Полный текст (314 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ربطوها. ولكن أما كان السدر والنخيل الممسكة عليها جعل الفعل لها توسعاً في الكلام.
وقوله:
محبي قياني ما لذالكم النصل ... بريئاً من الجرحى سليماً من القتل
قال الشيخ أبو الفتح: معناه يا من يحب قيامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بنصلي أعدائي واقتلهم به. وهذا على ما فسر. إلا إنه ترك ما يجب ذكره، وهو أن القيام إن كان أبو الفتح يريد به المقام فقد اخطأ، ولا أراه أراده. لأنه لا يقال: قام زيد بمعنى أقام في المكان. وإن أراد أيضاً القيام الذي هو الانتصاب على الرجلين فقد أخطأ أيضاً لا فائدة فيه لأن يحب أهل أبي الطيب قيامه. وإنما يريد الحاجة والمؤونة. يقال: فلان القائم بفلان، وفلان قيم فلان. أي هو القائم به، والمصلح لشأنه.
ومعنى البيت: يا من يريد قيامي بأموره وتركي مفارقته ما لذلك النصل لم أجرح به، ولم أقتل. يريد ذلك النصل وأعماله أحب إلي، وأهم عندي كقولك لمن يلتمس منك المشي وقد حضر فرس ما لذلك الفرس، معناه: لا أمشي والفرس حاضر. وكذلك يريد لا أختار القيام بأمورك على أعمال النصل.
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
стр. 212
قد أكثروا الكلام في هذا البيت. وقوله تشبيهي بما. وقالوا (ما) ليس من حروف التشبيه ولم يؤت في الجواب بطائل. فأما ابن جني فقال: الذي كان يجيب به إذا سئل عن هذا أن يقول تفسيره فكأن قائلا قال بما يشبه فيقول الآخر كأنه الأسد، أو كان الأرقم، أو نحوه ذلك. فقال هو معرضاً عن هذا القول أمط عنك تشبيهي بما وكأنه فجاء بالحرف للتشبيه وهو كأن. وبلفظ ما التي كانت سؤالا فأجبت عنها بكأن التي هي للتشبيه فذكر (ما) في التشبيه لأن جوابها تضمن التشبيه فكانت سبباً له. فذكر السبب والمسبب جميعاً. وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء هما علامة للتأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها. ولكن الهمزة لما صاحبت الألف التي قبلها قيل هما جميعاً للتأنيث. هذا كلام الشيخ
أبو الفتح. وقد حكيت لي حكاية هذا موضعها.
زعموا أن أبا العباس المبرد ورد الدينور زائراً لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل إليه وقضى سلامة قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهى النبي صلى الله عليه عن أكل لحمها فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد فقال نعم قول الراجز:
لم يبق من آل الحميد ... إلا عنيز لجبة مجثمة
فإذا بالحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدنيوري، فأذن له فلما دخل،
стр. 213
قال له عيسى بن ماهان: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهانا عن أكلها. قال: هي التي جثمت على ركباتها ونحرت من قفاها فقال: كيف تقول هذا، وهذا شيخ العراق أبو العباس المبرد يقول: هي مثل اللجبه، وهي القليلة اللبن. وانشده البيتين. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة إن كان هذا الشيخ سمع هذا التفسير أو قرأه، وان كان البيتان إلا لساعتهما هذه. فقال أبو العباس: صدق الشيخ أبو حنفية. أنفت إن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه. فاستحسن منه هذا الإقرار وترك البيت.
وأنا أحلف بالله العظيم إن كان أبو الطيب سئل عن هذا البيت فأجاب بهذا الجواب الذي حكاه ابن جني وان كان متزيداً مبطلا فيما يدعيه عفا الله عنه وغفر له. فالجهل والإقرار به أحسن من هذا.
وقد تكلم في هذا البيت القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال: هذا مما سئل أبو الطيب عنه. فذكر أن ما تأتي لتحقيق التشبيه تقول عبد الله الأسد، وما عبد الله إلا الأسد، أو كالأسد كما قال:
وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
وقال لبيد:
стр. 214
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يعود رماداً بعد إذ هو ساطع
ثم قال وأقول: إن التشبيه بما محال. وإنما وقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحروفه. فإذا قال: وما المرء إلا كالشهاب، فإنما الفيد للتشبيه الكاف. وإنما (ما) النفي. نفت ان يكون المرء كالشهاب. وإذ قال: وما هند إلا مهرة. فان (ما) دخلت على ابتداء وخبر. وكان الأصل: هند مهرة عربية. وهو في تحقيق المعنى عائد إلى تقريب التشبيه. وأم كان اللفظ مباينا للفظه. ثم نفى أن يكون إلا كذلك فليس بمنكر أن تنسب التشبيه إلى ما إذا كان له هذا الأثر. وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. فهذا قاض من قضاة المسلمين يحكي هذه الحكاية عن أبي الطيب. فأي الحكايتين نجعلها الصحيح، وننفي أختها. وهل ترى نفسك إلى الثانية أميل منها إلى الأولى. والله تعالى علام الغيوب.
والذي عندي ما أقوله: وهو فائدتي من الشيخ أبو العلاء المعري. وليس مما استنبطته. وهو أن تكون (ما) التي تصحب كأن، إذا قلت: كأنما ريد الأسد. ألا ترى إنها كثرت حتى تكلم النحويون فيها إذا حالت بينها وبين الاسم، وقصروا عليها فصولا كثيرة من كتب النحو. وقد صارت في لغة قوم لازمة لكأن حتى ما تفارقها. وما عمدي ان أبا الطيب أراد غيرها. والله تعالى اعلم بالغيب. له مثل هذا البيت أيضاً قوله:
صغَرتْ كل كبيرةٍ وكبرتْ عن ... لكأنه وعددت سِنَّ غلامِ
стр. 215
أي كبرت التشبيه فأجراها مجرى ما يلزم في التشبيه من الحروف. وله مثل هذا أيضاً:
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
والأول في هذا المعنى قول ابن الرومي:
يقرظ إلا أن ما قيل دونه ... ويوصف إلا إنه لا يحدد
وهو في غير هذا المديح كثير.
