Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
حكم الاستمناء في نهار رمضان
السؤال
ما حكم من استمنى متعمداً في نهار رمضان؟ وما كفارته؟
الجواب
هذا حرام، والاستمناء عموماً حرام، وهو في نهار رمضان أشد حرمة، فيجب على هذا المستمني أن يصوم يوماً مكان هذا اليوم، ويتوب إلى الله من هذه الفعلة الشنعاء.
стр. 1017
حكم أكل الميتة من البهائم
السؤال
هل يجوز أكل ما مات من البهائم بعد موته؟ وهل له مدة معينة بعد موته، وهل يكون هذا من الميتة؟
الجواب
هذا من الميتة، ولا يجوز لك أن تأكل منه شيئاً، لا كثيراً ولا قليلاً، لا بعد موته مباشرة ولا بزمن، وسواء طال الزمن أم قصر؛ لأن هذا ميتة، إلا إذا كنت تقصد بالموت الذبح.
стр. 1018
حكم الاستنجاء للوضوء
السؤال
في أثناء الصلاة أخرجت ريحاً أو أحدثت فذهبت وتوضأت مرة ثانية ولم أدخل الحمام، هل علي إثم في ذلك؟
الجواب
لا، ليس عليك إثم، ولا يلزمك استعمال الماء، وفي حديث أبي هريرة: (أن النبي ﵊ أمر بالوضوء من الحدث.
قيل: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط).
فليزمه أن يتوضأ ولا يلزمه غسل دبره بالماء.
стр. 1019
حكم الصلاة خلف من يعمل في شركة دخان، وحكم الأكل من طعامه
السؤال
هل يجوز الصلاة وراء إمام يعمل في شركة الدخان؟
الجواب
يجوز ذلك؛ لأن عمله لا علاقة له بإمامته في الصلاة، وإن كنا نكره له ذلك، وننصحه بترك العمل في هذا المجال.
مداخلة: ولو دعاهم إلى العقيقة؟ الشيخ: إذا كان له مال آخر غير ماله الذي يتقاضاه من الشركة فمن شاء ذهب ومن لم يشأ لم يذهب.
стр. 1020
حكم اشتراط ولي المرأة على الزوج عدم انتقاد الزوجة
السؤال
هل يجوز لأبي البنت أن يأخذ علي ورقة بعدم انتقاد ابنته بعد الزواج؟
الجواب
إذا أراد ذلك وتعسر الزواج وكانت البنت من أهل الصلاح فلا بأس أن يعطيه الورقة، ولو خالفها بعد الزواج فهذا الإلزام لا عبرة به في الشرع أبداً، وإذا تزوج فهو حر في بيته، بل هو صاحب الولاية المطلقة على المرأة، وليس عليه إثم.
стр. 1021
حكم البقاء في المحاضرة في الجامعة أثناء الصلاة
السؤال
أنا طالب في الجامعة ويؤذن المؤذن وأنا في محاضرة، فهل أترك المحاضرة وإن ترتب على ذلك ضرر، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا لحق الضرر بك إذا تركت المحاضرة فإنه لا يجوز لك أن تترك المحاضرة، وصل في جماعة ثانية بعد انتهاء المحاضرة.
стр. 1022
حكم الصلاة خلف من ينقر الصلاة نقراً
السؤال
ما حكم الصلاة خلف الإمام السريع في صلاته نقراً بحجة أن العمال يريدون هذا، علماً بأننا لا نقرأ الفاتحة في بعض الركعات؟
الجواب
هذه الصلاة باطلة، وقد جاء في حديث المسيء صلاته أنه دخل ونقر الصلاة نقراً ثم أتى فسلم على النبي ﵊، فقال: (وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل).
لأنه كان لا يطمئن في ركوعه ولا سجوده ولا قراءته، فالذي يصلي سريعاً جداً لدرجة أن بعض المأمومين لا يتمكنون من قراءة الفاتحة خلفه فضلاً عن السورة، فهذا بلا شك مسيء صلاته.
يعني: أن صلاته سيئة إلى أقصى حد، ولا أظن أن مسيء الصلاة الوارد في النص قد بلغ هذا المبلغ، وأنتم تعلمون أن الاطمئنان ركن في كل ركن.
يعني: الاطمئنان ركن في القيام، وفي القراءة، وفي السجود، وفي الركوع، فإذا خالف المصلي في ركن متعمداً بطلت صلاته، وهذا قد خالف في ركن الاطمئنان، وهو ما يسمى المصلي السريع.
ونحن في بلادنا رجل كبير جداً عمره فوق (٩٠) سنة، وقد كان جدي يصلي خلفه، وقد مات، وأبي سيموت، وأنا سأموت، والرجل لا يزال يعيش، وهو الذي يصلي بالناس إلى اليوم، وقد انحنى ظهره في زاوية (٤٥)، وقد زارني صاحب مرة فلم يجدني في البيت فقال: ما دام العصر قريباً فسأذهب أصلي في المسجد، فذهب وصلى هناك، ولما رجع وجدني، فقلت له: أين صليت؟ قال لي: في المسجد الكبير.
قلت له: أنت صليت خلف الرجل الفلاني؟ قال: نعم.
ثم قال: لقد قلت لما تقدم هذا الرجل: إن أكملنا الصلاة قبل المغرب فهذا جيد وإذ بالرجل يخيب أملي فيه تماماً وينقر الأربع الركعات في صلاة العصر في أقل من دقيقتين.
قال: لقد أدهشني هذا الرجل بلياقته البدنية الهائلة، والناس كلها مبرمجة عليها، فبعد الصلاة قلت لهم: يا ناس! صلاة الرجل هذا غير صحيحة، فوافقني بعض الشباب، فقلت لهم: نقيم ونصلي صلاة ثانية، ولكن هؤلاء الشباب مبرمجين على هذا الرجل، فعندما أسجد أو أرفع من الركوع يسبقوني؛ لأنهم مبرمجين على هذا الرجل.
يعني: لما يرفع من الركوع يسمع بعضهم قد وصل إلى الأرض، ولما يسجد يلاحظ بطرفه بعضهم قد سجدوا قبله؛ لأنهم تبرمجوا على صلاة هذا الأول، والأصل في الصلاة المتابعة؛ لقوله ﷺ : (وإنما جعل الإمام ليؤتم به).
стр. 1023
مدى صحة نسبة القول بفناء النار إلى ابن تيمية وابن القيم
السؤال
هل صحيح أن ابن تيمية وابن القيم يقولان بفناء النار؟
الجواب
ما نقل عن ابن تيمية وابن القيم أنهما قالا بفناء النار.
غير صحيح، وقد كتبت رسالة دكتوراة من جامعة أم القرى منذ (٣) أو (٤) أعوام بينت مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في بقاء النار وعدم فنائها.
стр. 1024
حكم التعامل مع البنوك الإسلامية
السؤال
ما حكم التعامل مع البنوك الإسلامية إيداعاً ومرابحة؟
الجواب
الدكتور علي السالوس هو من أهل الذكر في هذه القضية، وهو إمام من أئمة الاقتصاد في البلاد، وهو يرى جواز التعامل مع المصرف الإسلامي الدولي، وبنك فيصل الإسلامي، ويقول: بجواز التعامل معهم إذا كان ذلك من باب الحساب الجاري بغير إشكال.
أما إذا كان من باب حساب المرابحة فهو يقول: الأولى ترك ذلك.
وقوله: (الأولى ترك ذلك) يدل على جوازه مع خلاف الأولى، أو مع الكراهة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1025
شرح صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق - أكثر أهل الجنة الفقراء - قصة أصحاب الغار
الجنة هي سلعة الله الغالية، والتي لا تتحصل بالمال والجاه وإنما بالعمل الصالح، وما وقر في قلب العبد من التقوى والإيمان، ومصداق ذلك أن أكثر أهل الجنة هم الفقراء، وهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة وهو خمسمائة سنة كما في بعض الآثار.
стр. 1026
باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد:
стр. 1027
شرح حديث: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)
روى أبو عثمان النهدي -وهو عبد الرحمن بن مل، وقيل: ابن ملي وهو مخضرم ثقة من العباد الأثبات- عن أسامة بن زيد ﵄ قال: [قال رسول الله ﷺ : (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين -أي: اطلعت فيها- وإذا أصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء).
стр. 1028
شرح حديث: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)
قال: [حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم -المعروف بـ ابن علية - عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن أبي رجاء العطاردي] وهو عمران بن ملحان، وهو مخضرم ومن الثقات الأثبات، وكان معمراً؛ مات عن عمر يناهز المائة وعشرين عاماً.
[قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: قال محمد ﷺ : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء -والفقراء بمعنى: المساكين كما في الرواية الأولى- واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء).
وحدثناه إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الثقفي - وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - أخبرنا أيوب - وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس بنحو الحديث السابق.
وحدثنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا أبو الأشهب - وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي البصري - قال: حدثنا أبو رجاء عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ اطلع في النار) فذكر الحديث كما في طريق أيوب السختياني.
стр. 1029
شرح حديث: (إن أقل ساكني الجنة النساء)
قال: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي - وهو معاذ العنبري - قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح -وهو الضبعي البصري يزيد بن حميد - قال: كانت لـ مطرف بن عبد الله -وهو ابن عبد الله الشخير - امرأتان فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة؟ -أي: الزوجة الثانية- فقال: جئت من عند عمران بن حصين فحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: (إن أقل ساكني الجنة النساء)] يعني: وافق القدر أن يسمع من عمران بن حصين ما يكون سبباً لتأديب امرأته، أن النبي ﵊ اطلع في النار فوجد أن أكثر أهلها النساء، وأنه أخبر أن أقل ساكني الجنة هم نساء الدنيا، فهو يثبت لها أن حظها في الجنة قليل إن لم تستقم، فما بالها تسأل هذا السؤال؟ وما سألته إلا على سبيل التبكيت والتقريع له، ولذلك ألقمها حجراً بما سمعه آنفاً من عمران بن حصين.
قال لها: (لست من عندها أتيت، ولكني أتيت من عند عمران بن حصين ﵁، وحدثنا أن أقل ساكني الجنة النساء) فقد كلمها كلاماً جميلاً ما استطاعت أن تقول له: أنت تشتمني أو تسبني؛ لأنه سمع حقاً أن عمران بن حصين ذكر مرفوعاً: (أن أقل ساكني الجنة النساء).
