← Акыда

Акыда · id 37024

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (235 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حكم الخوارج المعاصرين من الإباضية وغيرهم السؤال هل يحكم على الخوارج في الوقت الحاضر والمعاصر كالإباضية بالكفر؟ الجواب الخوارج المعاصرون كالخوارج القدامى، الحكم واحد، والمذهب واحد، والخوارج فيهم كلام لأهل العلم، والجمهور على أنهم عصاة، والصحابة رضوان الله عليهم عاملوهم معاملة العصاة ولم يكفروهم، واستدلوا بقول الخليفة الراشد علي ﵁ عندما سئل: هل هم كفار؟ قال: (من الكفر فرو) ولأنهم متأولون. ومن العلماء من كفرهم وهي رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بالنصوص التي فيها ما يدل على كفرهم كقول النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فشبههم بقوم عاد وهم قوم كفار، وفي لفظ: (من لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله) قالوا: فهذه النصوص الصريحة تدل على كفرهم. لكن الجمهور - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومنهم الصحابة عاملوهم معاملة العصاة لا المرتدين.

стр. 142

الفرق بين أصل الإيمان وحقيقته السؤال ذكر المؤلف ﵀: أن مرتكب الكبيرة والعصاة من المسلمين ننفي عنهم حقيقة الإيمان وإخلاصهم، أي: مع بقاء أصل الإيمان، السؤال: ما الفرق بين الأصل والحقيقة، أليست الحقيقة هي الأصل، قال الله تعالى بعد سرد صفات المؤمنين ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]؟ الجواب الأصل اسم الإيمان، والحقيقة الكمال ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]، فيقال للعاصي: ليس بمؤمن حقاً، فالحقيقة: هي الكمال، والأصل: هو أصل الاسم وثباته.

стр. 143

معاني أوصاف الخوارج السؤال ما معنى بعض أوصاف الخوارج: (أحداث الأسنان، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز حناجرهم)، (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان). الجواب أحداث الأسنان يعني: صغار السن ليسوا كباراً، بل هم شباب، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، هذا في نفي الإيمان، يعني: لا يقبل منهم ولا يصح، قد يعلمون وقد لا يعلمون، والظاهر: أنهم لا يعلمون ويظنون أنهم على حق. (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) يعني: يقاتلون المؤمنين بالمعاصي، فيكفرون المؤمنين بالمعاصي، فالزاني يقتلونه ويستحلون دمه؛ لأنه كافر عندهم، والسارق كافر، والعاق والديه كافر، ولا يقاتلون الكفار.

стр. 144

حكم الطعن في دعاة أهل السنة وترك أهل البدع السؤال هل الذين يطعنون في دعاة أهل السنة ودعاة العقيدة الصحيحة، ويدعون أهل البدع، هل فيهم وصف من وصف الخوارج؟ الجواب نعم، لا شك أن هؤلاء شابهوهم في هذا الوصف.

стр. 145

حقيقة أصل الإيمان السؤال المعاصي تنفي كمال الإيمان ويبقى أصله، فما هو أصل الإيمان، وهل هذا الأصل من جنس ما يكون به كمال الإيمان؟ الجواب لا، أصله يعني: اسم الإيمان، وكون أحكام الإيمان تجري عليه، فإنه يخاطب بيا أيها الذين آمنوا! ويقال: إنه مؤمن، ويدخل في عموم المؤمنين، ويخاطب بالأوامر والنواهي، هذا أصل الإيمان، وأما حقيقته فهو كماله، فينفى عنه كماله.

стр. 146

المعاصي سببها ضعف التوحيد السؤال ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن المعاصي سببها النقص في التوحيد وداخلة الكفر بالله، أي جنس هذه الذنوب؟ الجواب نعم، لا شك أن المعاصي نقص في التوحيد والإيمان، لكنها لا تزيل الإيمان إلا إذا كانت كفراً ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة.

стр. 147

الفرق بين الكفر الأصغر وكفر النعمة السؤال ما الفرق بين الكفر الأصغر وكفر النعمة؟ الجواب كفر النعمة من الكفر الأصغر كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢]، فكفر النعمة كفر أصغر وهو لا يخرج من الملة.

стр. 148

الأحناف أشد الناس في التكفير بالأعمال السؤال أشكل علي أن الأحناف لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان مع أنهم من أشد الناس في التكفير بالأعمال كالسجود للصنم، بل حتى من قدم بيضة لكافر في عيده؟ الجواب نعم، حتى إنهم أوصلوها إلى أربعمائة مكفر، وحتى قالوا: إن من قال: مسيجد على وجه التصغير كفر. وهم يرون أن المعاصي معاصٍ، والكبائر كبائر، والكفر كفر، وهذا غير مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، فلا منافاة، يقولون: الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، والكفر كفر، والشرك شرك، لكن هذا الكفر الذي يرونه يرون أنه مخرج عن الملة، يعني: المكفرات التي ذكروها أنها تخرج من الملة، يرون أنها تنافي الإيمان من أصله.

стр. 149

وجود الخوارج في هذا الزمان السؤال هل يوجد في هذا الزمان خوارج، ومتى يحل للمسلمين قتال الخوارج؟ الجواب ذكر أهل الفرق أنهم ما يقرب من اثنين وعشرين فرقة، يوجد في هذا الزمان خوارج موجودون في عمان وفي المغرب وفي غيرها من جهات متعددة، يجمعهم التكفير، وقد يكون بينهم فرق يحتاج إلى تأمل ونظر في أحكامهم وأعمالهم حتى يحكم الإنسان عليهم.

стр. 150

علاقة الاستحلال بالكفر السؤال هل يلزم الاستحلال في كل معصية حتى يحكم عليه بالكفر أم هذا هو قول المرجئة؟ الجواب لا يلزم حتى يفعل الإنسان المعصية أو يرتكبها أن يستحلها، فقد يزني لغلبة الشهوة، لكن إذا استحل الزنا كفر، كذلك إذا غلبه حب المال وذهب ليرابي وهو يعلم أن الربا حرام فيكون عاصياً، أما إذا اعتقد أن الربا حلال فهذه ردة وكفر؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة.

