← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

إهانة التعليم واحتقار العلماء وفي نفس الوقت الذي يحقرون فيه الشيوخ، ويأتون بالشيوخ -مثلاً- في هيئة منكرة وقبيحة ويسخرون منهم ويهزءون بهم؛ لا يجرؤ أحد منهم أن يمثل دور القسيس أو الحاخام احتراماً للأديان، وديننا نحن ينتهكون حدوده ويسخرون من علمائنا ومن المشايخ! يقول بعض العلماء في هذه المسألة: وإن كان التمثيل بأشخاص غير معينين فتقع المنكرات فيه كثيرة، منها أنهم يمثلون علماء الإسلام ورجال الدين على العموم، فيلبسون ملابسهم وعمائمهم على هيئة منكرة مشوهة، ويلصقون اللحى المصطنعة في حالة مزرية تدل على غاية الاحتقار والاهانة، ويقلدونهم في كلامهم، ويحكونهم في النطق بالقاف، ويأتون بالكلمات المعربة، والحاضرون يضحكون، وفيهم اليهود والنصارى، فيسرون بذلك غاية السرور، ويحتقرون هؤلاء الفجرة المارقين أشد الاحتقار؛ إذ يرونهم يمثلون علماءهم في حين أنهم يجلون أحبارهم غاية الإجلال، فتكون المصيبة بهذا التمثيل أعظم. فالمقصود من هذا التمثيل إهانة العلم، وإهانة الدين الذي ينتمي إليه العلماء، وليس المقصود الأشخاص والهيئات؛ لأن أكثر العوام يشاركونهم في ذلك اللباس، فالإزراء والإهانة راجعان إلى العلم والدين، وذلك كفر بإجماع العلماء، وقد حكم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بكفر من قال لعمامة العالم: (عميمة) بالتصغير يقصد بها احتقارهم، فلو أن أحداً يتكلم على عمامة أحد الأئمة أو العلماء ويقول: عميمة هذا الرجل، ويقصد بذلك الاحتقار والازدراء والتصغير والاستخفاف والإهانة، فهذا راجع إلى وصف العالم الذي هو حامل علم الشريعة المطهرة، وقد قال رسول الله ﷺ : (ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه). وتجدهم يخصون من أهل اللحى ذوي الشيبة في الإسلام، فيمثلون الناس الذين شابوا في الإسلام، حتى إنهم يلصقون أحياناً قطعاً من الفراء الأبيض مبالغة في التشويه والإهانة والسخرية، فهي لحى مصطنعة ترمز لذوي الشيبة من المسلمين، وهذا مع كون فاعله ملعوناً -كما في الحديث- فإن فيه اعتداءً وانتهاكاً لحرمة المسلم الذي قد شاب، قال ﷺ : (إن من إجلال الله -أي: من تعظيم الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) فأين هذا الإكرام من هذه المهانة؟! وقال الله في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وهناك ألفاظ أخرى للحديث، منها: (من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) وفي لفظ آخر: (من آذى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة).

стр. 912

أذية المسلمين وتتبع عوراتهم أيضاً من منكرات التمثيل أن فيه أذية للمسلمين وتتبع عوراتهم ونشرها بين الناس بالمحاكاة، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، وقال عبد الله بن عمر ﵄: (صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع) أي: مرتفع عال (فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته) فلا شك أن تمثيل المسلمين بهذه الصورة هو من هتك حرمة المسلمين، ففاعله ممن لم يدخل الإيمان في قلبه كما أخبر النبي ﵌. وإذا كان الشخص الممثل به من سلف الأمة من الخلفاء والملوك والعلماء والصلحاء ففي التمثيل بهم مساس بحرمتهم، ومخالفة للشريعة الآمرة بالثناء على موتى المسلمين والكف عن مساوئهم، يقول النبي ﷺ : (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) والمقصود: لا تسبوا الأموات الذين ليسوا بكفار ولا فجار بعد موتهم، ولا يدخل فيه الجرح والتعديل، وحكاية أقوال الناس وأفعال الناس الذين طعنوا في دين الله وصدوا عن سبيل الله بقصد هدم أفكارهم المضادة لدين الإسلام، فالمقصود (لا تسبوا الأموات) الذين ليسوا كفاراً ولا فجاراً يصدون عن سبيل الله ويحاربون دين الإسلام (فتؤذوا الأحياء). ومن هذا الحديث أخذ بعض الفقهاء أن من سوء الأدب أن الإنسان يتكلم في حق أبوي الرسول ﷺ ، ويطيل في ذكر أن والديه ﷺ كانا مشركين، فمن الأدب عدم إكثار الخوض في مثل هذه القضية؛ لأن هذا مما يؤذي رسول الله ﵌. وقال ﷺ : (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم) وقال ﷺ : (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) فهذا في أي ميت، حتى لو كان مسلماً فاسقاً أو عاصياً أو مفرطاً، فأي ميت له هذه الحرمة في الإسلام، فكيف بأموات السلف الصالح ﵃، سيما العلماء والصالحون منهم الذين أمرنا بتعظيمهم واحترامهم والدعاء لهم، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].

стр. 913

احتواء التمثيل على الكذب وقول الزور من أصول التمثيل: الكذب وقول الزور. يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] فإن قيل: إن هذا الكذب هو مزاح! أي: هو أناس يضحكون على بعضهم، فالممثل يضحك على الناس ويعرف أنهم يعرفون الذي يضحك عليه، فالمسألة خداع وكذب من الطرفين، فالممثل عارف أنه يضحك على الناس، والناس تعرف أنه يضحك عليهم، وهؤلاء يدفعون فلوساً له، ويشجعونه على هذا الكذب وهذا الفجور. والنبي ﷺ قال: (أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) سواء كان مزاحاً أو كان جداً فإنه يطلق عليه الكذب، وروى أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عامر قال: (دعتني أمي يوماً -أي: وهو صغير- ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: تعال لأعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ : ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة) حتى مع الطفل الصغير الإنسان يراعي ألا يكذب عليه في وعد أو في غيره، وقد ورد الترغيب في ترك الكذب كما سبق في الحديث: (أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) فهذا من التعبد بالتروك؛ أن تتعبد بترك الكذب ابتغاء هذا الثوب العظيم. وقد أشار النبي ﷺ إلى ظهور التمثيل في آخر الزمان وسماه كذباً، فروى الإمام أحمد في المسند برجال الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن) وفي بعض الأحاديث عن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ وفيها ذكر انتشار الفتن ثم قال: (حتى ينظر المؤمن من حوله من كل الجهات فلا يجد شبراً من الأرض لم تقع فيه هذه الفتنة)، وهذا موجود فعلاً، فلا يجد الإنسان الآن شبراً من الأرض لا يسمع فيه أحياناً صوت الغناء والموسيقى، فهذا تلفزيون من هنا، وهذا جاء بالفيديو من هنا، وهؤلاء يغنون من هنا، وهؤلاء يعملون فرحاً من هنا، فتجد أصوات الغناء ما تركت مكاناً إلا دخلته، فنسأل الله العافية! وفي الحديث الآخر: (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج. قلت: وما الهرج؟ قال: القتل) فحمل بعض العلماء قوله ﷺ في هذا الحديث: (ويكثر الكذب) على الأفلام والمسرحيات وكل هذه الفتن. ومما يقع بسبب التمثيل أن كل المنكرات إن كانت متعلقة بالممثلين فالذي هو عاكف على هذه الأفلام ومقر لها يشاركهم في الوزر، فمن يجلس أمام هؤلاء الفاسقين فرحاً ومنبسطاً ومستمتعاً ومستلذاً بهذا الفساد وهذا الفجور فهو مشارك لهم في الوزر؛ لأن الواجب أن المنكر تحاربه، فأزله أو زل عنه، أما أنك تجلس مع ناس يشربون خمر وتقول: أنا أنكرت عليهم وأنت قاعد معهم قادر على هجرتهم والانصراف عنهم فأنت وهم في الوزر سواء، لكن يعذر الإنسان عندما يزيل المنكر أو يزول عنه بقدر استطاعته. ومن المنكرات التي تقع -أيضاً- الحلف، فيحلفون على أشياء كذباً. وأيضاً: ليس هذا التمثيل من الأمور التي جوز الشرع أن تكذب فيها، فالرسول ﷺ أباح الكذب في ثلاث: في الحرب مع الأعداء في الجهاد، وفي حديث الرجل لامرأته، فيمدح -مثلاً- طعامها أو هيئتها أو شيئاً تفعله تألفاً لها، وفي الإصلاح بين الناس، فلم يكذب الذي ينمي بين الناس فيقول لأحد المتخاصمين: والله فلان ذكرك بخير، ويحبك ويعزك، وهو نادم على ما فعله في حقك، ويذهب إلى الآخر فيقول له كذلك؛ ليصلح بينهما، فليس بكاذب، فهذه هي الاستثناءات الثلاث في حكم الكذب. فهل التمثيل كذب؟ كلهم متفقون على أنه كذب، لكن هل هو من الكذب الذي استثني وأبيح؟! إذاً: هذا من الأدلة التي يصلح الاستدلال به على الزجر عن هذا النوع من الكذب. أما قول بعض الناس: إنهم يقصدون بالتمثيل إظهار عظمة الإسلام ومجد المسلمين الأولين فهذا لا يغني عنهم شيئاً، فأغلب الأفلام الدينية يكون فيها تصوير حالة الجاهلية، فيتمادون في وصف الفسق والرقص والفساد والعري والتبرج وغير ذلك من حالات الجاهلية. فهذا لا يغني شيئاً؛ إذ عظمة الإسلام تظهر بنشر محاسنه وتعاليمه، وطبع المؤلفات النافعة فيه، لا بإقامة رواية تمثيلية بين جداران أحد دور الملاهي أو الجمعيات يقصد أغلب من يحضرها التسلية لا غير، هذا أولاً. ثانياً: إن المسلمين الأولين لم يكونوا يحبون الإعلان عن أنفسهم وأعمالهم؛ لأنهم كانوا يخلصون العمل لله لا يريدون غيره، فإظهارهم على خشبة المسرح ينافي غرضهم ويباين مقصودهم. ثالثاً: لو كانت هذه الحجة تجيز التمثيل، ولو أن المبرر هذا معقول بأننا نظهر أمجاد هؤلاء الصالحين فإنا لو أخذنا بهذه الغاية -بغض النظر عن الوسيلة أياً كانت- فإن هذا سيقال في وضع القبور -مثلاً- في المساجد، فسيقال: نتذكر الصالحين ونزورهم، وكذلك التماثيل التي تصنع وتوضع في الميادين وإن كانت -والحمد لله- لا تصنع للصالحين، فالتماثيل هذه أصلاً لا يجوز نصبها في الميادين، ولا يجوز النظر إليها كما ذكر ذلك بعض علماء الشافعية، وكذلك من المالكية الإمام الدردير المالكي قال: ما يحرم صناعته يحرم النظر إليه، فهذه التماثيل حرمت صناعتها فلا يحل لك أن تنظر إليها.

стр. 914

دخول النساء في التمثيل والقيام بدور الكافرين من منكرات التمثيل أن التمثيل لا يمكن أن يستغني عن وجود نساء في الغالب، وإذا كان بغير نساء فإنه يقوم رجل بتمثيل دور امرأة، وهذا أخبث وأطم، فيلبس الرجل ملابس المرأة ويتزين بزينتها، وهذا ملعون فاعله على لسان رسول الله ﷺ . كما أن التمثيل قد يفضي بالشخص إلى أن يصل ويقف مواقف شائنة مخزية؛ إذ يمكن أن الشخص يقوم بدور إبليس، ومن الذي يقبل أن يقوم بدور إبليس أو يقوم بدور خروف؟! هذا حصل، وقد يقوم بدور كافر مثلاً، فربما يضحك عليه الناس ويستهزئون به، فلا شك أن هذا الشخص الذي يقبل لنفسه هذا الوضع الشائن فاقد المروءة، فاقد الشهامة، وأنه ضيع الكرامة التي أكرمه الله بها في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، فهو يجعل نفسه حماراً أو حيواناً أو نحو ذلك. الشافعي ﵁ يقول: والله لو أعلم أن شرب الماء البارد يخرم مروءتي ما شربته! إن كان شرب الماء يقدح في مروءته ما شربه حفاظاً على مروءته وهيبته ﵁. ولو فرض وجود ممثل مسلم، فإن قام بدور الملك الكافر أو القائد الكافر يلبس ملابسه ويجعل نفسه هو ذلك الكافر أو الراهب أو القسيس، وتراه يشد في وسطه الزنار، وينطق بما هو كفر حسبما تقتضيه الرواية، فلو مات على هذه الحالة فكيف سيكون أمره؟! لو مات وهو يسجد للمسيح، أو وهو واضع الصليب على صدره أو يسجد للأصنام كيف ستكون خاتمته؟! قال النبي ﵊: (يبعث المرء على ما مات عليه)، وقال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) فبماذا يختم لهذا الشخص؟ وعلام يبعث يوم القيامة؟! (يبعث المرء على ما مات عليه) فهل يشفع له قوله: كنت أمزح وإنما كنا نخوض ونلعب؟! وماذا يحصل لو مثل عقبة بن أبي معيط وهو يضع السلا والقاذورات على النبي ﷺ وهو ساجد، أو يتلفظ بسب النبي ﵊ أو التنفير عن الإسلام؟! فهل هناك إنسان عاقل أو مسلم عاقل يقبل مثل هذا الوضع؟! ومن يقبل أن يمثل دور فرعون ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] ويسب موسى ﵇؟! فلا شك أن التمثيل يحتوي على هذه المنكرات التي تئول بصاحبها إلى الكفر، ومن ثم فظاهره أننا ننظر إليه أمامنا وهو راضٍ بهذا الكفر، والرضا بالكفر كفر، يقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي فهو يهودي) فاليمين بمثل هذا من المهالك العظيمة والمخاطر العظيمة للإنسان الذي يتلفظ بهذه الألفاظ، فمن يقول: هو يهودي إن فعل كذا أو إن حصل كذا فهذه الصورة فيها تهاون بدينه، فيقول النبي ﷺ : (من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال: هو يهودي فهو يهودي، وإن قال: هو نصراني فهو نصراني، وإن قال: هو بريء من الإسلام، فهو بريء من الإسلام، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثاء جهنم. قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى) رواه أبو يعلى والحاكم وقالا: صحيح الإسناد.

