← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

سبب نزول قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) [حدثنا الحسن بن علي الحلواني ومحمد بن سهل التميمي قالا: حدثنا ابن أبي مريم -وهو أبو محمد المصري سعيد بن الحكم الثقة الثبت الفقيه الإمام- قال سعيد: أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - سعد بن مالك بن سنان ﵁: (أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو تخلوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ]. يعني: يريدون أن يقولوا: نحن ضحكنا على النبي ﷺ ، فهو قد خرج إلى الغزوة ونحن قعدنا هنا، وفرحوا لأنهم تخلفوا عن رسول الله ﵊. قال: [(فإذا قدم النبي ﵊ اعتذروا إليه، وقالوا: يا رسول الله! سامحنا، منعنا من الخروج معك الأولاد والعيال والمال والغيث والبيت، واعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨]). وحدثنا زهير بن حرب وهارون بن عبد الله واللفظ للأول، قال: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان بن الحكم قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً؛ لنعذبن أجمعون]. أي: أخذ مروان بن الحكم هذا الكلام على ظاهره، وأجراه مجرى العموم، فالمرء يحب أن يمدح بما أتى، ويمدح بما لم يفعل، ففهم هذا على العموم فقال لـ رافع: قل لـ ابن عباس: لو أن الواحد فينا يحب أن يمدح بما لم يفعل ويفرح بما أتى فإننا كلنا معذبون. [فقال ابن عباس: إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]. ثم تلا قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨] الآية. سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا من عنده قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه]. وقد ذكر ذلك عبد الله بن سلام حبر اليهود في المدينة، فقد زنى رجل من اليهود بامرأة، فجاء اليهود بهذا الزاني ملطخاً وجهه بالسواد، وكانت هذه عقوبة الزاني يفعلها أهل الكتاب في المدينة، فإذا زنى أحدهم لطخوا وجهه بالسواد، وطافوا به في المدينة ليفضحوه، فقال النبي ﷺ : (ما بال هذا؟ قالوا: زنى يا محمد، فقال: لمَ لم ترجموه؟ قالوا: لم نؤمر برجمه) وهذا في حضرة عبد الله بن سلام الإسرائيلي، فقال النبي ﵊: (هل في كتاب الله الذي بين أيديكم رجمه يا ابن سلام؟ قال: يا رسول الله في كتابهم الرجم، قالوا: ليس في كتابنا الرجم، فأتى أحد ممن جاء بهذا الزاني بالتوراة فتلاها ووضع أصبعه على الرجم، فقال عبد الله بن سلام لرسول الله: مره يا رسول الله فليرفع يده، فلما رفع قرأ عبد الله بن سلام الرجم، فرجمهم النبي ﵊. فقد فرحوا أولاً بما أتوا، وأن النبي ﷺ إذا ما استخبرهم فإنهم يخبرونه حتى يخرجوا من عنده، فظنوا أنهم بذلك قد نجوا من بين يديه ﵊، وكتموا أمر الوحي الذي بين أيديهم، وأخبروه بغيره، فظنوا أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه ﷺ .

стр. 1052

عدد المنافقين في عهده ﷺ قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أسود بن عامر -المعروف بـ شاذان - حدثنا شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أبي نضرة -وهو المنذر بن مالك بن قطعة - عن قيس -وهو ابن عباد أبو عبد الله البصري مخضرم- قال: (قلت لـ عمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر علي أرأياً رأيتموه، أو شيئاً عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟). أي: أن قيس بن عباد يقول لـ عمار بن ياسر: ما هي الحكاية التي بينكم وبين علي بن أبي طالب، فهل هذا الأمر هو اجتهاد منكم، أو أن هذا عهد أوصاكم به النبي ﵊؟ [فقال: (ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس)]. وهذا فيه رد على الشيعة الذين يقولون: بأن علي بن أبي طالب كانت معه صحيفة خصه بها النبي ﵊، ومن باب أولى تكذيب للشيعة القائلين بأن القرآن الذي بين أيدي أهل السنة لا يبلغ ثلث القرآن الذي كان بيد فاطمة ﵂. قال: [ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: (في أصحابي اثنا عشر منافقا ً)]. وإطلاق قوله ﵊: (أصحابي) ثم يذكر المنافقين هذا يدل على أن المنافقين إنما دخلوا في الظاهر في صحبة النبي ﵊، فهو ذكرهم من باب العرف أو التغليب. [قال ﷺ : (في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)]. يعني: لا يدخلون الجنة أبداً؛ لأنه لا يمكن أبداً أن يلج الجمل في سم الخياط، وسم الخياط خرم الإبرة، فهل يتصور أن يدخل البعير في خرم الإبرة؟ لا يمكن. فقال: [(فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة)]. ثم فسر الدبيلة فقال: [(سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)] يعني يظهر ويعلم. الدبيلة هي: عبارة عن شعلة من النار تظهر في أكتافهم من الخلف حتى تخرج من صدورهم، فربنا قد كفى المؤمنين شر هؤلاء. فماتوا بهذه العلامة أمام أعين الأصحاب ﵃، فهذا يقين أنهم من المنافقين حتى وإن لم يسموا لعامة الأصحاب، فإذا ماتوا بهذه العلامة تيقن الأصحاب أن هؤلاء من المنافقين. قال: [(لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) وأربعة لم أحفظ ما قال شعبة فيهم]. وسم الخياط يقال فيه: سِم أو سُم. وهذا الحديث هو من مسند حذيفة بن اليمان ﵁. قال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ للأول، قال: حدثنا محمد بن جعفر -المعروف: بـ غندر - حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عباد قال: قلنا لـ عمار: (أرأيت قتالكم أرأياً رأيتموه -أي: أهذا اجتهاد منكم؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب- أو عهداً عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة). وقال: (إن رسول الله ﷺ قال: إن في أمتي) قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة، وقال غندر أنه قال: (في أمتي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها)]. يعني: لا يشمون رائحة الجنة، [(حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة) وهي: سراج من النار يظهر في أكتافهم حتى ينجم يظهر ويعلو من صدورهم)]. أي: حتى يفضحهم في الدنيا والآخرة. قال: [حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا أبو أحمد الكوفي -وهو المشهور بـ أبي أحمد الزبيري، ولا يكنى في هذه الطبقة أبو أحمد من رجال مسلم غيره، وهو أبو أحمد الزبيري الكوفي محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي - قال: حدثنا الوليد بن جميع -وجميع جده، وهو ينسب لجده؛ لكثرة الملازمة، فهو الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري المكي الكوفي - قال: حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة -وهو آخر الصحابة موتاً على الإطلاق، فقد عُمَّر طويلاً- قال أبو الطفيل: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس]. العقبة اسم مكان قريب من تبوك، و

стр. 1053

المنافق الذي لم يمتثل أمر النبي ﵊ قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا قرة بن خالد عن أبي الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس - عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (من يصعد ثنية المراري)]. والثنية: هي الطريق بين الجبلين، وهي عند الحديبية، وسميت ثنية المراري؛ لأنه كان فيها شجر مر الطعم. قال: [(فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل)]. يعني: من صعد هذه الثنية فإن الله يحط عنه الخطايا كما حطها عن بني إسرائيل، ويغفر له ذنوبه. قال: [(فكان أول من صعدها خيلنا -أي: خيل بني الخزرج- ثم تتام الناس)] يعني: ثم صعد جميع الناس. [فقال النبي ﵊: (وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)]. وصاحب الجمل الأحمر ضاع منه جمله، فانشغل بالبحث عنه. [فقيل له: (تعال إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، قال: والله لأن أجد ضالتي أحب ألي من أن يستغفر لي صاحبكم)]. ويا ليت جميع المنافقين في هذا الزمن يكون عندهم شجاعة أدبية فيقولون: نحن منافقون، فيريحونا، لكن في هذا الوقت الواحد منهم يقول كلاماً يكفره به من لا يتوقع كفره، ولا يختلف عليه اثنان، ومع هذا تجد من أهل العلم من يخالف ذلك. فتجد إنساناً يأتي بأفعال الكفر، ويتقول أقوال الكفر، ويقول كلاماً لا يبقى معه أصل الإيمان عنده، ومع هذا تجد أن بعض أهل العلم يقول: هذا رجل مؤمن، وهذا كله بسبب الجهل بقضايا الإيمان والكفر. قال: [(وكان رجل ينشد ضالة له)] يعني: يطلبها، قيل: إن هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق. وفي رواية: [(من يصعد ثنية المُرار، أو المِرَار، أو المِرِار) بمثل حديث معاذ السابق غير أنه قال: (وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له)].

