← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الفرق بين الحد والتعزير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب الثاني من كتاب الحدود: [باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود] أي: باب وجوب قطع السارق الشريف كما يجب قطع السارق الوضيع، فكلاهما في الحكم سواء إذا بلغ الحد السلطان. قال: [والنهي عن الشفاعة في الحدود]. وهذا فارق جوهري بين الحد والتعزير: فهما يشتركان في جواز الشفاعة ما لم يصل الحد إلى السلطان، فإذا وصل الحد إلى السلطان فإنه يحرم على كل أحد أن يشفع لدى السلطان في زوال هذا الحد أو عدم إقامته أو تخفيفه. هذا فارق بين الحد والتعزير. فارق ثان: أن الحد مقدر، بخلاف التعزير؛ فإنه يرجع إلى اجتهاد المعزر، فإذا كان الحد ثمانين جلدة فلا يصح أن يكون أقل من ذلك ولا أكثر، إلا إن مات المحدود في أثناء قيام الحد عليه. مثال ذلك: لو أن الحد مائة جلدة، فمات المحدود في السبعين أو الستين أو العشرة الأولى؛ فيحرم ضربه بعد ذلك، ويحرم جلده؛ لأنه لا عبرة ولا فائدة من ضرب الميت، بل تثبت له حرمة الأموات بعدم المساس أو الضرب أو الكسر، والنبي ﵊ يقول: (كسر عظم الميت ككسره حياً) فالميت له حرمة كما أن الحي له حرمة. فالحدود مقدرة، فإذا أقمناها فيجب إقامتها بغير زيادة ولا نقصان خلافاً للتعزير، كما أن الحد منصوص عليه وهو نفس المعنى، أما التعزير فيرجع إلى اجتهاد المعزر. ويحرم على السلطان أو من ينوب عنه أن يتنازل عن إقامة الحد، أو أن يعفو عنه؛ خلافاً للتعزير، فإن التعزير يراعى فيه أصحاب الهيئات وأصحاب المروءات، كما يراعى فيه الوسيلة الأنجع والأحسن والأفضل في حق المعزر، فربما ارتكب ما يستوجب التعزير اثنان: أحدهما معروف بالشر، والآخر من أصحاب الهيئات كالعلماء والمشايخ والوزراء والأمراء والسلاطين، أو رجل له منزلة في قلوب الخلق، أو رجل يشار إليه بالبنان بالجود والكرم أو العلم، أو غير ذلك من ذوي الهيئات، وقد مضت السنة على إقالة ذوي الهيئات عثراتهم؛ خلافاً لمن كان معروفاً بالشر والفساد، فإنه إذا وقع فيما يستوجب التعزير فإن قدر له المعزر أقصى العقوبة التعزيرية فيكون هذا مخالفاً إذا ارتكب نفس الفعل رجل من أصحاب الهيئات، فإنما يكفي معه مجرد اللوم أو التوبيخ أو المعاتبة الرقيقة اللطيفة؛ لأنهما لا يستويان في المكانة والمنزلة، كما أن هذا ارتكب الفعل لأول مرة، وهذا ارتكبه عشرات المرات أو مئات المرات فلا يستويان. فالشاهد هنا: أن الحدود منصوص عليها ومقدرة، ولا يجوز العفو عنها إذا بلغت السلطان خلافاً للتعزير في كل هذه المسائل، كما أنه لا يجوز الشفاعة في الحدود، وتجوز الشفاعة في التعزير خاصة لأصحاب الهيئات. والعرب قبل الإسلام كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه بغير توبيخ أو لوم أو عتاب، بخلاف الوضيع الذي لا يؤبه له وليس له قبيلة تحترم ولا مكانة لها بين القبائل، فكانوا إذا سرق فيهم من هذا حاله أنهالوا عليه تقريعاً أو ضرباً بالنعال أو توبيخاً أو غير ذلك.

стр. 1157

باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود

стр. 1158

شرح حديث شفاعة أسامة في المخزومية التي سرقت من طريق قتيبة بن سعيد وابن رمح قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد (ح) وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت)] هي امرأة مخزومية من قريش سرقت فاغتم أهلها لهذه الجناية التي وقعت منها؛ لأنهم يعلمون أن هذه الجناية تستوجب القطع، لكنها شريفة فكيف تقطع هذه المرأة؟! هذا عار على أهلها! قالت: [(فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟)] يعني: من يشفع في العفو عن القطع عند النبي ﵊؟ قالت: [(قالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة)] أي: من يقوى على ذلك ويقدر عليه إلا أسامة. وهذا من باب الدلال؛ وذلك لأن أسامة هو ابن زيد بن حارثة، حب رسول الله ﵊ وابن حبه، مولى رسول الله ﷺ وابن مولى رسول الله ﷺ . فقولها: (فقالوا: من يجترئ عليه) من جهة الإدلال ومن جهة عظيم الخاطر والمنزلة، وفي هذا منقبة عظيمة لـ أسامة، حيث إنهم لم يختاروا أحداً إلا أسامة ليشفع لهذه المرأة القرشية المخزومية أن يعفو النبي ﷺ عن إقامة الحد عليها. قالت: [(فكلمه أسامة، فقال النبي ﵊: أتشفع في حد من حدود الله؟)] وفي هذا إثبات أن هذا إنكار على أسامة، كما أنه إثبات لعدم جواز الشفاعة في الحدود. قال: [(ثم قام فاختطب فقال)] أي: قام النبي ﵊ فخطب الناس، فكان مما قال ﵊: [(أيها الناس! إنما أهلك الذين قبلكم -كأنه يقصد بني إسرائيل- أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)] فبين ﵊ أن ترك الحدود هلكة. هذا الكلام يوحي أن عدم العدل والمساواة بين الشريف والوضيع إذا أتيا ما يستوجب الحد في حقيهما سبب للهلاك، مع أن الحد يقام، لكنه يقام على قوم ولا يقام على آخرين، وهذا ما يعرف في هذا الزمان بالمحسوبية، فلان لا يضرب ولا يحبس ولا تصل إليه الأيدي؛ لأن قريبه الوزير الفلاني، أو الوالي الفلاني، أو فلان الفلاني، أو من له المكانة والمنصب، أو هو صاحب جاه أو مال أو رئاسة أو منصب أو غير ذلك، فهذا لا يجوز لأحد أن يقترب منه لمكانته الاجتماعية. أما الوضيع فإنه أول من يُطبق عليه الحد، وكلمة الوضيع ليست إهانة، إنما هو مصطلح وضع لمن لم يكن له أهل أو منصب أو قبيلة، أو ليس لديه مال أو غير ذلك، أما ميزان التفضيل في لسان الشرع فهو بتقوى الله ، فكم من إنسان يظن أنه عالي المنزلة مرموق المكانة لكنه لا يزن عند الله جناح بعوضة! وكم من إنسان لا يؤبه له ولا يلتفت إليه، لكنه في أعلى عليين عند رب العالمين ! والنبي ﵊ قال: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى). وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وقال ﵊: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره) فميزان الشرع هو الميزان العدل، إذ إن المرء يوزن بتقواه، وما دون ذلك لا وزن له عند الله . قال النبي ﵊: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله) هذا قسم، وكأنه يقول: والله، مع أنه لم يستقسم، وإنما أقسم ﵊ من غير أن يستقسمه أحد؛ لبيان أهمية الأمر وخطورته والتأكيد عليه. قال: (وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). وفي هذا إثبات القدوة والأسوة، إذ إنه ﵊ يبدأ بنفسه أولاً، وليس هذا الأمر موجهاً للأمة فحسب، بل الأولى به نبينا ﵊، وهو في المكانة والمنزلة التي لا تخفى على أحد. وفي حديث ابن رمح - أي: محمد بن رمح - (إنما هلك الذين من قبلكم).