وقوله:
قفا تريا ودقي فهاتا المخايل ... ولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
المخايل جمع مخيلة يعني البرق. وهو مخيلة السحابة ونحوه مما يستدل به على كون النظر. وهذا مثل ضربه لصاحبيه. يقول: عيشا، يأمرهما بالعيش، تريا من أمري شأنا عظيما، فقد ظهرت مخايلة، وما تشهد لي بتحقيق ما أمله من الشرف، وبلوغ المجد، وبعد الصيت. وكان بعض أهل الأدب يفسره إنه يريد مخايل الدار، أي علاماتها، وبلقى رسمها وآثارها. ويعني بالودق دمعه. يقول: لصاحبيه: قفا، تريا بكاي على مخايل الديار، فقلت له: فما اقبح قوله بعد ذلك: ولا تخشيا خلفا لما أنا قائل. أتراهما خشيا أن لا يبكي على ديار حبيبته وقد
стр. 216
استوقفها. فما باله لم يشبب للقصيدة إلا بيت واحد ذي معنى ردي منقطع.
وقوله:
كفى ثعلا فخراً بأنك منهم ... ودهراً لان أمسيت من أهلِ أهلُ
هكذا رويته ودهراً بنصب دهر. وهو معطوف على قوله: ثعلا. أي وكفى دهراً. ورفع أهل بخبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: وكفى دهراً هو لان أمسيت من أهله أهل فخراً. وهذا كقوله:
ليت لي مثل جد ذا الدهر في الأد ... هر أو رزقه من الأرزاق
أنت فيه وكان كل زمان ... يشتهي بعض ذا على الخلاق
стр. 217
وحسن هذا المعنى والوضع كما ترى ظاهر.
قال الشيخ أبو الفتح. ورواه دهر بالرفع. أي ودهر أهل لأن أمسيت من أهله. فارتفع أهل لأنه وصف لدهر. والدهر ارتفع بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام. فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. ولا يتجه رفعه إلا على هذا.
لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه. ولا وجه لرفعه بالابتداء إلا على حذف الخبر، وليس في قوة إضمار الفعل هاهنا.
هذا كلامه واختياره. وشتان إضمار مبتدأ يدل عليه الكلام، ويشهد به الضمير، وحذف فعل لا انسياق للفظ معه. ولنتحاكم مع الشيخ أبي الفتح إلى إظهار الفعل الذي زعم إنه مضمر. ثم ننظر كيف انسياق الكلام في حكم الشعر. فما أراك تستحسن أن تقول: كفى ثعلا فخراً بأنك منهم. وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله. بل كفى ثعلا فخراً بأنك منهم، ودهراً هو لأن أمسيت من أهله أهل.
ولو خير في هذين اللفظين السيخ أبو الفتح لاختار هذا لاشك. وقد قال أبو الطيب:
من كل رخو وكاء البطن منفتق ... لا في الرجال ولا النسوان معدود
فرفع معدوداً لأنه خبر مبتدأ محذوف. كأنه قال: هو معدود. ولولا ذلك لوجب جره. والقصيدة مرفوعة. وهذا في شعره وشعر غيره كثير. وما ادعاه أبو الفتح من الضرورة.
стр. 218
وقوله:
لست ممن يغره حبك السلم ... وأن لا ترى شهود القتال
ذاك شيء كفاكه عيش شا ... نيك ذليلا وقلة الأشكال
يقول: أنا عارف بك وبعشقك للحرب، فلا يغرني أن ادعيت أنك تحب السلم، وأن لا تشهد الحرب. وشهود: فعول، من باب تكثير الفعل. مثل ضروب، وقؤول، وسؤول. والتاء في ترى مضمومة يريد ترى أنت أيها الممدوح. وسمعت من ينشد: وأن لا ترى شهود القتال بفتح التاء، وضم الشين. وشهود القتال قد يراها المخانيث أيضاً والصبايا. فما فخر هذا الممدوح في أن يرى شهود القتال. وشهوده: آثاره وما جرى من دمائه، ومرادي الخيل فيه. ثم قال: ذاك شيء. يشير إلى القتال، أي كفيت القتال بكون شانيك ذليلا مهينا. وبأن لا نظير لك
فتحاربه وتنازعه لملكه، أو يحاربك وينازعك.
وقوله:
لدى الخزامي ذفر القرنفل ... محلل ملحوش لم يحلل
ملوحش: أراد من الوحش. قال ابن جني: معنى البيت الثاني إن الذي حله إنما هو الوحش وهو غير محلل من الإنس. ويقال: حلل المكان والماء إذا كثر النزول من يحل به. قال امرئ القيس:
стр. 219
(نمير الماء غير محلل) أجاد الشيخ في هذا التفسير. وسمعت من ينشد:
محلل ملوحش ما لم يحلل
فقلت له فما يكون تفسيره فقال: محلل من الحلال يريد لكثرة صنوف وحشة وقرب تناولها قد احل من دمائها ما لم يكن حلالا قبل لأنها كانت لا تمكن الصائد لما كانت متفرقة. فلما كثرت في هذه الأرض وقرب اقتناصها استعار لها لفظ الحلال لامتناعها لفظ الحرام. وليس ذلك بالممتنع. على أني لا أثق بالرواية.
وقوله:
فما حاولت في أرض مقاما ... ولا أزمعت عن أرض زوالا
كان أبا الطيب أراد بهذا البيت الألغاز. وإنما يريد أنى إذا جعلت أرضي قتودي، وألفت الترحل فكأني ما أقمت بأرضي، ولا ارتحلت عن أرض. وقد تقدمه:
الفت ترحلي وجعلت أرضي ... قتودي والغريري الجلالا
لأنه إذا كانت أرضه القنوت فهو لا يريد مقاما في ارض أبدا.
стр. 220
ويحتمل معنى آخر يخرجه عن حد الألغاز. وذلك إنه يريد إذا كان مسافراً أبداً، لا يقيم في بلد، ولا في مكان فكيف يكون مزمعاً عن أرض زوالا. إنما كان إزماع حين ارتحل بدناً أن يكون مسافراً أبداً. ولو أقام لاحتاج إلى إزماع زوال فلما لم يقم لم يزمع عن أرض زوالا. وهو معنى لطيف فافهمه.
