Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ما أصاب قريش من قحط وبلاء بسبب عنادهم
ثم قال: [(إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدباراً)].
أي: لما رأى من كفار قريش إدباراً وإعراضاً وجحوداً، بل واستهزاءً بهذه الدعوة، وسباً لصاحبها ﵊ بقولهم: إنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مجنون، فلما رأى منهم ذلك [قال: (اللهم سبع كسبع يوسف)].
أي: أرسل على قريش سبع سنين جدب وقحط يهلكوا فيها كما هلك أهل مصر في زمن يوسف ﵇ بهذه السبع السنوات العجاف القحط.
قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء)]، فدعاء الأنبياء مستجاب، والسنة بمعنى: الجدب والقحط، وحصت كل شيء أي: استأصلت كل شيء، لم يعد عندهم خير حتى كانوا يأكلون أبعار البهائم، ويأكلون العظام والخشب، ويأكلون جلود الأسماك إذا جفت، وهذا من شدة ما نزل بهم من قحط وجدب، حتى أكلوا التراب الذي تحت أرجلهم.
قال: [(فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان)] أي: ينظر أحدهم إلى السماء فمن فرط الجهد والتعب والجوع يرون وكأن السماء قد امتلأت دخاناً، وهي ليست كذلك.
ولذلك جاء في الرواية أنه قال: (فيرى كهيئة الدخان) ولم يقل: رأى الدخان، يعني: يخيل إلى أحدهم أن السحابة التي فوقه هي عبارة عن دخان، وهذا أمر يراه الواحد منا إذا جهد وتعب تعباً شديداً وشق ذلك عليه، فإذا نظر إلى السماء ربما يرى الأمر كما نقول نحن: خمسات وعشرات.
فكان ينظر أحدهم إلى السماء وكأنها مليئة بالدخان، فهذه الحالة إنما أصابت قريشاً بسبب الجهد والجوع الذي نزل بهم، وليس بلازم أن هذا التخيل والتهيء والتصور الذي يراه أحدهم وهو الدخان في السماء أن تكون السماء فيها دخان حقيقة.
قال: [(فأتاه أبو سفيان -وكان كافراً في ذلك الوقت- فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم -أي: فادع الله أن يمطر السماء عليهم- قال الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١ - ١٢] إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أفيكشف عذاب الآخرة؟)].
أي: أن عبد الله بن مسعود يسألهم سؤال استنكار فيقول لهم: إن الدخان هذا ليس دخان الآخرة، وإنما هو الدخان الذي أصاب قريشاً، بدليل قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١١].
وهذا يشمل جميع الناس ولا يشمل واحداً بعينه، فيقول: لا يمكن في يوم القيامة إذا أنزل الله عذاباً أن يكشفه، والآية أثبتت أنه يكشف العذاب قليلاً، فهذا لا يكون يوم القيامة، وإنما هذا يدل على أن الدخان الذي أصاب قريشاً هو المعني في سورة الدخان.
قال: [﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦]، فالبطشة الكبرى يوم بدر، قال: وقد مرت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم].
واللزام هو ملازمة العذاب للكافرين، وآية الروم هي آية غلبت الروم.
стр. 1087
أنواع تفسير القرآن
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع، وحدثني أبو سعيد الأشج أخبرنا وكيع، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير كلهم عن الأعمش.
وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح -وهو المعروف في الرواية الأولى: أبو الضحى - عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه].
هذا الرجل يتهم ذلك القاص، وسياق الرواية تقول: إن هذا الرجل لما نقل كلام القاص إلى عبد الله بن مسعود لم يكن يعرفه؛ بدليل أنه استنكر كلامه فذهب إلى عبد الله بن مسعود ليسأل عن صحة هذا الكلام الذي سمعه، ثم هو يغمزه في الرواية الثانية ويقول: سمعت رجلاً في المسجد يقص أو يفسر القرآن برأيه، وتفسير القرآن بالرأي مذموم، بينما التفسير الممدوح هو تفسير القرآن.
والنوع الثاني: تفسير القرآن بسنة النبي ﵊، وهذا الذي يسميه العلماء بالتفسير النبوي.
ثم النوع الثالث: تفسير القرآن بكلام العرب؛ لأن القرآن عربي.
والرابع: تفسير القرآن بالرأي، وهو مذموم.
ولذلك غمزه هذا الرجل فقال: سمعت رجلاً في المسجد -أي: في مسجد بني كندة- يفسر القرآن برأيه.
قال: [قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] أي: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فتأخذ بأنفاس الكفار عامة، أما المؤمنون فتصيبهم على هيئة الزكام.
فقال عبد الله بن مسعود: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم.
إنما كان هذا أن قريشاً لما عصت النبي ﵊ دعا عليهم النبي ﵊ بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجدب حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ﷺ رجل فقال: محمد! استغفر الله لمضر فإنهم قد هلكوا].
ومضر هم أشد الناس عداوة وبراءة من الإسلام.
وفي رواية البخاري: (استسق لمضر).
وبعضهم يقول: إن لفظة (استغفر) خطأ من الراوي، وبعضهم يقول: إنما هي تصحيف؛ لأن (استغفر) و (استسق) مسمع واحد.
والإمام النووي نازع في ذلك وقال: والروايتان صحيحتان، (استسق) أي: اطلب السقيا وهو المطر، (واستغفر) أي: ادع الله لهم بالهداية، ثم استسق لهم بعد ذلك.
فقد جمع بين القولين حتى لا يضطر إلى رد إحدى الروايتين.
[فقال النبي ﷺ : (لمضر؟! إنك لجريء، قال: فدعا الله لهم فأنزل الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥])].
أي: رغم أني رفعت عنكم البلاء إلا أنكم بعد قليل ستعودون إلى ما كنتم عليه من إيذاء وجحود ونكران.
قال: [(فمطروا -أي: بسبب دعاء النبي ﷺ لهم- فلما أصابتهم الرفاهية واخضرت الأرض، عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٦] يعني: يوم بدر)].
стр. 1088
اختلاف العلماء في الدخان المذكور في الآية
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: خمس قد مضين -يعني: خمس علامات وأمارات قد مضت وانتهت-: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر، أي: انشقاق القمر.
وعن أبي بن كعب في قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] أي: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا، والروم والبطشة أو الدخان، شعبة هو الذي شك في البطشة، أو الدخان].
أنتم تعلمون أن الدخان من علامات الساعة، والراجح من أقوال أهل العلم: أنه من العلامات الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان:١٠ - ١٦].
قال ابن كثير: يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي: قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون، ولا يطبقون به.
ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠].
ثم ذكر رواية مسلم من طريق عبد الله بن مسعود، ورواية أخرى كذلك من طريق ابن مسعود في الصحيحين بنحو الرواية الأولى في هذا الباب.
قال ابن كثير: وقد وافق ابن مسعود على تفسير هذه الآية بهذا التفسير، وأن الدخان قد مضى، وأن الدخان هو العلامة التي عاقب الله تعالى بها مشركي مكة؛ وافقه على ذلك التفسير، جماعة من السلف كـ مجاهد وأبي العالية الرياحي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.
إذاً: هل الدخان من العلامات التي كانت في زمن النبي ﷺ ، أو أنها ستأتي في آخر الزمان؟ محل نزاع بين أهل العلم، فمذهب ابن مسعود وبعض السلف: أنها التي كانت في سنين القحط والجدب على مشركي مكة.
стр. 1089
قول منكر لعبد الرحمن الأعرج أن الدخان المذكور في الآية كان يوم فتح مكة
وفي رواية عبد الرحمن الأعرج أنه قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠] قال: كان ذلك يوم فتح مكة، وهذا القول منكر جداً وغريب جداً، فلا عبرة به.
أما الرأي الثاني: أن آية الدخان لم تمض بعد، وإنما ستأتي إن شاء الله في آخر الزمان، وهي من أمارات الساعة كما تقدم في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: (أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو تحشر الناس- تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا).
فذكْر الدخان مع هذه العلامات يدل على أنه سيكون في آخر الزمان؛ لأن هذه العلامات كلها لم تظهر بعد، فكيف تكون علامة الدخان في زمنه ﵊ وبقية هذه العلامات كلها في آخر الزمان مع أن النبي ﷺ قد قال: (لا تقوم الساعة إلا إذا رأيتم عشر آيات) وعد منها: الدخان؟! فهذا يدل على أن الدخان سيكون في آخر الزمان.
وأنتم تعرفون ابن صياد، وقد قيل: إنه المسيح الدجال، وقيل: هو غير المسيح الدجال، وكلام أهل العلم فيما يتعلق بـ ابن صياد سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في نهاية كتاب الفتن من صحيح مسلم.
وقد جاء في غير ما حديث أنه دجال، وكان كثير من الصحابة يعتقدون أن ابن صياد هو المسيح الدجال، وقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ له: (إني خبأت لك خبأً، فقال ابن صياد: هو الدخ)، وهذا كلام السحرة والكهان والدجالين كلهم يقولون هذا، ولذلك إذا قرأت الحجاب الذي يعمله السحرة فإنك لا تكاد تقف على حقيقة أمره؛ لأن من شأن السحرة والكهان والعرافين أن يجيبوا على بعض الكلمة فيأتون بها مقطعة، وأحياناً يأتون بها مقطعة الحروف، أو يجيبون بحرف، ويتركون الحرف الثاني، فهم لا يكتبون كلمة كاملة، ولذلك أدرك النبي ﵊ أن هذا الدجال وهو ابن صياد عرف ما خبأه له، وهذا إنما يكون بوحي الشيطان إليه.
وهذه العلامة التي هدده بها النبي ﵊ إنما هي سورة الدخان، ولذلك عبر عنها ابن صياد بالدخ، فالنبي ﷺ فهم ذلك فقال له: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك).
يعني: ما قد قدره الله تعالى فيك لابد أنه كائن، والوعيد والتهديد الشديد الذي جاء في سورة الدخان سيصيبك منه لا محالة، حتى وإن كنت عارفاً بما خبأته لك، ولذلك قال: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك)، وقد خبأ له رسول الله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠].
