Полный текст (2 103 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
تابع باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل
стр. 982
شرح حديث: (أمسينا وأمسى الملك لله)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلم تسليماً كثيراً.
ثم أما بعد: إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زلنا مع كتاب الذكر.
قال المصنف ﵀: [عن النبي ﵊: (أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك خير هذه الليلة، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)].
وهذا الدعاء يقال في أول الليل.
وقوله: (اللهم إني أسألك خير هذه الليلة) جاء في رواية من طريق ابن سويد: (وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة) أي: ما يقدر فيها من نزول الشر.
والنبي ﵊ أمر بإيكاء الأواني.
أي: بتغطية الأواني التي فيها طعام أو شراب؛ لأن الداء ينزل في ليلة في السنة، فلا تدري لعل الليلة التي تركت فيها آنيتك مكشوفة هي الليلة التي وافقت نزول الشر والداء من السماء، فحينئذ يصيب هذا الشر الإناء أو الطعام فتأكله فيصيبك ما قدر الله لك.
فقوله ﵊: (اللهم إني أسألك خير هذه الليلة) أو من خير هذه الليلة، فكأنه ﵊ سأل ربه أن يصيبه من خير هذه الليلة المقبلة عليه، أو يصيبه خيرها كله، فهو إما أن يسأله من بعض خير هذه الليلة أو يسأله الخير كله.
قوله: (وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر) بفتح الباء وكسر ما قبلها، وهو: وسوء العمر، وأن أرد إلى أرذل العمر.
والكبر هو العمر المتقدم وهو السن.
وفي رواية: (وسوء الكبر)، الذي هو غمط الناس.
أي: ظلم الناس ورد الحق.
قوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر).
هذا دليل على أن القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وأن عذاب القبر ثابت في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊.
قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي - عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: (كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له) قال: أراه قال فيهن].
أي: إبراهيم النخعي ينقل عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: (أصبحنا وأصبح الملك لله) إلى آخر الحديث وإذا قاله في المساء قال: (أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى آخر الحديث، فهذا الدعاء يقال في كل صباح ومساء.
وفي رواية قال: (كان النبي ﵊ إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) ولم يقل: وشر ما بعدها، إنما قال: (وشر ما فيها) أي: من شر.
(اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر).
والهرم: الذي هو أرذل العمر.
(وفتنة الدنيا وعذاب القبر).
(فتنة) هنا اسم جنس، يشمل جميع الفتن التي يمكن أن يمر بها الإنسان في حياته، فتنة مال، فتنة نساء، فتنة جاه، فتنة سلطان، فتنة الدين، كلها فتن، فالنبي ﵊ كان يستعيذ بالله أن يقع في فتنة من فتن الدنيا أو الآخرة.
وهذا إما أن يكون لتمام وكمال العبودية لله، فهو ﵊ معصوم أن يقع في مثل هذا، أو لأنه أراد أن يعلم أمته كيف يدعون الله .
وفي رواية بزيادة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
стр. 983
شرح حديث أبي هريرة: (لا إله إلا الله وحده)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثني الليث -وهو الليث بن سعد - عن سعيد بن أبي سعيد -وهو المعروف بـ المقبري، وهذا لقب له؛ لأنه كان يسكن بجوار البقيع- عن أبيه -وهو أبو سعيد المقبري - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده)]، وجند الله هم أولياؤه وأنصاره، وهم المؤمنون الموحدون، فالله أعزهم بعزته.
[(ونصر عبده)] وهو محمد ﵊، فإما أن يكون هذا للعهد.
أي: هذا العبد المعهود عليه العبودية لله وهو النبي ﵊، وإما أن يكون هذا لبيان الجنس ليشمل جميع العباد الصالحين.
قال: [(وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده)].
وفي رواية: (وهزم الأحزاب وحده).
والأحزاب: هم القبائل المتحزبون على حزب الإيمان.
ومعنى (غلب الأحزاب وحده) أي: من غير قتال دار بينهم وبين أهل الإيمان، بل أرسل الله عليهم ريحاً اقتلعت خيامهم حتى انهزموا بغير قتال دار بينهم وبين أهل الإيمان.
أما قوله: (فلا شيء بعده) أي: فلا شيء سواه هزم الأحزاب، فهو وحده لا أحد معه هزم وغلب الأحزاب.
قال: [حدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني - قال: حدثنا ابن إدريس -وهو عبد الله - قال: سمعت عاصم بن كليب عن أبي بردة عن علي ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق والسداد سداد السهم)] أي: هدايتك الطريق حتى لا تنسى.
فالنبي ﵊ يعلم علياً دعاءً يدعو به دائماً في كل أحواله وأحايينه، وأتى له بأمارات من أجل لو نسي أصل الدعاء يذكر أن هداية الطريق هداية، فيقول: (اللهم اهدني وسددني) وأن سداده وحرصه على إصابة الهدف بالسهم سداد.
والتقدير: فإذا نسيت هذا فاذكر بالهداية هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم.
стр. 984
باب التسبيح في النهار وعند النوم
стр. 985
شرح حديث: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد وابن أبي عمر -واللفظ له- قالوا: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب -وهو مولى ابن عباس - عن ابن عباس ﵄ عن جويرية ﵂ (أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح)] بكرة.
أي: في أول النهار؛ وحين صلى الصبح أي: بعد أن صلى الصبح في مسجده ثم دخل على امرأته جويرية ﵂ فوجدها قد صلت وجلست في مصلاها تذكر الله تعالى، قال: [(خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها -أي: في المكان الذي صلت فيه- ثم رجع بعد أن أضحى)] أي: بعد أن دخل وقت الضحى، أو بعد أن صلى الضحى وهي جالسة على حالها التي رآها عليها النبي ﵊ [فقال: (ما زلت على الحالة التي فارقتك عليها؟)] يعني: أنت باقية لم تتحركي ولم تغادري هذا المكان منذ أن رأيتك بكرة.
[(قالت: نعم يا رسول الله! فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن)].
يعني: أنا قلت أربع كلمات بعد أن غادرتك وتركتك على هذه الحال ورددتها ثلاث مرات، فهي تزن جميع أذكارك في يومك وليلتك.
ومعنى (لو وزنت هذه الكلمات بما قلت لوزنتهن).
أي: لفاقتهن في الفضل والثواب.
قال: [(سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته)].
وسبحان الله وبحمده كلمة حبيبة إلى الرحمن، خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، كما جاء بذلك الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) وهو آخر حديث في صحيح البخاري.
فالنبي ﵊ بين لـ جويرية بالدرجة الأولى فضل هذه الكلمات؛ لأنها المخاطبة بهذا، والمخبرة بهذا الثواب وفضل هذه الكلمات وإن كان الخطاب والخبر للأمة إلى قيام الساعة.
ولا يعني ذلك أنه ﵊ سبح عدد الخلق؛ لأن عدد الخلق لا يمكن إحصاؤه، فلما غلب ﵊ على الإحصاء لم يفكر فيه أصلاً؛ لأن الخلق نعمة من نعم الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
فإذا كانت نعمة الخلق لا يمكن إحصاؤها فأراد النبي ﵊ إجمال ذلك وبيان أنه يريد أن يسبح الله وأن يحمده عدد خلقه، وإن كان عدد الخلق بالنسبة إليه أمراً مجهولاً ولا يمكن إحصاؤه، فإنما أجمل الكلام إجمالاً؛ ولذلك سن للذاكر المتعبد أن يثني على الله بما هو أهله، فلما عز الإنسان أن يثني على الله بما هو أهله؛ لأن أحداً لا يكافئ الله في الثناء والحمد والشكر والتمجيد، فسن أن نقول: (أنت كما اثنيت على نفسك) لأن أحداً لا يبلغ الثناء الكامل التام لله .
(لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، بعض الناس يقرؤها منقطعه؛ فيقول: (لا نحصي ثناءً عليك أنت) ويقف، ثم يقول: (كما أثنيت على نفسك)، فيصير المعنى غير مستقيم، ولكن القراءة الصحيحة التي يثبت بها الفهم الصحيح: (لا نحصي ثناءً عليك)، يعني: إذا أردنا إحصاء الثناء عليك فلا نقوى على ذلك، ولا نقدر عليه، (أنت كما أثنيت على نفسك)؛ لأن الله أعلم بما له من ثناء وحمد وتمجيد، فإن العبد يثني على الله بعظيم المحامد والثناء، ثم يرى أنه عاجز عن الوفاء بالحمد والشكر لله ، فيفوض الأمر إلى منتهاه، أو في منتهاه إلى الله ، يقول: يا رب! أنت تستحق أكثر من هذا الثناء والحمد، وأنت أعظم مما يمكن أن يتصوره المرء من ثناء وحمد، فأنت في النهاية كما أثنيت على نفسك، لكن ليس معنى هذا أنك تكل وتعجز عن الثناء والحمد، ولكن تحمد وتمجد وتعظم الله .
فهنا قال ﵊: (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه) يعني: سبحانك وبحمدك حتى ترضى، أي: أسبحك وأحمدك حتى ترضى عني.