стр. 1054

المنافق الجاسوس لصالح اليهود قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا أبو النضر -وهو هاشم بن القاسم البغدادي، الملقب: بـ قيصر - قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك قال: (كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران -وبنو النجار هم أخوال النبي ﵊ فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب)، انطلق هذا الرجل وترك النبي ﷺ ، وترك كتابة الوحي، وذهب إلى أهل الكتاب وهم اليهود. قال: [(فرفعوه وشرفوه، وقالوا: هذا كاتب وحي محمد)]، وهم لا يعترفون بنبوته، وهذا -يا إخواني- مما ينبغي لكم معرفته، وهو أن اليهود لما علموا أن هذا يحفظ البقرة وآل عمران، وأنه من كتاب وحي الله الذي ينزل على محمد؛ عظموه وشرفوه، ورفعوه فوق رءوسهم، وجعلوا له مكانة عظيمة. وهذا الموقف ينطبق تمام الانطباق مع ما يفعل بالدعاة والعلماء في هذا الزمان وفي غيره من الرفعة والتعظيم والشرف؛ بسبب دعوتهم إلى الله ، وتربيتهم للأجيال الناشئة، فالدعاة في صحة وأمان وعافية. [(فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب، فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم -يعني: مات- فحفروا له فواروه -يعني: دفنوه- فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها). وكأن الله ﵎ قد جعل لها أحاسيس، فتقبل أهل الإيمان، وتلفظ أهل النفاق والكفران. قال: [(ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذاً)]. وفي الحقيقة: أن أخلاق اليهود تختلف عن أخلاق النصارى والمشركين والمؤمنين، فالمؤمن يتجمل بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويتعلمها من القرآن والسنة، وأخلاق النبي ﷺ الذي ضرب المثل الأعلى في الكمال البشري في كل شيء، فمهما فعلت لا يمكن أن تصل إلى خصلة واحدة مما تخلق به ﵊. وبعض الناس يظن أن اليهود أحسن من المسلمين، ولا يدري هذا المسكين أن له عندهم دوراً إذا انتهى هذا الدور كان حذاءً يلبس في أرجلهم! فالمنافق الذي يتجسس على المؤمنين، وعلى جيوش المسلمين لصالح الكفار وغيرهم؛ لابد أن يعلم أنه في نهاية أمره نعل يلبسه شارون وغيره، ولابد أن دوره سينتهي، وهناك أكثر من جاسوس قد اتخذوه في الدول الإسلامية، ولما انتهى دوره قتلوه أو نبذوه، لأنه تعدى الحدود التي رسمت له. وفي كتب الجاسوسية العالمية أخبار شنيعة جداً، فهم يمدحون ويرفعون الإنسان فوق السماء وفجأة يقتلونه؛ لأنه تعدى الحد. والسبب الثاني: أن معه أخبار قد كلف بتحصيلها وقد حصلها، وهم لا يأمنون منه فيقتلونه؛ خوفاً أن تتسرب الأخبار إلى الآخرين. فيأتي آخر فيقتل القاتل؛ مخافة أن تتسرب نفس الأخبار إلى خارج الدائرة المطلوبة انتشار الخبر وهكذا. ولا يرتاح قلب المرء إلا إذا كان عاملاً بالكتاب والسنة، فإذا قتل كان شهيداً، فهو يدور بين خيرين: إما عامل بالكتاب والسنة على منهاج النبوة، وإما شهيد، والمؤمن لا رغبة له إلا في هذين. قال: [حدثني أبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع الواسطي نزيل مكة- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (إن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب). أي: من شدتها تكاد تدفن الراكب؛ لأنها أخذت الرمال والأتربة وغير ذلك، فكانت ريحاً شديدة وعاصفة قوية جداً حتى كادت أن تدفن الراكب على فرسه. (فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بعثت هذه الريح لموت منافق)]. يعني أن البعض قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: ما بعثت هذه الريح إلا شماتة وفرحاً بموت فلان المنافق، وعقوبة له، وعلامة أن موته راحة للبلاد والعباد، وهذا مصداق قوله ﵊: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من البلاد والعباد، وإن العبد الكافر أو المنافق إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب). فحينئذ قامت هذه الريح الشديدة لما مات أحد المنافقين، هكذا أخبر النبي ﷺ في طريق السفر إلى المدينة، وهذا المنافق مات بالمدينة؛ ولذلك قال جابر: (فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات). وهذا من دلائل نبوته ﵊.

стр. 1055

وعيد المنافقين يوم القيامة قال: [حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا أبو محمد - النضر بن محمد بن موسى اليماني - حدثنا عكرمة حدثنا إياس -وهو ابن الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع - قال: حدثني أبي، قال: (عدنا مع رسول الله ﷺ رجلاً موعوكاً)]. (عدنا) يعني: زرنا (موعوكاً) يعني: مريضاً. قال: [(فوضعت يدي عليه فقلت: والله ما رأيتك كاليوم رجلاً أشد حراً)]. يعني: أن حرارتك قوية وعالية جداً، وأنا طوال عمري وحياتي ما رأيت أحداً حرارته مرتفعة كحرارتك. [فقال نبي الله ﷺ : (ألا أخبركم بأشد حراً منه يوم القيامة؟ أولئك الرجلين الراكبين المقفيين، لرجلين حينئذ من أصحابه)]. فقوله: (أصحابه) يعني: ممن دخلوا في عموم الصحبة عرفاً، لكنهم في حقيقة الأمر ليسوا من أصحابه. فالنبي ﵊ ذكر أن الرجلين الراكبين المقفيين -أي: اللذين قفاهما باتجاهنا- أنهما يوم القيامة أشد حراً من هذا. وهذا فيه بيان أن الله تعالى أطلع نبيه على المنافقين بأعيانهم وأسمائهم.

стр. 1056

تشبيه المنافق بالشاة العائرة بين غنمين قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - قال: حدثنا عبيد الله -وهو ابن عمر العمري -، وحدثنا محمد بن المثنى -واللفظ له- أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة)]. أي: الشاة المتحيرة المترددة بين مجموعتين من الغنم، فالمنافق عنده حيرة، فلا يستريح ولا يهنأ له قلب ولا يطمئن، وهذا المثل لتقريب المعنى، وضربه من وحي البيئة العربية، فالمنافق مثله مثل الشاه العائرة، فهو يذهب إلى أهل الإيمان مرة، وإلى أهل النفاق مرة أخرى، ولا هو قادر يستمر مع هؤلاء، ولا قادر يستمر مع هؤلاء؛ لأنه منافق. وفي رواية ثانية: [(تكر في هذه مرة، وفي هذه مرة)]. والمعنى واحد، قال الإمام النووي: هي المترددة الحائرة لا تدري لأيهما تتبع؟ ومعنى: (تعير) أو (تكر) أي: تتردد وتذهب هنا مرة وهناك مرة أخرى. فهذه بعض أوصاف المنافقين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها رسوله الكريم ﵊ في صحيح سنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1057

شرح صحيح مسلم - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - من كتاب صفة القيامة والجنة والنار في يوم القيامة يمسك الله تعالى السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن ﵎ ويقول: أنا الملك، وفي ذلك إثبات لصفة الأصابع لله تعالى كما يليق بجلاله، كما أن أرض المحشر في ذلك اليوم العظيم يبسطها الله حتى تكون كالقرص، ويجمع عليها الخلق منذ آدم ﵇ وإلى آخر من قامت عليهم الساعة.

стр. 1058

صفة القيامة والجنة والنار بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد: (كتاب: صفة القيامة والجنة والنار).

стр. 1059

شرح حديث: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن إسحاق -وهو محمد بن إسحاق الصاغاني - قال: حدثنا يحيى بن بكير -وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، ينسب غالباً إلى جده- قال: حدثني المغيرة الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥])]. والأخسرون أعمالاً هم الذين آثروا الكفر على الإيمان، فهذه الآية قد وردت في الكافرين: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾ [الكهف:١٠٥] أي: للكافرين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] أي: لا نقيم لهم وزناً ولا قدراً ولا شرفاً، فمهما عظمت أبدانهم فإنهم لا يزنون عند الله - أي: في ميزان الحق - جناح بعوضة. وضرب الله مثلاً لهذا بأحقر المخلوقات وهي: الذبابة، بل وضرب بأحقر شيء فيها وهو جناحها الذي لا يكاد يرى. ولذلك ورد في غير مسلم: (وإن الرجل العظيم السمين، الأكول الشروب) يعني: الضخم جداً في هيئته ومنظره، وطوله وعرضه، فهذا رجل إذا كان كافراً فإنه يأتي يوم القيامة وجناح البعوضة أثقل في الميزان منه، قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥].

стр. 1060

شرح حديث: (جاء حبر إلى النبي ﷺ وإثبات صفة الأصابع لله تعالى [حدثنا أحمد بن عبد الله بن رمح حدثنا فضيل بن عياض عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (جاء حبر -والحبر: بفتح الحاء على الأفصح، وهو العالم من علماء اليهود- إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم!) لأنه ليس له أن يقول: يا نبي الله؛ لأن هذا إقرار منه بنبوة محمد، والقضية كلها متعلقة بالإنكار بنبوة محمد ﵊. قال: [(إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع)] وهذا يدل على أنه كان يجد هذا الكلام في كتب أهل ملته. قال: [(والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق -أي: مما لم يذكر آنفاً- على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله ﷺ تعجباً مما قال الحبر). أي: ضحكه ﵊ ليس إنكاراً وإنما كان تعجباً، ولو كان هذا الكلام باطلاً لغضب النبي ﵊ على الفور؛ لأن هذا كلام يتعلق بالذات العلية، فليس هناك مجال للضحك، ولا على سبيل السخرية، أو الإنكار؛ لأن المؤمن لا يضحك إذا انتهكت حرمة من حرمات الله ، حتى ولو على سبيل الإنكار، أو السخرية والاستهزاء فإنه لا يضحك، وإنما يغضب ويتمعر وجهه، والنبي ﵊ قد تغير وتمعر وجهه، واحمر كأنما فقئ فيه حب الرمان مما هو أقل من ذلك مما كان باطلاً، فضحك النبي ﵊ من قول الحبر تعجباً وتصديقاً له، هذه الدلالة والقرينة الأولى. والدلالة والقرينة الثانية قال: [(وتصديقاً له على ما قال، ثم قرأ النبي ﵊: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧])]. فالشاهد الثاني: قول الراوي: (وتصديقاً له) أي: وتصديقاً للحبر. الشاهد الثالث: تلاوة النبي ﵊ للآية، والتي معناها: ومع ذلك -أيها اليهود- فأنتم ما قدرتم الله حق قدره، وأنتم تعرفون أنه على كل شيء قدير، وأن كل شيء في قبضته وفي يمينه، ومع هذا فأنتم لم تؤمنوا به حق الإيمان. ثم بين النبي ﵊ مصداق قول هذا الحبر من كتاب الله فقال: [﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]]. فذكر من كلام الله ما يشهد لكلام ذلك الحبر. وبعض أهل العلم قال: هذا الضحك كان على سبيل الإنكار، واستشهدوا لذلك بلغة العرب، وأن الشخص إذا أنكر شيئاً ضحك منه استهزاءً أو سخرية أو غير ذلك. والرد عليهم: إذا كان هذا في حق المخلوقين، فإنه لا يجوز ولا يحل في حق الأنبياء؛ خاصة الضحك إذا انتهكت الذات العلية، فضلاً عن هذه الشواهد السابقة التي ذكرتها، وكلها قاضية بأن الضحك كان للإقرار، ولذلك أخرج الترمذي في سننه عن ابن عباس: (أن حبراً من أحبار اليهود دخل على النبي ﵊ وقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات. وفي رواية: يجعل السماوات على هذه، وأشار الحبر إلى الخنصر، ويجعل الأرض على ذه، وأشار إلى البنصر، ويجعل الجبال على ذه وأشار إلى الوسطى، حتى عد هذه المخلوقات وختم يده إلى الإبهام). والنبي ﵊ لم ينكر على هذا الرجل أنه أشار إلى أصابعه في معرض كلامه عن أصابع المولى ، لأن الأمر مستقر عند النبي ﵊ وعند هذا الحبر، وعند الصحابة الذين حضروا هذا المشهد أن أصبع اليهودي هو أصبعه، وأصبع المولى هو أصبعه، وإذا كان هناك اتفاق فهو في مجرد الاسم لا في كيفية هذا المسمى. فالله تعالى له أصبع، ولليهودي وللنبي ﵊ ولأصحابه وللخلق أصابع، لكن شتان ما بين أصابع الخلق وأصابع المولى . فهذا اليهودي إنما أشار إلى أصابعه، ولم ينكر عليه النبي ﵊؛ لأن الأمر كان معلوماً ومستقراً أن البون شاسع بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، واليهود يعلمون ذلك، والنصارى يعلمون ذلك، ولذلك ما أنكر عليهم. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وأجمع أهل العلم بالحديث على أن هذه الرواية رواية صحيحة لا مطعن فيها. فإذا قلت: قال النبي ﵊: (خلق الله آدم على صورته)، وفي رواية: (على صورة الرحمن)، وكلاهما روايتان صحيحتان، فلا يعني أنك أنت على صورة الرحمن، أو أن الرحمن على صورتك، وإنما يعني هذا الحديث: أن الله ﵎ له صورة كما خلقك أنت على صورة، فلك صورة وللمولى صورة، ولك يد وللمولى يد، ولك ساق وللمولى ساق، لكن شتان ما بين

