Полный текст (235 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
حكم إعذار عوام أهل الأهواء والبدع بالجهل
السؤال
هل يعذر عوام الصوفية وعباد القبور وعوام الروافض بالجهل؟
الجواب
أظن أن العوام في العصر الحاضر قد بلغتهم الدعوة، فمن بلغتهم الدعوة وبلغتهم الحجة وبلغهم القرآن والسنة فلا يعذرون، إنما الذي يعذر في هذا من لم تبلغه الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد بعث الرسول، وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، وقال ﵊ في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، فمن قامت عليه الحجة وبلغه الدليل لا يكون معذوراً، ولا يشترط فهم الحجة، بل يكفي بلوغ الحجة، أن يعرف أن هذا دليل على هذا الشيء، لكن قال بعض أهل العلم: إنه لو وجد بعض الناس ممن اشتبه عليه الأمر ولبس عليه الحق ولم يعرف الحق بسبب تغطية الحق عليه وسيطرة أهل الضلال وأهل الشرك عليه، حتى أفهموه أن هذا الباطل هو الحق، فإنه يكون حكمه حكم أهل الفترة، ويكون أمره إلى الله ، ولكنه إذا مات على هذه الحالة، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم ولا يدعى له وعلى كل حال فإن من بلغته الدعوة وبلغه القرآن وبلغته السنة، وعلم أن هذا الأمر محرم لا يكون معذوراً، والآن بلغت دعوة الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، لكن كون بعض المشركين يصم أذنه عن سماع الحق ولا يقبل الحق ويرد الحق ليس عذراً له، فيجب على الإنسان أن يتعرف على الحق ويطلب الحق ويسأل عن الحق ويسأل عن دينه، فكما أنه يسعى في أمور دنياه في كسبه ومعاشه وبيعه وشرائه، كذلك يجب عليه أن يتعلم دينه، وأن يسأل عما أشكل عليه، وأن يبحث عن الحق، وإذا كان لا يعرف الحق فهو معذور، وإذا كان يستطيع أن يعرف الحق ويستطيع أن يسأل فلم يسأل فلا يكون معذوراً.
стр. 108
كيفية التعامل مع الرافضي
السؤال
كيف تكون معاملة الرافضي؟
الجواب
إذا كان لا يظهر معتقده الفاسد ويظهر الإسلام، فإنه يعامل معاملة المسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: تكثر الزندقة في الروافض.
والنبي ﷺ كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، فإذا كان هذا الشخص يظهر الإسلام ولا يظهر معتقده وكفره وضلاله فيعامل معاملة المسلمين، فإذا أظهر كفره ونفاقه فإن الإنسان يتبرأ منه، ولا يتخذه صديقاً ولا معاشراً، وتكون معاملته له من جهة العمل للضرورة، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين معاملة المسلمين، كـ عبد الله بن أبي وغيره من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق.
стр. 109
حكم من قال: إن العمل شرط كمال في الإيمان وحكم متابعته
السؤال
يعتبر العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ ممن جدد علم الحديث ونشر السنة، وكان شوكة في حلوق أهل البدع، ولكنه ﵀ أخطأ وغلط في مسألة الإيمان، حيث وافق المرجئة حينما قال: إن العمل شرط كمال وليس ركنه جزءاً من أجزاء الإيمان، فهل من قال هذا الكلام صحيح؟ وهل يتابع الشيخ، ويقال: إنه حجتي عند الله؛ فإن طلاب الشيخ إذا ناقشناهم قالوا هذا الكلام، وزعموا أن الشيخ أعرف بمذهب السلف؟
الجواب
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ محدث، وله اليد الطولى في الحديث، فقد خدم السنة خدمة عظيمة، نسأل الله أن يغفر له ويرحمه، لكنه ليس بمعصوم، فإذا كان قال: إن العمل خارج من مسمى الإيمان فقد وافق أبا حنيفة وأصحابه، وأبو حنيفة إمام من الأئمة، وسبق أن الخلاف بينه وبين أهل السنة خلاف لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة، إنما الخلاف الذي يترتب عليه فساد في العقيدة خلاف الجهمية المرجئة المحضة، أما مرجئة الفقهاء فإنهم من أهل السنة وإن كانوا خالفوا في هذه المسألة، وهم من أهل العلم والدين كما قال المؤلف أبو عبيد ﵀، ولكنهم غلطوا وأخطئوا في أمر يكون فيه اشتباه، لكن المصيبة في مذهب الجهمية.
فالمقصود أن الشيخ الألباني ومن هو أكبر منه غلط في هذا، ومن غلط يترحم عليه ويدعى له بالمغفرة، ولا يتبع في الغلط، وكل إمام من الإئمة يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ويقول: إذا قلت قولاً يخالف قول رسول الله ﷺ فخذوا بقول رسول الله واضربوا بقولي عرض الحائط، قال هذا أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك، وكلهم يغلطون وكلهم يخطئون، وليس هناك أحد لا يخطئ، فإذا غلط العالم أو الكبير فإنه يترحم عليه ويدعى له ويلتمس له العذر، والخطأ مردود عليه ولا يتبع فيه، وإنما يتبع القول الصواب والقول الصحيح الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والحق أحق أن يتبع، ويجب على طلابه -إذا كان الشيخ قد قال هذا الكلام- ألا يتبعوه في هذا، وأن يقبلوا الحق، والسلف والأئمة العلماء كانوا يرجعون عن الخطأ، فهذا عمر بن الخطاب الخليفة الراشد ﵁ جاءه الإخوة الأشقاء في مسألة المشتركة، وهي: زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء، فقسم الميراث على ما في كتاب الله، وأعطى الزوج النصف والأم السدس، والباقي للإخوة للأم، ولم يعط الإخوة الأشقاء شيئاً، ثم حدثت هذه المسألة بعد مدة نحو سنتين، فجاءوا فأشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! إنك قضيت فيما مضى ولم تشرك الإخوة، فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي.
أي: تبين له الحق فرجع إليه، والإمام أحمد ﵀ قد يكون له في المسألة سبع روايات، حيث يتبين له الحق فيقول بهذا القول، والإمام الشافعي له قولان: قول جديد وقول قديم، قول قديم في العراق، والقول الجديد في مصر، ومازال العلماء يرجعون عن الخطأ وعن القول الذي يتبين لهم أنه خطأ في الفروع وفي الأصول، وليس هناك أحد معصوم إلا رسول الله ﷺ ، فهو معصوم فيما يبلغ عن الله، ومعصوم من الشرك ومن الكبائر، أما غيره فليس هناك أحد معصوم، لا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ولا من هو أكبر منه.
وكان الصحابة يرد بعضهم على بعض، وقد يغلطون في بعض المسائل، فهذه فاطمة بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة غلطت، وذلك حين جاءت إلى أبي بكر بعد موت النبي ﷺ وقالت: أعطني ميراثي من النبي ﷺ ، فقال لها: إن النبي ﷺ قال: (نحن -معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركناه صدقة)، وروى هذا الحديث عدد من الصحابة، ولكنها لم تقنع ﵂، وولت وهجرت أبا بكر حتى توفيت بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر، فهي غلطت، والصواب مع أبي بكر، وليست معصومة وهي سيدة نساء أهل الجنة، وعائشة ﵂ لما حصل الخلاف بين علي ﵁ والخلاف بينه وبين معاوية جاءت ومعها طلحة والزبير تطالب بدم عثمان، وخطب عمار بن ياسر الناس وقال: (إنها أم المؤمنين أمكم، وهي زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وإن الله ابتلاكم بها)، فهي غلطت وأخطأت، والحق مع علي ﵁، فليس هناك أحد لا يغلط ولا يخطئ، فإذا غلط الشيخ ناصر الدين الألباني في هذه المسألة أو غلط من هو أكبر منه فالحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة.
стр. 110
حقيقة نزاع المرجئة لأهل السنة في الإيمان
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام: فإن المرجئة لا تنازع في أن الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة ويقتضي ذلك، والطاعة من ثمراته ونتائجه، لكنها تنازع هل يستلزم الطاعة؟
الجواب
يعني أن المرجئة لا ينازعون في أن التصديق الذي في القلب يقتضي العمل ويدعو إلى العمل، لكنهم ينازعون في كون العمل جزءاً من الإيمان.
стр. 111
موقف الألباني من إرجاء الفقهاء
السؤال
من قال: إن الألباني يخرج العمل عن مسمى الإيمان فقد افترى على الشيخ؛ لأنه ذكر في كتابه: (الذب عن مسند الإمام أحمد) أنه يبرأ إلى الله من كل من ينسب إليه هذا القول، وقال: إنه قال بخلافه، أي أن العمل من مسمى الإيمان، فما قولكم في هذا؟
الجواب
نحن لا نقول: إنه قال بهذا أو ما قال بهذا، فإذا ثبت أنه قال: إن العمل ليس من الإيمان فقد غلط، وإن ثبت أنه قال: إن العمل من الإيمان فقد أصاب، ولا يهمنا الشخص، بل يهمنا الحق، فندور مع الحق حيث دار، وعندنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ نعمل بهما، سواء قال به فلان أو لم يقل به فلان، فالحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق والواجب على المسلم اتباع الحق واتباع الدليل، سواء قال به الشيخ الألباني أو لم يقل به، أو قال به غيره ممن هو أكبر منه، فإذا كان لم يقل بهذا فالحمد لله، وهذا هو الذي نريد، وإن كان قال: إن العمل ليس من الإيمان فقد غلط، ونسأل الله لنا وله المغفرة والرحمة.