стр. 915

احتواء التمثيل على الكلام فيما لا يعني في التمثيل الكلام فيما لا يعني، وقد قال النبي ﷺ : (كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر أو ذكر الله تعالى). وقال أنس بن مالك: (توفي رجل فقال رجل آخر ورسول الله ﷺ يسمع: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك! لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه) فهذا كله مما لا يعني، فهو يمثل والجماعة ينظرون، وهذا مما لا يعني، فكيف بالإنسان يجلس أمام هذه الأجهزة الفاسدة يتلقن منها تلك الأشياء؟ وفي الأثر: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي). وبعضهم يقول: يزيد أن نعمل تمثيلاً دينياً! لا يوجد تمثيل ديني، وهل أحد سمع عن تمثيل ديني يقول: الآن مع القرآن قبل نشرة الأخبار؟ بل يقال: مع الموسيقى الدينية حتى وقت نشرة الأخبار، فهل هناك موسيقى دينية؟! لا توجد موسيقى دينية، وهذا مثلما يقولون: الفن الإسلامي، ولا يوجد شيءٌ اسمه فن إسلامي، وإنما يوجد الفن العربي مثلاً، لكن الفن الإسلامي لا يوجد، فالإسلام ما دعا إلى هذا الهراء وهذا اللغو وهذا الباطل.

стр. 916

تشبه الرجال بالنساء في التمثيل من منكرات التمثيل أنهم إذا ما وجدوا نساء يأتون برجال يتشبهون بهؤلاء النساء، وفي الحديث الذي رواه ابن عباس قال: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال). وعنه أيضاً ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل). ورأى عبد الله بن عمرو بن العاص أم سعيد بنت أبي جهل متقلدة سيفاً وهي تمشي مشية الرجل فقال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال) رواه الإمام أحمد.

стр. 917

اختلاط الممثلين بالممثلات والخلوة بهن من المنكرات الفاحشة العظيمة في التمثيل وجود النساء الممثلات في هذا التمثيل مع الرجال، فإنه يترتب عليه من المفاسد الهدامة والقاضية على الخلق وعلى الدين ما لا يمكن أن يتصور، فلو أحضرنا اليهود من أجل أن يفسدوا الأمة فلن يقدروا على أن يفسدوها بمثل الممثلين، فاليهود لا يقدرون بجيوشهم على أن يحطموا المسلمين كما يحطم أعداء الله ورسوله من الممثلين الذين يسمون الفنانين الأبطال، ولذلك فإن اليهود هم وراء صناعات السينما في العالم كله؛ حرصاً على إفساد أخلاق الناس. فنجد أنه تحدث منكرات كثيرة الإنسان يستحي من الكلام فيها كما تذكرها الكتب، ومنها اختلاط الممثلات بالممثلين واندماجهن معهم اندماجاً لا يوافق عليه عقل ولا دين، ويكشفن العورات، ويلبسن الثياب الرقاق مصداقاً لقول النبي ﷺ في صحيح مسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) قال الشيخ إسماعيل حقي في تفسير قوله: (مميلات) أي: قلوب الرجال إلى الفساد بهن. أو مميلات أكتافهن كما تفعل الراقصات. أو مميلات مقانعهن عن رءوسهن لتظهر وجوههن. قال ﷺ : (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). وبعض الفقهاء فسر قوله (مائلات مميلات) فقال: مائلات في أنفسهن، مميلات غيرهن من النساء بدعوتهن إلى مثل هذا الفساد، فيدخل فيه رائدات تحرير المرأة والتبرج والسفور، فهن مائلات في أنفسهن ويضللن غيرهن، ويدعين غيرهن من النساء إلى الوقوع في مثل فسادهن ويحرضنهن عليه. يقول النبي ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) فهذا دليل على بعدهن الشديد عن الجنة، فإذا كان هذا عقابهن على ذلك اللباس -وهو شر عقاب بل منتهى العقاب في الشدة لاقتضائه الخلود في النار- فكيف إذا انضم إليه أنواع الفجور الذي تقع فيه الممثلات في تمثيلهن؟! إذا كان هذا للنساء الكاسيات العاريات فكيف بما هو أشد من ذلك كالرقص ونحوه من الأشياء المعروفة؟! وكثرة الرقص والممثلات أثرت في نفوس الناس، وأصبحت مشاهدتها هي الأصل عند بعضهم، حكي عن رجل كان ابنه في مدرسة، فحضر اجتماع لمجلس الآباء والمعلمين، فحضرت إحدى الأمهات ساخطة رافعة صوتها قائلة: أنتم أفسدتم ابني! فالمدير والمدرسون أخذوا في تهدئتها ثم قالوا لها: ماذا حصل؟ فقالت لهم: إن الولد كلما يجد منظر رقص في التلفزيون أو يرى امرأة يرمي ببصره نحو الأرض، فمن الذي علمه هذا التصرف؟ لابد أنكم الذين علمتموه هذا التصرف! فكان رد المدير والأساتذة أن تبرءوا من ذلك، وأنه لا يمكن أن يكون عندهم أحد بهذه الصورة، وأنهم ملتزمون بمنهاج الوزارة! إلى هذا الحال وصل المسلمون! هذه المرأة قلقة لأن يغض بصره حتى لا ينظر إلى الراقصات ونحو هذه الأشياء، فإننا لله وإنا إليه راجعون! كما أن الممثلة تنفرد بالممثل وتكون معه في خلوة، وقد حكي لي أن بعض الممثلين كانوا في لحظة القيام بدور معين من الأدوار القذرة، فمن شدة الغيرة قام زوج الممثلة فأمر كل العمال الموجودين في الأستوديو أن يخرجوا إلى الصالة من أجل ألا ينظر أحد إلى زوجته وهي في منظر مخل مع الممثل الآخر! أليست هذه الصورة ستعرض على ملايين الناس؟! فانظر إلى التناقض والمسخ وذهاب العقل والحماقة والجنون! نسأل الله العافية. والناس تقول لك: لا، هذا تمثيل! وفي التمثيل مصافحة ولمس وغير ذلك مما هو معلوم، والنبي ﷺ يقول: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) حتى مجرد المصافحة وفعل أدنى شيء، لكن مع ذلك يقع في هذا الوعيد. تقول السيدة عائشة: (لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط حتى في المبايعة، إنما كان يبايعهن قولاً) أي: بايعهن بالكلام. ويفعل الممثلون كل القبائح والموبقات أمام الجماهير الناظرة من رجال ونساء، وذلك منتهى الهمجية، ولو أن هذا الشخص القبيح الدنيء كانت الممثلة التي يمثل معها زوجته لمقتها الله على هذا الفعل، ولمقتهما الناظرين إليهما على ذلك، فما بالك وهي أجنبية عنه؟! فلا يقر هذا الوضع إلا الهمج الرعاع الأوباش المنسلخون من الدين ومن العقل، الذين هم في درجة الأنعام بل هم أضل؛ فالكلاب تغار على الأنثى، وكذلك سائر الحيوانات المعروفة، ومع ذلك تجد هؤلاء يستحلون هذه المفاسد ويتعارفون عليها ويستمرئونها. وقد قال رسول الله ﷺ : (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)، وفي بعض روايات هذا الحديث التعبير عن هذا الفعل بأنه من أعظم الإهانة عند الله، قالت أسماء بنت يزيد: (كنا عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود، فقال: لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها! فأرم القول -أي: سكتوا- ولم يجيبوا، فقلت: إي والله -يا رسول الله- إنهن ليفعلن وإنهم ليفعلون! قال: فلا تفعلوا؛ فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون). وقال : ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. فذلك هو حال هؤلاء القوم، وقد أخبر النبي ﷺ أن ذلك من أشراط الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق، وأخبر أن الساعة لا تقوم حتى يجامع الرجل المرأة في الطريق، وحتى يقول له أعقل امرئ في ذلك المجتمع: لو تنحيت عن الطريق! يتنحى فقط عن الطريق والعياذ بالله! وكل شخص يجلس أمام هذه المناظر فهو يقع في أعظم الوزر وأعظم الإثم، فويل له من الله إن لم يتب من هذه المفاسد! تجد الأب مع بناته ومع نسائه يرون مناظر في منتهى الفساد والانحلال، والسائر في الشارع يسمع بعض عامة الناس -غير المتطرفين ولا الملتحين- في شكوى وأنين من الفساد، وتسمع أحدهم في الشارع يقول لآخر: لا يوجد حل مع التلفزيون غير أن الواحد يكسره. وهؤلاء أناس بسطاء بلغ عندهم سخط الفساد إلى هذا الحد، فكيف تكون غيرة أهل الدين والمروءة على حرمات الله ؟!

стр. 918

نظر الممثلين والناظرين إليهم إلى العورات المحرم كشفها يقع الممثلون والناظرون إليهم في كبيرة النظر إلى العورات التي يحرم كشفها؛ والتي هي بإجمع الفقهاء محرم كشفها، فكيف بما عدا ذلك؟! قال جابر بن عبد الله ﵄: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأه فقال: اصرف بصرك) ونظر الفجأة معناه أن الإنسان لا يقصد أن ينظر، لكن يفاجأ بامرأة، فالنبي ﷺ يقول: (اصرف بصرك)، وأنت تفتح التلفزيون، وتمشي وتقطع المسافات لتجلس إلى هؤلاء الفسقة، والنبي ﷺ يقول لك: (اصرف بصرك)، وأنت تتعمد أن تستخدم هذه النعمة في معصية الله ، وهو قادر على أن يحرمك إياها، فربنا قادر على أن يخطف هذا البصر الذي تستعمله في محاربته ومبارزته بالمعاصي مع هؤلاء الفساق. وقال النبي ﷺ لـ علي: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية) فإذا كان هذا في نظر الفجأة والنظر الذي لم يقصد فكيف بالنظر الدائم مدة التمثيل الذي يقصد به التلذذ ويدفع المال من أجله؟! قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] والمعنى: قل للمؤمنين غضوا من أبصاركم، فحال المؤمنين الالتزام بأمر الله وأمر النبي ﷺ ، فهذا هو المقصود بكلمة (يغضوا) التي هي جواب الطلب، لكن حذفت كلمة (غضوا) التي هي فعل الأمر؛ لأن المؤمنين حالهم الاستجابة، أي: قل للمؤمنين: غضوا من أبصاركم يغضوا من أبصارهم. وقال ﷺ : (العينان تزنيان وزناهما النظر) فهذا المشارك والجالس أمام هذه التماثيل التي يعكفون أمامها واقع في هذا النوع القبيح من الزنا، وأخبر النبي ﷺ أن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبست نساؤهم الزينة وتبخترن بها في المساجد لفتنة الرجال. وهذا التبرج هو من عادات الجاهلية، يقول الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فالتبرج لعن بسببه بنو إسرائيل، فكيف بالتبرج والعري الذي ظهر في نساء هذه الأمة، والتبختر في دور الرقص والتمثيل واللهو؟! وقال ﷺ : (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية). ومن منكرات التمثيل أكل أموال الناس بالباطل، وهو حرام، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]، ولا باطل على وجه الأرض أبطل من التمثيل وإنفاق المال في هذا الفساد.

стр. 919

وقوع الناظرين في إهدار المال في الباطل وارتكاب المحرمات من منكرات التمثيل أنه يوقع الناظرين في عدة كبائر، فمنها: أنه يدعو إلى إنفاق المال في الباطل والحرام، ورؤية المحرمات وارتكاب المعاصي؛ لأنهم لا يشترون ذلك إلا بالمال، وقد عد الفقهاء من جملة الكبائر إنفاق المال -ولو ريالاً واحداً- في محرم، كما عدوه سفهاً وتبذيراً موجباً للحجر، واستدلوا بأنه لا أعز عند النفس من المال، فإذا هان عليها صرفه في معصية دل على الانهماك التام في محبة المعاصي، كما هو مفصل في كتب الفقه. ومن منكرات التمثيل المعروفة التي لا ينفك عنها المستمع بحال من الأحوال سماع الغناء وأصوات النساء والآلات المطربة، والله يقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فهن يتفنن في الخضوع بالقول واستدعاء الفواحش ممن يسمعونهن ويجلسون إليهن، يقول النبي ﷺ : (ليشربن أناس من أمتي الخمرة يسمونها بغير اسمها ويضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير).

стр. 920

صرخة نداء وتذكير التوجيه الأخير الذي نحتاج إلى أن نذكر به هو مسئولية تربية الإنسان لأولاده وأهله ونفسه ومن هم في سلطته، فالله يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. ويقول : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]. وقال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]. وقال : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١]، فالله أرحم بكم من أولادكم وهو يوصيكم في أولادكم. وقال : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. وقال ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). وقال ﷺ : (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) فهل من النصيحة للأولاد والنساء والبنات والذرية والإخلاص لهم والمنفعة لهم أننا نطلق لهم العنان أمام التلفزيون والفيديو وكل هذه الصور من الفساد المعروض الذي جره إلينا التمثيل وغيره، وفي نفس الوقت نقصيهم عن المساجد وعن الصحبة الصالحة؟! قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل يقول الفضيل ين عياض: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. فبعض الناس مساكين يظنون أن تربية الأولاد هي إيجاد الغذاء لهم، فيمكث الأب يمتعهم ويلبسهم أحسن الملابس، ويظن أن هذه هي التربية، فإن كان الأمر بهذه الصورة فما هو الفرق بين الإنسان وبين الحيوان؟! التربية مسئولية أضخم من ذلك بكثير، ليست بنوع التغذية والتنمية، ولكن بتربية هذا النشء حتى ندخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، وندخل في قول النبي ﷺ : (أو ولد صالح يدعو له) يعني: ينفعه دعاؤه في قبره بعد موته. فكيف نسلم بأنفسنا أهلنا ونساءنا وبناتنا لهؤلاء الفسقة والفجرة ليعلموهم هذا الفساد؟! ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا فالأب مشغول والأم مشغولة، فيتركان الأولاد لهذه المفاسد، والنتيجة بعد ذلك الندم حيث لا ينفع الندم، يقول الشاعر: تبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع فلا ينفع الندم بعد فساد الأولاد، وما أكثر الحوادث التي تطرق أسماعنا، والسبب فيها هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. يقول بعض الشعراء: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجىً ولكن يعوده التدين أقربوه ويقول الآخر: وليس النبت ينبت في بناء كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثُديَّ الناقصات فهذه جمل بسيطة رأينا أن نجمع فيها منكرات التمثيل تحذيراً للمسلمين ونصيحة لهم بشأن هذا المنكر الفظيع، ونحذر من موالاة الممثلين أو تعظيمهم أو الافتتان بمفاسدهم، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا -اللهم- بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا. اللهم! أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم! أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم! توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وصل -اللهم- على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.