قال ابن كثير: وهذا فيه إشعار بأن الدخان هو المنتظر لا أنه قد وقع فيهم بالفعل.
وابن صياد كاشف -أي: كاهن- على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، يعني: يقطعونها تقطيعاً، ولهذا قال: هو الدخ، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادة ابن صياد أنها مادة شيطانية قال له: (اخسأ فلن تعدو قدرك).
وقد أورد ابن جرير حديثاً طويلاً عن حذيفة لكنه موضوع، وابن كثير يقول: لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً، لأن الحديث صريح، والأحاديث الأخرى منها ما هو صحيح لكنه ليس صريحاً في الباب، ولذلك وقع الخلاف.
واختلف أهل العلم في الدخان إلى مذهبين؛ خلافاً لمذهب عبد الرحمن الأعرج حيث قال: الدخان هو ما كان يوم فتح مكة، وهذا مذهب منكر جداً لم يوافقه عليه أحد، وليس كلاماً صحيحاً، لكن الخلاف المعتبر: هل الدخان هو الذي كان في سنوات القحط والجدب على أهل مكة، أم أنه الذي سيكون في آخر الزمان؟ فـ ابن مسعود ومن معه يذهبون إلى أن هذا الدخان هو الذي وقع في سنوات الجدب والقحط على أهل مكة.
وجمهور السلف على أن آية الدخان وعلامتها إنما تكون في آخر الزمان.
стр. 1090
قول ابن كثير بأن العلامة من علامات القيامة يمكن أن تقع مرتين
وابن كثير توسط في الأمر فقال: لا مانع أن تقع العلامة والأمارة مرتين، كما تقع المعجزة مرتين.
يعني: كقصة شق الصدر فقد وقعت مرتين: مرة والنبي ﷺ طفل، ومرة بعد البعثة وقبل ذهابه لرحلة الإسراء والمعراج.
وانشقاق القمر حصل مراراً، فالذي كان في شأن المشركين في مكة ربما يكون دخاناً وربما يكون غيره، وهب أنه دخان فلا يلزم منه عدم وقوع الآية في آخر الزمان، ولا بأس أن يشتمل هذا التهديد والوعيد ما نزل بكفار قريش، وهذا ما توسط به الحافظ ابن كثير.
لكن أورد حديثاً موضوعاً ثم قال: إن أول الآيات الدخان، والصحيح أن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم حيث قالوا، والدخان.
ولذلك تكرر الدخان في أول الحديث وآخره، وهذا الحديث عند الترمذي أيضاً: أن أول الآيات الدجال وهو الصحيح، وإن كنا نحب الترتيب لكن الحديث موضوع.
стр. 1091
الأحاديث والآثار التي هي على خلاف قول ابن مسعود في آية الدخان
قال حذيفة: (يا رسول الله! وما الدخان؟ فتلا هذه الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان:١٠]) أي: يملأ ما بين المشرق والمغرب، ويمكث أربعين يوماً وليلة).
فأما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره.
وهذا الحديث صريح، لكنه غير صحيح، وأنتم تعلمون أن الحجة لابد أن تكون صريحة وصحيحة، ولذلك قال ابن جرير: لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً، وإنما لم أشهد له بالصحة.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه) أي: من الفم والأنف والعين وغير ذلك.
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية: الدابة، والثالثة: الدجال).
وعن علي ﵁ قال: لم تمض آية الدخان بعد.
وهذا الكلام منافي لقول ابن مسعود: خمس مضين: البطشة، واللزام، والروم والقمر، والدخان.
ومعنى ذلك: أن آية الدخان عند ابن مسعود قد وقعت ومضت، وعلي بن أبي طالب يرفض هذا، وليس وحده فمعه ابن عباس، وغير واحد من السلف، فإنهم يذهبون إلى هذا المذهب، حتى إن العاد لهذا الرأي يجد أنهم جمهور السلف.
قال علي ﵁: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفد.
وعن ابن عمر قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ، أي: المشوي على الفحم.
ولم تنقل إلينا الروايات أن هذا الدخان أخذ برأس الواحد منهم كهذه الصورة التي صورها ابن عمر، وهذا يدل أن الدخان آية لم تمض بعد.
وعبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت إلى ابن عباس ﵄ ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت، قلت: ولم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهذا القول وافقه عليه جمع من الصحابة والتابعين، وتدل عليه الأحاديث المرفوعة الصحاح والحسان التي أوردناها، والتي فيها دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة.
وأقصى ما يقال عن كلام ابن مسعود السابق أنه اجتهاد منه، لما قال: الدخان هو الجدب والقحط الذي نزل على كفار قريش، وهذا كلام مرفوع إلى النبي ﵊، وإذا قال الصحابي قولاً لم يخالفه فيه أحد من الصحابة وانتشر هذا القول كان كالإجماع، إن لم يكن إجماعاً على الحقيقة.
وأما إذا خالفه صحابي آخر فليس في قول واحد منهما حجة فضلاً أن يخالفه جمهور الصحابة، فإذا خالف جمهور الصحابة ابن مسعود فيما يتعلق بالدخان، فيقدم قول جمهور الصحابة، والدليل على ذلك: موافقة علماء الأمة الذين أتوا من بعدهم من التابعين وغيرهم إلى يومنا هذا أن الدخان آية مرتقبة.
ولذلك يخطئ بعض العلماء إذا اغبرت السماء، أو أصابها دخان أو غير ذلك قال: هذه آية الدخان المرتقبة، ثم نفاجئ بأن بعض هؤلاء يذيعون في خطبهم ودروسهم ومنازلهم أننا نمر بآية اليوم، أو قد مررنا بها بالأمس أو غير ذلك، وهذا كلام خطأ؛ لأن السنة بينت أن آية الدخان لا تكون إلا بعد آية الدجال، إلا إذا كان هذا الخطيب يعتقد أن الدجال موجود، فهذا شيء آخر؛ لكثرة الدجاجلة.
وفي مرة من المرات دخل الشيخ سيد سابق الله يرحمه ويحسن إليه المسجد فصلى ركعتين قبل صلاة المغرب، فأنكر عليه أحد الأشخاص إنكاراً شديداً جداً؛ كيف تصلي ركعتين في وقت الكراهة؟ فبعد أن صلى ركعتين، قصد المجلس واستمر في الدرس، ولما جاء المغرب صلى، ثم صلى صلاة العشاء بعد أذان العشاء، ثم أدنى هذا الذي أنكر عليه منه وقال له: أين قرأت أن الصلاة في وقت الكراهة لا تجوز؟ قال: قرأت في كتاب كذا وكذا، وذكر من بين الكتب فقه السنة، قال له: أتعرف فقه السنة؟ قال: نعم للشيخ سيد سابق، وهو لا يعرف أن هذا الشيخ هو سيد سابق، فقال له: أنا سيد سابق، فوضح له الخلاف الذي بين أهل العلم، ورجح أن الصلاة في وقت الكراهة تجوز إذا كانت لسبب، وهذا مذهب الشافعية، وحملوا النهي على مطلق التنفل، وأما ما كان من الصلاة لها سبب كتحية المسجد أو غير ذلك فلا بأس بذلك.
فبهذا نعرف سبب نهي ابن مسعود وإنكاره على هذا القاص، فإنه أنكر لما استقر في علمه أن هذا هو الحق، ولذلك
стр. 1092
باب انشقاق القمر
(باب انشقاق القمر).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد - وهو مجاهد بن جبر المكي -عن أبي معمر عن عبد الله قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقتين -يعني: فلقتين- فقال النبي ﵊: اشهدوا)].
أي: انظروا إلى القمر وقد انشق.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن أبي معاوية - محمد بن خازم الضرير - وحدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي، كلاهما عن الأعمش ح وحدثنا منجاب بن حارث التميمي واللفظ له، أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى)].
وفي رواية: [(بمكة)].
ولا تعارض بين الروايتين، وليست الروايتان تدلان على انشقاق القمر مرتين في زمنه ﵊، والجمع بينهما: أن منى من مكة، فقول الراوي: (كنا معه بمنى) أي: كنا معه بمكة.
قال: [(إذ انفلق القمر فلقتين - يعني: شقتين - فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : اشهدوا)].
يعني: انشق القمر فلقتين: فلقة منه سقطت حتى واراها جبل حراء، والثانية كانت فوق الجبل، وهم ينظرون إليها.
قال: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة -وهي التي ذهبت خلف الجبل- وكانت فلقة فوق الجبل -أي: ينظرون إليها- فقال النبي ﵊: اللهم اشهد)].
وفي رواية ابن أبي عدي قال: [(اشهدوا اشهدوا)] يعني: انظروا يا معشر قريش! [حدثني زهير بن حرب وعبد بن حميد قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا شيبان -وهو النحوي - قال: حدثنا قتادة عن أنس: (أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية)].
إذاً: السبب هو: أن أهل مكة قالوا للنبي ﷺ : أرنا آية، فهم هنا كبني إسرائيل حينما طلبوا ذلك من موسى وعيسى.
قال: [(فأراهم انشقاق القمر مرتين)].
стр. 1093
اختلاف العلماء في مرات انشقاق القمر
قال بعض العلماء: انشق القمر في زمنه ﷺ مرتين، وبعض العلماء حمل المرتين على الفلقتين، والذي يترجح من أقوال أهل العلم أن القمر انشق في زمانه ﵊ مرتين.
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - وأبو داود -وهو الطيالسي -، وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وأبو داود كلهم عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: (انشق القمر فرقتين)].
وبعضهم يقول: (مرتين) تصحيف فرقتين أو فلقتين، والصواب: أن الرواية صحيحة.
وفي حديث أبي داود: [(انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ].
وفي حديث ابن عباس قال: (إن القمر انشق على زمان رسول الله ﷺ .
стр. 1094
انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا، والرد على المنكرين
قال القاضي عياض: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ .
ومعجزات النبي ﵊ بلغت أكثر من ألف معجزة، منها المعجزات المادية، ومنها المعجزات المعنوية، وانشقاق القمر من كبريات معجزات نبينا ﵊، وقد رواها عدة من الصحابة ﵃، مع ظاهر الآية الكريمة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١].
قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفين أمر الله، وذلك لأن الله أعمى قلوبهم، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء، كما يثنيه ويكوره يوم القيامة، فالله تعالى يكور الشمس والقمر، ويثنيهما، ويثني جميع الخلائق فيقضي عليها بالموت، والقمر والشمس مخلوقتان، وجميع هذه المخلوقات مسخرة بأمره، يفعل فيها ما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل إلينا بالتواتر، فنقول: ألا يكفي في انشقاق القمر أنها آية عامة يراها كل من كان في مكة، وفي خارجها، المؤمن والكافر المسافر والحاضر، وذلك مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فلم يروه إلا عمر بن الخطاب ﵁، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ومع ذلك فهو حديث متواتر.
قال: وأما قول بعض الملاحدة، لو وقع هذا لنقل متواتراً، واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص به أهل مكة.
فأجاب العلماء: بأن هذا الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم متغطون بثيابهم، فقل من يتفكر في السماء أو ينظر إليها إلا الشاذ النادر، ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر والشهب العظام وغير ذلك مما يحدث في السماء ليلاً لا يتحدث به إلا آحاد من الناس وليس كل الناس.
وما يحدث في الإرصاد والصحافة والإذاعات من معرفة وقوع الشيء قبل أن يقع ليس من باب علم الغيب؛ لأن الغيب غيبان: غيب يعلمه بعض الناس، وغيب لا يعلمه إلا الله، فهذا من الغيب المعلوم الذي يعلمه بعض الناس.
فانشقاق القمر ليس بلازم أن يراه كل الناس، خاصة وأنه وقع بالليل والناس نيام، والذي ليس نائماً قد لا ينظر إلى السماء.
قال الإمام النووي: وكان هذا الانشقاق آية حصلت في الليل لقوم سألوها، واقترحوا رؤيتها، فلم يتنبه لها، قالوا: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهراً لقوم غائباً عن قوم آخرين.
كما قد يجد الكسوف أهل بلد دون بلد آخر، وأحياناً لا تطلع الشمس عند قوم البتة، وأعجب ما رأيت في أمريكا أن النهار أربع ساعات والليل عشرون ساعة، وهذا في نهاية الجنوب، وأنا الآن لا أذكر اسم الولاية أو البلد، فكانوا يسألونني عن الصيام وعن الصلاة، فاتصلنا بالشيخ عبد العزيز بن باز فقال: قدروا للصلاة والصيام قدرهما، وصلوا وصوموا باجتهاد.
فهذا يعني أن هذه الظواهر الكونية الطبيعية تختلف من بلد لآخر.
стр. 1095
بعض الأحاديث الواردة في انشقاق القمر
قال: ابن كثير ﵀ في قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]: يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١].
وقد وردت الأحاديث بذلك: منها: حديث عند أحمد من طريق ابن عمر ﵄ قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان -أي: على جبل قعيقعان- بعد العصر، فقال: ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقى من النهار فيما مضى منه).
وهذا كان بعد صلاة العصر، ولو أنا قلنا: إن عُمْر الدنيا يساوي نهاراً، فما بقي من عُمْر الدنيا إلا ما يساوي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب، وأما ما سبق من أعمار الأمم قبلكم فهو مثل ما بين الفجر إلى العصر.
وأعظم ما يمكن أن نستفيد من هذا الحديث هو اقتراب الساعة، وانقضاء الدنيا، وأنتم تعلمون أن هذا الحديث وغيره مما سار في فلكه قد استخدمه أقوام في تحديد وقت الساعة.
وقال النبي ﵊: (بعثت والساعة هكذا وأشار أو وجمع بين السبابة والوسطى).
وقدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ قال: سمعته يقول: (أنتم والساعة كهاتين).
ومن أسمائه ﵊ الحاشر، قال: (أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمه) يعني: لا نبي بعدي.
وعند أحمد من حديث خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان فقال: (خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإن الدنيا قد آذنت بصرم) يعني: لم يبق منها إلا الشيء اليسير، فقد أعلمت وأخبرت أنها مولية، (وولت حذاء، ولم يبق منها الا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم) يعني: استغلوا هذه الدنيا بالأعمال الصالحة والطاعة، (فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاماً ما يدرك لها قعراً، والله لتملؤنها، أفعجبتم؟! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصارع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام).
وقال الإمام ابن كثير في انشقاق القمر: قد وقع في زمانه ﵊، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: (خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر).
قالوا: أما انشقاق القمر فهذا أمر متفق عليه بين العلماء أنه قد وقع في زمان النبي ﵊، وأنه أحد المعجزات الباهرة، وهذا ليس محل خلاف مثل الدخان.
ثم قال: ذكْر الأحاديث الواردة في انشقاق القمر: ومنها: سؤال أهل مكة النبي ﵊ أن يريهم آية، قال: فانشق القمر بمكة مرتين.
وعند البخاري: (أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما).
ورواية جبير بن مطعم عند الإمام أحمد قال: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فلقتين: فلقة على هذا الجبل، وفلقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، ثم قالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم).
ولذلك جاء في رواية: (فاسألوا المسافرين، فلما قدم المسافرون سألوهم، فقالوا: رأينا الذي رأيتم).
وجاء عن ابن مسعود: (انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة) والمقصود به: النبي ﵊، وهذا لقب له؛ لأن جده من جهة أمه كان ملقباً بـ أبي كبشة أو كنيته أبو كبشة.
(ثم قالوا: انظروا ما يأتيكم به المسافرين، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، فجاء المسافرون فقالوا: نحن رأينا أن القمر انشق نصفين).
وعن عبد الله قال: (انشق القمر بمكة حتى صار فلقتين فقال كفار قريش: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، ثم قالوا: فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به، فسألوا المسافرين الذين قدموا من كل وجهة -من الشمال والجنوب والشرق والغرب- فقالوا: نحن رأيناه كذلك، فسكت أهل مكة).
لأن المماحل والمناظر والمجادل يجادل عن رأيه وهواه إلى آخر نفس يتنفسه، وكنت متوقعاً أن أهل مكة سيقولون
стр. 1096
شرح صحيح مسلم - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - مثل المؤمن كالنخلة
المؤمن في هذه الحياة معرض للابتلاء؛ وذلك لتكفير سيئاته، أو لرفعة درجاته، وذلك يتطلب منه الصبر والاحتساب لكي ينال هذه الفضائل.
وأما الكافر فإنه يتقلب في نعيم الدنيا، ويستدرجه الله تعالى بالنعم ليأخذه في النهاية ولا يفلته.
والإنسان في هذه الدنيا له قرين من الجن، وقرين من الملائكة، فذاك يؤزه على الشر، والآخر يحذره منه، وقد أيس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكنه يسعى بينهم بالتحريش.
стр. 1097
باب مثل المؤمن كالزرع ومثل الكافر كالشجر الأرز
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الباب الرابع عشر: مثل المؤمن كالزرع، ومثل الكافر كشجر الأرز: الأرز هو شجر الصنوبر أو ما يشبهه.
стр. 1098
شرح حديث: (مثل المؤمن كمثل الزرع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة -إذا روى سعيد عن أبي هريرة فهو سعيد بن أبي سعيد - قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله)].
وفي رواية: [(تفيئه)]، أي: تميله، فهما لفظان معناهما واحد.
والفيء: هو ظل القائم إذا زالت الشمس، فلو جعلت شيئاً عمودياً على الأرض في وقت الظهيرة فإنه لا يكون له ظل إلا إذا زالت الشمس، والفيء هو ظل ما بعد الزوال، وأما ما قبل الزوال فلا يسمى فيئاً.
ومعنى الحديث: أن الريح تجعل للزرع فيئاً وظلاً لأنها تؤثر في صفاته، فتحركه وتميله.
قال: [(ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء)].
والبلاء: سمة في الإيمان دائماًَ؛ ولذلك يضرب النبي ﵊ المثل الأعلى للأنبياء وهم أفضل الخلق على الإطلاق، ومع هذا فهم أكثر الناس بلاءً؛ لإثبات السنة الكونية في أهل الصلاح، وأهل العلم، وأهل الاستقامة: أن البلاء يصب عليهم صباً، فإما أن تكون عندهم هفوات من الذنوب؛ فتكفرها هذه البلايا، وإما ألا يكون عندهم معصية ولا هفوة؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن الله تعالى يبتليهم حتى يرفع درجتهم.
стр. 1099
فوائد البلاء الذي يحل بالمؤمن
فالبلايا والأمراض وسائر الهموم والغموم التي تنزل بالعبد المؤمن لها فائدتان: الأولى: إن كان العبد صاحب ذنب؛ فالله تعالى يرسل إليه البلاء ليغفر له ذنبه، وأنتم تعلمون أن كل هم أو غم أو نصب أو وصب ينزل بالمرء إلا كفر الله تعالى به من خطاياه.
الثانية: فإن لم يكن له خطيئة، وقل أن يكون عبد كذلك، وربما ينزل البلاء وحجمه أعظم من حجم الذنب، فيغفر الذنب، ويرفع الدرجات.
قال: [(ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تُستحصد)].
يعني: تختلع من جذورها، فالمنافق تنزل عليه البلايا لكنها لا تكفر ذنبه، ولا درجة له حتى ترفعها.
فالنبي ﵊ يعقد مقارنة بين المؤمن والكافر، أو المنافق، والمنافق كافر، فبعض النصوص ذكرت أنه منافق، والبعض الآخر ذكرت أنه كافر، فالمقارنة والموازنة الآن بين المؤمن وبين الكافر.