стр. 1061

شرح حديث: (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه) قال: [حدثني حرملة بن يحيى - وهو التجيبي المصري - قال: أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس - وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب - أي: الزهري - حدثني ابن المسيب - يعني: سعيد - أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: قال رسول الله ﷺ : (يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)]. إذاً: فالأرض لا تقبض قبضاً تاماً كاملاً إلا في يوم القيامة، وأما قبضها وطيها جزئياً فإنه يكون قبل يوم القيامة، وقد كان النبي ﵊ يحب السفر أول الليل، وقال: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، فلما سئل عن ذلك قال: إن الله يطوي الأرض بالليل). وطي الأرض في الحياة الدنيا يختلف عن طيها وقبضها يوم القيامة. وفي الحديث السابق تهديد ووعيد للحكام والزعماء والأمراء وغير ذلك، وهو أنهم في قبضة المولى ، فإن أحسنوا فلهم ذلك، وإن أساءوا فعليهم ذلك. قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن عمر بن حمزة -وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄]. وعمر بن حمزة ضعيف إذا انفرد، فما بالك لو خالف؟! وهذا الكلام يعرفه طلاب علم الحديث: أن الراوي الضعيف تكون روايته عند المخالفة أشد نكارة؛ لأن الحديث الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمجموع الثقات، أو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، وأما الحديث المنكر: فهو ما رواه الضعيف إذا خالف فيه الثقات، فإذا خالف مجموع الثقات فيكون حديثه أشد نكارة، وهذا ما فعله عمر بن حمزة العدوي.

стр. 1062

إثبات صفات الله على الوجه اللائق به سبحانه [قال: حدثني سالم بن عبد الله - وسالم بن عبد الله بن عمر عم عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر - قال: أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله). والأرضين جمع: أرض، وهي الأرضون السبع. قال: [ثم يقول: (أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)]. والنكارة في هذه الرواية هي في ذكر الشمال، والإمام مسلم قد روى في صحيحه عدة روايات تذكر أن كلتا يديه سبحانه يمين. والعلماء يقولون: يحرم التخيل في صفات الله، فإذا كان في حق المخلوقين ممكن؛ فإنه في حق الله غير ممكن قط، وقد يستحيل في حق بعض المخلوقات أن تتخيله، كما خلق الله ﵎ الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إلى ستمائة جناح، وجبريل له ستمائة جناح، والنبي ﷺ رآه على هيئته التي خلقه الله عليها مرتين، وفي كل مرة يراه قد سد الأفق، وهذا أحد مخلوقات الله يسد الأفق، حتى أن الناظر إليه لا يرى شيئاً من السماء. فإذا كنت لا تستطيع أن تتصور جبريل بأجنحته الكاملة كما خلقه الله، فمن باب أولى أن تكف عن تصور صفات المولى ، ولله المثل الأعلى، كما قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وهذه الآية فيها إثبات ونفي، إثبات للصفات التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﵊، ونفي لأمرين: نفي لمنهج الجهمية، وهو: التعطيل. ونفي لمنهج الأشاعرة والمعتزلة وهو: التأويل. والأمر كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله: من عَبد الله بالتمثيل فقد عبد صنماً، ومن عبده بالتعطيل فقد عبد عدماً. فلا تمثيل ولا تعطيل؛ لأن من عبد الله تعالى ممثلاً له فكأنما يعبد صنم، ولذلك فإن الفرق المنحرفة كلها التي أثبتت الصفات لله على نحو ما يفهمون من صفات الخلق إنما بلغوا بالله في نهاية المطاف إلى أنه رجل حسن! فقالوا: له يد هي كأيدينا لكنها أجمل من أيدينا، وله عين كأعيننا، ولكنها أجمل من أعيننا. وفي نهاية الأمر يلزمهم أن يقولوا: إن الله تعالى رجل قبيح! فإن بعض الفرق الضالة قالت: إن الله تعالى أنثى، حتى قال ذلك الكلام الكفري البواح بعض المعاصرين, وكتب ذلك في المجلات والصحف اليومية. فقال هنا: (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله)، واللفظ الصحيح الذي ورد في روايات أخرى: (ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟). قال: [حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا يعقوب - وهو ابن عبد الرحمن القاري - حدثنا أبو حازم سلمة بن دينار الأشجعي عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ]. يعني: أن عبيد الله بن مقسم كان ينظر إلى عبد الله بن عمر وهو يحاكي النبي ﷺ ، يعني: يصف فعل النبي ﵊ بفمه وبرأسه وبيده وبرجله، إذا كان يتكلم في قضية معينة. قال: [عن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي -أي: كيف يقلد النبي ﷺ قال: يأخذ الله السماوات والأرضين بيديه فيقول: أنا الله). والحكاية هي: أن عبد الله بن عمر رأى النبي ﵊ يقول بيديه هكذا: (إن الله تعالى يقبض السموات والأراضين بيديه هكذا) فرآه يقبض أصابعه ويبسطها]. وليس في هذا تمثيل للقبض بالقبض، ولا للبسط بالبسط، وقد ورد ذلك في السنة كثيراً، ومنه قول النبي ﵊: (أترون القمر ليلة البدر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: أترون الشمس في رابعة النهار؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) أي: لا يحصل لكم ضيم ولا ريب ولاشك. فبعض من أنكر هذا الحديث قال: لا يمكن أن يكون الله تعالى كالقمر، ولا كالشمس، فكيف يمثل النبي ﵊ الله بالشمس والقمر؟! وفي حقيقة الأمر: أن النبي ﵊ لم يمثل الذات العلية بالشمس ولا بالقمر، وإنما مثل الرؤية بالرؤية بجامع الوضوح، والمعنى: كما أنكم ترون هذا القمر ولا تشكون في رؤيته فكذلك ترون الله يوم القيامة، والكاف هنا: للتشبيه، أي: تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئ

стр. 1063

شرح حديث ابن عمر: (يأخذ الجبار سماواته وأراضيه بيديه) قال: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني أبي - وهو سلمة بن دينار - عن عبيد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر قال: (رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: يأخذ الجبار سماواته وأراضيه بيديه) ثم ذكر بمثل أو بنحو حديث يعقوب].

стр. 1064

الكلام عن التفويض وبيان أنه ليس مذهب السلف والإمام النووي ذكر في هذا الباب كلاماً في غاية الغرابة، لكنه ليس غريباً منه؛ لأن الإمام النووي أكثر ما انشغل في حياته بالرواية والفقه، الرواية من جهة الشرح والثبوت والرد، وكذلك كان فقيهاً بارعاً، ولذلك هو الفقيه المعتمد لدى الشافعية. لكنه في دراسة علم الاعتقاد لم يتأهل التأهل الذي يسمح له في الدخول فيه، لكنه اضطر اضطراراً أن يتكلم فيما يتعلق بشرح الروايات المتعلقة بأحكام الاعتقاد، فأحياناً يوافق كلام الفلاسفة، وأحياناً يذكر الخلافات القوية فيقول: وهذا من الصفات، وأحياناً يقول: هذا من المشتبهات، فيذكر كلام أهل الباطل ويذكر كلام أهل الحق ويسكت. وأحياناً يرجح، وأحياناً يذكر كلام أصحاب الفرق ويؤيده، وأحياناً يذكره ويعارضه. فهذه الأحايين كلها في حق الإمام النووي تجعلنا نقول: إنه فعلاً لم يتضح له مذهب الحق فيما يتعلق بالأسماء والصفات. وهذا ديدنه ليس في كتاب صحيح مسلم فحسب، بل في غير ما كتاب، ولذلك بعد أن ذكر أحاديث الباب قال: هذا من أحاديث الصفات، ونحن متفقون على أن هذا الحديث من أحاديث الصفات. ثم قال: وقد سبق فيها المذهبان، المذهب الأول: التأويل، والثاني: الإمساك عنه مع الإيمان به، ومذهب السلف هو الإمساك عن كيفيته.

стр. 1065

أنواع التأويل والتأويل ينقسم إلى ثلاثة أنواع: تأويل العلم، وتأويل المعنى، وتأويل الكيف، ومذهب أهل البدع تفويض العلم والمعنى. فمثلاً: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، يقول أهل البدع: الله أعلم بالاستواء، فهم لا يخوضون في معنى الاستواء، والله تعالى لا يخاطبنا قط بما لا علم لنا به، وإنما يخاطبنا بكلام له معنى في لغة العرب، ولذلك نقول: الاستواء معلوم، ومعنى الاستواء: العلو والارتفاع، وأما كيف علا وارتفع؟ فهذا هو الذي لا نعلمه، فنفوض الكيفية إلى الله تعالى. إذاً: علينا أن نعلم أن معاني الصفات معلومة، ولا نخوض في كيفيتها، لأنه إذا كنا لا نقوى ولا نقدر ولا نجسر أن نتكلم في الذات فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلا يحل لنا أن نتكلم في الصفات كذلك. إذاً: التفويض في العلم والمعنى منهج أهل البدع، والتفويض في الكيف منهج أهل الحق. قال النووي: وقد سبق فيها المذهبان: التأويل، والإمساك عنه مع الإيمان به، أي: الإمساك عن التأويل في الكيف مع الإيمان به على حقيقته اللائقة بالله ، وهذا مذهب أهل السنة. قال: مع اعتقاد أن الظاهر منها -أي: من الصفة- غير مراد. وهذا أيضاً كلام جميل، وإن كان السلف يسكتون عن هذا، لكن معناه: أننا نعتقد أن اليد إذا أطلقت في حق المولى لا يراد بها اليد الجارحة التي هي للخلق، فنثبتها لله على المعنى اللائق به سبحانه، ولا نخوض في كيفيتها، ونعتقد أن الظاهر من هذا اللفظ فيما نفهم نحن من أيدي المخلوقين، فليس مراداً في حق الله . قال: فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار -يعني يقولون: الأصابع معناها: القدرة- فنقول لهم: والقدرة ما معناها؟ فالذين يقولون: إن الأصابع هي القدرة، واليد هي القدرة، فمعنى ذلك هو تعطيل الصفة، وهذا منهج الجهمية في تعطيل الصفات، فعلى قول المتأولين الذين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار، أي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل. والبعض الآخر يقول: إنها لمبالغة الاحتقار، فيقول أحدهم: بأصبعي أقتل زيداً، وفي الحقيقة: أنه لا يقتل زيداً بأصبعه، وإنما يقتله بيده كلها، فيقال هذا الكلام لاحتقار زيد ابتداءً. والأمر الثاني: المراد بالذات قوتك، وهذا الكلمة تجوز في حقك، ولا تجوز في حق المولى ، لأن القانون الذي يحكم صفات الخلق يختلف عن القانون الذي يحكم صفات الله . قال: ويحتمل أن المراد أصابع بعض المخلوقات، مع أن الفاعل حقيقة هو الله الذي يحمل هذه المخلوقات. وظاهر الحديث: أن النبي ﷺ صدق الحبر في قوله: إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع.