стр. 921

السلفية منهج ملزم لكل مسلم [١] السلفية منهج رباني، وطريقة محمدية للحاضر والمستقبل، بل هي الإسلام والدين الذي ارتضاه الله لعباده، فمن خرج عنه كان مبتدعاً. والسلفية هي الجماعة، وهي الفرقة الناجية التي لا تتغير ولا تتبدل، ولكن للأسف قيد بعض الجهلة اسم السلفية، وضيق الخناق على الناس في المسائل الاجتهادية، فمن أخذ برأيه فهو السلفي وإلا فلا؛ وهذا ليس من الدين في شيء.

стр. 922

الدوافع التي دعت إلى الحديث عن منهج السلفية الحمد لله الذي جعل اتباع رسوله على محبته دليلاً، فأوضح طرق الهداية لمن شاء أن يتخذ إليه سبيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد مخلص لم يتخذ من دونه وكيلاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي اختص أمته بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير الناس هدياً وأقومهم قيلاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد بعد العهد بتناول أمثال هذه القضية المهمة الخطيرة، وبإذن الله ﵎ -نتيجة لضخامة هذا الموضوع وتشعبه وتوسعه- سنجعل هذه المحاضرة مجرد مدخل يتناول رءوس أقلام في موضوعات شتى، وإن كان كل منها يستحق أن يفرد في محاضرات، فهناك دوافع كثيرة لإحياء بحث هذه القضية والتنبيه إلى حقائقها، منها: بيان حقيقة السلفية، وأنها منهج حياة، وأنها أسلوب في فهم الإسلام وتلقيه، ومنهج عملي في تطبيقه، وبيان أن الانتماء إلى السلفية هو حتم واجب على كل مسلم. السلفية هي منهج لكل مسلم، وليست قضية اختيارية يكون الإنسان مخيراً فيها، نقول هذا وإن كان سلوك بعض من ينتسبون إلى السلفية يرسخ في نفوس العوام أو المخالفين كأنها كيان مبتور من جسد هذه الأمة، بعض الناس يتصور أن السلفية مذهب من المذاهب، أو طائفة منغلقة لها رسومها وأفكارها الخاصة بها. نريد أن نبين أن السلفية منهج حياة، وهي الفهم الصحيح للإسلام، ولا نقول: فهم الإسلام الصحيح؛ لأنه لا يوجد إسلام صحيح وإسلام غير صحيح، إنما الذي يطرأ عليه الصحة أو الخطأ الفهم البشري. وكذلك نريد أن نوضح أن قضية السلفية هي في الحقيقة أعمق مما يتصوره بعض المشنعين حيث زعم أن السلفية سواك، وقميص قصير، ولحية طويلة إلى غير ذلك من هذه الأشياء التي يحاولون أن يبرزوا بها السلفية في هذه القضايا الجزئية. كذلك نريد أن نبين أنه لا تعارض على الإطلاق بين الإسلام وبين السلفية، بعض الناس لا تطيق قلوبهم الإعلام بهذا الانتماء إلى السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فيقولون: لماذا لم نكتف باسم الإسلام؟ ويقولون: الله تعالى قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، وإنما ينشأ هذا لأنه يتصور أن هناك تعارضاً بين التسمي بالإسلام وبين الانتماء إلى السلفية، وفي الحقيقة: العلاقة بين الإسلام وبين السلفية هي عبارة عن علاقة بين العام والخاص، فالاتصاف بالسلفية -أو مرادفاتها من الألقاب الشريفة التي سنذكرها- لا تعارض الإسلام على الإطلاق، بل هو تخصيص بعد تعميم على نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، فهل هناك تعارض بين قوله تعالى: (وملائكته) وقوله: (وجبريل وميكال)؟ كلا، بل هذا عام أتبعه بذكر الخاص. ونريد لكل من يسمع هذا الموضوع أن ينزع من قلبه الحساسية تجاه هذا اللقب، ونحن نعذر كثيراً من الناس لما نشأ عندهم من الحساسية نتيجة أخطاء بعض من ينتسبون إلى السلفية، وهم بشرٌ غير معصومين، يخطئون ويصيبون، فينبغي أن نتحرر من هذه الحساسية، خاصة ونحن نرى جميع الجماعات الإسلامية أو الاتجاهات الإسلامية تتسرف بمحاولة الانتماء إلى المنهج السلفي لكننا نقول: وكلٌ يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك إذ اشتبكت دموع في جفون تبين من بكى ممن تباكى ويقول آخر: إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدموع أم أجفاني لا يقبل مدع بلا برهان فالدعوة سهلة (وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان)، فنريد أن نتعرف على ملامح هذا المنهج حتى نتعرف من هم أحق الناس به، ومن هم أهله على الحقيقة. أقرر -بادئ ذي بدء- أنني لا أوظف هذا المصطلح الشريف ومرادفاته -كأهل السنة والجماعة أو الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة إلخ- خدمة لتجمع بعينه؛ لأن المنهج لا يخدم أحداً، إنما هو مخدوم. ولا أقصد أيضاً أن أوظفه مسوغاً لواقع تجمع معين أو فكرة حزبية؛ لأن المنهج السلفي هو منهج معصوم في حقيقته، فهو يقوم على أصول معصومة، السلفية تقوم على الكتاب والسنة والإجماع، وخاصة إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، المنهج فوق الجميع، أما السلفيون فهم بشر يخطئون ويصيبون، ويجب أن يحاكم كل واحد منهم وفق هذا الميزان الحساس الدقيق, وكل من ينتمي إلى السلفية يجب أن يراجع نفسه وأحواله عن طريق النقد الذاتي، ويزن نفسه بهذا الميزان الذي ذكرنا أنه ميزان معصوم. إذاً: بعبارة أخرى: نحن نريد أن نفرق بين ما نحن عليه من حيث انتمائنا إلى السلفية وبين ما ينبغي أن نكون عليه إذا تشرفنا بهذا الانتماء. أيضاً من الدوافع لتناول هذا الموضوع: أننا لا نبرئ كثيراً ممن ينتمون إلى السلفية من تسرب بعض مظاهر التحزب والتعصب ممن ينتمون إليها، وهم في الحقيقة لا يفهمون كنهها وجوهرها. ومن دوافع الكلام في هذا الموضوع: أن هناك محاولات لتصحيح الانتماء إلى السلفية، وتذويب هذا المصطلح النوعي، وسنشرح إن شاء الله تعالى ما نقصد بكلمة النوعية. من الدوافع: بيان أن السلفية هي الميزان الحساس الذي يقاس به كل الناس بمن فيهم السلفيون، ودرء محاولات فرض الوصاية على المنهج، فهناك بعض الناس يريدون أن يحتكروا الكلام باسم السلفية، ويريدون هم أن يستأثروا بمفاتيح الدخول إلى السلفية، وبعضهم قد يمارس الإرهاب الفكري: وافقني على فهمي وإلا فلست سلفياً! فليس في السلفية صكوك خاصة بها يحتكرها بعض الناس، وإنما السلفية بابها مفتوح على مصراعيه لكل من أراد أن يلج هذا الباب، ويسلك طريق النجاة. أيضاً: من الدوافع أننا نلاحظ وجود تباين شديد بين فئات شتى كلٌ منها ينتسب إلى السلفية، بالرغم من وجود نتوءات شاذة في فهم كثير من هؤلاء السلفيين، حتى رأينا في الحقيقة ثلاثيات وليس ثلاثية واحدة، ولا شك أن هناك منطقة من الخلاف المباح بين تجمعات السلفيين، لكن هناك مفاهيم لا يجوز أن يحصل فيها اختلاف أو تفاوت في الفهم. نريد أيضاً أن نبين أن السلفية أو منهج أهل السنة والجماعة أو الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة أو أهل الحديث إلخ تلك الأسماء هو العلاج الوحيد الناجع الذي يستأصل شأفة الفرقة الواقعة بين المسلمين؛ لأن كلاً منا يقطع بأن جميع مشكلات المسلمين وخلافاتهم ويمكن أن تنقشع فوراً إذا ما عاد إلينا رسول الله ﷺ ليحكم بيننا، لو فرضنا أن الرسول ﷺ خرج إلينا فلا شك أنها ستنقشع الخلافات بين من ينتمون إلى دينه ودعوته وإلى طريقه ﵌. بعض الناس قد يتحسر ويقول: قد مات رسول الله ﵇ ولن يعود إلى الحياة، لكن نقول: لا تأس ولا تحزن؛ لأنه إن كان قبض رسول الله ﷺ فإن الحجة قائمة، وما قبض حتى بين لأمته كل شيء ﵌، وإذا فرض أن النبي ﷺ سيعود إلينا ليحكم بيننا، ويحسم خلافاتنا، ويعالج مشكلاتنا، فهذا ليس في الحقيقة خيالاً، وإنما هو أقرب إلينا جميعاً من حبل الوريد؛ لأن المنهج السلفي الصحيح ومنهج أهل الحديث يفعل ذلك؛ لأنه يوقفنا على موقف رسول الله ﵌ ونصيحته لنا لو عاش حتى أدرك هذا الواقع الذي نعيشه، ولهذا أيضاً مزيد من التفصيل نبينه إن شاء الله تعالى.

стр. 923

أهمية معرفة منهج السلفية وما يلزم من سلكه إذا خرجت مثلاً على الطريق الزراعي فستجد عدة طرق رئيسية، فإذا وقفت على تقاطع الطرق التي كل منها يؤدي إلى عدة مدن رئيسية، فإنك تختار الطريق التي توصلك إلى البلدة التي تقصدها، لكنك لا تضمن وصولك سالماً غانماً إلى الموضع الذي تقصده إلا بمراعاة أمور مهمة جداً أثناء سيرك في الطريق. بعبارة أخرى: نحن نحتاج إلى هدايتين: نحتاج إلى هداية إلى الطريق عند اختيار طريق رئيسي من عدة طرق، ثم نحتاج إلى هداية في الطريق ونحن نسلك هذا الطريق، والنجاة لا يحصلها الإنسان إلا بتحقيق هاتين الهدايتين، فالطرق الرئيسية هي بمثابة الأديان المختلفة سواء أديان سماوية ثم حرفت كاليهودية أو النصرانية أو أديان وضعية كالزرادتشية أو البوذية وغير ذلك من الملل الكفرية، فالهداية إلى الطريق هي الهداية إلى طريق الإسلام ونبذ طرق الكفر، فالإسلام بين الملل: هو الدين الوسط كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. أيضاً: لا بد من معرفة قواعد السير بهذا الطريق وإلا تعرض الإنسان للحوادث، لا بد أن يحترم إشارات المرور، ويعرف أن هناك منحنى خطر، وهناك مكان -مثلاً- مرتفع، وهذه المنطقة مليئة بقطاع الطريق، فينبغي للإنسان أن يحفظ ضوابط السلوك في هذا الطريق، فهناك قواعد للسير في داخل الطريق وهي ضوابط المرور، ويجب أن يكون الإنسان منتبهاً إلى التحذيرات المعلنة على جانبي الطريق، وهي تضمن لك السلامة ما دمت قد راعيتها.

