Полный текст (235 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
توجيه حديث: آية المنافق ثلاث
قال المؤلف ﵀: [وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].
هذا الحديث فيه أن هذه الثلاث من علامات النفاق: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، وهذه معاص وليست نفاقاً أكبر يخرج من الملة، وإنما هو نفاق عملي، والصواب: كون صاحبها ضعيف الإيمان وناقص الإيمان، لكن لا ينتهي إيمانه ولا يخرج من الإيمان؛ لأنها ليست كفراً أكبر ولا ردة.
قال المؤلف ﵀: [وقول عبد الله: الغناء ينبت النفاق في القلب].
فإذا سمع الغناء وتلذذ به تلذذاً يذهب النفوس ويقعدها ضعف إيمانه ونقص.
стр. 177
وصف بعض الأعمال بالنفاق أو الكفر أو الشرك ليس معناها أنه يخرج من الملة
قال المؤلف ﵀: [ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم].
المؤلف يبدي ويعيد ويبين أن هذه الآثار التي فيها وصف بعض الأعمال بالنفاق أو بالكفر أو بالشرك أو بنفي الإيمان أو بالبراءة منه ليس معناها أنه يخرج من الملة، وأنه ينتهي إيمانه وأنه يكفر كفراً أكبر، وليس معناها أن راكبها يكون جاهلاً جهل الكفار ولا كافراً كالكافرين الخارجين من الملة، ولا منافقاً النفاق الأكبر وهو مؤمن بالله وبما جاء من عنده، بل معناها: أنه يكون جاهلاً لمعصيته جهلاً أصغر، وكافراً كفراً أصغر، ومنافقاً نفاقاً أصغر، ولهذا قال: (وليس معناها: أن راكبها يكون جاهلاً ولا كافراً ولا منافقاً وهو مؤمن بالله، وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة) أي: أن صاحبها يكون مرتكباً لكبيرة ومعصية، ويكون إيمانه ضعيفاً وناقصاً لكنه لا يخرج من الملة، ولهذا قال: (ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم).
قال المؤلف ﵀: [ولقد روي في بعض الأحاديث: (أن السواد خضاب الكفار) فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟!].
هذا الحديث ضعيف أخرجه الطبراني والحاكم والذهبي وغيره، وهو حديث منكر، لكن على فرض صحته فليس معناه أن الخضاب بالسواد يكون كفراً، إنما يكون معصية، ولهذا قال المؤلف: (فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب) بل يكون معصية، ويكون صاحبه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان لو صح هذا.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك حديثه في المرأة: (إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية)، فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟!].
هذا الحديث حديث صحيح ولفظه: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية).
فالمؤلف يقول: الحديث معناه: أنها عاصية وأنها مرتكبة لكبيرة، وأن إيمانها ناقص وضعيف، وليس المراد أنها فعلت الزنا الذي يوجب الحد ويقام فيه.
قال المؤلف ﵀: [ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان)، أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن].
هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه، وليس المراد أنهما شيطانان من أولاد إبليس؛ لأن إبليس هو أبو الجن، ولهذا قال: أتعرف الخلاق أم أصبحت ذا نكران وسل أبا الجن اللعين فقل له فهو أبو الجن، ومن لم يسلم من الجن سمي شيطاناً لتمرده، ومن أسلم فلا يسمى شيطاناً، وليس معنى الحديث أن المستبان من أولاد إبليس، وإنما المراد كما يقول: (على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن) يعني: المراد أنه تمرد، والمتمرد من كل جنس يسمى: شيطاناً، والمعنى: أن كونهما يتهاتران ويتكاذبان هذا معصية وكبيرة تضعف الإيمان وتنقصه، ولا يخرج بهما صاحبهما من الملة والإيمان بذلك، والمراد: أن هذا العمل من كبائر الذنوب ويضعف به الإيمان وينقص، ولا يخرج به الإنسان من الإيمان، بل يبقى معه أصل الإيمان ووصفه، فيدخل في خطاب المؤمنين وتشمله أحكام المؤمنين.
стр. 178
النصوص التي فيها ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة المراد بها الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر
قال المؤلف ﵀: [وكذلك كلما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا].
أي: أن كلما جاء من النصوص مما فيه ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة الموحدين فالمراد به الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر، مثل (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ومثل قوله ﷺ : (الرياء من الشرك) ومثل قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، ومثل قوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ومثل قوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ومثل كفر النعمة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢]، ومثل قوله ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، وما أشبه ذلك، فهذه النصوص التي فيها تسمية بعض الذنوب كفراً أو شركاً وفاعلها موحد وهو من أهل القبلة فالمراد بها: أنه فعل شركاً أصغر أو كفراً أصغر، وارتكب هذه الكبيرة العظيمة فيكون إيمانه ناقصاً وضعيفاً ولا يخرج به من الإسلام والإيمان، وتبقى أحكام الإسلام واسم الإيمان وجميع الأحكام ثابتة له إلا أنه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.
стр. 179
الآثار الدالة على أنه لا يبلغ العبد كفراً ولا شركاً حتى يفعل الشرك الأكبر
قال المؤلف ﵀: [ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبة بردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة].
يقول المؤلف: إن هذه النصوص التي سبقت وفيها تسمية بعض الكبائر شركاً أو كفراً إنما هي كبائر، وإن كان الشرك والكفر أكبر من الكبائر إلا أنها كبائر لا تخرج صاحبها من الملة، ولا يلحقه اسم الكفر الأكبر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبها ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وكلام المؤلف ﵀: (ويلحق صاحبه ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها) هذا فيه نظر، والصواب: أن الردة تحصل بكلمة الكفر كما سبق، وبفعل الكفر: كما لو سجد للصنم أو داس المصحف بقدمه أو لطخه بالنجاسة، هذا يكفر بهذا الفعل ولو لم يتكلم, كذلك أيضاً يكون الكفر باعتقاد الكفر: كما لو اعتقد أن لله صاحبة أو ولداً, ويكون أيضاً بكلمة الكفر: كمن سب الله أو سب رسوله أو سب دينه أو استهزأ بالله وكتابه ورسوله، ويكون الكفر أيضاً بالإعراض: كما لو أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.
إذاً: قول ليس بسليم بل يكون كافراً بكلمة الكفر وبفعل الكفر وباعتقاد الكفر وبالإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه, فهذه الأنواع كلها يخرج بها من الإسلام إلى دائرة الكفر.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال: لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها)].
الشيخ: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده مجهول وهو يزيد السلمي، ولكن معناه صحيح، وبعضه له شواهد.
قوله: (ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل) هذا صحيح، فمن قال: (لا إله إلا الله) وكان لا يقولها في كفره فإنه يحكم بإسلامه ثم بعد ذلك إن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ناقضاً من نواقض الإسلام عومل بذلك، فمن قال: (لا إله إلا الله) لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، هذا معتقد أهل السنة والجماعة.
قوله: (والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) هذا ثابت، وقوله: (والإيمان بالأقدار كلها) هذا يحتاج إلى نظر، فالإيمان بالأقدار كلها لا يعلم أنه ثابت في حديث صحيح ويحتاج إلى مراجعة، لكن معناه صحيح بل هو من أصل الإيمان، وركن من أركان الإسلام، لا يصح الإسلام إلا به.