[وحدثنا محمد بن الوليد بن عبد الحميد - وهو المعروف أو الملقب بـ حمدان القرشي البصري - قال: حدثنا محمد بن جعفر -أي: البصري غندر - حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً يحدث: أنه كانت له امرأتان.
بمعنى الحديث السابق].
стр. 1030
معنى قوله: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين)
أما قوله ﵊: (قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين).
فالمسكين هو: الخاشع المتذلل الفقير إلى الله ، وليس معناه أنه فقد كل متاع الدنيا، ويبين لنا ذلك قوله ﵊: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين) فالمسكين بمعنى المتذلل الخاضع الخاشع في الدين القائم الصائم، وغير ذلك من أحوال التعبد والاجتهاد فيه.
ولا يمنع أن يكون المسكين على هذا النحو فقيراً كذلك، فلو جمع إلى العبادة والخشوع والذل والخمول وترك الكبر والتكبر فقراً وقلة حاجة لكان هذا أولى له.
стр. 1031
معنى قوله: (وإذا أصحاب الجد محبوسون)
قوله: (وإذا أصحاب الجد محبوسون).
أصحاب الجد اختلف فيهم أهل العلم: هل هم أصحاب الولايات والسلطات والزعامات والإمارات أو أن الجد المقصود به المال؟ فإن كانوا أصحاب المال فهم محبوسون -أي: موقوفون- بين يدي الله يسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها.
وإذا كانوا أصحاب سلطة وإمارة فهم كذلك محبوسون وموقوفون بين يدي الله ، وإن الفقراء المساكين ليدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام.
وإن كان يقصد بأهل الجد أصحاب الولايات والإمارات؛ فإنهم يسألون عن رعاياهم ماذا عملوا فيهم؟ هل قاموا لهم بواجب النصح والإرشاد والتعليم، وحملهم على طاعة الله ، وتأديبهم، وإقامة الحد فيهم على معصية الله ؟ أم أنهم لم يعنيهم دين الله وإنما اعتنوا بجمع الأموال والحفاظ على كراسيهم.
فأصحاب الجد إما أن يكونوا من أصحاب الولايات أو من أصحاب الأموال، وفي كلٍ ورد الخبر بأنهم محبوسون وموقوفون للسؤال عن ما كان منهم، إما عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها، وإما عن ولاياتهم ماذا عملوا فيها، وهل قاموا بواجب نصح الأمة أم لا.
стр. 1032
خلاف العلماء في الأفضلية بين الغني الشاكر والفقير الصابر
قال: وفي هذا الحديث: تفضيل الفقر على الغنى، وكذلك فضيلة الفقراء على الأغنياء، لكن بلا شك هذه مسألة خلافية قديمة بين أهل العلم، وقد اختلف اختلف العلماء: أيهما أفضل: الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟ وقلنا: شكر الغنى هو مراعاة حق أصحاب الحق في هذا المال بإخراج الزكاة وصدقات التطوع وغير ذلك.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الغني الشاكر على هذا النحو أفضل من الفقير الصابر؛ لأن الفقير الصابر خيره ونفعه وعبادته لم تتعد إلى غيره وإنما اقتصرت عليه، فهو وحده المستفيد بهذا الصبر، أما الغني الشاكر فخيره متعد إلى الغير.
هب أن رجلاً صائماً قائماً عابداً، ليس له شغل إلا هذا وليس له مال، فهو بخلاف الرجل الغني القائم الصائم الصابر الذي يعرف حق الله تعالى في هذا المال، فهو ينفق منه هكذا وهكذا ويقول به في كل ميدان، يجهز به الجنود والغزاة، ويساعد به الفقراء والأيتام والأرامل والمساكين وغير ذلك.
فلا شك أن نفع هذا خير من نفع الرجل الصابر الفقير.
قال: أما قوله: (إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار).
أي: من استحق من أهل الغنى النار لكفره وعناده وجحوده دخل النار، أو من كان من أهل الغنى ولكنه عاص واستوجب عصيانه دخول النار دخل النار.
стр. 1033
شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك)
قال: [حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم] وهو أبو زرعة الرازي الإمام الكبير وهو من أقران الإمام مسلم، وهو من أئمة الجرح والتعديل، بل الإمام مسلم لم يرو له في صحيحه إلا هذا الحديث مع أنه صاحب فضل على مسلم ومسلم كما يقول الإمام الذهبي: كان عنيداً جداً، وكانت به حدة العجم، فلهذا لم يرو عن البخاري حديثاً واحداً مع أن البخاري شيخه.
وفي هذا قصة طويلة لعلكم سمعتموها: أن البخاري لما نزل نيسابور طريداً شريداً بسبب الوشايات التي حدثت عليه بسبب فتنة خلق القرآن، دعاه محمد بن يحيى الذهلي لأن يدخل نيسابور، فلما أشرف على الدخول خرجت إليه نيسابور برجالها ونسائها وأطفالها يملئون الطرقات والشوارع ومداخل البلد يستقبلون الإمام البخاري، فأنزلوه في دار، وإذا بهذه الدار تمتلئ بأهل البلد حتى صعد الناس السطوح فملئوها حتى لم يبق موضع قدم، وطلبوا من البخاري التحديث، فلما حدث ببضعة أحاديث اجتمعت البلد كلها للسماع من الإمام البخاري وفيهم مسلم، والإمام محمد بن يحيى الذهلي قد خلا مجلسه تماماً من الطلاب، فتحرك داعي الحسد في قلب محمد بن يحيى الذهلي وهو يعلم أن البخاري موقفه سليم في مسألة خلق القرآن ولكنه غلبه الشيطان في لحظة ضعف، فوشى بـ البخاري عند حاكم نيسابور وقال: إنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق.
فطرد الإمام البخاري مرة ثانية من نيسابور بسبب هذه الفتنة، وكان الإمام مسلم من أجل تلاميذ محمد بن يحيى الذهلي، فلما انصرف البخاري بعد أن سمع منه مسلم جملة مستكثرة من الأحاديث لمدة دقائق في نيسابور انطلق مسلم ليسمع مرة أخرى من الذهلي، فلما رآه الذهلي شق عليه ذلك فقال: من كان يحضر مجلس البخاري ويقول بقوله لفظي بالقرآن مخلوق فليقم عن مجلسنا.
فعلم مسلم أن هذه الرسالة موجهة إليه وكانت فيه حدة، فقام مغضباً من المجلس وانطلق إلى بيته وأرسل ما كان قد سمعه من كتبه عن محمد بن يحيى الذهلي، وكانت قد بلغت حمل بعير.
فحملها كلها على ظهر البعير ثم أرسل بها إلى محمد بن يحيى الذهلي وقال: لا حاجة لنا في حديثك ولا نحدث كذلك عن البخاري.
ولذلك خطَّأ كثير من أهل العلم الإمام مسلم في تركه الرواية عن الذهلي وعن البخاري في آن واحد.
وقالوا: ولو روى عن الذهلي لروى إلينا علماً كثيراً غزيراً.
وهو كذلك لم يرو عن أبي زرعة الرازي إلا هذا الحديث الذي بين أيدينا، مع أنه وإن كان قريناً له إلا أنه في منزلة شيخه.
قال الإمام مسلم: لما صنفت الصحيح عرضته على أبي زرعة الرازي فما استبعده استبعدته، وما تركه أبقيته.
فالإمام مسلم يعلم قدر أبي زرعة الرازي، وانفراده بالرواية عن أبي زرعة لهذا الحديث يعد دقيقة من دقائق الإسناد عند الإمام مسلم.
قال: [حدثنا ابن بكير -وهو يحيى بن عبد الله بن بكير - حدثني يعقوب بن عبد الرحمن -وهو المدني القاري، نزيل الإسكندرية في مصر- عن موسى بن عقبة المدني - صاحب المغازي - عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: (كان من دعاء رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)].
والفجاءة هي: البغتة.
يعني يأتيك الأمر على غير توقع.
فالإنسان الذي بلغ من العمر ستين أو سبعين أو ثمانين سنة وهو مريض فإنه يزار، فلو سمعنا أنه مات فليس في ذلك شيء من الفجأة؛ لأن الكل يتوقع موته.
أما أن إنساناً شباباً يتحرك بكل حيوية وفتوة وفجأة سمعنا أنه سقط ميتاً، فلا شك أن هذا موت الفجأة وهو من علامات الساعة، فالنبي ﷺ كان يستعيذ بالله من هذا، وبين في أحاديث أخر أن هذا من علامات الساعة.
стр. 1034
شرح حديث: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)
قال: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان - وهو ابن عيينة؛ لأن سعيد بن منصور لا يروي إلا عنه- ومعتمر بن سليمان - وهو التيمي - عن سليمان التيمي - وهو سليمان بن طرخان التيمي - عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)].
أعظم فتنة يمكن أن يمر بها الرجل هي فتنة النساء عموماً، فتنة النساء الأجانب وكذلك الزوجة، بل الفتنة غالباً إنما تأتي من قبل الزوجة أكثر من مجيئها من قبل النساء الأجنبيات، فيفتن المرء مع امرأته في معاملة أمه وأبيه مثلاً، أو في معاملة أهله وجيرانه، أو في معاملة أصدقائه وغير ذلك، ففتنة الزوجة أعظم بكثير من فتنة المرأة الأجنبية في الشوارع.
حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وسويد بن سعيد ومحمد بن عبد الأعلى جميعاً عن المعتمر قال ابن معاذ: حدثني المعتمر بن سليمان قال: قال أبي: حدثنا أبو عثمان عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵃: أنهما حدثا عن رسول الله ﵊ أنه قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء)].
стр. 1035
شرح حديث: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)
قال: [وحدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة - وهو سعيد بن يزيد الأزدي البصري الملقب بـ القصير - قال: سمعت أبا نضرة - وهو المنذر بن مالك بن قطعة - يحدث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء).
قال: (قوله: (إن الدنيا حلوة خضرة، فاتقوا الدنيا) معناه: تجنبوا الافتتان بها كما تتجنبوا الافتتان بالنساء، وتدخل في النساء: الزوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزوجات -كما قلنا- لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن.
وقوله: (الدنيا خضرة حلوة): يحتمل أن المراد به شيئان: أحدهما: حسنها للنفوس، ونضارتها ولذتها.
فالنفس دائماً تميل وتركن إليها؛ لأن فيها المتع واللذات والشهوات وغير ذلك.