стр. 151

كيفية الرد على استدلالات الخوارج السؤال يستدل الخوارج وأتباعهم بالنصوص التي أوردها المؤلف ﵀ في باب الخروج من الإيمان، ونحن قدرنا فيها كمال الإيمان أو الكفر الأصغر ونحو ذلك، فما هو الصارف لها عن ظاهرها؛ لأننا نواجه منهم حجة واستدلالاً بالإطلاق والعموم بالنصوص؟ الجواب الصارف لها: هو الجمع بين النصوص، فالنصوص يضم بعضها إلى بعض، فالله تعالى أثبت الإيمان للعاصي في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسمى القاتل أخا المقتول، ومع ذلك نفى عنه الإيمان، فالجمع بينهما يكون بأن النصوص التي نفت الإيمان تحمل على كمال الإيمان، والنصوص التي أثبتت الإيمان والأخوة تحمل على أصل الإيمان، فكلام الله وكلام رسوله يصدق بعضه بعضاً ولا ينقض بعضه بعضاً. إذاً: هناك نصوص أثبتت الإيمان ونصوص نفت الإيمان فكيف نجمع بينها؟ النصوص التي أثبتت الإيمان تحمل على أصل الإيمان واسمه ودخوله فيه، والنصوص التي نفت الإيمان تحمل على كماله وحقيقته، فنجمع بين النصوص ونعمل بالنصوص من الجانبين، أما الخوارج فإنهم أخذوا بالنصوص التي تنفي الإيمان وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإيمان فصاروا من أهل الزيغ، وكذلك المرجئة الذين أخذوا بالنصوص التي فيها إثبات الإيمان، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها نفي الإيمان فصاروا من أهل الزيغ. وأما أهل السنة فأخذوا النصوص من الجانبين وعملوا بها فهم أهل الحق وأهل الاستقامة.

стр. 152

كيفية التعامل مع الوالد الذي يعاتب ابنه المستقيم السؤال يزجرني أبي على إعفائي لحيتي وتقصير ثوبي علماً بأنه يصلي في المسجد الصلوات الخمس، ويقرأ في اليوم ما يزيد على جزءين، وإذا كنا في مجلس فيه شيخ يتحدث أنصت إليه متعجباً، وإذا كنا في البيت رأيته من شياطين الإنس والعياذ بالله، ومن جملة ما يقول: الإيمان في القلب ولكني لا أحب هذه المظاهر كاللحية الطويلة والثوب القصير، وإذا جادلته بالحكمة والدليل قال: اسكت ولا تتفلسف، ووصلت به الحال إلى أن قال: إن بقيت على هذه الحال فلا أريدك في بيتي؟ الجواب قولك: (إنه من شياطين الإنس) هذا خطأ منك، فليس لك أن تصفه بهذا الوصف، الوالد مهما عمل فإنه والد يجب عليك أن تحسن إليه، وأن تبره، حتى ولو كان كافراً، فيجب عليك أن تحسن إليه وتنفق عليه، قال الله تعالى في الوالدين الكافرين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥]. ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]. فيجب عليك أن تحسن إلى والدك وتتلطف له، فهو السبب في وجودك، لكن لا تطعه في المعصية، إذا أمرك بحلق اللحية لا تطعه، أمرك بإرخاء ثيابك تحت الكعب لا تطعه، يقول النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وإذا جادلته تبين له الدليل باللين والرفق، واترك الجدال العقيم، ويمكنك أن تتفق مع بعض الدعاة لكي ينصحوه ويبينوا له الحق، وإذا خفت على دينك ودعت الحاجة إلى أن تخرج فاخرج من البيت واسكن في محل ليس فيه ضرر على دينك، أو خفت أن يفتنك في دينك أو يؤذيك، فاخرج وزره على فترات وأحسن إليه، واتصل به هاتفياً، وادعو له وتلطف معه، ولا تطعه في المعاصي. ونحن نسأل الله لنا وله الهداية، ومن حقه عليك: أن تدعو له بظهر الغيب في أوقات الإجابة أن الله يهديه، كما كانت أم أبي هريرة ﵁، فقد كانت قبل أن تسلم تسب النبي ﷺ ، وكان يشق هذا على أبي هريرة مشقة عظيمة حتى يأتي يبكي إلى النبي ﷺ ويطلب منه أن يدعو لها، فدعا لها، ثم جاء بعد ذلك ورآها تغتسل وأسلمت ففرح بذلك، وبكى من الفرح، فعليك أن تدعو لوالدك بظهر الغيب في أوقات الإجابة، وتتلطف معه، وتحسن إليه، وتخاطبه بالتي هي أحسن، وتنصحه باللين والرفق، وتهدي له كتيبات أو أشرطة، وتدعو أحد الدعاة أو من ينصحه أو يجادله ويبين له الحق لعل الله أن يهديه، نسأل الله لنا وله الهداية والثبات.

стр. 153

النهي عن الفتوى بغير علم ووجوب سؤال أهل العلم المختصين بالفتوى السؤال قدمنا من بلاد بعيدة لطلب العلم، وقد كثر رءوس الجهال الذين يفتون الناس في بلادنا، فهل يحق لنا أن نقول لمن نقل فتوى أو جاء يتكلم في شيء: سموا لنا رجالكم، وعلى أيدي من من العلماء طلبتم العلم ونحو ذلك؟ الجواب إذا كان ليس معروفاً بالعلم ولا هو من أهل العلم ولا هو من أهل الفتوى فينهى عن الفتوى، يقال: لا تفتِ يا فلان! فأهل الفتوى موجودون، والحمد لله فالآن وسائل الاتصال الحديثة سهلة يستطيع أحدنا في أي مكان في الدنيا أن يتصل بأهل العلم الكبار في المملكة، أو باللجنة الدائمة للإفتاء، فيجد عندهم الجواب، ولا ينبغي أن يفتوا أو ينقلوا الفتوى دون تثبت، فالفتوى لأهلها، لا للصغار، ولا لغير الراسخين في العلم، فليس للمتفرعين وضعفاء البصائر والإيمان أن يفتوا.