وقوله:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطرٌ يزيد به الخدود محولا
إن مفتوحة الألف. يريد لأن عزم الخليط. كقولك: جئتك أن تكرمني لان تكرمني. وقد تكلم في ذلك الشيخ أبو الفتح، وأورد من الاستشهاد والإيضاح ما كفى وأغنى. وكسر ألف أن لا يجوز بته. ويعني بالمطر دمعه. ومحول جمع محل وليس مصدر إنما يقال: أمحلت البلاد أمحالا. ومحول الخدود شحوبها، وتخدد لحمها. وزوال مائها ورونقها، واصفرارها. كالبلد إذا أمحل قل خيره، واصفر نباته، وذوى عوده. وإنما قال ذلك لان المطر من صفاته أن تخصب البلاد، ويخضر العشب وتروق البقاع. فكان الدمع مطراً بخلاف المطر صنيعاً. فأي معنى أحسن من هذا وأي لفظ أنق، وأي صنعة اكمل.
وقد قال الصاحب بن عباد أبو القاسم غفر الله له في رسالته
стр. 221
المعروفة (ومن استرساله إلى الاستعارة التي لا يرضاها عاقل، ولا يلتفت إليها فاضل: في الخد أن عزم الخليط البيت فالمحول في الخدود من البديع المرذول. ثم هذا الابتداء في القصيدة من النفور بحيث تضيق عنه الصدور).
فأي علم أفادنا بما قال غير هذا الكلام المسجوع الذي ماله مرجوع. بل ليت شعري أي شيء أنكر وما الذي نقم. والمحول للخدود مستعار. كما إن النظر للدمع مستعار. فأي نفور في هذا الابتداء الذي لم يخله من لفظ رائع. ومعنى مبتدع، وصنعة محكمة.
وبعد فقد ارتضى كل ذي عقل وفضل رأيته وسمعت به هذا الابتداء واستحسنه. وما شاهدت أحداً من الفضلاء، وذوي العقول يذمه غير هذا الظالم. فإن كان لا يرتضيه هو من بينهم وحده، وليس بأفضلهم، ولا أعقلهم فلعلة ما ذاك وقد قال بعض المحدثين:
مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح ومقلتي سماؤه
فهل ترى بهذا من عيب، وهل يؤتى من جودة صنعه، وحسن بنيه. فكيف تراه جعل العبرات مطراً، والخد ارضاً، والمقلة سماء. وإذا جاز لهذا أن يجعل الخد أرضاً فلم لا يجعل أبو الطيب لتلك الأرض محولاً وخصباً.
وقوله:
تشكو روادفك المطية فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
стр. 222
ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
لم يأت في تفسير هذين البيتين في كتاب الفسر إلا إنه قال هذا نحو قوله أيضاً:
يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل
وقد يسأل فيقال معنى قوله: شكوى التي ومن هي هذه الأنثى. وهلا قال شكوى الذي. فالجواب: إن التي هي المطية، وغرضه سوق الكلام إلى ذكر غيرته من المطية فكأنه قال: أنا أغار من شكواها روادفك، وثقلها لأنها كشكوى العاشقة لك المضمر وجداً. ولو قال الذي لما أمتنع، ولا تغير من المعنى شيء لكنه اتبع التأنيث تأنيثاً. وهذا كقولك: ضربت زيداً ضرب المغيظة، وكلمته كلام العاتبة. ولو قلت ضرب المغيط، وضرب العابث لجاز فافهم. ومعنى البيت الثاني إنها إذا جذبت ناقتها بزمامها قلبت رأسها مع الزمام فكأنها تطلب منها تقبيلا فتزيد غيرة أبي الطيب من شكواها تحقيقا وتوكيداً. وهذا من قول القائل:
стр. 223
والعيس عاطفة الرؤوس كأنما ... يطلبن سر محدث في الأحلس
وقوله:
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
قال أبو الفتح: أي تعلم الزمان من سخائه، فأخرجه من العدم إلى الوجود. ولا سخاؤه الذي أفاده منه لبخل به على أهل الدنيا واستبقاه لنفسه. وفي هذا شيء
يسأل عنه. فيقال: إنه في حالة عدمه لم يكن له سخاء لأن السخاء لا يصح إلا في الوجود فكيف وصفه بالسخاء وهو معدوم. فالقول في هذا إن الزمان كأنه علم ما يكون فيه من السخا إذا وجد فكأنه استفاد منه ما تصور كونه فيه بعد وجوده. لولا ما تخيله لبقي أبداً بخيلا به. ثم اتبع هذا التفسير ما يوضحه من الاستشهادات والتمثيلات. وقد جود الشيخ ﵀ فيما أتى به غير إنه قد يمكن تفسيره على وجه أقرب من هذا يخرجه من هذا البعد. وهو أن يقال:
стр. 224
مراده فسخاً به عليَّ. يريد اتصاله به. وانضمامه إلى جنبه، يقول: قد كان الزمان بذلك بخيلا علي فأعده سخاء الممدوح فسخاً به. وأوصلني إليه. وهذا معنى واضح لا مجال فيه ولا اضطراب.
وقوله:
وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا
يزمجر: يردد الصوت. ونفسه رفع على تأويلين: أحدهما أن تكون فاعلة يزمجر والثاني أن تكون فاعلة تظنه. يريد: تظنه نفسه مشغولا عنها مما تزمجر. وهذا هو الجيد. وعليه المعول. والأول يكون المراد: وتظنه أنت مشغولا عن نفسه لشدة غيظه مما تزمجر نفسه. على أنا قرأناه يزمجر بالياء. وإذا كانت نفسه فاعلة تزمجر بالتاء وإذا كانت نفسه تزمجر روى بالتاء أيضاً. ولم نروه.