стр. 1159

شرح حديث شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت من طريق أبي الطاهر وحرملة قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى - واللفظ لـ حرملة - قالا: أخبرنا ابن وهب - عبد الله بن وهب المصري - قال: أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ : (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ -أي: حبيبه- فأتي بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ -أي: تغير وتمعر وغضب- فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ -على سبيل الإنكار- فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله!)]؛ لإدراك أسامة أنه ما كان ينبغي أن يكون ذلك منه، فإنه لما أنكر عليه النبي ﵇ تنبه لخطئه؛ فطلب الاستغفار من النبي ﵊، وفي هذا بيان أن الصحابة ﵃ كانوا أسرع الخلق توبة واستغفاراً، وكانوا يطلبون ذلك من النبي ﵊؛ لعلمهم أن دعاءه مستجاب، فقال: (استغفر لي يا رسول الله!). قالت: [(فلما كان العشي -أي: لما كان وقت المساء- قام رسول الله ﷺ فاختطب -أي: فخطب الناس- فأثنى على الله بما هو أهله)]. وهذه سنن لمن أراد أن يبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وأن يثني على الله خيراً. قالت: [(ثم قال: أما بعد)] وفي هذا استحباب إذا فرغ الخطيب من مقدمة كلامه أن يفصل بينها وبين الموضوع بكلمة: أما بعد. أي: بعد فراغي من هذه المقدمة التي اشتملت على الحمد والثناء والتمجيد والصلاة على النبي ﵊ وغير ذلك أدخل في الموضوع. قالت: [(قال: ثم أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها)] بعد أن بين النبي ﵊ أن الناس في الحدود سواء قطع يدها. [(قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد)]؛ لأن حدها قطع يدها وليس رجمها؛ لأنها لم تكن زانية وإنما كانت سارقة، فلما قطعت يدها حسنت توبتها جداً بعد إقامة الحد عليها. قالت: [(وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ] عائشة ﵂ تقول: حسنت توبتها بعد إقامة الحد عليها وتزوجت وكانت تأتي عائشة في بيتها، فتقص حاجتها إلى عائشة، وعائشة ترفع هذه الحاجة إلى النبي ﵊. والمعلوم أن النبي ﵊ بالنسبة لنساء الأمة ليس كغيره من بقية الرجال مما حدى ببعض أهل العلم إلى أن يقولوا: أن النبي محرم لجميع نساء الأمة، وليس على ذلك دليل صريح ولا صحيح، وإنما هو قول لبعض فقهاء الشريعة، قالوا: النبي ﷺ محرم لنساء الأمة، وهذا كلام هو إلى الرد أقرب، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] لكن هذا شيء، وإثبات أنه محرم لنساء الأمة شيء آخر؛ ولذلك لم يثبت أن النبي ﵊ دخل على امرأة ليس عندها محرم. وحديث أم التيهان: أن النبي ﵊ ذهب إليها هو وأبو بكر وعمر فقال: (السلام عليكم يا أهل البيت! ثلاث مرات، ثم انصرف ﵊، فأسرعت في طلبه أم التيهان قالت: يا رسول الله! والله إني لأسمع سلامك وأرد عليه بصوت منخفض رجاء أن تزيدنا سلاماً، فتفضل يا رسول الله! حتى يأتي أبو التيهان. قال: أين هو؟ قالت: ذهب ليسقي لنا) يأتينا بالماء. فلم يدخل النبي ﵊ حتى أتى أبو التيهان. ولو كان محرماً لـ أم التيهان ﵊ لدخل وما كان في ذلك أدنى حرج. أما دخوله عند أم سليم وغيرها من النساء فهن قريباته ﵅ وهن محارمه، فله أن يدخل وأن يخرج عليهن ولا حرج في ذلك. فتقول عائشة: (فحسنت توبتها بعد وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى النبي ﵊. رب سائل يسأل فيقول: ولم لم ترفع حاجتها إلى الن

стр. 1160

شرح حديث: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده) قال: [وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده). يعني: تستعير الشيء الذي يكون فيه الاستعارة بين النساء وتنكره إذا جاءت صاحبة ذلك الشيء تطلبه، وكانت هذه المرأة شريفة من علية القوم، لكن فيها هذه الخصلة: أنها تستعير الشيء وتجحده، وتقول: ما أخذت شيئاً. لكن اعلم -رحمك الله- أن إقامة الحد عليها كان للسرقة لا لأجل أنها تجحد العارية، وهذا محل نزاع بين أهل العلم، والراجح: أن جاحد العارية لا يقام عليه الحد، فجحد العارية ليس سرقة، ففيه التعزير دون الحد، وذكر عائشة ﵂ لهذه الخصلة إنما هو ذكر لأحد صفاتها المعروفة بها. إذاً: القطع كان لأجل السرقة وليس لجحد العارية، وذكر جحدها للعارية وصف لها لا أنه سبب القطع. قالت: [(فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه فكلم رسول الله ﷺ ].

стр. 1161

شرح حديث جابر في قصة المخزومية التي سرقت قال: [وحدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا الحسن بن أعين. وهو الحسن بن محمد بن أعين ينسب غالباً إلى جده، وهو أبو علي القرشي الحراني، وحران قرية بدمشق. [قال: حدثنا معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: (أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأتي بها النبي ﷺ فعاذت بـ أم سلمة زوج النبي ﷺ ] لجأت إليها ولاذت بجنابها حتى تشفع لها عند النبي ﵊، (فقال النبي ﷺ : والله لو كانت فاطمة لقطعت يدها، فقطعت)].

стр. 1162

باب حد الزنا الباب الثالث: [باب حد الزنا].

стр. 1163

شرح حديث: (قد جعل الله لهن سبيلاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم]-وهو ابن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي - عن منصور - وهو ابن زاذان الواسطي أبو المغيرة الثقفي - عن الحسن البصري -سيد من سادات التابعين- عن حطان بن عبدالله الرقاشي عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاًَ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)]. قال ﵊: (خذوا عني خذوا عني) أي: تحملوا هذا العلم عني وتلقوه مني، فإنه وحي السماء. وكرر ليؤكد أهمية الكلام، فقال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) (لهن) ضمير يعود على النسوة، كأن الأمر قبل ذلك لم يكن لهن سبيلاً، حتى جعل الله على لسان رسوله سبيلاً لمن وقع من النساء في الزنا. قال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) ما هو هذا السبيل؟ قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) أو تغريب سنة. قال: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) والمعلوم المشهور الذي عليه العمل ويعرفه القاصي والداني: أن البكر يجلد مائة ولا يعرف أكثر الناس التغريب، كما أن أكثر الناس يعرفون أن الثيب ترجم ولا تجلد؛ ولذلك هذه المسألة كانت محل نزاع كبير جداً بين أهل العلم؛ إذ إن العمل على أن البكر يجلد بغير نفي، والثيب ترجم بغير جلد. قال: [وحدثنا عمرو الناقد حدثنا هشيم أخبرنا منصور بهذا الإسناد مثله. حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار جميعاً عن عبد الأعلى - وهو ابن عبد الأعلى - قال ابن المثنى: حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة]. إذا روى سعيد عن قتادة فإنما هو سعيد بن أبي عروبة البصري وقتادة إذا روى عن الحسن فهو الحسن البصري، فـ سعيد وقتادة والحسن كلهم بصريون، قال: [عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: (كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه كُرِب لذلك وتربد له وجهه)] يعني: أصابه كرب وهم وضيق. وتربد: تغير وتلون وجهه ﷺ لشدة هذا الأمر، كيف لا والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥] فالقرآن والوحي ثقيل جداً؛ ولذلك كان ﵊ يشتد عرقه في الليلة الشديدة البرد إذا نزل عليه الوحي. قال: [(قال: فأنزل عليه ذات يوم -أي: وحي- فلقي كذلك -أي: تغير وجهه- فلما سري عنه)] أي: لما كشف عنه وارتفع عنه الوحي وصعد جبريل إلى ربه، [(قال: خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً)] وفي هذا إثبات أن السنة وحي من عند الله ؛ لأن هذه صورة الوحي التي كان ينزل بها جبريل ﵇، فلما فرغ النبي ﵊ من الحالة التي كان عليها قال: (خذوا عني) فلم يذكر قرآناً وإنما ذكر سنة، وفي هذا دليل على أن القرآن والسنة وحيان من عند الله ، وبينهما أوجه اتفاق وأوجه افتراق في الخصائص. قال: [(خذوا عني. فقد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة). وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر - المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة وحدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - عن أبيه كلاهما - أي: شعبة وهشام الدستوائي - عن قتادة بهذا الإسناد - أي: عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة [غير أن في حديثهما: (البكر يجلد وينفى -ولم يذكر سنة- والثيب يجلد ويرجم). لا يذكران سنة ولا مائة] لم يذكرا: (جلد مائة)، فهذا لفظ عام يحمل على الألفاظ السابقة.

