← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

باب الإكثار من الأعمال والاجتهاد في العبادة باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة. قال: [عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت قدماه)، وفي رواية: (تورمت قدماه)]، وفي رواية: [(انفطرت أو تفطرت قدماه)]. ومعنى: (تفطرت)، أي: تشققت بسبب طول العبادة، ﷺ . [(فقيل له: أتكلف هذا)]، يعني: لم تتكلف هذا؟ [(وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)]. يعني: ألا أقابل نعم الله تعالى علي بالشكر والحمد! [وعن المغيرة قال: (قام النبي ﷺ حتى ورمت قدماه، قالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً). وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله! أتصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً)]. قال القاضي عياض: الشكر: معرفة إحسان المحسن، والتحدث به، يعني: أنت أحسنت إلي؛ فمن باب شكري لك على هذا الإحسان أن أذكر هذا الإحسان للناس، فالتحدث بإحسان المحسنين من أبواب الشكر، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكراً؛ لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد لله تعالى: هو اعترافه بنعمه، وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته. وأما شكر الله تعالى لأفعال عباده، ولعبادة العباد فذلك بأن يجازيهم عليها إحساناً ومعروفاً وتوفيقاً وسداداً، وأن يضاعف لهم الثواب، وأن يثني عليهم بما أنعم عليهم؛ لأن الله تعالى هو المعطي سبحانه، والشكور من أسماء الله .

стр. 1122

باب الاقتصاد في الموعظة باب الاقتصاد في الموعظة. قال: [عن شقيق أبي وائل الكوفي قال: (كنا جلوساً عند باب عبد الله ننتظره، فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي، فقلنا: أعلمه بمكاننا)]، يعني: أخبره أننا في الخارج ننتظره، [(فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال: إني أخبر بمكانكم)]. أي: أنا عارف أنكم قاعدين تنتظروني، وكانوا يتأدبون مع المشايخ، وينتظرون في الخارج إلى أن يخرج إليهم، من دون أذية أو مناداة أو طرق للأبواب. قال: [(فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا)]. يعني: مخافة أن نسأم وأن نمل، وفي رواية عن شقيق أبي وائل قال: [(كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس)]. ومن غفلة الصالحين في هذه الأيام: أن بعض إخواننا من الزهاد والعباد يقولون: أي موعظة في غير يوم الخميس بدعة؛ لأن عبد الله بن مسعود كان لا يذكر قومه إلا يوم الخميس، قلت: هذا مما اتفق للناس، ولا يوجد نص أن النبي ﷺ ما كان يذكر أصحابه إلا يوم الخميس، قالوا: عبد الله بن مسعود كان من ألزم الناس لسنة رسول الله، فقلت: هل هذا الكلام غير مقبول أبداً. قال: [(كان عبد الله يذكرنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب حديثك ونشتهيه -يعني: نريد أن نسمع منك في كل وقت- ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم -أي: حتى لا تملوا كلامي- إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة -يعني: يجعلها كل فترة- في الأيام؛ كراهية السآمة علينا)].

стр. 1123

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد السرقة ونصابها لقد جاء الإسلام باحترام المال وملكية الأفراد، فحرم الاعتداء على مال الغير، وشرع الحدود، ومنها حد السرقة، فأمر بقطع يد السارق، ولكنه لم يترك الأمر على إطلاقه دون شرط أو قيد، بل لابد من توافر شروط في السارق والمسروق لإقامة حد القطع، فبين تلك الشروط ووضحها، ثم أناط تنفيذ الحد بالحاكم وولي الأمر لتحقيق الحفاظ على أموال الناس والحياة الهادئة المطمئنة.

стр. 1124

باب حد السرقة ونصابها بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فمع كتاب جديد وهو كتاب الحدود.

стр. 1125

تعريف الحد والحدود: جمع حد. والحد في الأصل: هو الشيء الحاجز بين شيئين، تقول: بنيت السور حداً بين أرضي وأرض فلان. أي: فاصلاً بين أرضي وأرض فلان. ويقال: الحد: هو ما ميز الشيء عن غيره. والمعنى واحد، ومنه حدود الدار، وحدود الأرض، وغير ذلك. أي: أن الدار يحدها من جهة الشرق كذا، ومن جهة الغرب كذا، ومن جهة الشمال كذا، ومن جهة الجنوب كذا، فهذه حدود الدار، وكذلك الأرض وغير ذلك. وهو في اللغة بمعنى: المنع. ونحن دائماً نقول في المصطلحات الشرعية: لها معنىً لغوي ومعنى شرعي، ونقول: شرعي أو اصطلاحي، وفي الغالب بين المعنيين ارتباط وثيق. فالحد في اللغة بمعنى: المنع، وسميت عقوبات المعاصي حدوداً؛ لأنها في الغالب تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها، كما يطلق الحد على نفس المعصية ونفس الجريمة ونفس الكبيرة أحياناً فنقول: الخمر حد، والسرقة حد، والزنا حد، كما قال الله تعالى بعد أن عدد هذه الكبائر: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] مع أنها ليست حداً، وهذا من باب إطلاق اللازم على لازمه. والحد في الشرع: هو عقوبة مقررة لأجل حق الله . فيخرج بذلك التعزير؛ لأن الفارق بين الحد والتعزير كبير. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الحدود باب حد السرقة ونصابها]. فبدأ بذكر السرقة ونصابها. أي: النصاب اللازم لاعتبار أن هذه الجريمة سرقة من عدمها.

стр. 1126

الأحاديث الواردة في قطع يد السارق في ربع دينار فأكثر قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر - محمد بن يحيى العدني - واللفظ لـ يحيى قال ابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا سفيان بن عيينة - عن الزهري عن عمرة] وهي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية تلميذة وخريجة عائشة ﵂، تروي عن أستاذتها عائشة بنت الصديق ﵂. [قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً)]. أي: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً. يعني: لم يثبت عنه ﵊ بنص صحيح أنه أقام الحد على من سرق أقل من ربع دينار، ولذلك شتان ما بين هذا النص وبين قوله ﵊: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) هذا الأسلوب يستلزم الحصر وهو من أساليب البيان عند اللغويين، قال: (لا يقطع إلا في ربع دينار) (لا) و (إلا) كما لو قلت: لا إله إلا الله، (لا) نفي لجميع الآلهة، (إلا) إثبات لإله واحد. فقوله: (لا قطع إلا في ربع دينار) يستلزم أنه يحرم القطع في أقل من ربع دينار، فهذا أسلوب حصر لأدنى نصاب السرقة التي تستوجب الحد. والذي يسرق البيضة الصغيرة يقال له: سارق. والذي يسرق السواك الذي لا قيمة له يقال له: سارق، لكن لا يقام عليهما الحد؛ لأن هذه السرقة ليست في شيء ذي بال وليس لها كبير قيمة حتى في العرف، فالذي يسرق البيضة والذي يسرق السواك والذي يسرق الورقة الواحدة أو عدة أوراق أو غير ذلك من الأشياء التافهة إنما يعزر ولا يقام عليه الحد. ولك أن تفهم من هذا الكلام: أن ما لم يبلغ النصاب فيه التعزير دون الحد. قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - قال: أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني -. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة -أي: عبد الله الكوفي - قال: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليمان بن كثير - وهو أبو داود العبدي البصري - وإبراهيم بن سعد المدني كلهم يروون عن الزهري]-أي: معمر وسليمان بن كثير وإبراهيم بن سعد يروون عن الزهري قال: [بمثله في هذا الإسناد] أي: بمثل الحديث الماضي من قول عائشة: (كان النبي ﵊ يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً). تخبر بلسانها عن فعل النبي ﷺ ، وأنه كان ﵊ يفعل كذا وكذا. ولكن النص الذي سيأتي معنا هو نص من قوله ﵊، لا من قول أحد، ولا من قول زوجه حكاية عنه ﵊ قولاً أو فعلاً. قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى. وحدثنا الوليد بن شجاع -واللفظ للوليد وحرملة - قالوا: حدثنا ابن وهب - عبد الله بن وهب المصري - أخبرني يونس عن ابن شهاب. ويونس إذا كان بين ابن وهب وابن شهاب فإنه يونس بن يزيد الأيلي. قال: [عن عروة وعمرة -أي عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن - عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال] يصير هذا الحديث من قوله ﵊، بخلاف الحديث الأول فإنه حكاية عن النبي ﵊ من لفظ عائشة ﵂. [قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)] بخلاف اللفظ الأول قالت: (كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعداً) حكاية تحكيها عن النبي ﵊ من فعله. أما الحديث الذي معنا فإنه من قوله ﵊، كأنه يأمر الأمة فيقول: لا تقطعوا يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً. أي: لا تقطعوا يد السارق إلا إذا سرق ربع دينار أو ما يوازيه ويساويه من الأشياء المتقيمة والمتمولة. قال: [وحدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى -واللفظ لـ هارون وأحمد - قال أبو الطاهر: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب -أخبرني مخرمة عن أبيه-] ومخرمة هو ابن ب

стр. 1127

شرح حديث: (لم تقطع يد السارق في عهد رسول الله في أقل من ثمن المجن) قال: [وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة قالت: (لم تقطع يد السارق في عهد رسول الله ﷺ في أقل من ثمن المجن)]. أي: لم تقطع يد سارق في زمن النبوة في أقل من ثمن المجن. والمجن: هو اسم لكل ما يمكن أن يستتر به مستتر، كالخوذة والدرع والحجفة أو الترس الذي يتترس به المرء، وكل هذه من أدوات القتال والحرب، وهي أسماء لبعض عدد الحرب سواء كانت المجن أو الحجفة أو الترس أو الخوذة أو الدرع أو غير ذلك، فلم تقطع يد سارق في زمن النبي ﵊ في أقل من ثمن المجن الذي يستتر به المرء. قال: [(حجفة أو ترس، وكلاهما ذو ثمن)] فالحجفة والترس كلاهما ذو ثمن، يعني: متقوم، متمول. يعني: له قيمة مالية تقدر بربع دينار فصاعداً. فالنبي ﵊ لم يقطع يد السارق الذي سرق ربع دينار أمراً لازماً، وإنما يقطع يد من يسرق ربع دينار أو ما يعادله من أشياء أخرى، لكن لا بد أن تكون هذه الأشياء متقومة أو متمولة وليست مما حرمها الله . قال: [وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان -وهو الكناني أبو علي الشامي المروزي نزيل الكوفة- وحدثنا أبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - كلهم عن هشام -وهو هشام بن عروة الذي يروي عن أبيه عن عائشة بهذا الإسناد- أي بالإسناد السابق. وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة قالا: (وهو يومئذ ذو ثمن)] أي: هذا المجن كان في زمن النبي ﵊ ذو ثمن. يعني: له قيمة.