стр. 1066

شرح حديث: (خلق الله التربة يوم السبت) وفي حديث آخر: [(خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروهات يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل). قال إبراهيم -وهو ابن سفيان راوي صحيح مسلم -: وحدثنا البسطامي -وهو الحسين بن عيسى - وسالم بن عمار وإبراهيم بن بنت حفص وغيرهم عن حجاج بهذا الحديث]. يعني: يريد أن يقول: إنني شاركت مسلماً في رواية هذا الحديث، فـ مسلم يرويه عن سريج، وهارون، وأنا أرويه عن مسلم عن سريج وهارون، لكني اختصرت طريق مسلم، وارتقيت درجة فرويته بعلو، فأنا شريك لـ مسلم في هذه الطبقة. قال أبو هريرة: (أخذ رسول الله ﷺ بيدي كالصاحب له، فقال: خلق الله التربة يوم السبت)]. يعني: خلق الله الأرض يوم السبت، (وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروهات يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل). أما قوله: (خلق المكروه يوم الثلاثاء) فالمكروه: هو ما يقوم به المعاش، ويصح به التدمير كالحديد وغيره من جواهر الأرض، وكل شيء يقوم به صلاح شيء فهو تقنه، ومنه: إتقان الشيء، وهو إحكامه. وهذا الحديث نازع في ثبوته كثير من المحدثين، وقالوا: إن الحديث ضعيف، وآخر المحدثين الذين حكموا على هذا الحديث بالضعف هو شيخنا الألباني ﵀ مع أنه ثابت في الصحيح، وحجتهم في ذلك: ضعف أيوب بن خالد أحد رواة إسناد هذا الحديث. وفي الحقيقة: هذا الحديث كنت توقفت سنوات طويلة في ثبوته أو رده، حتى ترجح لدي أن أبا هريرة ﵁ لم يأخذه عن كعب الأحبار، لأن حجة من قال برد هذا الحديث وعدم ثبوته: أن كعب الأحبار أخذه من كتب أهل الكتاب، وأخذه عنه أبو هريرة ﵁، وهذا الإسناد صريح في أن النبي ﷺ أخذ بيد أبي هريرة وقال له: (خلق الله التربة يوم السبت). إلى آخر الحديث. فهذا الحديث صريح في الرفع إلى النبي ﵊، وأنه من قوله لا من قول كعب الأحبار. لكن يبقى فيه علة أخرى وهي: ضعف أيوب بن خالد، لكن أيوب متابع، فقد تابعه غير واحد، وإن كانت المتابعات لا ترقى إلى مستوى التحسين بذاتها، إلا أن مجموع المتابعات يجعل النفس تطمئن إلى ثبوت هذا الحديث. وقد انتهزت الفرصة في مكالمة تلفونية بيني وبين الشيخ أبي إسحاق اليوم بعد صلاة العصر، فقلت له: ما قولكم في حديث: خلق التربة والأرض والجبال وغيرها؟ قال: قد أثبته في المجلد الثاني من تفسير ابن كثير وبينت أن المرفوع منه حديث صحيح. فلما وافقني الشيخ أبو إسحاق أحببت أن أخبركم باتفاقي معه واتفاقه معي في ثبوت هذا الحديث المرفوع، وأما ما يأتينا من طريق كعب المتعلق بالغيب فلا نأخذه، خاصة إذا انفرد به، والله تعالى أعلم.

стр. 1067

البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة الباب الثاني: في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة. [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد -وهو القطواني - عن محمد بن جعفر بن أبي كثير حدثني أبو حازم -وهو سلمة بن دينار - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد). قوله: (أرض بيضاء عفراء) هي الأرض التي تميل إلى الحمرة، فليست بيضاء نقية، وليست حمراء كالنار، وإنما هي كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد. يعني: كأن النبي ﷺ يقول: الأرض يوم القيامة تبدل عن حالها، وتتغير عن وضعها في الدنيا، فالأرض في الدنيا فيها جبال، وأنهار، والعالي والنازل وفيها غير ذلك، وأما يوم القيامة فمبسوطة تماماً كالرغيف، فلا هي حمراء تماماً، ولا هي بيضاء تماماً، كما أنها ليس بها علامات لأحد، يعني: أنت تعرف بيتك في الدنيا بأنه في محل كذا وكذا، وإذا أردت أن تصف بيتك لأحد من الناس فإنك تصفه بعلاماته وأماراته، لكن يوم القيامة ليس في الأرض علامات ولا أمارات، والإنسان أول ما يبعث يقف على الأرض لا يعرف أين هو، وإنما يساق إلى المحشر والحساب والجزاء. وقوله ﵊: (ليس فيها علم لأحد) أي: ليس فيها سكنى ولا علامة ولا بناء ولا أثر. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل -عن مسروق بن الأجدع عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: في الظلمة دون الجسر)]. أي: سألت عائشة: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فأجابها النبي ﵊: في الظلمة دون الجسر، وهو الصراط. وهذا يدل على عظم الصراط الذي يمر عليه الناس أجمعين، والعجيب أن أحد أساتذة الأزهر الكبار وهو أستاذ الحديث الذي له منزلة عظيمة في قلوب الشباب كان يشرح عن الصراط والميزان وغير ذلك، فقال: إن الله خاطبنا بما نعقل وبما نفهم، فالميزان ليس ميزاناً حقيقياً، وإنما هو مجاز عن المحاسبة، والمقصود منه: أن الله تعالى يحاسب العبد إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فقد تصور الشيخ أن وزن الأعمال من المعنويات لا من المحسوسات! لكن إذا أمرك الله أن تؤمن به كان واجباً عليك أن تقول: سمعنا وأطعنا، وإلا فهل رأيت الله ؟ فإن قلت: لا، يلزمك أن تقول: أنا لا أتصور الله ، وبالتالي يكفر المرء ويخرج من الإيمان بالكلية. فالذي نقوله في ذات الإله نقوله في كل أمر غيبي، أننا نؤمن به على مراد الله به؛ لأنه أخبرنا به، فالميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة ميزان حقيقي لا يشبه موازين الخلق، فالله ﵎ إما أن يزن الأعمال بعامليها، وإما أن يزن الأعمال على اعتبار أنها معنويات؛ لأنه على كل شيء قدير، أو يجعل المعنوية في صورة محسوس فيزنه، وهذا كلام علماء السلف فيما يتعلق بوزن الأعمال. فنحن في هذا الوقت نزن الهواء، فهو شيء محسوس يوزن، وكان الذين من قبلنا يقولون: الهواء شيء معنوي لا حسي، ونحن وصلنا إلى أن الهواء شيء محسوس، وبالتالي بدأنا نوزنه، فما المانع أن نسلم لله لأول وهله، ونقول: إن الله تعالى على كل شيء قدير؟! والموت في ذاته شيء معنوي، ومع هذا فإن الله تعالى يجسده يوم القيامة، فإذا فرغ من موت الخلق وصعقهم جميعاً أمر الموت، وهذا يدل على أن الموت يخاطب فيعقل، والله تعالى جعل الموت كبشاً يذبح على الصراط، فكيف نقول: إن الله تعالى لا يزن الأعمال؛ لأنها من المعنويات، بل هو على كل شيء قدير.

стр. 1068

باب نزل أهل الجنة قال: [باب نزل أهل الجنة]. والنزل: هو المكان المعد للضيف، أو للعسكر أو غيرهما ممن يستحق الضيافة والتكريم. قال: [حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي عن جدي حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده)]. ومعنى (يكفؤها): يحركها ويميلها، ولله المثل الأعلى، فإنه يجعل الأرض يوم القيامة كخبزة واحدة فيها الخلق، يكفؤها ويميلها بيده. قال: (كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر). والكاف هنا للتشبيه؛ لأن خبز السفر غير خبز الحضر، وهذا الكلام قاله النبي ﵊ على اعتبار أن ذلك معلوم لدى العرب المخاطبين: أن أحدهم لما يخبز خبزاً في الحضر فإنه يعتنى به، ويرققه ويساويه، بينما خبز السفر يكون ثخيناً؛ من أجل يبقى مدة طويلة من الزمان. فيحفرون حفرة في الأرض، فتضرم فيها النيران حتى تنطفئ، ثم يوضع العجين على النار، فتسويه حرارة النار، أو يسوى الخبز بالحر الشديد، فهذا الذي يسميه العرب: خبز السفر، بينما يكون خبز الحضر خبزاً أبيض. قال ﵊: [(تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر؛ نزلاً لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم!)]. واليهود كانوا يسمون الله تعالى بالله والرحمن، ولذلك جاء عن عمر ﵁ لما سألوه عن النبي ﵊، وكانوا يطمعون في ردته، وفي إزاحته عن الإسلام، قال: أي يمين فيكم تعظمون؟ قالوا: الرحمن. قال: والرحمن أقسم بما يعتقد اليهود، وهو كذلك في معتقد عمر بن الخطاب، ثم دخلت القضية التي هي محل النزاع. ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] فأثبت الله تعالى أن الله والرحمن من أسمائه الحسنى. قال: [(فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم)] أي: لما سمع أن الأرض تكون يوم القيامة كخبزة أحدكم في سفره، فقال: [(بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ : بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة، فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه)] يعني: يريد أن يقول لهم: لقد سمعت من الحبر مثل الكلام الموحى إلي، وفي هذا قبول الحق من كل من أتى به حتى وإن كان يهودياً. قال: [(ألا أخبرك بإدامهم؟)] الإدام يعني: الطبيخ، [(قال: بلى، قال: إدامهم بالام ونون)]، وبالام كلمة فارسية معربة، والنون هو الحوت، [(قالوا: وما هذا؟ فقال: ثور ونون)] إذاً: الثور هو البالام، لكن على عادة اليهود أنهم يعمون المصطلحات والمسائل. قال: [(يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً)]. بعض أهل العلم ترجح لديه أن زيادة كبد الحوت، أو زيادة كبد البالام الذي هو الثور هي القطعة الزائدة الممتدة إلى الكبد، فهذه القطعة الزائدة يأكل منها سبعون ألفاً، ولذلك فإن عبد الله بن سلام سأل النبي ﷺ عن طعام أهل الجنة، وقد كان من أحبار اليهود يغترس أرضاً يزرعها وينميها ويصلحها، فلما سمع بمقدمه أتاه وقال: (يا محمد إني سائلك عن ثلاث مسائل فإن أجبت فأنت نبي، فإنه لا يعرفها إلا نبي، أو رجل أو رجلان، فقال النبي ﷺ : سل ما شئت يا ابن سلام، فقال له: ما أول علامات الساعة؟ وكيف ينزع الولد؟ وما طعام أهل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : أول علامات الساعة نار تحشر الناس من المغرب إلى المشرق). وفي رواية: (من المشرق إلى المغرب، وإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها -أي: في الشبه- وأما طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. قال: صدقت فآمن)، فآمن عبد الله بن سلام، وكان من بين عشرة من أحبار اليهود وعظمائهم في زمن النبوة. ولذلك سيأتي معنا أن النبي ﵊ قال: (لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود). والنبي ﵊ إنما أراد: لو آمن بي هؤلاء العشرة الزعماء القادة الأحبار الذين هم فلان وفلان وفلان في زمن النبي ﵊ من بني النضير وبني قينقاع وغيرهم من أحبار اليهود؛ لآمن اليهود في زمن النبوة جميعاً، حيث إنه لم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام فقط لما أجابه النبي ﵊ عن أسئلته، وقال: (يا رسول ا