стр. 1164

كلام النووي في أحاديث باب حد الزنا

стр. 1165

بيان أن حد الزنا هو السبيل الناسخ للحبس والأذى قال الإمام النووي: (أما قوله ﷺ : (فقد جعل الله لهن سبيلاً) فإشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] فبين النبي ﷺ أن هذا هو ذلك السبيل). وهذه الآية في سورة النساء، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥] والفاحشة هي: الزنا. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥] يعني: يشهد على وقوع الفاحشة من هذه المرأة أربعة من المسلمين. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] وهذا كان في أول الأمر، إذ كانت التي تزني تحبس في البيت حتى تموت في حبسها، ولا تخرج من بيتها أبداً، أو ينزل الله تعالى فيها قرآناً يحكم فيها بحكم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء:١٦] أي: الفاحشة. ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] لم يقل: فأقيموا عليهما الحد؛ لأنه لم ينزل الحد بعد، والإيذاء يكون بالشتم والضرب بالنعال والفضيحة والتعيير وغير ذلك. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء:١٦] أي: بعد الأذى ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦]. قال الإمام ابن كثير: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت، فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء:١٥] يعني: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. وحد الزانية إذا كان ثيَّباً أتينا به من السنة، وإذا كانت بكراً فحدها مذكور في القرآن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]. أما القرآن فهو المنسوخ لفظاً ولم ينسخ حكماً، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (كان فيما أنزل الله في القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة). قوله: (ارجموهما البتة) يعني: حتى يموتا. فهذه آية نزلت من السماء في كتاب الله ، فرفع الله تعالى لفظها ولم يرفع حكمها، وسنأتي بالأدلة على ذلك بإذن الله. الشاهد الثاني على أننا علمنا أن حكم الثيب من السنة: (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وإذا كان القرآن ليس فيه الرجم فهذا دليل على أن السنة تستقل بأحكام ليست في القرآن، وهذا رد على من يزعمون أنهم قرآنيون ويطالبوننا أن نأتي لهم بكل حكم من القرآن الكريم، فهؤلاء هم أبعد الناس عن القرآن الكريم، كما أنهم أبعد الناس عن سنة النبي الأمين ﵊.

стр. 1166

إثبات أن السنة تنسخ القرآن وفي هذا إثبات أن السنة تنسخ القرآن كما أن القرآن ينسخ السنة، وهذا مذهب جماهير العلماء. فالسبيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥]. هو قوله ﵊ الموحى إليه من السماء: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، وهذا السبيل نسخ قول الله : ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء:١٥] فالتي تزني يقام عليها الحد بكراً كانت أم ثيباً، أما الإمساك في البيوت فهذا حكم صار منسوخاً، وفي هذا إثبات أن السنة تنسخ القرآن. قال ابن عباس ﵄: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم. وهو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]. وأخرج الإمام أحمد هذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن عبادة بن الصامت: (كان إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتربد وجهه)، ثم ذكر الترمذي كذلك هذا الحديث: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم). وكذلك عند أبي داود الطيالسي حديث عبادة الذي ذكرناه هذا: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة). وذكر الحجارة في الحديث ليس على سبيل القيد؛ لأن إجماع العلماء منعقد على أن الرجم يجوز بأي شيء غير الحجارة، كما في الاستجمار تماماً، والاستجمار قد ورد في النصوص بأنه بالحجارة، لكن إن تم الاستجمار بغير الحجارة جاز.

стр. 1167

رجم الزاني الثيب قال: وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني. يعني: مذهب الحنابلة الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، خلافاً للجمهور يرى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، أي: أخذوه بأقصى العقوبتين، فأقصى العقوبة الرجم. قال: قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزاً والغامدية واليهوديين ولم يثبت أنه جلدهم قبل الرجم. وإنما رجمهم مباشرة، ففعله ﵊ ناسخ عند الجمهور لقوله: (وجلد مائة). قال: أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] أي: واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما. قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما: أي: أوذوهما. وقال عبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا. وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا ـ يعني: اللواط. وقيل غير ذلك في هذا النص. قال: وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء:١٦] أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما وحسنت. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦] أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك. لأنه لا يحل لأحد قط أن يعير أحداً وقع في ذنب فتاب منه، وأنتم تعلمون حديث المحاجة بين آدم وموسى، فحاج آدم موسى؛ لأن موسى عيره بذلك بعد أن تاب، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦]. قال الإمام النووي عليه رحمة الله: (اختلف العلماء في هذه الآية: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء:١٥] فقيل: هي محكمة، وهذا الحديث مفسر لها. وقيل: بل منسوخة بالآية التي في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]. وقيل: إن آية النور في البكرين وهذه الآية في الثيبين).

стр. 1168

وجوب جلد الزاني البكر وذكر الخلاف في نفيه ورجم الثيب وجلده أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ليس هناك خلاف على هذا، ولكن الخلاف: هل ينفى أو لا؟ فالإجماع منعقد على أن البكر إذا زنى يجلد مائة جلدة، ووقع الخلاف في حقه في التغريب، وانعقد الإجماع في حق الثيب بالرجم، ووقع الخلاف في جلده مائة. قال النووي: (ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كـ النظام وأصحابه؛ فإنهم لم يقولوا بالرجم. وهذا رأي في غاية الشذوذ). قال: (واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم) لأن الرجم لا خلاف عليه، لكنهم اختلفوا في إلحاق الجلد بالرجم. (فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم). وهذا مذهب الحنابلة كما قلنا. (وبه قال علي بن أبي طالب ﵁ والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي. وقال جماهير العلماء: الواجب الرجم وحده). الرجم فقط هو الواجب، ولا بأس أن يجلد لكن الجلد ليس بواجب. إذاً: هم لم يختلفوا في إيقاع الجلد، وإنما اختلفوا في تأكيد وحكم الجلد، فبعض أهل العلم قال: يجب الجمع بين الجلد والرجم، والبعض الآخر قال: بل الرجم هو الواجب والجلد جائز، ولكنه ليس واجباً. وهذا مذهب الجماهير. قال: (وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث: أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخاً ثيباً) أي: أن المقصود: أن هذا رجل ثيب متزوج من قبل، وأيضاً شيخ كبير قد انطفأت فيه نار الشهوة، ومع هذا يزني، فيصير هذا أشد بغضاً؛ ولذلك شددوا عليه من العقوبة؛ لأن هذه الجريمة منكرة من كل من أتى بها ثيباً كان أم بكراً، لكنها أشد نكارة إذا أتت من امرأة كبيرة شمطاء عجوز محصنة أو أتى هذا الجرم من رجل كبير شيخ قد انطفأت نار شهوته، فلا يمكن أبداً أن يستوي في القبح فعله مع فعل الشاب الذي تثور شهوته؛ ولذلك قالت طائفة من أهل الحديث: يجب الجمع بين الجلد والرجم إذا كان الزاني شيخاً ثيباً، فإذا كان شاباً ثيباً اقتصر على الرجم. وهذا مذهب باطل لا أصل له. هذا كلام الإمام النووي؛ لأن هذا التفريق ليس عليه دليل. قال: (وحجة الجمهور: أن النبي ﷺ اقتصر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة، فهنا قصة ماعز وقصة المرأة الغامدية. وكذا قصة اليهوديين حيث احتكم اليهود إلى النبي ﵊ أن يقيم فيهم شرع الله فحكم برجمهما، ولم يثبت أن النبي ﵊ أمر بجلدهما، فتبين أن الجلد ليس بحتم، بدليل: أن النبي ﷺ قاله ولكنه لم يعمل به. قال: (وأما قوله في البكر: (نفي سنة) ففيه حجة للشافعي والجماهير أنه يجب نفيه سنة رجلاً كان أو امرأة). وقال الحسن: لا يجب النفي. وإنما هو جائز، فكما قلنا في جمع الجلد مع الرجم في حق الثيب نقول كذلك في النفي مع الجلد في حق البكر. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء؛ لأن هذا ينافي الطبيعة التي خلقت لأجلها النساء، إذ إن المرأة لا تخرج من بيتها، وصلاتها في بيتها أحب إلى الله من صلاتها في المسجد، فهذا يتنافى مع تغريب المرأة. قال: (وقال علي بن أبي طالب: لا نفي على النساء؛ لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها وتعريض لها للفتنة؛ ولهذا نهيت عن السفر إلا مع محرم). قال: (وحجة الشافعي: (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة)). وهذا نص عام يشمل البكر من الرجال والنساء.