стр. 154

مصدر أخذ العلم السؤال لقد تكبدنا المشاق إليكم، لكن بعض الناس يقول: تكفي الكتب ولا يلزم أن تذهبوا إلى المشايخ؟ الجواب لا، هذا ليس بصحيح، العلم إنما يؤخذ من أفواه العلماء، والكتب وحدها لا تكفي، وقديماً قيل: من كان شيخه كتابه فخطأه أكثر من صوابه، أما الأشرطة الطيبة المفيدة فإذا لم تستطع الحضور فهذا طيب.

стр. 155

المقصود بنفي الكمال عن صاحب المعصية السؤال نفي الكمال عن العاصي هو نفي الكمال الواجب أليس كذلك؟ الجواب نعم، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل.

стр. 156

الكفر الأصغر أعظم من الكبيرة السؤال هل الكفر الأصغر أعلى من الكبيرة وتنافي الشرك الأصغر؟ الجواب الصواب: أنه أكبر من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ سماه كفراً وشركاً وهو أكبر الكبائر.

стр. 157

أول من قال بأن الإيمان يكون بالقول وتصديق القلب فقط السؤال متى بدأ القول بأن الإيمان بالقول والقلب فقط أمن عهد أبي حنيفة أم هذا القول من قبل عهده؟ الجواب أول من قال بذلك هو حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة، فعباد أهل الكوفة هم أول من قال بذلك.

стр. 158

حكم الصلاة خلف الإباضي السؤال هل تجوز الصلاة خلف الإباضي؟ الجواب القاعدة في هذا أن الصلاة لا تصح خلف الكافر، أما إذا كانت بدعته تكفره فلا تصح بإجماع المسلمين، فالإمام الذي يدعو غير الله، ويذبح لغير الله، وينذر لغير الله، أو فعل كبيرة مكفرة، هذا لا تصح الصلاة خلفه بإجماع المسلمين، وإذا صلى وهو يعلم حاله أعاد الصلاة، أما المبتدع والعاصي ومرتكب الكبيرة فهذا فيه تفصيل، من العلماء من قال: لا تصح وتعاد منه، وهناك من قال: تصح مع الكراهة، والصواب: أنها تصح، ولكن الصلاة خلف العادل أفضل، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج وكان فاسقاً ظالماً، وصلوا خلف عثمان بن أبي معيط وقد شرب الخمر ثم أعادوا الصلاة؛ لأنه صلى بهم وهو سكران. إذاً: الصواب في هذه المسألة الصحة، ويدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ قال: (يشهدون لكم) يعني: أئمة لكم (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)، فالصواب: صحة الصلاة خلف العاصي، ولكن الصلاة خلف العادل أولى، وقال بعض أهل العلم: تعاد الصلاة. أما الكافر فلا تصح الصلاة خلفه بإجماع المسلمين، والإباضي اعتقاده لا يوصله إلى الكفر، وقد سبق أن الصحابة عاملوهم معاملة العصاة.

стр. 159

شروط أكل الذبائح السؤال كيف يتم الجمع بين آية تحليل طعام أهل الكتاب لنا وآيات ذكر اسم الله على الذبيحة، وأن غير ذلك فسق مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]؟ الجواب أهل الكتاب نص الله تعالى على أن ذبائحهم حلال فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، وطعامهم يعني: ذبائحهم كما قال أهل العلم، فأهل الكتاب ذبيحتهم حلال، لكن يشترط في الذبيحة شرطان: الشرط الأول: أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً يهودياً أو نصرانياً، والشرط الثاني: قطع الحلقوم والمريء بآلة حادة. فإذا وجد الشرطان صحت الذبيحة، وإذا تخلف واحد منها فإن الذبيحة غير صحيحة، إلا إذا ذبح الكتابي ولا ندري كيف ذبح وقطع الحلقوم والمريء وجهلنا الحال فإننا نأكل، أما إذا علمنا أنه قال: باسم المسيح فلا يؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، أو ذبح بالخنق أو ضرب الرأس، فهذا لا يؤكل، حتى ذبيحة المسلم. فالمقصود: أن الكتابي إذا ذبح وجهلنا الحال نأكل، وإذا علمنا أنه ذبح بالخنق أو ذكر اسم المسيح أو غيره فلا نأكل، هذا هو الجمع بين الآيات. إذاً: لابد أن يقطع الحلقوم والمريء بآلة حادة، فإذا ذبح بالخنق أو بالرصاص فهذه لا تصح، حتى ذبيحة المسلم لو خنقها أو ضربها بالرصاص لم تصح، ولابد من الشروط السابقة: قطع الحلقوم والمريء بآلة حادة، الذابح مسلم أو كتابي، ولا يذكر اسماً غير اسم الله عليه، ولك ألا تأكل ذبيحته إذا غلب على ظنك أن الذبيحة مما قتل بالرصاص، فإذا جهلت الحال فالأصل الحل، ومن الممكن أن تجيب دعوته في غير اللحم، كالفاكهة أو القهوة أو الشاي أو أي مشروب آخر.

стр. 160

مشروعية الأكل في أواني أهل الكتاب السؤال كيف يتم الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وحديث: تحريم الأكل في آنية أهل الكتاب، فإذا نهى النبي ﷺ عن استخدام آنيتهم وفي هذا حكم واضحة فمن باب أولى عدم أخذ طعامهم؟ الجواب النهي عن الأكل في آنيتهم ليس فيه نهي، بل في حديث أبي ثعلبة الخشني وغيره أنه قيل: (يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال: إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها)، فإذا كان يخشى أن يكون فيها شيء من الخمر فليغسلها، فالحديث واضح بأنه لا بأس بالأكل في أوانيهم.