стр. 1100
عدم نزول البلاء بالعبد ليس دليلاً على محبة الله له
وليس عدم نزول البلاء بالعبد دليل على محبة الله تعالى، يقال: فلان لم يمرض قط فلان لم يشف قط فلان لم يتعب قط، ويقولون: هذا دليل على محبة الله له، فهذا ليس دليلاً، ولا يصلح أن يكون دليلاً، كما أن نزول البلاء باستمرار على العبد ليس دليلاً على غضب الله ﵎ على العبد، بل ربما يكون علامة من علامات محبة الله له، فهو يكفر عنه ذنبه في الدنيا؛ حتى يأتي إلى ربه يوم القيامة وليس عليه ذنب.
وإن المؤمن ليبتلى، ثم يبتلى، ثم يزاد له في البلاء، ثم يصب عليه البلاء صباً؛ حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، فليس نزول البلاء علامة بغض الله لهذا العبد، كما أن الصحة والعافية والسعة في الرزق والمال والدنيا ليست علامات على محبة الله لهذا العبد، بل ربما تكون على عكس ذلك، ففي هذا الحديث الموازنة بين العبد المؤمن وبين العبد الكافر.
فالعبد المؤمن ينزل عليه البلاء دائماً، فكلما قام من بلاء وقع في بلاء آخر، وكلما نجا من مصيبة وقع في مصيبة أخرى، وهذا هو حال المؤمن عند الله .
وأما المنافق فربما لا يصيبه شيء من ذلك، فيعيش في عافية وصحة ورغد من العيش؛ حتى إذا أخذه الله تعالى لم يفلته، بل يستأصل شأفته مرة واحدة؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز)، لأنها ثابتة في الأرض، لا يؤثر فيها الهواء ولا الرياح ولا شيء من هذا، حتى يأتيها الحاصد فيحصدها مرة واحدة.
قال: (لا تهتز حتى تُستحصد، أو تَستحصد).
فشجرة الأرز لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة، كالزرع الذي انتهى يبسه، وأما الزرع فإن الرياح تميله يمنة ويسرة فوق وتحت.
стр. 1101
شرح حديث: (مثل المؤمن كمثل الخامة)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر العبدي قالا: حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن سعد بن إبراهيم المدني قال: حدثني ابن كعب بن مالك عن أبيه كعب، وكعب بن مالك هو أحد الثلاثة الذين تخلفوا، وقد سمعتم من قبل توبته، وابنه: إما أن يكون عبد الله، وإما أن يكون عبد الرحمن، وكلاهما قد روى هذا الحديث عن أبيه عن النبي ﵊.
[قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع)].
الخامة: هي القصبة اللينة، أو العود اللين، فإذا أتته الرياح تؤثر فيه يمنة ويسرة فوق وتحت.
[(تفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها أخرى)].
تصرعها، يعني: تخفضها الريح مرة، فمثلاً أعواد القمح تأتي الريح بها هكذا مرة، وتأتي بها هكذا مرة، بخلاف شجرة الأرز التي هي الصنوبر؛ فإنها صلبة جامدة منتصبة غير نائمة، لا تؤثر فيها الرياح.
قال: [(حتى تهيج)]، يعني: حتى تيبس، ويأتي أوان قطافها وجمعها.
[(ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها، لا يفيئها شيء)]، ومعنى (المجذبة)، أي: الثابتة في الأرض المنتصبة، التي لا تتأثر بالرياح، ولا غيرها.
قال: [(حتى يكون انجعافها مرة واحدة)].
(انجعافها) يعني: حصادها وانقلاعها من الأرض مرة واحدة.
стр. 1102
كثرة نزول البلاء بالمؤمن دون الكافر
قال: [حدثني زهير بن حرب حدثنا بشر بن السري -وهو المعروف بـ أبي عمرو الأفوه البصري، نزيل مكة وسكنها، طعن فيه برأي جهم، ولكنه اعتذر عن هذا الرأي وتاب منه- وعبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا سفيان -وهو الثوري - عن سعد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الرياح، تصرعها مرة وتعدلها -أي: أخرى- حتى يأتيه أجله)] أي: حتى تيبس ويأتيها ميعاد حصادها، [(ومثل المنافق مثل الأرزة المجذبة التي لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة)].
وفي رواية: [(ومثل الكافر كمثل الأرزة)] بدل: (مثل المنافق)، والمعنى واحد؛ لأن المنافق كافر؛ لأنه أظهر الإسلام، أو عمل بمقتضيات الإسلام الظاهرة، ولكنه لم يعمل بمقتضياته الباطنة، بمعنى: أنه أبطن الكفر وأظهر الإسلام، وعمل بجوارحه، فظاهره الإسلام، ولكنه ليس مسلماً في الحقيقة.
قال العلماء: معنى هذا الحديث: أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله؛ وذلك مكفر لسيئاته، ورافع لدرجاته، مكفر لسيئاته إن كانت عنده سيئات، ورافع لدرجاته إن لم يكن عنده سيئات.
وأما الكافر فقليل الآلام في نفسه وأهله وماله؛ ولذلك تجد الواحد من الكفار، خاصة في أوربا أو أمريكا تراه مثل العجل، كما قال ربنا عنهم: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]، فهو يمسك السندوتش بيده اليمين، والعصير بيده الشمال، والكوب العصير فيه حوالي خمسة لتر، حتى إنك تتعجب وتقول: هل يستطيع أن يشرب هذا الكوب كله؟ فقد ألفوا أن يأكلوا هذا السندوتش، وأن يشربوا هذا المشروب.
فهم في الطول، وجمال المنظر، وجمال الشعر والعين وغير ذلك بالمحل المعروف لدى الجميع، ولكن الله ﵎ حكم عليهم بأنهم قليلو الآلام في أبدانهم وأنفسهم وأموالهم وأهليهم، وإن وقع أو نزل بالكافر أو بالمنافق بلاء فإنه لا يكفر من سيئاته؛ لأن الكفر عائق دون الكفارة والكفر عائق دون تكفير ذنوبه، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة، وإذا كان في نعيم ففي مقابل عمله الصالح في الدنيا، فالله تعالى ينعم عليه حتى يأتي يوم القيامة وليس له أجر.
стр. 1103
الفرق بين البلاء والابتلاء
والفرق بين البلاء والابتلاء خلاف لفظي، وإن كان بعض أهل العلم قد فرق بين البلاء والابتلاء، فالابتلاء ينزل على المؤمن حتى يختبره الله ، وضربوا لذلك أمثلة ومن ذلك: أن الله تعالى لما أمر إبراهيم ﵇ أن يذبح ولده؛ لم يرد الله تعالى من ذلك إنفاذه، بل كان للابتلاء والاختبار، ولو أن هذا الأمر أراد الله تعالى إنفاذه كان لا بد أن ينفذ، ولم يدرك الله إسماعيل بهذا الكبش الفداء.
وكذلك موسى ﵇ لما فقأ عين ملك الموت، عندما قال ربنا لملك الموت: انزل فاقبض روح عبدي فلان، كان هذا أمر للابتلاء والاختبار، ولذلك لم يتمكن ملك الموت من قبض نفس موسى ﵇ في أول مرة، ولو أن الله تعالى أراد بهذا الأمر أولاً الإنفاذ دون الابتلاء؛ فإنه كان لا بد أن ينفذ.
فالابتلاء يراد به الاختبار، فالمصائب التي تنزل بالعبد المقصد منها النظر هل يصبر العبد أو لا يصبر؟ وهل يشكر أو لا يشكر؟ وهل يحمد الله تعالى على ما نزل به من ضر أو لا يفعل؟ وهل يتضجر؟ وهل يسخط؟ وغير ذلك.
وأما البلاء فإن البلاء ينزل على المؤمن والكافر.
стр. 1104
باب مثل المؤمن مثل النخلة
الباب الخامس عشر: باب مثل المؤمن مثل النخلة.
اختلف العلماء هل النخل من جنس الشجر، أو ليس من جنسه؟ وهل يطلق على غير نخل البلح أو التمر، أو الرطب، ولو من باب المجاز، أم أن كل ذلك أشجار إلا نخل البلح أو الرطب؛ فإنه يطلق عليه نخل؟ والراجح: أن لفظ النخلة يطلق مجازاً على الأشجار، كما أن نخلة البلح يطلق عليها شجرة أحياناً، وهذا قد ورد في لسان العرب مراراً.
стр. 1105
شرح حديث: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم)
قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي -واللفظ لـ يحيى، أي: لـ يحيى بن أيوب - قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن دينار أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم)].
وفي رواية: [(مثل المؤمن فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي)]، أي: اختلفت أقوال الناس: فقيل: هي شجر الزيتون شجر الرمان شجر المانجو شجر الخوخ شجر كذا شجر كذا، أي: اختلفت أقوالهم وتضاربت أي شجرة هي؟ خاصة: وأن النبي ﷺ قال لهم: (إن من الشجر شجرة)، ولم يقل: نخلة، ولو قال: نخلة؛ لأجاب عنه أصغر أهل المجلس؛ لأن الغالب أن النخلة عند الإطلاق تطلق على نخل البلح؛ ولذلك فالنبي ﵊ إنما استخدم التمويه في هذا السؤال؛ حتى يختبر ذكاء وأفهام الحاضرين، فقال: [(إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وأنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة)].
أي: حدثتني نفسي أنها النخلة، [(فاستحييت)] أي: لصغر سنه، وكان كبار الصحابة موجودين، وكان فيهم أبو بكر وعمر، ولم يجيبا على هذا السؤال، أفيطلع عبد الله بن عمر ابن العشر سنوات يجيب على هذا السؤال؟! فسبب استحيائه أن أكابر الناس سناً وفضلاً وعلماً كانوا موجودين، وهم أعلم بحال البادية وأشجارها، وحال الحيطان والبساتين، ومع هذا لم يجيبوا بشيء، ولا أظن أن أبا بكر وعمر امتنعا عن الجواب لأنهما لم يعلما ذلك، وإنما لعلمهم أن النبي ﵊ إنما طرح هذا السؤال ليستحث أفهام الحاضرين، أو بعض الحاضرين.