стр. 924

وجوب اتباع الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة والأدلة عليه الهداية هدايتان: هداية إلى الطريق، والهداية إلى الطريق هو طريق الإسلام دون طرق الكفر، ثم هداية في الطريق تحميك من الانحراف في السبل التي يقف على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وهو ما نسميه بالفرق النارية، وكذلك هداية تحميك من الدجاجلة الذين يقفون على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. إذاً: وقف الإسلام وقف عام يشمل كل من دخل في الإسلام، وهم من نسميهم بأهل القبلة، ثم نحن في حاجة إلى وقف آخر مع وقف الإسلام، فلا يمكن للإنسان أن ينال النجاة إلا بالحق الواضح، بأن يكون أولاً مسلماً ثم يكون من أهل السنة والجماعة أو من السلفيين أو من الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة أو أهل الحديث أو من الجماعة أو من السنة أو غير ذلك من الأوصاف، فهذه الألقاب كلها تشير إلى منهج متميز هو الأخذ بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم، وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان. إذاً: لا بد من الاهتمام بنقطة الابتداء، الإنسان عندما يختار طريقاً لا بد أن يكون على بصيرة في اختيار هذا الطريق؛ لأنه إذا أخطأ الطريق منذ البداية فسينفق ردحاً من حياته يتجول ويتلون مع الفرق الضالة، والقاعدة تقول: (إن فساد الانتهاء من فساد الابتداء) ولذلك قالوا: إن من سعادة الحدث والأعجمي إذا أسلم أن يقيض الله له رجلاً من أهل السنة يعلمه السنة ويحمله عليها؛ لأنه بهذا سلم من كثير من العناء، فلو أن رجلاً نصرانياً أسلم على يد شيعي فكم من الجهد والوقت سوف يضيع منه في تعلم مذهب باطل ضال، ثم إذا أراد الله رحمته قيض له من أهل السنة من ينقذه، أيضاً يقول بعض السلف: من سعادة الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها، وهذا كله إشارة إلى أن فساد الانتهاء من فساد الابتداء. دعا بعض الناس فقال: اللهم توفني على الإسلام فقال له عالم: والسنة، أي: اللهم توفني على الكتاب والسنة، وهذا إشارة إلى المعنى الذي سنذكره بأن الإسلام وقف عام، أما السنة فهي وقف خاص، يعني: كأن دائرة أهل القبلة داخلها طوائف شتى، فهي بضع وسبعون دائرة كلها في النار إلا واحدة، وهي الفرقة الناجية التي سوف نبين شأنها. إذاً: يجب اتباع الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وسلف الأمة، فإن كل فرقة ضالة تدعي الكتاب والسنة سواء الخوارج والشيعة وغيرهم، وهكذا عامة الفرق الضالة تتفاخر باتباع الكتاب والسنة، لكن إذا أردت الامتحان والتمييز والتمحيص قل لهم: اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، فهم لا يلتزمون بهذا الضابط وهذا القيد وهو: بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى؛ لأن هذا الضابط هو الذي يسد على الأمة منافذ الانحراف، هل هذا الضابط أتى بدون بينة وبدون دليل؟ كلا، بل هناك كثير من الأدلة عليه، منها: قوله ﵎: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فرض علينا ربنا أن ندعوه بهذا الدعاء على الأقل سبع عشرة مرة في اليوم والليلة، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ثم بين هذا الصراط أنه (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وقد بينهم في آية أخرى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩]. إذاً: من هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم المسلمون أهل السنة والجماعة، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول أيضاً: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بمثل﴾ [البقرة:١٣٧] والسياق في اليهود والنصارى من أهل الكتاب، وتأملوا كلمة (بمثل) فهذه هي السلفية، انظر إلى هذه المثلية ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧] لا هداية إلا بأن تؤمن بمثل ما آمن به الصحابة ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧] ولحكمة بالغة لم يقل الله ﵎: فإن آمنوا بمثل ما آمنت به يا محمد، وهذا فيه إشارة إلى صحة إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويقول ﵎ في شأن الصحابة أيضاً: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، ولم يقل ﵎: وألزمه كلمة التقوى وإنما قال: (وألزمهم كلمة التقوى)، وهذه شهادة من الله للصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنهم هم أهل التوحيد والجماعة. (وكانوا أحق بها) يعني: كانوا أحق من حملها، وأهلاً لتطبيقها؛ وقد شهد الله لهم بالفوز، فيقول ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] ما هو سبيل المؤمنين؟ قطعاً هو سبيل أفضل أمة على الإطلاق، وهي أمة الصحابة؛ لأن الصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء، أفضل أمة بعث فيهم نبي هم الصحابة رضي الله ﵎ عنهم أجمعين (ويتبع غير سبيل المؤمنين) يعني: غير سبيل الصحابة. ويقول تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ َّ﴾ [لقمان:١٥] والصحابة بلا شك هم أعظم من أناب إلى الله بعد الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. ويقول ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] تأملوا هذه الآية: يحينما ذكر الله المهاجرين والأنصار لم يقيد حالهم بالإحسان؛ لأنهم محسنون بطبيعة الحال، أما كل من أتى بعدهم فاشترط فيه أن يكون تابعاً لهم بإحسان، ولم يشترطه في الصحابة، وهذا فيه إشارة إلى أنهم بطبيعة الحال محسنون رضي الله تعالى عنهم أجمعين. بل إن منهج السلف والصحابة رضي الله تعالى عنهم والاقتداء بهم مما أثنى الله به على عباد الرحمن، ففي صفات عباد الرحمن -في آخر سورة الفرقان- يقول تعالى حاكياً لنا دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] ومعنى هذه الآية كما فسرها العلماء: اجعلنا نقتدي بمن سبقنا فنصلح لأن يقتدي بنا من بعدنا، هذا خلاصة الكلام في تفسير هذه الآية، فلا يصير الإنسان إماماً إلا إذا ائتم بالسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم الله تعالى حكى عنهم قولهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ولم يقل (واجعلنا للمتقين أئمة)؛ لأن طريق المتقين واحد، ومعبودهم واحد، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد، فكأنهم إمام واحد لمن بعدهم لا كالأئمة المختلفين، وقال مجاهد: اجعلنا مؤتمين بالمتقين مهتدين بهم، فلا يكون الرجل إماماً حتى يأتم بالمتقين وهم السلف، ومن ائتم بأهل السنة قبله ائتم به من بعده ومن معه. إذاً: يجب الائتمام بالمنهج الذي كانوا عليه، والإمام في الحقيقة هو منهج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، ويدل على ذلك عموم قول النبي ﷺ للصحابة (صلوا كما رأيتموني أصلي) وفي الرواية الأخرى: (صلوا كما تروني، وليأتم بكم من بعدكم) فعموم قوله (وليأتم بكم من بعدكم) لا يقتصر على أحوال الصلاة، وإنما يتعدى إلى كل أمور الدين الأخرى؛ لأن الصحابة هم الذين حملوا إلينا هذا الدين. ومن الأدلة أيضاً: أن الله قص علينا قول الكافرين للصحابة: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] أي: لو كان الإسلام حقاً وخيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء والفقراء، وعلق ابن كثير على هذه المقولة بقوله: أما نحن أهل السنة والجماعة فإننا نرى السلف الصالح رحمهم الله تعالى أولى الناس بكل خير، ونحن لا نقول كما قال هؤلاء: (لو كان خيراً ما سبقونا إليه)، ولكننا نقول في أي شيء لم يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم: لو كان خيراً لسبقونا إليه، فهم أولى الناس بكل خير. أيضاً في الحديث الصحيح في افتراق الأمة يقول ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، وفي رواية: (قيل: ومن هي يا رسول الله؟! قال: هي الجماعة) ومن ألقاب أهل السنة: الجماعة، وفي رواية أخرى: قال: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فلا شك أن هذا الحديث من النصوص الواضحة الدلالة جداً على هذا الضابط، وأنه لا بد من هذا القيد: (الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى ورضي عنهم)، وأنه لا بد أن ينضم إلى اتصافك بالإسلام اتصافك بأن تكون من الفرقة الناجية، وإلا كنت من هذه الفرق النارية أيضاً.

стр. 925

المتبعون للكتاب والسنة على منهج السلف هم الفرقة الناجية من ألقاب الجماعة: الفرقة المنصورة أو الطائفة المنصورة كما قال ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك) وهم الطائفة المنصورة إلى يوم الدين، وقد توارد كلام أئمة العلم في أن المقصود بهم أهل الحديث، وهنا نقطة مهمة جداً وهي: أن أهل الحديث هم أولى الناس بمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسنزيد ذلك بياناً إن شاء الله تعالى. أيضاً قال ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) وفي بعض الروايات زيادة: (ثم الذين يلونه) فدخل فيها القرن الرابع كما سنبين إن شاء الله ﵎، وقال : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فهذا فيه ثناء ومدح للصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والنصوص الواردة في تزكية الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين كثيرة جداً، وهذا باب واسع يحتمل كلاماً أوسع من هذا، لكن نقتصر في آخر هذه الجزئية على قول عبد الله بن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء). وخلاصة الكلام في هذه القضية: أنه كما أن الإسلام قاض وحاكم ومهيمن على سائر الأديان فإن منهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم قاض ومهيمن وحاكم على فرق الإسلام، وكما أن الإسلام وسط بين الأديان فإن أهل السنة هم الوسط بين الفرق الإسلامية، والنجاة: هي بالاقتداء بالصحابة في كل أمور الدين، ابتداء بأعلى شعب الإيمان (لا إله إلا الله) وانتهاء إلى إماطة الأذاء عن الطريق.

стр. 926

افتراق الأمة

стр. 927

سبب الخلاف الموجود في الأمة الاقتصار على حسن النية في التمسك بطريق، بدون أن يكون الإنسان واثقاً من أن طريقه هو طريق الفرقة الناجية، هذا من تلبيس الشيطان، وكل الفرق الموجودة الآن متفقون على أمرين، ومختلفون على أمر واحد، متفقون على حسن النية والغاية وهي: أن ينصروا الإسلام، ولكنهم مختلفون في الطريق التي توصل إلى نصرة هذا الدين؛ فحري بنا أن نتبصر وأن نعي الطريق الذي نسلكه، خاصة أنه مما يحير الإنسان أنهم جميعاً يرفعون شعار الكتاب والسنة، فلماذا الاختلاف؟! والجواب واضح مما تقدم من الكلام على الانحراف في باب المنهج أو العقيدة أو الأصول، وقد كان الانحراف يعامل بمنتهى الشدة من النبي ﷺ والسلف الصالح، مع أن النبي ﵌ كان يلين مع أهل المعاصي كقصة الشاب الذي استأذنه في الزنا، وكذلك قصة الرجل الذي قبل المرأة ونال منها دون فرجها ثم سأل النبي ﷺ ؛ فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وكذلك أيضاً قصة أبي محجن الثقفي، والمواقف الشرعية مع أهل المعاصي فيها لين ورفق. أما أهل البدع فقد اشتد عليهم موقف النبي ﷺ ، وأدل دليل على ذلك هو هذا الحديث الذي ذكرنا آنفاً: (كلها في النار إلا واحدة). وكذلك قصة الرهط الثلاثة الذين قال النبي ﵇ في شأنهم: (فمن رغب عني سنتي فليس مني) فهذا منتهى الشدة. وكذلك شدته على الذين أصروا على الوصال في الصيام، ولو سكتنا عن الانحراف في قضايا الأصول والعقيدة للزم من ذلك أن نخطئ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عندما قتل الخوارج. إذاً: ينبغي أن نستحضر -ونحن نطرق هذا البحث وهذا السبيل- أننا نريد النجاة لأنفسنا، لا تؤملوا أن يرضى الناس عنكم؛ لأن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وإرضاء الله ينبغي أن يكون هو الهدف الوحيد؛ لأن إرضاء الله مقدور ومأمور، وإرضاء الناس ليس بمقدور ولا مأمور، إرضاء الله داخل في قدرة العبد؛ لأن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وكما أنه مقدور فهو مأمور به، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال ﵊: (فعليكم بسنتي) أما إرضاء الناس فهو غير مقدور؛ لأن الفرقة أمر كوني قدري كسائر الشرور التي خلقها الله ولا يرضاها، يقول ﵎: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] إذاً: الافتراق سنة كونية. وجاء في وصف النبي ﵇ في التوراة (ومحمد فرق بين الناس).

стр. 928

المراد بالأمة في حديث الافتراق قول النبي ﵌ (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) لا يمكن أن يقال: إن (أمتي) هنا هي أمة الدعوة، فأمة محمد ﵌ على قسمين: أمة الدعوة التي يوجه إليها الدعوة إلى الإسلام، ويدخل فيها اليهود والنصارى، وكل من على وجه الأرض من يوم بعث النبي ﵌ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهذه كلها أمة محمد بمعنى أنها أمة الدعوة، فمن أجابه ودخل في الإسلام فهو من أمة الإجابة. وأمة الإجابة تنقسم إلى فريقين: الفرق النارية وأهل السنة والجماعة، فالفرق النارية التي توعدها النبي ﵊ بالهلاك في النار، والفرقة الناجية هي فرقة واحدة وهي: أهل السنة والجماعة.

стр. 929

المقصود بافتراق الأمة الافتراق هنا هو الافتراق في أصول الدين، وليس في فروع الدين، إلا إذا تكاثرت المخالفات في الفروع حتى ترتب عليها من هجر الأدلة ما يترتب على الأصل المتبع الذي يتحاكم إليه. إذاً: قوله ﷺ : (تفترق أمتي) المراد الافتراق على أساس أصول الدين، وهذا ملاحظ، فالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية والجبرية والمرجئة كل هذه الفرق الضالة إنما خالفت في الأصول أساساً.

стр. 930

لا يقطع لمن انتمى إلى السنة بجنة ولا نار هنا تنبيه مهم جداً وهو: أننا حين نقول: إن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية وأهل الجنة، فهذا من حيث الأنواع لا من حيث الأعيان. فإنه لا يقطع لمن ينتمي إلى أهل السنة والجماعة بالجنة إلا إذا دل عليه الوحي، وكذلك لا يقطع لمن خالفهم أنه في النار إلا إذا دل الوحي على ذلك، فنحن نتناول هنا الأنواع وليس الأعيان. فباختصار: هذا هو المعنى الكامن وراء تسمية أهل السنة والجماعة بالفرقة الناجية، فحري بالمسلم العاقل ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

стр. 931

الحكمة الكونية من هذا الافتراق قد يرد السؤال ما الحكمة من هذا الافتراق؟ كثير من الناس يتناولون الموضوع بطريقة عاطفية، ويتألمون لافتراق المسلمين وتمزقهم، ويقولون: هلا جعل الله الأمة فرقة واحدة ناجية وتدخل في الجنة؟ نقول: إن الافتراق هذا شر من الشرور، وهو أمر كوني قدري أوجده الله لحكمة، فالأمور الكونية القدرية قد يوجد منها أشياء يبغضها الله ويكرهها، لكن يشاؤها قدراً وكوناً لحكم عظيمة تترتب على ذلك، فالافتراق أمرٌ كوني قدري لكننا أمرنا شرعاً بعلاج هذا الخلاف، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] ولا يزالون مختلفين كما اختلف الناس من أهل الكفر إلى يهود ونصارى، كذلك أهل الإسلام قدر الله وقضى بهذه الفرقة لحكم عظيمة، ولما يترتب على هذا من ألوان العبودية والجهاد في سبيل الله ﵎، فنحن خلقنا للابتلاء، فلا يجوز أن نقول: نقترح على الله أن يجعل المسلمين فرقة واحدة كي لا يتمزق المسلمون وتذهب شوكتهم؟! كل هذا من حكمة الله ، ونحن خلقنا للابتلاء: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:٢]، وقال تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]،) وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فخلق الله نعيم الدنيا لينبهنا إلى نعيم الجنة، وخلط هذا النعيم بالمنغصات لندرك أن الدنيا ليست دار الجزاء ولا دار النعيم، وخلق النار في الدنيا تذكرة ومتاعاً للمقوين، نستدفئ بها ولنتذكر بها نار الآخرة، ونحن الآن في دار الابتلاء، وفي لجنة الامتحان، فالامتحان منعقد، وعواقب أعمالنا محجوبة عنا، ولا تنكشف إلا في الدار الآخرة التي هي دار ظهور النتائج، ومع ذلك زودنا الله بأسباب النجاة والنجاح والفوز العظيم، وأوضح لنا السبيل الذي يوصلنا إلى الجنة دار القرار، وأخذ منا الميثاق حين استخرجنا من صلب آدم ﵇، وفطرنا على التوحيد الخالص، ومنحنا العقول والأسماع والأبصار لنهتدي بها، ومع كل هذا تضمن وتكفل أنه لا يعذب أحداً حتى تقام عليه الحجة الرسالية. والشيطان له أساليب متنوعة لجر الناس إلى النار، وابن القيم له كلام رائع في مدارج السالكين في شرح هذه العقبات السبع التي يحاول الشيطان أن يجر الناس بها إلى النار، فأعظم أمنية يتمناها الشيطان أن يوقع الإنسان في الكفر، فإن عجز ينتقل به إلى البدع، فإن عجز فإلى الكبائر، فإن عجز فإلى الصغائر، فإلى المباحات، فإلى تقديم المفضول على الفاضل. ولو سألنا أي آية في كتاب الله هي أخوف؟ لوجدنا العلماء يختلفون في هذا اختلافاً كثيراً، وربما بعضهم يقول مثلاً هي قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] وبعضهم يقول: هي قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١] لكن قال بعض أهل العلم: أخوف آية في القرآن هي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] يجتهد الرجل في العبادة ما شاء الله أن يجتهد، ثم يفاجأ في يوم القيامة بأنه ليس فقط خاسراً لكنه من الأخسرين أعمالاً، بصيغة (أفعل) التفضيل! (بالأخسرين أعمالاً) فهم أشد الناس خسراناً، والله ﵎ قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] (عاملة ناصبة) كانت تكد وتكدح في العبادة في الدنيا، ومع ذلك انظر إلى مصيرهم في الآخرة! وكما يحرص العبد على حسن صلاته وعبادته، ويحرص على أن يتجنب الخنا والخمر؛ فلا بد أن يحرص على سلوك الصراط المستقيم، يقول تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] هؤلاء الخوارج تقرحت جباههم، وتيبست أقدامهم من شدة الاجتهاد في العبادة، ومع ذلك هم كلاب النار؛ لأنهم انحرفوا في الأصول، وكانوا من الفرق النارية.