وقوله: (وزنة عرشك) لا أحد يعمل زنة العرش إلا الله ؛ ولذلك النبي ﵊ ضرب مثلاً بالكرسي في العرش كحلقة في فلاة، قال: (السماوات السبع والأراضين السبع في الكرسي كحلقة في صحراء، والكرسي في العرش كحلقة في فلاة)، إذاً: زنة العرش فوق طاقة البشر، وفوق عقول البشر، ولذلك قال ﵊: (سبحانك وبحمدك وزنة عرشك ومداد كلمات) يعني: أسبحك وأنزهك وأحمدك حمداً لا منتهى له.
(ومداد كلماتك)، المداد الذي هو الحبر، لو أن الله جعل الأشجار جميعاً أقلاماً، والبحار مداداً وجعل عباده يأخذون هذه
стр. 986
أحاديث صحيحة في أذكار الصباح والمساء
هناك أحاديث أخرى كذلك صحت في أذكار الصباح والمساء، منها: ما أخرجه مسلم ولعله سبق من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحداً قال مثلما قال أو زاد عليه).
وعند أبي داود والنسائي والترمذي بسند صحيح من حديث عبد الله بن خبيب قال: (خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب النبي ﷺ ليصلي لنا، فلما أدركه ابن خبيب قال النبي ﷺ له: قل، قال ابن خبيب: فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، قال: فلم أقل شيئاً، قال: قل، قلت: يا رسول الله! ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١])، ليس على مذهب معمر القذافي الذي ألغى من كتاب الله لفظ: (قل) قال: لأن الأمر موجه للنبي ﵊.
وليس هناك حيوانات تجتهد إلا معمر القذافي وصدام حسين أو غيرهما.
(قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات يكفيك من كل شيء).
إما أن يقرأ (قل هو الله أحد) ثلاث مرات متتاليات، ثم (الفلق) ثلاث مرات متتاليات ثم (الناس) كذلك، وإما أن يقرأ (قل هو الله أحد) ثم (قل أعوذ برب الفلق)، ثم (قل أعوذ برب الناس)، وهذا أولى، ثم يعيد هذه السور الثلاث مرة ثانية وثالثة.
إذا فعل العبد ذلك كفاه الله شر يومه إلى المساء، وإذا قالها في المساء كفاه شر ليله حتى الصباح والناظر في كتب الأذكار إما في الصحيحين أو في كتب السنن، وإما في الكتب التي صنفت في الأذكار خاصة؛ يعلم أن حياة المسلم كلها ذكر لله ، فالشرع ما تركك قط بغير ذلك، لا في يقظتك وقومتك، ولا في نومك ولا في صباحك ولا في مسائك، ولا في صلاتك ولا في سائر عبادتك، حتى في أفعالك العادية التي تفعلها من باب العادة فيسن لك في كثير منها الدعاء، فطاعة تسلمك إلى طاعة، لتجد نفسك في النهاية ذاكراً لله ﵎ في كل أوقاتك وأحايينك.
والنبي ﵊ كان دائماً مسبحاً وذاكراً لله ، حتى قال: (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وقال أبو هريرة: (وإنا لنعد عليه ﵊ في المجلس الواحد مائة تسبيحة أو مائة استغفار).
وذكر أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يعلم أصحابه: (إذا أصبح أحدكم فليقل: اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت).
يعني: لا حول لنا ولا قوة في حياتنا ومماتنا، كلنا لله ، وكلنا في قبضة الملك ﵎، اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، لا يمكن لنا أن نصبح إلا بك، ولا نمسي إلا بك، ولا غنى لنا عنك طرفة عين، فصباحنا ومساؤنا بك.
وهذا توكل كامل على الله في الحياة والموت؛ ولذلك يسن لك إذا نمت أن تنام على خدك الأيمن وعلى جنبك الأيمن وتقول: (باسمك اللهم أموت وأحيا) يعني: أنام على اسم الله ، ولا يمكن أن أقوم من نومتي إلا بإذن الله ، وعلى اسم الله .
قال: (وإليك النشور).
أي: البعث من هذا النوم الذي هو الموتة الصغرى، فشبه أهل العلم النوم بالموت، واليقظة بالبعث، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (إنكم تموتون كما تنامون وتبعثون كما تستيقظون) فشبه هذا بذاك، عندما الشخص يصحو يقول: (اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا)، وإذا أمسى قال: (اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا)، وإذا كان في الصباح قال: (وإليك النشور)، الذي هو البعث والانتشار، وإذا كان في المساء قال في نهاية الدعاء: (وإليك المصير)، أي: نحن عائدون إليك، وصائرون إليك، وراجعون إليك.
стр. 987
سيد الاستغفار
وعن شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبى، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذا أحسن ذكر، لأنه يشمل التوحيد بجميع أقسامه: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأفعال؛ لأن الله تعالى واحد في ذاته، واحد في أسمائه وصفاته، واحد في أفعاله، والعبد يقر بين يدي الله في صباحه ومسائه بهذا الحديث أنه عبد مذنب، وأنه راجع وصائر إليه، ومعترف بذنبه ومقر به، ومعتقد أن أحداً لا يقدر على مغفرة الذنوب إلا الله.
تصور أن عبداً يقر لله تعالى في صباحه ومسائه بهذه التقريرات، ويقدم هذه الإيمانيات والعقائد الصحيحة من واقع هذا الدعاء، ويتبرأ من ذنبه بطلب التوبة والمغفرة من الله ، فسماه النبي ﷺ لأجل هذا كله سيد الاستغفار.
قال: (اللهم أنت ربي) أي: لا رب لي سواك، ولا إله لي غيرك، وأنت رب جميع المخلوقين، لا رب لهم غيرك، أنت الذي ربيتهم وخلقتهم ورزقتهم، وهديتهم وسويتهم، وقدرت عليهم، ولا يفعل أحد من خلقك شيء من هذا، فأنت متفرد في خلقك، وفي ربوبيتك، ومن ادعى أنه رب غيرك أو إله غيرك فإنما كل هؤلاء أرباب وآلهة كذابون أفاكون؛ لأنه لا رب على الحقيقة إلا الله ؛ لأنه رب جميع الخلائق، وهو رب جميع المخلوقات، لا رب لجميع المخلوقات غير الله ، فهنا قدم الإيمان بأن الله تعالى هو الرب لا رب سواه، ثم قال: (لا إله إلا أنت)، فأثبت صفة الإلهية لله ، والإله هو المألوه أو المتأله الذي يستحق الإلهية وحده، والعبادة وحده، لا يصرف شيء منها لغير الله ، فمن صرف شيئاً من العبادة الواجبة لله لغير الله فكأنما اتخذ مع الله تعالى إلهاً غيره فيكون مشركاً بذلك، فكما أثبت النبي ﵊ في هذا الدعاء الربوبية لله أثبت له كذلك الإلهية، فهو رب وحده وإله وحده، لا رب سواه ولا إله غيره، تصور أن عبداً يستيقظ من نومه بعد صلاة الفجر فيقدم بين يدي يومه هذا الدعاء، وهذا التقرير، قال: (خلقتني وأنا عبدك)، والخلق صفة للربوبية، فكما أقر بالربوبية بجميع صفاتها إجمالاً فصل بعد ذلك ﵊، قال: (أنت خلقتني)، والخلق صفة للرب ﵎، فبعد أن قال: (اللهم أنت ربي) قال: (أنت خلقتني).
ثم قال: (وأنا عبدك)، فالعبادة تصرف للإله الحق وهو الله ، ولما كانت العبادة من خصائص الإلهية جمع النبي ﵊ بين صفة الخلق وصفة العبادة، فالخلق من لوازم الربوبية والعبادة من لوازم الإلهية، فاعترف في هذا إجمالاً في الأول ثم فصل بعد ذلك، قال: (اللهم أنت ربي) أي: أنت خلقتني.
(لا إله إلا أنت) وأنا عبدك، يعني: لا أصرف شيئاً من العبادة لغيرك؛ لأنك الإله الحق المستحق لهذه العبادة.
قال: (وأنا على عهدك) يعني: لا أحيد عن العهد الأول والميثاق الإيماني الذي أخذه الله على العباد أن يعبدوه وأن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، وإقرارهم في الميثاق الأعظم في كتاب الله ؛ لأنهم قد آمنوا به إلهاً ورباً، والله أشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:١٧٢] لأنه قد يكون منهم يوم القيامة منكر لهذا الميثاق وهذا العهد، فالنبي ﵊ يذكر هذا ابتداءً من عنده فيقول: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: أنا على العهد والميثاق والوعد الذي أخذه الله على عباده، ولكنه ﵊ قال: (ما استطعت).
والطاعة والأمر يختلفان باختلاف الأشخاص، وباختلاف الأحوال والظروف؛ ولذلك قال ﵊: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم: إن الأمر بالطاعة يختلف بحسب أحوال الناس وظروفهم، فالله أمرنا إذا صلينا أن نقوم في صلاتنا، فالقيام من واجبات الصلاة، أو من فرائض الصلاة، وتبطل صلاة الفرض إذا صلى الرجل قاعداً وهو قادر على القيام، لأن القيام واجب وفرض، وهو صلى جالساً بغير عذر.