ولذلك ربما يسأل عالم سؤالاً في مجلس من المجالس، وفيه من أهل العلم من فيه، فإذا أراد أحد أهل العلم أن يجيب على السؤال قال السائل: أنت تعلم أني ما قصدتك، وإنما قصدت أن يتعلم من لم يكن متعلماً، يعني: قصدت أن يجيب غبراء أهل المسجد وعامة أهل المجلس، وأما أنت فيقيناً أنك تعلم ذلك، وأن هذا السؤال ليس موجهاً إليك؛ ولذلك لا يسمع منه الإجابة، فربما يكون كبار أصحاب النبي ﵊ امتنعوا عن ذلك لهذا السبب.
فـ عبد الله بن عمر ﵄ إنما فهم أنهما لم يجيبا، أو أن الكبار لم يجيبوا عن هذا السؤال؛ فاستحيا لأنهم لم يجيبوا، كما أنه استحيا أن يتقدم بين يدي كبار الصحابة بالجواب.
стр. 1106
استحباب إلقاء العالم المسألة على المتعلم ليختبر فهمه، وتوقير الصغير للكبير
قال: [(ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: يا رسول الله! حدثنا ما هي؟ قال: هي النخلة، قال عبد الله: فذكرت ذلك لـ عمر -أي: لأبيه- قال: لئن تكون قلت: هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا).
يعني: يا ليتك يا عبد الله! قلت: إنها النخلة، ولم تبال بالأكابر الموجودين.
وفي هذا جواز ضرب الأمثال والأشباه، واستحباب إلقاء العالم المسألة على المتعلم ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في الفكر والذكر والاعتناء بطلب العلم.
كما أن فيه توقير الكبار؛ لفعل عبد الله بن عمر، حيث إنه لم يتكلم في حضرة الكبار، خلافاً لما يفعله كثير من الإخوة، فلو أن سائلاً سأل أحد أهل العلم فإنك تجد أن كثيراً ممن يقف ويلتف حول الشيخ المفتي يجيب عن المسألة بجواب يختلف عن جواب صاحبه، والمفتي لم يتكلم ولم يجب بشيء في المسألة، ويسمع من هذا ومن ذاك، ولا يرضى لا بإجابة هذا ولا بإجابة ذاك، وفي هذا من سوء الأدب ما فيه.
وفيه سرور الإنسان بنجابة ولده وذكائه وتوقده وحسن فهمه، فقول عمر ﵁: (لئن تكون قلت: هي النخلة أحب إلي من كذا وكذا) أراد بذلك أن النبي ﷺ كان يدعو لابنه، ويعلم حسن فهمه ونجابته.
стр. 1107
فضل النخل، ووجه الشبه بين المسلم والنخلة
كما أن هذا الحديث فيه إثبات فضل النخل، وذلك هو وجه الشبه بين النخلة وبين المسلم أو المؤمن، قال النووي: قال العلماء: شبه النخلة بالمسلم لكثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها، فيستعمل جذوعاً وحطباً وعصياً ومخاصر وحصراً وحبالاً وأواني وغير ذلك.
ثم آخر شيء منها: نواها ينتفع به علفاً للأبل، ثم جمال نباتها، وحسن هيئتها، فهي منافع كلها وخير وجمال.
كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على صلاته وصيامه وقراءته، وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات، وغير ذلك؛ فهذا هو الوجه الصحيح في تشبيه النخلة بالمسلم.
كما أن المؤمن نفعه دائم، مثل النخلة التي لا يسقط ورقها، أي: لا يقل نفعها، فنفعها دائماً على مدار العام والعمر، وكذلك المؤمن دائم النفع وكثير النفع ونفعه متعدٍ.
стр. 1108
شرح تشبيه المسلم بالنخلة من طريق أخرى
قال: [حدثني محمد بن عبيد الغبري حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - عن أبي الخليل الضبعي وهو صالح بن أبي مريم البصري] وثقه ابن معين والنسائي، ولكن ابن عبد البر جازف على غير عادته، وقال: لا يحتج به، وابن معين معلوم أنه من المتشددين جداً في النقد، والنسائي أشد منه، حتى قيل: إن للنسائي في سننه شرطاً هو أقوى من شرط البخاري في صحيحه؛ ولذلك العلماء مختلفون: هل سنن أبي داود مرتبتها بعد الصحيحين أو النسائي؟ فجماهير المحدثين على أن سنن النسائي في المرتبة والقوة بعد الصحيحين، وقبل سنن أبي داود؛ لأن النسائي له شرط في كتابه أسدُّ وأشدُّ وأقوى من شرط أبي داود، بل من شرط البخاري ومسلم، لكنه يخالف ذلك كثيراً، وعلى أية حال: هو لم يشترط على نفسه الصحة، ولم يسم كتابه بالصحيح.
قال: [عن أبي الخليل الضبعي عن مجاهد -وهو مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس ﵄ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوماً لأصحابه: (أخبروني عن شجرة مثلها مثل المؤمن؛ فجعل القوم يذكرون شجراً من شجر البوادي، قال ابن عمر: وألقي في نفسي أو رُوعي)]، وليس رَوعي؛ والرُّوع بضم الراء هو النفس، وأما الرَّوع فهو الرعب والفزع.
[(قال ابن عمر: وألقي في نفسي أو رُوعي أنها النخلة، فجعلت أريد أن أقولها)] يعني: يهم أن يقول: هذه النخلة، [(فإذا أسنان القوم)] يعني: أكبر الناس سناً [(فأهاب أن أتكلم)] يعني: كلما أراد أن يتكلم ويقول: يا رسول الله! هي النخلة، يرى أسنان القوم فيرجع عن ذلك، ويهاب أن يتكلم في حضرتهم، فلما سكتوا قال رسول الله ﷺ : [(هي النخلة)].
стр. 1109
حكم الأخذ من بستان الغير
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (صحبت ابن عمر إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا حديثاً واحداً)].
يعني: في طول الرحلة هذه لم يسمعه يحدث إلا بحديث واحد.
[قال: (كنا عند النبي ﷺ فأتي بجمار) فذكر الحديث بطوله].
الجمَّار: هو عبارة عن شحم لين يكون في داخل النخل، وهو مما يؤكل، وهذا الجمار يسمى كذلك: كثر بالثاء، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لا قطع في ثمر ولا كثر) أي: لا قطع لليد في ذلك.
فإذا نزلت في بستان أحد الناس وأكلت من ثمره حتى ولو زاد المأكول عن ربع دينار؛ فإنه لا تقطع يدك فيه، فالنبي ﵊ يقول: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً).
وفي رواية: (لا قطع في أقل من ربع دينار).
فتبين أن حد السرقة الذي يستوجب قيام الحد على السارق أن يكون ربع دينار، يعني: حوالي خمسين جنيهاً مصرياً، والدينار من الذهب، فلا قطع في أقل من خمسين جنيه.
فمن نزل أرضاً فيها بستان وأكل منه ما قيمته ربع دينار فصاعداً لا قطع عليه، لكنه لا يحمل معه شيئاً؛ لأن الشرع نهانا أن نحمل شيئاً من أرض الغير إلا بإذن صاحب الأرض، فإذا لم يكن صاحب الأرض موجوداً، أو لا إذن؛ فيحل لي أن آكل من هذه الأرض، شريطة ألا أحمل معي، لا أنا ولا من معي.
فالنبي ﷺ يقول: (لا قطع في ثمر ولا كثر) يعني: لو أن واحداً في هذا الوقت أخذ هذا الكثر أو هذا الجمار من النخل، حتى وإن زاد ثمنه عن ربع دينار عن دينار، فلا قطع فيه؛ لأن النبي ﷺ جعل الجمار مشاعاً للناس.
стр. 1110
اعتبار القرائن في الشريعة
وفي هذا الحديث اعتبار القرائن، فعندما ترى شخصاً أو أخاً من الإخوة يدخل عمارة فيها امرأة معروفة بالبغاء، وهذا الأخ يبدو منه التفريط في الذكر والتفريط في العبادة وغيرهما من علامات التفريط الكثيرة في جوانب من العلم والعمل، ثم هو يختم ذلك بأنه يدخل هذا البيت المشبوه لأن فيه امرأة بغياً معلومة البغاء، وقد ذاع أمرها، وانتشر صيتها بين الناس أنها امرأة بغي، فهذه قرائن، والنبي ﷺ يقول: (لو كنت مقيماً الحد على أحد بغير بينة؛ لأقمته على هذه) وأشار إلى امرأة؛ لأن الشهرة قامت مقام الرؤية العينية.
وفي هذا جواز انتشار الأمر والتحدث عن أهل المعاصي والفسوق؛ ولا يقوم مقام الحد؛ لأن الحد يحتاج إلى رؤية، فالمعصية هنا ثبتت في انتشارها وذيوعها بالقرائن.
فيجوز أن أقول: هذا الأخ إنسان مشبوه، وأحذر منه أصحابه الذين لا يعلمون عنه شيئاً من ذلك، وهو معلن بفسقه، ومقصر في عبادته، ولا يبالي بذلك؛ فيجوز أن نجهر في وجه هذا العاصي أو الفاسق.
فإذا كان الأمر كذلك؛ فقد أحذر من فلان، فقد كان يحضر معنا الجماعة وفجأة قطع الجماعة، وكان يقرأ القرآن ويختمه في كل شهر، أو في أقل من ذلك أو أكثر، وصارت له مدة من الزمان لم يفعل شيئاً من ذلك، وكان مصاحباً لأهل الإيمان والتقى المعروفين بالصلاح وغير ذلك، وترك صحبتهم بغير عذر، ثم صاحب الفسَّاق، وصاحب فلاناً وفلاناً، ثم في آخر الأمر يدخل بيتاً مشبوهاً، وقد بحثنا فلم نجده دخل شقة من الشقق التي في العمارة إلا هذه، فهذه كلها قرائن، وأنا لا أثبت أنه زان، ولكني أثبت أنه قد انحرف.
ولذلك لما جيء للنبي ﵊ بجمار قال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم).