قال: (كالفاكهة الخضراء الحلوة؛ فإن النفوس تطلبها طلباً حثيثاً فكذا الدنيا.
والثاني: سرعة فنائها).
والمعلوم أن كل أخضر مصيره إلى الجفاف والذبول واليبس، فكذلك الدنيا لا بد أن تفنى وأن تزول كما يزول الأخضر ويحل محله اليابس.
قال: (ومعنى: مستخلفكم فيها) أي: يجعلكم في الدنيا خلفاً لمن سبقكم، ويجعل لكم خلفاً لمن تسبقونهم، لا أن الله تعالى استخلفنا فيها؛ لأن هذه القضية تحتاج إلى تحرير، وهذه مسألة متعلقة بالاعتقاد.
وبعض أهل العلم يقولون: إن الخلف هنا لله ، فالله تعالى استخلفنا في الدنيا لنعمرها، ومعنى استخلفنا.
أي: جعلنا نواباً ووكلاء عنه في عمارة الدنيا، وهذا بلا شك كلام خطير.
قال: (ومعنى: (مستخلفكم فيها) أي: جاعلكم خلفاء للقرون الذين قبلكم، فأنا خلف لوالدي ووالدي خلف لوالده، وهكذا كل قرن يخلف قرناً.
أي: جاعلكم قروناً يعقب بعضكم بعضاً ويخلف بعضكم بعضاً.
وقوله: (فينظر كيف تعملون).
أي: أتعملون بطاعته أم بمعصيته؟ فإن أهل الطاعة يجازيهم بأحسن مما كان منهم، وإن أهل المعصية يعاقبهم الله أو يعفو عنهم بمشيئته ورحمته.
стр. 1036
باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال
قال: (باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل إلى الله بصالح الأعمال).
قال: [حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي - وهو من نسل المسيب المخزومي المدني محمد بن عبد الرحمن - قال: حدثني أنس -يعني: ابن عياض المدني أبا ضمرة - عن موسى بن عقبة عن نافع الفقيه عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (بينما ثلاثة نفر يتمشون)] والمقصود بالنفر هنا: الواحد.
يعني: ثلاثة أشخاص، وإن كان النفر في اللغة يطلق على العدد من ثلاثة إلى تسعة، وقيل غير ذلك.
[(بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر -يعني: اضطرهم المطر؛ لأن يدخلوا في مكان يأوون إليه- فأووا إلى غار في جبل -أي: مكان مظلم في داخل جبل له فوهة- فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل)] أي: وقعت صخرة كانت مهيأة للوقوع فوافق وقوعها فوهة الجبل فسدته تماماً حتى أنهم لم يروا شيئاً من السماء ولا شيئاً من الضوء.
[(فانطبقت عليهم -أي: فانطبقت على فم الغار- فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها)] يعني: كل واحد منكم يتذكر أو يحاول أن يتذكر عملاً صالحاً قدمه لله مخلصاً فيه غير مشرك به ليتوسل إلى الله به أن يفرج عنا ما نحن فيه.
وهذا يفيد جواز التوسل بالعمل الصالح، وأنه ليس فيه شيء من الشرك.
وبعضهم قال: لا يفهم من الحديث جواز التوسل بالعمل الصالح؛ لأن كل واحد منهم قال: (يا رب! إن كنت تعلم أني عملت ذلك لك ففرج عنا ما نحن فيه).
فكل واحد منهم لم يتوسل ولم يزك نفسه ولم يقطع بأن ما عمله صالحاً وإنما أرجع الأمر إلى الله ، فقال: (إن كنت تعلم يا رب أن هذا صالحاً ففرج عنا ما نحن فيه) فقال الذي يزعم أو ينكر التوسل بالعمل الصالح ليس في هذا الحديث حجة؛ لأنهم لم يقطعوا بصالح أعمالهم وإنما ذكروها فقط وأسندوا الأمر في صلاحها أو فسادها إلى الله .
وقالوا: لو كان عملاً صالحاً ففرج عنا ما نحن فيه، وزعموا أنهم توسلوا بالدعاء لا بذات العمل الذي ذكروه، وإنما اتخذوه سبباً للتقرب إلى الله ، وإنما أصل القربة إنما كان ذلك في دعائهم.
وهذا على أية حال بعد وتكلف في رد ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من جواز التوسل بالعمل الصالح، أو الذي يغلب على ظن العامل أنه صالح، وكل إنسان أعلم برذائله، فكل إنسان يعمل عملاً صالحاً في الظاهر لكنه يوقن من نفسه أنه أخلص فيه لله أو أنه عمله رياءً وسمعة، فهؤلاء لما غلب على ظنهم أنهم عملوا هذا العمل لله على الشرط الذي اشترطوه على أنفسهم: كل منكم ينظر في عمله، فمن عمل عملاً صالحاً خالصاً لله فليذكره ليتوسل إلى الله به.
والشاهد على ذلك: أنهم لما ذكروا هذه الأعمال وتوسلوا إلى الله بها فرجت عنهم الصخرة على الحقيقة وفي الواقع، وهذا يدل على جواز التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
قال: (انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله تعالى بها).
أي: بهذه الأعمال.
وهذا الحديث ورد في من كان قبلنا، ولذلك الذي ينكر التوسل بالعمل الصالح يقول: هذا الحديث ليس فيه حجة لما ذكرنا آنفاً، لأن هذا متعلق بمن كان قبلنا أو بشرع من كان قبلنا.
وهذه مسألة خلافية بين الأصوليين: هل شرع من كان قبلنا شرع لنا أم لا؟ والجمهور على أن شرع من كان قبلنا ليس شرعاً لنا، وبعض أهل العلم قالوا: بل هو شرع لنا ما لم يخالف.
وفي حقيقة الأمر: التوسل بصالح الأعمال في هذا الحديث لا علاقة له بشرع من قبلنا؛ لأن العبرة في هذا الحديث بسكوت النبي ﵊ عنهم وإعجابه بهم، وهذا يدل على جواز الأمر واستحبابه لدى النبي ﵊، فنحن ما أخذنا الجواز من مجرد العمل أو الفعل ولكن أخذناه من مجرد الرواية التي رواها النبي ﵊ عن الأمم السابقة وسكوته على ذلك وعدم الإنكار؛ لأن النبي ﵊ روى عن الأمم السابقة شيئاً وأنكره، وروى شيئاً وسكت عنه، وروى شيئاً واستحسنه، فهذا مما استحسنه النبي ﵊ فكان شرعاً لنا لاستحسان النبي ﵊ لا بمجرد عمل القوم له.
ولا يخفى للمتتبع لروايات هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا على نسق واحد وترتيب واحد في كل الروايات، وإنما حصل تقديم وتأخير في الروايات، فصاحب الوالدين ذكر أولاً، ويذكر ثانياً وثالثاً في رواية أخرى، وصاحب المرأة يذكر أولاً وثانياً وثالثاً، وصاحب الأجير يذكر أولاً وثانياً وثالثاً، وهذا يدل على أن الرواة إنما تصرفوا في هذا الحديث بالمعنى ليدل على جواز الرواية بالمعنى عند السلف ﵃ أجمعين.
стр. 1037
قصة الرجل البار بوالديه
قال: [(قال أحدهم -وهو الأول-: اللهم إنه كان لي أبوان)]، يطلق على الأب والأم أبوان من باب التغليب، كما يطلق العمران على أبي بكر وعمر وكذا الشيخان على أبي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر.
[(شيخان كبيران)] وهذا من باب التغليب كذلك؛ لأن الأم لا يقال لها شيخة وإنما يقال لها: عجوز، كما لا يقال للرجل: عجوز وإنما يقال له: شيخ [(وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم)] يعني: أقوم على أمر رعايتهم وإطعامهم وغير ذلك مما يلزمهم.
فهذا الرجل كان متكفلاً بوالديه وبامرأته وأولاده الصغار.
قال: [(فإذا أرحت عليهم)] أي: فإذا روحت إليهم في نهاية اليوم بعد رعيي للغنم.
[(حلبت)] أي: حلبت الغبوق، والغبوق إنما يقال لشراب الليل، بخلاف الصبوح؛ فإنه يقال لشراب الصباح صبوحاً، فاللبن يسمى في المساء غبوقاً ويسمى في الصباح صبوحاً.
[(قال: فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني)] يبدأ بوالديه يسقيهما قبل أن يسقي أولاده [(وأنه نأى بي ذات يوم الشجر)] أي: بعد بي مكان الرعي، لأنه لم يجد للمرعى والخضرة ليرعى فيه سائمته إلا في مكان بعيد جداً، فلما بعد به المكان رجع متأخراً وإذا بوالديه قد ناما.
[(فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب)] على عادته [(فجئت بالحلاب أو المحلاب)] وهو الإناء الذي يحلب فيه.
أما اللبن فهو الحلاب أو المحلوب.
قال: [(فقمت عند رءوسهما فكرهت أن أوقظهما من نومهما)] أي: فقام الرجل عند رأسي والديه انتظاراً لاستيقاظهما، وكره إيقاظهما؛ لأن المرء إذا نام يكره أن يوقظ قبل موعد استيقاظه.
فهذا الرجل لما علم كراهة والديه أن يوقظا في غير موعد قد اعتادا أن يستيقظا فيه كره هو كذلك أن يفزعهما بالاستيقاظ في غير موعد يقظتهما.
قال: [(وأكره أن أسقي الصبية قبلهما)] ويكره في الوقت نفسه أن يسبق أبناءه بالشرب قبل والديه.
[(والصبية يتضاغون عند قدمي)] يتضاغون أي: يبكون ويصيحون عند قدميه، ربما يكون هذا من شدة الجوع، وربما يكون من غير جوع، وأنتم تعلمون أن الصبية إنما يبكون أحياناً بغير سبب، وأحياناً يبكون بسبب، وربما يكون هذا الوالد قد سقاهم ما يكفيهم من جهة سد الرمق ولكن أراد الأولاد أن يشربوا مزيداً عن الحاجة ومزيداً عن سد الرمق.
على أية حال: هذا كلام أهل العلم، وربما يكون مقبولاً أو لا يكون مقبولاً عند البعض.
قال: [(فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر)] يعني: لا يزال الوضع على هذا النحو أكره أن أوقظهم وأكره أن أسقي أولادي قبلهم، والأولاد يبكون ويتضاغون حتى انفلق الفجر.
[(فإن كنت)] وهو يخاطب الله .