إذاً: الكف عمن قال: (لا إله إلا الله) لا يكفر بذنب، ولا يخرج من الإسلام بعمل، إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام وفعل شركاً في العبادة، وكذلك أيضاً الجهاد ماض إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، كل هذا صحيح.
والمؤلف ﵀ بهذا الحديث يبين أن المسلم والمؤمن لا يخرج من الإيمان بذنب من الذنوب، ولا يخرج من الإسلام بعمل يعمله كما لو فعل كبيرة كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو عقوق الوالدين أو قطيعة الرحم, ما دام أنه مسلم ومؤمن وموحد فلا يخرج من الإسلام بذنب ولا يكفر بمعصية من المعاصي إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو فعل شركاً في العبادة، كما لو دعا غير الله أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله أو طاف بغير بيت الله تقرباً لذلك الغير أو سجد للصنم أو اعتقد الكفر, أما إذا فعل معصية أو كبيرة فإنه يبقى عليه اسم الإسلام وحكم الإسلام، ولكن إيمانه يكون ناقصاً وضعيفاً.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: لا يبلغ بعبد كفراًَ ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره].
قوله: (لا يبلغ بعبد) لعله (لا يبلغ عبد) وهذا الأثر عن ابن مسعود ضعيف؛ من أجل الصلت بن دينار فإنه ضعيف جداً، لكن المؤلف ﵀ يبين أن الإنسان المؤمن لا يخرج من الإيمان بالمعاصي إلا إذا فعل كفراً أو شركاً، وعلى فرض صحته فقوله: (لا يبلغ عبداً كفراً ولا شركاً حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله) لأنه إذا ذبح لغير الله أشرك شركاً أكبر، وكذلك إذا صلى لغير الله، وهذا مثال، وكذا جميع النواقض وجميع أنواع الشرك إذا فعلها خرج من الإسلام.
قوله: (لا يبلغ عبد كفراً ولا شركاً) يعني: بالمعاصي حتى يفعل الشرك الأكبر، ومثل لذلك: بالذبح لغير الله أو الصلاة لغير الله.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: جاورت مع جابراً بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا].
الشيخ: هذا الأثر عن جابر ﵁ سنده صحيح، وفيه: أن جابراً بن عبد الله سأله رجل: هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً؟ قال: معاذ الله، فأهل القبلة الذين يستقبلون القبلة في الصلاة والذبح وغيرها ويلتزمون بأحكام الإسلام، لا يسمى أحد منهم كافراً إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة، ولهذا قال جابر: معاذ الله! قال: (فهل تسمونه مشركاً؟ قال: لا) لا يسمى مشركاً ولا يسمى كافراً بل هو مؤمن يبقى عليه اسم الإيمان وأحكام الإسلام إلا إذا وجد ما ينقض ذلك من الشرك في العبادة أو ناقض من نواقض الإسلام.
стр. 180
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٣]
تعددت فرق أمة محمد في الإيمان، ومن هذه الفرق الجهمية والمعتزلة والخوارج والإباضية والصفرية والشيعة بمذاهبها، وكلها ذهبت مذاهب باطلة وخالفت منهج أهل السنة والجماعة وما كان عليه السلف الصالح.
стр. 181
ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر ولا تخرج من الإيمان
قال المؤلف ﵀: [باب ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر بلا خروج من الإيمان: قال أبو عبيد: حديث النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله)، وكذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه)، ومنه قول عبد الله: شارب الخمر كعابد اللات والعزى وما كان من هذا النوع مما يشبه فيه الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما, ولا وجه لهذا عندي؛ لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض فقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولكن وجوهها عندي أن الله قد نهى عن هذه كلها، وإن كان بعضها عنده أجل من بعض، يقول: من أتى شيئاً من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي كما لحق بها الآخرون؛ لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرماً من بعض].
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ لبيان ذكر الذنوب التي تلحق بالكبائر وليس فيها بيان أنها شرك أو كفر، بل تلحق بالكبائر ولا يخرج صاحبها عن الإيمان, فهي مثل الذنوب التي سميت شركاً أو كفراً، كالحلف بغير الله وكالطعن في النسب.
فكذلك الذنوب التي تلحق بالكبائر فإنها لا تخرج صاحبها عن الإيمان وإنما يكون صاحبها مرتكباً لكبيرة فيكون ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.
وحديث النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) الحديث أخرجه مسلم ﵀، وفيه أن النبي ﷺ شبه لعن المؤمن بالقتل، والقتل كبيرة وكذلك اللعن كبيرة، فيكون لعن المؤمن كبيرة، فإذا لعن الإنسان مؤمناً ضعف إيمانه ونقص، كما أنه إذا قتله ضعف إيمانه ونقص.
قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه)، هذا الحديث أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن ابن مسعود وله شاهد في مسلم.
وكما أن دم المسلم حرام فكذلك ماله حرام، فإذا أخذ ماله بغير حق ارتكب كبيرة وضعف إيمانه ونقص.
قول عبد الله: شارب الخمر كعابد اللات والعزى، هو عبد الله بن مسعود، شبه شارب الخمر بعابد اللات، أي: شبه الذنب بذنب آخر، وإن كان عابد الوثن مرتكباً للشرك الأكبر إلا أن المشبه أقل من المشبه به، فتشبيهه به يدل على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، وهذا على فرض صحة الحديث، وهو موقوف على عبد الله، والمحشي يقول: إنه صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ ولم أره موقوفاًَ على ابن مسعود.
فالمقصود أن هذا فيه تشبيه, شبهه بالشرك، لكن المشبه أقل من المشبه به، ولهذا قال المؤلف: (وما كان من هذا النوع مما يشبه في الذنب بآخر أعظم منه، وقد كان في الناس من يحمل ذلك على التساوي بينهما، ولا وجه لهذا عندي) أي: بعض الناس يسوي بين المشبه والمشبه به فيقول: لعن لمؤمن كقتله في الجريمة، لكن هذا ليس بصحيح، فالقتل أشد من اللعن، كذلك (حرمة ماله كحرمة دمه) فحرمة الدم أعظم من حرمة المال.
و (شارب الخمر كعابد الوثن) ولا شك أن شارب الخمر ليس كعابد الوثن، ومن يحمل ذلك على التساوي ويجعل المشبه كالمشبه به قال فيه المؤلف: (ولا وجه لذلك عندي؛ لأن الله قد جعل الذنوب بعضها أعظم من بعض) يعني: أن الله تعالى قسم الذنوب إلى كبائر وصغائر، والكبائر بعضها أكبر من بعض، وكل كبيرة هي صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها وكبيرة بالنسبة إلى ما دونها.