إذاً: فلابد للمستمع أن يربط السؤال بالقرينة مباشرة، لماذا الجمار بالذات عندما وضع أمام النبي ﵊ قال النبي ﵊ لأصحابه ذلك، والجمار لا يطلع في أي شجرة من الأشجار إلا في شجر النخل؟ إذاً: ففي هذا الحديث إثبات جواز بل استحباب واستحسان الاعتماد على القرائن في إثبات صحة الأمر أو نفيه.
قال: [وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها)]، يعني: لا يسقط ورقها.
[(قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان؛ فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً، فقال عمر: لئن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا)].
стр. 1111
باب تحريش الشيطان
الباب السادس عشر: باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قريناً.
إن مع كل إنسان قريناً بل قرينان: قرين من الشيطان، وقرين من الملائكة، فهما قرينان يتدافعانه، والمرء أحياناً يشعر في نفسه بالقرينين، فمثلاً قد تمشي في الشارع فترى امرأة جميلة، فيدعوك قرين السوء إلى النظر إليها، ويمنعك واعظ الإيمان والتقوى في قلبك، والذي يحركه ويذكره فيك قرين الخير من الملائكة، فهو الذي ينهاك عن ذلك، فأنت أحياناً تشعر بالصراع الداخلي أمام المعصية، فتارة تقبل عليها وأنت نادم متحسر مستح، تتمنى لو أن الله تعالى صرفك عن ذلك، وهذا التحسر والندم وتمني الانصراف عن هذه المعصية إنما هو بدافع من الملك القرين الذي معك.
قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن أبي سفيان طلحة بن نافع الواسطي -من واسط في العراق، ولكنه نزل مكة، وتتلمذ على يد جابر بن عبد الله الأنصاري - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب)].
يعني: أن الشيطان مل وتعب من أن يوقع الموحدين في جزيرة العرب في الشرك، وأن يسجدوا له، أو يصلوا له، أو غير ذلك.
[(ولكن بالتحريش بينهم)]، يعني: هو لما أيس من الشرك رضي منهم بالتحريش.
стр. 1112
مداخل الشيطان على العبد
وبعض علمائنا يقول: مداخل الشيطان إلى العبد من ثلاثة محاور: فهو يجتهد عليه بالشرك، فإن وجد هذا الباب مغلقاً في وجهه، وأن العبد عنده من التوحيد ما يحرسه ويحميه في هذا الباب؛ اجتهد عليه في باب البدعة؛ لأن البدعة هي الطريق إلى الشرك، فهو لما فشل أن يوقعه في الشرك مباشرة؛ لف له من طريق خلفي؛ ليوقعه في الشرك أيضاً، وهو باب البدع.
فإذا عجز أن يدخل للعبد من باب البدع، فهو صاحب سنة قائم بها وعليها، وحريص على نفسه أن يقع في شيء من هذا؛ اجتهد عليه في باب المعاصي.
فالمحاور ثلاثة: المحول الأول: الشرك.
الثاني: البدعة.
الثالث: المعصية الكبيرة والصغيرة.
ومعنى هذا الحديث: أنه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والبغضاء والحروب والفتن وغيرها.
стр. 1113
سلامة جزيرة العرب من انتشار الشرك فيها
وهذا الحديث من أعلام نبوة النبي ﵊؛ لأن التحريش هو الموجود في الأمة، ولا يوجد في جزيرة العرب من يعبد الشيطان، والذي يعبد الشيطان موجود هنا بمصر، وأما جزيرة العرب فلا، فهي محمية ومحروسة بتوحيد الله ، ودعوة التوحيد فيها ظاهرة، فلما أيس الشيطان هناك جنح إلى هنا، فوجدنا أناساً طيبين وطبائعنا سهلة، فضحك علينا في كل واد، فلا يطلب شيئاً إلا ونحن طوع بنانه قبل أن يتكلم، فنحن أناس مسالمون حتى مع الشيطان.
стр. 1114
فتنة الشياطين للناس
[وقال جابر: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة)].
فأحسن واحد عند إبليس هو أعظمهم فتنة للناس، وأعظم فتنة بلا شك هي الشرك.
وفي هذا الحديث أمور: أولاً: أن العرش هو سرير الملك، فيقال: عرش الملك الفلاني، أي: كرسي الملك الذي يجلس عليه، ومقعده الخاص به، ومعناه: أن مركز إبليس هو البحر، فيجلس على سطح الماء، ثم يوزع سراياه وبعوثه وجيوشه في نواحي الأرض.
قال: [وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة)].
يعني: يدني منه ويقرب منه أعظم الأبالسة والشياطين فتنة.
[(يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا؛ فيقول: ما صنعت شيئاً)].
يعني: ما جئت به، وما أنت فخور به لا يساوي شيئاً.
قال: [(ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت!)].
يعني: أنت أحسن واحد؛ ولذلك العلماء يقولون: الأصل في النكاح الدوام، وأن الطلاق مكروه إلا لعلة، فأما أن نأخذ الكراهة من حديثه ﵊: (إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، فهذا حديث ضعيف، والحديث السابق يحل محل الحديث الضعيف ويغني عنه.
[قال الأعمش: أراه قال: (فيلتزم) يعني: يحضنه ويقبله ويدنيه ويقربه منه؛ لأنه استطاع بحيله وألاعيبه أن يفرق بين الرجل وبين امرأته.
قال: [حدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل -ومعقل بن عبيد الله الجزري أبو عبد الله العبسي - عن أبي الزبير عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (يبعث الشيطان سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة)].
стр. 1115
مع كل إنسان قرين من الجن
قال: [وعن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن)]، (وكِّل) بمعنى كلف.
[(قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي! إلا أن الله أعانني عليه فأسلم؛ فلا يأمرني إلا بخير)].
من العلماء من قال: (فأسلم) من الإسلام، أي: أن الله تعالى أعان نبيه على قرينه من الشيطان حتى أسلم، أي: دخل في الإسلام؛ فهو حينئذ لا يأمره إلا بخير، هذا على تقدير فتح الميم في كلمة: (أسلم)، فحينئذ هو لا يأمرني إلا بخير، وهذا هو الراجح من الكلام.
وهناك تقدير ثان: (إلا أن الله أعانني عليه فأسلمُ)، أي: فأسلمُ من شروره، أي: من السلامة، لا من الإسلام، أي: فإنني حينئذ أسلم من شروره.
ومنهم من قال: (أسلم)، بمعنى استسلم، خاصة وأن بعض الروايات -ومنها رواية عند البخاري - أنه قال: (إلا أن الله أعانني عليه فاستسلم)، ومعنى (استسلم): انقاد وأذعن وأسلم إسلاماً حقيقياً، وليس إسلاماً ظاهرياً كإسلام الكثير من الناس.
وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين، ووسوسته، وإغوائه، فأعلمنا ﷺ بأن القرين وهو الشيطان معنا؛ لنحترز منه بقدر الإمكان، والأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، فلا يصيبه شيء من ذلك.
وفي رواية أخرى قال: [(وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)]، أي: ما منا من أحد إلا ومعه قرينان: قرين من الجن، وقرين من الملائكة.
قال: [وعن عائشة زوج النبي ﷺ أنها حدثت عروة بن الزبير: (أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه)]، أي: أصابتها الغيرة.
[(فجاء فرأى ما أصنع، فقال مالك يا عائشة! أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : أقد جاءك شيطانك؟)].
وهذا الحديث لعله هو المتمم لحديث: (أحشيا رابية)، (فلما خرج النبي ﷺ في ليلة عائشة إلى المقابر ظنت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قد خرج إلى إحدى نسائه، فخرجت خلفه وتبعته حتى أتى المقابر في ظلمة الليل، فرأى كالشبح، قالت: فدنوت منه حتى أتى المقابر فرفع يديه وظل يدعو لأهل البقيع فأسرع النبي ﵊ خلف هذا الشبح، حتى دخل في بيت عائشة، فوجدها قد نامت في فراشها، ولكن فراشها يرتفع وينخفض)، وليس هذا شأن إنسان نائم، ولذلك أيقن النبي ﷺ وأدرك فوراً أن عائشة هي الشبح الذي كان قد رآه في الطريق، (فنهزها في صدرها نهزة وقال: أحشيا رابية، أتظنين أن يحيف الله عليك ورسوله؟)]، يعني: هل أنت متصورة أنني سأظلمك فأتركك وأذهب عند غيرك؟! فلعل هذا الحديث من هذا الباب.
قال: [(قالت: يا رسول الله! أومعي شيطان)]، أي: هل زوجة النبي وبنت الصديق معها شيطان؟! [(قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟! قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم)].
أي: على تقدير الروايتين: حتى أسلمَ أو أسلمُ.
стр. 1116
باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى
الباب السابع عشر: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى.
إن الذي يدخل النار إنما يدخلها بعمله، والذي يدخل الجنة إنما يدخلها برحمة الله، والعمل سبب في ذلك، الله ﵎ قبل أن يخلق الخلق علم أن من عباده من يدخل الجنة، ومن عباده من يدخل النار، ولذلك خلق الله تعالى الجنة وخلق النار، فجعل لأهل الجنة قسماً، وجعل لأهل النار قسماً.
وقال: (يا أهل النار! خلود فلا موت، ويا أهل الجنة! خلود فلا موت).
فالله علم ذلك أزلاً، وأما العمل الذي يعمله الإنسان فلا يستحق به النعيم في الجنة، ولو قلت: أنا رجل أصلي وأصوم وأزكي وأعمل كل الطاعات، وأترك كل المعاصي، فنقول: إن العمل وحده لا يكفي لدخول الجنة.