стр. 932

تضعيف بعض العلماء لحديث (افتراق الأمة) والرد عليهم عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) هذا الحديث قال فيه الحاكم بعد ما ساق أسانيده: هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح الحديث، ووافقه الذهبي، وقال شيخ الإسلام: هو حديث صحيح مشهور، وصححه الشاطبي في الاعتصام. وبعض العلماء أشار إلى تضعيف زيادة في الحديث وهي (كلها هالكة إلا واحدة) وأيضاً: (ثنتان وسبعون في النار)، وهذا مشهور عن الشوكاني وابن الوزير وابن حزم، بل صديق حسن استحسن قول من قال: إن هذه الزيادة من دسيس الملاحدة، فإن فيها التنفير عن الإسلام، والتخويف من الدخول فيه. إذاً: بعض العلماء نظر إلى متن الحديث فاستنكره، وظن أن هذه الزيادة: (ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة) من دسيس الملاحدة، وإن فيها التنفير عن الإسلام، والتخويف من الدخول فيه. وهذا في الحقيقة ليس صحيحاً فمن ناحية صحة الحديث فالنقد العلمي الحديثي دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها كما بين ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى، والذين صححوا هذا الحديث أكثر وأعلم من ابن حزم رحمه الله تعالى، فلا ينبغي أن يحتج بتضعيفه، فهو معروف في نقد الأحاديث إذا انفرد فكيف وقد خالفه هؤلاء الأئمة، وابن الوزير يرد الحديث من جهة المعنى لا من جهة الإسناد، فذكر أن هذا الحديث يقتضي أن الذي يدخل الجنة من هذه الأمة قليل، والنصوص الصحيحة تدل على أن الداخلين من هذه الأمة الجنة كثير يبلغون شطر أهل الجنة كما صح في الحديث، والرد على هذا من وجوه، منها: ليس معنى انقسام الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة أن يكون أكثر الأمة في النار؛ لأن أكثر الأمة عوام، وهم لم يدخلوا في تلك الفرق، وإنما هم تبع لعلماء أهل السنة، والذين افترقوا وأصلوا وقعدوا مخالفين للسنة هم قليل بالنسبة للذين جانبوا ذلك كله. أيضاً ليس كل من خالف أهل السنة في مسألة من المسائل يعد من الفرق المخالفة للسنة، بل المراد بهم الذين تبنوا أصولاً تجعلهم فرقة مستقلة بنفسها، وتركوا بسبب هذه الأصول كثيراً من نصوص الكتاب والسنة كالخوارج والمعتزلة والرافضة، أما الذين يتبنون الكتاب والسنة، ولا يحيدون عنهما، فإنهم إذا خالفوا في مسألة من المسائل لا يعدون بذلك فرقة من الفرق. بعض الفرق يصل ضلالها إلى حد الكفر، فهؤلاء يكونون خالدين في النار كغلاة الباطنية الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، كالإسماعيلية والدروز والنصيرية ونحوهم، ومن هذه الفرق من خالف أهل السنة في مسائل كبيرة عظيمة لكنها لا تصل إلى الكفر، فهؤلاء ليس لهم وعد مطلق بدخول الجنة، وإنما يكونون تحت المشيئة، إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وقد تكون لبعضهم أعمال صالحة عظيمة تنجيه من النار، فالفعل الذي يستحق صاحبه النار مشروط بحصول شروط وانتفاء موانع، وربما ينجون من النار بشفاعة الشافعين، وقد يدخلون النار فيمكثون فيها ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين ، وهذه إجابة عابرة وسريعة على هذه الشبهة.

стр. 933

فضل السلفيين على الأمة الإسلامية مما يلفت النظر أن ماسنيون المستشرق الفرنسي الشهير الذي كان تابعاً لوزارة الخارجية الفرنسية أخذ تعريفاً عن الحركة السلفية بواسطة الإمام عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء في الجزائر، ثم حذر قومه في فرنسا مما سماه بحركة السلفيين المتشددين، وما هي في حقيقتها إلا انتفاضة إسلامية تبغي التخلص من نار الاستعمار الغربي، فلا شك أنه كان لهذه الحركة دور مشرف في المحافظة على أصالة الأمة الإسلامية؛ لأن المؤامرة كانت في الجزائر موجهة نحو الانتماء الإسلامي للجزائر، ونحو طمس اللغة العربية، فتصدت لذلك هذه الحركة السلفية، وحافظت على هذه الهوية حتى لا تتميع أو تهتز تحت ضربات الغزو الأجنبي، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ظهر فيها السلفيون بهذا المظهر، فقد قاموا بالدفاع عن الإسلام أيام الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام حينما نقل الفكر الغربي واليوناني، فانتقده السلفيون، ورفضوا هذا المنهج، وكان الأمر واضحاً في الدوائر السلفية أكثر من غيرهم. ومن فضل الدعوة السلفية: المحافظة على التوحيد في جوهره النقي، فمنعت السلفية في كل العصور تردي العقيدة الدينية إلى صورة من صور الوثنية، كما هو معلوم ومشاهد. ومفهوم السلفية -كمنهج في الإسلام- لا يعني جيلاً أو أجيالاً مضت كما يزعم بعض الكتاب ممن كتب عنهم، حيث زعم أن السلفية فترة زمنية محددة، وليست مذهباً بعينه، وهذا الكلام ممن لا يفقه معنى السلفية، فالسلفية ليس فيها بعد زمني، ولا تقتصر على جيل أو أجيال مضت، وإنما تتسع دائرة السلفية لتشمل الحاضر والمستقبل أيضاً؛ لأنها لا تتعلق بالعصور والزمن، ولكن باتباع الطريقة الواحدة الثابتة.

стр. 934

فضائل أهل الحديث الألقاب التي تدعى بها السلفية ويعبر بها عنها: أهل السنة، الجماعة، أو أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية. أما بالنسبة لفضائل أصحاب الحديث ففضائلهم كثيرة، ومن أعظم هذه الفضائل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، وليس لأصحاب الحديث إمام سوى رسول الله ﵌. وقال ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) رجح كثير من العلماء أن هذه الطائفة هم أصحاب الحديث، يقول الإمام أحمد: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم. والنبي ﵇ لما سئل عن الفرقة الناجية قال: (ما أنا عليه وأصحابي) فإذا كانت النجاة بمعرفة ما كان عليه هو وأصحابه فلا بد من معرفة ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأن طريق معرفة حال الرسول وأصحابه إما بالمشاهدة، فيلزم أن يكون الإنسان صحابياً أو تابعياً بعد وفاة النبي ﵇، وإما بطريق النقل، فكما أننا نرجع في معرفة اللغة إلى أهل اللغة، ونرجع في النحو إلى أهل النحو، كذلك نرجع في معرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه إلى أهل الحديث والنقل، قال النبي ﵇: (وألا ننازع الأمر أهله) وأولى الناس بمعرفة ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه أهل الحديث قطعاً.

стр. 935

كلام الخطيب البغدادي في مدح أهل الحديث وحتى لا نطيل في هذه الجزئية نكتفي بسرد عبارات للإمام أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى وهو يتكلم عن فضائل أصحاب الحديث يقول: وقد جعل الله تعالى أهله -يعني أهل الحديث- أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث؛ فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول قدوتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهدٍ في قبيلة، ومخصوصٍ بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن. وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم سبيل المتقين، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر إليهم بالسوء حسير، وإن الله على نصرهم لقدير، ثم يقول: فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين؛ لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار؛ في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلاً، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. هذه نبذة من فضائل أصحاب الحديث، وهذا الأمر يحتاج إلى وقت أطول من هذا.

стр. 936

ألقاب أهل الحديث ومصطلحاتهم من الأمور المهمة أن مصطلح السلفية مصطلح نوعي بمعنى: أن كلمة (سلفي) هي عبارة عن عنوان لطائفة كبيرة لها من الصفات والمواقف التي يعبر عنها بكلمة (السلفي)، فكلمة (سلفي) يفترض أنها تعني كثيراً جداً من المعاني التي تتحقق في صاحبها، ومواقف الشخص الذي يتبناها، فالسلفي لا يتصور أبداً أن يوالي الشيعة أو الروافض أو يلبس عليه هذا الأمر؛ لأنه على بصيرة من دينه. والفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فإذا كانت النجاة باتباع الصحابة فكيف يتصور أن يجتمع في قلب مؤمن حب الصحابة مع حب من يلعنون الصحابة ويكفرونهم ويجعلون الاشتغال بلعن أبي بكر وعمر أفضل من التسبيح والحوقلة والتهليل إلى غير ذلك من فضائح الروافض؟! إذاً: كلمة (سلفي) تدل أن صاحبها ليس شيعياً، وليس خارجياً يكفر المسلمين بالمعاصي مثلاً، وليس قدرياً، وليس جهمياً، وليس جبرياً، كلها عبارة عن صفات سلب وإثبات، تثبت له مواقف محددة في قضايا محددة، فلا يكون الإنسان سلفياً إلا إذا تبنى كل هذه الأصول والقواعد بحذافيرها، ولا يشذ في شيء منها خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وأصول الدين. إذاً: كلمة (السلفية) مصطلح نوعي يعكس كثيراً جداً من الصفات والمواقف التي لا بد أن يتبناها هذا الإنسان، ومن لم يتحل بهذه الصفات الإيجابية، ويتخل عن هذه الصفات السلبية؛ فلا يستحق أن يكون سلفياً. هناك ألقاب كثيرة لأهل السنة والجماعة، وأشهرها (السلفية)، وهذا المصطلح لم يكن شائعاً في الصدر الأول، حتى نفس مصطلح أهل السنة والجماعة -بنفس الحروف- لم يكن موجوداً في عهد السلف الأول كما سنبين، وإن كان معناه صحيحاً وموجوداً. وكلمة (أهل السنة والجماعة) لقب شريف تتنازعه ثلاث طوائف: أولاً: أهل الحديث أو السلفيون أو الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة إلى آخره. ثانياً: الأشاعرة. ثالثاً: الماتريدية. وفي الحقيقة أن الأشاعرة والماتريدية -عند الفحص والتمحيص- لا يستحقون هذا الوصف، فنحن مطالبون بأن ننزع عنهم هذا الوصف الشريف، ونخرجهم عنه ليعود لمن هم أحق به وأهله. وبعض الناس -اعتزازاً بهذا المنهج- يتلقبون بلقب أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج لا ينبغي أن يكون مقصوراً على طائفة معينة تماماً كوصف السلفيين، ولذلك أنا ضد عبارة (السلفيين) أو أي عبارة تغذي العصبية والحزبية، بل هذا المنهج يجب على كل المسلمين أن ينتموا إليه، ولا يعبر بهذا المنهج عن طائفة مبتورة من جسد الأمة، كلا، بل السلفية هي قلب الأمة النابض. إذاً: أهل السنة والجماعة لقب لا ينبغي لأحد أن يحتكره؛ لأنه إذا احتكرته طائفة من الناس فبالتالي يترتب على ذلك أن أخطاءهم سيتحملها المنهج نفسه، وهم كبشر سيسلكون مسالك معينة أو يخطئون في قضايا معينة يترتب عليها أمور، ويحدث تولد حساسية عند الناس من هذا الاسم تماماً كما هو حاصل نتيجة أخطاء بعض السلفيين، فينبغي أن يكون المنهج فوق الجميع، ولا يحتكره أحد أبداً للمعاني التي ذكرناها.

стр. 937

فضائل السلفية من الأمور المهمة أن مصطلح السلفية مصطلح نوعي بمعنى: أن كلمة (سلفي) هي عبارة عن عنوان لطائفة كبيرة لها من الصفات والمواقف التي يعبر عنها بكلمة (السلفي)، فكلمة (سلفي) يفترض أنها تعني كثيراً جداً من المعاني التي تتحقق في صاحبها، ومواقف الشخص الذي يتبناها، فالسلفي لا يتصور أبداً أن يوالي الشيعة أو الروافض أو يلبس عليه هذا الأمر؛ لأنه على بصيرة من دينه. والفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فإذا كانت النجاة باتباع الصحابة فكيف يتصور أن يجتمع في قلب مؤمن حب الصحابة مع حب من يلعنون الصحابة ويكفرونهم ويجعلون الاشتغال بلعن أبي بكر وعمر أفضل من التسبيح والحوقلة والتهليل إلى غير ذلك من فضائح الروافض؟! إذاً: كلمة (سلفي) تدل أن صاحبها ليس شيعياً، وليس خارجياً يكفر المسلمين بالمعاصي مثلاً، وليس قدرياً، وليس جهمياً، وليس جبرياً، كلها عبارة عن صفات سلب وإثبات، تثبت له مواقف محددة في قضايا محددة، فلا يكون الإنسان سلفياً إلا إذا تبنى كل هذه الأصول والقواعد بحذافيرها، ولا يشذ في شيء منها خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وأصول الدين. إذاً: كلمة (السلفية) مصطلح نوعي يعكس كثيراً جداً من الصفات والمواقف التي لا بد أن يتبناها هذا الإنسان، ومن لم يتحل بهذه الصفات الإيجابية، ويتخل عن هذه الصفات السلبية؛ فلا يستحق أن يكون سلفياً. هناك ألقاب كثيرة لأهل السنة والجماعة، وأشهرها (السلفية)، وهذا المصطلح لم يكن شائعاً في الصدر الأول، حتى نفس مصطلح أهل السنة والجماعة -بنفس الحروف- لم يكن موجوداً في عهد السلف الأول كما سنبين، وإن كان معناه صحيحاً وموجوداً. وكلمة (أهل السنة والجماعة) لقب شريف تتنازعه ثلاث طوائف: أولاً: أهل الحديث أو السلفيون أو الفرقة الناجية أو الطائفة المنصورة إلى آخره. ثانياً: الأشاعرة. ثالثاً: الماتريدية. وفي الحقيقة أن الأشاعرة والماتريدية -عند الفحص والتمحيص- لا يستحقون هذا الوصف، فنحن مطالبون بأن ننزع عنهم هذا الوصف الشريف، ونخرجهم عنه ليعود لمن هم أحق به وأهله. وبعض الناس -اعتزازاً بهذا المنهج- يتلقبون بلقب أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج لا ينبغي أن يكون مقصوراً على طائفة معينة تماماً كوصف السلفيين، ولذلك أنا ضد عبارة (السلفيين) أو أي عبارة تغذي العصبية والحزبية، بل هذا المنهج يجب على كل المسلمين أن ينتموا إليه، ولا يعبر بهذا المنهج عن طائفة مبتورة من جسد الأمة، كلا، بل السلفية هي قلب الأمة النابض. إذاً: أهل السنة والجماعة لقب لا ينبغي لأحد أن يحتكره؛ لأنه إذا احتكرته طائفة من الناس فبالتالي يترتب على ذلك أن أخطاءهم سيتحملها المنهج نفسه، وهم كبشر سيسلكون مسالك معينة أو يخطئون في قضايا معينة يترتب عليها أمور، ويحدث تولد حساسية عند الناس من هذا الاسم تماماً كما هو حاصل نتيجة أخطاء بعض السلفيين، فينبغي أن يكون المنهج فوق الجميع، ولا يحتكره أحد أبداً للمعاني التي ذكرناها.