[(تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء غير أنهم لا يستطيعون الخروج)].
هذه القصة فيها فضيلة بر الوالدين، وفيها كذلك فضيلة من قام بحسن الرعاية لمن يعولهم، لأن هذا الرجل كان دأبه أن يسرح في أول النهار وأن يروح في آخر النهار يحلب الشاة أو البقر أو الغنم ويسقي والديه وأبنائه.
стр. 1038
حكم النفقة على الأبوين
في الحديث مسألة: هل نفقة الأبوين واجبة على الابن؟ ربما نبادر القول بنعم، وأنه يجب على الابن أن ينفق على والديه ولا غضاضة في هذا التعجيل، لكن القضية إنما محلها إذا كان الولد ليس معه إلا ما يكفي امرأته وأولاده في سد الرمق، فهل يطالب الابن كذلك والحالة هذه برعاية والديه؟ السؤال بمعنىً آخر: إذا لم يكن مع الولد إلا ما يكفي للنفقة على والديه نفقة واجبة أو على قدر الكفاية أو النفقة على امرأته وأولاده، فأيهما تقدم: النفقة على أبويه أم على أولاده وامرأته؟ أنتم تعلمون النصوص التي وردت في قوله ﵊: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) والمعلوم يقيناً أن النفقة على المرأة والأولاد داخلة في مسئولية الرجل في الدرجة الأولى، ووقع الخلاف بين أهل العلم في نفقة الأبوين، فأيهما يقدم الولد إذا لم يكن معه إلا ما يكفي لأحد الطرفين: والديه أم الزوجة والأبناء؟ وهل هذه القضية يحكمها قوله ﵊: (أنت ومالك لأبيك).
وقوله ﵊: (إن خير أو أطيب ما أكل المرء من كسب يده وولده من كسبه) وغير ذلك من الأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة التي تفيد أن الوالد يملك الولد وما ملك من المال؟ هذه القضية يا إخواني! وقع فيها نزاع عظيم جداً، فقد قرأت منذ أكثر من خمسة عشر عاماً كلاماً لـ ابن القيم الجوزية وعلق في ذهني يقول فيه: لا يلزم الولد على هذا النحو أن ينفق على والديه، بل لوالديه أن يأخذا من مال الزكاة أو الصدقة المطلقة للإنفاق على أنفسهما، والولد إنما يعمل لينفق على زوجته وأولاده.
وهذا الذي أحفظه جيداً منذ سنوات عدة وأردده على بعض المسامع، وقد راجعني أحد الإخوة الأفاضل من طلاب العلم في ذلك، وبمناسبة إعدادي لشرح هذا الحديث قلبت مكتبتي شرقاً وغرباً هذا اليوم حتى أحصل على هذا الكلام الذي قرأته لـ ابن القيم فلم أحصل عليه، وخير لي أن أنسب الوهم إلى نفسي، لكني على أية حال قرأت ذلك وربما يكون لغير ابن القيم، وربما يكون لـ ابن القيم في كتاب ليس بين يدي الآن، لأن كل كتب ابن القيم التي أملكها الآن بحثت فيها بحثاً حثيثاً منذ طلوع الفجر إلى ساعتي هذه ولم أجد شيئاً.
فعلى أية حال: الرجوع عما كنت بثثته في الناس خير من التمادي فيه، وبل وخير من إثباته لإمام من أئمة الهدى مع احتمال طروء الوهم.
وقد نظرت في الأحاديث التي كنت قد قرأت شرحها فيما يتعلق بأحاديث الباب عند أبي داود في باب: الرجل يأكل من مال ولده، عن عمارة بن عمير عن عمته: (أنها سألت عائشة ﵁ في حجر يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه).
وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: هو حديث حسن.
وهو كذلك.
وعن النبي ﵇ قال: (ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم).
وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يجتاح مالي) يجتاح يعني: يستأصله.
(قال: أنت ومالك لوالدك) مع قول الولد: يجتاح.
(إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم).
لما كنت طالباً في الجامعة وذلك قبل عشرين سنة، وكنت أسافر كل إجازة وإذا بوالدي منتظر لي في المطار من أجل يأخذ مني الفلوس، فكنت أعطي له البعض وأحتفظ بالبعض الباقي فكان يقول: قال رسول الله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) فلم يحفظ من أحاديث السنة كلها إلا: (أنت ومالك لأبيك)، لم يحفظ أحاديث في الرحمة، وأحاديث في الرأفة، وأحاديث في الحرية وغيرها، فلما وقفت على كلام ابن القيم قلت له: اقرأ.
فهذه الحادثة ما نسيتها؛ لأنه بسببها راحت كل أموالي، فإما أن أكون قرأت لـ ابن القيم في أحد الكتب أو قرأت في غير كتاب لـ ابن القيم نقلاً عن ابن القيم، وأنا مستعد أن أكون أنا وامرأتي وأولادي ملكاً لوالدي ولو فعلت لكان قليلاً، لكنني أردت أن أستدل لما كان من أمري.
قال الإمام الخطابي: في هذا الحديث: أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجداً لها.
يعني: يعمل لينفق على امرأته وأولاده فما فضل وما تبقى من النفقة الواجبة فهو للوالدين بلا خلاف بين أهل العلم.
والنفقة الواجبة هي سد الرمق وستر العورة.
والعلماء يقولون في باب اللباس: يلزمه ثوبين في الصيف وثوبين في الشتاء.
وفي باب الطعام والشراب: ما يقوم به البدن.
قال: واختلفوا في صفة من تجب ل
стр. 1039
قصة الرجل الذي عف عن الزنا مع القدرة عليه
قال: [وقال الآخر: (اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء)] يعني: أحببتها حباً شديداً لم أره عند رجل أحب امرأة.
[(وطلبت إليها نفسها)] أي: طلب أن يواقعها في الحرام.
[(فأبت حتى آتيها بمائة دينار)] كأنها طلبت ذلك لتعجزه عن الحصول على هذه المائة دينار وإلا فهي امرأة عفيفة حرة تأبى أن تقع في الحرام، لكن لما طلبها وتمكن منها أرادت أن تهرب من الرذيلة بهذا الشرط.
قالت: ائتني بمائة دينار.
فذهب الرجل وتمكن من المائة دينار وزيادة، لأنه أعطاها مائة دينار وعشرين ديناراً من الذهب.
[(قال: فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها)] أي: لما كنت منها كما يكون الرجل من المرأة [(قالت: يا عبد الله! اتق الله)] تذكره بالله [(ولا تفض الخاتم إلا بحقه)] أي: بنكاح صحيح.
وهذا للدلالة على أن هذه المرأة كانت بكراً.
وقد ورد في بعض الروايات أنها كانت ثيباً أيماً.
أي: مات عنها زوجها.
والمعنى: لا يحل لك إيلاج الفرج إلا بحقه، فالخاتم هنا هو الفرج، والمراد فض بكارة البكر.
قال: [(فقمت عنها)] أي: مخافة الله .
ولذلك العلماء يقولون: هذا الرجل أفضل الثلاثة، لأن الذي دفعه إلى ذلك هو خوف الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
فهذا الرجل أفضلهم لخشية الله ، كما أنه ترك الذهب لهذه المرأة، فنفعه تعدى إلى الغير، وكذلك هذه المرأة كانت ابنة عمه، وفيه صلة الرحم كذلك، وأن هذه المرأة ذهبت إليه -في أحد الروايات- تطلب منه طعاماً في سنة جدب وقحط وحاجة، فهذا الرجل ترك الذهب وترك الزنا مخافة الله ، وحافظ على عرض ابنة عمه من باب صلة الرحم كذلك، كما أنه ترك كل ذلك في سنة جدب وقحط، ولو كان إنساناً نذلاً كان من الممكن أن يستغل هذا الظرف، والأنذال كثير وأنتم تعلمون ذلك، لكن هذا الرجل مع الجدب والقحط الذي تمر به البلد كلها وما نزل بابنة عمه خاصة كان بإمكانه أن يشرط أن هذا مقابل ذاك، ولكنه إنما انتهى عن كل ذلك وترك كل ذلك لله من باب خشية الله لما قالت له فقط: اتق الله.
قال: [(فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة، ففرج الله تعالى لهم منها فرجة غير أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا)].
стр. 1040
قصة الرجل مع الأجير
قال: [(وقال الآخر - هو الثالث -: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز)] الفرق هو الإناء الذي يسع ثلاثة آصع، والصاع أربعة أمداد، فهذا الرجل استأجر أجيراً بثلاثة آصع من الأرز.
وفي رواية: (من الذرة.
فلما قضى عمله قال: أعطني حقي.
قال: فعرضت عليه فرقه فرغب عنه).
جاء من حديث النعمان بن بشير أن سبب إعراض الرجل عن قبول أجرته وأخذها أن صاحب العمل استأجر أجراء على فرق من الأرز.
وفي رواية: من الذرة.
وأتاه آخر ضحىً وقال: تستأجرني؟ قال: نعم.
قال: بكم؟ قال: إن شئت أعطيتك مثلما سأعطي هؤلاء.
قال: كم أعطيتهم؟ قال: فرقاً من أرز، بأن يعملوا من أول النهار إلى آخره.
قال: كم تعطيني؟ قال: أعطيك مثل ما أعطيهم.
فعمل الرجل بجد فحصل من العمل ما لم يحصله من استأجرهم من أول النهار إلى آخره، فأعطاه الفرق فنظر إلى رجل ممن عمل من أول النهار إلى من عمل ضحىً، قال: (أتعطي هذا مثلما تعطيني وقد عملت من أول النهار؟ قال: يا عبد الله! إنما هو مالي أصنع فيه ما أشاء، فغضب الرجل غضباً شديداً وترك حقه أو فرقه وانصرف).
ولو أنه أعطى الفرق لرجل في الشارع لم يعمل قط، فلا لوم عليه؛ لأن هذا ماله وهو حاكم فيه، ولم يظلمك، وإنما أعطاك ما كان متفقاً عليه بينك وبينه.
وهذا الرجل كذلك -أي: صاحب العمل- إنما غضب لموقف هذا العامل غضباً شديداً فنهره.
فقيل: إن الرجل إنما ترك ماله وانصرف غضباً للمساواة بينه وبين من عمل ضحىً.
وقيل: إنه تركه لأن صاحب العمل نهره.
أي: غضب في وجهه وصاح فيه.