стр. 1128

شرح حديث القطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم قال: [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك -وهو مالك بن أبي عمرو الأصبحي الإمام الفقيه المعروف سيد أهل المدينة في زمانه- عن نافع -وهو نافع الفقيه مولى ابن عمر - عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم)] والدينار: اثنا عشر درهماً. قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد وابن رمح عن الليث بن سعد. وحدثنا زهير بن حرب وابن المثنى قالا: حدثنا يحيى القطان. وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي - عبد الله بن نمير - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر. كلهم عن عبيد الله]. يعني: هؤلاء الأربعة يروون عن عبيد الله، وهو ابن عمر العمري الإمام الكبير أحد الفقهاء السبعة في المدينة. قال: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -يعني: ابن علية وهذا الأول- وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل قالا: حدثنا حماد -وهذا الثاني- وحدثني محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية - أيوب وأيوب وإسماعيل - وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا أبو نعيم - وهو الفضل بن دكين الكوفي - قال: حدثنا سفيان - وهو الثوري - عن أيوب بن أبي تميمة السختياني وإسماعيل بن أمية وعبيد الله وموسى بن عقبة. وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية. وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثي كلهم عن نافع]. كل هؤلاء -حوالي عشرة- يروون عن نافع ابتداءً من أول ما وقفنا عند عبيد الله بن عمر العمري، وانتهاءً بما انتهى به كل إسناد حتى آخر إسناد، فإنهم جميعاً يروون عن نافع مولى ابن عمر. قال: [عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثل حديث يحيى بن يحيى عن مالك] الإسناد المتقدم، غير أن بعضهم قال: (قيمته) وبعضهم قال: (ثمنه ثلاثة دراهم).

стр. 1129

شرح حديث لعن السارق قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)]. (لعن الله السارق) ونحن نعلم أن من علامات الكبائر: اللعن، فإذا أتى نص يلعن فاعلاً فعل شيئاً فهذا يدل على أن هذا الفعل كبيرة، سواء استلزم هذا الفعل إقامة الحد أم لم يستلزم، فقال ﵊: (لعن الله السارق). ماذا يسرق؟ قال: (يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده). والإسناد الثاني يقول: [حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم كلهم عن عيسى بن يونس - وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - عن الأعمش بهذا الإسناد مثله، غير أنه يقول: (إن سرق حبلاً وإن سرق بيضة)] يعني: لعن الله السارق إن سرق بيضة أو إن سرق حبلاً، والمعلوم أن البيضة والحبل لا يساويان ربع دينار. وهذه الأموال المذكورة في النصوص مردها إلى أصل الصرف في لغة العرب وهما الذهب والفضة. يعني: إذا ذكرت النصوص القرآنية أو النبوية مثل هذه الأموال كالدينار والدرهم وغيرها مما هو معروف أنه مال فإنما المقصود والمراد بذلك: الذهب والفضة، فالمقصود بالدينار: الدينار الذهب، والمقصود بالدرهم: الدرهم الفضة. هكذا أجمع أهل العلم على ذلك؛ لأنهما أصل الصرف في لغة الشرع. وقد سمعت أحد العلماء المتخصصين في علوم الشرع -صنف رسالة عظيمة جداً في المكاييل والمعايير والموازين والمسافات وغير ذلك، وهي رسالة سديدة في بابها- سمعته يقول: الدينار حوالي (١٦٠) جنيهاً، وعلى ذلك يكون القطع في (٤٠) جنيهاً فلو زدنا قليلاً يصير (٥٠) جنيهاً. إذاً: هل يصح القطع في أقل من خمسين؟ الجواب لا. وإنما يجب القطع إذا بلغ السلطان في خمسين وما زاد على ذلك، هذا إذا كان الجنيه المصري له قيمة الآن، لكن على أية حال هذه المسألة مردها إلى معرفة عين المال وقيمة المال في العرف.

стр. 1130

الجمع بين حديث: (لعن الله السارق) والنهي عن اللعن الحديث الأخير يقول: [(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)]. هذا الحديث فيه مبحثان: الأول: مسألة اللعن، وقد وردت نصوص كثيرة جداً بإثبات اللعن، كما وردت أيضاً نصوص كثيرة جداً بالنهي عن اللعن، فكان لابد من الجمع بين النصين لوجود التعارض بينهما: نص يأمر باللعن أو يلعن ونص آخر ينهى عن اللعن، فما هو التوفيق وما هو السداد في هذا؟ قال أهل العلم في الجمع بين ذلك: لا بأس بلعن معين، فإذا قال النبي ﷺ : (لعن الله السارق) فهذا يعني: جواز لعن السارق بعينه إذا سرق. وهذا الرأي إن لم يكن مرجوحاً فهو ضعيف. والمذهب الحق -وهو ما عليه جمهور أهل السنة- أن لعن المعين لا يصح ولا يجوز، فلا يجوز أن أقول: لعن الله زيداً لأنه سرق، وإنما أقول: لعنة الله على السارق، لعنة الله على الظالم، لعنة الله على الفاسق، وغير ذلك مما هو لعن للوصف لا للفرد، فقولي: لعنة الله على الظالمين لعن للوصف، لكني لو قلت: لعن الله فلاناً لأنه ظالم فهذا لعن للفرد. ولعن الكافر فيه نزاع بين أهل العلم، والإمام النووي نقل مذهب كثير من العلماء: أنه لا يجوز لعنه إلا إذا مات على الكفر؛ لأن اللعن هو الطرد من رحمة الله ، وربما إذا لعنت الكافر دخل في الإسلام فكنت أنت في مأزق، لكنك لو قلت: لعن الله الكافرين؛ لكان هذا أولى وأحوط؛ ولذلك قال الإمام النووي في قوله ﵊: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) قال: هذا دليل جواز لعن غير المعين من العصاة. إذاً: لعن المعين لا يجوز، فإذا كان في هذا الحديث جواز لعن غير المعين من العصاة، فمفهوم المخالفة منه أيضاً: أنه لا يجوز لعن المعين من العصاة؛ لأن لعن غير المعين من العصاة هو لعن للجنس لا للمعين، كما قال الله : ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] فهذا لعن لجنس الظالمين، وليس لظالم معين بذاته، وأما المعين فلا يجوز لعنه. قال القاضي: وأجاز بعضهم لعن المعين ما لم يحد -أي: ما لم يقم عليه الحد- فإذا حد لم يجز لعنه، فإن الحدود كفارات لأهلها. قال القاضي: وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث. إذاً: يجوز لعن الصفة لا لعن الموصوف. والأصل: أن القول مقدم على الفعل، فقوله ﵊ مقدم على فعله لكن هذا عند الخلاف، فإذا وقع خلاف بين قوله وبين فعله ﵊ فمع وجود الترجيح يقدم القول؛ لأن القول أمر أو نهي للأمة. أما إذا لم يكن هناك اختلاف فقد جرت عادة المصنفين على تقديم القول أو تقديم الفعل كلاهما سواء، ولا خلاف هنا، لكن لفظ النبوة أضبط؛ لأنه أحصر لمسائل الباب من قول عائشة ﵂؛ فهي حكت فعله وهو وجه أمره أو نهيه للأمة، فلا خلاف بين النصين.