стр. 112
التلازم بين الظاهر والباطن في أعمال الكفر
السؤال
جاء عن شيخ الإسلام قوله في مجموع الفتاوى: فكيف يقال: يلزم من السجود لشيء عبادته، وقد قال النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها)، ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمراً أحداً أن يعبد.
وقال في موضع آخر: أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله وحده، وهو في غيره ممتنع باطل، وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذ أمرنا الله أن نسجد له، ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير طاعة لله ، وإذا أحب أن نعظم من سجدنا له ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البته فعله، فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة له وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم، وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام.
وقال في موضوع آخر في الصارم المسلول: إن من سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
ألا يمكن من هذين النصين أن نستفيد أن التلازم بين الظاهر والباطن فيه تفصيل، فمرة يكون التلازم لازماً إذا كانت الدلالة قطعية تدل على التلازم في الساب لله والرسول، ولا يلزم هذا التلازم إذا لم يكن هناك دليل، كمن حال دون كفره شبهة أو تأويل؟
الجواب
مقتضى كلامه أن عمل القلب والظاهر قد يكون فيه تلازم وقد لا يكون فيه تلازم، لكن المرجئة يقولون: لابد من التلازم في كل شيء، ويفهم من كلام الشيخ ﵀ أن الإقرار لله بالربوبية والقنوت لا يكون إلا لله، أما السجود فهو يختلف باختلاف الشرائع، ففي شريعة آدم لما خلق الله آدم أمر الملائكة فسجدوا له، والسجود عبادة لله، وفيه تكريم لآدم، والسجود في شريعة يوسف ﵇ تحية وليس عبادة، وفي شريعتنا صار عبادة، وهكذا.
يختلف باختلاف الشرائع.
فالمقصود أن هناك فرقاً، لكن في شريعتنا إذا سجد شخص لغير الله فإنه يكون مشركاً؛ لأن الله حرم هذا، وهذه الشريعة أكمل الشرائع.
فالمؤلف ﵀ يفرق ويقول: إن الإقرار بالربوبية والقنوت والخضوع لا يكون إلا لله، في كل وقت وفي كل زمان وفي كل شريعة، أما السجود فيكون في بعض الشرائع تحية، وفي بعض الشرائع يكون عبادة، ففي شريعة يوسف لم يكن عبادة، وإنما كان تحية وإكراماً، وحينما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان عبادة لله وتكريماً لآدم، وفي شريعتنا الكاملة صار السجود عبادة.
أما التلازم بين القلب والظاهر فلا يلزم التلازم، والمرجئة يقولون: يلزم التلازم، فعندهم لا يكون كافراً بالعمل إلا إذا اعتقد بالقلب، ونقول: هذا باطل؛ لأنه قد يكون هناك تلازم في بعض الأعمال وقد لا يكون هناك تلازم، فقول المرجئة: إن السجود للصنم لا يكون كفراً إلا إذا اعتقد بقلبه، ولا يكون كفراً إذا سب الله ورسوله إلا إذا اعتقد بقلبه، قول باطل، ولهذا نقل المؤلف ﵀ أن من سب الله وسب رسوله فهو كافر، سواء اعتقد بقلبه أو لم يعتقد بقلبه، وقال: إن هذا هو قول الفقهاء قاطبة.
стр. 113
حكم القبور في المساجد
السؤال
من المعلوم أنه لا يجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، ولكن المسجد النبوي يوجد فيه قبر النبي ﷺ وصاحبيه، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك) وهذا النهي يقتضي الفساد، ولهذا أقر أهل العلم بأنه لا تصح الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، وأنه إذا وجد قبر في مسجد ينظر فإن كان المسجد هو السابق فإنه ينبش القبر ويوضع في القبور، وإن كان القبر هو السابق هدم المسجد وبني في مكان آخر، فلا يجوز دفن الأموات في القبور، ولا يجوز بناء المساجد على القبور، وإذا نظرنا إلى قبر النبي ﷺ نجد أنه لا ينطبق عليه هذا ولا هذا؛ لأن مسجد النبي ﷺ لم يبن على القبر، ولم يدفن النبي ﷺ في المسجد، ولكن النبي ﷺ دفن في بيته والبيت خارج المسجد، ولكن لما أراد الوليد بن عبد الملك في آخر القرن الأول أن يوسع المسجد وسع المسجد وأدخل البيت كله وفيه ثلاثة قبور: قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر، فهذا غلط من الوليد بن عبد الملك، فكون الوليد بن عبد الملك غلط وأدخل في التوسعة البيت كله في المسجد لا يدل على أن النبي ﷺ دفن في المسجد، وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن مدفوناً في المسجد، ولا أن مسجده مبني على القبر.
стр. 114
وجه القول بأن الإيمان عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح
السؤال
هل يستقيم المعنى لو قلنا: إن الإيمان هو عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح، فعمل القلب اعتقاده، وعمل اللسان نطقه وإقراره، وعمل الجوارح الأداء؟
الجواب
هذا قاله الإمام أبو عبيد، واستدل على أن قول اللسان يسمى عملاً، وقال: إن اعتقاد القلب يسمى عملاً، وقول اللسان يسمى عملاً، وأعمال الجوارح تسمى عملاً، استدل على هذا باللغة وبالنصوص.
стр. 115
زيادة اليقين بزيادة الإيمان
السؤال
هل اليقين يزيد كما يزيد الإيمان؟
الجواب
إذا زاد اليقين زاد الإيمان، فاليقين من الإيمان، فزيادة اليقين زيادة في الإيمان، فقوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] يعني: ليزداد إيماني.
أما المرجئة فيقولون في قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤] أي: ليزدادوا يقيناً، لكن المؤلف ﵀ رد عليهم بقوله: اليقين من الإيمان، فإذا زاد اليقين زاد الإيمان، وإذا نقص اليقين نقص الإيمان؛ لأن اليقين من الإيمان.
стр. 116
معنى قول أبي عبيد: (قد أحاطوه باليقين من قولهم)
السؤال
لم يتبين لي قول المؤلف: (قد أحاطوه باليقين من قولهم) فعلى ماذا يعود الضمير في (أحاطوه)؟
الجواب
( قد أحاطوه) يعني: استكمل الإيمان واليقين في قلوبهم؛ لأن اليقين من الإيمان، فإذا كانوا أحاطوه في اليقين من قلوبهم فكيف يزدادون يقيناً وقد كمل وأحيط به.
وقوله: (من قولهم) يعني: قولهم: إن الإيمان هو الإقرار.
стр. 117
سبب ذهاب المرجئة إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه
السؤال
لماذا ذهب المرجئة إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وهل يلزم من القول بزيادة الإيمان ونقصانه أن تدخل الأعمال في مسمى الإيمان؟
الجواب
نعم؛ لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، لكن لو كان معه عمل لزاد ونقص بزيادة العمل ونقصه، أما مجرد التصديق فهو شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.
стр. 118
الفرق بين زواج المتعة وزواج المسيار
السؤال
ما حكم من تزوج متعة، وما الفرق بينه وبين المسيار، مع أن أغلب أهل العلم في العالم الإسلامي لا يجيزون المسيار، إلا بعض العلماء في المملكة؟
الجواب
زواج المتعة محرم بالإجماع، وهو منسوخ بالإجماع، ومن تزوج متعة فإنه زان والعياذ بالله، وهو أن يتزوج امرأة لمدة أسبوع أو شهر أو شهرين، ويكتب ذلك في العقد، أما زواج المسيار فمعناه أن يتزوج امرأة ويشترط عليها أن تسقط شيئاً من حقوقها، فبعض النساء تكون محتاجة إلى أن تجلس مع والديها فتقول: أنا أرضى بك وأتزوجك ولو لم يكن لي ليلة، فمتى رأيت أن تأتي أتيت، فهي أسقطت حقها كما أسقطت سودة أم المؤمنين ﵂ حقها في المبيت، وذلك لما شعرت بأن النبي ﷺ سيطلقها، فوهبت ليلتها لـ عائشة، وكذلك لو أن امرأة أسقطت عن زوجها النفقة، أو كانت تنفق عليه؛ لأنها غنية، فالنفقة في الأصل على الرجل، فإذا أسقطت عنه سقطت، فمادام أنه عقد صحيح بولي وشاهدي عدل، وكان برضاها وهو كفء لها، فلا إشكال، فكيف يُشَبَّه بزواج المتعة؟! فهو لا يتزوجها شهراً أو شهرين أو سنة، وإنما يتزوجها زواجاً شرعياً بولي وشاهدي عدل، لكن إذا رجعت عن ذلك رجعت لها ليلتها.
