، وهو نادم على ما فعله في حقك، ويذهب إلى الآخر فيقول له كذلك؛ ليصلح بينهما، فليس بكاذب، فهذه هي الاستثناءات الثلاث في حكم الكذب. فهل التمثيل كذب؟ كلهم متفقون على أنه كذب، لكن هل هو من الكذب الذي استثني وأبيح؟! إذاً: هذا من الأدلة التي يصلح الاستدلال به على الزجر عن هذا النوع من الكذب. أما قول بعض الناس: إنهم يقصدون بالتمثيل إظهار عظمة الإسلام ومجد المسلمين الأولين فهذا لا يغني عنهم شيئاً، فأغلب الأفلام الدينية يكون فيها تصوير حالة الجاهلية، فيتمادون في وصف الفسق والرقص والفساد والعري والتبرج وغير ذلك من حالات الجاهلية. فهذا لا يغني شيئاً؛ إذ عظمة الإسلام تظهر بنشر محاسنه وتعاليمه، وطبع المؤلفات النافعة فيه، لا بإقامة رواية تمثيلية بين جداران أحد دور الملاهي أو الجمعيات يقصد أغلب من يحضرها التسلية لا غير، هذا أولاً. ثانياً: إن المسلمين الأولين لم يكونوا يحبون الإعلان عن أنفسهم وأعمالهم؛ لأنهم كانوا يخلصون العمل لله لا يريدون غيره، فإظهارهم على خشبة المسرح ينافي غرضهم ويباين مقصودهم. ثالثاً: لو كانت هذه الحجة تجيز التمثيل، ولو أن المبرر هذا معقول بأننا نظهر أمجاد هؤلاء الصالحين فإنا لو أخذنا بهذه الغاية -بغض النظر عن الوسيلة أياً كانت- فإن هذا سيقال في وضع القبور -مثلاً- في المساجد، فسيقال: نتذكر الصالحين ونزورهم، وكذلك التماثيل التي تصنع وتوضع في الميادين وإن كانت -والحمد لله- لا تصنع للصالحين، فالتماثيل هذه أصلاً لا يجوز نصبها في الميادين، ولا يجوز النظر إليها كما ذكر ذلك بعض علماء الشافعية، وكذلك من المالكية الإمام الدردير المالكي قال: ما يحرم صناعته يحرم النظر إليه، فهذه التماثيل حرمت صناعتها فلا يحل لك أن تنظر إليها.

стр. 914

دخول النساء في التمثيل والقيام بدور الكافرين من منكرات التمثيل أن التمثيل لا يمكن أن يستغني عن وجود نساء في الغالب، وإذا كان بغير نساء فإنه يقوم رجل بتمثيل دور امرأة، وهذا أخبث وأطم، فيلبس الرجل ملابس المرأة ويتزين بزينتها، وهذا ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ . كما أن التمثيل قد يفضي بالشخص إلى أن يصل ويقف مواقف شائنة مخزية؛ إذ يمكن أن الشخص يقوم بدور إبليس، ومن الذي يقبل أن يقوم بدور إبليس أو يقوم بدور خروف؟! هذا حصل، وقد يقوم بدور كافر مثلاً، فربما يضحك عليه الناس ويستهزئون به، فلا شك أن هذا الشخص الذي يقبل لنفسه هذا الوضع الشائن فاقد المروءة، فاقد الشهامة، وأنه ضيع الكرامة التي أكرمه الله بها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فهو يجعل نفسه حماراً أو حيواناً أو نحو ذلك. الشافعي ﵁ يقول: والله لو أعلم أن شرب الماء البارد يخرم مروءتي ما شربته! إن كان شرب الماء يقدح في مروءته ما شربه حفاظاً على مروءته وهيبته ﵁. ولو فرض وجود ممثل مسلم، فإن قام بدور الملك الكافر أو القائد الكافر يلبس ملابسه ويجعل نفسه هو ذلك الكافر أو الراهب أو القسيس، وتراه يشد في وسطه الزنار، وينطق بما هو كفر حسبما تقتضيه الرواية، فلو مات على هذه الحالة فكيف سيكون أمره؟! لو مات وهو يسجد للمسيح، أو وهو واضع الصليب على صدره أو يسجد للأصنام كيف ستكون خاتمته؟! قال النبي ﵊: (يبعث المرء على ما مات عليه)، وقال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) فبماذا يختم لهذا الشخص؟ وعلام يبعث يوم القيامة؟! (يبعث المرء على ما مات عليه) فهل يشفع له قوله: كنت أمزح وإنما كنا نخوض ونلعب؟! وماذا يحصل لو مثل عقبة بن أبي معيط وهو يضع السلا والقاذورات على النبي ﷺ وهو ساجد، أو يتلفظ بسب النبي ﵊ أو التنفير عن الإسلام؟! فهل هناك إنسان عاقل أو مسلم عاقل يقبل مثل هذا الوضع؟! ومن يقبل أن يمثل دور فرعون ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] ويسب موسى ﵇؟! فلا شك أن التمثيل يحتوي على هذه المنكرات التي تئول بصاحبها إلى الكفر، ومن ثم فظاهره أننا ننظر إليه أمامنا وهو راضٍ بهذا الكفر، والرضا بالكفر كفر، يقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي فهو يهودي) فاليمين بمثل هذا من المهالك العظيمة والمخاطر العظيمة للإنسان الذي يتلفظ بهذه الألفاظ، فمن يقول: هو يهودي إن فعل كذا أو إن حصل كذا فهذه الصورة فيها تهاون بدينه، فيقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي فهو يهودي، وإن قال: هو نصراني فهو نصراني، وإن قال: هو بريء من الإسلام، فهو بريء من الإسلام، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم. قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى) رواه أبو يعلى والحاكم وقالا: صحيح الإسناد.

стр. 915

احتواء التمثيل على الكلام فيما لا يعني في التمثيل الكلام فيما لا يعني، وقد قال النبي ﷺ : (كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر أو ذكر الله تعالى). وقال أنس بن مالك: (توفي رجل فقال رجل آخر ورسول الله ﷺ يسمع: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك! لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه) فهذا كله مما لا يعني، فهو يمثل والجماعة ينظرون، وهذا مما لا يعني، فكيف بالإنسان يجلس أمام هذه الأجهزة الفاسدة يتلقن منها تلك الأشياء؟ وفي الأثر: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي). وبعضهم يقول: يزيد أن نعمل تمثيلاً دينياً! لا يوجد تمثيل ديني، وهل أحد سمع عن تمثيل ديني يقول: الآن مع القرآن قبل نشرة الأخبار؟ بل يقال: مع الموسيقى الدينية حتى وقت نشرة الأخبار، فهل هناك موسيقى دينية؟! لا توجد موسيقى دينية، وهذا مثلما يقولون: الفن الإسلامي، ولا يوجد شيءٌ اسمه فن إسلامي، وإنما يوجد الفن العربي مثلاً، لكن الفن الإسلامي لا يوجد، فالإسلام ما دعا إلى هذا الهراء وهذا اللغو وهذا الباطل.
следующие страницы →