لكن إذا كان لديه العذر الذي يمنعه من القيام صلى جالساً ولا حرج عليه، وثوابه كثواب من صلى قائماً، بخلاف النافلة فللرجل القادر على أن يصلي النافلة قائماً أن يصليها قاعداً ولكن أجره على النصف من أجر صلاة القائم، وهنا كلام طويل قاله ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (الأذكار)، مرده إلى أن من الألفاظ المترادفة: العهد والوعد، قال: (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) يعني: آتي من الطاعات ما استطعت؛ لأن الطاعة أحياناً تكون فوق طاقة الإنسان؛ ولذلك فإن جرير بن عبد الله البجلي قال: (بايعت النبي
стр. 988
حديث أبي بكر: (اللهم عالم الغيب والشهادة)
وعن أبي هريرة ﵁ أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: (يا رسول الله! علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت)، تصور أن السائل هو صديق هذه الأمة، فلما علم أهمية الذكر في طرفي النهار سأل عن ذلك، (فقال النبي ﵊: قل: اللهم عالم الغيب والشهادة).
يعني: يا عالم الغيب والشهادة.
والغيب هو الأمر الذي يغيب عن نظر المخلوقين، ولا يغيب عن الله شيء؛ ولذلك أقر بين يدي الله بأنه يؤمن أن الله تعالى يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، والشهادة بمعنى المشاهد، فهذا الكأس مثلاً مشاهد، ولو أننا أخفيناه تحت الأرض لا يخفى على الله .
إذاً: الغيب والشهادة بالنسبة لله شهادة يراها ويعلمها، فأقر بعلم الله الذي لا يقاس عليه علم، لو أتينا بأعلم أهل الأرض فيكون علمه في علم الله لا شيء، وأعلم أهل الأرض هو نبينا ﵊ وعلمه في جنب علم الله لا شيء، بل المقارنة لا تصح.
وكذلك السمع، تعرفون زرقاء اليمامة في البصر، لما جاءوا بـ زرقاء اليمامة المرأة التي كانت عيناها زرقاء وجميلة، وكان نظرها حاداً جداً، فكان بين قومها وبين أعدائهم حروب طاحنة، فقالوا: نأتي بـ زرقاء اليمامة تنظر إلى جهة العدو، واليمامة في نجد بجوار الرياض، فكانوا يخشون إغارة عدوهم، ولكن على أي حال تحزبوا واقتطعوا شجرة أو نخلة فجعلوها في وسط الجيش، وهم يمشون في الصحراء، فنزلت زرقاء اليمامة فقالت: أتاكم الجيش ومعه شجرة أو نخلة، قالوا: هذه المرأة مجنونة ولم يصدقوها، حتى فاجأهم وباغتهم الجيش ومعهم النخلة، فأقروا لها بحدة البصر.
وأظن أن تاريخ البشرية لم يذكر امرأة أحد في النظر من زرقاء اليمامة، وماذا يكون نظرها في نظر الله ، وبصرها في بصر الله ؟ زرقاء اليمامة لو إبرة ألقيت في بحر لا تراها، لا ترى ما تحت عينها إذا ألقيت إبرة في فلاة أو في بحر لا تراها، والله يعلم كل شيء، ما دق وجل، ما عظم وحصر، ما صغر وكبر، لا منتهى لصفاته ؛ ولذلك نحن نقول: الله تعالى واحد في صفاته.
يعني: متوحد ومتفرد في كل صفة أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ ، فالمخلوق يسمع، والله تعالى يسمع، لكن الله متفرد في سمعه، لو جمع أسماع جميع المخلوقين ما ساوت سمع الله تعالى، بل وما قورنت بسمع الله ، وجميع العلم عند الخلق على اختلاف ألوانهم وأشكالهم لو جمع في عقل واحد لا يساوي قط علم الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، هذا خطاب للنبي ﷺ الذي هو أعلم الخلق، ومع هذا يقول له: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، أي: في جنب علم الله ، والعلم الذي أوتيه الناس إنما هو من فضل الله .
إذاً: المقارنة غير صحيحة وجائرة وظالمة، ولذلك فالله واحد في أسمائه وصفاته وأفعاله.
يعني: إذا فعل الله تعالى فعلاً لا يمكن أن يشبه هذا الفعل أفعال المخلوقين، أو أفعال المكلفين، ولا يمكن أن يخلق الخلق مجتمعون شيئاً يضاهون به خلق الله ، ولو أجمع الخلق أجمعون منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الأرض ومن عليها لا يمكن أن يخلقوا ذبابة أو جناح ذبابة بنفس الكفاءة التي خلقها الله .
فلا يمكن للخلق أجمعين أن يفعلوا كفعل الله، وأن يخلقوا كخلق الله، وأن يسمعوا كسمع الله، وأن يبصروا كبصر الله، وأن يعلموا كعلم الله، فهو واحد في كل شيء، واحد في ذاته، فلا يمكن لجميع الذوات أن تشبه ذات الله ، واحد في أسمائه، هو السميع وأنا سميع، لكن الله تعالى متفرد في سمعه، أما أنا فلست متفرداً به، وهو من فضل الله، ويشبه سمعي سمع جميع المخلوقين، والحيوانات تسمع أحسن منا وأكثر منا، والنبي ﵊ يقول: (إذا شيعت الجنازة فإن كانت صالحة قالت -أي: الجنازة تنطق- قدموني قدموني، وإذا كانت غير ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها بصوت يسمعه كل أحد إلا الإنسان ولو سمعه لصعق).
أي: يسمعها كل شيء حتى الحيوانات والدواب والحشرات والطير إلا الثقلين: الإنس والجن.
فقوله: (ولو سمعه لصعق) فلو سمعنا صوت الجنازة وهي تقول: يا ويلها أين تذهبون بها؟ لصعقنا، فلا أحد فينا يفكر أن يصلي بعد ذلك على جنازة أو يشيعها في يوم من الأيام، ولتركنا الموتى يعطبون في بيوتنا مخافة أن نصعق، فمن رحمة الله بالآدمي أياً كان كافراً أو مسلماً، عاصياً أو طائعاً: أن يوارى الميت بالتراب حتى لا يتأذى الأحياء.
قال: (قل: اللهم عالم الغيب والشهادة) يعني: الغائب والمشاهد، والغيب بالنسبة لله تعالى مشاهد؛ لأنه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
стр. 989
استحباب قول: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء) في الصباح والمساء
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال النبي ﵊: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لم يضره شيء).
وقال: (ما نزل أحدكم منزلاً -أي: يخشى منه- فيقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم يضره شيء حتى يخرج) أي: حتى يخرج من هذا الذي يخافه، فلم يضره شيء حتى يصبح أو حتى يمسي.
تصور أن أسداً يقابلك أو ذئباً أو كلباً أو عدواً خفت منه فقل: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، وهذا الأمر يحتاج إلى يقين أن هذا العدو لن ينالك بأذى، ولما تقول الكلام هذا وأنت ما عندك عقيدة راسخة يصيبك ما يصيبك، بسبب ضعف إيمانك، لكن أنا أعرف أن الكلام هذا حق وصدق، قاله النبي ﷺ ويحتاج إلى قلوب مؤمنة قوية في إيمانها، وإن شاء الله تعالى لن يضرك، بل تكون أنت أمامه كالأسد.
لا تقل هذا الدعاء شعرك واقف ونفسيتك تحت الأرض، وحالتك تغم، فربنا معك، سم الله وتوكل على الله، ولا يمكن مع ذكر الله أن يلحقك شيء أو يضرك أو ينالك أذى، إذا كنت تعتقد هذا وقلته ثلاث مرات لا يضرك شيء بإذن الله.
стр. 990
حديث أنس: (اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك)
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك ورسولك؛ أعتق الله ربعه من النار، ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثاً أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، فإن قالها أربعاً أعتقه الله من النار) الراجح أن هذا الحديث حسن بغير قيد بالليل والنهار، أما أنه من أذكار الصباح والمساء ففيه ضعف.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (لم يكن النبي ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح).
يعني: كان يداوم عليها في كل صباحه ومسائه.
(اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي).
يعني: الخسف.
كما قال وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى.
стр. 991
بعض الأحاديث الضعيفة الواردة في أذكار الصباح والمساء
هناك بعض الأحاديث الضعيفة التي وردت في أذكار الصباح والمساء، منها: حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﵊ قال: (من قال حين يمسي: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً كان حقاً على الله أن يرضيه).
هذا الحديث قال الترمذي فيه: حسن صحيح، وصححه جماعة عظيمة من أهل العلم.
والذي يترجح لدي: تحسين هذا الحديث، وإن كان الشيخ الألباني عليه رحمة الله يضعف هذه الرواية.
وحديث: عبد الله بن غنام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه.
ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته) أخرجه أبو داود وسنده ضعيف.