واستدل بقول الله تعالى: ﴿(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] في أشياء كثيرة من الكتاب والسنة يطول ذكرها) يقول: هذه أمثلة وإلا فالأدلة كثيرة، (ولكن وجوهها عندي) يعني: معنى هذه النصوص وتفسيرها (أن الله قد نهى عن هذه كلها، وإن كان بعضها عنده أجل من بعض) فالله تعالى نهى عن الكبائر وإن كان بعضها أكبر من بعض، فنهى عن لعن المؤمن ونهى عن قتله ونهى عن ماله ودمه، وإن كان بعضها أكبر من بعض، فالقتل أعظم من اللعن، وحرمة الدم أعظم من حرمة المال، لكن يجمعها شيء واحد وهو أن الله نهى عنها كلها وإن كان بعضها عنده أجل من بعض عند الله.
قوله: (من أتى شيئاً من هذه المعاصي فقد لحق بأهل المعاصي كما لحق بها الآخرون؛ لأن كل واحد منهم على قدر ذنبه قد لزمه اسم المعصية، وإن كان بعضهم أعظم جرماً من بعض) المعنى أن الذنوب التي تلحق بالكبائر أو تلحق بما هو أكبر منها كلها معاص تنقص الإيمان وتضعفه كالكبائر لا تخرج صاحبها من الملة.
قال المؤلف ﵀: [وفسر ذلك كله الحديث المرفوع حين قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠])، فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي، نهى الله عنهما معاً في مكان واحد فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان].
المؤلف يفسر هذا أن الذنب قد يلحق بالذنب وإن لم يبلغ مرتبته حديث: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله) هذا إذا صح الحديث، وأظنه ضعيفاً، لكن على فرض صحته، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، فقرن قول الزور بالشرك بالأوثان، ومعلوم أن قول الزور أقل من عبادة الأوثان، فهذا ألصق بهذا؛ لأن هذا كبيرة وهذا كبيرة, والرجس من الأوثان كبيرة تصل إلى الشرك وقول الزور كبيرة لا تصل الشرك.
فإلحاق الذنب بما هو أكبر منه يجعله كبيرة ولا يخرج صاحبه من الإيمان, فلا يخرج بقول الزور وشهادة الزور من الإيمان، ولهذا قال المؤلف: (فقد تبين لنا الشرك والزور، وإنما تساويا في النهي، نهى الله عنهما معاً في مكان واحد) في آية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] (فهما في النهي متساويان، وفي الأوزار والمأثم متفاوتان) فهذا شرك أكبر يخرج من الملة وهذا معصية.
стр. 182
أمثلة على تفاوت الجرائم والمعاصي وتفاوت من يفعلها
قال المؤلف ﵀: [ومن هنا وجدنا الجرائم كلها، ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعداً، وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع؟ فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق كهذا، فيجمعهما في الاسم وفي ركوبهما المعصية، ويفترقان بالعقوبة على قدر الزيادة في الذنب].
المعنى أننا نجد الجرائم والمعاصي كلها بينها تفاوت، فقد يكون مسماها واحداً والذين يفعلونها متفاوتون فيها، ولهذا قال: (ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعداً وإن كان دون ذلك لم يلزمه قطع)، ربع الدينار ثلاثة دراهم، فإذا سرق ما يبلغ ربع دينار قطعت يده وإذا سرق ألفاً تقطع يده، وإذا سرق ألفين تقطع يده، والذي يسرق ديناراً يسمى سارقاً، والذي يسرق ثلاثة دنانير كذلك، والذي يسرق ألف أو مليون ديناراً كلهم يطلق عليهم لفظ السارق، لكنهم متفاوتون في الجريمة والمعصية، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ألا ترى السارق يقطع في ربع دينار فصاعداً، وإن كان دون ذلك لم يلزمه القطع، فقد يجوز في الكلام أن يقال: هذا سارق) فالذي سرق ديناراً سارق، والذي يسرق ألف سارق فهما في الاسم سواء، كل منهما يسمى سارقاً وكل منهما عاص، ويفترقان في العقوبة على قدر الزيادة في الذنب، فالذي يسرق الملايين ذنبه أعظم من الذي يسرق ديناراً واحداً، وإن كان كل منهما يسمى سارقاً، فدل ذلك على أن الذنوب والمعاصي والكبائر تتفاوت، وهي كلها تضعف الإيمان.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك البكر والثيب يزنيان، فيقال: هما لله عاصيان معاً، وأحدهما أعظم ذنباً وأجل عقوبة من الآخر].
فالبكر والثيب يزنيان وكل منهما زان وعاص عند الله، وكل منهما مرتكب لكبيرة، لكن الثيب أعظم ذنباً وأعظم عقوبة، فالثيب يرجم بالحجارة حتى يموت، والبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عاماً، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً, البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم) أو كما جاء في الحديث.
إذاً: الثيب يرجم والبكر يجلد، فهما وفعا في إثم واحد وهو الزنا، ولكن العقوبة متفاوتة، وكل منهما ضعيف الإيمان، وكذلك المؤمنون يتفاوتون في إيمانهم, فالذي يرتكب الكبيرة العظيمة يضعف إيمانه، والذي يرتكب كبيرة أقل منها يضعف بقدرها، فيكون الذي يرتكب الكبيرة العظيمة إيمانه ضعيفاً، فالزاني الثيب أضعف إيماناً من الزاني البكر، بل يكون إيمانه أشد ضعفاً.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك قوله: (لعن المؤمن كقتله) إنما اشتركا في المعصية حين ركباها، ثم يلزم كل واحد منهما من العقوبة في الدنيا بقدر ذنبه].
فالذي يلعن مؤمناً والذي يقتل مؤمناً كل منهما يسمى عاص، فاللاعن عاص والقاتل عاص لكن هل العقوبة واحدة والذنب واحد؟ لا، القاتل يقتل عمداً عدواناً، واللاعن لا يقتل ولكن يقتص منه، وكذلك في الإيمان يتفاوتان، فقاتل المؤمن ذنبه عظيم وإيمانه ناقص، وهو أضعف إيماناً من اللاعن.
قال المؤلف ﵀: [ومثل ذلك قوله: (حرمة ماله كحرمة دمه) وعلى هذا وما أشبه أيضاً].
لا شك أن من أخذ مال المسلم بغير حق مرتكب للكبيرة، ومن قتله بغير حق مرتكب للكبيرة، لكن من سفك الدم بغير حق أعظم ذنباً وإيمانه أشد ضعفاً ممن أخذ المال، وكل منهما يسمى عاصياً مرتكباً لكبيرة، وكل منهما ناقص الإيمان.
والمؤلف ﵀ يبين أن الناس يتفاوتون في إيمانهم, وليسوا على حد سواء، خلاف المرجئة الذين يقولون: الإيمان واحد، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، وإيمان أفجر الناس وأتقى الناس واحد.
فالذي يقتل ويزهق النفوس ويأخذ الأموال ويشرب الخمور هذا إيمانه مثل إيمان أتقى الناس وأعبد الناس، على حد زعمهم، وهذا من أبطل الباطل.
فالمؤلف ﵀ يبن أن الناس يتفاوتون في الإيمان على حسب تفاوتهم في التقوى والإيمان والطاعة والعمل الصالح، وكذلك يتفاوتون في ضعف الإيمان على حسب الجرائم والكبائر التي ارتكبوها، فالقاتل إيمانه أشد ضعفاً ممن لعن المؤمن أو سبه.