стр. 1169

معنى قوله: (البكر بالبكر والثيب بالثيب) قال الإمام النووي ﵀: أما قوله: (البكر بالبكر والثيب بالثيب) فليس هو على سبيل الاشتراط). حتى لا يفهم أحد أن الثيب إذا زنى بثيب يرجم الاثنان، وإذا زنى بكر ببكر يجلد الاثنان، فالمقصود: أن عقوبة البكر سواء زنى ببكر أو زنى بثيب الجلد، وعقوبة الثيب إذا زنى بثيب أو زنى ببكر الرجم. قال: (بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم بثيب، وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر؛ فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب). قال: (واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء: من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل). أي: أن البكر: هو من لم يجامع، والثيب: هو من جامع، وشرط الثيب أن يجامع في نكاح صحيح، لا وطء بشبهة ولا نكاح فاسد، بل نكاح صحيح قد اكتملت شروطه وأركانه، هذا الذي يسمى فيه صاحبه ثيباً، فلو أن رجلاً دخل بامرأة وهو مجبوب أو عنين لا يقوى على إتيان النساء وظلت سنوات ولم يفض بكارتها ثم زنت، هل يقام عليها حد الثيب أو البكر؟ الجواب يقام عليها حد البكر، فالضابط في اعتبار الثيوبة والبكارة ليس هو البناء، وإنما هو الجماع. كذلك لو زنت البكر قبل البناء، ثم زنت بعد ذلك هل يعتبر زناها الأول رافعاً لوصف البكارة؟ الجواب لا يعتبر، وإن زنت قبل الإحصان مراراً وتكراراً فهي بكر. إذاً: الضابط في حق من بني بها: الجماع، والضابط في حق من لم تتزوج الزواج الصحيح. فهاتان قاعدتان ينبغي حفظهما جيداً، بل ينبغي أن يكون المحدود بالغاً؛ لأن غير البالغ ليس مكلفاً، كما أنه ينبغي أن يكون عاقلاً احترازاً من المجنون، وينبغي أن يكون حراً، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه لسفه أو غيره. أستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1170

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - رجم الثيب في الزنا لقد شرع الله تعالى لعباده أحكاماً، وحد لهم حدوداً يحفظون بها دماءهم وأموالهم وأعراضهم؛ وذلك لتستقيم حياتهم، ويفوزوا بالسعادة في الدارين، ومن هذه الحدود حد الزنا، وهو الجلد للبكر وتغريب عام، والرجم للزاني المحصن، وقد جعل الله سبحانه هذه الحدود كفارة لمن تعداها وتجاوزها، فمن أقيم عليه الحد فلا يلعن ولا ينتقص؛ لأن الحدود كفارات لأصحابها.

стр. 1171

باب رجم الثيب في الزنا بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام في الزنا موصولاً -نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية- فالباب الرابع باب: [رجم الثيب في الزنا]. والثيب: هو المحصن سواء كان رجلاً أو امرأة. والمحصن: هو الناكح أو المنكوح -الرجل الناكح والمرأة هي المنكوح- بعقد صحيح. ونحن قلنا في الدرس الماضي: أن الإحصان يجب أن يكون في عقد أو زواج صحيح لا فاسد ولا وطء بشبهة.

стр. 1172

شرح حديث عمر بن الخطاب في رجم الزاني المحصن والآن مع باب رجم الثيب في الزنا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى قالا: حدثنا ابن وهب - عبد الله بن وهب المصري - أخبرني يونس عن ابن شهاب]. وقلنا مراراً: أن يونس إذا أتى بين ابن وهب وابن شهاب فإنما هو يونس بن يزيد الأيلي. قال: [أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة المسعودي أنه سمع عبد الله بن عباس ﵄ يقول: (قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : إن الله قد بعث محمداً بالحق ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف)] حديث جميل ورائع جداً، وفيه فوائد عظيمة. قوله: (قال عمر ﵁ ذات يوم وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ . وهذا يدل على أن الأمر كان شائعاً بين الصحابة بغير استنكار، وإلا لو كان كلام عمر فيه ما ينكر لأنكر عليه السامعون، وهم من هم في العلم والإمامة والسيادة، ولا يخشون في الله لا عمر ولا غير عمر، فلو كان في كلام عمر ما لا يشهد له الكتاب ولا السنة لأنكر عليه جمع من أصحابه، فلما لم ينكر عليه أحد دل ذلك على أن عمر ﵁ إنما خاطب الصحابة ﵃ بأمر كان مستقراً لديهم، وكانوا يعرفونه سلفاً. فكان مما قال عمر ﵁: (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق) وهذا حق لا مرية فيه. قوله: (وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم) أي: كان مما أنزل على النبي محمد في القرآن الكريم آية الرجم التي هي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) وهذا كلام الله قد جاء به جبريل من السماء وحياً إلى النبي ﵊. قوله: (الشيخ والشيخة) أي: المحصن والمحصنة. قوله: (إذا زنيا فارجموهما ألبتة) يعني: ارجموهما حتى الموت. ولكن هذه الآية نسخت تلاوة ولم تنسخ حكماً، فحكمها باق إلى قيام الساعة، أما لفظها في كتاب الله فمنسوخ، والنسخ في القرآن إما نسخ لفظي مع بقاء الحكم كما هو الحال في هذه الآية، وإما نسخ الحكم وبقاء اللفظ كما هو الحال في الكثير من الآيات وهو ما يعرف عند أهل العلم بالناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، وإما أن تنسخ الآية تلاوة وحكماً. فهذه الثلاثة أنواع من النسخ في كتاب الله . والقرآن ينسخ بعضه بعضاً، كما أن القرآن ينسخ السنة، والسنة تنسخ بعضها بعضاً، كما أن السنة تنسخ القرآن أيضاً. قوله: فقال عمر: (فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها) أي: في حضرة النبي ﵊. (ووعيناها) وعياً أكيداً. قال: (وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده). بعد بيان أن آية الرجم منسوخة انتقل بعد ذلك إلى السنة العملية للنبي ﷺ فبين أنه قد رجم، وأن الصحابة ﵃ قد رجموا من بعده، رجم أبو بكر ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي ﵃ أجمعين. وأنتم تعلمون أننا مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وأنهم راشدون مهديون، وقد أمرنا أن نتمسك بسنتهم، وأن نعض عليها بالنواجذ؛ لأنها دين، ويكاد إجماع الخلفاء الأربعة يكون إجماعاً معتبراً، لولا أن بعض أهل العلم قالوا: إجماع الأربعة ليس إجماعاً، إنما الإجماع المعتبر هو إجماع الصحابة ﵃. قال: (فأخشى إن طال بالناس زمان) يعني: أخشى إن طال بالناس العهد وطالت بهم الأيام. (أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله) إنما الذي نجده في كتاب الله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] فالجلد في كتاب الله، أما الرجم فليس في كتاب الله. والخوارج وبعض فرق الضلال قالوا: لا نجد في كتاب الله الرجم. وقال ذلك من بعدهم ورثة الأسافل والأراذل المسمون بالقرآنيين في هذا الزمان. قالوا: ما وجدنا في كتاب الله حلالاً حللناه، وما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمناه. والنبي ﵊ قد أخبرنا عن هؤلاء. قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان يأتيه الأمر

стр. 1173

كلام النووي على حديث عمر بن الخطاب في الرجم بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام في الزنا موصولاً -نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية- فالباب الرابع باب: [رجم الثيب في الزنا]. والثيب: هو المحصن سواء كان رجلاً أو امرأة. والمحصن: هو الناكح أو المنكوح -الرجل الناكح والمرأة هي المنكوح- بعقد صحيح. ونحن قلنا في الدرس الماضي: أن الإحصان يجب أن يكون في عقد أو زواج صحيح لا فاسد ولا وطء بشبهة.