стр. 1069

الأسئلة

стр. 1070

حكم القرض الذي جر نفعاً السؤال هل: (غبن المسترسل ربا) حديث أم لا؟ الجواب أنا لم أسمعه من قبل، والقاعدة الفقهية تقول: كل قرض جر منفعة فهو ربا. فقولهم: (جر نفعاً) احتراز من القرض الحسن، وإن كان الثواب أعظم نفعاً، فلو أني قلت لك: خذ هذه الألف الجنيه لمدة عام على أن تردها ألف جنيه ومائتين جنيه، فالمائتين هذه هي من النفع، وهذه المعاملة معاملة ربوية بحتة، وتسمى عند الفقهاء بربا النسيئة، أي: بربا التأخير في مقابل الزيادة، أو الزيادة في مقابل التأخير، يعني: الزيادة في المال في مقابل تأخير الزمن، فهذا يسمى: ربا النسيئة، بخلاف ربا الفضل كأن تبيع -مثلاً- كيلو تمر بكيلو ونصف أو أكثر، ولذلك (أمر النبي ﵊ بلالاً أن يبيع رطلين من تمر رديء وأن يشتري بثمنهما تمراً جيداً، فذهب بلال فباع الرطلين من التمر الرديء برطل من التمر الجيد، فقال النبي ﷺ : كيف بعت وكيف اشتريت؟ قال: يا رسول الله! بعت الرطلين برطل جيد، فقال النبي ﵊: أوه! عين الربا، اذهب فبع تمرنا واشترِ بثمنه تمراً جيداً). وفي حديث عبادة قال النبي ﵊: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح)، فهذه أصناف الربا الستة التي ذكرها ﵊. والشاهد: أنه قال: (يداً بيد)، وهذا أخذ منه العلماء اشتراط اتحاد المجلس والتقابض. إذاً فالشرط الأول: اتحاد المجلس. والشرط الثاني: التقابض في المجلس يداً بيد، قال: (مثلاً بمثل)، وهذا شرط المثلية، فلا يصح بيع الجرام من الذهب بخمس جرامات. قال: (فمن زاد) أي: من عند نفسه، (أو استزاد) يعني: طلب الزيادة، فهذا الكلام موجه للبائع والمشتري على السواء، (فمن زاد - أي: من جهة البيع - أو استزاد - يعني: من جهة الشراء - فقد أربى) أي: فقد وقع في الربا. فربا النسيئة هو الذي تدل عليه الآيات في آخر سورة البقرة وغيرها، وربا الفضل ورد في السنة، وهما حرامان، والنبي ﵊ يقول: (أيما عبد أكل ديناراً من رباً وهو يعلم؛ فالجنة عليه حرام). وقال النبي ﵊: (من أكل ديناراً من رباً وهو يعلم؛ فكأنما واقع أمه في الإسلام)، وغير ذلك مما ورد في كتاب الله من أن الربا حرب بين العبد وبين الله .

стр. 1071

حكم البيع بالتقسيط السؤال ما حكم بيع التقسيط؟ الجواب البيع بالقسط أو بالتقسيط جائز، وهو من صور الملكية، فيجوز مثلاً شراء ثلاجة بألف جنيه عاجلاً، وبألف ومائتين مؤجلة على أن تدفع كل شهر مائة جنيه مثلاً. والشيخ الألباني حرم ذلك، لكن جماهير العلماء سلفاً وخلفاً على أن هذه الصورة حلال وجائزة، ولا شيء فيها. وهذه الزيادة يسميها الفقهاء: مساومة في مجلس البيع، فالبيع لا يتم إلا بصورتين: إما حالاً أو آجلاً، وذلك في مجلس العقد، فيجوز بيع الثلاجة بألف ومائتين جنيه تقسيطاً على أن تضاف (٦%) عن كل قسط يتأخر، وهذا لا يدخل في قوله ﵊: (نهى النبي ﵊ عن بيعتين في بيعة). فيجوز شراء ثلاجة بألف ومائتين مقسطة في سنة، وألف وأربعمائة في سنتين، وألف وخمسمائة في ثلاث سنوات.

стр. 1072

حكم الزكاة في المال غير الفائض عن الحاجة السؤال أنا قادم على الزواج ووجبت علي الزكاة -يعني: بلغ النصاب، وحال عليه الحول- فهل يحسب ما ينفقه في متطلبات الشقة والأثاث، وغير ذلك؟ الجواب أنا مدرك أنك ممن تقرأ فقه السنة للشيخ سيد سابق ﵀ حيث قال: لا تجب الزكاة إلا في المال الفائض عن الحاجة. وفي الحقيقة: هذا كلام في غاية الغرابة للشيخ سيد سابق ﵀، ولا أدري من أين أتى به، وأنا قد وقعت في تقليده لما كنا نشرح كتاب الزكاة في مسجد الهادي، لكن تبينت أن هذا القول هو قول الشيخ سيد سابق فقط، وأما أهل العلم فيقولون: إن الزكاة تجب في المال كله، سواءً كان صاحب المال في حالة دين، أو صاحب بيت أو غير ذلك، فالأخ الكريم السائل -الله تعالى يخلف عليه بخير- يؤدي الزكاة عن هذا المبلغ كله إذا حال عليه الحول وبلغ النصاب قبل أن يشتري الحاجات شراءً طبيعياً بغير تهرب ولا مكر، فإذا بلغ المال النصاب وحال عليه الحول يخرج زكاة ماله، ثم يجهز شقته وأثاثه لاستقبال زوجته، ثم بعد ذلك يسأل عن صداق المرأة؛ لأنه دين عليه.

стр. 1073

حكم زكاة الدين السؤال هل يجب على صاحب المال أن يؤدي زكاة ماله حتى وإن كان بيد الآخرين؟ الجواب زكاة المال المدين ينظر فيه: هل هذا المال مضمون الأداء أو غير مضمون، فإن أموالاً عند بعض الناس تكون في حكم المعدوم، فالذي له مال عند الآخرين مضمون الأداء، ومضمون الرجوع له مرة ثانية، يجب عليه أن يؤدي زكاة ماله في كل عام. وإذا لم يكن مضمون الأداء فلا زكاة عليه، فإن رجع إليه فقد اختلف أهل العلم فيه: هل يؤدي زكاة السنوات الماضية، أم يكفيه سنة واحدة؟ والذي يترجح لدي أنه يدفع عنه زكاة ماله في العام الذي رجع فيه؛ لأن هذا هو العام الذي قد ضمن فيه صاحب المال ماله، والله تعالى أعلم.

стр. 1074

شرح صحيح مسلم - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - يسألونك عن الروح من طبائع اليهود العناد والسخرية، فقد كانوا يسألون النبي ﷺ لا لأجل معرفة الحق واتباعه، وإنما استهزاءً وتعجيزاً له ﷺ ، مع علمهم بصدقه وصدق ما جاء به، ومع ذلك فقد أظهر الله نبيه عليهم، وأنزل عليه وحيه مجيباً لأسئلتهم، أما كفار مكة فكانوا أكثر عناداً وأصرح جهلاً من أولئك، فقد كانوا يسألون الله تعجيل نزول العذاب بهم إنكاراً لهذا الحق وجحوداً له.