стр. 1131

معنى قوله في الحديث: (يسرق البيضة) (أو يسرق الحبل) وتأويل ذلك المبحث الثاني في هذا الحديث قوله: (يسرق البيضة فتقطع يده، أو يسرق الحبل فتقطع يده). في الحقيقة أن البيضة لا يبلغ ثمنها ثلاثة دراهم وكذلك الحبل، فكيف يقول النبي ﷺ : (يسرق البيضة فتقطع يده)؟ هناك تأويلات. قالوا: المراد بها: بيضة الحديد، وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وبيضة الحديد هي الدرع الذي يتخذه المجاهد للدفاع عن نفسه، يقال: فلان حمته بيضته. يعني: درعه الذي يتوقى به الضربات. ونقول: فلان استأصل بيضة فلان. أي: ضربه حتى أخذ منه عدة سلاحه، فقوله: (يسرق البيضة) أي: بيضة الحديد، وهي تبلغ أكثر من ثلاثة دراهم. وكذلك حبل السفينة وهو الحبل العظيم الذي تربط به السفينة في مرساها، لكن المحققين أنكروا هذا التأويل وضعفوه وقالوا: بيضة الحديد وحبل السفينة لهما قيمة ظاهرة، وليس هذا السياق موضع استعمال القيمة الظاهرة، لأنه بداهة كما أقول: لعن الله السارق يسرق البقرة فتقطع يده، فمن المعلوم أن البقرة لها قيمة أكثر من ربع دينار بل أكثر من دنانير كثيرة، فالنص إنما ورد للزجر الشديد عن أن تمتد اليد إلى غير مالها وإن دق أو قل، فلا يستوي أن يكون هذا الزجر مع الشيء الذي له قيمة ظاهرة كحبل السفينة وبيضة الحديد. هكذا قال المحققون. وقالوا: بل بلاغة الكلام تأباه؛ لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له، فهذا موضع تقليل لا تكثير. وقد يعمل الإنسان عملاً صغيراً في نظر العرف وهو عند الله عظيم، وقد يعرض نفسه لعذاب مهين بسبب عود من أراك، أو شملة غلها من الغنيمة قبل أن توزع، أو عباءة، والنبي ﵊ يقول: (كلا والذي نفس محمد بيده، إني لأرى الشملة تشتعل عليه ناراً) مع أنه كان مجاهداً وكان معرضاً نفسه للقتل في ساحة الوغى، لكن نفسه الضعيفة في لحظة غفلة أمرته أن يأخذ عباءة من الغنائم قبل أن توزع فمنعته هذه العباءة رغم رداءتها وقلة نفاستها أن يكون مع أول الداخلين إلى الجنة، وكانت سبباً في تعذيبه وهلاكه؛ ولذلك قال الصحابة: (إنه في الجنة)، وأخبروا النبي ﷺ بذلك لحسن ظنهم في أخيهم، فقالوا كان خادماً للنبي ﵊ ومولى له: (إن مولىً لرسول الله استشهد فدخل الجنة، فقال النبي ﷺ : لا، إنه قد غل شملة وإني لأراها الآن تشتعل عليه ناراً) سبحان الله! رداء حقير، ومع هذا يشتعل عليه ناراً. وكذلك السارق يعرض نفسه إلى قطع يده في شيء ليس محل استنكار العرف، وهناك من يعرض نفسه للهلاك أو القتل أو الرجم أو غير ذلك بسبب شيء تافه، ولا شك أن الشيء الكبير محل ذم، لكن القليل الذي يعرض صاحبه للحد أكثر ذماً، والله أعلم. قال الإمام النووي: (الصواب أن المراد: التنبيه على عظم ما خسر -وهي يده- في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار، فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة). فالبيضة في وسط البيض شيء حقير، والحبل في وسط الحبال شيء حقير، كذلك الربع دينار في وسط الدنانير شيء حقير. هذا تأويل. قال: (أو أراد جنس البيض وجنس الحبل). فالذي يسرق بيضة إن تيسر له أن يسرق بيضاً سرق، والذي يسرق الحبل إن تيسر له أن يسرق حبالاً سرق، فأطلق النبي ﷺ الجزء وأراد الكل بإرادة الجنس لا إرادة هذا الشيء المذكور، فقوله: (يسرق البيضة) أي: جنس البيض. وقوله: (يسرق الحبل) أي: جنس الحبل، فيحد حينما يسرق ببيض متقوم بربع دينار فصاعداً، أو بحبال متقومة بربع دينار فصاعداً. قال النووي: (أو أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع). وهناك مثل يقول: الذي يسرق البيضة يسرق الجاموسة. يعني: يجره سرقة القليل إلى سرقة الكثير، فإذا كنت تسرق البيضة ولا تقطع يدك فإنه سيأتي عليك اليوم الذي تسرق ما هو أعظم من البيضة ويقدر بنصاب القطع فتقطع يدك فيه؛ وذلك لأنك ألفت السرقة من أول الأمر. قال: (فكانت سرقة البيضة هي سبب القطع). أي: هي السبب لمبدأ السرقة لا لمبدأ أنه سرق بيضة. قال: (أو أن المراد به: قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة). لكن هذا كلام فيه شذوذ شرعي. قال: (وقيل: إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب فقاله على ظاهر اللفظ، والله أعلم). يعني: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] فقطع النبي أول الأمر في أقل السرقة أو في كل ما هو سرقة، ثم أتاه الوحي بعد ذلك أنه لا قطع في أقل من ربع دينار، وهذا أيضاً بعيد.

стр. 1132

الحكمة من مشروعية قطع يد السارق قال النووي ﵀: قال القاضي عياض: (صان الله تعالى الأموال بإيجاب القطع على السارق). فأنتم تعلمون أن الأغراض الأساسية للشرع خمسة، وهي: الدين، العرض، المال، النفس، العقل، وهذا الحد -وهو حد السرقة- من باب الحفاظ على المال. قال: (ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب -والغش وغير ذلك- لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة). يعني: هذه الجرائم وإن كانت كلها اعتداء على المال إلا أنه يمكن تداركها ومعرفتها وإقامة البينة عليها بخلاف السرقة، فإنها تتم خفية. قال: (ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور). يعني: الغصب والاختلاس والانتهاب وغير ذلك يمكن لولي الأمر أن يقيم البينة على المغتصب أو المنتهب أو المختلس. قال: (وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة؛ فإنه تندر إقامة البينة عليها؛ فعظم أمرها واشتدت عقوبتها؛ ليكون أبلغ في الزجر عنها).

стр. 1133

ذكر إجماع الأمة على قطع يد السارق في الجملة واختلافهم في فروعه قال: (أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة). أي: أجمع المسلمون على وجوب قطع يد السارق في الجملة. قال: (لكنهم اختلفوا في فروع هذا الحد). يعني: أجمعوا واتفقوا على أن يد السارق تقطع، وهذا هو الأصل، لكنهم اختلفوا في شروط السرقة أو في شروط المسروق أو في شروط الحرز؛ وذلك لأنه من أساسيات الحدود أن يقيمها الوالي ولا يقيمها عامة الأفراد، بخلاف التعزير فلعامة الأفراد أن يعزروا، فللسيد أن يعزر عبده، وللزوج أن يعزر امرأته، وللوالد أن يعزر ولده، وكل شخص يعزر من تحته حسب ما يتراءى له ما لم يبلغ أكثر التعزير أقل الحد، كما قال ﵊: (لا حد في أقل من عشرة أسواط) يعني: فالإنسان لما يعزر لا يضرب أكثر من عشر جلدات؛ لأن التعزير قد يكون بالكلمة أو بالوعظ أو بالتوبيخ أو بالهجر أو بالتقريع أو غير ذلك، فالفارق الجوهري بين الحد والتعزير: أن الحد يقيمه الحاكم، والتعزير للحاكم ولغيره من الناس؛ لأن الحد الشرعي له ضوابط وأصول وظروف، وأقل شبهة يدرأ بها الحد. مثال ذلك: شخص يعمل في محل، فأكل صاحب المحل عليه راتبه الشهري ومقداره (٥٠٠) جنيه، ومن عادة صاحب المحل أن يأخذ المال ويضعه في خزينة، وهذه الخزينة مغلقة بمفتاح، فإنه يكفي أن تسمى هذه الخزينة حرزاً، لكن هذا العامل كسر القفل وفتح الخزينة وأخذ منها (٥٠٠) جنيه، فهو في هذه الحالة سارق؛ لأنه أخذ مالاً محرزاً بغير إذن. فنقول: هذا فيه شبهة تمنع إقامة الحد عليه، وهي أنه لم يسرق إلا ماله الذي أكله عليه صاحب المحل، فهذه الشبهة يدرأ بها الحد، ولو أن إقامة الحد موكولة إلى الناس لأقام عليه الحد صاحب المحل. فلو أن كل إنسان يسمح لنفسه بإقامة الحد على من ظن أنه ارتكب جرماً يستوجب إقامة الحد، فلن يكون هذا المجتمع محترماً؛ ولذلك الحدود لا يقيمها إلا الحاكم. ولو أن ولداً زنى وبلغ الخبر إلى أبيه وقال له: يا ولدي! أنت زنيت؟ فقال له: لا أجمع على نفسي معصيتين الكذب والزنا، نعم، أنا زنيت. فهل يجوز للوالد أن يقول: نحن في زمن ترك الحدود وأنا أتقرب إلى الله بإقامة الحد عليك يا بني، ويتمثل قول إبراهيم ﵇ لما أراد أن يقتل ولده بأمر الله ؟! هذا لا يمكن أن يكون ديناً أبداً، حتى الوالد لا يقيم على ولده الحد، ولا الزوج يقيم على زوجه الحد، إنما يقيم الحد الحاكم أو من ينوب عنه، فإقامة الحدود لها شروط، وهناك زوايا متعددة في هذه الجريمة، كما أن المسروق فيه شروط ومحل السرقة -وهو الحرز- له شروط.

стр. 1134

ذكر أقوال العلماء وخلافهم في نصاب حد السرقة قال: (أجمع العلماء على قطع يد السارق كما سبق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر: لا يشترط نصاب، بل يقطع في القليل والكثير). واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. فهي مطلقة بغير قيد. واستدلوا أيضاً بحديث: (لعن الله السارق، يسرق البيضة ويسرق الحبل) فالبيضة المراد بها: البيضة التي تؤكل، لكن جماهير العلماء قالوا: لا تقطع اليد إلا في نصاب، وحجتهم هذا الحديث الظاهر: (لا قطع إلا في ربع دينار - أي ذهب - فصاعداً) واعتبروا أن عموم الآية مخصص بهذا الحديث. وهناك مسألة نزاعية أخرى: هل السنة تخصص القرآن؟ الجواب نعم. وهذا مذهب أهل السنة، وذهب بعض أهل الانحراف إلى أن السنة لا تخصص القرآن، وهذا كلام فاسد. قال: قال الشافعي: النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر، ولا يقطع في أقل منه. وبهذا قال الأكثرون، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وروي أيضاً عن داود. وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما، ولا قطع فيما دون ذلك. وقال سليمان بن يسار وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن في رواية عنه: لا تقطع إلا في خمسة دراهم- واستندوا إلى حديث ضعيف- وهو مروي عن عمر بن الخطاب. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك، واستندوا كذلك إلى حديث ضعيف. قال النووي: (وحكى القاضي عن بعض الصحابة: أن النصاب أربعة دراهم). واستندوا كذلك إلى نص غير صحيح. قال: (وعن عثمان البتي: أنه درهم. وعن الحسن: أنه درهمان. وعن النخعي: أنه أربعون درهماً أو أربعة دنانير). والصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ لأن النبي ﷺ صرح ببيان النصاب في هذه الأحاديث من لفظه وأنه ربع دينار. قال النووي: (أما باقي التقديرات فمردودة لا أصل لها، مع مخالفتها لصريح هذه الأحاديث). أما رواية: (أنه ﷺ قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم) فمحمولة على أن هذا القدر كان ربع دينار فصاعداً، وهي قضية عين لا عموم لها. فالنبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دارهم أو ربع دينار، وهذه حادثة عين تحفظ ولا يقاس عليها أي مجن آخر؛ وذلك لأن المجن ليس هو الضابط في إيقاع الحد على السارق، إذ إن المجن في زمن النبي ﷺ يساوي ثلاثة دراهم، لكن بعد زمن النبي ﷺ فإنه لا يساوي درهمين، وفي زماننا هذا لا يساوي شيئاً. إذاً: هذه حادثة عين تحفظ ولا يقاس عليها، وقلنا: (تحفظ) لأنها كانت ذات قيمة تستوجب إقامة الحد. قال النووي: (فلا يجوز ترك صريح لفظه ﵊ في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة) أي: هذه الرواية بربع دينار. (بل يجب حملها على موافقة لفظه). قال: (ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره ﷺ . وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت (قطع في مجن قيمته عشرة دراهم) وفي رواية (خمسة) فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم.