والحديث الذي رواه طلق بن حبيب ﵁ قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء ﵁ فقال: يا أبا الدرداء! قد احترق بيتك، فقال أبو الدرداء: لم يكن الله ليفعل ذلك) ليحرق بيتي، (بكلمات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، من قالها أول نهاره لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها آخر النهار لم تصبه مصيبة حتى يصبح: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم).
وهذا الحديث حديث ضعيف، وهناك أدلة أخرى وروايات متعددة في أذكار الصباح والمساء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 992
الأسئلة
стр. 993
حكم النظر إلى المخطوبة
السؤال
ما حكم الشرع في رؤية المخطوبة؟ وكم عدد مرات الرؤية الشرعية؟
الجواب
بمجرد أن رأيتها ووقعت في قلبك ليس لك أن تراها إلا بعد العقد، والرؤية ليست مرهونة بعدد معين، لا واحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، وإنما أقل مجالس الرؤية واحد، رآها مثلاً ماشية في الشارع، كانت جارة له وترقبها حتى رآها هذا مأذون له شرعاً، كما فعل جابر، ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة وغيرهم من الصحابة أنهم كانوا يختلسون النظر إلى المرأة، وهذا يجرنا إلى مسألة مهمة جداً، وهي: ماذا يرى الرجل من المرأة؟؛ لأن النبي ﵊ قال لـ ابن مسلمة: (هل رأيتها؟ قال: لا.
قال: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً).
وقال للمغيرة: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما فنظرت إليها حتى رأيت منها ما يسرني.
وفي رواية: قال: فاختبأت لها فرأيتها من نخل) يعني: اختبأ في بستان حتى رآها.
والمرأة في بيتها قد تكون لابسة ملابسها العادية وقد تكون كاشفة شعرها، والرقبة وشيئاً من الصدر، وقد تكون كاشفة الذراعين، أو كاشفة شيئاً من الساقين، فيجوز النظر إلى هذا، بل هذا هو المذهب الراجح في القضية، وجمهور الفقهاء يقولون: لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين، ولا دليل معهم في ذلك.
وهم يقولون: الوجه يدل على النضرة، واليد تدل على السمنة والنحافة؛ لأن جمال المرأة في وجهها في الغالب؛ لأن المرأة لو كان جسمها جميلاً لكنها دميمة الخلقة فإنها لا تعجب الرجال، فتبين أن جمال المرأة دائماً إنما هو في وجهها.
المذهب الثالث في القضية هو مذهب الظاهرية: قالوا: للرجل أن يجردها -بالدال- لأن بعض أهل العلم صحفها إلى الباء، وهذه مصيبة سوداء، فقال: له أن يجربها، وهذا بلاء عظيم جداً، ولم ينتبه إلى هذا التصحيف، وهذا المذهب قد اعتمد على قصة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب لما أرسلها علي إلى عمر ليراها، فكشف عمر عن ساقها، قالت: لولا أنك أمير المؤمنين لفقأت عينيك.
وهذه البنت كان عمرها (١٠ - ١١) سنة، وهذه الرواية غير صحيحة لا تثبت من جهة الإسناد، ولا من جهة المعنى، وإن هذه ليست أخلاق عمر ﵁، حتى لو كان هذا من حقه فالظن به أنه يتورع عن ذلك.
أما من جهة الرواية والسند فإن السند إلى عمر منقطع، فيبقى أمامنا مذهبان: المذهب الأول: مذهب جماهير الفقهاء وهو: للخاطب أن يرى من مخطوبته الوجه والكفين، ولو طلب الخاطب أن يرى المرأة في حالتها الطبيعية في بيتها فله ذلك، وهذا الذي يترجح إلي من جهة الدليل، ولكني لو تعرضت لمثل هذا لرفضت وكرهت ذلك.
стр. 994
حكم المكالمات الهاتفية بين المخطوبين
السؤال
هل يجوز في فترة الخطوبة الكلام بين العريس والعروس وهل يكون قليلاً في أول الأمر ويكثر بعد الخطبة أم لا؟
الجواب
الحقيقة أن فتوى الشيخ الألباني عليه رحمة الله، وقال بهذه الفتوى بعض أهل العلم كذلك: أن الخاطب لا يكلم مخطوبته بل ولا يراسلها عن طريق الخطابات والبريد، ولا يكلمها في الهاتف.
هكذا سمعت الشيخ الألباني يشدد جداً في هذه القضية؛ لأن المخطوبة أجنبية.
الأمر الثاني: أنه لا يصار إلى مثل هذا حتى لو قلنا بأنه ليس حراماً بل إنه شبهة لمنع بعض أهل العلم لذلك، ومن الورع ترك الشبهات.
стр. 995
معنى قوله ﵊ (فإن في أعين الأنصار شيئاً)
السؤال
ما معنى قوله ﷺ : (فإن في أعين الأنصار شيئاً)؟
الجواب
قوله ﵊ (فإن في أعين الأنصار شيئاً) محل نزاع بين أهل العلم.
(شيئاً) أي: ضيقاً، ونقل أن شيئاً هنا هو الاتساع، واتساع عين المرأة دليل جمالها، إما أن تكون عين المرأة واسعة بمعنى جريئة، وهذا ذم، أو تكون عين المرأة واسعة من جهة الخلقة فهذا مدح.
стр. 996
الحكم على الأحاديث الواردة في قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة
السؤال
نرجو بيان الحديث الواردة في قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة.
الجواب
الحديث الوارد في قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة حسنه ابن تيمية في الفتاوى، والراجح أنه حديث حسن.
стр. 997
حكم قول (فلان ﵀
السؤال
نعلم أن من معتقد أهل السنة والجماعة أنا لا نقطع لأحد بجنة ولا بنار، فما حكم من قال: (فلان ﵀؟
الجواب
قولنا: فلان ﵀ يشعر أنه في الجنة، ونحن لا نزكي على الله أحداً وإنا لنرجو له الجنة، وإنا نحسبه في الجنة كذلك، لكن لا نستطيع أن نقطع لأحد بعد النبي ﵊ بجنة وكذلك ليس كل الصحابة مقطوعاً لهم الجنة، نحن نرجو الله أن يكون جميع الصحابة من أهل الجنة، لكن لا نشهد لأحد بالجنة قطعاً حتى من أصحابه ﵊ إلا من قطع له القرآن والسنة، فقولنا: فلان ﵀ من باب الدعاء لا الخبر.
وإلا فما يدريني أن الله تعالى قد رحمه، وبلا شك أن الورع عن هذه الألفاظ أولى، لكن أنا أريد أن أقول: إذا قيلت فالقصد منها الدعاء لا الخبر، والورع ترك ذلك؛ لأنك تقول: فلان شهيد، ومن المعلوم قطعاً أن الشهداء في الجنة إذا لم يأتوا ما يستوجب لهم النار كالغلول وغير ذلك من الأعمال التي تؤثر على الشهادة.
فلو قلنا: فلان شهيد وقطعنا له بالشهادة الحقة فكأننا نقول: فلان في الجنة، ونتألى على الله بهذا، فالأولى ترك هذه الألفاظ.
стр. 998
الأسباب المساعدة على اجتناب العادة السرية
السؤال
ما هي الأسباب التي تساعد على عدم فعل العادة السرية؟ وكيف يمكن التوبة منها؟
الجواب
يا أخي الكريم! لا بد أن تعلم أن الأمر دائماً يتعلق بطاعة الله أو بمعصيته، فكونك أدركت أن هذه معصية فهذا نصف العلاج، ولا بد أن تعلم أن المذهب الراجح في هذه القضية هو مذهب الشافعية أن الاستمناء أو العادة السرية أو اللعب بالقبل عند المرأة والرجل حرام، وهو أرجح المذاهب في هذه القضية، لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، أي: من فعل غير ذلك فهو معتد، ومعنى ﴿الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] أي: المعتدون الآثمون.
فالذي يترجح لدي: حرمة الاستمناء، والاستمناء في الغالب لا يأتي إلا في وقت غفلة، وفي وقت تسلط شهوة، وإنما يكون هذا تأثير الشيطان على العبد في حال معصيته لله وبعده عن قراءة القرآن والعلم ومصاحبة الخلان الذين يعينونه على طاعة الله وغير ذلك.
فلا بد لهذا العبد الذي يطلب التوبة النصوح أن يهتم بكتاب الله ، وأن يراجع نفسه دائماً في الحلال والحرام، وأن يخوف نفسه بآيات التخويف، وأن يقدم ذلك على باب الرجاء، بمعنى يغلبه على باب الرجاء ما دام واقعاً في هذه المعصية.
الأمر الثاني: ألا ينفرد قط؛ لأن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية، يتسلط الشيطان على الشارد عن الجماعة؛ ولذلك أحد العلاجات أنك دائماً تكون في صحبة إخوانك، وألا تتركهم إلا في وقت لا بد لك من تركهم، أما ما دامت الصحبة ممكنة فلا تفرط فيها قط، ثم هذه المجلات وهذه الجرائد القومية وإن شئت فقل: الجنسية فحذاري أن تخالطها أو تخالطك فنحن قد انتقلنا نقلة سوداء في عام واحد في تصوير العرايا والمومسات والعاهرات على صفحات الجرائد.