стр. 161

حكم تهنئة الكفار بأعيادهم السؤال نحن في بلد عربي لنا جيران نصارى يحملون جنسيتنا، تمر عليهم أعياد كعيد الميلاد فلابد من مشاركتهم وتهنئتهم، وإن لم تفعل ذلك صار بيننا من الحقد والضغينة الشيء الكثير، نعم بيننا وبينهم كفر وإسلام ولكن أتكلم عن مصالح العباد، وهل يختلف الحكم لو كان جاري النصراني خالاً لأبنائي؟ الجواب لا يجوز لك أن تشاركهم في أعيادهم ولا أن تهنئهم، وأما مسألة الإحسان فهو شيء والمعاملة شيء، أما أن تشاركهم في أعيادهم وتهنئهم فهذا لا يجوز حتى ولو كان خالاً لأولادك.

стр. 162

كيفية التعامل مع الشكوك المتعلقة بالإيمان والوساوس المتعلقة بالطهاة والصلاة السؤال أعاني من شكوك وشبهات في الإيمان بالأسماء والصفات، وأنفث عن يساري وأتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكنه يعود علي بشبهات حتى شككت بإيماني وأني من المنافقين، وأصبحت الوساوس تراودني في الطهارة وأتأخر عن الصلاة، فكيف أدافع الوسواس حتى يثبت الإيمان في القلب؟ الجواب مثلما أرشد النبي ﷺ في حديث أبي هريرة: (يأتي الشيطان للإنسان فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟! فإذا وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسوله)، وفي بعضها: (فليستعذ بالله ولينته)، وفي الحديث الآخر يقول: (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]). وينفث عن يمنيه ويقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فهو ينفث عن يمينه ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ: قل هو الله أحد، الله الصمد، ويقول: آمنت بالله ورسله، وينتهي، فيقطع التفكير ويشتغل في أموره. أما الوساوس الأخرى فيكثر من ذكر الله، ويستعين بالله، ويكثر من تلاوة القرآن والتدبر، ويستعيذ بالله من الشيطان، ويقرأ الأوراد في الصباح والمساء، وآية الكرسي بعد كل صلاة، والمعوذتين وقل هو الله أحد، ويتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ويستعين بالله، ويستمر في أمره ويترك التردد ويجزم.

стр. 163

حكم تعليق التمائم من القرآن السؤال هل تعليق التمائم من القرآن بدعة أو شرك أصغر أو جائز؟ الجواب التمائم من القرآن فيها خلاف بين أهل العلم، فبعض أهل العلم رخص فيها، والجمهور على المنع وهو الصواب ولو كانت من القرآن؛ لأن النصوص عامة ولم تخصص، ولأنها وسيلة إلى تعليق غير التمائم من القرآن؛ ولأنها وسيلة إلى امتهانه، ودخوله الحمام عند قضاء الحاجة، فالصواب: المنع من القرآن وغير القرآن.

стр. 164

تخريج أثر: (من عد كلامه من عمله قل كلامه) أخرجه معمر بن راشد في جامعه موقوفاً قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: سمعته غيباً يقول: إن عمر بن عبد العزيز قال: (من عد كلامه من عمله قل كلامه) وبمثله أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، وكذا أخرجه ابن المبارك في الزهد وقال: أخبرنا أبو عبيد وغيره عن عمر بن عبد العزيز ثم ذكره بمثله، أخرجه ابن حنبل في الزهد، وأخرجه مرفوعاً ابن عبد البر في التمهيد فقال: روي عنه ﵇ أنه قال في صحف إبراهيم: (من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه). قال: حدثنا محمد بن خليفة قال: حدثنا محمد بن حسين الفريابي قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال: حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم ﵇؟ قال: كانت أمثالاً كلها)، فذكر الحديث قال: (وكان فيها: وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه)، هذا ما وقفت عليه في تخريج الحديث.

стр. 165

معنى: (يأرز الدين إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) السؤال ما معنى قول النبي ﷺ : (يأرز الدين كما تأرز الحية إلى جحرها حتى يكون في المدينة)؟ الجواب ( إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) ذكر العلماء: أن هذا في آخر الزمان وفي وقت خروج الدجال حينما يأتي بالسبخة وترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر وكافرة، وكل منافق، وكل خبيث، ولا يبقى إلا المؤمنون.

стр. 166

حكم قول: (يا رضا الله ورضا الوالدين) السؤال ما حكم قول: يا رضا الله ورضا الوالدين؟! الجواب ما أعلم لهذا أصلاً، فالصفة لا تنادى، وهذا مثل قول بعض الناس: يا وجه الله، يا رحمة الله ارحميني، يا قدرة الله أنقذيني، هذا لا يجوز حتى قال شيخ الإسلام: إنه ردة.

стр. 167

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٢] لقد ثبت بالنصوص القاطعة من الكتاب والسنة تسمية بعض الأعمال كفراً، مع أن صاحبها موحد له من الأعمال الصالحة ما له، فوجب تفسيرها على أن المراد بها الكفر أو الشرك الأصغر، وهذا معتقد الفرقة الناجية، معتقد أهل السنة والجماعة، وهم في ذلك وسط بين الوعيدية والمرجئة.