стр. 1135

شروط إقامة حد القطع في السرقة قال الإمام النووي في هذا الباب: (قال العلماء: والحرز مشروط، فلا قطع إلا فيما سرق من حرز) فمن الشروط: أن القطع لا يكون إلا إذا كانت السرقة من حرز؛ لأن المسروق من غير الحرز لا قطع فيه، ويعرف الحرز بالعرف؛ وذلك لأن الأحراز مختلفة من سلعة إلى أخرى ومن بضاعة إلى أخرى. مثال ذلك: شخص يبيع ملابس وأحذية في سيارة، فلما سمع الأذان أدخل الأثواب والأحذية السيارة وأغلقها ودخل المسجد، فهذا يسمى حرزاً في العرف، فلو جعل الأحذية أو الأثواب على ظهر السيارة ووضع عليها عباءة فإن هذا لا يسمى حرزاً في العرف، ومن وضع نقوده في درج له مفتاح وأغلقه فقد حرز، وإذا لم يغلق ذلك الدرج لم يحرز، فلابد من اشتراط الحرز، وهذا مذهب الجماهير. والمعتبر في معرفته حرزاً أم لا هو العرف، لكن داود الظاهري قال: أي سرقة من حرز أو من غير الحرز فيها قطع. وهذا مذهب مردود، ويكاد يكون الإجماع في اشتراط الحرز عرفاً، ولا تعتبر مخالفة داود الظاهري مخالفة مؤثرة فيما اتفق عليه أهل العلم. ومن الشروط أيضاً: ألا يكون للسارق في المسروق شبهة، كما في حديث النبي ﷺ : (أنت ومالك لأبيك)، فالأب إذا سرق مال ولده باعتباره المالك فهذا المسروق فيه شبهة. ومن الشروط أيضاً: أن يطالب المسروق منه بالمال. أي: أن الذي سرق منه المال لابد أن يطالب به.

стр. 1136

بيان كيفية القطع في حد السرقة قال: (وأجمعوا -أي: العلماء- على أنه إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى). قال الشافعي ومالك وأهل المدينة والزهري وأحمد وأبو ثور وغيرهم: فإذا سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى. مع أن الله يقول: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، لكن الجمهور على قطع اليد اليمنى الأول، ثم تقطع الرجل اليسرى. يعني: تقطع الأيدي والأرجل من خلاف: اليمنى في اليد مع اليسرى في الرجل، ثم اليسرى في اليد مع اليمنى في الرجل. قال: (فإذا سرق ثالثاً قطعت يده اليسرى، فإن سرق رابعاً قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك عزر). قال: (قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك والجماهير: تقطع اليد من الرسغ وهو المفصل بين الكف والذراع، وتقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم). وهذا طبعاً المذهب الحق وعليه العمل. قال: (لكن علي بن أبي طالب ﵁ قال: تقطع الرجل من شطر القدم. وبه قال أحمد وأبو ثور. وقال بعض السلف: تقطع اليد من المرفق. وقال بعضهم من المنكب. والمذهب الراجح هو المذهب الأول: أن قطع اليد من الكف - أي: من الرسغ- وكذلك قطع القدم. أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1137

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تكملة حد السرقة ونصابها المال هو عصب الحياة، وبه تقوم الحضارات وترتقي الأمم، وهو أحد الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها، فقد بينت الشريعة حق الأفراد في أموالهم، وشرعت القوانين دون انتهاكها والانتقاص منها، وحكمت على من سرق مال الغير بحد القطع مهما كان حجم السرقة إذا بلغ النصاب الذي حددته الشريعة.

стр. 1138

الحكمة من مشروعية القطع في حد السرقة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. إن الإسلام قد احترم المال من حيث أنه عصب الحياة، واحترم ملكية الأفراد سواء كانت امرأة أم رجلاً، وجعل حقهم فيه حقاً مقدساً لا يحل لأحد أن يعتدي عليه بأي وجه من الوجوه؛ ولهذا حرم الإسلام السرقة والغصب والاختلاس والخيانة والربا والغش والخداع والرشوة، والتطفيف بالكيل والوزن، واعتبر كل مال أخذ بغير سبب مشروع بمثابة أكل للمال بالباطل. وشدد الإسلام في السرقة، فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة، وفي ذلك حكمة بينة، إذ إن اليد التي امتدت إلى أموال الناس بغير حق هي كالعضو المريض في البدن يجب استئصاله وإلا فسيضر بالبدن كله، وبهذا تحفظ الأموال وتصان، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]. أما الحكمة في تنزيل العقوبة في السرقة وتشديدها دون غيرها من جرائم المال كالغصب والاختلاس والربا والغش والتلاعب بالكيل والوزن وغير ذلك، فكما قال النووي نقلاً عن القاضي عياض وقد ذكرناه في الدرس الماضي: (أن الله تعالى جعل ذلك صيانة للمال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة؛ ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمور). يعني في بقية أنواع أخذ المال بغير الحق كالغصب والنهبة وغير ذلك، بإمكان ولي الأمر أن يسترد هذا المال من الغاصب أو المنتهب لصاحب المال. ولـ ابن القيم كلام عظيم جداً إذ يقول: وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضاً. قال القاضي: (فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز). يعني: أنه يخرم الديار خرماً سواء كانت جُدُراً أم أسقفاً أم غير ذلك، كما أنه يهتك الحرز بهتكه أو كسر القفل أو غير ذلك، ولا يمكن لصاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فيضع صاحب البيت متاعه في حرز داخل بيت، فيأتي السارق يكسر باب البيت ثم يدخل فيكسر باب الحرز، فماذا يصنع صاحب المال أكثر من ذلك؟ فقد حرز ماله، ومع هذا دخل السارق خلسة وبعد أن انتهك هذه الحرمات كلها في الطريق إلى إيقاع السرقة أو إلى أخذ المال فإنه حينئذ لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف بقية الأنواع فيمكن الاحتراز منها؛ ولذلك شدد الشارع جداً فيما يتعلق بسرقة المال على جهة الخصوص.

стр. 1139

تعريف السرقة وذكر أنواعها وشروطها السرقة نوعان: نوع يجب فيه إقامة الحد إذا بلغ السلطان، وهو ما زاد على سرقة ربع دينار فصاعداً، وما دون الربع دينار ففيه التعزير. أما تعريف السرقة فقد قال العلماء هي: أخذ الشيء في خفية. وفي القاموس: السرقة والاستراق: المجيء متستراً لأخذ المال -أي: لأخذ مال الغير- من حرز. وهذا تعريف أشمل وأعم من الأول، والتعريف الثالث هو تعريف ابن عرفة قال: السارق عند العرب هو: من جاء مستتراً. فالشرط الأول: من جاء في خفية. إذاً: الشرط الأول في تحقق أن هذه الحادثة سرقة يجب فيها إقامة الحد: أن يأتي السارق خفية. الشرط الثاني والثالث: أن يأخذ مال الغير من حرز. ومن تعريف المصطلح الشرعي بأنه كيت وكيت وكيت، لابد أن نستنتج من هذا التعريف شروط المعرف، فإذا قلت: السرقة هي أن يأتي السارق خلسة أو خفية أو مستتراً ليأخذ مال الغير من حرز، فأقول: هذا التعريف بيَّن لي شروط السرقة التي تستوجب إقامة الحد، ومنها: أن يأتي السارق خلسة، فلو دخلت بهيمة بيتك؛ وكسرت الباب ثم كسرت القفل وأكلت الأوراق ولم تعلم بها إلا وهي خارجة من البيت، فهل يقام عليها الحد؟ الجواب لا يقام عليها الحد؛ لأنها ليست سارقة، فمن شروط السرقة: أن يدخل السارق خلسة، إذاً: الشرط الأول منعدم هنا. مثال آخر: شخص لم يأت بيتاً متستراً، وإنما دخل وهو شاهر سيفه، وقال: أعطني مالك وإلا قتلتك، فهذا إما غاصب وإما صائل باغ ظالم معتد، فهذا تطبق عليه حدود أخرى لا حد السرقة. إذاً: لابد أن يأتي السارق خلسة ليأخذ مال الغير، فلو فرضنا أنه أتى خلسة، ولكنه يعتقد أن المال الذي سيأخذه هو ماله الشخصي، وأن هذا الرجل الذي أخذ منه المال، إنما سرقه أو اختلسه أو غصبه، وذهب ليسترد هذا المال عنوة، ولكنه ذهب متستراً متخفياً لغلبة الظن أنه لا يحصل على ماله إلا بهذا الطريق، إذاً: هذا الرجل أخذ مال الغير، وفي نظره أنه يأخذ ماله، مع أنه هناك طرق أخرى مشروعة لأخذ ماله واسترداده، لكن ألا تعدون أن هذه شبهة؟ بلى. وأنتم تعلمون أن الحدود تدرأ بالشبهات، فهو يقول: أنا لست سارقاً، لكن الشرع يعده سارقاً؛ لأنه دخل خفية، وأخذ المال من حرز، وهو مقر بأنه أخذ المال من حرز، لكنه لا يقام عليه الحد، لم؟ لأن هذا المال الذي أخذه ليس مال فلان، وإنما هو ماله؛ ولذلك الإمام الشافعي كان يسمي هذا السارق السارق الظريف؛ لأنه إذ إنه إذا أقيمت عليه الحجة، وثبتت عليه السرقة وقدم للقطع قال: هذا المال مالي، فبعد أن كانت عليه الدفة كلها حولها إلى خصمه المسروق. قال: هذا المال أخذه مني عنوة، وأنا أردت استرداد مالي الذي أخذه مني عنوة، فالإمام الشافعي يسميه السارق الظريف، ويدرأ عنه الحد بهذه الشبهة. إذاً: السرقة هي: أخذ مال الغير، وأن يكون هذا الأخذ على جهة التخفي والاستتار، وأن يكون المال محرزاً، فإذا فقد أي شرط من هذه الشروط فلا تعد القضية مطروحة على القضاء سرقة، ولكنها تدخل تحت باب آخر؛ ولهذا لا يعتبر الخائن ولا المنتهب ولا المختلس سارقاً ولا يجب على واحد منهم القطع، وإنما يجب التعزير. وضربت لك في الدرس الماضي مثلاً بإنسان قد عملت عنده، وقد حرز ماله في المحل، وهذا من جهة العرف حرز؛ لأن العرف هو الذي يحكم ما إذا كان هذا حرزاً أم لا، فالحرز هو: ما يمكن حفظ الشيء فيه عرفاً. إذاً: العرف هو القاضي على كثير من المصطلحات الشرعية، كالسفر مثلاً، العرف هو القاضي بما إذا كان هذا سفراً أم لا، فإذا قال العرف: هذه المسافة مسافة سفر وإن قلت عن (٨٠) كيلو فللمسافر فيه أن يستخدم الرخصة، وإن بعدت عن (١٠٠) كيلو ولكن العرف لا يعدها سفراً فلا يحل لواحد أن يستخدم فيها الرخص، فالعرف يقضي على كثير من المصطلحات الشرعية، وذلك إذا كانت مما يختلف باختلاف الزمان والمكان.