تصور لو أن شاباً في ريعان شبابه وثوران شهوته يغلق على نفسه باب مكتبه أو غرفته ثم هو معه من هذه المجلات، مجلة الكواكب ومجلة حواء وغيرها، فينظر في صورة هذه المرأة، وفي صورة هذه المرأة، وفي صورة هذه المرأة، فلابد أن شهوته تثور وتفور فيقع في المحظور، فالعبد لا يقتني هذا، وإن كان لابد له من قراءة هذه الجرائد لحاجة فليقرأ خارج بيته أو في بيته ثم يستغني عنها فوراً بالحرق أو الرمي أو غير ذلك، أما أن يحتفظ بها في مكانه الذي يأمن أنها في مكان معين يرجع إليها إذا اشتهى إلى هذه الصورة فإن هذا باب عظيم جداً من أبواب الشر.
نكتفي بهذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 999
شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - أدعية وأذكار الكرب
لقد ربطت الشريعة المسلم بدينه في كل أمور حياته وسائر حركاته، وجعلت لكل شأن من شئونه ذكراً يتعبد به المسلم لله ، لتظل حياته كلها مرتبطة بالله ، ومن ذلك ما جاءت به من أذكار يقولها إذا أصابه كرب أو هم أو حزن، وأذكار يقولها إذا أكل أو شرب أو أخذ مضجعه.
стр. 1000
باب استحباب الدعاء عند صياح الديك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الباب العشرون من كتاب الذكر والدعاء: (باب: استحباب الدعاء عند صياح الديك).
أي: حين يصيح الديكة.
стр. 1001
شرح حديث: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني قتيبة بن سعيد].
وهو ثقفي، وثقيف في الطائف، ولكنه رحل إلى مصر والبصرة والكوفة وبغداد وغيرها من سائر البلدان.
قال: [حدثنا ليث]-وهو الليث بن سعد الفهمي، الإمام الكبير المصري- عن جعفر بن ربيعة]، وهو جفعر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي، أبو شرحبيل المصري، وقد كان إماماً من أئمة المصريين.
والليث وجعفر كلاهما مصري، وتلميذ الليث ثقفي، والأعرج وأبو هريرة مدنيان.
والليث شهرته وسمعته فاقتا كل حد، وهما فوق كل تعريف، وأما جعفر بن ربيعة فهو وإن كان من أجلة علماء الحديث والفقه والعبادة كذلك، ومن المشهورين بالزهد إلا أن أحداً لا يعرف عنه شيئاً، وكثيراً ما يمر القارئ في كتب التراجم بأئمة لا يقلوا في العلم والورع والفضل عن أحمد بن حنبل ولا الشافعي ولا مالك ولا أبي حنيفة، وهم مع هذا مغمورون جداً حتى عند طلاب علم الحديث والمطلعين في كتب التراجم، وهذا بلا شك تفريط شديد جداً في حق أئمة العلم.
وأنا أقترح أن ينشط طلاب العلم لإعداد بحث في أهل العلم من المحدثين الذين هم من أهل مصر أو وفدوا إليها، وليكن على الأقل ممن له رواية في الكتب الستة؛ حتى لا يخرجوا عن الكتب التي ترجمت لأصحاب الكتب الستة، وإلا فالذين نزلوا مصر والذي هم أهلها آلاف العلماء على مر التاريخ، ولو جعلنا البحث متعلقاً بتراجم أو برواة الكتب الستة فقط وإلى نهاية عصر التدوين -أي: نهاية القرن الرابع الهجري- لكان ذلك عملاً جيداً جداً ومفيداً خاصة لأهل مصر، وهذا ليس من باب التعصب لعلماء مصر ولا لمصر، وإنما هو من باب التعرف على علماء بلادنا قبل غيرهم.
وجعفر بن ربيعة يروي عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، [عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطاناً)].
إذاً: العلة أن الديكة إذا صاحت فإنما تصيح لأنها رأت ملكاً، فالدعاء حينئذ مستجاب؛ لأن الملائكة تؤمن على دعاء الداعي، فإذا سمعت الديك يصيح فاسأل الله تعالى من فضله، فإما أن تقول: اللهم إني أسألك من فضلك، وإما أن تسأل الله تعالى بمطلق الدعاء من فضله ، فإن فعلت ذلك أمن الملك الذي رآه الديك على دعائك، وهذا هو معنى قوله: (فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكاً).
قال: (قال: القاضي عياض: سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء) والحالة هذه (واستغفارهم وشهادتهم بالتضرع والإخلاص).
أي: شهادة الملائكة عند الله في ضراعة هذا العبد وإخلاصه لله .
قال: (وفي هذا الحديث استحباب الدعاء عند حضور الصالحين والتبرك بهم).
ونحن دائماً نعلق على قول الإمام النووي في استحباب التبرك بآثار الصالحين: أن هذه المسألة محل خلاف ونزاع قديم بين أهل العلم، والذي أجمع عليه العلماء: استحباب التبرك بالنبي ﵊ وآثاره حياً وميتاً، وأما التبرك بذات النبي ﵊ بعد موته فشرك بالله العظيم، وأما التبرك بآثار الصالحين فإن بعض أهل العلم أجاز ذلك قياساً على التبرك بالنبي ﵊، وقالوا: إنما أجزنا ذلك لأنه عبد صالح.
وجمهور أهل السنة والجماعة على ترك التبرك بآثار الصالحين؛ لأنه ذريعة إلى الدخول في الشرك، كما أنه افتئات على الله في نسبة هذا العبد إلى الصلاح، وصلاح العبد لا يعلمه إلا الله ، والمقطوع بصلاحهم هم الأنبياء والمرسلون، فمنعوا التبرك حتى بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والمشهود لهم بالجنة من أصحابه ﵊؛ سداً للذريعة.
وهنا شبهة يمكن أن تثار، وهي: إذا كان الرسول ﵊ مقطوعاً بصلاحه فكذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغير ذلك ممن شهد لهم القرآن والسنة بدخول الجنة، وعلى هذا فيشرع التوسل بهم.
والجواب عند أهل السنة: أن هذا الباب قد سد بعد النبي ﵊؛ حتى لا يكون ذريعة للشرك.
أي: الوقوع في الشرك.
فهذه الجملة عند الحافظ النووي محل نظر عند أهل السنة.
стр. 1002
باب دعاء الكرب
الباب الحادي والعشرون: (باب دعاء الكرب).
يعني: إذا وقع الإنسان في كرب أو هم أو غم أو غير ذلك مما يؤثر على نفسه وبدنه وقلبه يستحب له أن يدعو بأدعية كثيرة منها: أن النبي ﵊ كان يقول: (إذا حزب أحدكم أمر أو إذا نزل بأحدكم الهم -وفي رواية: الغم- فليقل: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وذهاب همي وحزني -وفي رواية: وذهاب همي وغمي- إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحاً).
وهذا حديث عظيم جداً، وجليل القدر، وفيه حكم عظيمة وفوائد جمة.
стр. 1003
شرح حديث: (أن النبي كان يقول إذا أصابه كرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -الملقب بـ بندار - وعبيد الله بن سعيد].
وهو ابن يحيى اليشكري، أبو قدامة السرخسي.
وبعض الطلاب ينطقها السرْخَسي، والأصل فيها السرَخْسي؛ لأن البلد اسمها سرَخْس، وليس سرْخَس، وإليها ينسب الإمام السرَخْسي، الإمام الكبير، وهو علم من أعلام الفقه الحنفي، وله كتاب عظيم جداً ضخم في المذهب الحنفي في الفقه اسمه (المبسوط).
[قالوا جميعاً: حدثنا معاذ بن هشام].
وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وليس لـ هشام بن عروة ولد يسمى معاذاً، وإنما إذا ذكر معاذ بن هشام فهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وأصله فارسي ولكنه نزل بغداد.
[قال: حدثني أبي -وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - عن قتادة - وهو ابن دعامة السدوسي البصري -عن أبي العالية] وهو رفيع بن مهران الرياحي، معروف بكنيته أبو العالية الرياحي، وقد كان من أئمة العلم والزهد كذلك [عن ابن عباس ﵄ أن نبي الله ﷺ كان يقول عند الكرب -أي: إذا أصابه كرب أو غم أو هم-: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم)].
وقد كان ابن عباس يعجب أشد العجب من هذا الدعاء، ويوصي به دائماً، وهو الذي رواه عن النبي ﵊.
قال الإمام النووي: (وهو حديث جليل ينبغي الاعتناء به).
أي: ينبغي على كل مسلم أن يحفظه، وأن يدعو به إذا نزل به الكرب أو الهم أو الغم، وما أكثره خاصة في هذا الزمان.
قال: (والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة).
أي: يسن ويستحب لك أن تكرره دائماً حتى يزول هذا الكرب وينكشف الغم.