لا يهم أن يكون هذا أو ذاك، فمحصلة الأمرين: أن هذا الرجل ترك ماله وانصرف، وأتاه بعد مدة من الزمان.
قال: [(فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاء)] فالرجل المؤجر زرع هذا الفرق من أرز أو ذرة في الأرض، ومن الزرع اشترى بقراً وغنماً ورعاءً.
أي: عبيداً ليرعوا هذه الأغنام وهذه الأبقار.
قال: [(فجاءني)] أي: هذا المستأجر.
[(فقال: اتق الله! ولا تظلمني حقي.
قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها.
فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي.
فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه فذهب به.
قال: فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، ففرج الله لهم ما بقي فخرجوا جميعاً يمشون)].
استدل الشافعية بهذا الحديث على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله ويتوسل إلى الله تعالى به، لأن هؤلاء سألوه فاستجيب لهم، وذكره النبي ﵊ في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم.
стр. 1041
فوائد من حديث قصة أصحاب الغار
قال: (وفي هذا الحديث: فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم.
وفيه: فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها، ويفعل ذلك خالصاً لله .
وفيه: جواز الإجارة، وفضل حسن العهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة.
وفيه: إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السنة).
стр. 1042
شرح رواية ابن عمر لحديث أصحاب الغار الثلاثة
ورواية عبد الله بن عمر الأخيرة: [(انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم)].
وهذا يدل على أن ذلك كان في الأمم السابقة [(حتى آواهم المبيت إلى غار)].
أي: اضطروا أن يبيتوا في غار، لأجل المطر [(وقال رجل منهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً)] والمال هنا بمعنى الرقيق، أي: لا أسقي أولادي ولا امرأتي ولا عبيدي شيئاً قبلهما.
[(وقال الآخر: فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين)] أي: ضائقة وجائحة.
[(فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار.
وقال الثالث: فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فارتعجت)] أي: اضطربت القطيع من الأغنام والبقر من كثرتها.
قال: احتج بهذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذن مالكه إذا أجاز المالك بعد ذلك، وهذا ما يسمى ببيع الفضولي، وموضع الدلالة قوله: (فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً ورعاءً).
وفي رواية البخاري: (فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق).
وأجاب الشافعية على الأحناف وغيرهم ممن لا يجيزون التصرف المذكور: بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا.
فالكلام هذا في شرع من قبلنا ولعله جائز في شرعهم وغير جائز في شرعنا، وفي كونه شرعاً لنا خلاف مشهور عند الأصوليين.
فإن قلنا: ليس بشرع لنا فلا حجة فيه، وإلا فهو محمول على أنه استأجره بأرز في الذمة ولم يسلم إليه، بل عرضه عليه فلم يقبله لرداءته فلم يتعين من غير قبض صحيح فبقي على ملك المستأجر؛ لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح، ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فصح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أم للأجير ثم تبرع بما اجتمع منه من الإبل والبقر والغنم والرقيق على الأجير بتراضيهما.
ومن الفوائد أيضاً: أن هذا الرجل عمل في مقابل الثلاثة الآصع من رز أو قمح أو ذرة أو المال الرسمي، فلم يتعين حقه في الثلاثة الآصع بعينها، لو أنه أخذها عنده يصبح حقه تعين له، ولا يحل أخذه منه حتى لو أرسله، إذ لا بد من استئذانه ورضاه، وإذا لم أعطه له يصير في ذمتي ولو تمر عليه مائة سنة فإنها ثلاثة آصع فقط.
لكن هذا المؤجر طابت نفسه أن يعين من ماله الثلاثة آصع وأن يزرعها بنية النماء لهذا الرجل، فهذا فضل من عنده.
فهو هنا قد تصرف في مال الغير بغير إذنه؛ لأن الرجل عين هذا المال للغير، فكأنه دخل في ملكه وهو في حقيقة الأمر ليس ملكاً له على التعيين، وإنما هو له في ذمة المؤجر ثلاثة آصع، لكن ليست هذه بعينها.
هذه الترجمة معقودة لما يسمى عند الفقهاء ببيع الفضولي، وقد مال البخاري فيها إلى الجواز؛ لأن بعض الشافعية أنكروها.
وأورد في حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين انحطت عليهم الصخرة في الغار، قول أحدهم: (إني استأجرت أجيراً بفرق من ذرة فأعطيته فأبى، فعمدت إلى الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقراً وراعيها).
قال: فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه، ولكن لما ثمره له ونماه وأعطاه أخذه ورضيه.
وطريق الاستدلال به ينبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، والجمهور على خلافه، والخلاف فيه مشهور، لكن يتقرر بأن النبي ﷺ ساقه مساق المدح والثناء على فاعله وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه النبي ﵊، فكونه سكت عنه دل على أن ما كان شرعاً لغيرنا هو شرع لنا إذا وافق النبي ﵊ على ذلك واستحبه، فبهذا الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا.
ويقول: وقد أجيب عن حديث الباب بأنه يحتمل أنه استأجره بفرق في الذمة، ولما عرض عليه الفرق فلم يقبضه استمر في ذمة المستأجر؛ لأن الذي في الذمة لا يتعين إلا بالقبض، أما قبل القبض فلا يتعين، إنما يجزئه أن يأخذ قدر ماله في الذمة بغير تعيين، فلما تصرف فيه المالك صح تصرفه سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره، ثم إنه تبرع بما اجتمع منه على الأجير.
يعني: تبرع من باب التفضل، فقد تبرع به على الأجير برضاً منه، والله تعالى أعلم.
قال ابن بطال: وفيه دليل على صحة قول ابن القاسم: إذا أودع رجل رجلاً طعاماً فباعه المودع بثمن فرضي المودع فله الخيار، إن شاء أخذ الثمن الذي باعه به، وإن شاء أخذ مثل طعامه.
واستدل به كذلك أبو ثور على أن من غصب قمحاً فزرعه فكلما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب القمح.
أما قول الثلاثة: (اللهم إن كنت تعلم) فيه إشكال؛ لأن المؤمن يعلم قطعاً أن الله يعلم، فلم قالوا: اللهم إن كنت تعلم مع أنه يعلم؟ أجيب: بأن هؤلاء ترددوا في عملهم، هل له اعتبار عند الله أم لا؟ ربما يكون له اعتبار عنده، لكن وقع حابطاً عند الله ، فكأنهم يقولون: اللهم إن كان قد سبق في علمك أن هذا ع
стр. 1043
شرح صحيح مسلم - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفات المنافقين
لقد فضح الله تعالى المنافقين، وكشف مكايدهم وخططهم ومكرهم في حرب الإسلام والمسلمين، ووصفهم بصفات كثيرة؛ كي يحذر المؤمنون هذه الصفات، ويبتعدوا عنها، ولا يتصفوا بها.
стр. 1044
صفات المنافقين وأحكامهم
стр. 1045
سبب نزول سورة (المنافقون)
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع كتاب صفات المنافقين وأحكامهم.
قال النووي: (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن موسى -وهو الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل- قال: حدثنا زهير بن معاوية -وهو ابن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وسماعه من أبي إسحاق السبيعي في آخره، وقد اختلط، ففي سماعه من أبي إسحاق نظر- قال: حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم ﵁ يقول: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله).
قال زهير - وهو ابن معاوية - راوي الحديث: وهي قراءة من خفض: (حوله)] أي: كسر اللام في قوله: (حولِه).
[وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]].
أي: كأنه يتوعد النبي ﷺ ، ويثبت في هذا القول أنه هو الأعز، ورسول الله هو الأذل، فهو يتوعد بإخراج النبي ﷺ من المدينة.
قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا﴾ [المنافقون:٨] أي: من سفرنا هذا، ومن غزوتنا هذه ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨].
[قال زيد بن أرقم: (فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك)] أي: فأخبرته بمقالة المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، [(فأرسل النبي ﷺ إلى عبد الله بن أبي فسأله -أي: عن هذه المقالة-: أأنت الذي قلت: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا؟)] أي: حتى يتفرقوا من حوله [(وأنت الذي قلت: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]؟ فاجتهد عبد الله بن أبي ابن سلول يمينه ما فعل)] يعني: حلف أيماناً مغلظة أنه ما قال ذلك.
[فقال: (كذب زيد رسول الله ﷺ ] أي: فقال ابن أبي: كذب زيد بن أرقم على النبي ﷺ بهذا، وما أراد إلا الفتنة بين النبي ﷺ وبين أصحابه.
قال زيد بن أرقم: [(فوقع في نفسي مما قالوه شدة)] يعني: لما اتهم بالكذب وقد سكت النبي ﵊ عن عبد الله بن أبي، وقع في نفس زيد بن أرقم شدة، يعني: حزن وهم وغم شديد؛ لأنه صارت صورته صورة كاذب ونمام يريد أن يوقع الفساد والشر بين النبي ﷺ وبين أصحابه.
قال: [(فوقع في نفسي مما قالوه شدة، حتى أنزل الله تصديقي)].
أي: في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر الآيات.
فهنا أثبت الله ﵎ صدق زيد بن أرقم، كما أثبت نفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، وعبد الله لم يكن من عامة المنافقين، وإنما كان على رأس المنافقين، فهو إمام في الشر.
قال زيد بن أرقم: [(ثم دعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم، قال: فلووا رءوسهم)] يعني: استنكفوا وأبوا أن يأتوا إلى النبي ﷺ ، فلووا رءوسهم لي المعرض الجاحد المستغني.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: هؤلاء المنافقون.
[وقال زيد بن أرقم: كانوا رجالاً أجمل شيء]، يعني: من جهة أبدانهم وجمال منظرهم كانوا في قمة الجمال، ولكن مخبرهم كان في قمة الفساد والضلال والنفاق والكفر.
والكفر كفران، والفسق فسقان، وكذلك النفاق منه ما هو أكبر، ومنه ما هو أصغر، والأكبر منه هو المخرج عن الملة، وهو أن يبطن الإنسان الكفر ويظهر الإسلام؛ كحال المنافقين الذين كانوا على زمانه ﵊، وحال الملاحدة والعلمانيين في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، الذين يقولون: نحن علمانيون، ولا مانع قط أن يجتمع الإسلام مع العلمانية، وأن يجتمع الإسلام مع الإلحاد و
стр. 1046
من صفات المنافقين إظهار الود لأهل الإسلام وإخفاء العداوة
والنبي ﵊ أثبت معالم وصفات المنافقين في هذا النص، فلنأخذ من ذلك قول عبد الله بن أبي كما حكى الله عنه: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] أي: من حوله.