стр. 1140

حكم جحد العارية مسألة: جحد العارية مسألة فرعية من فرعيات السرقة: وصورتها: أنك أعرتني شيئاً وأنا جحدته، ولما طالبتني بعاريتك قلت: ما أخذت منك شيئاً. فهل هذا يعد سرقة؟ الجواب اختلف الفقهاء في حكم ذلك، فجمهور العلماء قالوا: لا يقطع من جحد العارية؛ لأنه لم يأخذها في خفية ولم يذهب متستراً، إنما صاحب المال هو الذي أعاره واستأمنه على هذا الشيء، والقرآن والسنة أوجبا القطع على السارق، وليس جاحد العارية بسارق. وذهب الإمام أحمد وإسحاق وزفر والخوارج وأهل الظاهر: إلى أنه يقطع؛ لما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده)، انظر الكلام الجميل! المتاع يكون عندها فإذا طولبت به قالت: ما أخذت من أحد شيئاً، وهذا جحود. قال: (فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد ﵁ فكلموه، فكلم النبي ﷺ في ذلك، فقال له النبي ﷺ : أتشفع في حد من حدود الله ؟ وقام النبي ﵊ خطيباً فقال: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم -أي: من بني إسرائيل- أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها). فبعض العلماء يقولون: هذا الحديث الذي فيه الزيادة: (هذه الزيادة التي فيها: أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر النبي ﵊ بقطعها) حديث شاذ وإن كان في مسلم. وهو الباب الثاني في كتاب الحدود. والبعض يقول: هذا الحديث ليس شاذاً، وإنما أخبر الحديث أن هذه المرأة كان من صفاتها وأخلاقها أنها تجحد العارية، فذكروها بأحد صفاتها الذميمة، وقد أمر النبي ﷺ بقطع يدها لا لكونها كانت تجحد العارية، وإنما لسبب آخر وهو السرقة؛ ولذلك أورد مسلم هذا الحديث بهذه الزيادة: (أنها كانت تستعير المتاع وتجحده) ضمن الحديث من طريق واحد، فالحديث من عدة طرق ليس فيه هذه الزيادة؛ وذلك ليبين أن الحديث إن ثبت على هذا النحو وبهذه الزيادة فالمقصود به: ذكر إحدى صفات المرأة، لا أنها قطعت لأنها تجحد العارية، وإنما قطعت لسبب آخر قد ورد في بقية طرق الحديث عن المرأة المخزومية، وقد صرح الرواة بأنها امرأة مخزومية سرقت، فالقطع ليدها كان لأجل السرقة لا لأجل أنها كانت تجحد العارية. والشاهد من هذا الباب كله: أن جاحد العارية قد اختلف فيه العلماء، والذي يترجح لدي أن جاحد العارية وإن كان ظالماً وآثماً يعزر ويحمل على رد العارية إلى صاحبها إلا أنه لا يقطع.

стр. 1141

حكم النباش الذي ينبش القبور النباش: هو الذي ينبش القبر ويأخذ الكفن. فعندما تنظر في كتب الفقهاء عن النبش والنباش تجد النبش في حياة السلف لا يتعدى سرقة، أما الآن فإنهم لم يعودوا بحاجة إلى نبش القبر وأخذ بعض الجثة أو الجثة كلها؛ لأن الجثة لا تخرج إلا هيكلاً خارجياً من المستشفيات العامة أو الخاصة، فقد صارت أعضاء الخلق مسلمين وغير مسلمين تجارة رابحة جداً يدخل فيها الطبيب الفقير من باب ويخرج من باب آخر وقد حقق الملايين من الجنيهات، فإن نفعه هذا في الدنيا فإنه إن شاء الله لن ينفعه بين يدي الله . وفي الحقيقة الطب تجارة من التجارات عند جميع العاملين به إلا من رحم الله ، ومن بر واتقى وعلم أن هذه أمانة هو مسئول عنها بين يدي الله ، وقليل ما هم، فعامة الأطباء -خاصة الجراحون منهم والجراحات- قد اتخذوا تجارة الأعضاء بضاعة سائغة؛ رائعة لتحقيق عرض من أعراض الدنيا وهو زائل لا محالة، واستندوا في ذلك إلى فتوى لبعض من ينتسب إلى أهل العلم، وهذه الفتوى لا علاقة لها البتة بهذا الإجرام الذي يتم في المستشفيات، ونحن لا نميل إلى هذه الفتوى قط، فالمرء لا يجوز له التبرع ببعض أعضائه حتى وإن كان ذلك بعد موته. والأطباء المتخصصون يقولون: إذا مات الميت وبرد جلده فإنه لا ينتفع منه بجزء من أجزاء بدنه، بل لابد أن يؤخذ الجزء المراد من بدن الميت قبل الموت ولو بلحظة، يعني: لا ينتزع إلا العين أو الكلى؛ لأن هذين هما العضوان اللذان يعملان بشكل جيد، فيؤخذ هذان العضوان من الرجل إذا غلب على ظن الطبيب أنه سيموت. وقد حدثني طبيب في مستشفى القصر العيني بأن مشاجرة عظيمة جداً تمت بين طبيبين كبيرين في غرفة العناية المركزة، إذ دخل شخص العناية المركزة فاحتجزه الطبيب وهو يقول: هذا لي، يعني: لا يحل لأحد من الأطباء أن يأخذ منه شيئاً؛ لأنه هو الذي سيأخذ منه، فقام الطبيب الآخر في غياب الطبيب الأول بأخذ الكليتين، ومات الشخص ولابد أن يموت، وهذا يسمونه الموت الطبي وليس الموت الشرعي. فهذا المريض حياته (٩٠%) ميئوس منها، فيقولون: إذاً: ننتفع منه بما يمكن الانتفاع به. ونحن نذكر بدر الدين العيني الإمام الكبير شارح البخاري، وكان صاحب قصر، وكان من علماء الدنيا في زمانه، فسمي القصر باسمه؛ لأن القصر كان ملكاً له، وكان هذا الرجل فوق الأمير وفوق السلطان، إذ كانت الدنيا تدار بأمره، وكانت إليه الرحلة في زمانه، وقد اتخذ هذه الدار لسكن الطلاب الذين يأتونه من آسيا وأفريقيا وغيرها من بلاد العالم ليتعلموا العلم على يديه، وله كتاب عظيم جداً في شرح صحيح البخاري اسمه عمدة القاري، وهو أعظم من الفتح للحافظ ابن حجر في باب، والفتح للحافظ أعظم منه في باب آخر، أما القبول فهذا رزق من الأرزاق، فكتاب عمدة القاري لا يستغني عنه عالم قط، ولا يستغني عنه من له عناية بصحيح البخاري وبعلم الحديث كله، وللأسف الشديد هذا المكان المبارك الذي بدأ بإيواء أهل العلم في العالم كله على ضفاف النيل صار مكاناً لسرقة الأعضاء وبيعها في سوق النخاسة. وعوداً على بدئ فقد جرى في شأن النباش الخلاف بين أهل العلم، وهو الذي يسرق أكفان الموتى، فذهب الجمهور إلى أن عقوبته قطع يده؛ لأنه سارق حقيقة، والحرز هو القبر؛ ولأنه في الغالب يأتي خلسة وخفية ويسرق مال الغير. والكفن مال مملوك للغير، وبعضهم نازع وقال -كالأحناف والأوزاعي والثوري: لا عقوبة عليه إلا التعزير؛ لأنه نباش وليس سارقاً، فلا يأخذ حكم السارق؛ ولأنه أخذ مالاً غير مملوك لأحد؛ لأن أولياء الميت لا يزعمون أن هذا الكفن ملكاً لهم، كما أن الميت لا يملك، فهذه الشبهة درأت الحد عن النباش، وينبغي تعزيره وزجره حتى ينزجر أمثاله.