стр. 1174

بيان عقوبة الزاني قال: (أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى وهو محصن) أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلا في حق الزاني المحصن، وأما غير المحصن فيكون في حقه الجلد، والخلاف قائم بين أهل العلم فيما يتعلق بعقوبة الزاني سواء كان محصناً أو غير محصن. فإذا كان محصناً فمنهم من قال: عليه جلد مائة والرجم. وهذا ظاهر النصوص. ومنهم من قال: بل عليه الرجم دون الجلد؛ لأن النبي ﵊ رجم دون أن يجلد، وهو الذي أمر بالجلد وتركه ﵊. أما غير المحصن فإنه يجلد مائة ويغرب عاماً. ومنهم من قال: يجلد بغير تغريب. وقد فعل ذلك النبي ﷺ أيضاً. قال: (كما أجمع أهل العلم على أنه إذا قامت البينة بزناه وهو محصن يرجم). يعني: البينة لا خلاف عليها، فإذا قامت البينة رجم بالإجماع.

стр. 1175

وجوب إقامة البينة لإقامة حد الزنا قال: (وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول). وهذا احتراز من القلة وليس من الكثرة، فلا يمنع أن يشهد خمسة أو ستة أو عشرة، بل هذا أوكد لتيقن وقوع الجريمة، لكنه لو شهد ثلاثة أو اثنان وإن كانوا من أعدل الناس لا يقام الحد إلا على زان شهد عليه أربعة، وهؤلاء الأربعة ذكور؛ احترازاً من النساء. ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم. قال: لا بأس أن يشهد رجلان وأربع نسوة، أو يشهد ثلاثة وامرأتان، أو واحد وست من النساء، أو ثمان من النساء. وهذه مظاهرة، إذا إن القرآن حدد أربعة شهداء والسنة حددت أربعة شهود، والشاهد يشترط فيه أن يكون ذكراً، كما يشترط فيه أن يكون عدلاً؛ احترازاً من شهادة الفاسق أو الكافر من باب أولى. فشهادة الفاسق لا تصح وليس عليها العمل في هذا الجرم أو في هذه الفاحشة، فإنه يشترط فيها العدالة, والعدالة باختصار هي: ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. ومنهم من عرف العدالة بعدم اقتراف كبائر الذنوب، وترك الإصرار على الصغائر. يعني: لا يكون قد ارتكب كبيرة ولا أصر على صغيرة. هذا تعريف آخر للعدالة، وهناك تعريفات أخرى غير ما ذكرناه، وأرجح التعريفات فيها: أنها ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. وهذا تعريف الحافظ ابن حجر لمعنى العدالة. قال: (وأجمعوا على أن البينة أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا). يعني قالوا: رأينا بأعيننا الإيلاج؛ فإنه لا يكفي أن رجلاً قبَّل امرأة، ولا يلزم من هذا أنه يكون قد باشرها أو جامعها، ولو فاخذها ولو نام معها في لحاف واحد لا يلزم من ذلك أن يكون قد جامعها، وهذا شيء في غاية القبح وفي غاية الخسة والنذالة، لكن هناك فارق عظيم جداً بين هذا الشيء القبيح وبين ترتب إقامة الحد عليه؛ لأن إقامة الحد لا يقام إلا على من زنى حقيقة، وشهد الشهود أنه قد أولج في المرأة حقيقة، وأنهم رأوا ذلك بأعينهم. فمثلاً: هب أن ثلاثة شهدوا عند القاضي أو الوالي أو النائب أنهم قد رأوا الإيلاج بأعينهم، فعلى القاضي أن يقيم على الشهود حد القذف؛ لأن النصاب لم يجتمع، وأعراض الناس مصانة أن تدنس، وهذا فيه أعظم زاجر للناس ليكفوا ألسنتهم عن الخوض في أعراض الآخرين حتى ولو كانوا كفاراً؛ لأنه لا يحل لنا أن نتهم الكفار بتهمة لم يرتكبوها، وهذا من عدالة الإسلام؛ فإنه لم يأذن بذلك.

стр. 1176

وجوب رجم المحصن إذا أقر بالزنا قال: (هذا إذا شهدوا على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة وإن اختلفوا في صفاتهم). قال: (وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد). إذا أتى إنسان وأقر بين يدي الوالي أو الحاكم وقال: أنا زنيت، وشهد على ذلك واعترف وأقر أقيم عليه الحد، ولكنهم اختلفوا في إقرار السكران، وهل يلزم أن يعترف الزاني أربع مرات عند القاضي أنه قد زنى؟ الحقيقة أن من قالوا بلزوم تكرار الإقرار بين يدي القاضي أقام كل إقرار مقام الشاهد، وقالوا: لا بد من أن يشهد وأن يقر بين يدي القاضي أربع مرات. وإنما قالوا ذلك قياساً على الشهود، فقالوا: كل إقرار يحل محل الشاهد. كما أنه قد ورد في بعض الروايات التي تحدثت عن جريمة الزنا التي وقعت من ماعز بن مالك الأسلمي أنه أقر بين يدي النبي ﵊ أربع مرات. قال: (وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد، واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات، وسنذكره قريباً إن شاء الله تعالى).

стр. 1177

اختلاف العلماء في جعل الحبل لغير ذات الزوج أو السيد بينة الحبل إذا ظهر على امرأة لها زوج أو سيد لا يقام عليها الحد بالإجماع، فكيف يقام عليها الحد وهي حاملة من زوجها وهي امرأة ذات رجل، فلا يقام عليها الحد إلا إذا أنكر زوجها فبينهما ما يسمى باللعان؟ قال: (أما الحبل وحده فمذهب عمر ﵁ وجوب الحد به إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك وأصحابه فقالوا: إذا حبلت ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها لزمها الحد) وهذا شيء ثالث: إذا كانت هذه المرأة لا زوج لها ولا سيد، ولا علمنا أن أحداً أكرهها -لأن المرأة إذا أكرهت على الزنا لا يقام عليها الحد- حدت. قال: (وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل سواء كان لها زوج أو سيد أم لا، سواء الغريبة وغيرها، وسواء ادعت الإكراه أم سكتت، فلا حد عليها مطلقاً إلا ببينة أو اعتراف) فلم يعتبروا الحبل كافياً في إقامة الحد عليها. قال: (لأن الحدود تسقط بالشبهات).