стр. 183
الأسس التي مشى عليها المؤلف في رسالته
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: كتبنا هذا الكتاب على مبلغ علمنا وما انتهى إلينا من الكتاب وآثار النبي ﷺ والعلماء بعده، وما عليه لغات العرب ومذاهبها، وعلى الله التوكل وهو المستعان].
قوله: (قال أبو عبيد) هو المؤلف القاسم بن سلام.
قوله: (كتبنا هذا الكتاب) وهو كتاب الإيمان.
قوله: (على مبلغ علمنا) هذا من ورعه ﵁ وتواضعه.
قوله: (وما انتهى إلينا من الكتاب وآثار النبي ﷺ والعلماء بعده) يقول: أنا كتبت هذا الكتاب وألفت هذا التأليف ووضعت ما فيه حسب ما وصل إليه علمي, والعلم إنما يؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله وما دلت عليه اللغة العربية وما أقره أهل العلم، وهكذا لا ينبغي للإنسان ألا يتكلم في شرع الله ودينه إلا عن علم وبصيرة.
قوله: (وعلى الله التوكل) يعني: الاعتماد وتفويض الأمر.
قوله: (وهو المستعان) أي: وهو المعين .
стр. 184
مذاهب الجهمية والمعتزلة والإباضية والصوفية والفضلية في الإيمان والرد عليهم
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: ذكرت الأصناف الخمسة الذين تركنا صفاتهم في صدر كتابنا هذا من تكلم به في الإيمان هم الجهمية والمعتزلة والإباضية والصفرية والفضلية].
ذكر أبو عبيد ﵀ أول هذا الكتاب الأصناف الخمسة وقد أشار إليهم وترك صفاتهم في الكتاب، وأراد الآن أن يذكر مذاهبهم في الإيمان وهم خمس طوائف: الطائفة الأولى الجهمية، والطائفة الثانية المعتزلة، والطائفة الثالثة الإباضية، والإباضية هم الخوارج، والصفرية كذلك من الخوارج، والفضلية من الخوارج، والمؤلف ﵀ يريد أن يذكر مذهب هؤلاء الطوائف الخمس, في الإيمان.
أما الجهمية فهم الذين ينكرون أسماء الله وصفاته، وزعيمهم الجهم بن صفوان، يقولون: ليس لله اسم ولا صفة والعياذ بالله، ويقولون: إن الأسماء والصفات الواردة في النصوص كالعليم الحكيم العزيز أن هذه أسماء لخلقه، أضيفت إليه إضافة تشريف، كما أضيفت الناقة والعبد والرسول إلى الله، والذي يقول: إن الله ليس له اسم ولا صفة معناه أنه لا يوصف بأي وصف ولا يسمى بأي اسم، وليس هناك شيء في الوجود إلا له اسم وصفة، فإذا قلت مثلاً: هناك كرسي ليس له طول ولا عرض، وليس في السماء ولا في الأرض ولا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايد له ولا متصف به ولا متصف بغيره، هذا يكون العدم، فالجهمية يصفون ربهم ويعبدون معدوماً، والجهمية يقولون: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، وليس في العلو ولا فوق السموات ولا تحتها ولا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباين له ولا محايد ولا متصل به ولا غير متصل، وهذا يكون مستحيلاً وأعظم من العدم.
ولهذا ذكر ابن القيم أن الجهمية كفرها خمسمائة عالم، فقال: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام قد حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني فالجهمية كفار والعياذ بالله؛ لأنهم ما أثبتوا الوجود لله، والجهمية الأولى يقولون: إن الله يختلط بالمخلوقات ممتزج بها نعوذ بالله، وهذا كفر وردة، والطائفة المتأخرون منهم ينفون أن الله لا داخل العالم ولا خارجه.
أما المعتزلة فهم يثبتون الأسماء لله، لكن ينكرون الصفات، فيقولون: الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، ولهذا كفرهم أكثر أهل العلم، ومن العلماء من بدعهم، والإباضية طائفة من الخوارج، وكذلك الصفرية والفضلية، وكل هؤلاء الطوائف الخمس استدركها المؤلف ﵀ وقال: ذكرت هذه الأصناف الخمسة في صدر هذه الرسالة وتركت وصفهم، والآن أريد أن أتكلم عن كل واحدة من هذه الطوائف الخمس وأبين لك مذهبها في الإيمان.
стр. 185
مذهب الجهمية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [فقالت الجهمية].
الجمهية هم أتباع الجهم بن صفوان وهم ينكرون الأسماء والصفات نعوذ بالله، وسبق أن مذهبهم أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ولو فعل جميع المنكرات وجميع أنواع الردة، نعوذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالت الجهمية: الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسان ولا إقرار بنبوة ولا شيء من أداء الفرائض].
مذهب الجهمية في الإيمان معرفة الله في القلب, قالوا: من عرف ربه بقلبه فهو مؤمن ولو لم ينطق بلسانه ولو لم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ولو لم يعمل شيئاً لا صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجاً، يكفي المعرفة ولو لم يقر بنبوة النبي ﷺ ولو لم يفهم شيئاً من القرآن، وهذا من أخبث المذاهب، وهو أفسد مذهب في تعريف الإيمان، وسبق أن المؤلف ﵀ ألزم الجهمية بأن إبليس يكون مؤمناً على مذهبهم؛ لأنه يعرف ربه بقلبه بدليل: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤].
كذلك فرعون يعرف ربه حيث قال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال الله تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فيكون مؤمناً على مذهب الجهمية، وكذلك اليهود مؤمنون على مذهب الجهمية بدليل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦].
أما أبو طالب الذي ثبت في صحيح البخاري أنه مات على الشرك فإنه يكون مؤمناً على مذهب الجهم بدليل قول أبي طالب في قصيدته: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً فتبين بهذا أن مذهب الجهمية في الإيمان أفسد وأخبث مذهب، وأن رءوس الكفر: إبليس وفرعون واليهود والوثنيين وأبا طالب كلهم يكونون مؤمنون على مذهب الجهم.
قال المؤلف ﵀: [احتجوا في ذلك بإيمان الملائكة فقالوا: قد كانوا مؤمنين قبل أن يخلق الله الرسل].
حجتهم داحضة حيث قالوا: إن الملائكة مؤمنون قبل أن يخلق الله الرسل، فدل على أنه لا حاجة إلى الرسل وأنه يكفي المعرفة بالقلب، وهذا مذهب باطل.
стр. 186
مذهب المعتزلة في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت المعتزلة].
وهم أتباع عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وسموا بذلك؛ لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري وصاروا يقررون مذاهبهم الباطلة في القول بأن مرتكب الكبيرة خارجاً من الإيمان.
قال المؤلف ﵀: [وقالت المعتزلة: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، فمن قارف شيئاً كبيراً زال عنه الإيمان، ولم يلحق بالكفر فسمي فاسقاً ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه].