стр. 1142

ذكر الشروط التي يجب توافرها في السارق لإقامة الحد عليه جناية السرقة لها ثلاثة أطراف: سارق، ومسروق، وحرز، وهناك شروط يجب توافرها في السارق، وشروط يجب توافرها في المسروق، وشروط يجب توافرها في الحرز، فما هي الشروط أو الصفات التي يجب اعتبارها في السارق؟ أولاً: أن يكون مكلفاً. السارق يجب أن يكون إنساناً بالغاً عاقلاً مكلفاً، والعاقل احتراز من المجنون؛ لأن المجنون لو سرق فإنه ليس أهلاً للتكليف ولا محلاً له؛ ولا يشترط فيه الإسلام؛ لأن الذمي إذا سرق حُد، والمرتد كذلك. الشرط الثاني: الاختيار. وهذا احتراز من الإكراه. الشرط الثالث: ألا يكون للسارق فيما سرق شبهة، كشبهة الملك مثلاً، كما قلنا في الدرس الماضي: لو أن أباً سرق مال ولده فإنه يدفع الحد عنه بقوله ﵊: (أنت ومالك لأبيك) فهذه شبهة، وكذلك لا يقطع الابن بسرقة مال أبيه، ولا يقطع السيد بسرقة مال العبد إذا كان للعبد مال؛ لأن الابن في الغالب يتبسط في مال أبيه وأمه، فكما لا يقطع الأب في مال الابن كذلك لا يقطع الابن في مال أبيه.

стр. 1143

حكم من سرق مصحفاً فإن قيل: لو أن واحداً سرق المصحف هل يحد فيه أم لا يحد؟ الجواب منهم من قال: إذا بلغت قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم فأكثر يحد. ومنهم من قال: لا يحد للشبهة. قالوا: لأن كتاب الله تعالى لكل شخص فيه الحق، وهذا قد أخذ المصحف الذي له فيه بعض الحق، فلو أتى إليك السارق وقال لك: لا، أتحدني على المصحف؟ صحيح أن المصحف يباع بـ (٥٠) جنيهاً ففيها حد السرقة، لكن المصحف هو كلام الله ، وقد أخذته لأنتفع به، باعتباري أنني مسلم ولي فيه الحق؛ ولذلك لم يختلفوا على حد الذمي إذا سرق مصحفاً تبلغ قيمة أوراقه نصاب السرقة، بخلاف المسلم. قالوا: المسلم فيه شبهة.

стр. 1144

حكم من سرق من بيت المال إذا سرق المسلم من بيت المال مبلغاً بلغ النصاب، فهذا يجري حكم التعزير فقط؛ لأن بيت المال هذا هو بيت مال المسلمين، والسارق مسلم. إذاً: له حظ ونصيب في هذا المال، وربما منعه الحياء أن يخبر الناس أنه فقير أو غير ذلك، مما حدا به أن يمد يده فيأخذ بنفسه من هذا المال. قال: وأنا أعتقد أن المال الذي أخذته إنما هو لي؛ لأنني فقير، ولكن منعني الحياء أن أقول: إنني فقير؛ فأخذته بنفسي.

стр. 1145

حكم من سرق من مال له فيه شركة أو من مدين مماطل كذلك لو سرق من مال له فيه شركة لا يقام عليه الحد لوجود الشبهة. قال: (ولا يقطع من سرق من المدين المماطل في السداد) يعني: أنت عليك دين لي، وأنا لا أستطيع أن آخذه مع أنك موسر ولست معسراً، لكنك مماطل، وقد قال النبي ﵊: (مطل الغني ظلم)، والعلماء يعرفون الغني: بأنه من ملك مبلغ الدين. يعني: ليس شرطاً أن يكون مليونيراً، لا فأنت عليك عشر جنيهات لي، وهي معك؛ فيجب عليك دفعها لي فوراً؛ لأن هذا مالي أنا، فإذا لم تدفعها إلي كنت مماطلاً في نظر الشرع، فلو أني أخذت هذا المال منك سرقة باعتبارك مديناً غنياً ومماطلاً فلا يجب في ذلك إقامة حد السرقة؛ لأن ذلك استرداد للدين وإن كان الأولى ترك ذلك؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)، فهذا وإن كان خائناً فلا تحملك خيانته على أن تخون أنت كذلك.

стр. 1146

حكم من سرق مالاً مسروقاً قال: ومن غصب مالاً وسرقه وأحرزه فسرقه منه سارق. مثال ذلك: أنا أعلم أنك سرقت مال زيد ولا تملك إلا المال المسروق، فقمت أنا عليه فسرقته، وبعد ذلك تقول لي: تعال! أنت سارق وينبغي أن تحاسب. أقول لك: لا. أنا سرقت من سرقتك أنت، فهذا المال ليس مالك؛ لأنه ينبغي أن تكون أنت مالكاً له، وهذا المال الذي سرقته منك هو مال زيد وليس مالك، وأنا قد سرقته منك لأدفعه لزيد، فهذه شبهة بصرف النظر عن تحقيق ما إذا كانت الحادثة سرقة أم لا. إذاً: الصفات التي يجب اعتبارها في السارق: أن يكون مكلفاً، أن يكون مختاراً، ألا يكون له فيه شبهة.

стр. 1147

ذكر الشروط التي يجب توافرها في المال المسروق

стр. 1148

الشرط الأول: أن يكون مما يتمول ويملك أولاً: أن يكون مما يتمول ويملك. ومعنى متمول: أي: له قيمة مالية محترمة في الشرع، فهناك مال ليس محترماً في الشرع، كالخمر والخنزير والكلب وثمن البغي والطنبور وآلات المعازف والموسيقى، كلها أموال غير محترمة، فلو أنك سرقت زجاجة خمر من نصراني أو يهودي وكسرتها وأرقت ما فيها، وطالبك الذمي بدفع قيمة هذا الخمر، فهل يجوز للقاضي أن يحكم عليك بذلك؟ الجواب لا؛ لأن هذا المال مال غير متمول وغير متقوم، كما أنه لا يمثل نسبة مالية في الإسلام، وإن كان يتكلف في الصناعة، لكنها في الشرع ليست بفلس واحد ولا تساوي شيئاً؛ لأنها مال قد حرمه الإسلام. كما يجب أن يكون هذا المال مما يحل بيعه، فالخنزير لا يحل بيعه، حتى في دين النصارى لم يصح الإذن لهم بأكل الخنزير، وكذلك الكلب لا يجوز بيعه باتفاق، ولكن يجوز اقتناء كلب الصيد أو الحراسة أو الماشية، فالاقتناء شيء وشراء الكلب المأذون فيه شيء آخر، فلا يحل لأحد أن يبيع الكلب المأذون فيه شرعاً، فكلب الحرث والصيد والماشية يجوز اتخاذه واقتناؤه، ولكن لا يجوز شراؤه، فشراء الكلاب شيء، والإذن باتخاذ بعض أنواع الكلاب شيء آخر. قال أشهب من المالكية: يقطع سارق الكلب المأذون باتخاذه، ولا يقطع في كلب آخر. وقال أصبغ من المالكية في لحوم الضحايا: إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع، وإن سرقها بعد الذبح لا يقطع. هذا كلام جميل جداً له مخارج، يريد أن يقول لك: أن سارق الأضحية قبل الذبح كالبهيمة أو الشاة أو البقرة أو الناقة تقطع يده؛ لأنه سرق الحيوان، وإذا سرقها بعد الذبح لحماً فإنه لا يقطع لوجود الشبهة، والشبهة هي أن ثلث الأضحية سيوزع على الفقراء، والثلث الثاني هدايا للأغنياء، فهذا السارق قد يعتبر نفسه من الأغنياء الذين لهم حق في الهدايا أو من الفقراء الذين لهم حق في الصدقة؛ فلا يقطع لوجود الشبهة. وأما سرقة الماء والثلج والكلأ، فأنتم تعلمون أن الناس شركاء في الماء والثلج والكلأ؛ لأن هذه من الأموال العامة، ولكن للأسف الشديد تغير الزمان على البشر، حتى صاروا يبيعون الماء لبعضهم وبأغلى الأسعار، مع أن هذه أيها الإخوة من مسائل المروءات، وكذلك الهواء، فقد كان أصحاب إطارات السيارات وغيرهم عندما تعطيه مالاً مقابل نفخ الإطار يقول لك: أعوذ بالله! من الذي قال لك: أننا نبيع الهواء؟ إنه حق الله. والآن الحكومة تبيع لك الماء والنور والهواء، فالماء بلترات معينة ولابد أن تدفع وإلا سيقطعون عليك الماء بواسطة العداد، بل حتى بعد قطع العداد لابد من الدفع. أقول: فهل سرقة الماء والثلج والكلأ والملح والتراب فيها قطع؟ قال صاحب المغني ابن قدامة: وإن سرق ماء فلا قطع فيه؛ لأنه مما لا يتمول عادة. قال: ولا أعلم في هذا خلافاً. فالماء ليس له قيمة مالية معتبرة في الشرع؛ لأن الشرع جعل الخلق جميعاً المؤمن والكافر سواء في حقهم بالانتفاع بالماء، ومادام أن المسألة استقرت عرفاً صار هذا من المال العام الذي لا يحل أخذه إلا أن ينم ذلك عن سوء معتقد الآخذ. إذاً: من الشروط التي يجب اعتبارها في المال المسروق: أن يكون مما يتمول ويملك ويحل بيعه وأخذه، بخلاف الخمر والخنزير، حتى لو كان المالك غير مسلم؛ لأن الله حرم ملكيتهما والانتفاع بهما، والمسلم والذمي على السواء. وكذلك لا قطع على سرقة أدوات لا يجوز استعمالها عند عامة أهل العلم.