стр. 938

حفظ السلفية لتاريخ السلف وتدوينه وحمايته من فضائل السلفية: أنها أعظم منهج يؤدي وظيفة صيانة تاريخ السلف، فهذه من المواقف المهمة جداً عند السلفيين، فهم يحفظون جداً تاريخ السلف، ويدفعون محاولة التشويه لهذا التاريخ من خلال أدق منهج علمي عرفته الأمم كلها، وهو علم الإسناد، الذي يقول فيه مرجوليوت اليهودي المستشرق الخبيث: فليتخذ المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. فعلماء السلفيين وعلماء الحديث هم أعظم وأقوم من ينقش ويصفي هذه الروايات، ليمحص تاريخ السلف من البدع والضلالات والأكاذيب، ومعروف أن أعداء الإسلام لم يفشلوا في أن يطعنوا في النبي ﷺ نفسه، بل تحولوا إلى الطعن في الصحابة؛ لأن الطعن في الصحابة يئول إلى نفس الهدف، وهو طعن الإسلام في الصميم، يقول الإمام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى: إذا رأيت الرجل ينتقد أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق يدعي الإسلام -لكنه في الباطن كافر-، إنهم يريدون أن يجرحوا شهودنا ليعطلوا الكتاب والسنة، وإنما أدى إلينا هذا الكتاب والسنة الصحابة، فلا يجرح الصحابة إلا الزنادقة، من الذي حمل إلينا القرآن؟ الصحابة. من الذي حمل إلينا السنة؟ الصحابة، والشيعة يقولون: ارتد الصحابة عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ إلا خمسة! هذا ذبح للإسلام، هذا الذي يريده أعداء الدين من الشيعة والروافض عن طريق الطعن في تاريخ الأكابر كـ أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار. في ترجمة أبي الأحوص سلام بن سليم وكان ثقة صاحب سنة، أنه كان إذا امتلأت الدار من أصحاب الحديث قال لابنه الأحوص: يا بني! قم فمن رأيته يشتم أحداً من الصحابة فأخرجه، ما يجيء بكم إلينا؟! يأمر ابنه أن يخرج أي واحد تلبس بشتم أحد الصحابة، وأن يطرده من المجلس ويقول: ما يجيء بكم إلينا؟! ليس هذا مكانكم. إذاً: صيانة تاريخ السلف وظيفة مهمة جداً، وبالذات ما يتعلق بالفتنة التي وقعت بين الصحابة ﵃، ولعل من أفضل الكتب في هذا (العواصم من القواصم) للقاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى، وهذا عنوان يحتاج إلى كثير جداً من التفاصيل، ودور السلفية في صيانة التاريخ الإسلامي سواء في عهد البعثة أو عهد الخلفاء الراشدين أو من تلا ذلك؛ لا شك أن هذا الدور مهم جداً.

стр. 939

عقائد السلفية هي عقائد جميع الأئمة عقيدة السلفيين هي عقيدة الأئمة كلهم من عهد الصحابة إلى عهد التابعين وتابعي التابعين، وهي عقيدة أئمة السلف كلهم بمن فيهم الأئمة الأربعة. والنماذج كثيرة جداً، وهذا بحث مستقل في موقف الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السلف في قضايا العقيدة، وهو بحث طويل جداً لا يمكن أن نتناوله الآن في هذه اللحظات، لكن نقف عند قصة الإمام أحمد ﵀، ولماذا الإمام أحمد بالذات يوصف بالإجماع بأنه إمام أهل السنة؟ لماذا كل من كان أشعرياً أو في أي فرقة ضالة، ثم تاب وأراد أن ينزه نفسه من البدعة والضلالة يتشرف بالانتساب إلى المنهج السلفي، ويعلن أنه اتخذ الإمام أحمد إماماً وقدوة، ويقول بقول الإمام أحمد؟ فمثلاً: الإمام الأشعري نفسه في كتابه الإبانة وغيرهما من كتبه التي رجع فيها إلى منهج السلف رحمه الله تعالى، قال بكل صراحة: إنني على ما كان عليه الإمام المبجل أحمد بن حنبل، فإنه ناصر السنة، وإنه الرئيس الكامل، والإمام الفاضل إلخ عباراته. فكل من أراد أن يعلن انتماءه للسلفية ينتمي إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين نقلوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعاً عند أهل السنة والجماعة، وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولاً، بل إن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة، هذا هو السر في هذا الأمر، فـ الشافعي ومالك وغيرهما ماتوا قبل الإمام أحمد، والإمام أحمد عاش بعدهم وتعرض للمحنة المعروفة، وهي القول: بخلق القرآن، وصمد أعظم صمود، فلذلك كافأته الأمة بإطلاق لقب (إمام أهل السنة) عليه، وهذا تعبير عن العرفان بجميل الإمام أحمد، وبفضله في صيانة هذا المذهب، وصيانة هذا المنهج، فهذا هو السر. مع أنه في تخريج الأحاديث تلاحظون المحدث يقول: رواه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد، فلا يذكر هذا لغيره إلا قليلاً، فأغلب المخرجين يحفظون له هذا اللقب، وهذا تعبير عن الولاء للإمام أحمد والاعتراف بفضله في صبره على المحنة. يقول شيخ الإسلام: فإن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة، وثبت الإمام أحمد على ذلك الأمر؛ فصار إماماً من أئمة السنة، وعلماً من أعلامها؛ لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لصحيح إسنادها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأياً. إذاً: هذا هو السر في حرص السلفيين في كل عصر على الانتماء إلى الإمام أحمد بالذات في أصول العقيدة، ولذلك هناك عبارة مشكورة بالنسبة لعلاقة المذاهب الأربعة بالمنهج السلفي، يقولون: المذهب لـ مالك والشافعي والظهور لـ أحمد، يعني الظهور والشهرة حصلت للإمام أحمد للسبب الذي ذكرناه.

стр. 940

السلفية أصلها ثابت وفرعها في السماء السلفية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، عميقة الجذور، جذورها متغلغلة تصل إلى عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ما الذي يثبت هذا المنهج؟ الذي يثبته علم الإسناد وعلم الحديث؛ لأن الإسناد بالنسبة للسلفية هو شريان الحياة، وهو سر أصالتها وثباتها، والتمكين للدين لا يكون إلا على منهاج النبوة كما في الحديث: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها) إلى أن تدرج النبي ﵇ في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية إلى أن قال في النهاية: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة). إذاً: لن تعود الخلافة إلا على منهاج النبوة، كيف نتعرف على منهاج النبوة؟ إن منهاج النبوة يدرك إما بالمعاينة -وهذا متحقق لمن صحب النبي ﷺ وعايشه- وإما بالرواية وهي مهمة أصحاب الحديث، فأولى الناس بالنبي ﷺ وبمعرفة هديه هم أصحاب الحديث، ولذلك نحن نقول: إن هذه العقيدة عقيدة مسندة، لا توجد قضية واحدة من قضايا العقيدة إلا وهي مسندة إلى أصلها وجذورها، مسنده إلى الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين، وهذا يدل على أهمية دراسة العقيدة من الكتب المسندة، إذا أردنا أن نتعلم العقيدة تعلماً صحيحاً فعلينا أن نرجع إلى الكتب المسندة التي ألفت في القرون الأولى كصحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود وغيره من أهل السنن، وكتب السنة والسنة فيها بمعنى: العقيدة -وغيرها من كتب أصول الدين ككتاب السنة لـ أحمد ولـ ابن أبي عاصم والإبانة لـ ابن بطة وعشرات الكتب التي ألفت في الصدر الأول، ودونت المذهب السلفي، وأثبتته بأسانيده. فالمذهب السلفي في الحقيقة ليس مذهب الإمام أحمد ولا الشافعي ولا مالك، بداية المذهب السلفي يوم أن نزل جبريل على النبي ﷺ في غار حراء بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] هذا هو المذهب السلفي باختصار شديد، ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما كان يحاج مخالفيه والمشنعين عليه يقول لهم: أنا أمهلكم عشر سنين، ابحثوا وفتشوا وائتوني بأي قول مما قلته لم يقله السلف الصالح رحمهم الله تعالى، أخرجوا أي شيء من كلامي يخالف ما كان عليه السلف، ولم يستجب أحد منهم لهذا التحدي.

стр. 941

السلفية هي الإسلام السلفية هي منهج الخيرية، وهذه ليست دعوة مجردة عن الدليل، إنما هي دعوة مسندة، وهي أقوى ما نفحم به كل من خالف المنهج السلفي، هناك محاولات لقطع السلفية عن جذورها الحية، وقطع هذا الشريان الممتد والضارب إلى أعماق التاريخي الإسلامي، ومن هذه المحاولات محاولة نسبة المذهب السلفي إلى الإمام أحمد بن حنبل أو نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أو نسبته إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فنقول: نحن لسنا تيميين، ولسنا وهابيين كما يدعوننا، هذه في الحقيقة مغالطة، صحيح أن الإمام أحمد له خصيصة، وأنه لقب بإمام أهل السنة، بل نقول: لو قدر أن ابن تيمية لم يخلق أصلاً، ولو قدر أن محمد بن عبد الوهاب لم يخلق، ولو قدر أن الإمام أحمد لم يخلق، فهل كان سيضيع المنهج السلفي؟ ما كان ليضيع أبداً؛ لأنه هو الإسلام الصافي في جوهره الأصيل، هؤلاء المجددون كل الذي فعلوه أنهم نفضوا الغبار عن هذا المنهج، لكنهم لم يبتدعوا ولم ينشئوا مذهباً، إنما ضبط ابن تيمية المنهج وحرر قواعده، وأصلها ولم يخترع شيئاً في دين الله ﵎. التشنيع على هذا المنهج بالافتراءات الظالمة هدفها قطع جذور هذا المنهج، أحد المعاصرين له كتاب اسمه: تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد، وأنا أعجب من صاحب هذا الكتاب، فهو يذكر الفرق والمذاهب السياسية المتفشية ويقول: التعريف الإجمالي آثارهم فرقهم المبادئ التي تجمعهم اختلافهم ومناقشتهم إلخ، ثم ذكر الجبرية، القدرية، المعتزلة، الأشاعرة، ثم وضع في ضمن الفرق: السلفية وقال: السلفيون، ثم يقول: ونقصد بالسلفيين أولئك الذين نحلوا أنفسهم ذلك الوقت، وسنناقش بعض آرائهم من حيث كونها مذهب السلف، وقد ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من الحنابلة، وزعموا بأن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيا عقيدة السلف، وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري، فأحياه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري إلى آخره، وقد ذكر جميع الفرق وقال مني كل فرقة: مذاهبهم آراؤهم أما عند ذكر السلفيين فانظر إلى العنوان الرئيسي في الصفحة حيث يقول: منهاج هؤلاء السلفيين! يعني: توتر في العبارة، وابتعد عن الإنصاف، لماذا بالذات عند ذكر السلفيين تقول: منهاج هؤلاء السلفيين؟ ثم انظر هذه الجملة التي هي في الحقيقة سهم الأقربين، وهي وسام شرف على صدر السلفيين يقول: علمنا أن المعتزلة نهجوا في بيان العقيدة الإسلامية منهجاً فلسفياً قبسوه من منطق اليونان ومن طرائق الفلاسفة في الجدل والمناظرة، وقد كان الدفاع عن الإسلام باعثاً لهم لأن ينهجوا ذلك المنهج -كأنه يدافع عن المعتزلة في سلوكهم هذا المنهج- وجاراهم في ذلك المنهاج الفلسفي الأشاعرة والماتريدية -وأيضاً الأشاعرة تلطخوا بالفلسفة والماتريدية كذلك-، وهؤلاء الأخيرون قاربوهم في أكثر ما انتهوا إليه من النتائج، وإن ناقشوهم على الأساس، ولقد جاء أولئك السلفيون فخالفوا ذلك المنهاج! انظر إلى المصيبة! السلفيون خالفوا ذلك المنهاج ورفضوا الفلسفة والمنطق اليوناني، ورفضوا علم الكلام، ما جريمة السلفيين؟! وهذا من باب (شهد شاهد من أهلها)، قال: جاء أولئك السلفيون فخالفوا ذلك المنهاج، وأرادوا -انظر يا لهول ما قال! - أن تعود دراسة العقائد إلى ما كانت عليه في عهد الصحابة والتابعين، -أنا أنقل إليكم من الكتاب دون واسطة- فلا يأخذونها إلا من الكتاب والسنة، فيأخذون من القرآن أصل العقيدة، والدليل الذي بنيت عليه العقيدة، ويمنعون العلماء من أن يفكروا في أدلة القرآن. وإذا كان الباقلاني قد سوغ لنفسه أن يقيد السلفيون الناس بأدلة الأشعري فأولى ثم أولى أن يقيدوا الناس بأدلة القرآن، وفي الحقيقة من أراد أن يمدح المنهج السلفي فلن يجد أعظم من هذا الاقتباس كي يمدح به هذا المنهج العظيم. وبعدما أفاض في الكلام، قال في آخره: مذاهب حديثة! يعني: هذه الفرق التي مضت هي المذاهب القديمة، والآن يتكلم عن المذاهب الحديثة، فتكلم على ثلاثة مذاهب، وقرن السلفيين بمذاهب حديثة فقال: الوهابية البهائية القاديانية! فانظر كيف يصل التوتر والتعصب إلى حد أن يدرج السلفيين ويقرنهم بالبهائية والقاديانية، ويسميهم: الوهابيين! نكتفي بهذا الاقتباس للتعبير عن نموذج من نماذج التشنيع على السلفية بالافتراءات الظالمة، وبالألقاب المنفرة.