وقوله:
قصرت مخافته الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا
الهاء في جواده للكمي. يريد: ركب الكمي جواد نفسه. وإذا ركب جواده مشكولا لم يقدر على سرعة السير. ولا استوائه. يريد تشبيهه خطوة المقارب من مخافته بخطو الجواد المشكول الذي عليه شكال. وكأنه لو أمكنه الوزن لقال: قصرت مخافته الخطى. كما يقصر الشكال خطى الجواد. وكأنه يريد ركب الكمي جواده
مشكولا فقارب خطاه. وهذا كقول القائل:
стр. 225
لما رأونا والصليب طالعا ... ومار جرجيس وسما ناقعا
خلوا لنا راذان والمزارعا ... كأنما كانوا غراباً واقعا
يريد: فطار. فتركه لعلم المخاطب. ولم يفسره الشيخ أبو الفتح، ولا الذي قبله لكنه أتى بالغريب.
وقوله:
لقد ظلت أواخرها الأعالي ... مع الأولى بجسمك في قتال
قال الشيخ أبو الفتح: الأولى بجسمك أي الأدنى إليه. وهذا كقوله أيضاً:
ويحسد الخيل منها أيها ركبا
стр. 226
وهذا كما فسره. إلا أن قوله: أواخرها الأعالي مما يجب أن يوضح غرضه فيه. وذلك إنه يريد: أن ثيابه الأعالي هي أواخر ما يلبس، إذا كانت أوائلها هي التي تلي جسده. وهذا من قول الفلاسفة: أول الفكر آخر العمل، وآخر العمل أول الفكر. وإن تأويلها متأول لأنها أعلى محلا في عيون الناس وأبهى. وهكذا يلبس الملابس ابهاها، وارفعها مظاهراً به كان جيداً. وقد قال الشيخ أبو عبد الله النميري ﵀ في تأويل قول الشاعر في كتاب الحماسة:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا ... لأفقر مني أنني لفقير
إنه خص الأنياب العلا، لأنها هي التي تظهر منها إذا ابتسمت أو تكلمت. وقال هذا كقول الآخر:
إذا ضحكت شبهت أنيابها العلا ... خنافس سوداً في صراة قليب
وقال آخر فسر هذا البيت في كتاب الحماسة يعرف بابي مسلم الولادي: إنه إنما قال: العلا لأن العرب تذكر بعض الشيء تريد كله. فمعنى أنيابها العلى، أنيابها كلها. كما قال عروة: (قطعتها بيدي عوهج) وإنما تقطع الفلاة بيديها ورجليها.
وقال آخر:
الواطئين على صدور نعالهم
وقد أخطأ الولادي في هذا التشبيه. فإن الشاعر قال:
стр. 227
يطاولون على صدور نعالهم
لأنها مشية ذوي الخيلاء، والمتطاول في مشيته. فهو لا يبسط قدمه على الأرض بل يمشي على طرف رجله. واتبعه بكلام آخر خطأ لا فائدة له في ذكره.
وقال غيرهما من مفسري هذا البيت: إنه قال: العلى، لأنه أراد الرفع من شأنها كقولك: زيد العلى مضافاً، وغلام عمرو العلى على حد الصفة. فهذا التفسير شبيه التفسير الثاني الذي ذكرناه في بيت أبي الطيب.
وقوله:
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما ببكاً عليه العاقل
يريد هذا الأمر الذي حكاه. يعني إقفارك أيتها المنازل، وخلوك من الأحباب وأنت لا تعلمين ذاك لأنك لا عقل لك. والهاء في عليه تحتمل معنيين، كلاهما حسن. فأحدهما أن يعود إلى ذاك. يعني أولاكما بالبكاء على هذه الحال التي ذكرت العاقل. وهو الفؤاد. والثاني أن تعود الهاء إلى أولى، يريد أولاكما ببكاء على نفسه. وقد مر لهذا نظائر، ومثل هذا المعنى. إلا أن فيه زيادة كقوله أيضاً:
стр. 228
لو كنت تنطق قلت معتذراً ... بي غير ما بك أيها الرجل
أبكاك إنك بعض من شغفوا ... لم أبك أني بعض من قتلوا
والبكاء يمد ويقصر. وقد قصره في هذا البيت.
وقوله:
تحلو الدار من الظباء وعنده ... من كل تابعة خيال خاذل
قوله تابعة يحتاج له إلى تفسير. وإنما يريد ظبية تابعة سرباً. يريد إنها ارتحلت
برحلة الحي فتبعت، وخذل خيالها. كالظبية التي تخذل القطيع فتتخلف عنه. وأراد المطابقة بين التابعة والخاذلة فجود ما شاء الله درّه. ومعنى هذا البيت تكرر من البيت الأول:
لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ ... أقفرتِ أنت وهنَّ منكِ أواهلُ
يعني أن ذكره إياها الباقي في ضميره كالأهل لذلك المنزل الذي نزله حبها من قلبه. وحسن قوله: تلعة بتسميتهم ولد البقرة الوحشية إنه تبيعا. وهذا من الحذق بصنعة الشعر والمعنى من قول القائل:
أنا على البعاد والتفريق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وخيال الذكر مثل خيال النوم.
стр. 229
وقوله:
دون النعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقتها وضم الشاكل
وهذا البيت دليل على حذقه بالصنعة، وكمال الإله. قوله: كشكلتي نصب ولم يقل كشكلتي فتح كحالتين يلطف شأنهما: أحديهما أن الفتح من حركات البناء والشكلتان إذا اجتمعتا كانتا للتنوين، ولا تنوين مع البناء فإذن اجتماعهما نصب وليس بفتح.
والحالة الثانية إنه لما اضطر إلى ذكر الضم، بمعنى الجمع خشي أن يقول كشكلتي فتح أدقهما وضم الشاكل. فيتوهم السامع أنه يريد ضمة البناء الكائنة شكلة. وهو يعني جمع الشاكل بينهما ودانهما وقرب أحدهما إلى الآخر. والضم والفتح من باب البناء. ومعنى البيت: إننا وقفتا نحيلين كشكلتي النصب المداني بينهما، لا نتعانق خوف الرقيب. وقوله: دون التعانق يتضمن معنى إنه قد حيل بينهما وبين التعانق لخوف الرقيب، ودون ظرف، العامل فيه وقفة في قوله: كم وقفة سحرته شوقاً. وكأنه ينظر إلى قول القائل:
أني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
واستنبطه منه.