مذهب المعتزلة في الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالقلب وبالجوارح واجتناب الكبائر كلها، فلابد أن يؤدي الفرائض وينتهي عن الكبائر، ولا يكون مؤمناً إلا إذا صدق بقلبه وأقر بلسانه وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، لكن الخلاف بينهم وبين أهل السنة أن من قارف كبيرة واحدة انتهى إيمانه، فإذا زنا أو سرق خرج من الإيمان، وإذا غش أو عق والديه خرج من الإيمان، لكن لا يكون كافراً، بل خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، وهو في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر، إلا أن أحكام الإيمان جارية عليه، والخوارج كذلك مثلهم، مع خلاف في أحكام الدنيا، أما في الآخرة فيحكمون عليه بأنه مخلد في النار، فالذي يفعل كبيرة خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر وصار في منزلة بين المنزلتين ويسمى فاسقاً وليس بمؤمن ولا كافر وهو في الآخرة مخلد في النار.
أما الإيمان عند الخوارج فهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح وأداء للفرائض وانتهاء عن المحارم، ولا يكون مؤمناً إلا إذا صدق بقلبه وأقر بلسانه وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، لكن الفرق بينهم وبين أهل السنة أن من فعل كبيرة عند الخوارج خرج من الإيمان ودخل في الكفر، أما في الدنيا فتجرى عليه أحكام الكفرة فيستحلون دمه وماله, وفي الآخرة هو مخلد في النار، فالخوارج والمعتزلة يتفقون في تعريف الإيمان وفي أن صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان ويخلد في النار، لكن في أحكام الدنيا: المعتزلة قالوا: خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وتجرى عليه أحكام الإسلام, والخوارج قالوا: خرج من الإيمان ودخل في الكفر وتجرى عليه أحكام الكفرة فيقتل ويحل دمه وماله.
стр. 187
مذهب الإباضية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات، فمن ترك شيئاً كان كافر نعمة، وليس بكافر شرك، واحتجوا بالآية التي في إبراهيم ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:٢٨]].
الإباضية طائفة من الخوارج, والذين كتبوا في الفرق كالملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لـ ابن حزم والفرق للبغدادي ذكروا أن الخوارج ما يقارب اثنين وعشرين فرقة، وكذلك الشيعة ما يقارب من أربعة وعشرين فرقة، فالإباضية طائفة من طوائف الخوارج، وهذه الطوائف يتفقون في أشياء ويختلفون في أشياء.
قوله: (وقالت الإباضية: الإيمان جماع الطاعات) يعني: لابد أن يصدق بقلبه ولابد أن يقر بلسانه ولابد أن يؤدي الواجبات والفرائض وينتهي عن المحرمات، لكن من ترك شيئاً من الطاعات يكون كافراً كفر نعمة لا كافر شرك وهذا يدل على أن الخوارج يتفاوتون، فليس كلهم مكفر بالمعاصي، فالإباضية قالوا: إذا ترك شيئاً صار كافراً كفر نعمة لا كافراً كفر شرك، دليلهم الآية التي في إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم:٢٨] فهو بدل نعمة الله وهي الطاعة بدلها حيث تركها فصار كافراً كفر نعمة، والمعروف أن بعض طوائف الخوارج يقولون: إذا ترك الطاعة أو فعل المعصية كفر كفراً أكبر يخرج من الملة ويحل دمه وماله.
стр. 188
مذهب الصفرية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الصفرية مثل ذلك في الإيمان أنه جميع الطاعات، غير أنهم قالوا في المعاصي صغارها وكبارها: كفر وشرك ما فيه إلا المغفور منها خاصة].
الصفرية طائفة من طوائف الخوارج، قالوا مثلما قالت الإباضية: الإيمان جميع الطاعات كلها، تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح وأداء الفرائض وانتهاء عن المحارم، لكن يقولون في المعاصي: إن المعاصي الصغار والكبار كفر وشرك، كل معصية يسمونها كفراً وشركاً.
قوله: (إلا المغفور منها خاصة) المغفور منها هذا يستثنى، وما لم يغفر فهو كفر وشرك سواء كان معصية كبيرة أو صغيرة، فكل ذنب كبير أو صغير فهو كفر وشرك إلا ما غفره الله، فالذي يغفره الله يستثنى، والذي لا يغفره الله يكون كفراً وشركاً حتى اللطمة الخفيفة وما أشبه ذلك يسمى كفراً وشركاً.
стр. 189
مذهب الفضلية في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقالت الفضلية مثل ذلك في الإيمان أنه أيضاً جميع الطاعات إلا أنهم جعلوا المعاصي كلها ما غفر منها وما لم يغفر كفراً وشركاً، قالوا: لأن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم لقوله: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦]].
هذا مذهب الطائفة الثالثة من الخوارج وهي الفضلية، فتكون الطوائف الثلاث الإباضية والصفرية والفضلية كلهم يقولون: الإيمان جميع الطاعات.
فالفضلية يقولون: الإيمان جميع الطاعات، لكن يقولون: المعاصي كلها المغفور منها وما لم يغفر كله يسمى كفراً وشركاً، فهم يسمون المعاصي كفراً حتى المغفور منها، وكل معصية ولو كانت سرقة أو شرب خمر أو سب كلها شرك وكفر عندهم، وحتى ولو كان مغفوراً ودليلهم أن الله جل ثناؤه لو عذبهم عليها كان غير ظالم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦].
стр. 190
اختلاف الإباضية والصفرية والفضلية من فرق الخوارج في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وهذه الأصناف الثلاثة من فرق الخوارج معاً إلا أنهم اختلفوا في الإيمان].
هذه الأصناف الثلاثة الإباضية والصفرية والفضلية كلها من فرق الخوارج، وهي تزيد على عشرين فرقة، اتفقوا على أن الإيمان جميع الطاعات، لكن اختلفوا فيمن فعل المعاصي بعد ذلك، فالإباضية يقولون: يكون كافراً كفر نعمة، والصفرية يقولون: المعاصي كلها كبار وصغار كفر وشرك ولا يستثنى إلا المغفور، والفضلية يقولون: حتى المغفور يسمى شركاً وكفراً.
стр. 191
وفاق الشيعة لفرقتين خارجيتين في الإيمان
قال المؤلف ﵀: [وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، ووافقت الرافضة المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية].
الشيعة طوائف كثيرة، واسم الشيعة عام لكل من يتشيع لـ علي وأهل البيت، لكن هم طبقات أكثر من عشرين فرقة مثل الخوارج، منهم الزيدية ومنهم الرافضة ومنهم المفضلة، ومنهم المخطئة الذين خطئوا جبريل وقالوا: إن جبريل أخطأ في الرسالة أرسله الله إلى علي فأخطأ وأتى بها إلى محمد، هؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
أما النصيرية وهم أغلى طوائف الشيعة فيقولون: إن الله حل في علي، ويقولون: علي هو الإله، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ثم يليهم المخطئة الذين خطأوا جبريل، قالوا: جبريل أرسله الله إلى علي لكن جبريل خان ووصلها إلى محمد، ويقولون عبارة مشهورة: خان الأمين وصدها عن حيدرة، قولهم: (خان الأمين) وهو جبريل (وصدها) أي: الرسالة (عن حيدرة) لقب علي.
أما الرافضة فهم يكفرون الصحابة ويسبونهم ويغلون في آل البيت ويقولون: إن القرآن طار ثلثيه ولم يبق إلا الثلث.
وهذه أعمال كفرية.
أما الزيدية فهم الذين يفضلون علياً على عثمان وهم مبتدعة.
إذاً: الشيعة طبقات منهم الكافر ومنهم المؤمن على حسب الاعتقاد، والخوارج طبقات.