стр. 119
حكم الصلاة في المساجد التي بها مشاهد وهمية
السؤال
هناك بعض المساجد فيها مشاهد باسم الأولياء وليس فيها قبر، فهل تجوز الصلاة فيها؟
الجواب
نعم، وإذا كانت تعبد ويطاف بها فلا تجوز، ولو كان ما فيها شيئاً موهوماً.
стр. 120
حكم الزواج بنية الطلاق
السؤال
ما حكم الزواج بنية الطلاق؟
الجواب
فيه خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من أجازه وقال: إنه قد ينوي ولكن لا ينفذ هذه النية، والنية ليس عليها معول، وإنما المعول على العقد، ومنهم من منعه وقال: إنه لو علم الولي أو علمت الزوجة بنية الطلاق لما قبلت الزواج ولما قبل وليها، فلذلك لا يصح، وليراجع السائل المغني لـ ابن قدامة وغيره من كتب أهل العلم، وأظن أن هناك فتوى للجنة الدائمة أو فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، والشيخ الدكتور صالح المنصور له رسالة خاصة في الزواج بنية الطلاق.
стр. 121
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٠]
مخالطة أهل البدع مضرة للدين، ولذا كان السلف يحذرون من مخالطتهم ومجالستهم، ومن أهل البدع الضالة من ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة، والحق أنه مؤمن ناقص الإيمان فاسق بمعصيته.
стр. 122
تحذير السلف من مجالسة أهل الإرجاء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولاً بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالسهم.
قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة: (إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار: قوم يقولون: الإيمان قول وإن زنى وإن سرق، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان، قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر) قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة].
عقد المؤلف ﵀ هذا الباب لبيان الآثار الواردة عن السلف والصحابة والتابعين فمن بعدهم في عيب المرجئة وذمهم والنهي عن مجالستهم، وهم الذين يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل، أي: قول القلب وتصديقه وإقراره بلا عمل، وأن أعمال الجوارح وأعمال القلوب لا تدخل في مسمى الإيمان، ثم ذكر أثر حذيفة ﵁ قال: [إني لأعرف أهل دينين أهل ذينك الدينين في النار: قوم يقولون: الإيمان قول وإن زنى وإن سرق]، يعني: المرجئة يقولون: إيمان العاصي كامل مثل إيمان المطيع، سواء بسواء.
قوله: [وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان.
قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر، قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة، قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة] هذا الأثر فيه بعض السقط، لكن كأنه يقول: إن حذيفة ﵁ عقد مقارنة بين المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بالقلب وتصديق بالقلب ولا ينقص الإيمان ولو زنى ولو سرق، وبين من يقول: الصلاة الواجبة صلاتان في اليوم والليلة لا خمس صلوات؛ وإنما هما صلاة المغرب وصلاة الفجر، أو صلاة العشاء وصلاة الفجر فقط، فهذا دليل على ذم المرجئة وعيبهم، وأن مذهبهم مذهب مذموم.
فمن أنكر وجوب الصلوات الخمس فإنه يكفر والعياذ بالله، ومن قال: لا يجب في اليوم والليلة إلا صلاتان فقد كفر، ومن قال: إن الإيمان قول والأعمال مطلوبة لا يكفر، لكنه قرن بهؤلاء في الذم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبذلك وصفهم ابن عمر أيضاً.
قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: (صنفان ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية)].
هذا -أيضاً- فيه ذم المرجئة، والحديث موقوف على ابن عمر لكنه ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف من جهة حفظه، لكن المرجئة لا شك أن مذهبهم مذموم من جهة أنه خالف النصوص، وكذلك القدرية الذين يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لهم، ولم يقدرها الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة].
هذا فيه ذم الشهادة والإرجاء والبراءة، وهذا الأثر يقول المحشي فيه: إسناده إلى سلمة بن كهيل صحيح، وهو من صفوة التابعين.
فـ أبو البختري والضحاك وميسرة أجمعوا على بدعية هذه الأمور الثلاث: الشهادة والإرجاء والبراء، أي: الشهادة على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر بدون العلم بما ختم الله له، ويحتمل أن المراد الشهادة لمؤمن معين بالجنة، إلا لمن شهدت له النصوص، فكون الإنسان يشهد على شخص معين بأنه من أهل النار بدون دليل وبدون علم بما ختم الله به بدعة، أما من علم أن الله ختم له بالنار -كـ أبي جهل وأبي لهب - فإنه يشهد عليه بالنار، ويحتمل أن المراد الشهادة لمؤمن معين بالجنة، وإنما يشهد للمؤمنين بالعموم، فيقال: كل المؤمنين في الجنة، أما فلان بن فلان فلا يشهد له بالجنة، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، إلا من شهدت له النصوص، كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين، وكذلك بلال وابن عمر، وعكاشة بن محصن.
فالقول بأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان بدعة وإرجاء، لكن المرجئة طائفتان: الأولى: المرجئة المحضة، يقولون: الأعمال ليست من الإيمان وليست مطلوبة.
والثانية: مرجئة الفقهاء، يقولون: الأعمال مطلوبة ولكنها ليست من الإيمان.
قوله: [والبراءة بدعة] لعل المراد بالبراءة البراءة من أبي بكر وعمر كما تقول الروافض، يقولون: لا ولاء إلا بالبراء.
أي: لا يتولى أهل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، فعندهم لا يتولى المرء علياً إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر، وهذا باطل، بل أهل السنة يتولون الجميع، يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأهل البيت جميعاً، وينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها بالإنصاف والعدل لا بالهوى والتعصب، فقول الروافض: لا ولاء إلا بالبراء، ولا يتولى أحد أهل البيت ولا يتولى أحد علياً إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر بدعة وباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أعز على أهلها من هذا الإرجاء].
هذا فيه ذم الإرجاء؛ لأنه سمي بدعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: دخل فلان -قد سماه إسماعيل، ولكن تركت اسمه أنا- على جندب بن عبد الله البجلي فسأله عن آية من القرآن فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت، أو قال: أن تجالسني.
أو نحو هذا القول].
هذا فيه ذم المرجئة، وأن جندب بن عبد الله الصحابي الجليل لما دخل عليه هذا المرجئ وسأله عن آية قال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت من مجلسي، فنهاه عن مجالسته، وهذا فيه ذم المرجئة وأن العلماء من الصحابة والتابعين يعيبونهم ويذمونهم وينهون عن مجالستهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: قال لي سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكراً له شيئاً: لا تجالس فلاناً، وسماه أيضاً فقال: إنه كان يرى هذا الرأي].
يعني: يرى هذا الرأي الذي هو الإرجاء، فنهى عن مجالسته، وهذا فيه دليل على أن العلماء ينهون عن مجالسة المرجئة ويذمونهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة].
يعني: الأحاديث والآثار في النهي عن مجالسة أهل البدع وذمهم كثيرة، لكن المقصود في كتابنا هذا النهي عن مجالسة المرجئة خاصة، أما النهي عن بقية أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل البدع فالنصوص والآثار عن الصحابة والتابعين كثيرة في ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس ومن بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة، الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولاً وعملاً].
يعني أن الأئمة والعلماء من الصحابة والتابعين كلهم كانوا يذمون أهل البدع وينهون عن مجالستهم ويعيبونهم، منهم سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس من أهل العلم وأرباب العلم من أهل السنة الذين هم مصابيح الأرض وأئمة العلم من أهل العراق والحجاز، فهؤلاء كلهم ينهون عن مجالسة أهل البدع ويذمونهم، ويرون أن الإيمان قول وعمل خلافاً للمرجئة الذين يرون أن الإيمان قول بلا عمل.
стр. 123
الخروج من الإيمان بالمعاصي وما ورد فيه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الخروج من الإيمان بالمعاصي.
قال أبو عبيد: أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم؛ فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع: فاثنان منها فيها نفي الإيمان والبراءة من النبي ﷺ ، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة].
عقد المؤلف ﵀ هذا الباب لبيان النصوص التي فيها أن أصحاب المعاصي يخرجون من الإيمان، وتأويلها عند أهل السنة والجماعة، فجاءت النصوص في الكتاب والسنة بنفي الإيمان عن أهل المعاصي، وهي أنواع كما ذكر المؤلف: النوع الأول: نفي الإيمان؛ كحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، النوع الثاني: براءة النبي ﷺ ، كحديث: (برئ النبي ﷺ من الحالقة والصالقة والشاقة) فالحالقة هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
النوع الثالث: تسميته بالكفر، كحديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت).
النوع الرابع: تسميته بالشرك، كحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
والخلاصة أن نفي الإيمان عند أهل السنة والجماعة في قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) المراد به نفي كمال الإيمان، لا أصل الإيمان، فالزاني والسارق وشارب الخمر إذا لم يستحل ذلك ليس كافراً، بل هو مؤمن ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان؛ لأنه لو كان كافراً لقتل ولم يقم عليه الحد، كما في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه).