قال: (قال الطبري: كان السلف يدعون به -يعني: كان السلف يهتمون اهتماماً عظيماً جداً بهذا الدعاء- ويسمونه دعاء الكرب -أي: الدعاء الذي يزيل الكرب- فإن قيل: هذا ذكر وليس فيه دعاء).
لأن الدعاء عبارة عن طلب، مثل: اللهم اكشف كربي وأزل همي وغمي وغير ذلك، وأما هذا فهو ذكر لله تعالى، فكيف نفهم أنه دعاء؟ قال الإمام النووي: (فجوابه من وجهين: أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء).
يعني: اجعل هذا الذكر دائماً في مقدمة دعائك، فإذا أردت أن تدعو الله أن يكشف عنك الهم والحزن فقدم بين يدي طلبك ودعائك هذا الذكر لله تعالى، وكأن هذا الذكر هو مفتاح الدعاء الذي إذا قدمته على الدعاء تقبل الله تعالى دعاءك.
قال: (ثم يدعو بما شاء).
(والثاني: جواب سفيان بن عيينة أنه قال: أما علمت قول الله تعالى في الحديث القدسي: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل مما أعطي السائلين)).
يعني: لو أن العبد انشغل بذكر الله تعالى ولم ينشغل بالطلب والدعاء فهذا أولى وأفضل.
ولكن هذا الحديث ضعيف، فيسلم لنا من هذين الوجهين الوجه الأول، وهو أن هذا الحديث إنما حثنا ودلنا على ذكر ولم يدلنا على دعاء، وجوابه عند الإمام النووي وغيره من أهل العلم: أن هذا وإن كان ذكراً إلا أنه كالمفتاح لدعائك الله تعالى برفع الهم وإزالة الغم وتفريج الكربات التي نزلت بك، فعلى الإنسان أن يقدم بين يدي دعائه هذا الذكر.
قال: (وقال الشاعر: إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء) يعني: إذا ذكر المرء الله تعالى في يوم فإن هذا الثناء والذكر لله تعالى يغنيه عن طلب الدعاء أو عن طلب تفريج الهم والغم.
стр. 1004
لطيفة حديثية وإسنادية في حديث ابن عباس فيما يقال عند الكرب
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام -وهو هشام الدستوائي - عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس].
فالراوي في الإسناد الأول عن هشام هو معاذ.
وفي الإسناد الثاني: وكيع.
وحديث معاذ عن هشام أتم، فهو قد ذكر الرواية تامة كاملة.
وأما طريق وكيع فربما يكون قد ذكر جزءاً واحداً من الحديث أو جزئين أو ثلاثة.
[(ح) وحدثنا عبد بن حميد]، وهو عبد الحميد، ولقبه عبد.
[أخبرنا محمد بن بشر العبدي حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة].
وسعيد معروف بالرواية عن قتادة، وهو من أوثق الناس فيه، وإذا قيل: سعيد عن قتادة فهو ابن أبي عروبة، بفتح العين لا بضمها.
[أن أبا العالية الرياحي حدثهم عن ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهن)].
والضمير هنا يعود على هذه الدعوات السابقات، فقد كان يقولهن عند الكرب.
[فذكره بمثل حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة، غير أنه قال: (رب السماوات والأرض)].
يعني: ولم يذكر كلمة رب الأرض، وإنما ذكر الأرض وعطفها على السماء.
يقول العلماء: إن تعداد الأحاديث بلغ أكثر من (١.
٢٠٠.
٠٠٠)، مع أن كتب السنة كلها التي دونت الأحاديث لم تذكر هذا العدد الهائل، وإنما كانوا يعدون اختلاف الطرق التي روي بها الحديث، فلو أخذنا مثلاً حديث: (إنما الأعمال بالنيات) نجد أنه رواه عمر بن الخطاب ﵁، ورواه عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، ورواه عن الليثي محمد بن إبراهيم التيمي، ورواه عن التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، فكل واحد منهم تفرد في طبقة، ثم حصل التواتر في الطبقة الخامسة من الإسناد، فرواه عن يحيى بن سعيد (٢٠٠) وقيل: (٧٠٠).
كما قال الحافظ ابن حجر، وقد صح من مائتي طريق، فهي مائتي حديث؛ لأن النظر دائماً باعتبار الطرق وليس باعتبار المتن، ولذلك فأرجح الأقوال في تعداد أحاديث البخاري ومسلم أنها سبعة آلاف، مع أن المتون لا تعدوا كونها ثلاثة آلاف، ولكنها باعتبار اختلاف الطرق تبلغ سبعة آلاف.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: كنا نمر بالرجل يحفظ (٢٠.
٠٠٠) حديث لا نلقي له بالاً، مع أن البخاري كله (٤٠٠٠) حديث أو (٣٠٠٠) حديث، وهذا الذي يحفظ (٢٠.
٠٠٠) حديث قد يكون للحديث الواحد (١٠٠) طريق أو (٢٠٠) طريق أو أكثر من ذلك، فيكون (٢٠.
٠٠٠) حديثاً عبارة عن (٢٠٠) إلى (٣٠٠) حديث، وهذا لا يساوي شيئاً بجوار أحمد بن حنبل الذي كان يحفظ (٢.
٠٠٠.
٠٠٠) حديث.
وابن عباس هنا يروي عنه أبو العالية، وعنه قتادة، ويروي عن قتادة في الإسناد الأول والثاني هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وفي الإسناد الثالث سعيد بن أبي عروبة، ورواه عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي اثنان: ولده معاذ ووكيع.
إذاً: هذا الحديث أخرجه مسلم من طريقين: الأولى: عن هشام عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس.
والثانية تابع فيها هشاماً سعيد بن أبي عروبة.
[حدثنا محمد بن حاتم حدثنا بهز] وهناك بهز بن حكيم بن معاوية، وهو متقدم عن بهز هذا، فالأول هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده، وجده صحابي، وأما هذا الذي يذكر في طبقة شيوخ شيوخ مسلم فهو بهز بن أسد العمي -[قال: حدثنا محمد بن سلمة أخبرني يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي العالية عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر)].
يعني: ألم به ونزل به أمر.
أي: مصيبة أو غم أو كرب.
[فذكر بمثل حديث معاذ عن أبيه، وزاد معهن: (لا إله إلا الله رب العرش الكريم)] فأحاديث رفع الكرب وردت في صحيحي البخاري ومسلم.
وفي صحيح مسلم ورد الحديث من طريق ابن
стр. 1005
باب فضل سبحان الله وبحمده
الباب الثاني والعشرون: (باب: فضل سبحان الله وبحمده).
стр. 1006
شرح حديث: (أي الكلام أفضل)
قال: [حدثنا زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا حبان بن هلال -بفتح الحاء، وهو أبو حبيب البصري - حدثنا وهيب -وهو ابن خالد بن عجلان البصري - حدثنا سعيد الجريري -وهو سعيد بن إياس أبو مسعود البصري - عن أبي عبد الله الجِسري -وهو إما بفتح الجيم أو كسرها- واسمه حمير بن بشير، وهو مشهور بكنيته ونسبته دون اسمه، عن ابن الصامت -وهو عبد الله بن الصامت - عن أبي ذر الغفاري].
وعبد الله بن الصامت غفاري من غفار، وهي قرية من قرى الشام، وكذلك أبو ذر، وكان أبو ذر من أئمة الشام في زمانه.
[أن رسول الله ﷺ سئل: (أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده)] أي: أفضل الكلام هو الذي اصطفاه الله تعالى لملائكته أو لعباده، وهو سبحان الله وبحمده، وبلا شك أنه لو تلا القرآن فالقرآن خير وأحب إلى الله تعالى؛ لأنه كلامه .
إذاً: فقوله ﵊ لما سئل عن أحب الكلام إلى الله؟ قال: (ما اصطفاه الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده) محمول على كلام العبد.
يعني: أعظم وأفضل كلام يتكلم به العبد من عند نفسه التسبيح والتهليل لله ، وأن يقول: سبحان الله وبحمده، ولكن لو قرأ القرآن لكان أفضل.
والرأي الثاني: أن قراءة القرآن مطلوب التعبد بها وتلاوتها في أوقات معينة، أو في أوقات مخصوصة، وأما تنزيه العبد لربه وتسبيحه وتحميده فذلك في كل وقت، كما قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].
فالصلاة لها وقت، وهو أحب الأوقات إلى الله .
وقد أخرج أبو داود أن النبي ﵊ قال: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر).
لأن هذا وقتها.
والعمل المباح ربما يكون واجباً، فالعمل للتكسب والمعاش وغيرهما مباح، وربما يكون واجباً، وهو بلا شك واجب إذا قورن بضياع النفس ومن يعول.
ومع اعتقادنا بأن العمل مشروع ومباح وربما يكون واجباً لكن وجوب العمل لا يدعو إلى ترك الصلاة، فإذا سمع النداء فلا بد أن يعلم أن ما بعد النداء تابع لعبادة أخرى، فلا بد أن نفرق بين العبادات، فوقت عبادة العمل تنتهي بدخول الوقت في الصلاة، وإذا فرغنا من الصلاة دخلنا في عبادة أخرى، وهي العمل، فلكل وقته، ولذلك قال الإمام النووي: (أما قوله: (أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده)، وفي رواية: (أفضل الكلام) هذا محمول على كلام الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل، وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل).