стр. 230
وقوله:
ما دار في الحنك اللسان وقلبت ... قَلَمَا بأحسن من نثَاك أناملُ
هذا اخر القصيدة. و (ما) نفي، وقلبت عطف على دار. يريد: ما دار، وما قلبت. وليس ما، ظرفاً كقوله: عشت ما دار لسان في حنك. ولو كان كذلك لكان هجاء، قوله: وقلبت قلما بأحسن من نثاك وكان معناه إن نثاك ليس حسناً. معنى البيت إنه يقول: ما قيل، وما كتب أحسن من أخبارك لما فيك من الكرم الزائد على كل كرم.
ويجوز أن يريد بذلك مدح شعره فيه. يريد: ما قيل قط مثل شعري هذا الذي مدحتك به، ولقائل أن يقول: لو أراد ذلك لقال: ثنائك، لأن مدحه إياه ثناء وليس ثناء قط. لأن النثا الخبر خيراً كان أو شراً. إلا إنه لم يقصر ممدوداً في شعره بتة إلا في موضع واحد. وهو قوله:
خذ من ثنائي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا
وقوله:
وإسحاق مأمون على من إهانة ... ولكن تسلى بالبكاء قليلا
قال الشيخ أبو الفتح: أي يأمنه من يهينه لسقوط نفسه. ولو قال هاهنا: تجمل بالبكا لكان أشبه. وهذا تفسير يجري مجرى الرموز
стр. 231
فلنذكر الآن غرض الرجل ثم نفسر رموز الشيخ أبي الفتح، وننظر هل اختياره أولى أو اختيار أبي الطيب في تجمل وتسلى. يقول أبو الطيب: إن من أهان بن كيغلغ أمن سطوته لعجزه عن مقابلته، أو لسقوط نفسه، كما ذكر الشيخ أبو الفتح. وإنما معنى المصراع من قول القائل:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ولبعض المحدثين مثله:
تعرض لي ناش وناش مبارك ... على القرن ميمون على من تغالب
وقد قصَّرا جميعاً عن الأول، ووقعا دونه. وقوله: تسلى بالبكاء قليلا. يريد إنه لا يملك من النكير عليّ إذ أهنته غير البكاء والجزع فيتسلى به إذ لم يقدر على إهانتي مكافأة على ما فعلت به. وهذا ابعد قوله:
أتاني كلام الجاهل بن كيغلغ ... يجوب حزوناً بيننا وسهولا
وكان أبلغ عنه إنه ذكره في بلاد الروم بقبح وتهده. فكأنه يقول تسلى بذلك القول ولم يريد المقابلة لي. ولكن تسلى بما أظهره من الجزع عجزاً عن إيقاع الفعل. فأقام البكاء مقام ذلك، إذ كان صدر عن جزع كما يصدر البكاء عن الجزع فما يصنع التجمل هاهنا. وكيف يتجمل بالبكاء من لم يقدر على مقابلة عدو ومجاراته بصنيعه بل ضد التجمل فعل من بكى جزعاً.
стр. 232
وقوله:
أما ابن من بعضه يفوق أبا الباحث ... والنجل بعض من نجله
بمثل هذا فيغلب الخصوم عند الجدال. فلقد احتج لقصور أبوته فما قصر. يقول: أنا بعض والدي، لأني منه وجدت. وأنا فوقك أيها الباحث عن أبوتي فضلا وكرماً وبأساً. فإذن والدي فوق أبيك كثيراً قد فضله بعضه. وقد استوعب هذا المعنى بقوله: أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث. وباقي البيت فضل وتبيين. وزاد هذه الحجة قوة على خصمه بقوله بعده:
وإنما يذكر الجدود لهم ... من نفروه وأنفذوا حيله
يقول: أنا لا أفخر إلا بنفسي. وإنما يفتقر إلى المفاخرة بالأب من لا فخر له في نفسه فيقول: أنا ابن فلان. وجدي فلان.
قال الشيخ أبو الفتح في تفسير هذا البيت: معناه أنا فوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعه الشعر قادته إلى هذا النظم. وليس بضرورة كما قال:
قالت من أنت على خبر فقلت لها ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
فأتى بهذا النظم. وهذا كلام من لا يعرف صنعة الشعر. وأي صنعة في هذا البيت غير إبداع المعنى. والصنعة تحتص من الشعر باللفظ، ووجه استعماله، لا باختراع المعاني، ألا ترى إنه لو قال:
стр. 233
كما قال الشيخ أبو الفتح: أنا أفوق أبا من يبحث عني لما كان قفيه هذا المعنى البديع، الذي إياه أراد أبو الطيب. وقول الشاعر:
أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
ليس نظم الشعر فقط أحوجه إلى هذا القول. بل مذهب الشعراء المعروف في التغالط. ألا ترى إنه بنى أول بيت على المغالطة. لأنه سألت عن قائل هذا الشعر، وهي تعرفه فأجابها بجواب مغالطة أيضاً. وأنشدت مثل هذا لبعض المحدثين:
بنفسي التي قالت أأنك للذي ... يهيم بنا زعماً فقلت لها أني
لو قال الشاعر أنا الذي عاديته أنت لما كان للفظه الحلاوة التي تراها في البيت. بل الفاعل ما ذكره أبو الفتح من غير فائدة إلا لإقامة الوزن. ابن حبيبات القائل في خالد بن برمك:
لم يبق إلا الذي شيراز منزله ... أعني ابن برمك ممن يترجى أحد
فهذا تعقيد بلا فائدة. فلو قال: لم يبق إلا ابن برمك لكفى، وأغنى. ومعنى أبي الطيب بعد يضطر إلى اللفظ الذي أتى به فتأمله. وأجهد أن يأتي به في غير هذا اللفظ موجزاً تجده ممتنعاً. وقد جود أبو الطيب في هذا البيت، فما ترك في الإحسان غاية لم يأتها لولا إنه نقض هذا الأصل الذي أتى به في مكان آخر من شعره فقال:
стр. 234
فلا قطع الرحمان أصلا أتى به ... فأني رأيت الطيب الطيب الأصل
فهذه حجة لمن فاخر في الإباء. وكأنه حقق بذلك قول نصيب:
إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أشر النباتُ بها وطاب المزرع
فإذا جهلت من أمري أعراقه ... وأصوله فانظر إلى ما يصنع
وقول أبي تمام:
فروع لا ترف عليك إلا ... شهدت لها على طيب الأروم
وقول أبي الطيب:
أفعاله نسبٌ لو لم يقل معها ... جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
стр. 235
وقوله:
فولت تزيع الغيث والغَيْثَ خلّفت ... وتطلبُ ما قد كان في اليد بالرجل
هؤلاء بنو كلاب اظهروا العصيان بعد الطاعة، فورد دلير بن لشكروز فأجفلوا من بين يديه عائدين إلى البدو فقال:
أرادت كلاب أن تفوز بدولةٍ ... لمن تركت رعيَ الشُّويهات والإبل
أبى ربها أن يترك الوحش وحدها ... وأن يؤمن الضّب الخبيث من الأكل
يقول: كانت طاعة السلطان غيثاً فتركته وعصته ومضت تطلب مواقع الغيث في البدو. وطلبها له سائرة طلب بالرجل. وقوله: ما كان في اليد، أي ما كان حاصلا. كقولك هذا الشيء في يدي، أي حاصل عندي. وان لم يكن في يده العضو نفسها. قال الشيخ أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة. وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد عن قريب. والله ما يفهم من قول أبي الطيب شيئاً مما يزعم. فرحم الله من عرفنا مغزاه بهذا التفسير، وكيف وهو يقول قد كان في اليد، يريد إنه كان في القديم في اليد. والشيخ أبو الشيخ يزعم إنه يريد لتناولت الغيث باليد عن قريب غفر الله له.