стр. 168

النصوص الدالة على أن المعاصي لا تزيل إيماناً ولا توجب كفراً وإنما تنفي حقيقته قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحواً مما وجدنا في النوعين الأولين، فمن الشاهد على الشرك في التنزيل: قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩] إلى ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]، وإنما هو في التأويل: أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله؟! فقد سمى فعلهما شركاً وليس هو الشرك بالله]. سبق أن المؤلف ﵀ ذكر أن المعاصي التي يفعلها المؤمنون جاءت على أربعة أنواع: النوع الأول: نفي الإيمان عن العاصي، كقوله ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). النوع الثاني: البراءة منه، كقوله ﵊: (برئ النبي ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة). النوع الثالث: أن يخبر عنه بأنه شرك، كقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). النوع الرابع: أن يخبر عنه بأنه كفر، كقول النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر). وسبق الكلام على بيان معناها وتأويلها عند أهل العلم، وذكر المؤلف ﵀ مثالاً هنا لما ورد في النصوص تسميته شركاً، وهو من الكبائر ومن الشرك الأصغر الذي لا يصل إلى حد الشرك الأكبر فقال: (فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله ﵎ لآدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]، أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله؟! فقد سمى فعلهما شركاً وليس هو الشرك بالله. هذه القصة ذكرها الله في كتابه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩]، ظاهر السياق أنه في آدم وحواء، فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] هي آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١] هي حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: ليسكن آدم إلى زوجه ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩]. دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً، يعني: ولداً حليماً مستوي الخلقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]، ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية أثراً عن ابن عباس ﵄: أن الشيطان جاء لهما لما حملت حواء وقال لهما: سمياه عبد الحارث؛ لئن لم تسميه عبد الحارث لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقها، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً ثم حملت المرة الثانية فأتاهما فقال لهما مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت في المرة الثالثة فقال لهما مثل ذلك فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث.

стр. 169

أمثلة من الكتاب والسنة على تسمية بعض الذنوب شركاً وليست بشرك أكبر

стр. 170

تفسير قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما) جاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أن الشيطان جاء إلى آدم وحواء لما حملت حواء وقال لهما: سمياه عبد الحارث، لئن لم تسمياه عبد الحارث لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت المرة الثانية فأتاهما فقال لهما مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت في المرة الثالثة فقال لهما مثل ذلك، فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]. قوله: (شركاء) يعني: شركاء في التسمية والطاعة، وليس شركاً في العبادة، وهذه القصة من أخبار بني إسرائيل لا تثبت، لكن روي عن الحسن وغيره قال: أشفقا أن يكون بهيمة، وقال بعضهم: شركاء في التسمية والطاعة وليس في العبادة، وكون هذه القصة لا تثبت فالآية كافية لمن تدبرها وتأملها فإنها ظاهرة في آدم وحواء. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] هي آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] هي حواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ [الأعراف:١٨٩] ثقل الحمل في بطنها ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: إنساناً مستوياً سليم الأعضاء ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]. أما قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] فهو انتقال من الشخص إلى جنس الذرية، وقال بعض العلماء: إن الآية في الجنس لا في آدم، لكن الصواب: أنها في آدم وحواء، وهذا هو الظاهر من الآية، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ذكرها في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] وذكر أثر ابن عباس بصرف النظر عن كونه ثابتاً أو غير ثابت، وذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب تيسير العزيز الحميد: أن الآية صريحة في أن القصة في آدم وحواء، وأن على هذا تفاسير السلف، وأن إنكار كون الآية في آدم وحواء مكابرة وعدول عن تفاسير السلف إلى تفاسير أهل البدع. ومن العلماء من قال: إنها ليست في آدم وحواء، وإنما هي في جنس بني آدم، وذهب إلى هذا فضيلة الشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في كتابه القول المفيد، وقال: إنه لا يمكن أن يقع الشرك من آدم، والأنبياء معصومون من الشرك، ولو كان وقع الشرك لذكر الله توبتهما منه كما ذكر توبتهما من الأكل من الشجرة. والصواب والذي يظهر لي: أنها في آدم وحواء، وأن هذا شرك في التسمية، وقع منهم الذنب في التسمية كما وقع الذنب في الأكل من الشجرة، ولهذا قال العلماء: إن من ينكر وقوعهما في طاعة الشيطان في التسمية كيف يغفل عن معصيتهما في المرة الأولى، فهما وقعا في المعصية وأكلا من الشجرة، وسول لهما مرة أخرى وأطاعاه في التسمية، فهو شرك في التسمية لا شرك في العبادة. أما قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] فهذا في الذرية، فهو انتقال من الشخص إلى الجنس, والشرك في هذه الآية ليس شركاً في العبادة والتوحيد، وإنما هو شرك في الطاعة والتسمية، وهو لا يمنع وقوعهما منهما كما وقعت المعصية منهما في أول الأمر، والمؤلف ﵀ ذهب إلى أنها في آدم وحواء وقال: (فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله تعالى في آدم وحواء عند كلام إبليس ثم قال: وإنما هو في التأويل: أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة؟!) فالمقصود: أن الله أخبر أنه وقع منهما الشرك، وآدم نبي ﵊، فهل يتوهم أحد وقوع الشرك الأكبر منه، والأنبياء معصومون من الشرك الأكبر وفيما يبلغون عن الله؟ قوله: (فقد سمى فعلهما شركاً وليس هو الشرك بالله)، يعني: هو شرك أصغر، شرك في الطاعة والتسمية ينافي كمال التوحيد. فالشرك الذي وقع من الأبوين شرك في طاعة الشيطان في التسمية، فإنما سمياه عبد الحارث وليس شركاً في العبادة، ولهذا استدل المؤلف ﵀ بهذه الآية على أن بعض المعاصي تسمى شركاً كقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فكما سمى الحلف بغير الله شركاً، فكذلك سمى ما وقع من الأبوين شركاً في التسمية وهو شرك أصغر، ويكون قد تابا منه، فهذا مثال في الشرك الذي لا يخرج من الملة.

стр. 171

مثال من السنة على تسمية بعض الذنوب شركاً قال المؤلف ﵀: [وأما الذي في السنة: فقول النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر)، فقد فسر لك بقوله: (الأصغر) أن هاهنا شركاً سوى الذي يكون به صاحبه مشركاً بالله]. هذا مثال من السنة على تسمية بعض الذنوب شركاً وليس شركاً في العبادة، وإنما هو كبيرة من الكبائر وسمي شركاً، وهو الرياء: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر). والمؤلف يشير إلى حديث النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الرياء، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه)، فالرياء شرك أصغر، وكذلك الحلف بغير الله شرك أصغر، فبعض الذنوب تسمى شركاً ولا يكون ذلك شركاً في العبادة. قال المؤلف ﵀: [ومنه قول عبد الله: الربا بضع وستون باباً، والشرك مثل ذلك]. أي: أن الشرك مثل الربا أبوابه كثيرة، والحديث أخرجه البزار من حديث ابن مسعود ولا بأس بسنده.