يعني: أن النبي ﵊ سن لنا في أدبار الصلوات أدعية لندعو بها، فالأفضل في هذا الوقت أن ندعو بهذه الأدعية؛ لأن هذا وقتها الذي شرعت له.
قال: (وكذلك كل ما عين له الشرع وقتاً أو حالاً معيناً).
وكذلك أذكار الصباح، فإذا فرغت من أذكار الصباح فاقرأ القرآن، ولا تقدم القرآن على أذكار الصباح؛ لأن هذا وقتها أيضاً.
стр. 1007
شرح حديث: (إن أحب الكلام إلى الله: (سبحان الله وبحمده)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن أبي بكير الكوفي الكرماني عن شعبة عن الجريري -وهو سعيد بن إياس - عن أبي عبد الله الجَسري أو الجِِسري.
وعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: (قلت: يا رسول الله! أخبرني بأحب الكلام إلى الله؟ فقال: إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده)].
ففي الإسناد الأول قال: (سئل النبي ﵊، وهذا السائل هو أبو ذر بدليل أن الرواية الثانية صرحت أنه قال: عن أبي ذر قال: (قلت: يا رسول الله! أخبرني بأحب الكلام إلى الله)، يعني: هو السائل ﵁ (فقال: إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده).
و (سبحان): لفظ يفيد التنزيه، والله تعالى منزه عن جميع النقائص، ومتصف بجميع صفات الكمال والجلال .
стр. 1008
باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب
الباب الثالث والعشرون: (باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب).
أي: في غيبة المدعو له، بحيث لا يسمع الدعاء، وظهر الغيب لا يتحقق إذا كان غيره يسمع، بل لابد أن تدعو له سراً ولا يسمع أحد لا المدعو له ولا غيره، على خلاف بين أهل العلم، والراجح أن الدعاء لأخيك في ظهر الغيب.
أي: في غيبته وإن شهد الدعاء آخرون.
стр. 1009
شرح حديث: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب)
قال: [حدثني أحمد بن عمر بن حفص الوكيعي حدثنا محمد بن فضيل -وهو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي - حدثنا أبي -وهو فضيل - عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أم الدرداء] وهذه هي أم الدرداء الأوصابية، واسمها جهيمة وقيل: هجيمة، إما بتقديم الجيم أو بتقديم الهاء.
[عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثله)].
يعني: يقيض الله ملكاً من ملائكته عند رأس الداعي إذا دعا لأخيه بظهر الغيب -وهذا شرط- لأنه أبلغ في الإخلاص والتجرد، ومن أغلق عليه بابه ثم دعا لإخوانه واستغفر لهم فلا شك أن هذا مبعثه الحب في الله والإخلاص لهذا المدعو له، ولما كان الجزاء من جنس العمل، فإن الله يكافئه بأن يقيض له ملكاً من ملائكة السماء يقول: ولك مثله.
ولما علم السلف رحمهم الله تعالى ورضي عنهم قيمة هذا الدعاء انشغلوا به جداً، وكان الواحد منهم إذا أراد لنفسه شيئاً دعا بهذا الشيء لإخوانه؛ حتى يؤمن الملك على ذلك، ثم يجعل له حظاً مثل حظ إخوانه، فكان الواحد -مثلاً- إذا أراد الزواج دعا في ظهر الغيب: اللهم زوج أخي.
حتى يقول الملك: آمين ولك بمثله.
وإذا كان بحاجة إلى شيء ما دعا لإخوانه بهذا الشيء في ظهر الغيب؛ حتى يقيض الله تعالى له ملكاً يقول: آمين ولك بمثله.
وهذا احتيال مشروع، أو هو شدة الإلحاح على الله بجميع الطرق، فبعد أن دعا لنفسه مباشرة ولم ير نتيجة فإنه يدعو لإخوانه، ثم إن الملك الذي وعد به النبي ﵊ يقيض ويقول: آمين ولك بمثله.
أي: استجيب الدعاء لأخيك في ظهر الغيب وسيرد إليك.
وهذا الدعاء إذا دعوت لرجل واحد، أو لجماعة من المسلمين، أو للمسلمين عامة؛ لأن كل فرد من المسلمين هو أخ لك، والحديث يقول: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه).
وسواء كان هذا لفرد أو جماعة، فالأمة كلها إخوة، وكما في الحديث: (وكونوا عباد الله إخوانا).
والأمر هنا لكل مسلم.
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا النضر بن شميل حدثنا موسى بن سروان المعلم حدثنا طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: حدثتني أم الدرداء قالت: حدثني سيدي]، وسيدها زوجها أبو الدرداء، والسيد في اللغة هو البعل والزوج، وهو الحر، ولما تقرأ في ترجمة أم الدرداء تجد أنها ما كانت تقول قط لزوجها إلا يا سيدي، وهذا الأمر ليس عجيباً، وخاصة إذا كان من امرأة متربية مؤدبة، ومن بيت محترم، وقد كان عندنا إلى قبل زمن قريب كل زوجة تقول لزوجها: يا سيد فلان، وإذا نادته باسمه كسر رأسها؛ لأن هذه حقوق مستقرة، وتعارف عليها الناس.
وأما هذا الوقت فإن الواحد مضطر لأن يقول لامرأته: سيدة فلانة! وإلا اشتكت به، وقالت: إنه يهينها إذا ناداها باسمها، مع أنها تناديه باسمه، وتقول: إن هذا ترخيم، أي: أن هذا ترخيم له عندما تناديه باسمه، وإذا كان اسمه بطيخ مثلاً فإنها تناديه: يا بطيخ! أمام الناس كلهم.
[قالت -أي: أم الدرداء - حدثني سيدي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله)].
وكلمة (الموكل به) فيها إشكالية، وهي هل هذا الملك الموكل بهذا الشخص يمشي معه دائماً في حله وترحاله وفي خلوته وجلوته وإلا هو ملك مخصوص ينزل للدعاء أو حين الدعاء؟ القول فيه على مذهبين عند أهل العلم، والراجح: أنه الملك الموكل.
أي: المصاحب للعبد دائماً.
стр. 1010
شرح حديث: (دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة)
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي الزبير عن صفوان بن عبد الله بن صفوان وكانت تحته أم الدرداء قال: (قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟)] يعني: تريد أن تذهب إلى الحج هذا العام؟ [(فقلت: نعم.
قالت: فادعو الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله)].
وفي قول صفوان: (أتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟) جواز محادثة النساء للرجال والرجال للنساء بشرطين: إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وأمنت الفتنة.
وهنا لا يوجد فتنة بين صفوان وأم الدرداء سيدة نساء الشام في زهدها وورعها وعبادتها، بل هي التي سألته، وقالت: (أتريد الحج العام؟ قال: نعم.
قالت: فادعو الله لنا بخير).
وفي هذا جواز طلب الدعاء من الأخ المسلم؛ لأن بعض الإخوة المتنطعين يقول: إن قول النبي ﵊ لـ عمر بن الخطاب الذي أخرجه أبو داود في سننه: (فادع الله لنا يا أخي!) أو (لا تنسنا من دعائك يا أخي!) ضعيف وما دام ضعيفاً لا نعمل به، مع أن المسألة فيها عشرات الأحاديث، وعلى ذلك استقر عمل السلف في دعوة بعضهم لبعض وبطلب بعضهم من بعض الدعاء.
فهذه أم الدرداء الفقيهة امرأة الفقيه تطلب الدعاء من صفوان بن عبد الله وتقول له: (فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة).
وهذا يدل على فضل الدعاء في ظهر الغيب، وأنه مستجاب، (وأن الله تعالى يوكل به ملكاً عند رأسه كلما دعا لأخيه بخير) والدعاء موصوف بأنه دعاء بالخير لا بالشر ولا قطيعة الرحم [(قال صفوان: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي ﵊].
يعني: نفس الكلام الذي قالته أم الدرداء في البيت قاله أبو الدرداء في السوق لـ صفوان.
وهذا يدل على أن السلف كانت حياتهم كلها واحدة، وكانوا يُعمِلون النصوص في كل موطن، ولا يفرطون في شيء من ذلك.
[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن عبد الملك بن أبي سليمان بهذا الإسناد مثله.
وقال: عن صفوان بن عبد الله بن صفوان].
стр. 1011
باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب
الباب الرابع والعشرون: (باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب).
يعني: أنه ليس واجباً، وإنما هو مستحب.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير قالا: حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - ومحمد بن بشر العبدي عن زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة] وهو ابن أبي بردة الأشعري.
يعني: جده أبو موسى الأشعري [عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)].
يعني: إذا أكلت أكلة عظيمة جداً شهية على مائدة وسفرة رائعة فإن الله ﵎ يرضى منك أن تقول: الحمد لله.