стр. 1075

باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: الباب الرابع من كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: قال النووي: (باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء:٨٥] إلى آخر الآية). قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش -وهو سليمان بن مهران - حدثني إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة النخعي عن عبد الله بن مسعود قال: (بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث)]، الحرث: هو الزرع. وفي رواية: (في خرب) وكأنها تصحيف للحرث، لأن لفظ الكلمة واحد في حرث وخرب، وإنما الاختلاف في الضبط والنقط، فتصحف على بعض الرواة، ولو قلنا بجواز الجمع بين الأمرين؛ لكان يمكن أن نقول: إن الخرابة يمكن أن تكون في الحرث، وإن الحرث يمكن أن يكون في مكان خرب، فالجمع بينهما ممكن. [(بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب)] أي: معتمد على جريد النخل. (إذ مر بنفر من اليهود) أي: مر النبي ﷺ ومعه ابن مسعود على نفر من اليهود. والنفر: هم الجماعة من الناس، قيل: من الواحد إلى التسعة، وقيل: من الثلاثة إلى التسعة. وقيل: من الواحد إلى العشرة. [(فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح)] أي: سؤال تعنت وجحود واستهزاء، [(فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيء تكرهونه)] يعني: احذروا أن تسألوه عن الروح؛ حتى لا ينزل عليه وحي بشيء تكرهونه، فيكون في هذا شقة ومضايقة لكم، [(فأصر البعض فقالوا: بل سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي ﷺ ]. وفي رواية: [(فأثكن النبي ﷺ ] ومعنى: (فأسكت أو فأثكن) أي: انتظر قليلاً لم يرد عليهم النبي ﷺ . قال ابن مسعود [: (فعلمت أنه يوحى إليه)] أي: في هذه المدة الزمنية التي سكت فيها النبي ﷺ ولم يعطهم جواباً على سؤالهم؛ أيقن ابن مسعود أن الوحي نزل من السماء عليه فيما يتعلق بسؤال اليهود له عن الروح. قال: [(فقمت مكاني)] أي: لزمت مكاني، [(فلما انجلى الوحي) أي: فلما فارقه الوحي، قال النبي ﵊: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥])]. فكان هذا هو وحي السماء إلى النبي ﷺ جواباً على سؤال اليهود له. قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج - وهو عبد الله بن سعيد الكندي - قال: حدثنا وكيع، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو المعروف: بـ ابن راهويه - وعلي بن خشرم قالا: أخبرنا عيسى بن يونس كلاهما -أي: وكيع وعيسى - عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث بالمدينة) ثم ذكر الحديث بنحو حديث حفص بن غياث المتقدم، غير أن في حديث وكيع: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ

стр. 1076

باب في قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) قال: [باب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]] أي: ما كان الله ليعذب المشركين يا محمد وأنت فيهم، [﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]]. والاستغفار: إما أن يكون هو مطلق الذكر، أو أن الاستغفار بمعنى الإيمان، أو بمعنى الصلاة. قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن عبد الحميد الزيادي أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]]. هذا الكلام في غاية القسوة، وقلة العقل، وسفاهة الأحلام؛ لأنه كان ينبغي أن يقول: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو ارزقنا اتباعه أو غير ذلك، ولكنه قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، يا محمد، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال:٣٣ - ٣٤]. وهذا الباب في غاية الأهمية، والحافظ ابن كثير عليه رحمة الله قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا﴾ [الأنفال:٣١] إذاً: فلم لم تقل؟ خاصة وأن القرآن قد تحداهم أن يأتوا بسورة أو بآية، فلم يأت أحدهم بشيء، قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١]. والأساطير: جمع الأسطورة، والأسطورة: هي الأكذوبة، أي: فهذه أكذوبات تلقاها محمد من الأولين، أي: من الكتب والصحف السابقة. ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٢ - ٣٣]. قال الحافظ ابن كثير: يخبر الله تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند سماع آياته حين تتلى عليهم أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:٣١] وهذا منهم قول بلا فعل، يعني: دعوى وزعم أنهم يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولم يأتوا بمثل شيء منه. والقائل لهذا: هو النضر بن الحارث -لعنه الله- كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير، والسدي، وابن جريج وغيرهم، فإنه -لعنه الله- كان قد ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم، ولما قدم وجد رسول الله ﷺ قد بعث، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام النبي ﷺ من مقامه جلس هذا اللعين مكان النبي ﵊ يقص على الناس، ويقول: بالله عليكم أينا أحسن قصصاً أنا أم محمد؟ لأنه تعلم من أخبار فارس، ولذلك قتله النبي ﷺ يوم بدر صبراً. وأما قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فقال الحافظ ابن كثير: هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم، وشدة تكذيبهم وهذا مما عيبوا به اعتبارهم عرباً، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأهدنا له، ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب وتقديم العقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: لولا أجل محتوم معلوم مؤقت لجاءهم العذاب، ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: فجأة وهم لا يشعرون. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] أي: ربنا عجل لنا العذاب قبل يوم الحساب. وقال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج:١] أي: من المشركين ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١] عن هذا العذاب الذي تزعم يا محمد أنه يمكن أن يقع عليهم، فلمَ لا يق

стр. 1077

باب قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) قال: [باب قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]. حدثنا عبيد الله بن معاذ -أي: العنبري - ومحمد بن عبد الله القيسي قال: حدثني المعتمر -هو: ابن سليمان بن طرخان التيمي - عن أبيه قال: حدثني نعيم بن أبي هند عن أبي حازم -وهو: سلمان مولى عزة - عن أبو هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: (هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟)]. أبو جهل يخاطب صناديد قريش: هل تتصورون أن محمداً يعفر جبهته أمامكم وبين أظهركم، أي: بالسجود لله ، وأنتم تنظرون إليه؟ [(قالوا: نعم، يفعل ذلك، فقال أبو جهل: واللات والعزى -يحلف بآلهته التي يعبدها من دون الله لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته)]. أي: لأدوسن على رأسه، أو لأعفرن وجهه بالتراب، يعني: يأتي إليه وهو ساجد ويمرغه في التراب، عليه لعنة الله. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، فلما رآه ساجداً لله في حجر الكعبة ذهب ليطأ على رقبة النبي ﵊، وصناديد الكفر والشرك ينظرون إلى أبي جهل ماذا سيصنع به؟ وما هو موقف محمد ﵊ من هذا؟ قال: فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، أي: فما لبثوا أن رأوا أبا جهل إلا وهو يرجع القهقرى مسرعاً خائفاً مرتعباً مرعوباً يتقي بيديه، كأن واحداً يضربه، وهو يتقي الضرب بيديه، يدفعه مرة عن رأسه، ومرة عن وجهه، ومرة عن بدنه وغير ذلك، وهم لا يرون أحداً، ولا يرون شيئاً، وإنما الذي رأى ذلك هو أبو جهل. فقيل له: ما لك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار، وهولاً وأجنحة. أي: حال بيني وبينه خندق من نار، وأجنحة الملائكة، وهذا مصداق قول الله تعالى لنبيه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فالنبي ﵊ معصوم. فقال النبي ﵊ لأصحابه: [(لو دنا مني -أي: لو اقترب مني أبو جهل - لتخطفته الملائكة عضواً عضواً)] أي: لقطعته الملائكة عضواً عضواً، حتى يكون آخر ما ينزع منه الروح. [فأنزل الله : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠]]. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق:٦] ولم يقل: (إن الكافر ليطغى) وإنما قال: (إن الإنسان) إشارة إلى أن الطغيان يقع من الكافر، ويقع من المسلم كذلك. والمسلم لو زادت عليه النعمة طغى إن لم يحذر، ويعلم أنها استدراج من الله ، فإذا لم يكن عنده يقين بذلك فلابد أنه سينحرف، والنبي ﵊ معصوم من ذلك كله، وما دونه ليست له هذه العصمة. وأصحاب الجرائد في كل حين يخرجون علينا بأخبار يريدون أن يلصقوا التهم بأبناء الصحوة، وهيهات هيهات أن يكون ذلك، فمما يذكرون موضعها الزواج والطلاق، والمعلوم أنه كما أن للمرأة عدة، فكذلك الرجل له عدة، وعدة الرجل في حالتين: الحالة الأولى: لو أنه تزوج أربعاً من النسوة، وأراد أن يتزوج الخامسة ليس له ذلك إلا أن يطلق إحداهن، فإذا طلقها لا يحل له أن يعقد على خامسة إلا أن تنقضي عدة الرابعة التي طلقها، لأن هذه المطلقة الرابعة لا تزال زوجته، فله أن يرجعها في فترة العدة، ولذلك سماه الشرع طلاقاً رجعياً، أي: من حق الرجل أن يراجع امرأته إذا طلقها المرة الأولى، أو الثانية في مدة العدة، وهي ثلاثة قروء بغير إذنها وبغير إذن وليها؛ مما يدل على أن هذه المرأة محبوسة في هذا الرجل، فالمرأة في مدة العدة لا تزال زوجة لهذا الرجل حتى يطلق الثالثة، فإذا طلق الثالثة بانت منه بينونة كبرى، فتعتد هي بنفسها، وليست عليه عدة حينئذ. الحالة الثانية: الرجل إذا تزوج امرأة فماتت هذه المرأة، فله أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها فوراً، لكن إذا طلقها طلاقاً رجعياً ليس له أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها في فترة العدة؛ لأن النبي ﵊ نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها أو أختها. وسيد رجاء ما كان يراعي هذا، ولقد نصح مرة واثنين وثلاث، ولكن لما كثر الإنكار عليه ما كان يأذن لأحد قط يعلم أنه داخل إليه لنصيحته، ولإيقافه عند حده. ومن السنن الكونية لمن يعرض عن شرع الله يسلط الله ﵎ عليه أسافل الخلق، فـ السيد رجاء لا ينسب إلينا، فليس منا ولسنا منه، وأيام أن كنت موظفاً في شركة الريان أتى سيد رجاء إلى الشركة في أواخر أيامها لما هددت وحوربت، وأخبر أن ضابط الأمن قال له: يا سيد أنت دورك آت،

стр. 1078

الأسئلة

стр. 1079

حكم نقل المبيض من امرأة تنجب إلى امرأة لا تنجب السؤال هل يجوز نقل مبيض من امرأة تنجب إلى رحم امرأة لا تنجب؟ الجواب حرام حرام حرام، إنما ينسب الولد إلى الرحم، وإلى الماء والغذاء والدم، ولذلك يقال: هذا أخي في النسب، وأخي في الدم، والنسب والدم لا يطلقان إلا على رجل قد اجتمع فيه اللبن - أي: الماء - والرحم والدم، أي: تغذى وهو جنين على دم أمه، لا على دم امرأة أخرى، وهذا يختلف عن حكم الرضاع. ومسألة نقل مبيض امرأة تنجب إلى امرأة لا تنجب فيها خلاف بين المعاصرين؛ لأن هذا الفعل لم يكن معلوماً ولم يكن له وجود في السابق. فأنا أقول: الخلاف في هذه القضية خلاف ضعيف جداً، بل لا يكاد يعتبر، لأن الذي يترجح -إن لم يكن هو الراجح والصحيح-: أن ذلك يمنع ويحرم، وأما مسألة نقل الأعضاء فالخلاف فيها واسع جداً. وأما الكلام عن نقل الدم فالخلاف فيه ضعيف جداً، لأن الراجح أنه لا حرج في نقل الدم ابتداءً؛ لأنه لا ينفع الرحم، وليس شيئاً متصلاً بالبدن، بل هو منفصل عنه، كما أنه متجدد كل ثلاثة أشهر في بدن الإنسان، بل من مصلحة الإنسان أن يجدد دمه، أو أن يتبرع بشيء منه كل ثلاثة أشهر أو ستة أشهر. وقد قرأنا تقريرات لأطباء كثيرين في هذا الباب، وهذا يجعل القلب يطمئن بأن نقل الدم لا حرج فيه. أما نقل الأعضاء فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافاً بيناً: فمنهم من يقول: بالجواز مطلقاً، ومنهم من يقول بالمنع مطلقاً، ومنهم من يشترط شروطاً. والذي يرتاح إليه قلبي: عدم جواز نقل الأعضاء، لأن الإنسان ليس حراً في بدنه، فإذا كان ليس حراً في بدنه في حياته، فمن باب أولى ألا يكون حراً بعد موته؛ لأنه لا تصرف له سليم بعد موته، هذا الذي يترجح عندي، والله تعالى أعلم.