стр. 942

تحقيق السلفيين للولاء والبراء قضية الولاء والبراء أكثر القضايا أدلة بعد قضية التوحيد، وأشد الناس حفاظاً على مفاهيم الولاء والبراء هم العلماء السلفيون، فموقفهم صارم من قضية التشبه بالكفار، وتذويب الهوية الإسلامية، ولعل أبرع وأنفس كتاب ألف في ذلك هو اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى أن الغماري -رغم عداوته الشديدة لـ ابن تيمية، وشتمه له في كل كتبه عندما يذكر هذا الكتاب لا يملك نفسه من الإعجاب بـ شيخ الإسلام، حتى إنه لا يذكر اسمه وإنما يكنيه فيقول: قال أبو العباس يعني بذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية؛ تكريماً له وإعجاباً بكتابه هذا. السلفي يتصدى لمحاولة تمييع الإسلام، وتقسيمه إلى قشر ولب، كما يفعل بعض الناس ويقول لك: أنا متمسك بروح النصوص، وهم -علم الله- لا يرضيهم إلا إزهاق روح هذه النصوص! السلفيون هم الذين يقومون بالتصدي للغزو الفكري الدخيل، يقول المستشرق شاتليه: إذا أردتم أن تغزو الإسلام، وتخمدوا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم؛ فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم. وهذا هو الانتماء إلى منهج السلف والإعجاب به، الآن الطلاب يدرسون حضارة الغرب، ويحفظون سير مفكريهم وتاريخهم؛ حتى تقطع الصلة بشريان الحياة -الذي هو الاعتزاز بهذا المجد- الذي يمثل القمة بالنسبة إلينا، والذي حققه السلف الصالح، يقول هذا المستشرق: عليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية، بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم، وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، حتى ولو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها.

стр. 943

صيانة الهوية الإسلامية من الذوبان من فضائل السلفية صيانة الهوية الإسلامية من الذوبان، لم يحافظ أحد على الإطلاق على الهوية الإسلامية مثلما حافظ عليها المنهج السلفي، فالسلفية هي أشرف نسب ينتسب إليه الإنسان، أشرف نسب لمن أدى حق هذا الانتساب، فإن خير الهدي هدي محمد ﵌، والنبي ﵊ يقول: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، وقال أيضاً: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، والله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، وأولى الناس بكل هذه النصوص هم من حققوا وصف السلفية. وعوام الناس عندما يتفاخرون بالنسب فأشرف نسب على الإطلاق قطعاً هو الانتساب إلى آل بيت النبي ﵌، لكن لا بد أن يضم إلى شرف الانتساب لآل البيت شرف الانتساب إلى منهج النبي ﵌، فـ أبو لهب مات كافراً وهو عم النبي ﵊: لقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب كان شريفاً لكن لم يغن عنه نسبه شيئاً، فأشرف نسب هو الانتساب إلى النبي ﵌. أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا الفخر لأهل الحديث الذين هم أقرب الناس وأولى الناس بالنبي ﵌. يقول ﵊: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) من أجل ذلك فالسلفي الحق لا يُعرف إطلاقاً بما يسمى الآن بأزمة الهوية والانتماء، هذه الأزمة التي يشيع الكلام عنها الآن، ونرى آثارها في الشوارع الآن، نرى الشباب الذي يرفع علم أمريكا ويفتخر به، وهو في الحقيقة يفتخر بالذي يغل رقبته ويغل أمته! تحدث بعض الشباب الذين كانوا يلبسون البرنيطة مع الأستاذ الشيخ محمد المجذوب فقال له: يا بني! اخلع عنك هذه البرنيطة، فقال: لا أخلعها حتى تأتيني بحجة مقنعة، فقال: إن هذه البرنيطة هي رمز الذين أذلوا أمتك، وامتهنوا كبرياءك! هذه هي الحجة القاطعة! الآن يوجد فرع مكدونال هنا بجوارنا في نادي سموحة، ومكدونالد هذا يعني الاستعمار بالسندوتشات فإنه سيأكلها الناس في القاهرة، وعندما افتتحوا أول فرع له حضر الافتتاح السفير الأمريكي بجلالة قدره! فعلى أية حال، أزمة الهوية وأزمة الانتماء لا يمكن أبداً أن يقع فيها السلفي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: روينا عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما أنه سأل ابن عباس: (أأنت على ملة علي أو على ملة عثمان؟ فقال: لست على ملة علي ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله ﷺ . الإمام مالك كان يحدث أصحابه يوماً فقص عليهم قصة رجل كان يحتضر فقال له بعض الحاضرين: أنت تموت على ملة من؟ فقال: أموت على ملة فلان! شيخ له أو زعيم، فعلق الإمام مالك بعد ما روى القصة وقال: يدع المشئوم ملة محمد ﷺ ويقول: أموت على ملة فلان! فالسلفي لا يمكن أبداً أن ينتسب إلى غير محمد ﵌.

стр. 944

قاعدة: السنة هي الأصل والبدعة طارئة عليها من الأمور المهمة التي نحتاج إلى ذكرها وهي في غاية الأهمية: أن السنة هي الأصل، أما البدع فهي طارئة عليها، يعني: إذا استتبعنا تاريخ ظهور البدع نعرف أن البدع تأخرت إلى أواخر عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وتصدى الصحابة لهذه البدع، فبعض الناس قد يسأل: منذ متى بدأ المنهج السلفي؟ ما هي بداية تاريخ أهل السنة والجماعة؟ متى ظهرت هذه الفرقة بهذا الاسم؟ عندما نتناول لقباً شريفاً كلقب أهل السنة والجماعة فإننا نعنى بالبحث عن نشأته أو بداية التميز باسم أهل السنة والجماعة كدلالة على اتجاه معين واعتقاد متميز، لكن لا نسأل أبداً عن تاريخ بداية مذهب أهل السنة والجماعة أو المنهج السلفي، ولا يصح أبداً السؤال عن بدايته ومتى بدأ؟ كل فرقة يصح أن تسأل عنها: متى بدأت؟ ومن أسسها؟ إلا أهل السنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وطريقتهم -أي: أهل السنة- هي دين الإسلام. إذاًً: كلمة أهل السنة والجماعة هي الإسلام، يعني: أن هذا الشخص من أهل السنة أنه مسلم خال من البدع والضلالات التي شاعت في الفرق، فهذا يدل على أن التميز باسم أهل السنة والجماعة حصل عندما حدث الافتراق الذي أخبر به النبي ﷺ ؛ لأنه قبل ظهور الفرق لم يكن ظهر شيء من تلك المصطلحات مثل التسنن أو التشيع، كان الإسلام والمسلمون هم الاسم وهم المسمى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] أما تحديد بداية هذا التميز فيقول الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله تعالى: كان المسلمون على ما كان عليه رسول الله من الهدى ودين الحق الموافق للصحيح المنقول، والصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ووقعت الفتنة واقتتل المسلمون بصفين؛ مرقت مارقة الخوارج التي قال فيها النبي ﷺ : (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق) وكان مروقها لما حكم الحكمان، وافترق الناس على غير اتفاق، فهذا أول صدع في وحدة العقيدة في الجماعة المسلمة، فحركة الخوارج تعتبر أقدم انشقاق ديني حدث في صفوف الأمة. ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعة التشيع، وتصدى لهم الصحابة، فمثلاً: السبابة الذين كانوا يسبون أبا بكر وعمر لما بلغ ذلك علياً رضي الله تعالى عنه طلب ابن السوداء الذي تكلم بهذا الكلام وقيل: إنه أراد قتله، فهرب، وهو رأس الشيعة الذين غلوا وادعوا في علي الألوهية، وادعوا أن النبي ﵊ نص على إمامته، وجمعوا إلى ذلك سب أبي بكر وعمر وقد عاتب أمير المؤمنين علي ﵁ الخوارج وقاتلهم، أما مبتدعة الشيعة الذين زعموا فيه الألوهية فأمر بإحراقهم وقال في البيت المعروف: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا أما المفضلة الذين كانوا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر فروي عنه أنه قال: (لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد الفرية)، وتواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر). وفي بداية الأمر الابتداع لما ظهر لم يكن في الغالبية العظمى والقاعدة العريضة من المسلمين الذين التزموا بالسنة والجماعة، وكانوا غير محتاجين للتميز بهذا اللقب؛ لأنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، فما احتاجوا إلى التميز باسم من الأسماء، ثم طرأت بعد ذلك الفرق الضالة المنحرفة، فالأصل ليس بحاجة إلى ما يميزه، إنما الذي يحتاج لاسم يميزه هو الفرع المنشق الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل. أحد الأئمة الأذكياء دخل على أحد الخلفاء وعنده أحد الرافضة مقدماً ومعظماً فقال له: يا أمير المؤمنين! كيف تقرب الرافضة وقد سرقوا نعل رسول الله ﷺ ؟! فانبرى له ذلك الرافضي فقال: لا تصدقه يا أمير المؤمنين! فإن الشيعة لم يكونوا على عهد رسول الله ﷺ ، فقال ذلك العالم: هذا ما كنا نبغي، أن تعترف بلسانك أنكم فرقة طارئة على الأصل، فرقة طارئة يمكن تحديد بدايتها، ومن الذي أسسها، أما أهل السنة والجماعة فلا يحتاجون إلى السؤال عن بداية المذهب أو متى نشأ، بدايته لما نزل جبريل في ليلة القدر في غار حراء على النبي ﵌. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 945

السلفية منهج ملزم لكل مسلم [٢] منهج أهل السنة والجماعة منهج قديم، لم يبتكر في عصر من العصور لا اسماً ولا رسماً، فتعلقه دائماً ملصق بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله، وبما أجمع عليه سلف الأمة، وساروا عليه، ولهذا المنهج مزايا وخصائص ميزته عن سائر الفرق، وجعلته دائم الثبات في كل العصور.

стр. 946

بداية التسمي باسم أهل السنة والجماعة الحمد لله الذي جعل اتباع رسوله على محبته دليلاً، وأوضح طرق الهداية لمن شاء أن يتخذ إليه سبيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد مخلص لم يتخذ من دونه وكيلاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اختص أمته بأنه لا تزال فيها طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير الناس هدياً وأقومهم قيلاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. سئل الإمام مالك عن أهل السنة فقال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي ولا قدري ولا رافضي. يقول الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله تعالى: إن أهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، والسؤال عن نشأة أهل السنة والجماعة سؤال ليس له موضع كما هو الحال إذا تساءلنا عن منشأ الفرق الأخرى، ولذلك الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى افتتح كتابه القيم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) بذكر أئمة السنة الذين ترسموا بالإمامة بعد رسول الله ﷺ ، فبدأ بذكر أبي بكر، ثم الخلفاء الثلاثة بعد أبي بكر، وبقية أهل العلم والدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى زمنه ﵀، وقد ذكر كثيراً من أئمة أهل السنة في معظم الأمصار الإسلامية. وقال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وبداية التميز بين أهل السنة وغيرهم هي الفتنة التي وقعت في آخر عهد عثمان رضي الله تعالى عنه. إذاً: خلاصة الكلام في هذه النقطة: السؤال عن نشأة مذهب أهل السنة كما يسأل عن نشأة سائر الفرق لا مكان له ولا محل له؛ لأن مذهبهم هو مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ ، لكن السؤال ينبغي أن يوجه إلى بداية التسمي بهذا الاسم؛ لا نشأة المسمى وهو المذهب وأهله، فمن الخطأ أن يخلط بين الأمرين، فبداية بروز الاسم غير بداية هذا المنهج. فالأصل في التسمي بأهل السنة هو ما ورد من النصوص التي تأمرنا باتباع السنة وبلزوم الجماعة، فالتسمية مأثورة في السنة، وواردة في كلام السلف، أما بداية التسمي بهذا الاسم فهذا يعني أمراً آخر؛ لأن بعض الناس يخلط بين بداية التسمية وبين نشأة المسمى وهو المذهب وأهله، حتى رأينا من يتحدث عن السنة كأنها فرقة أو طائفة طارئة في الإسلام كسائر الفرق الأخرى التي انشقت عنها. فمثلاً: الدكتور مصطفى الشكعا يزعم أن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة تسمية متأخرة يرجع تاريخها إلى حوالى القرن السابع الهجري، أي: بعد الإمام أحمد بأربعة قرون؛ وهذا كلام لا يثبت أمام التحقيق العلمي كما بينا؛ وإنما كلما هبت أعاصير البدع تجلى وشاع التميز لأهل السنة بسبب جهود علمائهم في المنافحة عن هذه السنة، وهناك رسالة بعث بها إلى المأمون نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي يكتب تقريراً للمأمون يتكلم عن الإمام أحمد ومن معه، فيقول: ونسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة، فواضح أن الاصطلاح كان بارزاً جداً في تلك المرحلة. والعلاقة بين كلمة (أهل السنة) وبين كلمة (الجماعة) كالعلاقة بين الإسلام والإيمان، يعني: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ إذا ورد واحد منهما في النص فإنه يشمل المعنيين، وإذا اجتمعا في نص واحد افترقا، فيقال: أهل السنة والجماعة، فمعنى السنة: الاعتقاد الحق؛ والجماعة: أهل الاعتقاد الحق، فإذا قلت: الجماعة فقط، ففي هذه الحالة فإنها تجمع الاعتقاد الحق وأصحابه، وإذا قلت: السنة فقط، فإنها تجمع الاعتقاد الحق وأصحابه، فإذا اجتمعا معاً افترقا في المعنى، فدل كل لفظ على معناه الخاص به.