أما حديث: (برئ النبي ﷺ من الصالقة والشاقة)، فلا يدل على أن ذلك كفر، بل المراد أن فاعل ذلك مرتكب لكبيرة، فالنبي ﷺ تبرأ من فعله.
وما جاء تسميته كفراً فالمراد به في هذه النصوص الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، فيكون صاحبه ضعيف الإيمان ناقص الإيمان، وكذلك الشرك في حديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) يعني: شركاً أصغر غير مخرج من الملة، فتكون النصوص التي فيها بيان أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان على هذه الأنواع الأربعة، وقد ينفعه الإيمان، وإن كان قد تبرأ منه النبي ﷺ ، وإن كان قد وصف بالكفر وقد وصف بالشرك.
стр. 124
نفي الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان: حديث النبي ﷺ : (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)].
هذا الحديث ثابت في الصحيحين، وهو أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)، فالمراد بنفي الإيمان هنا نفي كمال الإيمان، أي أن إيمانه ضعيف وناقص، لا أنه كافر كفراً أكبر، إلا إذا استحل الزنا والسرقة فإنه يكفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله)].
هذا رواه المؤلف بالمعنى، وإلا فأصل الحديث أن النبي ﷺ قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يارسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، والبوائق: الغوائل والشر، والمراد نفي كمال الإيمان، أي: لا يؤمن الإيمان الكامل، فهذا إيمانه يكون ضعيفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)].
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم، ومعناه أن الإيمان يمنع المؤمن من الغدر والخيانة، فمن غدر أو خان يكون إيمانه ضعيفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله)].
يعني: لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله الإيمان الكامل، فيكون إيمانه ضعيفاً، وقد يكون منافقاً، فإذا أبغضهم لدينهم فهذا يكون كافراً كفراً أكبر، أما إذا أبغضهم لأمور أخرى تتعلق بأشخاصهم فيكون إيمانه ضعيفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه قوله: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا)].
هذا ثابت في صحيح مسلم، قال ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، فإذا تباغض المسلمون فيما بينهم ولم يتحابوا دل ذلك على ضعف الإيمان ونقصه، ودل على نفي كمال الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (إياكم والكذب؛ فإنه يجانب الإيمان)].
يعني: يجانب الإيمان الكامل، فإذا كذب المرء ضعف إيمانه، فالمراد نفي كمال الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول عمر ﵁: (لا إيمان لمن لا أمانة له)].
يعني: لا إيمان كامل، وهذا صح مرفوعاً من حديث أنس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول سعد: (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب)].
يعني: الخيانة والكذب ينافيان الإيمان الكامل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول ابن عمر: (لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً، ويدع المزاحة في الكذب].
يعني: لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان الكامل إذا لم يدع المراء، ولم يدع المزاح.
стр. 125
براءة النبي ﷺ من مرتكب المعصية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن النوع الذي فيه البراءة: قول النبي ﷺ : (من غشنا فليس منا)].
وفي لفظ: (من غش فليس منا)، وهذا دليل على الوعيد الشديد، وليس المراد أنه كافر، لا، بل المراد أنه ضعيف الإيمان، فالغاش مرتكب لكبيرة، وهو ضعيف الإيمان، ولا يكفر إلا إذا استحل الغش ورأى أنه حلال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: (ليس منا من حمل السلاح علينا)]، فهذا لا يدل على كفره، بل يكون ضعيف الإيمان، وليس من المؤمنين كاملي الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا)، في أشياء من هذا القبيل].
يعني: إذا لم يرحم الصغير ولم يوقر الكبير دل ذلك على ضعف الإيمان.
стр. 126
تسمية الذنب كفراً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر: قول النبي ﷺ حين مطروا فقال: (أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب)].
الحديث رواه الشيخان من حديث زيد بن خالد الجهني، والمؤلف ﵀ رواه بالمعنى، قال زيد بن خالد الجهني: (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء من الليل -يعني: على إثر مطر-، فأقبل علينا بوجهه فقال ﵊: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، فقوله: (كافر بي) هذا فيه تفصيل: فإن اعتقد أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر فهذا كفر أكبر؛ لأنه شرك في الربوبية، أما إذا اعتقد أن منزل المطر هو الله ولكن النجم سبب فهذا كفر أصغر لا يخرج من الملة، فيكون صاحبه ضعيف الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)].
هذا الحديث ثابت في الصحيحين، والقتال بين المسلمين كفر أصغر لا يخرج من الملة، إلا إذا قاتل المسلم أخاه ورأى أن دم أخيه حلال، فهذا كفر أكبر، لكن إذا كان القتال من أجل الشحناء والعداوة مع علمه أن القتال حرام ولا يجوز فهذا كفر أصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (من قال لصاحبه: كافر، فقد باء به أحدهما)].
هذا الحديث أيضاً متفق عليه، فمن قال لأخيه: يا كافر! يا منافق! فهذا كفر أصغر ينافي كمال الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول، أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ ، أو كفر بما أنزل على محمد ﷺ ].
هذا الحديث ثابت أيضاً، وفيه الوعيد الشديد على من صدق ساحراً أو كاهناً أو أتى المرأة في دبرها، وأن هذا من كبائر الذنوب، لكن تصديق الكاهن فيه تفصيل: فإن صدقه في دعوى علم الغيب فهو كفر وردة؛ لأنه مكذب لله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، أما إذا صدقه في شيء لا يتعلق بعلم الغيب -كأن يصدقه مثلاً في معرفة مكان المسروق أو الضالة- فهذا قد يعلمه بعض الناس بواسطة القرين، لكن إذا صدقه في دعوى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله يكون كفراً وردة، أما إذا صدقه فيما دون ذلك فهذا جاء فيه الوعيد الشديد، وإيمانه ضعيف، وكذلك من أتى المرأة في دبرها، فهذا من كبائر الذنوب، وهو كفر أصغر، وإذا استحله كفر الكفر الأكبر، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول عبد الله: (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)، وبعضهم يرفعه].
الحديث ثابت مرفوع في صحيح مسلم، فإذا سب المسلم أخاه فهذا فسق، فيكون ضعيف الإيمان، وقتاله كفر أصغر لا يخرج من الملة.
стр. 127
تسمية الذنب شركاً
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك: قول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قيل: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء)].
هذا الحديث ثابت أيضاً، أخرجه الأمام أحمد وغيره، وفيه أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الرياء، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل إليه)، فالرياء شرك أصغر، وهو يحبط العمل الذي قام به.
فالرياء يكون أصغر ويكون أكبر، فالرياء الأكبر هو الذي يصدر من المنافق الذي دخل في الإسلام رياء ونفاقاً، أما الرياء الأصغر فهو الذي يصدر من المؤمن في الصلاة أو في العمل الذي يعمله، فالرياء اليسير الذي يصدر من المؤمن يدخل في الشرك الأصغر ولا يخرج صاحبه من الملة، وإنما يكون إيمانه ضعيفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه قوله: (الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)].
يعني: أن الطيرة شرك أصغر، والحديث لا بأس بسنده، وقوله: (وما منا إلا) يعني: وما منا من يقع في نفسه شيء من ذلك، إلا ويأتيه شيء من ذلك.
قوله: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) أي: يذهب ما في النفس بالتوكل والاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول عبد الله في التمائم والتولة: إنها من الشرك].
التمائم: جمع تميمة، وهي ما يعلقه الإنسان في رقبته أو يده أو في رقبة طفله أو يده لأجل دفع العين، وهذا من الشرك؛ لحديث: (إن التمائم والتولة شرك)، والتولة: هي نوع من السحر وضرب من السحر يزعمون أنها تحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
فتعليق التمائم في يد الإنسان أو رقبته، أو في دابة شرك أصغر، وكذلك تعليق التمائم في رقاب الأطفال لدفع العين، أو وضعها في السيارة، كل هذا من الشرك الأصغر.
стр. 128
تأويلات الفرق لأحاديث نفي الإيمان عن أصحاب المعاصي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فطائفة تذهب إلى كفر النعمة].
هذا التأويل الأول، وهو أن المراد بالأحاديث كفر النعمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وثانية تحملها على التغليظ والترهيب].
هذا هو التأويل الثاني، فبعض الناس يقول: ليس المراد الكفر، وإنما هو من باب التغليظ والترهيب فقط.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وثالثة تجعلها كفر أهل الردة].
هذا التأويل الثالث، فهذه الطائفة تقول: إن المراد بذلك هو الكفر المخرج من الملة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورابعة تذهبها كلها وتردها].
هذه الطائفة الرابعة تبطل هذه النصوص، وتقول بأنها ضعيفة وغير ثابتة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة؛ لما يدخلها من الخلل والفساد].
فهذه التأويلات الأربعة كلها باطلة، والمؤلف سيردها واحداً بعد واحد.