قوله: (وقد وافقت الشيعة فرقتين منهم، فوافقت الرافضة المعتزلة ووافقت الزيدية الإباضية).
الشيعة وافقوا فرقتين من فرق الخوارج، فوافقت الرافضة المعتزلة في الإيمان قالوا: الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر، ومن قارف شيئاً كبيراً زال عنه اسم الإيمان ولم يلحق بالكفر فيسمى فاسقاً لا مؤمناً ولا كافراً، فمذهب الرافضة في الإيمان مثل مذهب المعتزلة، ووافقت الزيدية الإباضية، قالوا: الإيمان جماع الطاعات ومن ترك شيئاً كان كافراً كفر نعمة لا كفر شرك.
стр. 192
النصوص التي ترد على هذه المذاهب وتبطلها
قال المؤلف ﵀: [وكل هذه الأصناف يكسر قولهم ما وصفنا به باب الخروج من الإيمان بالذنوب].
قوله: (كل هذه الأصناف يكسر قولهم) يعني: يرد قولهم ومذهبهم الباطل.
قوله: (ما وصفنا به باب الخروج من الإيمان بالذنوب) يقول: نرد على هذه الطوائف التي سبق ذكرها في قولهم إنه يخرج من الإيمان بالمعصية النصوص التي ذكرناها في الباب السابق أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بالمعاصي كما سبق إذا فعل شركاً أصغر أو كفراً أصغر أو فعل الزنا أو السرقة.
فهذه النصوص التي سبقت نرد بها على هذه الأصناف من أصناف الخوارج والمعتزلة، أنها لا تخرج صاحبها من الإيمان ولا تنفي عنه اسمه، وإنما ينفى عنه كمال الإيمان، فيكون ضعيف الإيمان.
стр. 193
بطلان مذهب الجهمية
قال المؤلف ﵀: [إلا الجهمية فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]].
الجهمية من أشد الأصناف التي سبقت، فإن مذهبهم يبطله جميع أهل الملة ويردونه، والقرآن يكذب مذهبهم ويبطله؛ لخبثه وفساده؛ لأنهم قالوا: الإيمان معرفة الله بالقلب فقط، فهو مذهب خبيث وفاسد، وكل المسلمين يردونه ويبطلونه بعد تكذيب الله له، فالقرآن يبطل مذهبهم، والسنة تبطل مذهبهم، وعموم المسلمين كلهم يشنعون عليهم ويبطلون مذهبهم إلا الجهمية.
قوله: (وتكذيب القرآن إياهم حين قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]).
هذه الآية بين الله فيها أن أهل الكتاب يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك اليهود والنصارى كفار بإجماع المسلمين، وهم يعرفون ربهم بقلوبهم ويعرفون صدق محمد ﵊ ومع ذلك فهم كفار، وهذا يبطل مذهب الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]].
كذلك أخبر الله عن فرعون الذي ادعى الربوبية أنه يعرف ربه بقلبه وأنه مستيقن في الباطن، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ومع ذلك ففرعون رأس في الكفر والضلال وهو يعرف ربه مستيقن بقلبه، وهذا كله يبطل مذهب الجهمية الذين يقولون: الإيمان معرفة الرب بالقلب.
قال المؤلف ﵀: [فأخبر الله عنهم بالكفر إذا أنكروا بالألسنة].
أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم كفروا، وكذلك فرعون وملئه؛ لأنهم أنكروا بألسنتهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]، فرعون أنكر باللسان وكذب موسى، وكذلك أهل الكتب كذبوا النبي ﷺ ، وأنكروا رسالته ونبوته فكفروا لما كذبوا بألسنتهم ولو كانوا يعرفون بقلوبهم.
قال: [وقد كانت قلوبهم بها عارفة].
نعم كانت القلوب عارفة لكن كفروا لما كذبوا بألسنتهم.
قال المؤلف ﵀: [ثم أخبر الله عن إبليس أنه كان من الكافرين وهو عارف بالله بقلبه ولسانه أيضاً].
إبليس أخبر الله أنه كافر قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، مع أنه عارف ربه بقلبه ولسانه؛ لأن الله أخبر عنه، قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦].
إذاً: إبليس عرف ربه بقلبه ولسانه لكن لما استكبر عن عبادة الله صار كافراً، فكون الإنسان يعرف ربه بقلبه وبلسانه لا يكفي حتى ينقاد لشرع الله ودينه.
قال المؤلف ﵀: [في أشياء كثيرة يطول ذكرها كلها ترد قولهم أشد الرد وتبطله أقبح الإبطال].
يقول المؤلف ذكرنا الآيتين كمثال، وإلا فالأدلة كثيرة من الكتاب والسنة كلها تبطل مذهب الجهمية وتردها وتبطلها.
стр. 194
خاتمة الكتاب
قال المؤلف ﵀: [تم الكتاب، أعني الرسالة، وكتب بخطه في شوال سنة ثمان وثمانين وأربعمائة من نسخة الشيخ العتيق أبي محمد عثمان بن أبي نصر بمصر، قوبل به، والحمد لله وحده].
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله أن يثبتنا على دين الإسلام حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.
стр. 195
شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٤]
стр. 196
نصيحة لطلاب العلم
السؤال
فضيلة الشيخ كما تعلمون أن العلم وسيلة من وسائل التقرب إلى الله وزيادة الإيمان والخشية، فبعد أن أنهينا كتاب الإيمان ولله الحمد, فما هي نصيحتكم لطلاب العلم للعمل بما علموا؛ لأن ثمرة العلم العمل؟
الجواب
لا شك أن ثمرة العلم العمل، وأن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، والله أثنى على المؤمنين بخشيته وتقواه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
فالعلماء قسمان: علماء الآخرة والشريعة الذين يعلمون ويعملون، أما علماء السوء فهم الذين يعلمون ولا يعملون نسأل الله العافية، كما أخبر الله عن اليهود، ونحن في كل ركعة من ركعات الصلاة فرض الله علينا أن نقرأ سورة الفاتحة، وفيها الثناء على الله في أولها، ثم الدعاء العظيم في آخرها وهو أعظم وأنفع وأجمع دعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، وحاجة المسلم إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جنبيه؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب وفقد النفس مات والموت لابد منه، ولا يظن الإنسان أنه يموت إذا كان مستقيماً على شرع الله ودينه، لكن إذا فقد الهداية مات روحه وقلبه وصار إلى النار نعوذ بالله، فقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ثبتنا اهدنا ودلنا على الصراط المستقيم، وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] هم الذين يعلمون ويعملون، فهم المنعم عليهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] هم الذين يعلمون ولا يعملون، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً اليهود ومن فسد من علماء هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] يعني: غير طريق الضالين وهم الذين يعبدون الله على جهل وضلال.