стр. 1178

مسألة: زنا الجني بالمرأة من الإنس لعلكم تعلمون أن بعض النساء في هذا الزمان يظهر عليها الحبل وليس لها زوج، فإذا سئلت عن ذلك قالت: إنما يجامعني القرين. أي: يجامعني الشيطان، أو يجامعني جني قد لبسني وعشقني وعشقته، وهذا مزلق خطير جداً تدندن به الفاجرات صويحبات الفاحشة ومن درجت على البغاء، وتستند إلى أنها مصروعة أو ملبوسة وأن من صرعها أو لبسها هو الذي يجامعها، ولو فتح هذا الباب على مصراعيه، لادعت كل امرأة أرادت البغاء أن الجني هو الذي يعاشرها وأن هذا فوق طاقتها. فكيف سيكون الحال؟! فهذا كلام مرفوض، وكلام غير صحيح، فلو أن امرأة واحدة زنت واحتجت بالجن وأقيم عليها الحد لفكرت كل امرأة ألف مرة أن تسلك هذا المسلك أو أن تعتمد على أن الجني هو الذي يجامعها. وأنتم قد سمعتم هذا، وأنا سمعته مراراً وتكرراً، فلا شك أن هذا باب عظيم جداً وسبب في من أبواب الفاحشة، ولو صدقناه وآمنا به لكان هذا باباً عظيماً جداً وسبب في انتشار الفاحشة في المجتمع. وعلى أية حال: عقيدتنا أن الجن يصرع الإنس، وأن الإنس يستعينون بالجن فيزيدهم الجن رهقاً، وأننا نؤمن بالجن كما قد آمنا بالإنس، وأن الاتصال قائم بين الإنس والجن ولكن ليس على أساس شرعي. وهناك فارق عظيم جداً بين إمكانية وقوع الشيء وبين مشروعية هذا الشيء، فإمكانية الفجور بين الإنس والجن قائمة، ويمكن أن يتصل الإنسي بالجني أو الجني بالإنسي، ويكون بينهما من الزنا والفواحش كما بين الجن والجن وكما بين الإنس والإنس، لكن هذا غير مشروع، ونحن نؤمن بالصرع كما نؤمن أن علاجه في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊. إذاً: هناك فارق بين إمكانية الوصال والفجور بين الإنس والجن وبين مشروعية ذلك، فنقول: إن عالم الإنس له خصائصه وله أصوله وله مادته التي تكون منها، وهي تختلف عن مادة الجن، فالله تعالى خلق الجن من نار، وخلق الإنس من الطين، وخلق الملائكة من النور، فهذه ثلاثة مصادر أصيلة مختلفة بعضها عن بعض في أصل تكوين هؤلاء الخلق، فالجن لا يتصلون بالإنس اتصالاً مشروعاً بما يسمى النكاح لاختلاف الطبيعة. وأما زعم من يزعم أنه متزوج بجنية أو جني يزعم أنه متزوج بفلانة من الإنس فهذا كلام يمكن وقوعه لكنه غير مشروع، كما أن الزنا بين الرجل والمرأة يمكن وقوعه لكنه أمر غير مشروع، ففارق عظيم بين المشروعية وبين إمكانية الوقوع، فالوقوع ممكن، بل ممكن أن تتم الفاحشة بين إنسان وأنثى الكلاب وأنثى الحمير وأنثى الطير وأنثى الوحوش والسباع، لكنه غير مشروع. فلو زعم إنسان أنه قد تزوج أنثى الكلاب فهذا لا يصح لاختلاف الطبيعتين، ولو زعم أحد أن ذكر الفهد تزوج بأنثى الحمار فهذا غير صحيح لاختلاف الطبيعة، وهكذا اختلاف الطبيعة بين الإنس والجن. والأصل في الجن الكذب، فلا يُصدقون لأول وهلة، وقد مررنا بأحوال وأطوار كثيرة جداً، وكان من أطرف هذه الأحوال: أن شيخنا الألباني عليه رحمة الله ذهب إليه أحد أصحابنا -وهذا في سنة (١٩٨٤م) أو (١٩٨٥م) - وقال: يا شيخ! أنا أدعوك لعقد نكاحي على امرأة من الجن، فنصحه الشيخ بأن هذا لن يتم ولن يرضى الجن بذلك. فقال الرجل: بل يرضون، وقد أخذت عليها العهود والمواثيق وغير ذلك. فقال: إذاً: على بركة الله، شريطة أن تظهر لنا وأن نناقشها وتناقشنا. فقال: والله أنا أعرض الموضوع عليها وإن شاء الله يكون خيراً، وحدد موعد العقد، وحضرت العروس ولم يرها من الحاضرين أحد قط، فقال هذا الزوج: يا شيخ! والله هي كلما قابلتني أو قابلتها طلبت مني أن أقرأ عليها قرآناً؛ لتسمع وتنعم بالقرآن الكريم. فقال الشيخ الذكي ﵀: ليست العبرة بأن تسمع القرآن إنما العبرة بأن تقرأ هي القرآن، فإذا كانت تتحرج أن تظهر علينا فلا أقل من أن تقرأ هي ونسمع نحن صوتها. فانصرفت هذه الجنية إلى غير رجعة. إذاً: بالنسبة للحبل اختلف فيه أهل العلم، فذهب الجماهير إلى أن الحبل وحده لا يقام به الحد سواء كان لها زوج أو سيد، أو ليس لها، وسواء كانت غريبة أو من أهل البلد. وأما مالك وأصحابه ومن قبلهم عمر بن الخطاب فقالوا: إن الحبل يقوم مقام البينة، أو يقوم مقام الإقرار، وبالتالي يقام عليها الحد، وهذا الذي يترجح لدي: أن المرأة إذا ظهر عليها الحبل ولم يكن لها زوج ولا سيد أقيم عليها الحد.

стр. 1179

باب من اعترف على نفسه بالزنا الباب الخامس: (باب من اعترف على نفسه بالزنا) يعني: أقر على نفسه بجريمة الزنا.

стр. 1180

قصة رجم ماعز في الزنا برواية أبي هريرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثني أبي عن جدي قال: حدثني عقيل - وهو عقيل بن خالد بن عقيل الرحالة - عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله! إني زنيت -أي: بصوت مرتفع- فأعرض عنه رسول الله ﷺ ] فلما أعرض عنه جاءه من قبل وجهه وقال: (يا رسول الله! إني زنيت) فأشاح بوجهه الناحية الأخرى، فأتاه من قبل وجهه ﵊ من الناحية الثانية وقال: (يا رسول الله! إني زنيت) فأشاح عنه ناحية اليمين فأتاه من قبل وجهه وقال: (يا رسول الله! إني زنيت) فأشاح عنه جهة الشمال، فأتاه من جهة الشمال فقال: (يا رسول الله! إني زنيت) أي: أربع مرات. قال: [(فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه)]. لما أقر على نفسه أربعاً، سأله النبي ﵊: (أبك جنون؟) أي: هل أنت مجنون؟ لأن إقرار المجنون لا عبرة به؛ لأنه ليس مكلفاً، فهو فاقد الأهلية. والجنون: آفة تلحق العقل فتغيبه وتجعل المرء يخرف أو يهرف بما لا يعرف. فقال: لا. لست مجنوناً. قال: (فهل أحصنت) أي: هل تزوجت؟ قال: (قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه). ورجم بالحجارة. وأعداء الإسلام يقولون: هذا دين الوحشية ودين الدماء، المهم أنهم في كل قضية يلفقونها في الإسلام يقعون في أفحش منها. يقولون: كيف يجعل الإسلام للرجل أربع نسوة؟ فنقول: المرأة عندكم تتخذ مائة خليل، والرجل يتخذ مائة خليلة، وهذا عندكم لا ينكر؟! إذا كان اليهود ينقمون على نبينا أنه تزوج تسعاً من النسوة فإن داود ﵇ تزوج العدد الهائل من النساء، وسليمان تزوج العدد الهائل من النساء صلى الله عليهما وسلم، وهذا أمر نحن نقبله ونحبه لأنه بشرع السماء، لكنكم تنكرون علينا شيئاً هو بعض ما عندكم، والفرق بيننا وبينكم أنه عندنا بإذن الشارع وأنه عندكم بغير إذن الشارع، وإنما هو معصية لله إذ تتخذون الخليلات والعشيقات.