стр. 129
رد قول من يتأول الأحاديث بكفران النعم
قال المؤلف ﵀: [والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد من الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفراناً إن كان ذلك فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه، ينبئك عن ذلك مقالة النبي ﷺ للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير - يعني الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيراً قط) فهذا ما في كفر النعمة].
هذا رد المؤلف وإبطاله لقول أهل الأول، وهم الذين تأولوا الأحاديث التي فيها الكفر بأنه كفر النعمة، كحديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر)، وحديث (ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
فيقول المؤلف ﵀: هذا باطل، والذي يدل على بطلان تفسير الكفر بكفر النعمة أن المعروف في لغة العرب أن كفران النعمة إنما يكون بالجحد لنعمة الله وآلائه، ولا يقال: إن من طعن في النسب جاحد لأنعام الله وآلائه.
والجاحد لنعم الله وآلائه هو الذي يخبر عن نفسه بالعدم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد من الله عليه بالسلامة، فقد تجد الشخص الغني الذي آتاه الله مالاً وثروة تجده يجحد نعمة الله إذا خرج إلى الناس في ثياب مرقعة مخرقة ليظهر أنه فقير، وقد يتسول، وفي الحديث: (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه)، وكذلك من منَّ الله عليه بالسلامة والعافية تجده يجعل نفسه كأنه في هيئة مريض، فيربط -مثلاً- يده ويقول: إن فيها كسراً، ويأتي بعصا يتوكأ عليه، وبعضهم يأتي ولا يصلي والعياذ بالله، وبعضهم يجلس أمام المصلين، فيكشف عن بطنه وقد دهنها بشيء ينفخ البطن، ويظهر للناس أنه يئن أنيناً، وهذا قد وقع من بعض الناس، حتى يستميل عطف الناس فيقولوا: هذا مسكين مريض، وإذا خرج من المسجد قام سليماً، فهذا -والعياذ بالله- جاحد لنعمة السلامة والعافية.
قوله: [وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب] أي: كون الإنسان يكتم المحاسن وينشر المصائب، هذا هو الجحود الذي تسميه العرب كفراناً [إذا كان ذلك فيما بينهم وبين الله، وكذلك إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه]، فإذا جحد الإنسان المعروف الذي عليه لجاره أو لأخيه يقال: إنه هذا كفر النعمة.
وقوله: [وينبئك عن ذلك] أي: يدلك على ذلك قول النبي ﷺ للنساء: (تصدقن يا معشر النساء! فإنكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله! ما لنا أكثر أهل النار؟! قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) والعشير: الزوج، والمعنى: جحود النعمة، وذلك أن المرأة تجد الزوج يحسن إليها طول الدهر، فإذا وجدت شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط.
فهذه قد جحدت النعمة.
يقول المؤلف: فتفسير هذه النصوص بكفر النعمة باطل لغة وشرعاً، أما اللغة فإنه لا يفسر كفران النعمة إلا بجحود النعمة، وكذلك الناس فيما بينهم، ويدل على ذلك قوله: (وتكفرن العشير)، فدل على أن تفسير هذه النصوص بكفران النعمة باطل من جهة اللغة، وباطل من جهة الشرع.
стр. 130
رد قول من يتأول الأحاديث بحملها على التغليظ
قال المؤلف ﵀: [وأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تؤول على رسول الله ﷺ وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيداً لا حقيقة له، وهذا يئول إلى إبطال العقاب؛ لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكناً في العقوبات كلها].
هذه الطائفة أولت هذه الأحاديث على أنها من باب التغليظ والترهيب، وهذا قول باطل؛ لأنه يتأول نصوص النبي ﷺ وأصحابه التي فيها الوعيد الشديد والتنفير من هذا العمل فيجعله وعيداً لا حقيقة له، ومن ثم يؤدي إلى إبطال العقاب، وإذا أمكن هذا في واحد من النصوص كان ممكناً في جميع النصوص التي فيها الوعيد، فبطل هذا التأويل.
стр. 131
رد قول من تأول الأحاديث بحملها على كفر الردة
قال المؤلف ﵀: [وأما الثالث الذي بلغ كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله؛ لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله ﷺ من المروق، وما أذن فيهم من سفك دمائهم].
هذا التأويل الثالث -وهو القول بأنها كفر الردة- يوافق مذهب الخوارج الذين يكفرون الناس بالمعاصي فيقولون: الزاني كافر، والسارق كافر، وعاق والديه كافر، وقاطع الرحم كافر، والمرابي كافر، وشاهد الزور كافر، والمرتشي كافر، وهذا من أبطل الباطل، فالمعاصي ليست كفراً، بل تضعف الإيمان وتنقصه، إنما الكفر إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة، أما المعاصي فإنها ليست كفراً، فالذي يتأولها على أنها كفر وردة فقد وافق الخوارج، والخوارج مذهبهم باطل، وقد مرقوا من الدين كما في الحديث: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي اللفظ الآخر: (يخرجون من الإسلام ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (من وجدهم أو من عاينهم فليقتلهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد).
فكيف يتأول هذا على قول يوافق مذهب الخوارج، وقد وصفهم الرسول بالمروق من الدين وأذن في سفك دمائهم؟! قال المؤلف ﵀: [ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟! وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية ولزمه القتل].
ومما يبطل تأويل النصوص بأنها كفر أكبر أن هناك نصوصاً دلت على أن العصاة ليسوا كفاراً، وذلك أن الله أوجب الحدود على العصاة، فالله ﵎ حكم على السارق بقطع اليد فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، ولو كان كافراً لوجب قتله ولم يقطع يده، لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، وحكم على الزاني بالجلد فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، إذا كان بكراً، والقاذف يجلد ثمانين جلدة، وشارب الخمر يجلد، ولو كانوا كفاراً لوجب قتلهم، ولهذا قال المؤلف: [ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل]؛ لأن المرتد عقوبته القتل؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)).
وقوله: [أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد] يعني إنما تكون عقوبتهم القتل.
ومن الأدلة -أيضاً- قول الله تعالى فيمن قتل مظلوماً: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، يعني: إذا قتل شخص شخصاً عدواناً وظلماً فإنه يخير أولياء القتيل بين أن يقتلوه قصاصاً وبين أن يأخذوا الدية وبين أن يعفوا مجاناً، ولو كان كافراً لما كان هناك عفو، ولوجب قتله، ولهذا قال المؤلف: [فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية ولزمه القتل]، فدل على بطلان هذا المذهب، وهو تأويل النصوص على أنها كفر أكبر، كما في قوله: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) فإذا طعن في النسب أو ناح على الميت فهذا باطل وكبيرة وكفر أصغر، لكنه لا يخرج من الملة بل يضعف الإيمان.
стр. 132
رد قول من ضعف النصوص
قال المؤلف ﵀: [وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر علمهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئاً أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة، فأبطلوها كلها].
هذا رد التأويل الرابع، وهو أنهم أضعفوا هذه الآثار وردوها، فتجد بعضهم يقول: هذه الألفاظ ثابتة، وبعضهم يقول: أخبار آحاد لا يحتج بها.
فالمؤلف ﵀ يقول: إن هذا المذهب ليس مذهباًَ يحتج بقوله أهل العلم والدين، فلا يلتفت إليه، وإنما هذا مذهب أهل الأهواء والبدع الذين قصر علمهم عن فهم هذه النصوص، وعييت أذهانهم عن وجوهها وفهم معناها، فلما كانوا كذلك اختاروا أن يردوها وأن يبطلوها وأن يقولوا: إنها متناقضة، أو: إنها أخبار آحاد، أو: إنها غير ثابتة، فأبطلوها، وذلك بسبب مرض في قلوبهم وضعف في أفهامهم، فلهذا ردوا هذه الأحاديث.
стр. 133
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١١]
عقيدة أهل السنة والجماعة في نصوص الوعيد التوسط بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة، فلا يكفرون مرتكب الكبيرة، ولا يثبتون له الإيمان الكامل، بل يثبتون له الاسم دون الحقيقة، فيسمونه فاسقاً ملياً، أو مؤمناً ناقص الإيمان، أو مسلماً لا مؤمناً، وبهذا تتوافق النصوص، ويزول الإشكال وترتفع الشبهة.
стр. 134
تأويل المؤلف لأحاديث نفي الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وإن الذي عندنا في هذا الباب كله: أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً، ولا توجب كفراً، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله].
يقول المؤلف ﵀: تأويل هذه النصوص عندنا التي فيها نفي الإيمان عن العصاة: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أو وصفه بالبراءة: (برئ النبي من الصالقة والحالقة والشاقة)، أو وصفه بالكفر: (اثنتان في الناس هما بهم كفر)، أو وصفه بالشرك: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، يقول: معناها عندنا: أن هذه معاصٍ وذنوب وكبائر، فالزنا والسرقة والطعن في النسب والنياحة والحلف بغير الله معاص وذنوب لا تزيل الإيمان بالمرة عن صاحبها، ولا توجب الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة، ولكنها تنفي كمال الإيمان وإخلاصه وحقيقته، فيكون صاحبها ضعيف الإيمان، فهو معه أصل الإيمان وليس معه كماله.