فهذه أول صفة من صفاتهم: أنهم يظهرون الود لأهل الإسلام، ويخفون العداوة، ولذلك قال ﵊: (هم حرب على أهل الإسلام، سلم لأعدائه).
يعني: يسالمون أعداء الإسلام، ويودونهم ويوالونهم، لكنهم على أهل الإسلام وأبناء الإسلام حرب وعداوة قوية، فلا تكاد تمر بهم فتنة إلا وجروها إلى المسلمين.
الأمر الثاني: أنهم أحياناً يصرحون بذلك، كما صرح هذا المنافق بقوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨].
فهم يتصورون باجتماعهم أنهم قوة لا يستهان بها، وأنهم لا يغلبون من قلة، وقد بين الله هزيمتهم النفسية فقال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]؛ لأن القلب الذي اجتمع إلى شكله ومثله إن لم يكن هذا الاجتماع على الحب في الله، والموالاة فيه، والمعاداة لغيره، لا يمكن أبداً أن يتم الائتلاف، وإن وقع للحظات أو لأيام فإنه لا يستمر؛ لأنه ليس لله، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره لابد أن ينقطع وينفصل.
وهكذا المنافقون؛ فإنهم يتهمون أهل الإيمان بما عندهم من صفات وأخلاق، ويأتون بما عندهم من كذب وسحت في آبارهم فينضحون به على أهل الإسلام، ولذلك قال عبد الله بن أبي: (كذب زيد رسول الله ﷺ ، ولم يكن هكذا، فـ زيد بن أرقم ﵁ لم ينقل إلى النبي ﵊ إلا ما كان حقيقة من عبد الله بن أبي ابن سلول لا يعلمه من قبل، والله أخبره بالمنافقين جميعاً.
стр. 1047
من صفات المنافقين إظهار الاستغناء عن أهل الإيمان والإعراض عنهم
الصفة الثانية: ولما دعاهم ليستغفر لهم لووا رءوسهم، فهم يظهرون الاستغناء عن أهل الإيمان بالإعراض، أو بصرف الخد، أو بالغمز واللمز، أو بالنظر الخفي الذي هو خافية الأعين، وكل هذه الصفات والعلامات إنما هي صفات وعلامات وأمارات للمنافقين.
قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] (خشب) جمع: خشبة، أي: العظيمة من الخشب مسندة إلى الحائط، وكذلك كل من لم يكن مسلماً، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
وربما خطر ببال أحد منكم سؤال وهو: لماذا نقل زيد بن أرقم هذا الكلام إلى النبي ﵊؟ أليست هذه من النميمة فعلاً، ونحن نعلم أن النميمة إنما هي نقل الكلام على جهة الإفساد؟
و
الجواب
من وجهين: الوجه الأول: أن زيد بن أرقم إذا كان يعلم أن عبد الله بن أبي ابن سلول من المنافقين فيلزم من ذلك نقل الكلام إلى الأمين والسيد والسلطان والحاكم حتى يحذره، لغلبة الظن، ووقوع المضرة على أهل الإيمان، ولذلك زيد بن أرقم لم يخبر آحاد الناس، وإنما ذهب إلى الإمام المعظم ﷺ وأخبره بما كان من أمر الجند من كلام يضر باستقامة الحال.
الوجه الثاني: إذا كان لا يعلم سابقاً أنه من المنافقين فيكون قد غلب على ظنه لما سمع منه هذا القول أنه من المنافقين، فخشي ألا يكون النبي ﵊ عنده علم بنفاق هذا المنافق، فأخبره حتى يحذره الإمام.
وفي هذا مصلحة عامة للإسلام والمسلمين، ولا يمكن قط أن تدانيها أو تقاربها مضرة النميمة بين اثنين، ولذلك لما غلبت المصلحة كان يجب عليه إذا سمع هذا الأمر فيما يتعلق بالإمام أو نحوه من كبار ولاة الأمور، ويخاف الضرر على المسلمين أن يبلغ هذا الكلام؛ ليحترز منه الإمام.
كما أن هذا الكلام فيه منقبة عظيمة جداً لـ زيد بن أرقم، وأن الله ﵎ أنزل تصديقه من فوق سبع سماوات، وبين براءته من الكذب، وأنه صادق مصدق، وتصديق الله تعالى لـ زيد بن أرقم دليل على محبة الله ﵎ لأصحاب نبيه، وأن محبة الله تعالى مع المؤمنين معية خاصة بالرعاية والعلم والسمع والبصر والإحاطة والنصرة والتأييد، كل ذلك إنما تم في لحظات في أثناء جهاده ﵊، وكان مع المجاهدين هؤلاء المنافقون.
стр. 1048
سبب تكفين النبي لعبد الله بن أبي بقميصه لما مات
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأحمد بن عبدة الضبي واللفظ للأول -أي: لـ أبي بكر بن أبي شيبة - قال ابن عبدة - وهو أحمد -: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو -إذا حدث سفيان بن عيينة عن عمرو فإنما هو عمرو بن دينار المكي - أنه سمع جابراً يقول: (أتى النبي ﷺ قبر عبد الله بن أبي فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، ثم قال: الله أعلم)].
إما أن يكون قوله: (الله أعلم) من قول مسلم، أو من قول جابر بن عبد الله الأنصاري.
وهذا الحديث صحيح، وإن رده كثير من المؤمنين من جهة العاطفة، بمعنى أنهم ما كانوا يتمنون أن يفعل النبي ﷺ بهذا الكافر المنافق شيئاً من ذلك، وهذا يدل على عظيم رحمة النبي ﵊، وإن كان عبد الله بن أبي في الآخرة لا يرحم، ولا يرحم في قبره كذلك، لكن هذا العمل انطوى على حكمة عظيمة جداً في الدعوة إلى الله ، ولذلك ذهب النبي ﵊ إلى قبر عبد الله بن أبي بن سلول وقد أعلمه الله أنه من المنافقين، فأخرجه من قبره -أي: بعد أن دفن، في اليوم الذي دفن فيه- ثم وضعه على ركبتيه -أي: في حجر النبي ﵊ ونفث عليه من ريقه الشريف، وألبسه قميصه ﷺ ، وأنتم تعلمون استحباب التبرك بآثار النبي ﵊، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك.
وكون أحد يلبس لباس النبي ﵊، أو يأخذ عصاه، أو شيئاً من آثاره كشعره أو ظفره، أو غير ذلك مما يتعلق به ويختص به ﵊؛ هذا شرف عظيم جداً، ولكن القضية: أن النبي ﵊ إنما فعل ذلك بهذا المنافق؛ وهو يعلم أنه منافق؛ إكراماً لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وكان رجلاً صالحاً، ففعل النبي ﵊ ذلك إكراماً لولده، لا إكراماً له، هذا رأي.
الرأي الثاني: أن الذي طلب منه ذلك هو عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فما أراد النبي ﵊ أن يدخل الحزونة على قلب عبد الله بن عبد الله بن أبي برد طلبه، فأراد أن يكافئه على حسن إسلامه وصحبته.
الثالث: أن النبي ﵊ إنما ألبس عبد الله بن أبي ابن سلول قميصه؛ لأنه كان قد ألبس العباس عم النبي ﵊ قميصاً له، وكان العباس في حاجة إليه، فأراد النبي ﵊ أن يكافئه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، وهذا وجه عظيم جداً من وجوه التأويل.
قال: [حدثنا أحمد بن يوسف الأزدي حدثنا عبد الرزاق - وهو ابن همام الصنعاني - أخبرنا ابن جريج وعبد الملك بن عبد العزيز الأموي أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (جاء النبي ﷺ إلى عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته) فذكر بمثل حديث سفيان بن عيينة السابق.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - قال: حدثنا عبيد الله بن عمر -وهو العمري الإمام الكبير، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة- عن نافع الفقيه - مولى ابن عمر - عن ابن عمر ﵄ قال: (لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول) وكان حقه أن يكسر ابن سلول لأنه معطوف، وإنما ضم ابن سلول لأن أمه اسمها: سلول، ولم يكن جده بهذا الاسم، ولذلك ضم ابن قبل الاسم- جاء ابنه -أي: عبد الله بن عبد الله - إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ] يعني: يجذبه إليه، ويمنعه وينهاه أن يصلي على هذا المنافق، وهذا يدل على اشتهار نفاق هذا بين الأصحاب.
[فقال: (يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] ثم ق
стр. 1049
سبب نزول قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم
قال: [حدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان - وهو ابن عيينة - عن منصور بن المعتمر عن مجاهد بن جبر المكي عن أبي معمر -وهو عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي - عن ابن مسعود ﵁ قال: (اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي)].
ومعنى (ثقفي) أي: من ثقيف، وثقيف قبيلة في الطائف بجوار مكة، أما قريش فهي أصل مكة.
قال: [(قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم)].
أي: من علامات المنافقين أنهم لا يكادون يفقهون نصاً؛ لأن عندهم عمى في بصيرتهم، فقد طمس الله على عيونهم، وغشى الران على قلوبهم، ومن علاماتهم أيضاً: كثير شحم بطونهم، وربنا حكى عنهم أنهم خشب مسندة.
وقد نقل الإمام النووي عن القاضي عياض ﵀ أنه قال: وهذا فيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع السمن، وهذا يعني أن الواحد يحرص أن يتخفف في طعامه؛ لأن الإنسان إذا أكل كثيراً نام كثيراً، وبالتالي ضاع منه العلم الكثير، والعلم مرتبط بالفقر والحاجة.
ولذلك كان الإمام الشافعي يقول: لا يطلب العلم من ملك زاده، ولا يطلبه إلا من أحرق البن قلبه.
قال الخطيب البغدادي: (البن): هو طعام كانت تصنعه العرب من كيت وكيت.
والذي فهمته من تفسير (البن) أنه خبز يابس يبل بماء ثم يؤكل، بعض النساخ كتب (اللبن)، وأنتم تعلمون أن اللبن هو شراب الفطرة، وهو شراب مغذٍ جداً، فلا يستقيم أبداً أن يقول: لا يطلب العلم إلا من أحرق اللبن قلبه؛ لأن اللبن لا يحرق القلب.