стр. 1149

الشرط الثاني: أن يبلغ المسروق النصاب الشرعي الشرط الثاني الذي يجب توفره في المال المسروق: أن يبلغ المسروق النصاب الشرعي. وهناك خلاف بين العلماء فيما يتعلق بتحديد النصاب، ومذهب جماهير العلماء -وهو المذهب الراجح الذي عليه الأدلة- أن يبلغ المسروق ربع دينار فصاعداً. يُذكر أن أبا العلاء المعري عليه من الله ما يستحق قد اعترض على الشرع يوماً فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار دية اليد إذا قطعها إنسان أن يدفع (٥٠٠) دينار، فـ أبو العلاء المعري يقول: إذا كانت اليد ديتها (٥٠٠) دينار فكيف تقطع في ربع دينار فقط؟ فهذا تناقض، ويقصد أن هذا التناقض مصدره الشرع، وهذا كفر بالله! تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستجير بمولانا من العار ولذلك رد عليه إمام السنة في زمانه الإمام الشافعي فقال: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري أي: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت فافهم حكمة الباري. فالحكمة في أنها تودى بـ (٥٠٠) دينار؛ لأنها يد أمينة ينبغي المحافظة عليها، فإذا وقع عليها اعتداء فديناها بأعظم مبلغ (٥٠٠) دينار، فلما تركت الأمانة وارتكبت الخيانة وهانت على نفسها وعلى صاحبها تقطع في أقل من ذلك وهو ربع دينار.

стр. 1150

وقت تقدير المال المسروق مسألة: متى يقدر المسروق بأنه بلغ ربع دينار أم لم يبلغ بعد؟ وهل يكون هذا التقدير وقت السرقة أم وقت القطع؟ منهم من قال: وقت السرقة. ومنهم من قال: وقت القطع. والذي يترجح لدي: أن المال المسروق يقدر في وقت السرقة لا وقت القطع، خاصة في هذا الزمان، وهذا طبعاً على افتراض حسن النية وأن هناك حدوداً تقام بإذن الله؛ لأنك ربما تسرق الشيء اليوم وبعد (٢٥) سنة يتذكر القاضي أن هناك قضية سرقة مطروحة عليه فيقضي فيها، فلا يكون في وقت القضاء والحكم والقطع لهذا المسروق قيمة ولا وزن.

стр. 1151

حكم سرقة الجماعة مسألة: لو أن جماعة سرقت، ومجموع المسروق قد بلغ النصاب، كعشرة سرقوا ربع دينار فهل يقام على العشرة الحد أم لا؟ هذا محل نزاع بين العلماء، فمنهم من قال: كل واحد يحد قطعاً في هذا المال؛ لأنه بمثابة السارق لوحده لهذا المال؛ لأن الذي يشارك في إيقاع الجريمة كمن باشرها بنفسه. وهذا مذهب كثير من أهل العلم. أما مذهب الجمهور فإنه لا قطع إلا على من سرق مبلغاً يساوي النصاب في حقه هو. يعني: لو أن عشرة سرقوا دينارين ونصف، فإن نصيب كل سارق سيكون ربع دينار. إذاً: العشرة يحدون؛ لأن نصيب كل سارق في هذا المسروق قد بلغ النصاب على حدة، وهذا لا نزاع فيه، لكن النزاع قائم في الصورة الأولى التي ذكرناها.

стр. 1152

ذكر الشروط التي يجب توافرها في المسروق منه الشروط التي يجب توافرها في المسروق منه هو شرط واحد: ينبغي أن يكون حرزاً، والحرز مداره على العرف، والحرز: هو الموضع المعد لحفظ الشيء مثل الدار والدكان والإسطبل والمراح والجرين ونحو ذلك، ولم يرد فيه ضابط من جهة الشرع ولا من جهة اللغة، وإنما يرجع فيه إلى العرف. فإذا سرق شخص من الدكان فقد سرق من حرز، أو سرق من الدار كذلك سرق من حرز، لكن يشترط أن يكون الدار بابها مغلق، وكذلك من سرق الماشية من الإسطبل، فالإسطبل يعد بالنسبة للدواب والحيوانات حرزاً. والجرين هو الجُرن، وهو المكان الفسيح الذي يقوم المزارع أو الفلاح بحرثه أو بثمره، والعلماء يسمونه الجرين تصغير الجرن؛ لأن الجرن هو المكان الفسيح جداً، فحينئذ لو أن واحداً سرق من الزرع في سنبله وهو في الأرض فإنه لا يحد، لأن الأرض ليست حرزاً، ولو أنه سرق من الجرين أو من الجرن فإنه يعد حرزاً؛ فمن سرق من الجرين أو من الجرن مالاً أو ثمراً أو زرعاً يبلغ النصاب يقام عليه الحد. والعلماء مجمعون على أن الإنسان حرز لنفسه، وقد كان العرب في القدم إذا أرادوا أن يخبئوا شيئاً خبئوه في أكمامهم، حتى أهل العلم أنفسهم كانوا يخبئون الدفاتر في الأكمام ويربطونها كما ورد في ترجمة الحافظ ابن حجر والإمام العراقي والزبيدي وغيرهم، كان الواحد منهم يضع الدفتر فيه مائة ألف حديث في كمه، ويربط عليها، ويأخذها من مصر القديمة إلى منطقة الإمام الشافعي، أو من منطقة الإمام الشافعي إلى منطقة المنيل حيث موطن الحافظ ابن حجر ﵀، فكان الواحد منهم يضع كتبه في كمه ويربطها ويجري إلى أن يصل إلى حلقة الشيخ، ففي هذه الحالة كان الواحد منهم يضع ماله في كمه، والآن أصبح عندنا جيوباً أمامية وخلفية وجانبية. ويقال: فلان هذا شاطر. يعني: سارق، يشطر جيوب الناس بالمشطرة، وهي الموس أو السكينة أو الخنجر، ويخرج منها ما فيه ويذهب، والحد يثبت بالإقرار، أو بشهادة عدلين، ويتوقف على طلب المسروق، وهذا مذهب جماهير العلماء.

стр. 1153

حسم يد السارق والتنكيل به وحسم يد السارق إذا قطعت أمر قد جاء به الشارع في أكثر من دليل، فعندما تقطع اليد من الرسغ تربط من هاهنا أولاً، ثم تقدم للقطع فإذا قطعت حسمت بالزيت أو النار، وكان من عادة العرب في أول الإسلام أنهم إذا قطعوا اليد وضعوها في الزيت المغلي حتى تلتحم العروق، فالقطع عذاب والواضع في الزيت عذاب، كل ذلك بسبب ربع دينار، فهذا إنسان فاقد لعقله، حين يعرض نفسه للعذاب من أجل ربع دينار، وإنما يفعل الإسلام ذلك لأجل الحفاظ على الأموال. وقد جاءت السنة كذلك بمزيد من التنكيل والتقريع للسارق أنه إذا سرق علقت كفه المقطوعة المحدودة في عنقه، وإذا كان مجاهراً بسرقته ومعصيته فلا بأس أن يطاف به وقد علقت كفه في رقبته ويقال: هذا سارق لمال فلان.

стр. 1154

بيان أن السارق لا يضمن ما سرق مسألة: إذا اجتمع الضمان والحد، فإذا كان المسروق قائماً رد إلى صاحبه. يعني: هل السارق يضمن رد المسروق وقيام الحد عليه كذلك؟ الجواب لا يضمن السارق المسروق إذا كان قد أنفقه، أما إذا كان بين يديه ضمن وحد. أي: إذا كان المال المسروق لا يزال في حوزة السارق رد إلى المسروق منه، وعوقب السارق بالحد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1155

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود إنما أهلك من قبلنا أنهم كانوا يقيمون الحدود على الضعيف ولا يقيمونها على القوي، وجاء الإسلام فسوَّى بين الناس، فأقام حد السرقة على الشريف كما أقامه على الوضيع، ونهى عن الشفاعة في الحدود إذا وصلت إلى ولي الأمر.

стр. 1156

الفرق بين الحد والتعزير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب الثاني من كتاب الحدود: [باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود] أي: باب وجوب قطع السارق الشريف كما يجب قطع السارق الوضيع، فكلاهما في الحكم سواء إذا بلغ الحد السلطان. قال: [والنهي عن الشفاعة في الحدود]. وهذا فارق جوهري بين الحد والتعزير: فهما يشتركان في جواز الشفاعة ما لم يصل الحد إلى السلطان، فإذا وصل الحد إلى السلطان فإنه يحرم على كل أحد أن يشفع لدى السلطان في زوال هذا الحد أو عدم إقامته أو تخفيفه. هذا فارق بين الحد والتعزير. فارق ثان: أن الحد مقدر، بخلاف التعزير؛ فإنه يرجع إلى اجتهاد المعزر، فإذا كان الحد ثمانين جلدة فلا يصح أن يكون أقل من ذلك ولا أكثر، إلا إن مات المحدود في أثناء قيام الحد عليه. مثال ذلك: لو أن الحد مائة جلدة، فمات المحدود في السبعين أو الستين أو العشرة الأولى؛ فيحرم ضربه بعد ذلك، ويحرم جلده؛ لأنه لا عبرة ولا فائدة من ضرب الميت، بل تثبت له حرمة الأموات بعدم المساس أو الضرب أو الكسر، والنبي ﵊ يقول: (كسر عظم الميت ككسره حياً) فالميت له حرمة كما أن الحي له حرمة. فالحدود مقدرة، فإذا أقمناها فيجب إقامتها بغير زيادة ولا نقصان خلافاً للتعزير، كما أن الحد منصوص عليه وهو نفس المعنى، أما التعزير فيرجع إلى اجتهاد المعزر. ويحرم على السلطان أو من ينوب عنه أن يتنازل عن إقامة الحد، أو أن يعفو عنه؛ خلافاً للتعزير، فإن التعزير يراعى فيه أصحاب الهيئات وأصحاب المروءات، كما يراعى فيه الوسيلة الأنجع والأحسن والأفضل في حق المعزر، فربما ارتكب ما يستوجب التعزير اثنان: أحدهما معروف بالشر، والآخر من أصحاب الهيئات كالعلماء والمشايخ والوزراء والأمراء والسلاطين، أو رجل له منزلة في قلوب الخلق، أو رجل يشار إليه بالبنان بالجود والكرم أو العلم، أو غير ذلك من ذوي الهيئات، وقد مضت السنة على إقالة ذوي الهيئات عثراتهم؛ خلافاً لمن كان معروفاً بالشر والفساد، فإنه إذا وقع فيما يستوجب التعزير فإن قدر له المعزر أقصى العقوبة التعزيرية فيكون هذا مخالفاً إذا ارتكب نفس الفعل رجل من أصحاب الهيئات، فإنما يكفي معه مجرد اللوم أو التوبيخ أو المعاتبة الرقيقة اللطيفة؛ لأنهما لا يستويان في المكانة والمنزلة، كما أن هذا ارتكب الفعل لأول مرة، وهذا ارتكبه عشرات المرات أو مئات المرات فلا يستويان. فالشاهد هنا: أن الحدود منصوص عليها ومقدرة، ولا يجوز العفو عنها إذا بلغت السلطان خلافاً للتعزير في كل هذه المسائل، كما أنه لا يجوز الشفاعة في الحدود، وتجوز الشفاعة في التعزير خاصة لأصحاب الهيئات. والعرب قبل الإسلام كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه بغير توبيخ أو لوم أو عتاب، بخلاف الوضيع الذي لا يؤبه له وليس له قبيلة تحترم ولا مكانة لها بين القبائل، فكانوا إذا سرق فيهم من هذا حاله أنهالوا عليه تقريعاً أو ضرباً بالنعال أو توبيخاً أو غير ذلك.