стр. 1080

حكم من شك هل سجد سجدتين أم سجدة السؤال إذا شككت هل سجدت سجدتين أم واحدة، فماذا أفعل؟ الجواب إذا كان هذا الشك بعد السجود وفي الجلسة التي بين السجدتين، أو كان ذلك في السجود أو بعد السجدة الثانية، فليسجد سجدة أخرى، حتى وإن كانت هذه السجدة في حقيقة الأمر هي الثالثة، فإنه لا يضره ذلك، وإذا فرغ من الصلاة سجد سجدتين للسهو بعد التسليم؛ لأن هذا الشك في الصلاة في الزيادة وليس في النقص. وأما إذا كان الشك في أثناء التشهد، أو سلم من صلاته وشك هل سجد سجدة أو سجدتين؟ فيأتي بركعة كاملة؛ لأن السجود ركن في الصلاة، وفوات الركن تبطل به الصلاة سواءً تعمد صاحبه أو سها، فإنه يستوي فيه المتعمد والساهي، لكن الساهي لا يأثم، وإنما يجبر صلاته بركعة، والمتعمد يجبر صلاته بركعة مع الإثم؛ لأنه تعمد فوات ركن في الركعة. وإذا قام إلى الركعة الثانية ثم تذكر أنه نسى السجدة الثانية فإنه يهوي فوراً إلى السجود.

стр. 1081

حكم من قرأ في الصلاة قوله تعالى: (ولا الضالين) بدون مد السؤال هل إذا قرأت: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] بدون مد تكون الصلاة صحيحة أم باطلة؟ الجواب الصلاة تكون صحيحة، لأن أحكام التجويد في أغلب أقوال أهل العلم مستحبة، وإنما تجب في صحة القراءة فقط، وأما إتقان القراءة فهذا شيء آخر بخلاف الصحة، ولذلك العلماء يقولون: قراءة القرآن قراءة صحيحة فرض عين، وأما تعلم أحكام التجويد فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. والمد في قوله تعالى: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] مد لازم كلمي مثقل، والمد اللازم الكلمي المثقل محل نزاع بين أن يمد أربعاً، أو خمساً، أو ستاً، ولا أظن أن واحداً يقول: ولا الضالين يمد كذا أبداً.

стр. 1082

حكم التوسل بأصحاب الأضرحة السؤال خرج على الناس بعض تلاميذ علي جمعة يقولون بالتوسل بأصحاب الأضرحة، بل وللرجل أن يسمي صاحب الضريح الذي يذهب إليه بعينه، وقاسوا ذلك على جواز التوسل بالأعمال الصالحة وهي مخلوقة، فكذلك صاحب الضريح مخلوق فما الفرق بين هذا وذاك، وزعموا أنهم مستعدون لمناظرة من يريد ذلك؟ الجواب لسنا مستعدين لذلك، وهم ليسوا مستعدين، وللأسف الشديد لقد قلنا مراراً: إن علي جمعة إنسان منحرف عقدياً، وحذرنا الناس تكراراً، ولكن يبدو أن كل إنسان لابد أن يجرب بنفسه، فذهب بعض إخواننا الذين طلبوا العلم معنا منذ خمسة عشر عاماً في هذا المكان، وكانوا يطلبون معنا العلم في مسجد النصر، وفي مساجد الدعوة، ولكنهم أبوا أن يسمعوا الكلام وأن يسمعوا النصيحة، فذهبوا إلى هناك وهم الذين يقولون هذا الكلام. إن مسألة الأضرحة ليست مسألة بسيطة وسهلة، وأنه قد نعذر بها إذا قارناها ببقية المسائل التي تتعلق بذات الله تعالى وبأسمائه وصفاته، فعند علي جمعة الطامات تلو الطامات فيما يتعلق بذات الإله، وأسمائه وصفاته. وللأسف أن هنا أناساً مصرين على أن يحضروا مجالس علي جمعة، والله تعالى يعلم أننا لا ننصح أحداً إلا بالخير على الأقل فيما نظن ونعتقد أنه هو الخير، والنبي ﵊ يقول: (من أشار على أخيه بشيء وهو يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه). فما استشارنا أحد -يعلم الله- في أمر نعلم أن الخير في باب من أبوابه إلا وأشرنا إليه، وليس لنا -والحمد لله تعالى- مصلحة من جاه ولا كرسي ولا سلطان ولا مال ولا شيء ممن حضر مجلسنا قط، والحمد لله فإن قد أغنانا عن المستمعين وعن طلابنا. ولا حاجة لنا أن ننحرف بهم في النصيحة والاستشارة جانب الصواب، ولذلك هذا فضل الله تعالى ومنته علي وعلى من يتصدى للدعوة بإخلاص لله ، ولا نزعم أننا مخلصون. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1083

شرح صحيح مسلم - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - الدخان وانشقاق القمر لقد اختلف سلف الأمة في الدخان المذكور في آية الدخان، فمنهم من قال: إنه ما رآه المشركون من كفار مكة عندما أصيبوا بالجوع والقحط، ومنهم من قال: إنه من علامات الساعة الكبرى التي ستكون في آخر الزمان. وأما انشقاق القمر فهو آية وقعت في عهد النبي ﷺ باتفاق العلماء.

стр. 1084

باب الدخان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن منصور -وهو ابن المعتمر بن سليمان - عن أبي الضحى -وهو مسلم بن صبيح - عن مسروق - وهو ابن الأجدع - قال: كنا عند عبد الله جلوساً -أي: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود - وهو مضطجع بيننا]. وفي هذا جواز أن يضطجع العالم في وسط تلاميذه وطلابه، وقد جاءت غير رواية أن النبي ﵊ كان يجلس متكئاً في وسط أصحابه، ومسنداً ظهره إلى الكعبة وغير ذلك، فهذه الصورة جائزة للعالم بين طلابه. وأما الطالب في مجلس العلم فإن من سوء الأدب أن يمد رجليه أو غير ذلك. قال: [فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن!] هذا السائل غير معروف، ولم تأت رواية فيها اسم هذا الراوي بسند صحيح. قال هذا الرجل لـ عبد الله بن مسعود: [إن قاصاً عند أبواب كندة يقص ويزعم: أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام]. أي: علامة الدخان قبيل الساعة: أنها تأخذ بأنفاس الكفار حتى تخرج من أدبارهم، وتدخل من أدبارهم وأسماعهم وأفواههم وأنوفهم ومن كل المداخل الطبيعية في بدن الكفار، وتخرج منها. وأما المؤمنون فإن حظهم وقسطهم من هذه العلامة أنه يصيبهم الزكام فقط، فكأنهم زكموا من رائحة هذا الدخان، أي: لا تصيب المؤمن إلا على هذا القدر وهذا النحو.

стр. 1085

حرمة القول على الله بغير علم [فلما سمعه عبد الله بن مسعود ﵁ غضب لذلك غضباً شديداً، وجلس وهو مغضب وقال: أيها الناس! اتقوا الله]. وهذا الكلام وإن كان موجهاً إلى ذلك القاص إلا أنه يعم جميع الناس إلى قيام الساعة، فتقوى الله في باب العلم، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلزم المرء ألا يتكلم إلا بما علم، فالله ﵎ حرم القول عليه بغير علم، وقرنه بالشرك؛ للدلالة على خطورة هذا القول. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. والآيات الزاجرة عن القول على الله بغير علم كثيرة جداً، والأحاديث أكثر من الآيات، وكلها تدل على حرمة القول على الله بغير علم، حتى كان الصحابة ﵃ يتورعون في باب رفع الأحاديث إلى النبي ﵊، فالواحد منهم ينقل القول ولا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول. وأتى التابعون من بعدهم فسلكوا نفس المسلك، فكانوا يقولون: قال أبو ذر، قال حذيفة، قال أبو قتادة، قال أبو هريرة ويتورعون أحياناً عن نسبة القول، أو عن وصل هذا القول إلى النبي ﵊، فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: إن كذباً على أصحابه ليس ككذب عليه ﵊، أي: أنهم في الأمر الذي لم يتأكدوا منه تماماً ويقيناً كانوا يوقفونه على الصحابة، وما كانوا يرفعونه إلى النبي ﵊؛ مخافة ألا يكون قد قاله حقيقة. فإذا كان السلف ﵃ قد سلكوا هذا المسلك، فحري بنا أن نتوقف في شيء سئلنا عنه ولا علم لنا فيه، وأن نقول: الله أعلم، ولذلك قال ابن مسعود: [يا أيها الناس! اتقوا الله! من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم]، أي: فإنه أرفق بأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، [فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]].

стр. 1086

ما أصاب قريش من قحط وبلاء بسبب عنادهم ثم قال: [(إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدباراً)]. أي: لما رأى من كفار قريش إدباراً وإعراضاً وجحوداً، بل واستهزاءً بهذه الدعوة، وسباً لصاحبها ﵊ بقولهم: إنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مجنون، فلما رأى منهم ذلك [قال: (اللهم سبع كسبع يوسف)]. أي: أرسل على قريش سبع سنين جدب وقحط يهلكوا فيها كما هلك أهل مصر في زمن يوسف ﵇ بهذه السبع السنوات العجاف القحط. قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء)]، فدعاء الأنبياء مستجاب، والسنة بمعنى: الجدب والقحط، وحصت كل شيء أي: استأصلت كل شيء، لم يعد عندهم خير حتى كانوا يأكلون أبعار البهائم، ويأكلون العظام والخشب، ويأكلون جلود الأسماك إذا جفت، وهذا من شدة ما نزل بهم من قحط وجدب، حتى أكلوا التراب الذي تحت أرجلهم. قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان)] أي: ينظر أحدهم إلى السماء فمن فرط الجهد والتعب والجوع يرون وكأن السماء قد امتلأت دخاناً، وهي ليست كذلك. ولذلك جاء في الرواية أنه قال: (فيرى كهيئة الدخان) ولم يقل: رأى الدخان، يعني: يخيل إلى أحدهم أن السحابة التي فوقه هي عبارة عن دخان، وهذا أمر يراه الواحد منا إذا جهد وتعب تعباً شديداً وشق ذلك عليه، فإذا نظر إلى السماء ربما يرى الأمر كما نقول نحن: خمسات وعشرات. فكان ينظر أحدهم إلى السماء وكأنها مليئة بالدخان، فهذه الحالة إنما أصابت قريشاً بسبب الجهد والجوع الذي نزل بهم، وليس بلازم أن هذا التخيل والتهيء والتصور الذي يراه أحدهم وهو الدخان في السماء أن تكون السماء فيها دخان حقيقة. قال: [(فأتاه أبو سفيان -وكان كافراً في ذلك الوقت- فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم -أي: فادع الله أن يمطر السماء عليهم- قال الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١ - ١٢] إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أفيكشف عذاب الآخرة؟)]. أي: أن عبد الله بن مسعود يسألهم سؤال استنكار فيقول لهم: إن الدخان هذا ليس دخان الآخرة، وإنما هو الدخان الذي أصاب قريشاً، بدليل قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١]. وهذا يشمل جميع الناس ولا يشمل واحداً بعينه، فيقول: لا يمكن في يوم القيامة إذا أنزل الله عذاباً أن يكشفه، والآية أثبتت أنه يكشف العذاب قليلاً، فهذا لا يكون يوم القيامة، وإنما هذا يدل على أن الدخان الذي أصاب قريشاً هو المعني في سورة الدخان. قال: [﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]، فالبطشة الكبرى يوم بدر، قال: وقد مرت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم]. واللزام هو ملازمة العذاب للكافرين، وآية الروم هي آية غلبت الروم.