стр. 236
وقوله:
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول ما له وما لي
لا أن يكون هكذا مقالي
يقول: الأيام تتظلم مني. وأنا لا أتظلم. والهاء في ماله تكون لأبي الطيب. والياء في ما لي للأيام. ثم قال: لا أن أقول ما لها وما لي. لأني لا أبالي بها، ولا أتظلم منها. ألا تراه يقول:
وكيف لا وإنما إدلالي ... بفارس المجروح والشمال
وهما فرسان لعضد الدولة. يقول: فإذا كنت مدلا بعضد الدولة لم أتظلم من الزمان، ولم يقدر على هضمي. وقوله: ما له وما لي قول المتظلم. ألا ترى قول سحيم:
ألا ناد في آثارهن الغوانيا ... سقين سماماً ما لهّن وماليا
وإلى قول الآخر:
يا قوم مالي وأبا ذؤيب ... كنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويبز ثوبي ... كأنما أريته بريب
والبحتري يقول:
стр. 237
ما لي وللأيام صرف حالها ... حالي وأكثر في البلاد تقلبي
وقد ترك من اللفظ شيئاً يدل عليه الكلام. وذلك إنه يريد: لا أن يكون هكذا مقالي لها. لأنك لا تقول: ما أجدر زيداً أن يمر عمرو حتى يقول به فيكون في الجملة الثانية عائد إلى الجملة الأولى.
وقوله:
إذا تلفتن إلى الأظلال ... أرينهن أشنع الأمثال
كأنما خلقن للإذلال ... زيادة في سبة الجهال
قد تقدم ذكر القرون. يريد بقوله: سبة الجهال قولهم إذا شتموا: هو قرنان. وليست اللفظة بعربية صحيحة، ولا لها أصل. غير أن المولدين قد أولعوا بها، حتى جاءت في الشعر فمن ذلك قول ابن طباطبا العلوي (يذكر بعض من تعرض لهدم
سور اصفهان):
بنى السور ذو القرنين حصناً لأهله ... وأصبح ذا القرنان يهدم سورها
стр. 238
ولا أعلم السبب في هذه التسمية ما هو، ولا السبب في عبارتهم بالقرن عن فجور الزوج غير أن القرن مشتق من الاقتران، فكان من رضي بذلك من زوجه بقرين. لا أعلم غير ذلك سبباً موجهاً.
وقوله:
لو سرحت في عارضي محتال ... لعدها من شبكات المال
بين قضاة السوء والأطفال
يريد إن اللحية الكبيرة تصلح للقضاة والعدول، وتمكن صاحبها التمويه والحيلة. وقد تقدم هذه الأبيات قوله:
لها لحي سودٌ بلا سبال
ومن أبيات المعاني:
ولج النار في الطفيف من النائل ... لا يتقي ولا يتحرج
فاته المجد والعلاء فأضحى ... يفتق الخيس بالنحيت المفرج
يصف شاهد زور شهد لنزر من الفائدة بالزور فاستحق النار فكأنه ولجها. والخيس: الأجمة. يقال إنها سميت بذلك لأن لحوم الفرائس تخيس فيها أي تنتن. يريد هاهنا به اللحية. ومثل هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه كان لا يدع نصح غابته من تحت ذقنه. شبهت اللحية بالغابة لتكاثر شعرها كتكاثر شجرها. والنحت المنحوت يعني مشطاً منحوتاً. قد فرج بين أسنانه. يريد إنه قد أولع لحيته يمشطها ويسرحها ليمه بها على الناس في شهادته.
وقوله: الأطفال: يريد الذين يحجر القضاة على أموالهم حتى يبلغوا
стр. 239
الحلم ويؤنس منهم الرشد. فهم يتأكلون أموالهم إلى حين ذلك، ويظهرون العفة. ويموهون بكبر
اللحى.
وقوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمه
يريد: وفاؤكما بأن تسعدا ما لربع أشجاه طاسمه. يقول: وفاؤكما بذلك طاسم دارس، وأشجاه دارسه. لأنه لو لم يكن دارساً ما شجاني، كما أن الربع أشجاه لي دارسه. ثم لما تم الكلام أتى بزيادة فقال: أشفى الدمع ما سجم فدعوني ابكي وهذا معنى قول بعض المحدثين:
لا تلم في البكاء فالدمع لو لم ... يجر في الخد كان في القلب حمر
وقد تكلم الشيخ أبو الفتح في تقدم الخبر على تمام الاسم المبتدأ بما يغني عنا سواه. وله عندي تأويل يخرجه مما منع منه أبو الفتح. وهو أن
стр. 240
يكون قوله: وفاؤكما كالربع مقطع الكلام يريد وفاؤكما دارس كالربع ثم قال: أشجاه، يريد الذي أشجاه. من قولك: شجي باللقمة إذا غص بها. كما تقول: الرجل يكلم الأمير جسور تريد الذي يكلم الأمير. فقوله: بان تسعدا متصل بأشجاه، يريد أغصه بإسعاد كما لي فيه على البكاء. وهذا المعنى وإن كان متعسفاً فإنه مخرج له من الضرورة التي ذكرها أبو الفتح. والكاف والميم من قوله: وفاؤكما لمخاطبة صاحبيه أو لمخاطبة عينيه كلاهما وجه.
وقوله:
بليتُ بلى الأطلال أن أقفْ بها ... وقوتَ شحيحِ ضاع في التربِ خاتمهُ
أنام ملء جفوني عن شواردها ... وتسهر الخلق جراها وتختصم
وهذا على ما ذكر هذا الأديب إلا أن صاع تستعمل بمعنى أمال. صاعه يصوع صوعاً قال الشاعر:
يصوع غبوقهم أحوى زينم ... له طاب كما صخب الغريم
يريد يميلها راع لهم نوبي اسود، له صوت شديد. ولم اسمع صاع بمعنى تفرق. بل يقال: انصاع القوم إذا اخذوا في وجهةٍ ومالوا
стр. 241
فيها. فيجوز أن تكون صاع هذا الوتد التراب. أي آماله وتشعب فيه شعبه. وفي شعر العرب أبيات كثيرة مصاريعها الأواخر ركيكة، والمصاريع الأول جزلة. كقول القائل:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
فالمصراع الأول جزل في النهاية. والمصراع الثاني من كلام المتغزلين. وإن يكن ركيكاً ومثله لأبي تمام:
قدك اتئد أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي
فإن كان بيت أبي الطيب من هذا الحيز فغير بدع.
وقوله:
قفي تغرمي من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه
تغرم جزم للأمر، وهو (قفي). ومهجتي نصبت لأنها مفعول تغرم.
стр. 242
وفاعلها الأولى يقول: قفي فإن الأولى من النظرات أتلفت مهجتي. فإن وقفت غرمتها ثانية. وهذا المعنى مثل قول القائل: ولا أعلمه أقبل أبي الطيب أم بعد زمانه:
يا مسقماً جسمي بأول نظره ... في النظرة الأخرى إليه شفائي
ألا أن هذا البيت لا مجاز فيه. وبيت أبي الطيب فيه مجاز. وذلك أن اللحظة الأولى لاتغرم، وإنما حبيبته تغرم أول النظرة الثانية تغرم، لكنه توسع في الكلام على مذهب العرب، إذ كانت النظرة الأولى هي التي أتلفت فكأنها تلك بعينها تعاد فتغرم.
قال أبو الفتح: ومثل هذا في استعادة النظر قول جرير:
ولقد نظرت فرد نظرتي الهوى ... بحزيزٍ رامة والمطي سوامي
أي حملني على أن أعدت النظر. كذا فسره. وهذا إنما نظر في أثر الأضغان فتابع
النظر شوقاً. وأبو الطيب تمنى نظرة من حبيبته ثانية. وبينهما بون بعيد.
وعندي وجه آخر محتمل، وهو أن تكتب تغرمي بالياء. يريد: قفي تغرمي يا مراءة. والأولى نصب تكون مفعولا أولا. ومهجتي نصب لأنه مفعول ثان كما تقول: غرمت زيداً مالاً يجوز
стр. 243
انتزاع حرف الجر من قولك: غرمت لزيد مالاً على القياس المطرد. ويكون وجه غرامه النظرة الأولى. وإنما التلف واقع على المهجة على مجاز قولك لمن شتمك: أغرم الشتم بإعطائي حقي. ولمن ضربك أغرم هذا الضرب بإنالتي معروفك. وهذا توسع في الكلام غير بعيد. فلما كانت النظرة الأولى أتلفت مهجته قال: أغرميها لها بنظرة ثانية. وكلا التأويلين جيد.
قالوا هذا البيت جزل نصفه الاول، ركيك نصفه الثاني. وما عسى يبلغ بخل البخيل بخاتمه. ووقوفه إذا ضاع خاتمه مع كون هذا المعنى من قول القائل:
فهن حيرى كمضيعات الخدم
وأي روعة لهذا المصراع مع قول القائل:
فقمنا وفي حيث التقينا غنيمة ... سوارٌ ودملوجٌ ومرط ومطرف
وملتقطات من عقود تركنها ... كجمر الغضى في بعض ما يتخطف
стр. 244
وقول الآخر:
فمن يستبق آثارها في ضحى غد ... يجد بلقا ملقى وقلباً ومعضداً
ودراً وخلخالاً عجلن التقاطه ... أذاعت به كف الفتى فتبددا
البلق: حجارة تكون باليمن بيض تشف. وأرجوزة أم الراعي النميري التي تقول:
جارية شبت شبابا رودكا ... لم يعد ثدياً نحرها أن فلكا
لاقت غلاماً هبرزيا منكيا ... فاعتلجا بينهما واعتركا
فحطما أساوراً ومسكا ... وطار قرطاها معاً فهلكا
وناولته كعثباً مدملكا ... أجثم جهماً لم يكن مفركا
هز إليها روقه المصعلكا ... إن كان لاقى مثله فأشركا
فإذا طابت نفوس هؤلاء عن هذه الحلي التي هي كما زعم غنيمه فأجدر أن تطب نفس أبي الطيب عن خاتمه. وقد سمعت بعض أهل الأدب يحكى إنه صحف هذا المصراع فخرج عن هذا الحيز من
стр. 245
الاسترذال، فقالوا: وقوف شجيج صاع في الترب خاتمه. والشجيج من صفات الوتد يريد وقوف وتد متروك في الدار. وصاع بمعنى تفرق صار في التراب وعلق فأورق. فقد عمد الخيام، وأوداة أهل الدار. وبيت السيخ أبي العلاء في هذا المعنى في السماء جودة:
غصن السباب عصى السحاب فلم يعد ... ذا خضرة إذ كل عود أخضر
قد أورقت عُمُدُ الخيامِ وأعشب ... شُعْبُ الرحالِ ولون رأسي أغير
ولقد سلوتُ عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
وجاثمه: بمعنى ثابته. وقال وقد فعل مثل ذلك في بيته:
وأكبر آيات التهتمّي إنه ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
من التصحيف فخرج أن يكون كفراً فقال:
وأكبر آيات التهامي آية ... أبوك وأجدى ما لكم من مناقب
يعني به علي بن أبي طالب ﵇. ولا ينكر إنه آية من آيات رسول الله ﷺ ، ومعجزة من معجزاته وكبراها.