стр. 172

بيان وجه الدلالة من النصوص السابقة وتوجيهها قال المؤلف ﵀: [فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعاً كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إلهاً غيره]. هذا بيان وجه الدلالة من هذه النصوص، يقول: هناك ذنوب كثيرة سميت شركاً، منها: ما وقع من الأبوين، ومنها: الرياء، ومنها: الحلف بغير الله، ومنها ما جاء في حديث ابن مسعود أن الربا بضع وستون باباً، والشرك مثل ذلك، يعني: هو بضع وستون باباً، وهي ذنوب سميت شركاً. قوله: (وهي غير الإشراك الذي يتخذ لها مع الله إلهاً غيره) يعني: غير الشرك الأكبر الذي يكون شركاً في العبادة ويخرج من الملة، وإنما هي معاص وكبائر سميت شركاً، فهي تضعف الإيمان وتنقصه، ولا يخرج صاحبها عن اسم الإيمان بل يبقى اسم الإيمان عليه كسائر المعاصي، فإذا ارتكب كبيرة، زنا أو سرق أو شرب الخمر أو عق والديه أو قطع رحمه أو شهد زوراً أو حلف بغير الله فإن إيمانه يكون ضعيفاً ناقصاً، ولن ينتهي إلا إذا فعل الشرك الأكبر، فالمؤلف يبين أن بعض الذنوب تسمى شركاً ولا يخرج صاحبها عن الإيمان، وإن كانت أكبر من الكبائر، ولذلك ما سميت شركاً وكفراً أكبر من الكبائر إلا لأنها لا تخرج من الملة؛ لأنها ليست شركاً في العبادة ولا ناقضاً من نواقض الإسلام. قال المؤلف ﵀: [تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ونحو ذلك من أمورهم]. سبق الكلام أن الأصل في هذا أن يقال: إن هذه النصوص تفيد الوعيد والزجر وأنها من الكبائر، وما سميت شركاً أو كفراً فهو أصغر لا يخرج من الملة ما لم يكن شركاً في العبادة أو ناقضاً من نواقض الإسلام، فإذا حلف بغير الله يكون إيمانه ناقصاً وضعيفاً، لكن لا يخرج من الإيمان ولا ينتهي إيمانه إلا بالشرك الأكبر.

стр. 173

أمثلة من الكتاب والسنة على تسمية بعض الذنوب كفراً وليست كفراً أكبر

стр. 174

أحوال الحكم بغير ما أنزل الله قال المؤلف ﵀: [وأما الفرقان فالشاهد عليه بالتنزيل: قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]. وقال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال عطاء بن أبي رباح: كفر دون كفر، فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون]. هنا قوله: (وأما الفرقان) فلعله (وأما الكفر)، وقوله: (فقد تبين أنه كان) الأصح (فقد تبين لنا إذ كان)، وقوله: (إلا خلاف الكفار وسنتهم) الأصح (إلا أخلاق الكفار). هذا مثال للكفر الذي لا يخرج من الملة، مثله المؤلف ﵀ بقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، واستدل بتفسير ابن عباس وتفسير عطاء، قال ابن عباس في هذه الآية الكريمة: ليس بكفر ينقل عن الملة، وكمال كلام ابن عباس ولم يذكره المؤلف قوله: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو فيه أو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، هذا تكملة الأثر عند ابن عباس، وقال عطاء بن أبي رباح: (كفر دون كفر) على هذا يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغر. والصواب: أن الآية محتملة للكفر الأكبر والكفر الأصغر على حسب الحاكم واعتقاده، فإن حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر، وأنه لا يناسب العصر إلا الحكم بالقوانين الوضعية فإن هذا كفر أكبر يخرج عن الملة، وكذا إذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بما أنزل الله مماثل الحكم بالقوانين والآراء وأنهما سيان، وأن الإنسان مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو يحكم بالقوانين والآراء فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، وكذا إذا حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل إلا أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا أيضاً كفر أكبر يخرج من الملة؛ لأنه استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة تحريمه، والحكم بغير ما أنزل الله حرام بالإجماع، فإذا استحله ورأى أن الحكم بالقوانين والآراء جائز صار كافراً كفراً أكبر، ولو اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن، وكذلك إذا حكم بغير ما أنزل الله واستهان بحكم الله، وكذا إذا بدل الدين رأساً على عقب. فالمقصود: أن الآية محتملة للكفر الأكبر والأصغر، والمؤلف ﵀ مثل بها للكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة وأنه ينافي الإيمان، ولهذا علق عليها فقال: (فقد تبين لنا إذ كان) يعني الحكم بغير ما أنزل الله (إذ كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله) يعني: أن من حكم بغير ما أنزل الله يكون دينه باق وإيمانه باق ولا يخرج من الملة ولا ينتهي إيمانه؛ لأنه لم يفعل شركاً في العبادة ولم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، وإنما فعل كبيرة من كبائر الذنوب وإن سميت كفراً، إلا أنها لا تخرج من الملة، فيكون إيمانه ضعيفاً وناقصاً، ويكون فاسقاً بهذا العمل لكنه لا يخرج من الملة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (فقد تبين لنا إذ كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق الكفار وسنتهم على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون) فالمعنى: أنه لا يخرج من الملة، وإن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب وكفراً أصغر لا يخرج من الملة ولا ينتهي إيمانه بذلك، بل يكون إيمانه ضعيفاً وناقصاً، ويفسق بهذا العمل إلا أنه لا يكفر كفراً يخرج من الملة.