стр. 1181

شرح حديث جابر بن عبد الله في رجم ماعز بن مالك قال: [قال: ابن شهاب: (فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة -أي: لما مسه أذى الحجارة- هرب منا، فأدركناه بالحرة فرجمناه)]. والحرة: مكان عند بقيع الغرقد، وهي المكان الذي يتكون من الحجارة السود، فلما هرب منهم توجه نحو الحرة فأدركوه فأقاموا عليه الحد هناك حتى قتلوه. وفي رواية: (أن رجلاً قابله عند الحرة فضربه بوظيف كان معه فقتله)، المهم أن هذا الرجل قتل عند الحرة. قال: [ورواه الليث أيضاً عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الإسناد. مثله]. قال: [وحدثنيه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا أبو اليمان - الحكم بن نافع الحمصي - أخبرنا شعيب - وهو ابن أبي حمزة الحمصي - عن الزهري بهذا الإسناد أيضاً، وفي حديثهما جميعاً قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابر بن عبد الله كما ذكر عقيل]. والمرء ربما يُقبل امرأة فيرى أن ذلك زنا، صحيح أنه زنا، لكنه ليس من الزنا الذي يقام عليه الحد، كما قال ﵊: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدركه لا محالة، فالعين تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش وغير ذلك. ثم قال: والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه). يعني: إقامة الحد كلها مترتبة على الفرج، وإن كانت هذه المعاصي التي تؤدي إلى الزنا تسمى زنا، لكنها ليست من النوع الذي يقام فيه الحد، ولذلك استفرغ النبي ﵊ وسعه في درء الشبهات عن هذا المحدود وعن هذا المعترف المقر، يقول له: (لعلك لامست أو فاخذت أو قبلت) أي: لعلك فعلت ذلك وأنت متصور أن هذا هو الزنا الذي يقام به الحد، لكنه أقر أنه زنى (قال: نعم. يا رسول الله! قال: أقيموا عليه الحد) فبعد ذلك ليس هناك أدنى شبهة لدرء الحد عنه.

стр. 1182

رواية جابر بن سمرة لقصة رجم ماعز بن مالك الأسلمي قال: [وحدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري حدثنا أبو عوانة - الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: (رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ -والقصة التي مضت هي قصة ماعز - وهو رجل قصير أعضل)] أعضل أي: صاحب عضلات مفتولة، رجل قوي شديد الخلقة. قال: [(ليس عليه رداء)] الرداء: هو ما يلبس في أعلى البدن، والذي يلبس في أسفل البدن يسمى الإزار. قال: [(فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى)] فالذي يقول: لا بد من الإقرار أربع مرات يقف عند هذا الحديث ويستشهد به. قال: [(فقال رسول الله ﷺ : فلعلك؟)] أي: اختصر. والمقصود: لعلك قبلت أو فاخذت أو لامست. وقد ساقه أبو داود في سننه صريحاً. قال: [(قال: لا والله! إنه قد زنى الأخر)] الأخر يعني: الأرذل أو السفيه أو الأبعد أو الغشيم، فهذا رجل يدعو على نفسه، وهكذا كان العرب إذا وجهوا سؤالاً عن أنفسهم واحتقروا أنفسهم بوقوعهم في معصية أو ذنب قالوا ذلك، كما جاء عن الرجل الذي أفطر في نهار رمضان بسبب جماع أهله، فقال: (يا رسول الله! هلك الأبعد -يقصد نفسه- قال: وما ذاك؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان. قال: هل عندك رقبة؟ قال: لا. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام، لا أقوى على الصيام. قال: أطعم ستين مسكيناً. فقال: لا أجد يا رسول الله! فدخل النبي بيته وأتى بمكتل عظيم ممتلئ تمراً فأعطاه إياه وقال: أطعم منه ستين مسكيناً. قال: يا رسول الله! وهل تجد بين لابتيها -أي: جبليها. جبلي المدينة- أفقر مني ومن أهل بيتي. قال: اذهب فاجعلها في بيتك وفي أهل بيتك). الشاهد: أنه قال: (هلك الأبعد يا رسول الله!). وهنا قال: (إنه قد زنى الأخر. قال: [قال: فرجمه)] أي: بعد أن اعترف أربع مرات. قال: [(ثم خطب فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس)] يعني كلما خرجنا للغزو يتخلف منكم واحد مع النساء أو العيال (له نبيب كنبيب التيس) أي: له صوت حين وقوع الجريمة منه كصوت التيس. وهذا تقريع وتوبيخ من النبي ﵊ لمن همت به نفسه أن يباشر مثل هذه الفاحشة. قال: [(يمنح أحدهم الكثبة، أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه)] يعني: لو أن الله تعالى مكنني من واحد يفعل هذا لنكلت به تنكيلاً. أي: لآذيته وضربته وقرعته وأقمت عليه الحد حتى يعتبر هو ومن معه. قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لـ ابن المثنى - قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: وفي رواية: سمعت جابراً يقول: (أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث ذي عضلات عليه إزار وقد زنى، فرده مرتين ثم أمر به فرجم)] انظروا إلى قوله: فرده مرتين، لم يرده في هذه الحالة أربعاً وإنما رده مرتين. وفي رواية: (فرده مرتين أو ثلاثاً). وهذا حجة الجمهور بأن الإقرار ولو مرة واحدة يكفي في إقامة الحد، وأنه لا يلزم الإقرار أربع مرات. قال: [(فقال رسول الله ﷺ : كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة)] أي: يعطي المرأة لبنه وماءه. وهذا كناية عن الزنا. فقوله: (يمنح إحداهن) أي: يزني بالمرأة فيعطيها لبنه ويعطيها ماءه. قال: [(إن الله لا يمكني من أحد منهم) أي فعل ذلك (إلا جعلته نكالاً) أي: جعلته عبرة وعظة لمن همت به نفسه أن يصنع مثل صنيعه. قال: [فحدثته سعيد بن جبير فقال: (إنه رده أربع مرات)]. وفي رواية جابر كذلك قال: [(فرده مرتين)]. وفي رواية أبي عامر العقدي: (فرده مرتين أو ثلاثاً).

стр. 1183

شرح حديث ابن عباس في رجم ماعز بن مالك أيضاً: في حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ قال لـ ماعز بن مالك: أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان. قال: نعم يا رسول الله. فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم). ولا تعارض بين هذه الرواية وبين الرواية السابقة: أنه هو الذي أتى إلى النبي وقال: (يا رسول الله! إني زنيت. أربع مرات)؛ وذلك لأن أصل القصة قد ورد مطولاً عند أبي داود في كتاب الحدود من طريق نعيم بن هزال وهو سيد ماعز، لما زنى ماعز رفع الأمر إلى سيده وقال: لقد زنيت. فاستدرجه سيده إلى النبي ﷺ قال: (اذهب بنا إلى النبي لعله ينزل فيك قرآن) يعني: بالتوبة. فـ ماعز لم يأت إلى النبي ﵊ ليقام عليه الحد، وإنما أتى بناءً على قول سيده وطمعاً في رحمة الله، وأن ينزل الله فيه قرآناً بالتوبة. ثم أوقف ماعزاً ودخل على النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! لقد زنى ماعز. ثم دخل ماعز فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأشاح عنه أربع مرات) حتى أقر عنده أربع مرات أو ثلاثاً أو اثنتين، ثم بدأت بعد ذلك أسئلة درء الحدود وإزالة الشبهات. قال: (لعلك قبلت، لعلك فاخذت) لعلك، لعلك لعلك، وهو يقول: (لا يا رسول الله!) حتى قال: (أبك جنون؟ قال: لا. قال: أأنت محصن؟ قال: نعم. قال: انظروا هل سكر صاحبكم؟) أي: هل هو سكران شارب خمر؟ قال: (فاستنكهه رجل من قومه -يعني: دنا من فمه حتى شم رائحته. قال:- يا رسول الله! والله ما به من سكر) فلما أزيلت هذه الشبهات كلها بقي إقامة الحد، لكن لما جيء بالرجل هذا قال: (يا رسول الله! أنا زنيت، فأشاح بوجهه الناحية الثانية) وكان بإمكان ماعز أن يرجع وحينئذ لا يسأله النبي ﵊، ولا يسأله، ولا يدرأ عنه الشبهات. وأنتم تعلمون أن النبي ما بدأ بدرء الشبهات إلا بعد الإقرار أربعاً، فقال: (أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان. قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم).