ولو عمِّر عبد ستين عاماً، وكتب الله تعالى له عبادة ستين عاماً منذ أن ولد وإلى أن مات، وأنه من أهل الطاعات، ولم يقترف ذنباً قط؛ فالمعادلة التي يعرفها الناس: أنه يتنعم ستين سنة ثم يخرج، حتى وإن خرج لا إلى نعيم ولا عذاب، وهذا الأصل، ولما يعمل شخص لك خدمة، فإنك ستعمل له أنت أيضاً خدمة، فإذا قال لك: أنا خدمتك، فإنك تقول له: وأنا أيضاً قد خدمتك، وانتهت القضية على هذا، لكن تصور لو أن عبداً كافراً نطق بالشهادتين ثم مات بعدها فوراً، ولم يدرك صلاة ولا صياماً ولا زكاة ولا حجاً ولا شيئاً من الطاعات مطلقاً، فإنه يدخل الجنة، ويتنعم فيها نعيماً أبدياً سرمدياً لا نهاية له، لأنه قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثم مات بعدها مباشرة، فهل كلمته هذه تساوي ذلك النعيم السرمدي الأبدي؟
الجواب
لا، لأن هذا العمل أو هذه الكلمة كانت سبباً في نجاته من النار ودخوله الجنة، وأما النعيم الذي يلقاه الإنسان في الجنة فهو فوق عناء الطاعة، وصبره على الامتناع عن المعاصي وغير ذلك، فهو مجرد سبب، وأما التنعم فهذا فضل الله تعالى.
стр. 1117
لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب
قال رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله) أي: لا يستحق الجنة بمجرد العمل، والعمل سبب، والسبب قد يتخلف، ولكن فضل الله ﵎ هو الذي يعم عباده، والإنسان الذي يضع البذرة في الأرض لا يلزم من ذلك أن تنبت هذه البذرة، وربما تموت، والذي يميتها هو الله ، وربما تحيا، والذي يحييها هو الله ، فوضع البذرة في الأرض سبب في الإنبات والثمر، وليس وحده بكاف في وجود الثمر، لماذا؟ لأن الله تعالى إذا أراد أن يرزق عبده الثمر بغير بذر لفعل ذلك، فهو على كل شيء قدير .
ولو أراد الله تعالى أن يرزقك الولد من غير زواج لفعل؛ لأنه على كل شيء قدير، ولو أراد الله ﵎ أن يشبعك بغير طعام، وأن يرويك بغير شراب لفعل، فهو مريد لذلك، وقادر عليه .
ولذلك أحياناً الإنسان قد يأكل ولا يشبع، وقد يشرب الماء ولا يرتوي، وقد يرتوي ثم هو سرعان ما يشعر بأنه قد عطش مرة أخرى.
إذاً: فالسبب قد يتخلف، فشخص يذاكر طوال السنة لأجل أن ينجح، لكن لا يلزم أن ينجح، مع أنه هنا قد حصل سبب النجاح والتفوق، فقد يمرض في ليلة من ليالي الامتحان، فيتخلف عن الامتحان، أو يذهب إلى الامتحان ولم يفتح عليه.
وكذلك الإنجاب يحتاج إلى نكاح، ويحتاج إلى رجل وامرأة، ومع ذلك فالله ﵎ خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق حواء من غير امرأة، خلقها من ضلع آدم.
وكذلك خلق الله تعالى عيسى من امرأة بغير نكاح ولا رجل، مع أن الأسباب لا بد منها، لكن ذلك ليس بلازم في قدرة الله ، فلا يدخل أحدنا عمله الجنة، وإنما العمل سبب لدخول الجنة.
وعند الحاكم (أن رجلاً عبد الله خمسمائة سنة، فلما جيء به بين يدي الله قال: ادخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: بل بعملي يا رب!).
فلما حصلت الموازنة بين نعمة الله عليه، وبين عبادته، وضعوا نعمة البصر فقط في كفة، والعبادة كلها في كفة ثانية؛ طاشت هذه العبادة، وغلبتها وثقلت بها نعمة واحدة من نعم الله وهي نعمة البصر، ثم إن الذي قوى ذلك على العبادة هو الله ، فلا منة على الله، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
стр. 1118
شرح حديث: (لن ينجي أحداً منكم عمله)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن بكير -وهو بكير بن عبد الله الأشج - عن بسر بن سعيد المدني العابد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لن ينجي أحداً منكم عمله، قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟! قال: ولا إياي! إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، ولكن سددوا)].
يعني: إذا لم تبلغوا الكمال في العبادة فلا أقل من أن تقتربوا منه؛ ولذلك جاء في رواية: [(فسددوا وقاربوا)].
والسداد هو سداد التوفيق، أو قمة التوفيق في العبادة، يعني: احرصوا على أن تبلغوا أعلى درجات الكمال في العبادة والعلم والعمل، فإن لم تبلغوا هذه المرتبة؛ فلا أقل من أن تجتهدوا في الوصول إليها.
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يدخله عمله الجنة، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا! إلا أن يتغمدني ربي برحمته)].
معنى (يتغمدني) أي: يعمني ويشملني برحمة منه وفضل ومغفرة كما في روايات مختلفة، وفي رواية: [(إلا أن يتغمدني الله منه بمغفرة ورحمة)].
[وقال ابن عون بيده هكذا وأشار على رأسه (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه بمغفرة ورحمة)].
أي: يعمني، وأشار إلى رأسه للدلالة على أن المغفرة والرحمة تعم جميع البدن.
وفي رواية: [(ليس أحد ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا! إلا أن يتداركني الله منه برحمة)].
ومعظم الروايات هي كهذه الرواية، وفي رواية بالزيادة [(ولكن سددوا وقاربوا، وأبشروا)]، (سددوا) أي: ابلغوا السداد، فإن لم تستطيعوا فلا أقل من أن تقتربوا منه، وإذا بلغتم مرحلة السداد أو الاقتراب من السداد؛ فأبشروا برحمة من الله وفضل.
قال: [وعن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، قال: ولا أنا إلا برحمة من الله).
وفي حديث عائشة زوج النبي ﷺ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحداً عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا! إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) -أي: الذي يديم عليه صاحبه- وفي رواية: (أحب العمل إلى الله ما ديم عليه)] أي: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلاً.
وماذا ينفعك عملك طول الليل وأنت قائم تصلي، أو تقرأ القرآن، وقبيل الفجر غلبك النوم فنمت؟ وأي الأعمال أحب إلى الله: أن تنام ثم تقوم فتدرك الفجر وهو الفرض، أو أن تصلي النافلة على هذه الشاكلة، وعلى هذا النحو حتى يفوتك الفرض؟ فأحب الأعمال إلى الله العبادة، والاقتصاد في العبادة لا يقال إلا للمجتهد الذي أنهك نفسه.
فالذي يصلي ركعتين فقط يومياً في قيام ليل، والوتر بعد ذلك، ويداوم على ذلك؛ فهذا أحب إلى الله من إنسان يصلي إحدى عشرة ركعة في ليلة، ويترك الصلاة لمدة أسبوع أو شهر، فالأول مداوم وإن كان عمله قليلاً، فهو أحب إلى الله تعالى.
стр. 1119
اتخاذ الأسباب المعينة على الشيء وقدح ترك الأسباب في التوحيد
والإنسان عندما يتخذ الأسباب المعينة لصلاة الفجر، ومع هذا يغلبه شيطانه، أو يغلبه النوم؛ فلا حرج عليه حينئذ، لكن يحصل هذا من المرء مرة، أو مرتين، أو ثلاث مرات، وأما الذي يسترسل فهو مخطئ.
وهذا الحديث يبين أن العمل ما هو إلا سبب لدخول الجنة، لكن في حقيقة الأمر: ليس هذا السبب كفيلاً بدخول الجنة، والله تعالى هو الذي جعله سبباً لدخول الجنة، كما جعل العمل السيئ سبباً لدخول النار.
والعلماء يقولون: إن الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب قدح في التوحيد.
فالذي يقول: أنا أريد ولداً، يقال له: تزوج، فيقول: لا أريد أن أتزوج، فربنا قادر على أن يأتي لي بولد من غير أن أتزوج، يقال له: هذا كلام صحيح، ونحن نؤمن معك على أن الله تعالى قادر على ذلك، بل على ما هو أعز وأصعب من ذلك، فلو أراد الله ﵎ أن يجمع الدنيا والآخرة فيجعلها في هذا الكأس لفعل، وهذا هو التوحيد، لكن الله ﵎ بين لنا أنه لا يفعل ذلك، مع أنه الذي قضى في كتابه أنه على كل شيء قدير.
وكلمة: (شيء) تفيد العموم، فالدنيا شيء، والآخرة شيء، والجنة شيء، والنار شيء، فلو أراد الله جمع ذلك كله في أقل من هذا الكأس لفعل.
فإذا قال شخص: أنا عملت العمل الفلاني، ولا بد أن تكون نتيجته كذا، فهذا كلام غير صحيح؛ لأن المرء يتزوج ولا ينجب، مع أن الزواج هو السبب الموصل إلى الإنجاب وإلى الولد، ولا يلزم منه الولد، فقد تصبح المرأة عقيمة أو الرجل عقيماً، أو لا عقم عند الرجل ولا عند المرأة لكن لا ولد، مع أن المرأة لا شيء فيها يمنع من الحمل، والرجل لا بأس فيه، إذاً: السبب قائم، ونتائجه غير لازمة.
وقد تكون المرأة عندها عقم، ومع هذا لما طلقت من هذا وتزوجت بآخر أنجبت، مع أن العلة كانت عندها.
إذاً: فالاعتماد على الأسباب شرك بالله ، وترك الأسباب قدح في التوحيد.
стр. 1120
ثبوت الثواب والعقاب بالعقل وعدمه وخلاف أهل السنة مع المعتزلة
والإمام النووي يقول: اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، ولا إيجاب ولا تحريم.
فالثواب والعقاب، والجنة والنار، والواجب والمحرم، والمكروه وغير ذلك، يثبت عند المعتزلة بالعقل، فما حرمه العقل فهو الحرام، وما أحله العقل فهو الحلال، وما أوجبه العقل فهو الواجب، وما أباحه العقل فهو المباح، لأن العقل عند المعتزلة قاض وحاكم على النص، فالعقل أصل والنص فرع.