стр. 175

توجيه حديث: ثلاثة من أمر الجاهلية قال المؤلف ﵀: [وهكذا قوله: (ثلاثة من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب والنياحة، والأنواء)]. هذا الحديث يدل على أن من فعل هذه الثلاثة أو واحداً منها يكون مرتكباً لكبيرة؛ لأنه فعل فعلاً من أفعال الجاهلية التي حذر منها النبي ﷺ . وقوله: (الطعن في الأنساب) يعني: عيبها وتنقصها وذمها. قوله: (والنياحة) هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت والندب، وتعداد محاسن الميت. قوله: (والأنواء) يعني: الاستسقاء بالأنواء وهي: النجوم، بمعنى نسبة المطر والسقي إلى النجوم والأنواء على أنها سبب، فهذا شرك وكفر أصغر، وهو من أعمال الجاهلية، لكنه لا يخرج به من الملة، مثل قوله ﵊ في الحديث الآخر: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب, والاستسقاء بالنجوم, والنياحة على الميت)، وهذا الحديث يفيد فائدتين: الفائدة الأولى: أن هذه الأمور واقعة في هذه الأمة، فهي علم من أعلام النبوة وأنه رسول الله حقاً. والفائدة الثانية: التحذير من فعل هذه الأشياء، وأنه ينبغي للمسلم أن يحذرها ولا يفعل شيئاً منها. قال المؤلف ﵀: [ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: ثلاثة من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم]. أما النياحة فالأحاديث فيها كثيرة في أنها من كبائر الذنوب ومن أعمال الجاهلية، وكذلك صنعة الطعام والاجتماع كما قال جرير بن عبد الله البجلي ﵀: كنا نعد الاجتماع عند الميت وصنعة الطعام من النياحة، وأما مبيت المرأة في أهل الميت فيحتاج إلى النظر في ثبوت هذا الحديث.

стр. 176

توجيه حديث: آية المنافق ثلاث قال المؤلف ﵀: [وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)]. هذا الحديث فيه أن هذه الثلاث من علامات النفاق: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، وهذه معاص وليست نفاقاً أكبر يخرج من الملة، وإنما هو نفاق عملي، والصواب: كون صاحبها ضعيف الإيمان وناقص الإيمان، لكن لا ينتهي إيمانه ولا يخرج من الإيمان؛ لأنها ليست كفراً أكبر ولا ردة. قال المؤلف ﵀: [وقول عبد الله: الغناء ينبت النفاق في القلب]. فإذا سمع الغناء وتلذذ به تلذذاً يذهب النفوس ويقعدها ضعف إيمانه ونقص.

стр. 177

وصف بعض الأعمال بالنفاق أو الكفر أو الشرك ليس معناها أنه يخرج من الملة قال المؤلف ﵀: [ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم]. المؤلف يبدي ويعيد ويبين أن هذه الآثار التي فيها وصف بعض الأعمال بالنفاق أو بالكفر أو بالشرك أو بنفي الإيمان أو بالبراءة منه ليس معناها أنه يخرج من الملة، وأنه ينتهي إيمانه وأنه يكفر كفراً أكبر، وليس معناها أن راكبها يكون جاهلاً جهل الكفار ولا كافراً كالكافرين الخارجين من الملة، ولا منافقاً النفاق الأكبر وهو مؤمن بالله وبما جاء من عنده، بل معناها: أنه يكون جاهلاً لمعصيته جهلاً أصغر، وكافراً كفراً أصغر، ومنافقاً نفاقاً أصغر، ولهذا قال: (وليس معناها: أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله، وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة) أي: أن صاحبها يكون مرتكباً لكبيرة ومعصية، ويكون إيمانه ضعيفاً وناقصاً لكنه لا يخرج من الملة، ولهذا قال: (ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم). قال المؤلف ﵀: [ولقد روي في بعض الأحاديث: (أن السواد خضاب الكفار) فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟!]. هذا الحديث ضعيف أخرجه الطبراني والحاكم والذهبي وغيره، وهو حديث منكر، لكن على فرض صحته فليس معناه أن الخضاب بالسواد يكون كفراً، إنما يكون معصية، ولهذا قال المؤلف: (فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب) بل يكون معصية، ويكون صاحبه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان لو صح هذا. قال المؤلف ﵀: [وكذلك حديثه في المرأة: (إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية)، فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟!]. هذا الحديث حديث صحيح ولفظه: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية). فالمؤلف يقول: الحديث معناه: أنها عاصية وأنها مرتكبة لكبيرة، وأن إيمانها ناقص وضعيف، وليس المراد أنها فعلت الزنا الذي يوجب الحد ويقام فيه. قال المؤلف ﵀: [ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان)، أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن]. هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه، وليس المراد أنهما شيطانان من أولاد إبليس؛ لأن إبليس هو أبو الجن، ولهذا قال: أتعرف الخلاق أم أصبحت ذا نكران وسل أبا الجن اللعين فقل له فهو أبو الجن، ومن لم يسلم من الجن سمي شيطاناً لتمرده، ومن أسلم فلا يسمى شيطاناً، وليس معنى الحديث أن المستبان من أولاد إبليس، وإنما المراد كما يقول: (على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن) يعني: المراد أنه تمرد، والمتمرد من كل جنس يسمى: شيطاناً، والمعنى: أن كونهما يتهاتران ويتكاذبان هذا معصية وكبيرة تضعف الإيمان وتنقصه، ولا يخرج بهما صاحبهما من الملة والإيمان بذلك، والمراد: أن هذا العمل من كبائر الذنوب ويضعف به الإيمان وينقص، ولا يخرج به الإنسان من الإيمان، بل يبقى معه أصل الإيمان ووصفه، فيدخل في خطاب المؤمنين وتشمله أحكام المؤمنين.