стр. 246
قال: وهذا من سعادة هذا الشاب واستيلائه على ذروة الفضل، كما قال.
وقوله:
وتكملة العيش الصبا وعُقيبه ... وغائب لون العارضين وقادمُه
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: عنيت (بعقيه) الهرم والشيب لأنه يتلوه. والأولى عندي أن يعني الشباب. ألا ترى إنه قال بعده: وغائب لون العارضين
وقادمه، يعني كمال العيش الصبا ثم الشباب وسواد الشعر فيه ثم الشيب. وهذا المعنى من قول ابن الرومي. وهو أجود من هذا:
سلبت سواد العارضين وقبله ... بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وأجود منهما قول الشيخ أبو العلاء المعري. وإن كان قد غير المعنى بعض التغيير وزاد:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
وقوله:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
стр. 247
قد سمعت الناس يتكلمون فيه، ويقولون: هو كلام متناقض. لأنه نفى أن يكون البياض قبيحاً. ثم قال: أحسن الشعر فاحمه فدل على أن أقبحه أبيضه. وهذا عنت لأنه ليس كل حسن بممتنع أن يكون هاهنا ما هو أحسن منه، ولا كل حسن بموجب أن يكون سواده قبيحا. وقد بكت أبو الطيب بقوله: أحسن الشعر. يخبر بذلك إن البياض حسن إلا أن الشعر حده يستحسن فيه السواد فقط.
وقوله:
نحن من ضايق الزمان له فيكَ ... وخانته قربك الأيام
قال الشيخ أبو الفتح: قال أبو الطيب: أردت ضايقه فزدت اللام. وهذا كقوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون. وقوله: عسى أن يكون ردف لكم. وهذا ما ذكر وجهٌ. وللأخر قوله: خانته لوجب أن يقول مع هذا التأويل لهم. لان نحن للجماعة إلا إنه حمل على لفظ من.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
وعندي له وجه آخر، وهو أن تكون الهاء في له عائدة على الزمان يريد نحن من ضايق الزمان لنفسه فيك. أي لأجل نفسه وكلا الوجهين من باب التعسف. والذنب لأبي الطيب لا للمفسر.
стр. 248
وقوله:
ضلالاً لهذا الريح ماذا تريده ... وهدياً لهذا السبيل ماذا يؤمم
قال للريح ضلالاً. وللسيل هدياً. لان الريح تؤذي ولا تنفع في الظاهر كما قال:
ليت الرياح صنع ما تصنع ... بكرن ضراً وبكرت تنفع
وقال للمطر هدياً لأنه يريد إنه يسقي الديار، وينبت المرعى وينتفع به. ألا تراه قال بعده:
فزار التي زارت بك الخيل قبرها ... وجشمه الشوق الذي تتجشم
يعني قبر والدة سيف الدولة. وكان زار قبرها في هذه الغزوة. قال الشيخ أبو الفتح: وإنما قال للمطر هدياً لأنه شبيه لسيف الدولة في سحة. ألا تراه يقول بعده:
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلم
وليس بممتنع ما قال. والذي قلناه أولى لأنه يريد الدعاء على الريح لضرها. والدعاء للمطر لنفعه. فهذه مطابقة من حيث المعنى.
стр. 249
وقوله:
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسلاح والمسمم
لم يتعرض الشيخ أبو الفتح لشرح هذا البيت. وفيه كلام. وذلك إنه يريد جنسها حديد على المجاز لصبرها على الكد والتعب. فكأنها خلقت من حديد. والشعار هنا ليس مما يلي الجسد من الثياب الذي هو ضد الدثار. وإنما هو شعار الجيش الذي يدعون به كقوله في الأخرى:
تناكر تحته لولا الشعار
يريد نداؤهم بشعار سيف الدولة. ويعني أن شعارهم أيضاً حديد. لأنهم يقولون سيف الدولة المنصور أو ما يشبهه من الكلام. والسيف حديد من هذا اللقب ويدل على قوله: وما لبسته. فلو أراد بالشعار اللباس لما كرر. ويريد مما لبسته التجافيف من الحديد. وقد فسر ذلك بقوله:
لها في الوغى زي الفوارس فورقها ... فكل حصان دارع متلثم
فأما قوله راياتها. والرايات تكون من خرق. فإنه على ما ظن - والله أعلم - وجعل الرماح لهم رايات يعني رماحهم راياتهم. أو يعني أن عليها اسم سيف الدولة مكتوب فجعلها حديداً لما كان المكتوب عليها حديد.
стр. 250
وقوله:
رجلاه في الركض رجل وليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
قال الشيخ أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه، وصحة جريه. كما قال جرير:
من كل مشترف وإن بعد المدى ... ضرم الرقاق مناقل الأجرال
أي يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به. وإذا توقى وطء الصخور على ما حكاه لحذقه فأي قرابة بينه وبين كونه صحيح الجري غير متفاوته متلائم وضع اليدين والرجلين وما أراه إلا أعجب ببيت جرير ثم سمع هذا البيت فأعجبه فجعله مثله من حيث الاستحسان لا من حيث الانتباه. وهذا المصراع ببيت رؤبة أشبه وهو قوله:
يهوين شتى ويقعن وقفا
وقوله: وفعله ما تريد الكف والقدم. أي جريه يغنيك عن تحريك السوط والقدم لاستحثاثه. فجعل ذلك التحريك منها إرادة.
следующие страницы →