[(فقال أحد هؤلاء الثلاثة النفر: أترون الله يسمع ما نقول، فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا)] يعني: الذي يسمع مع الظاهر يسمع مع الإخفاء، [فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢]) إلى آخر الآيات].
أي: أنزل الله تكذيب هؤلاء؛ لأن قولهم يدور بين التردد والشك في صفات الله ، وهذا على خلاف المؤمنون الذين يعتقدون اعتقاداً جازماً لا يسعهم غيره: أن الله تعالى منزه عن كل نقص، ومتصف بكل كمال.
إن من أعبد العبادات أن تعبد الله تعالى بأسمائه وصفاته، فهؤلاء خفيت عليهم ذات الله كما خفيت عليهم صفات الله ﵎؛ لأنهم لو كانوا يعلمون ذات الإله حقاً؛ لعلموا أن هذه الذات متصفة بصفات الكمال، فهو يسمع ويرى.
فأحد هؤلاء الثلاثة كان عنده تردد وشك في وصف الله ﵎ بصفات الكمال والجلال، وبعضهم كأنه أيقن أن الله تعالى لا يسمع كلامهم، ولا يرى مكانهم.
قال: [وحدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي حدثنا يحيى بن سعيد - وهو القطان - قال: حدثنا سفيان - وهو الثوري - حدثني سليمان - وهو سليمان بن مهران الأعمش، وإذا روى الثوري عن سليمان فاعلم أنه سليمان بن مهران الأعمش، وفي الغالب لا يقال الأعمش، وإنما يقال: سليمان، فهو الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة الكوفي عن عبد الله بن مسعود].
ووهب بن ربيعة مقبول، ولم يوثقه غير ابن حبان، وتوثيق ابن حبان محل نظر عند أهل العلم، والمقبول إذا توبع كان حديثه حسناً، وإذا لم يتابع فحديثه ضعيف، لكنه هنا متابع، ولذلك يروي مسلم هذا الحديث بإسناد آخر فقال: [وحدثنا يحيى قال: حدثنا سفيان حدثني منصور عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بنحوه].
إذاً: فـ وهب بن ربيعة تابعه أبو معمر، وهما يرويان عن عبد الله بن مسعود في الإسناد الأول والإسناد الثاني، فـ أبو معمر في نفس طبقة وهب بن ربيعة، وأبو معمر متابع لـ وهب بن ربيعة، فكلاهما يروي عن ابن مسعود، وهذه متابعة تامة، والمتابعة التامة هي اشتراك راويين في شيخ واحد.
стр. 1050
سبب نزول قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين)
قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة -وهو ابن الحجاج العتكي البصري - عن عدي بن ثابت -وهو الأنصاري الذي تحول إلى الكوفة واستوطنها- قال: سمعت عبد الله بن يزيد يحدث عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ خرج إلى أحد فرجع ناس ممن كانوا معنا].
ورجوع هؤلاء كان يقدر بحوالي ثلث الجيش، وذلك في العام الثالث من الهجرة، ورجع ثلث الجيش لا يبشر بخير، ولكن النبي ﷺ استبشر بذلك خيراً، لأن هؤلاء في وسط الصفوف لا يخدمون أهل الإيمان، ولا يخدمون حقيقة النصر، وإنما هم شر على من معهم، ووجود هؤلاء في الصف خذلان وليس نصراً.
فكان أصحاب النبي ﷺ في شأن هؤلاء فرقتين، أي: اختلف الثلثان الذين بقوا مع النبي ﵊ في الثلث المنسحب إلى فرقتين وفريقين: فبعضهم يقول: نقتلهم، والبعض الآخر يقول: لا نقتلهم، فنزلت قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] يعني: فما لكم اختلفتم إلى فئتين في أمر المنافقين؟ فأثبت الله أن من رجع في هذه الغزوة كان منافقاً، وهذا شيء رائع أن يعرف المنافق، فالشيء الذي نغضب من أجله هو أنه لا يوجد وحي ينزل يقول لنا: فلان منافق، وفلان مؤمن، فالوحي انقطع بموت النبي ﵊.
فنجد في هذا العصر أن بعض الناس يقول: إن النبي ﵊ لم يسحر، ويرد الحديث الذي في البخاري ومسلم.
والبعض الآخر ينكر الحديث الذي في البخاري بدعوى أنه يعارض العقل، وهو أن النبي ﷺ قال: (إذا سقط الذباب في شراب أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء، وفي الأخرى دواء).
ويقول مثلاً: الصحابة بشر يصيبون ويخطئون.
فيرد عليه: بأنه يلزم على قوله أن الصحابة والأمة كلها أجمعت على الباطل في هذا التواتر الذي نقل به العلم والوحي، وأنت الوحيد الذي جئت تكتشف هذا بعقلك! ولو كانت المسألة مسألة فهم وعقل؛ فهل عقلك وفهمك أولى من فهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين والتابعين والأئمة المتبوعين؟ وتجد بعضهم يصلي ويصوم، لكنه يؤذي الجيران، فلو مات مات على معصية، ويثبت له إيمانه، وأما إذا ترك كل الطاعات فكيف يثبت له الإسلام؟! بل كيف يثبت له الإيمان؟! وكذلك الذي يقول: إن النبي ﵊ كان في داره، وكان يغض الطرف عن عمر وهو يزني، فهذا كفر؛ لأنه اتهم النبي ﷺ بذلك.
فنحن الآن في زمن ماجت فيه الفتن كموج البحر، فتجد أعمالاً ظاهرها الإيمان لكن القلوب أشد من قلب عبد الله بن أبي ابن سلول، وأنا في الحقيقة: في هذه المسائل كالصاروخ لا أتوقف، فمن أتى عملاً يكفر به فهو كافر، هذا هو دين الله ﵎، ولم نأت به من عندنا، ومع هذا؛ نقسم بالله العظيم أننا في غاية التحري في مسائل الإيمان والكفر، ولما أقول على فلان: إنه كافر؛ وهو ليس كذلك حارت الكلمة علي، وأنا لا أتصدق بنفسي أبداً على أحد، ولا أجعل مصيري يوم القيامة هدية لأحد قط، لكن نتكلم بقال الله وقال رسوله، وفهم أئمة الدين، فإذا وقع إنسان في اعتقاد أو قول أو فعل يكفر به كفرناه، وعلى المسلم التوبة إلى الله .
قال: [قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨]] يعني: يا أيها المؤمنون! ما لكم اختلفتم فيمن رجع في غزوة أحد إلى المدينة ولم يشارك في الغزو معكم، اختلفتم فيه إلى فرقتين؟ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:٨٨] أي: والله خيب آمالهم، وأبطل سعيهم بما كسبوا، ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ [النساء:٨٨] أي: أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨].
стр. 1051
سبب نزول قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)
[حدثنا الحسن بن علي الحلواني ومحمد بن سهل التميمي قالا: حدثنا ابن أبي مريم -وهو أبو محمد المصري سعيد بن الحكم الثقة الثبت الفقيه الإمام- قال سعيد: أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - سعد بن مالك بن سنان ﵁: (أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ].
يعني: يريدون أن يقولوا: نحن ضحكنا على النبي ﷺ ، فهو قد خرج إلى الغزوة ونحن قعدنا هنا، وفرحوا لأنهم تخلفوا عن رسول الله ﵊.
قال: [(فإذا قدم النبي ﵊ اعتذروا إليه، وقالوا: يا رسول الله! سامحنا، منعنا من الخروج معك الأولاد والعيال والمال والغيث والبيت، واعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨]).
وحدثنا زهير بن حرب وهارون بن عبد الله واللفظ للأول، قال: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً؛ لنعذبن أجمعون].
أي: أخذ مروان بن الحكم هذا الكلام على ظاهره، وأجراه مجرى العموم، فالمرء يحب أن يمدح بما أتى، ويمدح بما لم يفعل، ففهم هذا على العموم فقال لـ رافع: قل لـ ابن عباس: لو أن الواحد فينا يحب أن يمدح بما لم يفعل ويفرح بما أتى فإننا كلنا معذبون.
[فقال ابن عباس: إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧].
ثم تلا قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨] الآية.
سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا من عنده قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه].
وقد ذكر ذلك عبد الله بن سلام حبر اليهود في المدينة، فقد زنى رجل من اليهود بامرأة، فجاء اليهود بهذا الزاني ملطخاً وجهه بالسواد، وكانت هذه عقوبة الزاني يفعلها أهل الكتاب في المدينة، فإذا زنى أحدهم لطخوا وجهه بالسواد، وطافوا به في المدينة ليفضحوه، فقال النبي ﷺ : (ما بال هذا؟ قالوا: زنى يا محمد، فقال: لمَ لم ترجموه؟ قالوا: لم نؤمر برجمه) وهذا في حضرة عبد الله بن سلام الإسرائيلي، فقال النبي ﵊: (هل في كتاب الله الذي بين أيديكم رجمه يا ابن سلام؟ قال: يا رسول الله في كتابهم الرجم، قالوا: ليس في كتابنا الرجم، فأتى أحد ممن جاء بهذا الزاني بالتوراة فتلاها ووضع أصبعه على الرجم، فقال عبد الله بن سلام لرسول الله: مره يا رسول الله فليرفع يده، فلما رفع قرأ عبد الله بن سلام الرجم، فرجمهم النبي ﵊.
فقد فرحوا أولاً بما أتوا، وأن النبي ﷺ إذا ما استخبرهم فإنهم يخبرونه حتى يخرجوا من عنده، فظنوا أنهم بذلك قد نجوا من بين يديه ﵊، وكتموا أمر الوحي الذي بين أيديهم، وأخبروه بغيره، فظنوا أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه ﷺ .
стр. 1052
عدد المنافقين في عهده ﷺ
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أسود بن عامر -المعروف بـ شاذان - حدثنا شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أبي نضرة -وهو المنذر بن مالك بن قطعة - عن قيس -وهو ابن عباد أبو عبد الله البصري مخضرم- قال: (قلت لـ عمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي أرأياً رأيتموه، أو شيئاً عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟).
أي: أن قيس بن عباد يقول لـ عمار بن ياسر: ما هي الحكاية التي بينكم وبين علي بن أبي طالب، فهل هذا الأمر هو اجتهاد منكم، أو أن هذا عهد أوصاكم به النبي ﵊؟ [فقال: (ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس)].