وأما أهل السنة والجماعة فليسوا كذلك، فالثواب عندهم لا يثبت إلا بنص، فالنص عندهم هو الأصل، ولا بد أن يتمشى العقل مع النص، وإذا حصل خلل وعدم توافق واتزان بين العقل والنص فالعلة في أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن النص غير ثابت، وإما أن العقل لم يدرك مراد الله تعالى بالنص، والعقل قاصر، فإذا أدرك معنى هذا النص؛ فربما عجز عن إدراك المراد من النص الثاني، وغير ذلك.
فالإمام النووي يقول: اعلم أن مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، ولا إيجاب ولا تحريم، ولا غيرهما من أنواع التكليف، ولا تثبت هذه كلها ولا غيرها إلا بالشرع.
والشرع عبارة عن: قال الله قال رسوله، وقد أجمع أهل العلم على أن أدلة الشرع هي: القرآن والسنة والإجماع.
ومذهب أهل السنة والجماعة أيضاًَ أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، تعالى الله عن ذلك، خلافاً للمعتزلة فهم يقولون: بل هذا واجب على الله، ويستدلون بحديث معاذ بن جبل الذي يقول فيه: (أتدري ما حق الله على العباد؟ حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، وهذا حق.
ثم قال: (أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن يدخلهم الجنة).
فالمعتزلة يقولون: إذا وحد العبد ربه؛ يجب على الله أن يدخله الجنة.
فهم يوجبون على الله ، وأما أهل السنة فلا يقولون بهذا الوجوب، بل يقولون: لا يحل لعبد أن يوجب على الله تعالى شيئاً، وأما قضية أن الله أوجب على نفسه ذلك فهذه قضية ثانية، ولذلك يقول: (أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟).
والذي أثبت هذا الحق على نفسه هو الله ، وأما المعتزلة فيقولون: للعبد أن يوجب على الله تعالى ما هو الأصلح.
وهذه المسألة محل نزاع عند المعتزلة، هل يجب على الله الصالح أم الأصلح؟ فقوله ﵊: (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة، وإن عملها كتبت سيئة)، وأما إذا عمل حسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
فالمعتزلة يقولون: العشر حسنات في مقابل الحسنة هذا صالح، لكن الأصلح منه: سبعمائة، وإذا كانت الحسنات للحسنة التي عملها العبد تتراوح ما بين عشر وسبعين؛ فيجب على الله تعالى أن يعطيه السبعين؛ لأن السبعين هي الأصلح للعبد.
والذي قرره ربنا في باب الحسنات: أن الحسنة هي الحسنة نفسها، لكن ربنا جعل أدناها عشراً، والله ﵎ بعدله جعل السيئة بسيئة.
وأيضاً تفضل على عبده أنه إذا هم بها فلم يعملها؛ كتبت له حسنة، مع أنه في باب المباح لا له ولا عليه، ومع هذا تمنن الله ﵎ وتحبب إليه بأن جعل ذلك له حسنة مع أنه لم يعملها.
فقول المعتزلة بوجوب الأصلح على الله ؛ يلزم منه أن يعطي في مقابل الحسنة سبعمائة حسنة، ومذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه شيء تعالى الله عن ذلك، بل العالم ملكه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار؛ كان عدلاً منه، وإذا أكرمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنة؛ فهو فضل منه، وإن عذبهم فليس بظالم لهم، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك؛ لأنه ملكه، يفعل فيه ما يشاء، ولكنه أخبر -وخبره الصدق- أنه لا يفعل ذلك.
فعندما يأتي شخص ويقول: أليس في ملك ربنا يوم القيامة أن يتوب على الكافرين ويدخلهم الجنة؟
الجواب
نعم بيده ذلك؛ لأن الملك ملكه، فهو بيده كل شيء يفعل ما يشاء ، لكن الله ﵎ الذي بيده كل شيء هو الذي أخبر أنه لا يغفر لهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فما دون الشرك كالكبائر والصغائر والبدع ما لم تبلغ مرحلة الكفر، فكل ذلك في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وأما الشرك فإن الله تعالى قضى في كتابه، وأخبر رسوله في سنته أنه لا يغفره ألبتة، مع أنه بإمكانه أن يغفره كبقية الذنوب، لكن الله تعالى استثناه من عموم المغفرة، فالأخبار تحتاج منا إلى تصديق، والآيات تحتاج منا إلى تنفيذ وعمل، فالله تعالى أخبر أنه لا يغفر للمشرك؛ فيجب علينا تصديق ذلك الخبر.
ولو أنعم على الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر -وخبره صدق- أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويدخلهم الجنة برحمته، ويعذب المنافقين والكفار ويخلدهم في النار؛ عدلاً منه سبحانه.
وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل لا بالشرع، هذا واجب
стр. 1121
باب الإكثار من الأعمال والاجتهاد في العبادة
باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.
قال: [عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه)، وفي رواية: (تورمت قدماه)]، وفي رواية: [(انفطرت أو تفطرت قدماه)].
ومعنى: (تفطرت)، أي: تشققت بسبب طول العبادة، ﷺ .
[(فقيل له: أتكلف هذا)]، يعني: لم تتكلف هذا؟ [(وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)].
يعني: ألا أقابل نعم الله تعالى علي بالشكر والحمد! [وعن المغيرة قال: (قام النبي ﷺ حتى ورمت قدماه، قالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً).
وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله! أتصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً)].
قال القاضي عياض: الشكر: معرفة إحسان المحسن، والتحدث به، يعني: أنت أحسنت إلي؛ فمن باب شكري لك على هذا الإحسان أن أذكر هذا الإحسان للناس، فالتحدث بإحسان المحسنين من أبواب الشكر، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكراً؛ لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد لله تعالى: هو اعترافه بنعمه، وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته.
وأما شكر الله تعالى لأفعال عباده، ولعبادة العباد فذلك بأن يجازيهم عليها إحساناً ومعروفاً وتوفيقاً وسداداً، وأن يضاعف لهم الثواب، وأن يثني عليهم بما أنعم عليهم؛ لأن الله تعالى هو المعطي سبحانه، والشكور من أسماء الله .
стр. 1122
باب الاقتصاد في الموعظة
باب الاقتصاد في الموعظة.
قال: [عن شقيق أبي وائل الكوفي قال: (كنا جلوساً عند باب عبد الله ننتظره، فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي، فقلنا: أعلمه بمكاننا)]، يعني: أخبره أننا في الخارج ننتظره، [(فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال: إني أخبر بمكانكم)].
أي: أنا عارف أنكم قاعدين تنتظروني، وكانوا يتأدبون مع المشايخ، وينتظرون في الخارج إلى أن يخرج إليهم، من دون أذية أو مناداة أو طرق للأبواب.
قال: [(فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا)].
يعني: مخافة أن نسأم وأن نمل، وفي رواية عن شقيق أبي وائل قال: [(كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس)].
ومن غفلة الصالحين في هذه الأيام: أن بعض إخواننا من الزهاد والعباد يقولون: أي موعظة في غير يوم الخميس بدعة؛ لأن عبد الله بن مسعود كان لا يذكر قومه إلا يوم الخميس، قلت: هذا مما اتفق للناس، ولا يوجد نص أن النبي ﷺ ما كان يذكر أصحابه إلا يوم الخميس، قالوا: عبد الله بن مسعود كان من ألزم الناس لسنة رسول الله، فقلت: هل هذا الكلام غير مقبول أبداً.
قال: [(كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب حديثك ونشتهيه -يعني: نريد أن نسمع منك في كل وقت- ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم -أي: حتى لا تملوا كلامي- إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة -يعني: يجعلها كل فترة- في الأيام؛ كراهية السآمة علينا)].
стр. 1123
شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد السرقة ونصابها
لقد جاء الإسلام باحترام المال وملكية الأفراد، فحرم الاعتداء على مال الغير، وشرع الحدود، ومنها حد السرقة، فأمر بقطع يد السارق، ولكنه لم يترك الأمر على إطلاقه دون شرط أو قيد، بل لابد من توافر شروط في السارق والمسروق لإقامة حد القطع، فبين تلك الشروط ووضحها، ثم أناط تنفيذ الحد بالحاكم وولي الأمر لتحقيق الحفاظ على أموال الناس والحياة الهادئة المطمئنة.
стр. 1124
باب حد السرقة ونصابها
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فمع كتاب جديد وهو كتاب الحدود.
стр. 1125
تعريف الحد
والحدود: جمع حد.
والحد في الأصل: هو الشيء الحاجز بين شيئين، تقول: بنيت السور حداً بين أرضي وأرض فلان.
أي: فاصلاً بين أرضي وأرض فلان.
ويقال: الحد: هو ما ميز الشيء عن غيره.
والمعنى واحد، ومنه حدود الدار، وحدود الأرض، وغير ذلك.
أي: أن الدار يحدها من جهة الشرق كذا، ومن جهة الغرب كذا، ومن جهة الشمال كذا، ومن جهة الجنوب كذا، فهذه حدود الدار، وكذلك الأرض وغير ذلك.
وهو في اللغة بمعنى: المنع.
ونحن دائماً نقول في المصطلحات الشرعية: لها معنىً لغوي ومعنى شرعي، ونقول: شرعي أو اصطلاحي، وفي الغالب بين المعنيين ارتباط وثيق.
فالحد في اللغة بمعنى: المنع، وسميت عقوبات المعاصي حدوداً؛ لأنها في الغالب تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها، كما يطلق الحد على نفس المعصية ونفس الجريمة ونفس الكبيرة أحياناً فنقول: الخمر حد، والسرقة حد، والزنا حد، كما قال الله تعالى بعد أن عدد هذه الكبائر: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] مع أنها ليست حداً، وهذا من باب إطلاق اللازم على لازمه.
والحد في الشرع: هو عقوبة مقررة لأجل حق الله .
فيخرج بذلك التعزير؛ لأن الفارق بين الحد والتعزير كبير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها].
فبدأ بذكر السرقة ونصابها.
أي: النصاب اللازم لاعتبار أن هذه الجريمة سرقة من عدمها.
следующие страницы →