стр. 1157

باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود

стр. 1158

شرح حديث شفاعة أسامة في المخزومية التي سرقت من طريق قتيبة بن سعيد وابن رمح قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد (ح) وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت)] هي امرأة مخزومية من قريش سرقت فاغتم أهلها لهذه الجناية التي وقعت منها؛ لأنهم يعلمون أن هذه الجناية تستوجب القطع، لكنها شريفة فكيف تقطع هذه المرأة؟! هذا عار على أهلها! قالت: [(فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟)] يعني: من يشفع في العفو عن القطع عند النبي ﵊؟ قالت: [(قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة)] أي: من يقوى على ذلك ويقدر عليه إلا أسامة. وهذا من باب الدلال؛ وذلك لأن أسامة هو ابن زيد بن حارثة، حب رسول الله ﵊ وابن حبه، مولى رسول الله ﷺ وابن مولى رسول الله ﷺ . فقولها: (فقالوا: من يجترئ عليه) من جهة الإدلال ومن جهة عظيم الخاطر والمنزلة، وفي هذا منقبة عظيمة لـ أسامة، حيث إنهم لم يختاروا أحداً إلا أسامة ليشفع لهذه المرأة القرشية المخزومية أن يعفو النبي ﷺ عن إقامة الحد عليها. قالت: [(فكلمه أسامة، فقال النبي ﵊: أتشفع في حد من حدود الله؟)] وفي هذا إثبات أن هذا إنكار على أسامة، كما أنه إثبات لعدم جواز الشفاعة في الحدود. قال: [(ثم قام فاختطب فقال)] أي: قام النبي ﵊ فخطب الناس، فكان مما قال ﵊: [(أيها الناس! إنما أهلك الذين قبلكم -كأنه يقصد بني إسرائيل- أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)] فبين ﵊ أن ترك الحدود هلكة. هذا الكلام يوحي أن عدم العدل والمساواة بين الشريف والوضيع إذا أتيا ما يستوجب الحد في حقيهما سبب للهلاك، مع أن الحد يقام، لكنه يقام على قوم ولا يقام على آخرين، وهذا ما يعرف في هذا الزمان بالمحسوبية، فلان لا يضرب ولا يحبس ولا تصل إليه الأيدي؛ لأن قريبه الوزير الفلاني، أو الوالي الفلاني، أو فلان الفلاني، أو من له المكانة والمنصب، أو هو صاحب جاه أو مال أو رئاسة أو منصب أو غير ذلك، فهذا لا يجوز لأحد أن يقترب منه لمكانته الاجتماعية. أما الوضيع فإنه أول من يُطبق عليه الحد، وكلمة الوضيع ليست إهانة، إنما هو مصطلح وضع لمن لم يكن له أهل أو منصب أو قبيلة، أو ليس لديه مال أو غير ذلك، أما ميزان التفضيل في لسان الشرع فهو بتقوى الله ، فكم من إنسان يظن أنه عالي المنزلة مرموق المكانة لكنه لا يزن عند الله جناح بعوضة! وكم من إنسان لا يؤبه له ولا يلتفت إليه، لكنه في أعلى عليين عند رب العالمين ! والنبي ﵊ قال: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى). وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وقال ﵊: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فميزان الشرع هو الميزان العدل، إذ إن المرء يوزن بتقواه، وما دون ذلك لا وزن له عند الله . قال النبي ﵊: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله) هذا قسم، وكأنه يقول: والله، مع أنه لم يستقسم، وإنما أقسم ﵊ من غير أن يستقسمه أحد؛ لبيان أهمية الأمر وخطورته والتأكيد عليه. قال: (وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). وفي هذا إثبات القدوة والأسوة، إذ إنه ﵊ يبدأ بنفسه أولاً، وليس هذا الأمر موجهاً للأمة فحسب، بل الأولى به نبينا ﵊، وهو في المكانة والمنزلة التي لا تخفى على أحد. وفي حديث ابن رمح - أي: محمد بن رمح - (إنما هلك الذين من قبلكم).

стр. 1159

شرح حديث شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت من طريق أبي الطاهر وحرملة قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى - واللفظ لـ حرملة - قالا: أخبرنا ابن وهب - عبد الله بن وهب المصري - قال: أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ : (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ -أي: حبيبه- فأتي بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ -أي: تغير وتمعر وغضب- فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ -على سبيل الإنكار- فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله!)]؛ لإدراك أسامة أنه ما كان ينبغي أن يكون ذلك منه، فإنه لما أنكر عليه النبي ﵇ تنبه لخطئه؛ فطلب الاستغفار من النبي ﵊، وفي هذا بيان أن الصحابة ﵃ كانوا أسرع الخلق توبة واستغفاراً، وكانوا يطلبون ذلك من النبي ﵊؛ لعلمهم أن دعاءه مستجاب، فقال: (استغفر لي يا رسول الله!). قالت: [(فلما كان العشي -أي: لما كان وقت المساء- قام رسول الله ﷺ فاختطب -أي: فخطب الناس- فأثنى على الله بما هو أهله)]. وهذه سنن لمن أراد أن يبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وأن يثني على الله خيراً. قالت: [(ثم قال: أما بعد)] وفي هذا استحباب إذا فرغ الخطيب من مقدمة كلامه أن يفصل بينها وبين الموضوع بكلمة: أما بعد. أي: بعد فراغي من هذه المقدمة التي اشتملت على الحمد والثناء والتمجيد والصلاة على النبي ﵊ وغير ذلك أدخل في الموضوع. قالت: [(قال: ثم أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها)] بعد أن بين النبي ﵊ أن الناس في الحدود سواء قطع يدها. [(قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد)]؛ لأن حدها قطع يدها وليس رجمها؛ لأنها لم تكن زانية وإنما كانت سارقة، فلما قطعت يدها حسنت توبتها جداً بعد إقامة الحد عليها. قالت: [(وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ] عائشة ﵂ تقول: حسنت توبتها بعد إقامة الحد عليها وتزوجت وكانت تأتي عائشة في بيتها، فتقص حاجتها إلى عائشة، وعائشة ترفع هذه الحاجة إلى النبي ﵊. والمعلوم أن النبي ﵊ بالنسبة لنساء الأمة ليس كغيره من بقية الرجال مما حدى ببعض أهل العلم إلى أن يقولوا: أن النبي محرم لجميع نساء الأمة، وليس على ذلك دليل صريح ولا صحيح، وإنما هو قول لبعض فقهاء الشريعة، قالوا: النبي ﷺ محرم لنساء الأمة، وهذا كلام هو إلى الرد أقرب، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] لكن هذا شيء، وإثبات أنه محرم لنساء الأمة شيء آخر؛ ولذلك لم يثبت أن النبي ﵊ دخل على امرأة ليس عندها محرم. وحديث أم التيهان: أن النبي ﵊ ذهب إليها هو وأبو بكر وعمر فقال: (السلام عليكم يا أهل البيت! ثلاث مرات، ثم انصرف ﵊، فأسرعت في طلبه أم التيهان قالت: يا رسول الله! والله إني لأسمع سلامك وأرد عليه بصوت منخفض رجاء أن تزيدنا سلاماً، فتفضل يا رسول الله! حتى يأتي أبو التيهان. قال: أين هو؟ قالت: ذهب ليسقي لنا) يأتينا بالماء. فلم يدخل النبي ﵊ حتى أتى أبو التيهان. ولو كان محرماً لـ أم التيهان ﵊ لدخل وما كان في ذلك أدنى حرج. أما دخوله عند أم سليم وغيرها من النساء فهن قريباته ﵅ وهن محارمه، فله أن يدخل وأن يخرج عليهن ولا حرج في ذلك. فتقول عائشة: (فحسنت توبتها بعد وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي ﵊. رب سائل يسأل فيقول: ولم لم ترفع حاجتها إلى الن

стр. 1160

شرح حديث: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده) قال: [وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده). يعني: تستعير الشيء الذي يكون فيه الاستعارة بين النساء وتنكره إذا جاءت صاحبة ذلك الشيء تطلبه، وكانت هذه المرأة شريفة من علية القوم، لكن فيها هذه الخصلة: أنها تستعير الشيء وتجحده، وتقول: ما أخذت شيئاً. لكن اعلم -رحمك الله- أن إقامة الحد عليها كان للسرقة لا لأجل أنها تجحد العارية، وهذا محل نزاع بين أهل العلم، والراجح: أن جاحد العارية لا يقام عليه الحد، فجحد العارية ليس سرقة، ففيه التعزير دون الحد، وذكر عائشة ﵂ لهذه الخصلة إنما هو ذكر لأحد صفاتها المعروفة بها. إذاً: القطع كان لأجل السرقة وليس لجحد العارية، وذكر جحدها للعارية وصف لها لا أنه سبب القطع. قالت: [(فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم رسول الله ﷺ ].
следующие страницы →