قوله: (واشترطه عليهم في مواضع من كتابه) فالله اشترط في المؤمن الكامل أنه يؤدي الواجبات، وينتهي عن المحرمات، فالذي يقصر في الواجبات ويفعل المحرمات ما أتى بالشرط، فيكون ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان.
إذاً: الصواب في تأويل هذه النصوص: أن المراد بالنفي في هذه النصوص نفي كمال الإيمان وحقيقته فيقال في العاصي: ليس بمؤمن حقاً، أو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فينفى عنه كمال الإيمان، وإخلاصه الذي نعت الله به أهله.
стр. 135
نصوص من القرآن فيها بيان المؤمنين الكمل
قال المؤلف ﵀: [واشترطه عليهم في مواضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] إلى قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]].
هذه الآيات فيها بيان أوصاف المؤمنين الكمل، فالذي لا يحفظ حدود الله يكون ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان، والعصاة يكون إيمانهم ضعيفاً إذا ما أتوا بهذه الصفات.
قال: [وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١]].
صفه المؤمنين الكمل يعني: الذين كمل إيمانهم بهذه الصفات، أما الذي لا يحفظ فرجه أو يخون في الأمانة فإنه يكون ضعيف الإيمان، فهذه أوصاف المؤمنين الكمل.
قال: [وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]].
هذه أيضاً أوصاف المؤمنين الكمل، (إنما المؤمنون) يعني: كمل الإيمان هذه أوصافهم ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، توجل القلوب عند ذكر الله ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، زيادة الإيمان عند ذكر الله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أي: يتوكلون على الله ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، أما من لم يتصف بهذه الصفات فليس بمؤمن حقاً، بل هو ضعيف الإيمان، ولهذا وعدهم الله بالثواب العظيم قال: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، لكن هذا الوعد ليس لضعيف الإيمان، بل ضعيف الإيمان متوعد بالنار كالزاني والسارق وشارب الخمر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
فالمرابي وآكل مال اليتيم هذا موعود بالنار، وهذا موعود بالحرب، والمؤمن كامل الإيمان موعود بالجنة، ففرق بينهما، هذا كامل الإيمان موعود بالجنة، وهذا ضعيف الإيمان موعود بالنار، لكن العاصي إذا دخل النار لا يخلد بل يعذب على قدر معاصيه ثم يخرجه الله برحمته أو بشفاعة الشافعين على حسب جرائمه مادام مات على التوحيد والإيمان، أما من مات على الشرك والكفر فهذا لا حيلة فيه فهو مخلد.
стр. 136
تعقيب أبي عبيد على الآيات
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله ونفت عنه المعاصي كلها، ثم فسرته السنة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ولا الأمارات التي يعرف بها أنه الإيمان، فنفت عنهم حينئذ حقيقته ولم يزل عنهم اسمه].
أي: أن هذه الآيات التي سبقت قد شرحت وأبانت شرائعه المفروضة على أهله، ونفت عنه المعاصي كلها، ثم جاءت السنة ففسرته بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان، يعني: أوصاف أهل الإيمان في الباب الذي في صدر هذا الكتاب، حيث ذكرت أوصاف المؤمنين وأنهم يقومون بما أوجب الله عليهم، ويؤدون حق الجار، ويبرون والديهم، وينتهون عن المعاصي، ولا يغشون ولا يرابون ولا يخادعون، فلما خالطت هذه المعاصي أصل الإيمان، أضعفت هذا الإيمان وصار ضعيفاً، فاختلت الشروط التي أخذها الله على المؤمنين ونقصت العلامات التي يربو بها أهل الإيمان، فالله تعالى اشترط: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]، فهو خان الأمانة وما أدى الشرط، وقال أيضاً: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥]، فهو ما حفظ فرجه بل زنى، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان قيل: ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين، فلما اختلت الشروط التي أخذها الله على المؤمنين، صار هذا نقصاً في العلامات التي يعرف بها المؤمنون الكمل الإيمان، فلذلك انتفت عنهم حقيقة الإيمان وكماله، ولم يزل عنهم اسمه، فالاسم باق.
стр. 137
الرد على شبهة نفاة الإيمان عن مرتكب المعصية
قال المؤلف ﵀: [فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن واسم الإيمان غير زائل عنه؟ قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً ولا عملت عملاً، وإنما وقع معناهم ههنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه ويبلغ منه الأذى فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابن صلبه، ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك، وإنما مذهبهم في هذا المزايلة الواجبة عليهم من الطاعة والبر، وأما النكاح والرق والأنساب فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها، فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته، فأما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يقال لهم إلا مؤمنون وبه الحكم عليهم].
هنا المؤلف ذكر اعتراضاً يقول: إنك تأولت النصوص التي هي نفي الإيمان عن العصاة فكيف تقول: إنه ليس بمؤمن واسم الإيمان باق عليه؟ أجاب المؤلف ﵀: ليس هناك تناقض؛ لأن شرط التناقض: أن تكون الجهة واحدة، وأن يرد النفي والإثبات على شيء واحد، أما إذا كانت الجهة منفكة فلا تناقض، مثال ذلك: الله تعالى أثبت الإيمان للمنافقين ونفاه عنهم فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]، فمعاذ الله أن يكون هذا تناقضاً؛ لأن شرط التناقض: أن تكون الجهة واحدة، وهنا الجهة منفكة، فإثبات الإيمان يرجع إلى الإنسان، ونفي الإيمان يرجع إلى القلب، وهنا الجهة منفكة، ولو كان الإثبات والنفي يرد على اللسان لقيل: هذا تناقض، أو كان الإيمان والنفي يرد على القلب كان تناقضاً، أما إذا كان إثبات الإيمان من جهة ونفيه من جهة صارت الجهة منفكة.
وهو هنا أثبت الإيمان باللسان ونفى الإيمان عن القلب، فصارت الجهة منفكة فلا يكون تناقضاً، وكذلك هنا فيقال للعاصي: ليس بمؤمن وهو مؤمن، لأن النفي يرد على كمال الإيمان، والإثبات يرد على أصل الإيمان، فهو إذا قال: ليس بمؤمن فذلك يعني: أن جهة كمال الإيمان النفي، وقوله: هو مؤمن، هذا يرجع إلى أصل الإيمان.
قال المؤلف ﵀: الجهة منفكة، فاسم الإيمان يرجع إلى الكمال، وإثباته يرجع إلى الأصل.
قوله: (قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته) أي: أن لغة العرب تدل على هذا، وهو واسع، وذلك أنه ينفى العمل عن الشخص إذا كان لا يعمل عملاً حقيقياً، وإن كان يعمل عملاً ولا ينصح فيه بل يخون في هذا العمل فإنه ينفى عنه العمل فيقال: فلان ما عمل، يعني: ما عمل عملاً متقناً، وإن كان عمل عملاً ناقصاً وضعيفاً.
قوله: (ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئاً ولا عملت عملاً) فإذا كان العامل لا يتقن الصنعة يقال: ما صنعت شيئاً ولا عملت عملاً، فالمراد منه: ما عمل شيئاً جيداً، ولهذا قال: (إنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد) أي: ما عملت عملاً جيداً، فقد يعمل الصانع كالنجار باباً من خشب لكنه ليس على المطلوب، بل باب ضعيف من خشب رديء مخلخل وغير مثبت.
فهو قد صنع لكن صنعه غير جيد فيقال: ما صنعت شيئاً جيداً، وإن كان صنع صنعاً رديئاً، فأصل الصنعة ثابتة، والتجويد منفي عنه، فكذلك المؤمن ينفى عنه كمال الإيمان، ويثبت له أصل الإيمان، ولهذا قال المؤلف: (وإنما وقع معناهم هاهنا على نفي التجويد لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان).
فالصانع الذي لا يتقن صنعته يكون اسمه عاملاً، وغير عامل بالإتقان والجودة، فينفى عنه العمل من جهة الإتقان والجودة، ويثبت له العمل من جهة أصل الصنعة وأصل العمل، فكذلك المؤمن العاصي يثبت له أصل الإيمان واسمه، وينفى عنه كماله وحقيقته.
قوله: (حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا، وذلك كرجل يعق أباه ويبلغ منه الأذى فيقال: ما هو بولد، وهم يعلمون أنه ابنه من صلبه) فالعاق الذي يؤذي أباه ليس بولد بار وإنما ولد عاق، فهو ابن؛ لأنه ابنه من صلبه، لكنه ليس بابن بار، فيقال: ليس بولد بار ولكنه ولد عاق.
وقوله: (مثله في الأخ والزوجة والمملوك) كذلك الأخ إذا كان جاف ولا يحسن إلى أخيه، فهو ليس بأخ بار، وكذلك الزوجة ليست بزوجة إذا كانت غير مطيعة لزوجها، والعبد ليس بمملوك.