فالطائفة الأولى تعلم ولا تعمل، فهم مغضوب عليهم، وهم العلماء الذين يعلمون ولا يعملون وهم علماء السوء كما قال ابن تيمية ﵀: (علماء السوء تخالف أقوالهم أفعالهم إذا قالوا بألسنتهم: افعلوا، قالت أفعالهم للناس: لا تفعلوا، قطاع طريق يقطعون الطريق عن الناس بأفعالهم الخبيثة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] فهم مغضوب عليهم يعلمون ولا يعملون، والطائفة الثانية يعملون ويتعبدون لكن على جهل وضلال كطوائف النصارى، وبعض الصوفية وغيرهم، وهما داءان إذا سلم الإنسان منهما سلم: الداء الأول: ترك العمل, وهو داء الغواية، والداء الثاني: الجهل، وهو التعبد على جهل وضلال، وقد برأ الله نبيه الكريم من هذين الداءين بقوله سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] (ما ضل) ليس ضالاً ﵊ بل هو على علم علمه ربه، ولا غاوياً لا يعمل بعلمه بل هو بار راشد.
فالمؤمن الذي يعلم ويعمل يقال له: راشد، والذي يعلم ولا يعمل يقال له: غاوي, والذي يعمل بدون علم هذا ضال.
стр. 197
إشكال في قوله: (لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل)
السؤال
أشكل علي قول: (لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل) أليس سب الله ذنب والسجود للصنم عمل، فلماذا لا نكفره خاصة؟
الجواب
إذا ذكر الذنب المراد به دون الشرك، فقوله (لا نكفره بذنب) يعني: دون الشرك، (ولا نخرجه من الإسلام بعمل يعمله) فمن زنا أو سرق أو ترك بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات لا نخرجه من الإسلام، ما لم يفعل شركاً أو يفعل ناقضاً من نواقض العبادة.
إذاً: الذنب إذا أطلق فالمراد به ما دون الشرك.
стр. 198
مراد الإباضية بكفر النعمة
السؤال
ما مراد الإباضية بقولهم: كفر نعمة؟
الجواب
يعني: كفر أصغر لا يخرج من الملة مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢].
стр. 199
الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهب الإباضية
السؤال
ما الفرق بين مذهب أهل السنة ومذهب الإباضية؟
الجواب
المعاصي عند أهل السنة طبقات، بعضها يسمى كفراً وهو ما سمي في النصوص كفراً مثل الطعن في النسب والنياحة على الميت، والذي لم يسم في النصوص كفراً لا نسميه كفراً, والإباضية يسمون كل معصية كفر نعمة، فإذا ترك شيئاً من الطاعات هو كافر كفر نعمة.
стр. 200
حكم القول بخلق القرآن ونفي الصفات
السؤال
هل الإباضية القائلين بخلق القرآن، والقائلين بقول الجهمية: سميع بلا سمع، هل هم كفار؟
الجواب
من قال بخلق القرآن فهو كافر على جهة العموم، أما الشخص المعين فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة وحتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، لكن على العموم من قال: كلام الله مخلوق فهو كافر كما قاله الإمام أحمد وكثير من السلف، أما نفي الصفات كأن يقول: إن الله سميع بلا سمع، فهذا قول المعتزلة، والمعتزلة فيهم خلاف بين العلماء، والجمهور على أنهم مبتدعة وبعض العلماء كفرهم.
стр. 201
حكم أخذ مال الكافر
السؤال
هل جميع دول الغرب في أوروبا وأمريكا دول حرب، بحيث يجوز للمسلم إذا كان داخلها بغير عهد جاز له أن يسرق فيها؟
الجواب
لا ليس بصحيح، لا يجوز للإنسان أن يسرق ولا يأخذ مالاً إلا من مال الكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب، وبيننا وبينه السلاح، هذا حلال الدم والمال، أما الكافر الذمي الذي له عهد بيننا وبينه أو صلح أو دخل إلى البلاد بذمة أو عهد وما أشبه ذلك فهؤلاء لا يجوز قتلهم ولا أخذ أموالهم، بل إن ذلك فيه الوعيد الشديد، قال ﵊: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)، هذا من كبائر الذنوب، فليس كل كافر يحل دمه وماله، إنما هذا في الكافر الحربي الذي بيننا وبينه حرب، وبيننا وبينه خلاف، هذا حلال دمه وماله.
стр. 202
حكم تكفير كل من والى الكفار بلا تفصيل
السؤال
ما قولكم فيمن يكفر كل من والى الكفار بلا تفصيل؟
الجواب
ليس بصحيح، فهذا لا بد منه من التفصيل، تولي الكفار ردة، ومعنى توليهم محبتهم في القلب، ثم ينشأ عن ذلك نصرتهم على المسلمين بالمال أو السلاح أو الرأي، فإذا أحب الكافر أو أعان الكافر على المسلمين وهم يقاتلون المسلمين بسلاحه أو بماله أو برأيه فهذا ردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] أما الموالاة المتمثلة في معاشرتهم ومصادقتهم بدون حاجة فهذه كبيرة من كبائر الذنوب، أي: أن يتخذ الكافر عشيراً وصديقاً من دون المؤمنين.
стр. 203
نصيحة موجهة إلى المخالفين لمنهج أهل السنة
السؤال
هل قول الإباضية يخالف منهج أهل السنة في الإيمان، وذلك لأن لهم نشاطاً قوياً في الدعوة إلى مذهبهم، وما نصيحتكم لهم؟
الجواب
كل مسلم يجب عليه أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سواء كان من الإباضية أو المعتزلة أو الأشاعرة، وكل إنسان وقع في الذنب سواء في الاعتقاد أو في العمل عليه أن يتوب إلى الله وأن يرجع إلى الحق، والحق أحق أن يتبع، هذا هو الواجب، وعليهم أن يصححوا معتقدهم وأن يتبعوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما قرره السلف الصالح وأهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة ومن بعدهم.
стр. 204
التفسير الصحيح للأحاديث التي فيها ذكر الكفر والشرك
السؤال
المؤلف يقول: إن الأحاديث التي فيها ذكر الكفر والشرك يقول: أنها من أخلاق المشركين وأفعالهم، فهل هي كذلك أو أنها تفيد الترغيب والترهيب؟
الجواب
الأصوب في هذا أن يقال: إنها من كبائر الذنوب، وإنها تنافي كمال الإيمان, فهي كفر أصغر وشرك أصغر، ولا تفسر بهذا التفسير، وهذه هي طريقة السلف أنهم لا يفسرونها حتى تكون أبلغ في الزجر والردع.
стр. 205
حكم محبة الزوجة الكتابية
السؤال
كما تعلمون أنه يجوز الزواج بالكتابية فهل محبة الزوجة تجوز مع أنها كتابية؟
الجواب
إذا أحبها لدينها فهذا ردة، أما إذا أحبها محبة طبيعية فلا بأس، ولا شك أنه يجوز الزواج بالكتابية لكن الأولى الترك؛ لأنه قد تؤثر على أولادها وقد تؤثر عليه هو.
стр. 206
مذهب الإباضية في مرتكب الكبيرة
السؤال
الإباضية يقولون: إن مرتكب الكبيرة خالد في نار جهنم، يقول: وهذا وجه الشبه بينهم وبين المعتزلة، وقولهم كفر نعمة كقول المعتزلة في منزلة بين المنزلتين؟
الجواب
نعم هذا قول الخوارج، لكن هل الإباضية يقولون هذا؟ المؤلف أبو عبيد ﵀ قال: إنهم يقولون: الإيمان جميع الطاعات كلها، ومن ترك شيئاً كان كافراً كفر نعمة، إذا كانوا يقولون: إذا فعل الكبيرة كفر، هذا مذهب الخوارج وهو مذهب باطل.