стр. 1087

أنواع تفسير القرآن قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع، وحدثني أبو سعيد الأشج أخبرنا وكيع، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير كلهم عن الأعمش. وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح -وهو المعروف في الرواية الأولى: أبو الضحى - عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه]. هذا الرجل يتهم ذلك القاص، وسياق الرواية تقول: إن هذا الرجل لما نقل كلام القاص إلى عبد الله بن مسعود لم يكن يعرفه؛ بدليل أنه استنكر كلامه فذهب إلى عبد الله بن مسعود ليسأل عن صحة هذا الكلام الذي سمعه، ثم هو يغمزه في الرواية الثانية ويقول: سمعت رجلاً في المسجد يقص أو يفسر القرآن برأيه، وتفسير القرآن بالرأي مذموم، بينما التفسير الممدوح هو تفسير القرآن. والنوع الثاني: تفسير القرآن بسنة النبي ﵊، وهذا الذي يسميه العلماء بالتفسير النبوي. ثم النوع الثالث: تفسير القرآن بكلام العرب؛ لأن القرآن عربي. والرابع: تفسير القرآن بالرأي، وهو مذموم. ولذلك غمزه هذا الرجل فقال: سمعت رجلاً في المسجد -أي: في مسجد بني كندة- يفسر القرآن برأيه. قال: [قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] أي: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فتأخذ بأنفاس الكفار عامة، أما المؤمنون فتصيبهم على هيئة الزكام. فقال عبد الله بن مسعود: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم. إنما كان هذا أن قريشاً لما عصت النبي ﵊ دعا عليهم النبي ﵊ بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجدب حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ﷺ رجل فقال: محمد! استغفر الله لمضر فإنهم قد هلكوا]. ومضر هم أشد الناس عداوة وبراءة من الإسلام. وفي رواية البخاري: (استسق لمضر). وبعضهم يقول: إن لفظة (استغفر) خطأ من الراوي، وبعضهم يقول: إنما هي تصحيف؛ لأن (استغفر) و (استسق) مسمع واحد. والإمام النووي نازع في ذلك وقال: والروايتان صحيحتان، (استسق) أي: اطلب السقيا وهو المطر، (واستغفر) أي: ادع الله لهم بالهداية، ثم استسق لهم بعد ذلك. فقد جمع بين القولين حتى لا يضطر إلى رد إحدى الروايتين. [فقال النبي ﷺ : (لمضر؟! إنك لجريء، قال: فدعا الله لهم فأنزل الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥])]. أي: رغم أني رفعت عنكم البلاء إلا أنكم بعد قليل ستعودون إلى ما كنتم عليه من إيذاء وجحود ونكران. قال: [(فمطروا -أي: بسبب دعاء النبي ﷺ لهم- فلما أصابتهم الرفاهية واخضرت الأرض، عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦] يعني: يوم بدر)].

стр. 1088

اختلاف العلماء في الدخان المذكور في الآية قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: خمس قد مضين -يعني: خمس علامات وأمارات قد مضت وانتهت-: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر، أي: انشقاق القمر. وعن أبي بن كعب في قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] أي: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا، والروم والبطشة أو الدخان، شعبة هو الذي شك في البطشة، أو الدخان]. أنتم تعلمون أن الدخان من علامات الساعة، والراجح من أقوال أهل العلم: أنه من العلامات الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٠ - ١٦]. قال ابن كثير: يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي: قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون، ولا يطبقون به. ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]. ثم ذكر رواية مسلم من طريق عبد الله بن مسعود، ورواية أخرى كذلك من طريق ابن مسعود في الصحيحين بنحو الرواية الأولى في هذا الباب. قال ابن كثير: وقد وافق ابن مسعود على تفسير هذه الآية بهذا التفسير، وأن الدخان قد مضى، وأن الدخان هو العلامة التي عاقب الله تعالى بها مشركي مكة؛ وافقه على ذلك التفسير، جماعة من السلف كـ مجاهد وأبي العالية الرياحي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير. إذاً: هل الدخان من العلامات التي كانت في زمن النبي ﷺ ، أو أنها ستأتي في آخر الزمان؟ محل نزاع بين أهل العلم، فمذهب ابن مسعود وبعض السلف: أنها التي كانت في سنين القحط والجدب على مشركي مكة.

стр. 1089

قول منكر لعبد الرحمن الأعرج أن الدخان المذكور في الآية كان يوم فتح مكة وفي رواية عبد الرحمن الأعرج أنه قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] قال: كان ذلك يوم فتح مكة، وهذا القول منكر جداً وغريب جداً، فلا عبرة به. أما الرأي الثاني: أن آية الدخان لم تمض بعد، وإنما ستأتي إن شاء الله في آخر الزمان، وهي من أمارات الساعة كما تقدم في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: (أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا). فذكْر الدخان مع هذه العلامات يدل على أنه سيكون في آخر الزمان؛ لأن هذه العلامات كلها لم تظهر بعد، فكيف تكون علامة الدخان في زمنه ﵊ وبقية هذه العلامات كلها في آخر الزمان مع أن النبي ﷺ قد قال: (لا تقوم الساعة إلا إذا رأيتم عشر آيات) وعد منها: الدخان؟! فهذا يدل على أن الدخان سيكون في آخر الزمان. وأنتم تعرفون ابن صياد، وقد قيل: إنه المسيح الدجال، وقيل: هو غير المسيح الدجال، وكلام أهل العلم فيما يتعلق بـ ابن صياد سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في نهاية كتاب الفتن من صحيح مسلم. وقد جاء في غير ما حديث أنه دجال، وكان كثير من الصحابة يعتقدون أن ابن صياد هو المسيح الدجال، وقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ له: (إني خبأت لك خبأً، فقال ابن صياد: هو الدخ)، وهذا كلام السحرة والكهان والدجالين كلهم يقولون هذا، ولذلك إذا قرأت الحجاب الذي يعمله السحرة فإنك لا تكاد تقف على حقيقة أمره؛ لأن من شأن السحرة والكهان والعرافين أن يجيبوا على بعض الكلمة فيأتون بها مقطعة، وأحياناً يأتون بها مقطعة الحروف، أو يجيبون بحرف، ويتركون الحرف الثاني، فهم لا يكتبون كلمة كاملة، ولذلك أدرك النبي ﵊ أن هذا الدجال وهو ابن صياد عرف ما خبأه له، وهذا إنما يكون بوحي الشيطان إليه. وهذه العلامة التي هدده بها النبي ﵊ إنما هي سورة الدخان، ولذلك عبر عنها ابن صياد بالدخ، فالنبي ﷺ فهم ذلك فقال له: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك). يعني: ما قد قدره الله تعالى فيك لابد أنه كائن، والوعيد والتهديد الشديد الذي جاء في سورة الدخان سيصيبك منه لا محالة، حتى وإن كنت عارفاً بما خبأته لك، ولذلك قال: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك)، وقد خبأ له رسول الله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]. قال ابن كثير: وهذا فيه إشعار بأن الدخان هو المنتظر لا أنه قد وقع فيهم بالفعل. وابن صياد كاشف -أي: كاهن- على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، يعني: يقطعونها تقطيعاً، ولهذا قال: هو الدخ، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادة ابن صياد أنها مادة شيطانية قال له: (اخسأ فلن تعدو قدرك). وقد أورد ابن جرير حديثاً طويلاً عن حذيفة لكنه موضوع، وابن كثير يقول: لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً، لأن الحديث صريح، والأحاديث الأخرى منها ما هو صحيح لكنه ليس صريحاً في الباب، ولذلك وقع الخلاف. واختلف أهل العلم في الدخان إلى مذهبين؛ خلافاً لمذهب عبد الرحمن الأعرج حيث قال: الدخان هو ما كان يوم فتح مكة، وهذا مذهب منكر جداً لم يوافقه عليه أحد، وليس كلاماً صحيحاً، لكن الخلاف المعتبر: هل الدخان هو الذي كان في سنوات القحط والجدب على أهل مكة، أم أنه الذي سيكون في آخر الزمان؟ فـ ابن مسعود ومن معه يذهبون إلى أن هذا الدخان هو الذي وقع في سنوات الجدب والقحط على أهل مكة. وجمهور السلف على أن آية الدخان وعلامتها إنما تكون في آخر الزمان.

стр. 1090

قول ابن كثير بأن العلامة من علامات القيامة يمكن أن تقع مرتين وابن كثير توسط في الأمر فقال: لا مانع أن تقع العلامة والأمارة مرتين، كما تقع المعجزة مرتين. يعني: كقصة شق الصدر فقد وقعت مرتين: مرة والنبي ﷺ طفل، ومرة بعد البعثة وقبل ذهابه لرحلة الإسراء والمعراج. وانشقاق القمر حصل مراراً، فالذي كان في شأن المشركين في مكة ربما يكون دخاناً وربما يكون غيره، وهب أنه دخان فلا يلزم منه عدم وقوع الآية في آخر الزمان، ولا بأس أن يشتمل هذا التهديد والوعيد ما نزل بكفار قريش، وهذا ما توسط به الحافظ ابن كثير. لكن أورد حديثاً موضوعاً ثم قال: إن أول الآيات الدخان، والصحيح أن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم حيث قالوا، والدخان. ولذلك تكرر الدخان في أول الحديث وآخره، وهذا الحديث عند الترمذي أيضاً: أن أول الآيات الدجال وهو الصحيح، وإن كنا نحب الترتيب لكن الحديث موضوع.
следующие страницы →