فقط، وهذا من كرم ربنا الذي لا حد له، فإذا جلست على المائدة حتى امتلأ بطنك تماماً وعجزت عن الأكل حيث أنك لا تجد له مسلكاً، وإن كنت لا تتناول من كل صنف إلا لقمة واحدة لكثرة الأصناف فإن الله تعالى يرضى منك بكلمة تؤدي بها شكر هذه النعمة، وهي قولك: (الحمد لله).
وجاء في صحيح البخاري صيغة هذا الحمد أنه قال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغن عنه ربنا).
وجاءت صفات وصيغ غير هذا للحمد بعد الطعام والشراب.
стр. 1012
باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل
الباب الخامس والعشرون: (باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل).
يعني: يستعجل ويستبطئ الإجابة.
فمثلاً لو أن شخصاً يدعو على مدار السنة: يا رب! نجحني وهو لا يذاكر، ثم رسب، ثم لم يدعو في السنة التي بعدها وقال: قد دعوت مدة السنة ومع هذا رسبت فنقول له: إنك لم تأت بالسبب الذي يبلغك النجاح، وحتى لو أتى بالسبب ولم يقدر له النجاح فهذا من القدر الذي يجب على هذا العبد أن يؤمن به، وأن يحمد الله تعالى عليه في السراء والضراء، وإذا أصابته الضراء وقد اتخذ لها الأسباب فينبغي عليه أن يحمد الله تعالى.
قال: حدثنا [يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف -واسمه سعد بن عبيد الزهري - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلا -أو- فلم يستجب لي)].
وقد قلنا: إن الدعاء قد يكون عبادة محضة؛ لأن الدعاء هو العبادة.
يعني: أنه باب عظيم جداً من أبواب العبادة، حتى وإن كان الإنسان لا يريد أن يسأل، فيسأل في حال معين أو في وقت معين فيدعو في هذا الوقت إظهاراً للعبودية، وإن لم يكن له حاجة في هذا التوقيت بالذات، فإذا دعا في توقيت ليس له فيه مصلحة معينة مع خلو ذهنه وعدم انشغال قلبه بشيء معين فإن هذا الدعاء يكون محض العبادة، وهي صورة ظاهرة جداً في عبادة النبي ﵊، والعباد أحوج الخلق إلى طلب الحاجات من الله في كل وقت وحين.
[حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي] وهؤلاء ثلاثة مصريون متتابعون، عبد الملك وشعيب والليث، فـ عبد الملك يروي عن أبيه عن جده [قال: حدثني عقيل، وعقيل نزل مصر.
وقدم قدم أحد إخواننا خطة بحث لرسالة الدكتوراة في جامعة الأزهر، كلية أصول الدين، قسم الحديث في الرواة المصريين، والمادة طويلة، فهي تزيد عن (١٥٠٠) ورقة تلسكاب، فإذا نشط أحدكم للبحث فسأدفع له خطط البحث التي قدمها هذا الباحث في الدكتوراة إلى جامعة الأزهر، والعجيب أن جامعة الأزهر رفضت هذا، ولم تبد أسباباً، مع أن أحداً لم يتعرض لهذا إلا الإمام السيوطي فله كتاب في مجلدين، ذكر فيه الصحابة المصريين والذين نزلوا مصر.
[عن ابن شهاب أنه قال: حدثني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، وكان من القراء وأهل الفقه -فمع أنه مولى إلا أنه كان فقيهاً قارئاً للقرآن الكريم- قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي)].
стр. 1013
شرح حديث: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم)
قال: [وحدثنا أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب]، وأبو الطاهر مصري، وكذلك ابن وهب مصري.
[أخبرني معاوية بن صالح -ومعاوية نزل مصر - عن ربيعة بن يزيد الدمشقي]، ويمكن أن يدخل في هذا البحث أهل دمشق باعتبار أن الشام ومصر كانوا دولة واحدة قبل أن يصبحوا دولتين.
[عن أبي إدريس الخولاني -وهو عائذ الله بن عبد الله، عالم الشام بعد أبي الدرداء - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)].
فمن موانع إجابة الدعاء: أن يدعو العبد بإثم أو قطيعة رحم، وهذا مشروط بألا يكون العبد الذي هو الداعي مظلوماً، فإن كان مظلوماً ودعا بإثم على المدعو عليه استجيب له.
فلو دعا مثلاً: يا رب! احرم فلان هذا العلم، وارزقنيه بدلاً منه في الدعاء، ولو كان هذا الداعي من أهل العبادة والورع، فهذا الدعاء لا يستجاب، بل يأثم به الداعي.
ولكن لو كان مظلوماً في مظلمة معينة عند فلان أو عند فلانة فقال: اللهم إن كنت تعلم أن حقي عنده أو عندها فافعل بها كيت وكيت وكيت، ويدعو عليها أو يدعو عليه، فهذا بلا شك دعاء مستجاب؛ لأن هذا دعاء المظلوم حتى وإن كان كافراً.
قال: [(لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعو بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستجعل.
قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: تقول: قد دعوت، قد دعوت، فلم أر يستجيب لي).
أي: فلم أر الله تعالى يستجيب لي.
(فيستحسر عند ذلك).
ومعنى يستحسر: ينقطع عن الدعاء، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩].
أي: لا يملون ولا ينقطعون عن العبادة.
قال: [(فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)].
والمتعدي في الدعاء يأثم بالتعدي، ولا يوجد دليل يقول: إنه ينقلب عليه، وإنما الدليل قائم على أنه يأثم بذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1014
الأسئلة
стр. 1015
نصيحة لطالب العلم المبتدئ
السؤال
بماذا تنصح طالب علم الحديث المبتدئ؟
الجواب
أنصح إخواني جميعاً لا بطلب الحديث فحسب، ولا القرآن فحسب، ولا العقيدة فحسب: أن يقطفوا من كل بستان زهرة، خاصة بعد التقدم في السن، فإن الشخص قد يطلب الحديث مدة (١٠) سنين أو (١٥) أو سنة وعمره (٥٠) سنة ثم أنه يحفظ شيئاً من القرآن الكريم، ولا يعرف شيئاً من العقيدة الصحيحة ولا غير ذلك، ولذلك أنصح إخواني بالدراسة في أي معهد من معاهد إعداد الدعاة المعتبر؛ حتى يتسنى له أن يطلب العلوم كلها.
وهذا الكلام لمن لم يكن له طريق في طلب العلم الشرعي.
стр. 1016
حكم الاستمناء في نهار رمضان
السؤال
ما حكم من استمنى متعمداً في نهار رمضان؟ وما كفارته؟
الجواب
هذا حرام، والاستمناء عموماً حرام، وهو في نهار رمضان أشد حرمة، فيجب على هذا المستمني أن يصوم يوماً مكان هذا اليوم، ويتوب إلى الله من هذه الفعلة الشنعاء.
стр. 1017
حكم أكل الميتة من البهائم
السؤال
هل يجوز أكل ما مات من البهائم بعد موته؟ وهل له مدة معينة بعد موته، وهل يكون هذا من الميتة؟
الجواب
هذا من الميتة، ولا يجوز لك أن تأكل منه شيئاً، لا كثيراً ولا قليلاً، لا بعد موته مباشرة ولا بزمن، وسواء طال الزمن أم قصر؛ لأن هذا ميتة، إلا إذا كنت تقصد بالموت الذبح.
стр. 1018
حكم الاستنجاء للوضوء
السؤال
في أثناء الصلاة أخرجت ريحاً أو أحدثت فذهبت وتوضأت مرة ثانية ولم أدخل الحمام، هل علي إثم في ذلك؟
الجواب
لا، ليس عليك إثم، ولا يلزمك استعمال الماء، وفي حديث أبي هريرة: (أن النبي ﵊ أمر بالوضوء من الحدث.
قيل: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط).
فليزمه أن يتوضأ ولا يلزمه غسل دبره بالماء.
стр. 1019
حكم الصلاة خلف من يعمل في شركة دخان، وحكم الأكل من طعامه
السؤال
هل يجوز الصلاة وراء إمام يعمل في شركة الدخان؟
الجواب
يجوز ذلك؛ لأن عمله لا علاقة له بإمامته في الصلاة، وإن كنا نكره له ذلك، وننصحه بترك العمل في هذا المجال.
مداخلة: ولو دعاهم إلى العقيقة؟ الشيخ: إذا كان له مال آخر غير ماله الذي يتقاضاه من الشركة فمن شاء ذهب ومن لم يشأ لم يذهب.
стр. 1020
حكم اشتراط ولي المرأة على الزوج عدم انتقاد الزوجة
السؤال
هل يجوز لأبي البنت أن يأخذ علي ورقة بعدم انتقاد ابنته بعد الزواج؟
الجواب
إذا أراد ذلك وتعسر الزواج وكانت البنت من أهل الصلاح فلا بأس أن يعطيه الورقة، ولو خالفها بعد الزواج فهذا الإلزام لا عبرة به في الشرع أبداً، وإذا تزوج فهو حر في بيته، بل هو صاحب الولاية المطلقة على المرأة، وليس عليه إثم.
следующие страницы →