قوله: (وإنما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر) يعني: أن مقصودهم بالنفي: أنه زال عنه العمل الواجب من الطاعة والبر.
قوله: (وأما النكاح والرق والأنساب فعلى ما كانت عليه أماكنها وأسماؤها) فالزوجة يقال: ليست بزوجة مطيعة، لكن واقع النكاح باق، ولو كانت ناشزاً ولو كانت غير مطيعة، فالنكاح باق ولكن نفى عنها الطاعة، وكذلك العبد يقال: ليس بمملوك، وليس بعبد جيد؛ لأنه يعصي سيده ويؤذيه، لكن الرق باق.
وكذلك الأنساب يقال: هذا الولد عاق لكن النسب باق.
قوله: (فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان) فهذه الذنوب ينفى بها كمال الإيمان، أما اسم الإيمان فهو باقٍ.
ولهذا قال: (إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته) فالذنوب والمعاصي أحبطت حقيقة الإيمان وكماله للشرائع التي هي من صفاته.
قوله: (أما الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك) فالاسم باق، ولكن الذي نفي هو الحقيقة.
قوله: (ولا يقال لهم إلا مؤمنون) فالعصاة لا يقال لهم إلا مؤمنون.
قوله: (وبه الحكم عليهم) أي: يحكم عليهم بأنهم مؤمنون، لكن النفي إنما هو للكمال.
стр. 138
الأدلة الواضحة على صحة تأويل المؤلف لأحاديث نفي الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة، فأما التنزيل فقول الله جل ثناؤه في أهل الكتاب حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:١٨٧]].
فالمؤلف يقول: إننا وجدنا أدلة تدل على هذا التأويل الذي تأولنا به النصوص من القرآن العزيز ومن السنة المطهرة تدل على أنه ينفى عن الشيء حقيقته وكماله وإن كان الاسم باق، فمن ذلك قول الله جل ثناؤه في أهل الكتاب اليهود والنصارى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:١٨٧]، فالله تعالى أخذ على أهل الكتاب الميثاق أن يبينوا ولا يكتموا، لكن كتموه ونبذوه، ومع ذلك فإن اسم الكتاب باق معهم، والأحكام باقية في أهل الكتاب تؤكل ذبائحهم وتنكح نساءهم ولو أنهم لم يقوموا بالعمل فالاسم باق، لكن نفى عنهم الكمال.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي عن مالك بن مغول عن الشعبي في هذه الآية قال: أما إنه كان بين أيديهم ولكن نبذوا العمل به، ثم أحل الله لنا ذبائحهم، ونكاح نسائهم، فحكم لهم بحكم الكتاب إذا كانوا به مقرين، وله منتحلين، فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون، وهم لها بالحقائق مفارقون، فهذا ما في القرآن].
يقول المؤلف: إن أهل الكتاب سماهم الله أهل الكتاب وهم لم يعملوا بالكتاب بل نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، ومع ذلك ما زال عنهم اسم أهل الكتاب وقد نبذوا العمل به وهو بين أيديهم، ولم تزل الأحكام عليهم، فأحل الله لنا ذبائحهم إذا ذبحت باسم الله، أما إذا ذبحت باسم المسيح فلا تأكل، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، وكذلك جواز الزواج بالمرأة الكتابية اليهودية والنصرانية إذا كانت محصنة ولو كانوا لا يعملون بكتابهم.
فكما أن المؤمن العاصي يسمى مؤمناً وهو عاصٍ، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى العصاة يسمون أهل الكتاب، فهذه الأسماء باقية والأحكام باقية، ولهذا قال المؤلف: (أما إنه كان بين أيديهم ونبذوا العمل به) ثم بقيت الأحكام (ثم أحل الله لنا ذبائحهم ونكاح نسائهم، فحكم لهم بحكم الكتاب إذا كانوا به مقرين) أي: مقرين بكتابه ولهم التحريف فينتسبون إلى اليهودية والنصرانية.
فهم داخلون بأحكامهم وأسمائهم في مسمى أهل الكتاب، وهم لها بالحقائق مفارقون لأنهم ما عملوا بكتابه، وكذلك المؤمن العاصي حقيقة الإيمان منفية عنه، واسم الإيمان والأحكام كلها ثابتة له.
قال المؤلف ﵀: [وأما السنة: فحديث النبي ﷺ الذي يحدث به رفاعة في الأعرابي الذي صلى صلاة فخففها، فقال له رسول الله ﷺ : (ارجع فصل فإنك لم تصل)، حتى فعلها مراراً كل ذلك يقول: (فصل)، وهو قد رآه يصليها، أفلست ترى أنه مصل بالاسم، وغير مصل بالحقيقة].
الشيخ: حديث رفاعة يسمى عند العلماء بحديث الأعرابي المسيء، وهو حديث رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما، وذلك أن النبي ﷺ كان جالساً في المسجد فدخل رجل فصلى ركعتين، ثم جاء وسلم على النبي ﷺ فقال ﵊: (عليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل)، فرجع الرجل فصلى مثل صلاته الأولى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال: (وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل) ثم رجع الرجل فصلى مثل صلاته الأولى، لا يتم الركوع ولا السجود، ينقرها نقر الغراب، حتى فعل هذا ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول النبي ﷺ : (وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل) فقال الرجل في المرة الثالثة: والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غيرها، فعلمني، فعلمه وقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تعتدل جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) فأرشده إلى الطمأنينة.
والشاهد من الحديث: أن الرسول ﷺ قال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: (فإنك لم تصل)، فنفى عنه الصلاة ولكنه مصل، في الحديث: جاء رجل أعرابي فصلى فقال له النبي: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، فكيف يقول النبي ﷺ : (فإنك لم تصل)؟ فهو أثبت الصلاة ونفاها عنه، وهذا ليس بتناقض؛ لأن الجهة منفكة، فهذا الرجل أثبت له الصلاة الصورية، صورة قام وصلى ركعة أو ركعتين بركوع وسجود، والذي نفي عنه الصلاة الحقيقية الشرعية؛ لأن ما فيها طمأنينة، فهذا الرجل بقي له الاسم، ونفيت عنه الحقيقة، فهو مثل المؤمن العاصي له الاسم والأصل، وينفى عنه الحقيقة والكمال.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك في المرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق، والمصلي بالقوم الكارهين له إنها غير مقبولة].
فقد جاء في الحديث: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: منهم إمام أمَّ قوماً وهم له كارهون)، وكذلك العبد الآبق لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وكذلك المرأة العاصية لزوجها لا تقبل صلاتها.
فهل معنى ذلك أن صلاتهم باطلة، وأنهم كفار؟ لا، فالنفي إنما هو للكمال والحقيقة لعصيانه، ولكن الصلاة صحيحة، والمنفي إنما هو الكمال لأجل عصيانه، فكذلك المؤمن العاصي ينفى عنه الكمال ويثبت له الأصل والاسم.
قال المؤلف ﵀: [ومنه حديث عبد الله بن عمر في شارب الخمر: أنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة].
فشارب الخمر لا تقبل له صلاة كاملة وإن كانت صلاته صحيحة، لكن نفي عنه الكمال، وليس ثوابها مثل ثواب المؤمن المطيع، فكذلك المؤمن العاصي ينفى عنه كمال الإيمان، ويثبت له أصله واسمه.
قال المؤلف ﵀: [وقول علي ﵁: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد].
هذا موقوف على علي ليس مرفوعاً، ومعناه: لا صلاة كاملة، ولو صلى في غير المسجد صحت صلاته إلا أنه عاص، وثوابها ليس كثواب من صلى في المسجد وهو في ذلك يكون آثماً؛ لأن النصوص دلت على أنه لا بد للرجل أن يصلي في الجماعة إلا من عذر، فهذا الرجل صلاته صحيحة وثابتة، لكن المنفي عنه الكمال وعليه الإثم إذا كان يستطيع الجماعة.
قال المؤلف ﵀: [وحديث عمر ﵁ في المقدم ثقله ليلة النفر أنه لا حج له].
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف يحتاج إلى تخريج، وعلى فرض ثبوته يكون معناه: لا حج له كاملاً؛ لأن من يتقدم ليلة النفر - يعني: ليلة العيد - ولا يبيت بمزدلفة فقد ترك واجباً من واجبات الحج، فهذا حجه صحيح لكن عليه دم شاة يذبحها.
قال المؤلف ﵀: [وقال حذيفة: من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب وهو صائم أبطل صومه].
هذا الأثر جاء مرفوعاً لكنه موضوع، والمؤلف هنا ما رفعه إلى النبي ﷺ بل نسبه إلى حذيفة، لكن لو صح فمعناه: أبطلت كمال الصوم، وإلا فصومه صحيح ومجزي.