وهذا فيه رد على الشيعة الذين يقولون: بأن علي بن أبي طالب كانت معه صحيفة خصه بها النبي ﵊، ومن باب أولى تكذيب للشيعة القائلين بأن القرآن الذي بين أيدي أهل السنة لا يبلغ ثلث القرآن الذي كان بيد فاطمة ﵂.
قال: [ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقا ً)].
وإطلاق قوله ﵊: (أصحابي) ثم يذكر المنافقين هذا يدل على أن المنافقين إنما دخلوا في الظاهر في صحبة النبي ﵊، فهو ذكرهم من باب العرف أو التغليب.
[قال ﷺ : (في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)].
يعني: لا يدخلون الجنة أبداً؛ لأنه لا يمكن أبداً أن يلج الجمل في سم الخياط، وسم الخياط خرم الإبرة، فهل يتصور أن يدخل البعير في خرم الإبرة؟ لا يمكن.
فقال: [(فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة)].
ثم فسر الدبيلة فقال: [(سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)] يعني يظهر ويعلم.
الدبيلة هي: عبارة عن شعلة من النار تظهر في أكتافهم من الخلف حتى تخرج من صدورهم، فربنا قد كفى المؤمنين شر هؤلاء.
فماتوا بهذه العلامة أمام أعين الأصحاب ﵃، فهذا يقين أنهم من المنافقين حتى وإن لم يسموا لعامة الأصحاب، فإذا ماتوا بهذه العلامة تيقن الأصحاب أن هؤلاء من المنافقين.
قال: [(لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم].
وسم الخياط يقال فيه: سِم أو سُم.
وهذا الحديث هو من مسند حذيفة بن اليمان ﵁.
قال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ للأول، قال: حدثنا محمد بن جعفر -المعروف: بـ غندر - حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد قال: قلنا لـ عمار: (أرأيت قتالكم أرأياً رأيتموه -أي: أهذا اجتهاد منكم؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب- أو عهداً عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة).
وقال: (إن رسول الله ﷺ قال: إن في أمتي) قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة، وقال غندر أنه قال: (في أمتي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها)].
يعني: لا يشمون رائحة الجنة، [(حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) وهي: سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم يظهر ويعلو من صدورهم)].
أي: حتى يفضحهم في الدنيا والآخرة.
قال: [حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا أبو أحمد الكوفي -وهو المشهور بـ أبي أحمد الزبيري، ولا يكنى في هذه الطبقة أبو أحمد من رجال مسلم غيره، وهو أبو أحمد الزبيري الكوفي محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي - قال: حدثنا الوليد بن جميع -وجميع جده، وهو ينسب لجده؛ لكثرة الملازمة، فهو الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري المكي الكوفي - قال: حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة -وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق، فقد عُمَّر طويلاً- قال أبو الطفيل: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس].
العقبة اسم مكان قريب من تبوك، و
стр. 1053
المنافق الذي لم يمتثل أمر النبي ﵊
قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا قرة بن خالد عن أبي الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس - عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (من يصعد ثنية المراري)].
والثنية: هي الطريق بين الجبلين، وهي عند الحديبية، وسميت ثنية المراري؛ لأنه كان فيها شجر مر الطعم.
قال: [(فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل)].
يعني: من صعد هذه الثنية فإن الله يحط عنه الخطايا كما حطها عن بني إسرائيل، ويغفر له ذنوبه.
قال: [(فكان أول من صعدها خيلنا -أي: خيل بني الخزرج- ثم تتام الناس)] يعني: ثم صعد جميع الناس.
[فقال النبي ﵊: (وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)].
وصاحب الجمل الأحمر ضاع منه جمله، فانشغل بالبحث عنه.
[فقيل له: (تعال إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، قال: والله لأن أجد ضالتي أحب ألي من أن يستغفر لي صاحبكم)].
ويا ليت جميع المنافقين في هذا الزمن يكون عندهم شجاعة أدبية فيقولون: نحن منافقون، فيريحونا، لكن في هذا الوقت الواحد منهم يقول كلاماً يكفره به من لا يتوقع كفره، ولا يختلف عليه اثنان، ومع هذا تجد من أهل العلم من يخالف ذلك.
فتجد إنساناً يأتي بأفعال الكفر، ويتقول أقوال الكفر، ويقول كلاماً لا يبقى معه أصل الإيمان عنده، ومع هذا تجد أن بعض أهل العلم يقول: هذا رجل مؤمن، وهذا كله بسبب الجهل بقضايا الإيمان والكفر.
قال: [(وكان رجل ينشد ضالة له)] يعني: يطلبها، قيل: إن هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق.
وفي رواية: [(من يصعد ثنية المُرار، أو المِرَار، أو المِرِار) بمثل حديث معاذ السابق غير أنه قال: (وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له)].
стр. 1054
المنافق الجاسوس لصالح اليهود
قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا أبو النضر -وهو هاشم بن القاسم البغدادي، الملقب: بـ قيصر - قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك قال: (كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران -وبنو النجار هم أخوال النبي ﵊ فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب)، انطلق هذا الرجل وترك النبي ﷺ ، وترك كتابة الوحي، وذهب إلى أهل الكتاب وهم اليهود.
قال: [(فرفعوه وشرفوه، وقالوا: هذا كاتب وحي محمد)]، وهم لا يعترفون بنبوته، وهذا -يا إخواني- مما ينبغي لكم معرفته، وهو أن اليهود لما علموا أن هذا يحفظ البقرة وآل عمران، وأنه من كتاب وحي الله الذي ينزل على محمد؛ عظموه وشرفوه، ورفعوه فوق رءوسهم، وجعلوا له مكانة عظيمة.
وهذا الموقف ينطبق تمام الانطباق مع ما يفعل بالدعاة والعلماء في هذا الزمان وفي غيره من الرفعة والتعظيم والشرف؛ بسبب دعوتهم إلى الله ، وتربيتهم للأجيال الناشئة، فالدعاة في صحة وأمان وعافية.
[(فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم -يعني: مات- فحفروا له فواروه -يعني: دفنوه- فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها).
وكأن الله ﵎ قد جعل لها أحاسيس، فتقبل أهل الإيمان، وتلفظ أهل النفاق والكفران.
قال: [(ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذاً)].
وفي الحقيقة: أن أخلاق اليهود تختلف عن أخلاق النصارى والمشركين والمؤمنين، فالمؤمن يتجمل بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويتعلمها من القرآن والسنة، وأخلاق النبي ﷺ الذي ضرب المثل الأعلى في الكمال البشري في كل شيء، فمهما فعلت لا يمكن أن تصل إلى خصلة واحدة مما تخلق به ﵊.
وبعض الناس يظن أن اليهود أحسن من المسلمين، ولا يدري هذا المسكين أن له عندهم دوراً إذا انتهى هذا الدور كان حذاءً يلبس في أرجلهم! فالمنافق الذي يتجسس على المؤمنين، وعلى جيوش المسلمين لصالح الكفار وغيرهم؛ لابد أن يعلم أنه في نهاية أمره نعل يلبسه شارون وغيره، ولابد أن دوره سينتهي، وهناك أكثر من جاسوس قد اتخذوه في الدول الإسلامية، ولما انتهى دوره قتلوه أو نبذوه، لأنه تعدى الحدود التي رسمت له.
وفي كتب الجاسوسية العالمية أخبار شنيعة جداً، فهم يمدحون ويرفعون الإنسان فوق السماء وفجأة يقتلونه؛ لأنه تعدى الحد.
والسبب الثاني: أن معه أخبار قد كلف بتحصيلها وقد حصلها، وهم لا يأمنون منه فيقتلونه؛ خوفاً أن تتسرب الأخبار إلى الآخرين.
فيأتي آخر فيقتل القاتل؛ مخافة أن تتسرب نفس الأخبار إلى خارج الدائرة المطلوبة انتشار الخبر وهكذا.
ولا يرتاح قلب المرء إلا إذا كان عاملاً بالكتاب والسنة، فإذا قتل كان شهيداً، فهو يدور بين خيرين: إما عامل بالكتاب والسنة على منهاج النبوة، وإما شهيد، والمؤمن لا رغبة له إلا في هذين.
قال: [حدثني أبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع الواسطي نزيل مكة- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (إن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب).
أي: من شدتها تكاد تدفن الراكب؛ لأنها أخذت الرمال والأتربة وغير ذلك، فكانت ريحاً شديدة وعاصفة قوية جداً حتى كادت أن تدفن الراكب على فرسه.
(فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بعثت هذه الريح لموت منافق)].
يعني أن البعض قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: ما بعثت هذه الريح إلا شماتة وفرحاً بموت فلان المنافق، وعقوبة له، وعلامة أن موته راحة للبلاد والعباد، وهذا مصداق قوله ﵊: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من البلاد والعباد، وإن العبد الكافر أو المنافق إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب).
فحينئذ قامت هذه الريح الشديدة لما مات أحد المنافقين، هكذا أخبر النبي ﷺ في طريق السفر إلى المدينة، وهذا المنافق مات بالمدينة؛ ولذلك قال جابر: (فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات).
وهذا من دلائل نبوته ﵊.
стр. 1055
وعيد المنافقين يوم القيامة
قال: [حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا أبو محمد - النضر بن محمد بن موسى اليماني - حدثنا عكرمة حدثنا إياس -وهو ابن الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع - قال: حدثني أبي، قال: (عدنا مع رسول الله ﷺ رجلاً موعوكاً)].
(عدنا) يعني: زرنا (موعوكاً) يعني: مريضاً.
قال: [(فوضعت يدي عليه فقلت: والله ما رأيتك كاليوم رجلاً أشد حراً)].
يعني: أن حرارتك قوية وعالية جداً، وأنا طوال عمري وحياتي ما رأيت أحداً حرارته مرتفعة كحرارتك.
[فقال نبي الله ﷺ : (ألا أخبركم بأشد حراً منه يوم القيامة؟ أولئك الرجلين الراكبين المقفيين، لرجلين حينئذ من أصحابه)].
فقوله: (أصحابه) يعني: ممن دخلوا في عموم الصحبة عرفاً، لكنهم في حقيقة الأمر ليسوا من أصحابه.
فالنبي ﵊ ذكر أن الرجلين الراكبين المقفيين -أي: اللذين قفاهما باتجاهنا- أنهما يوم القيامة أشد حراً من هذا.
وهذا فيه بيان أن الله تعالى أطلع نبيه على المنافقين بأعيانهم وأسمائهم.
следующие страницы →