стр. 178

النصوص التي فيها ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة المراد بها الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر قال المؤلف ﵀: [وكذلك كلما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا]. أي: أن كلما جاء من النصوص مما فيه ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة الموحدين فالمراد به الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر، مثل (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ومثل قوله ﷺ : (الرياء من الشرك) ومثل قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، ومثل قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ومثل قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ومثل كفر النعمة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢]، ومثل قوله ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، وما أشبه ذلك، فهذه النصوص التي فيها تسمية بعض الذنوب كفراً أو شركاً وفاعلها موحد وهو من أهل القبلة فالمراد بها: أنه فعل شركاً أصغر أو كفراً أصغر، وارتكب هذه الكبيرة العظيمة فيكون إيمانه ناقصاً وضعيفاً ولا يخرج به من الإسلام والإيمان، وتبقى أحكام الإسلام واسم الإيمان وجميع الأحكام ثابتة له إلا أنه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.

стр. 179

الآثار الدالة على أنه لا يبلغ العبد كفراً ولا شركاً حتى يفعل الشرك الأكبر قال المؤلف ﵀: [ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبة بردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة]. يقول المؤلف: إن هذه النصوص التي سبقت وفيها تسمية بعض الكبائر شركاً أو كفراً إنما هي كبائر، وإن كان الشرك والكفر أكبر من الكبائر إلا أنها كبائر لا تخرج صاحبها من الملة، ولا يلحقه اسم الكفر الأكبر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبها ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وكلام المؤلف ﵀: (ويلحق صاحبه ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها) هذا فيه نظر، والصواب: أن الردة تحصل بكلمة الكفر كما سبق، وبفعل الكفر: كما لو سجد للصنم أو داس المصحف بقدمه أو لطخه بالنجاسة، هذا يكفر بهذا الفعل ولو لم يتكلم, كذلك أيضاً يكون الكفر باعتقاد الكفر: كما لو اعتقد أن لله صاحبة أو ولداً, ويكون أيضاً بكلمة الكفر: كمن سب الله أو سب رسوله أو سب دينه أو استهزأ بالله وكتابه ورسوله، ويكون الكفر أيضاً بالإعراض: كما لو أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به. إذاً: قول ليس بسليم بل يكون كافراً بكلمة الكفر وبفعل الكفر وباعتقاد الكفر وبالإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه, فهذه الأنواع كلها يخرج بها من الإسلام إلى دائرة الكفر. قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال: لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها)]. الشيخ: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده مجهول وهو يزيد السلمي، ولكن معناه صحيح، وبعضه له شواهد. قوله: (ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل) هذا صحيح، فمن قال: (لا إله إلا الله) وكان لا يقولها في كفره فإنه يحكم بإسلامه ثم بعد ذلك إن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام عومل بذلك، فمن قال: (لا إله إلا الله) لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، هذا معتقد أهل السنة والجماعة. قوله: (والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) هذا ثابت، وقوله: (والإيمان بالأقدار كلها) هذا يحتاج إلى نظر، فالإيمان بالأقدار كلها لا يعلم أنه ثابت في حديث صحيح ويحتاج إلى مراجعة، لكن معناه صحيح بل هو من أصل الإيمان، وركن من أركان الإسلام، لا يصح الإسلام إلا به. إذاً: الكف عمن قال: (لا إله إلا الله) لا يكفر بذنب، ولا يخرج من الإسلام بعمل، إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام وفعل شركاً في العبادة، وكذلك أيضاً الجهاد ماض إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، كل هذا صحيح. والمؤلف ﵀ بهذا الحديث يبين أن المسلم والمؤمن لا يخرج من الإيمان بذنب من الذنوب، ولا يخرج من الإسلام بعمل يعمله كما لو فعل كبيرة كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو عقوق الوالدين أو قطيعة الرحم, ما دام أنه مسلم ومؤمن وموحد فلا يخرج من الإسلام بذنب ولا يكفر بمعصية من المعاصي إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو فعل شركاً في العبادة، كما لو دعا غير الله أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله أو طاف بغير بيت الله تقرباً لذلك الغير أو سجد للصنم أو اعتقد الكفر, أما إذا فعل معصية أو كبيرة فإنه يبقى عليه اسم الإسلام وحكم الإسلام، ولكن إيمانه يكون ناقصاً وضعيفاً. قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: لا يبلغ بعبد كفراًَ ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره]. قوله: (لا يبلغ بعبد) لعله (لا يبلغ عبد) وهذا الأثر عن ابن مسعود ضعيف؛ من أجل الصلت بن دينار فإنه ضعيف جداً، لكن المؤلف ﵀ يبين أن الإنسان المؤمن لا يخرج من الإيمان بالمعاصي إلا إذا فعل كفراً أو شركاً، وعلى فرض صحته فقوله: (لا يبلغ عبداً كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله) لأنه إذا ذبح لغير الله أشرك شركاً أكبر، وكذلك إذا صلى لغير الله، وهذا مثال، وكذا جميع النواقض وجميع أنواع الشرك إذا فعلها خرج من الإسلام. قوله: (لا يبلغ عبد كفراً ولا شركاً) يعني: بالمعاصي حتى يفعل الشرك الأكبر، ومثل لذلك: بالذبح لغير الله أو الصلاة لغير الله. قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: جاورت مع جابراً بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا]. الشيخ: هذا الأثر عن جابر ﵁ سنده صحيح، وفيه: أن جابراً بن عبد الله سأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ قال: معاذ الله، فأهل القبلة الذين يستقبلون القبلة في الصلاة والذبح وغيرها ويلتزمون بأحكام الإسلام، لا يسمى أحد منهم كافراً إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة، ولهذا قال جابر: معاذ الله! قال: (فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا) لا يسمى مشركاً ولا يسمى كافراً بل هو مؤمن يبقى عليه اسم الإيمان وأحكام الإسلام إلا إذا وجد ما ينقض ذلك من الشرك في العبادة أو ناقض من نواقض الإسلام.

стр. 180

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٣] تعددت فرق أمة محمد في الإيمان، ومن هذه الفرق الجهمية والمعتزلة والخوارج والإباضية والصفرية والشيعة بمذاهبها، وكلها ذهبت مذاهب باطلة وخالفت منهج أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح.
следующие страницы →