стр. 139
تأويل أبي عبيد لأحاديث: (ليس منا)
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: فهذه الآثار كلها وما كان مضاهياً لها فهو عندي على ما فسرته لك، وكذلك الأحاديث التي فيها البراءة فهي مثل قوله: (من فعل كذا وكذا فليس منا)، لا نرى شيئاً منها، يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملته، إنما مذهبه عندنا: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، وهذه النعوت وما أشبهها، وقد كان سفيان بن عيينة يتأول قوله: (ليس منا)، ليس مثلنا، وكان يرويه عن غيره أيضاً، فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ لزمه أن يصير من يفعله مثل النبي ﷺ ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي ﷺ عديل ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه، فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي ﷺ إنما أحدهما من الآخر وإليه يئول، وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون، وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين].
هنا يقول أبو عبيد: إن هذه الآثار كلها وما كان مضاهياً لها فهو على ما فسرته لك مسبقاً بأن النفي إنما هو نفي كمال الإيمان وحقيقته وإثبات الأصل والاسم.
أما الأحاديث التي فيها البراءة مثل حديث: (برئ من الحالقة والصالقة)، وحديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا)، وحديث: (من غشنا فليس منا)، وحديث: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين)، وحديث: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب) فمعناها: أننا لا نرى شيئاً منها يكون معناه التبرؤ من رسول الله ﷺ ولا من ملته، وإنما المراد: أنه ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا، فهذه لا توجب الكفر؛ لأنها معاصي، وليس معناها أن النبي تبرأ من دينه؛ لأنه مازال باقياً على اسم الإسلام.
قوله: (وقد كان سفيان بن عيينة يتأول فيقول: ليس منا أي: ليس مثلنا) ويروى هذا التأويل عن غيره من العلماء، والمؤلف يرد على سفيان تأويله فيقول: (فهذا التأويل وإن كان الذي قاله إمام من أئمة العلم فإني لا أراه) لماذا لا تراه صحيحاً يا أبا عبيد؟ قال: لأنه إذا قال: (ليس مثلنا) فهل معنى ذلك أنه إذا فعل هذه المعصية يكون مثل الرسول؟ لا، فلا يمكن أن يكون مثل الرسول، ولا يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه الرسول ﷺ من التقوى والصلاح، فلذلك هذا التأويل غير صحيح.
كذلك المطيع هل هو مثل الرسول؟ لا يمكن أن يكون مثل الرسول، فلذلك أرى أن هذا التأويل أيضاً ليس بصحيح.
وإنما التأويل ليس من المطيعين لنا، ولذلك قال أبو عبيد: (فإني لا أراه من أجل أنه إذا جعل من فعل ذلك ليس مثل النبي ﷺ لزمه - في المقابل - أن يصير من يفعله مثل النبي ﷺ ، وإلا فلا فرق بين الفاعل والتارك، وليس للنبي ﷺ عديلاً ولا مثل من فاعل ذلك ولا تاركه) أي: لا يمكن أن يكون أحد عديل للنبي ولا مثله سواء كان مطيعاً أو غير مطيع.
قوله: (فهذا ما في نفي الإيمان وفي البراءة من النبي ﷺ إنما أحدهما من الآخر وإليه يئول) هذا تأويل نفي الإيمان وبراءة النبي ﷺ من الحالقة والصالقة والشاقة.
قوله: (أما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي فإن معناها عندنا ليس تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه) يقول: الأحاديث التي فيها (من حلف بغير الله فقد أشرك)، (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب)، ليس معناها أن صاحبه كافر كفراً يخرج من الملة، ولا مشرك شركاً في العبادة، إنما معناها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون.
قوله: (وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين) وجدنا لهذين النوعين أي: تأويل المؤلف، لكن الآن أنا أقول تعقيباً على المؤلف ﵀: الأحسن والأصوب في تأويل هذه النصوص أن يقال: هذه النصوص تفيد الوعيد والزجر، وأنها من الكبائر، وما سمي منها شركاً أو كفراً فهو أصغر لا يخرج من الملة ما لم يكن شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام.
وقول المؤلف ﵀ هنا: (إنها ليس من شرائعنا، ولا من أخلاقنا، ولا من المطيعين لنا) نجد أن النووي ﵀ أحياناً يتأول النصوص في شرح صحيح الإمام مسلم، وأئمة الدعوة وغيرهم من أهل العلم بينوا أن هذا ليس بجيد؛ لأن قوله: ليس من المطيعين لنا، ولا من المقتدين بنا، ولا من المحافظين على شرائعنا يعتبر تأويلاً، والأصوب أن يقال: إن هذه الأحاديث وهذه النصوص تفيد الوعيد والزجر وأنها من الكبائر، ولا تفسر بل تبقى هذه النصوص على حالها حتى تفيد الوعيد والزجر عن هذه الكبائر؛ لأنك إذا قلت: (ليس من المطيعين لنا، ليس من المحافظين على شرائعنا) سهلت الأمر، فلا تفسرها بهذه التفسير؛ لأنك إذا فسرتها بهذا التفسير تساهل العاصي.
مثلاً حديث: (ليس منا من ضرب الخدود) فقولنا: ليس من المطيعين لنا، هذا أمر سهل، لكن تقول: هذا وعيد شديد يدل على أن هذه المعصية من الكبائر يفيد الوعيد والزجر، كذلك حديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) كفر أصغر لا يخرج من الملة، وحديث: (من حلف بغير الله فقد أشرك) يعتبر شركاً أصغر إلا إذا كان شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام فإنه كفر أكبر، فالأصوب والأحسن أن يقال في تأويل هذه النصوص أنها تفيد الوعد والزجر وأنها من الكبائر، وما سمي منها شركاً أو كفراً فهو كفر أصغر أو شرك أصغر لا يخرج من الملة، ما لم يكن شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام.
стр. 140
الأسئلة
стр. 141
حكم الخوارج المعاصرين من الإباضية وغيرهم
السؤال
هل يحكم على الخوارج في الوقت الحاضر والمعاصر كالإباضية بالكفر؟
الجواب
الخوارج المعاصرون كالخوارج القدامى، الحكم واحد، والمذهب واحد، والخوارج فيهم كلام لأهل العلم، والجمهور على أنهم عصاة، والصحابة رضوان الله عليهم عاملوهم معاملة العصاة ولم يكفروهم، واستدلوا بقول الخليفة الراشد علي ﵁ عندما سئل: هل هم كفار؟ قال: (من الكفر فرو) ولأنهم متأولون.
ومن العلماء من كفرهم وهي رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بالنصوص التي فيها ما يدل على كفرهم كقول النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فشبههم بقوم عاد وهم قوم كفار، وفي لفظ: (من لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله) قالوا: فهذه النصوص الصريحة تدل على كفرهم.
لكن الجمهور - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومنهم الصحابة عاملوهم معاملة العصاة لا المرتدين.
стр. 142
الفرق بين أصل الإيمان وحقيقته
السؤال
ذكر المؤلف ﵀: أن مرتكب الكبيرة والعصاة من المسلمين ننفي عنهم حقيقة الإيمان وإخلاصهم، أي: مع بقاء أصل الإيمان، السؤال: ما الفرق بين الأصل والحقيقة، أليست الحقيقة هي الأصل، قال الله تعالى بعد سرد صفات المؤمنين ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]؟
الجواب
الأصل اسم الإيمان، والحقيقة الكمال ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فيقال للعاصي: ليس بمؤمن حقاً، فالحقيقة: هي الكمال، والأصل: هو أصل الاسم وثباته.
стр. 143
معاني أوصاف الخوارج
السؤال
ما معنى بعض أوصاف الخوارج: (أحداث الأسنان، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز حناجرهم)، (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
الجواب
أحداث الأسنان يعني: صغار السن ليسوا كباراً، بل هم شباب، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، هذا في نفي الإيمان، يعني: لا يقبل منهم ولا يصح، قد يعلمون وقد لا يعلمون، والظاهر: أنهم لا يعلمون ويظنون أنهم على حق.
(يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) يعني: يقاتلون المؤمنين بالمعاصي، فيكفرون المؤمنين بالمعاصي، فالزاني يقتلونه ويستحلون دمه؛ لأنه كافر عندهم، والسارق كافر، والعاق والديه كافر، ولا يقاتلون الكفار.
стр. 144
حكم الطعن في دعاة أهل السنة وترك أهل البدع
السؤال
هل الذين يطعنون في دعاة أهل السنة ودعاة العقيدة الصحيحة، ويدعون أهل البدع، هل فيهم وصف من وصف الخوارج؟
الجواب
نعم، لا شك أن هؤلاء شابهوهم في هذا الوصف.
стр. 145
حقيقة أصل الإيمان
السؤال
المعاصي تنفي كمال الإيمان ويبقى أصله، فما هو أصل الإيمان، وهل هذا الأصل من جنس ما يكون به كمال الإيمان؟
الجواب
لا، أصله يعني: اسم الإيمان، وكون أحكام الإيمان تجري عليه، فإنه يخاطب بيا أيها الذين آمنوا! ويقال: إنه مؤمن، ويدخل في عموم المؤمنين، ويخاطب بالأوامر والنواهي، هذا أصل الإيمان، وأما حقيقته فهو كماله، فينفى عنه كماله.
следующие страницы →