стр. 207
حكم وصف علي بن أبي طالب بعليه السلام
السؤال
يقول المؤلف: عن علي بن أبي طالب دائماً: ﵇، فهل وردت هذه التسمية؟
الجواب
لا، الظاهر أنها من الذين ينسخون، من الطباعين الذين يطبعون، وإلا فلا يصح في علي ولا في غيره، فكل الصحابة يقال عنهم: ﵃ وأرضاهم، وإذا صلى على بعض الصحابة في بعض الأحيان فلا بأس، أما أن يجعل شعاراً لـ علي وأهل بيته يقال: ﵈، فهذا من شعار الرافضة.
стр. 208
حقيقة الفكر عند الإباضية
السؤال
هل قولهم كفر وشرك - أي الإباضية- أكبر أم أصغر؟
الجواب
لا هم يقولون: كفر نعمة لا كفر شرك.
الصفرية الذين قالوا: المعاصي صغارها وكبارها كفر وشرك، إلا المغفور منها خاصة، وكذلك أيضاً الفضلية: الذين يقولون المعاصي كلها كفر وشرك، وظاهر الفضلية واستدلوا على أنها شرك بقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦] وهذا في الكافر.
стр. 209
حكم القول بقداسة علي وأنه يضر وينفع
السؤال
هل يعذر الرافضة الذين يقولون بقداسة علي وأنه يضر وينفع ونحوه؟
الجواب
القول بأن علياً يضر وينفع أو غيره ردة، وهو شرك في الربوبية، وهو أعظم من كفر كفار قريش، الذين يعبدون الأصنام والأوثان، لأنهم يقولون إنها لا تنفع ولا تضر، بل يقولون: الذي ينفع ويضر هو الله، لكن نعبدها كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فمن قال: إن علياً ينفع ويضر فقد تجاوز كفر كفار قريش وأشرك في الربوبية -نعوذ بالله- وليس هناك أحد من مشركي قريش يقول: إن الأصنام والأوثان تنفع أو تضر، بل كلهم يقولون: النافع الضار هو الله الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١] فمن قال: إن أحداً ينفع أو يضر سواء علي أو غيره فقد تعدى كفر كفار قريش ووصل إلى الشرك في الربوبية الذي لم يصل إليه كفار قريش.
стр. 210
حكم القول بأن كل عاص يكون قد أتى بكفر النعمة
السؤال
ما صحة قول كل عاص يكون كافراً كفر نعمة؟
الجواب
ليس بصحيح، بل هذا باطل، فلا يسمى كافر نعمة، ما سمي في الأصول نسميه كفراً، وما لم يسم فلا، والمعاصي بعضها صغيرة وبعضها كبيرة.
стр. 211
حكم القول بأن الله في كل مكان
السؤال
بعض الأحباش والأشاعرة يقولون بأن الله في كل مكان؟ الجوب: هذا كفر والعياذ بالله، وهو قول الجهمية وبه يقول الأشاعرة المتأخرون كـ الرازي وأمثاله، لكن الرازي ذكر شيخ الإسلام أنه تاب، وترحم عليه، فقول: إن الله في كل مكان كفر وردة والعياذ بالله؛ لأنهم جعلوا الله مختلطاً بالمخلوقات، نسأل الله العافية، وهذا قول الجهمية أصحاب الطائفة الأولى الذين كفرهم العلماء.
стр. 212
الرد على أدلة من يقول إن الله في كل مكان
السؤال
يقول: يستدلون بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وأيضاً يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] وغيرها، ونحن نستدل بحديث الجارية وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ونحوها، فكيف نربط بين أدلتنا وأدلتهم، وكيف نجمع بينها؟
الجواب
سبق الكلام أن النصوص يضم بعضها إلى بعض، والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا تتناقض، ولا تضرب النصوص بعضها ببعض؛ لأنها كلها معناها حق، فنصوص المعية وأن الله فوق السموات وفوق العرش وأن الله في العلو تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف دليل كما قال الإمام ابن القيم، أما قوله: (وهو معكم) فليس معناه أنه مختلط بالمخلوق، فالمعية معناها في لغة العرب: مطلق المصاحبة ولا تقتضي المماسة ولا المحاذاة، تقول العرب: لا زلنا نسير والقمر معنا والنجم معنا، والقمر فوقهم، فهل هو مختلط بهم؟ كذلك تقول: المتاع معك وإن كان فوق رأسك، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] يعني: الله معبود في الأرض ومعبود في السماء، تعبده الملائكة في السماء ويعبده المؤمنون من الجن والإنس في الأرض.
стр. 213
حكم الإعذار بالجهل لعوام الشيعة
السؤال
هل عوام الشيعة الذين يقدسون علياً يعذرون بالجهل حيث إنهم يشركون مع الله؟ الشيخ: من العلماء من قال إنهم يعذرون، وقال بعضهم: إنهم فساق، وقال آخرون: أنهم لا يعذرون؛ لأن الله أخبر في القرآن الكريم عن الجهال أنهم معهم في النار: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨] كلهم دخلوا النار، وقال سبحانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] فالتابعون والمتبوعون كلهم في النار الجهال وأتباعهم: ﴿وقال الذين اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣١ - ٣٢] ((وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) وهم التابعين ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾ [سبأ:٣٣] قال الله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ:٣٣] وكذلك أيضاً الآية الأخرى في سورة الأعراف: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٨ - ٣٩] وفي الآية الأخرى قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] فجعل الشافعين والمشفوعين كلهم في النار.
стр. 214
الفرق بين القول والنية في الإيمان
السؤال
هل النية بمعنى الاعتقاد أم النية هي عمل، نرجو التفصيل؛ لأن تعريف الإيمان عند أهل السنة: يقولون: قول وعمل واعتقاد، ويقولون: قول وعمل ونية؟
الجواب
القول هو التصديق والإقرار، وعمل القلب هو النية والإخلاص.
стр. 215
حكم بقاء أصل الإيمان في قلوب الروافض
السؤال
كما تعلمون أن الروافض يسبون الصحابة وعائشة وعندهم بعض الشركيات فهم كفار ولكن يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهل يبقى أصل الإيمان في قلوبهم؟
الجواب
إذا فعل الإنسان ناقضاً من نواقض الإسلام بطلت الشهادة، ولو قال الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ثم عبد الصنم انتقضت الشهادة، ومثله في ذلك مثل إنسان توضأ وأحسن الوضوء ثم خرج منه بول أو غائط أو ريح، فكذلك إذا قال: لا إله إلا الله ثم سجد للصنم بطلت لا إله إلا الله، أو دعا غير الله أو قال: إن أحداً ينفع أو يضر مع الله أو اعتقد أن لله صاحبة أو ولداً أو أنكر وجوب الصلاة أو أنكر وجوب الزكاة أو أنكر تحريم الخمر أو الزنا بطلت الشهادة، فإذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام وأشرك في العبادة بطلت الشهادة كما أن الوضوء يبطل بنواقض الوضوء.
следующие страницы →