стр. 947

خصائص أهل السنة والجماعة

стр. 948

من خصائص المنهج السلفي: شيوع الاستدلال بالآيات والأحاديث من خصائص المنهج السلفي الضبط الدقيق للعلاقة بين العقل والنقل، وهذا بحث كبير جداً لا نستطيع أن نوفيه حقه، لكن هذه من خصائصهم على سبيل الاختصار: الضبط الدقيق للعلاقة بين العقل والنقل. رفض التأويل الكلامي. كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث. يبين الدكتور الأشقر حفظه الله تعالى في كتابه: (العقيدة في الله) أن هذه الخصلة ينبغي أن تشيع وتنتشر بين السلفيين، وهي: موضوع شيوع الاستدلال بنصوص القرآن والسنة، فهي التي ترطب القلب: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وتلينه من قساوته. والحقيقة -وللأسف الشديد- أنه يشيع بين كثير من السلفيين مفهوم مؤلم جداً، وهو أنهم أحياناً ينزلقون إلى أساليب المتكلمين عند الاستدلال، يعني: نحن نذم الكلام والفلسفة ثم نكتب أحياناً بأساليب المتكلمين! ولعلكم تلاحظون هذا في بعض الكتب كشرح العقيدة الطحاوية، مثل مسألة التسلسل والدور ونحو هذا الكلام الكلامي الذي يتعذر على كثير من العقول فهمه؛ لأنه غير موافق للمنهج السلفي؛ وهذه الأساليب الكلامية الخالية من القرآن والسنة هي التي تجفف وتنشف القلوب، وهناك عبارة نطق بها بعض الدعاة -وهو ينتقد بعض كتب العقيدة- فقال: إن هذه النصوص فيها جفاف، ولا يمكن أن يظن بواحد من عوام المسلمين وجهلتهم أنه يقصد أن نصوص القرآن والسنة جافة، وأقل قدر من حسن الظن يقتضي أن تحمل هذه الكلمة على أنه لا يقصد القرآن والسنة، فإن هذا كفر، ولا تليق بعامي من عوام المسلمين، ولذلك بعض الناس أساءوا فهم هذه العبارة، وظلموا صاحبها ظلماً بيناً. الذي يسبب الجفاف في القلب -وهو الذي نتكلم فيه- هو الوقوف مع ضوابط العقيدة، وتناولها بأسلوب كلامي متناقض تماماً مع منهج السلف، حتى إن بعض الدعاة أراد انتقاد السلفيين يوماً فكان مما قال: إن السلفيين يعتمدون في تناول العقيدة على علم الكلام؛ وذلك من كثرة ما شاع في الكتب من علم الكلام وأسلوب أهل الكلام في تناول قضايا العقيدة، حتى إن هذا الشخص الجاهل بحقيقة المنهج السلفي شنع على السلفيين بأنهم أهل كلام، فالسلفية تقوم أساساً على محاربة أهل الكلام والفلسفة، الإمام الشافعي ﵀ يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، وينادى: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة إلى ما عداهما أو كما قال ﵀. فإذاً: السلفية تتميز بمحاربة علم الكلام، وتبديع أهله، وهجرهم وذمهم، والمشكلة أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كان يناظر هذه الفرق كلها، فاستلزم الأمر أن يقاتلهم بأسلحتهم في كثير جداً من الأحيان، فبعض السلفيين يأخذ من شيخ الإسلام مثل هذه الأساليب في حين أنهم ليسوا في وضع مثل وضع شيخ الإسلام، حتى إن طلبة العلم الصغار يتدارسون هذه القواعد، وهذا خطأ، فهذه فرض كفاية على طائفة معينة من المتخصصين، أما أن نجعل الأصل هو تناول العقيدة بطريقة كلامية فهذا لا يمكن، وهذا هو الذي أحوج شرح الطحاوية إلى كثير من الاختصار لكي يحرر من هذه النصوص الجافة، ونعني بها أساليب علم الكلام التي تؤثر على قلوب الناس، والتي تقسي القلب وتجففه. فالسلفية قائمة على نبذ الفلسفة، ونبذ علم الكلام، يقول بعض العلماء: يا أيها الرجل الذي هو جاهد في الفلسفة ماذا يروقك من تعلمها وأكثرها سفه فالفلسفة أو علم الكلام كلاهما مرفوض تماماً، ولا يجوز أبداً أن يسمى علم العقيدة أو مسائل الإيمان أو التوحيد بعلم الكلام، هذا نوع من العدوان، والشيخ الجديع في كتابه: العقيدة السلفية في كلام رب البرية له كلام رائع في الرد على من يسمون العقيدة بعلم الكلام.

стр. 949

من خصائص المنهج السلفي: أنه وسط بين الفرق من خصائص السلفية أنها المنهج الوسط بين الفرق، كما أن الإسلام وسط بين الأديان؛ في كل قضية من قضايا العقيدة تجد السلفية وسط، في قضايا الكفر والإيمان هم وسط بين إفراط الخوارج وتفريط المرجئة، في مسألة القضاء والقدر هم وسط بين المرجئة وبين القدرية، وهكذا في عامة قضايا الإيمان نجد أن مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب السلف وسط بين هؤلاء الفرق النارية، كما أن الإسلام وسط بين الأديان. ومن هنا نضع تعريفاً للمتطرف؛ فالمتطرف: هو الذي يأخذ بأطراف الأمور، فيتطرف إلى الغلو أو الجفاء. يقول الشاعر: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً والخلاف في تعريف كلمة المتطرف ناشئ عن تحديد ما هو الوسط؟ نحن نقطع جزماً أن الوسطية والاعتدال هو ما كان عليه النبي ﷺ ، وأن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فهذا هو الوسط، فكل من حاد عنه يمنةً أو يسرةً فهو متطرف، من حلق لحيته فهو متطرف؛ لأنه انحرف عن هديه ﵊، ومن صافح النساء فهو متطرف؛ لأنه خالف هدي النبي ﵊ وأمره. إذاً: المتطرف هو كل من ليس مسلماًَ من أهل السنة والجماعة، (كل من ليس مسلماً) يعني: كل يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي، كل من ليس مسلماً فهو متطرف، فلا تصدقوا ما تسمعونه في نشرات الأخبار: قام بعض المتطرفين اليهود بفعل كذا وكذا، فكل يهودي متطرف؛ لأنه ليس من الأمة الوسط الذين هم أهل الاعتدال. كذلك: كل مسلم ليس من أهل السنة والجماعة فهو أيضاً متطرف من حيث بعده عن منهج السلف. يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والافتراق، والآن كلما ازددت ارتباطاً بأصول السلف الصالح زاد حظك من وصف التطرف، فهذا هو التطرف عندهم! إن كان الاقتداء بالنبي ﵊ تطرفاً فليشهد الثقلان بأني متطرف، إذا كان التمسك بالإسلام تطرفاً -قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف:١٧٠]- فنحن متطرفون قطعاً، لكن في الحقيقة المتطرف: هو من حاد عن الإسلام أو عن منهج أهل السنة والجماعة؛ لذلك كلما زاد ارتباطك بالأصول زاد قدر الأعداء، بعض الجماعات المتسيبة تفرح عندما يصفها بعض الصحفيين العلمانيين أو أعداء الإسلام بأنها جماعة معتدلة، وهذا الوصف منهم لا يشرف في الحقيقة، فيجب عليها أن تراجع منهجها، وتراجع أصولها، يغازلون هذا الجماعات بأنها معتدلة، فلماذا السلفيون -عندهم- متطرفون؟ لأنهم يتمسكون بالفهم الصحيح للإسلام. السلفية هي دعوة العلم والبصيرة، موقف السلفية من العلم الصحيح مشهور، يهتمون بالتحقيق واتباع الدليل، وهذه القضايا كلها موقف السلفيين منها معروف ومشهور لا نفيض في ذكره.

стр. 950

من خصائص المنهج السلفي: أنه عاصم من الحيرة والتلون من خصائص السلفية ما يعبر عنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، السلفية عاصمة من الحيرة والتلون، وهي سبب من أسباب الثبات على الدين، فالسلفي هو من حفظه الله وعصمه، ومن نشأ على المنهج السلفي فقد وفر كثيراً من عمره، أما غير السلفي فدائماً يتلون: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فالسلفي الحق لا يتلون، تعطيه السلفية نوعاً من الثبات، الثبات على المنهج، والوضوح في الانتماء، فطريق السلفية غالباً طريق في اتجاه واحد، قد يرتد بعض الناس لا عن السلفية فقط لكن عن الإسلام كله والعياذ بالله! هذا وارد، لكن القاعدة أنه طريق ذو اتجاه واحد، من مشى فيه لا يرجع إلى الوراء، مثال ذلك: ما جاء في حديث هرقل لما قال لـ أبي سفيان: (وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، قال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب). ولذلك لا تجدون أبداً عالماً سلفياً يرتد ويرجع إلى الأشعرية أو الاعتزال أو مذهب الخوارج أو غيره، لكن نجد كثيراً جداً من رءوس هذه الفرق يهديهم الله إلى الحق، ويلحقون بقافلة السلفيين، والأمثلة كثيرة جداً، وأشهرها على الإطلاق الإمام أبو الحسن الأشعري الذي مر بمرحلة الاعتزال، ثم مرحلة التأويل -وهو المذهب الشائع الآن- ثم بمرحلة التزام المنهج السلفي. ووالد إمام الحرمين عبد الله بن يوسف أبو محمد الواسطي الشافعي ألف رسالة يقول فيها: كنت برهة من الدهر متحيراً في مسألة الصفات والفوقية والكلام في القرآن الكريم، وكنت متحيراً في كذا وكذا، وحكى رحلته مع المنهج، وأنه كان في حيرة وتردد وصراع نفسي ما بين هذا الكلام الذي تعلمه في هذا المذهب غير السلفي وبين نصوص القرآن والسنة، إلى أن هداه الله ، وصار من أئمة أهل السنة، وله رسالة ينصح الناس فيها ويدعوهم إلى مذهب السلف. ويوجد كتاب: التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار، ألفه الشيخ الإمام عماد الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي وفي كتاب آخر غير هذا الكتاب حكى فيه قصة اهتدائه على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو كلام في غاية الروعة في الحقيقة. هذه النماذج تدل على أن السلفية عصمة من الحيرة والتلون، فالذي ينشأ على المنهج السلفي لا يتلون، بينما تجد جماعة التكفير والخوارج الجدد، يتنقل أحدهم من فرقة إلى فرقة، والفرقة يحصل فيها انشطارات داخلية، فتنقسم الفرقة الواحدة إلى فرقتين، ويكفر بعضهم بعضاً، وقد يقاتل بعضهم بعضاً! وهكذا. فمن طبيعة المنهج السلفي أنه يجمع، فهذا من خواصه الكامنة فيه، فالمنهج السلفي منهج تجميع، ولذلك دائماً تقترن السنة بالجماعة (أهل السنة والجماعة) السنة في مقابلة أهل البدع، والجماعة في مقابلة الافتراق، الحق واحد، أما الباطل فكثير، والقرآن دائماً يأتي بالنور مفرداً وبالظلمات جمعاً، والنبي ﵊ قال: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً -ثم ذكر العلاج- فعليكم بسنتي)، فالسنة هي علاج الفرقة. وهنا تجربة واحدة أشير إليها باختصار، وهي تجربة الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى وعفا عنه: الإمام الغزالي تجول في كثير من المناهج المنحرفة والضالة، أمضى معظم عمره في التجول والبحث عن الحق في هذه الفرق، وللأسف الشديد لم ينتبه إلى منهج النجاة الحقيقي -وهو منهج أهل السنة والجماعة والمنهج السلفي- إلا في آخر عمره، وحاول أن يكفر عما مضى بأن ينهل ما استطاع من القرآن والسنة، حتى أنه مات وصحيح الإمام البخاري على صدره! فالإمام الغزالي يعتبر تجربة فريدة تستحق أن تدرس؛ ليتبين فضيلة المنهج السلفي، وكيف أن من أراد الله به خيراً يئول حاله في النهاية إلى الندم على ما مضى، وإلى الانتقال إلى المذهب السلفي، ومن الرسائل التي تناولت تجربة الغزالي كتاب الأخ عبد الرحمن دمشقية: أبو حامد الغزالي وكتابه إحياء علوم الدين، أو أبو حامد الغزالي والتصوف، وهذه الرسالة سبق أن درسناها منذ زمن. وهذه مقارنة بين الغزالي وابن تيمية كتبها رجل هو من أخبر الناس بتراث ابن تيمية وهو الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى، يقول: لا شك أن الغزالي وابن تيمية من أكبر علماء هذه الأمة، وهما من الرجال الذين ملئوا الدنيا، وشغلوا الناس، فقد أحب كلاً منهما فريق من المسلمين، حتى وصلوا في محبته إلى درجة التعصب، والواقع أنني لا أقصد بالمقارنة بين شخصية وآراء الرجلين مجرد المتعة الذهنية، بل إنني أقصد بذلك الموازنة والمفاضلة بين أكبر تيارين فكريين يؤثران على المسلمين حتى أيامنا هذه، فـ الغزالي يمثل التيار الأشعري الصوفي، وابن تيمية يمثل التيار السني السلفي، ولكل من التيارين أنصاره ورجاله، إلى أن يقول الدكتور رحمه الله تعالى عبارة قوية جداً يقول: ولن أحاول أن أدعي حيازاً كاذباً بين الاتجاهين، بل إنني أحدد موقفي بوضوح فأقول: إنني أعتقد أن نهضة المسلمين وانبعاثهم من رقدتهم وغفوتهم إنما تتوقف إلى حد كبير على مدى أخذهم بهذا التيار السلفي السني، أخذاً قائماً على الفهم والدراسة والعلم والعمل بالعلم، لا أخذاً قائماً على التعصب الفارغ والحماسة العاطفية. ثم يختم بنصيحة رائعة جداً يقول: فليحرص المسلمون على بداية أبنائهم، وتنقية ثقافة شبابهم؛ حتى نعود إلى أصالتنا، ونتحرر من الآثار المدمرة للغزو الفكري الدخيل القديم والحديث. انظر إلى كلمة: (على بداية أبنائهم) فهو ينبه على أن البداية مهمة جداً، ومن رحمة الله أن يقيض لك أهل السنة والجماعة عند نقطة البداية. ونماذج الحيرة والتلون بسبب البعد عن المنهج السلفي كثيرة، وكثير من أهل الكلام كـ الرازي والجويني وعامة علماء الكلام ندموا بعدما أنفقوا عمرهم في لا شيء. الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى -وهو من أفاضل علماء السلفيين المعاصرين، ومن علماء أنصار السنة- كان له قصة مع السلفية، فهو أراد أن يقدم دراسة عليا ينتقد فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال له أستاذه: ما وجدت أحداً أعفش -هذه عبارته- من ابن تيمية حتى تقدم فيه دراسة؟ قال له: أنا أعمل دراسة حتى أبين عفاشته! وأنا لا أدري هل هي كلمة فصيحة أم لا؟! لكن هذا هو اللفظ الذي سمعته، فذهب إلى الشيخ محمد منير آغا الدمشقي رحمه الله تعالى، وكان عالماً سلفياً، وكانت عنده مكتبة قيمة جداً، فشرح له مراده، فالشيخ محمد منير آغا تلطف بالدكتور خليل هراس ﵀، وما اشتد عليه، مع أنه قال: أنا أريد أن أبين عورات منهج ابن تيمية، وكان عنده فراسة وبصيرة، فماذا فعل؟ وفر للدكتور خليل هراس رحمه الله تعالى كتب شيخ الإسلام فأخذ ينهل منها وينهل، وإذا به ينتهي بالبحث المشهور المتداول الذي اسمه: ابن تيمية السلفي، وقد كان عنوان بحثه: ابن تيمية ليس سلفياً، فتحولت الرسالة إلى: ابن تيمية السلفي، فأصبح مدافعاً عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
следующие страницы →