стр. 1184

شرح حديث أبي سعيد الخدري في رجم ماعز بن مالك في الزنا أيضاً: وفي حديث أبي سعيد الخدري: [(أن رجلاً من أسلم - هو ماعز - يقال له: ماعز بن مالك، أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي)] يعني: فأقم علي الحد. قال: [(فرده النبي ﷺ مراراً. قال: ثم سأل قومه فقالوا: ما نعلم به بأساً)] هل هذا مجنون؟ قالوا: لا. ما نعلم به جنوناً ولا بأساً ولا علة ولا آفة. قال: (إلا أنه أصاب شيئاً) يعني: هذا الرجل كان على الستر والسلامة وكان من الصالحين، وما ارتكب شيئاً يشينه إلا هذا الشيء. قال: [(يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد)] يعني: هذا الرجل لا نعلم عنه إلا خيراً، غير أنه قد ارتكب الفاحشة، وهو يرى أنه لا يخرج من هذا الذنب إلا بإقامة الحد عليه. قال: [(قال: فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه)] وليس في هذا الحديث ذكر أنه أقره أربعاً وإنما مرة واحدة. قال: [(فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد)] وهو مكان بين البقيع وبين المسجد النبوي، فالمنطقة التي بين المسجد النبوي وبين بقيع الغرقد كانت منطقة يقام فيها الحدود، وتصلى فيها الأعياد، ويصلى فيها الاستسقاء وغير ذلك، فقد كانت خلاء أهل المدينة، وهي خلاء حقاً؛ لأنها صحراء فقد كان هذا المكان لصلاة العيد والاستسقاء والمحافل التي يجتمع لها الناس كصلاة الجنازة وغيرها؛ ولذلك يطلق عليه بعض أهل المدينة إلى يومنا هذا: (مصلى الجنائز)، مع أن الجنائز هناك يصلى عليها في المساجد الآن، لكن بعض أهل المدينة القدامى الذين أدركوا صلاة الجنازة خارج المسجد -وهو السنة- لا يزالون يطلقون على الساحة التي بين بقيع الغرقد وبين المسجد: مصلى الجنائز. فقوله: (فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد) أي: إلى مصلى الجنائز. قال: [(فما أوثقناه ولا حفرنا له)] يعني: ما ربطناه بالحبال كي نقيم عليه الحد ولا يهرب، والسنة أن يحفر للرجل كما يحفر للمرأة، المرأة يحفر لها إلى صدرها فتوضع في الحفرة وترجم بالحجارة حتى تموت، وهذا أستر لها حتى لا تنكشف عورتها. أما الرجل فإنه يحفر له إما حفرة عظيمة أو حفرة يسيرة؛ ولذلك جاء في حق ماعز روايتان: رواية بين أيدينا: (فما أوثقناه ولا حفرنا له). ورواية: (فحفرنا له وأقمنا عليه الحد) وكلا الروايتين صحيحة، والجمع بينهما: أن قوله: (حفرنا له) أي: حفرة يسيرة وليست حفرة عميقة، بل يمكن الهرب منها؛ ولذلك هرب منهم إلى الحرة فتبعوه حتى قتلوه هناك. ومعنى: (فما أوثقناه ولا حفرنا له). أي: ما ربطناه ولا حفرنا له حفرة عظيمة كما حفرنا لغيره ممن أقمنا عليه الحد. قال: [(فرميناه بالعظم والمدر والخزف)] يعني: ما بكل شيء يمكن به الرمي، وهذا يدل على أن الحجارة غير متعينة. يعني: لا يلزم أن نرجم بالحجارة، المهم أي شيء يحدث إزهاق الروح مما يمكن إلقاؤه، فإقامة الحد بالسيف ليس من السنة، لكن بالحجارة وما يقوم مقامها كالخشب ونحوه، كما أن الاستجمار ورد النص فيه أنه بالحجارة إلا أن الحجارة غير متعينة، وإنما الاستجمار بالحجارة وما يقوم مقامها. قال: [(فاشتد واشتددنا خلفه)] يعني: أسرع يعدو هارباً. قال: [(واشتددنا خلفه)] يعني: أيضاً نحن جرينا وراءه وما تركناه. قال: [(حتى أتى عرض الحرة)] يعني: جانباً من جوانب الحرة. قال: [(فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة)] والجلاميد: جمع جلمود، وهي الحجارة العظيمة. قال: [(حتى سكت)] وفي رواية: (حتى سكن) والمعنى المراد: أنه مات. قال: [(ثم قام رسول الله ﷺ خطيباً من العشي)] يعني: في الليلة هذه قام النبي خطيباً ﵊. [فقال: (أوكلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا)] يعني: يبقى رجل في النسوة والأطفال وغير هؤلاء. قال: [(له نبيب كنبيب)] أي: طلباً للفاحشة والزنا كطلب التيس. قال: [(علي أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به. قال: وما استغفر له ولا سبه)].

стр. 1185

بيان العلة من ترك النبي الصلاة على ماعز وصلاته على الغامدية لو قيل: لماذا لم يستغفر له وقد تاب بإقامة الحد عليه؟ ف الجواب حتى لا يكون استغفار النبي ﷺ ذريعة لغيره من الأحياء في طلب الاستغفار من النبي ﷺ إن وقع فيما وقع فيه ماعز. إذاً: النبي ﷺ ترك الاستغفار له؛ مخافة أن يقع في مثل فعله الآخرون طلباً لاستغفار النبي ﵊. قال: (ولا سبه). فإن قيل: ولم لم يسبه وقد ارتكب الزنا؟ الجواب لأنه قد تاب بإقامة الحد عليه. وأنتم تعلمون أن من تاب من الذنب كمن لا ذنب له، فكيف يسب من لا ذنب له؟ فترك النبي الاستغفار له كما ترك سبابه وشتمه، ولم يصل عليه، وإنما صلى على الغامدية، وذلك من باب الزجر للأحياء عن ذلك. وصلى على الغامدية للفارق بين ما كان من أمر ماعز وما كان من أمر الغامدية، فهناك أمور دعت النبي ﵊ إلى ألا يصلي على ماعز. يقول العلماء: لأن ماعزاً فر لما مسه العذاب، والغامدية لم تفر، وماعز أقر في مجلس واحد أربع مرات، فحكم النبي ﵊ في نفس المجلس بالرجم، أما الغامدية أتت وقالت: (إني فجرت، فلا تردني كما رددت ماعزاً بالأمس) أي: فلا تفعل معي وتقرني أربع مرات كما فعلت مع ماعز بالأمس. وقالت له: (وأنا حبلى من الزنا. قال: ارجعي حتى تضعي حملكِ. فرجعت. فلما وضعت حملها أتت به -وكل هذا والصحابة ينظرون- فقال: ارجعي حتى تفطميه، فرجعت حتى فطمته، ثم أتت به إلى النبي ﵊ وفي يده كسرة خبز) وكل هذا شواهد قوية على أن المرأة قد تابت قبل إقامة الحد عليها، ولو أن المرء أقيم عليه الحد وإن لم يتب من الذنب فالحد كفارة. إذاً: إذا أقيم الحد على محدود فمجرد الحد كفارة لذنبه، فما بالك لو جمع المحدود إلى الحد توبة قبل إقامة الحد عليه؟ وهذا فارق جوهري بين ما كان من أمر ماعز وما كان من الغامدية؛ ولذلك ترك النبي ﵊ الصلاة على ماعز. قيل: لأجل هذه الفروق. وقيل: ربما لبعض ضعاف النفوس من المنافقين أو حديثي العهد بالإسلام أو غير ذلك، فهو بذلك ترك الصلاة للمصلحة الشرعية على ماعز، ولم تتهيأ هذه الظروف في وقت إقامة الحد على المرأة الغامدية؛ ولذلك ترك الصلاة على ماعز وصلى على الغامدية. وقيل غير ذلك. وفي رواية أخرى: [(فقام النبي ﷺ من في العشي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. فما بال أقوام إذا غزونا يتخلف أحدهم عنا له نبيب كنبيب التيس. ولم يقل: في عيالنا)]. وفي رواية سفيان قال: [(فاعترف بالزنا ثلاث مرات)] ولم يقل: أربعاً.

стр. 1186

شرح حديث بريدة بن الحصيب في رجم ماعز بن مالك قال: [وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني حدثنا يحيى بن يعلى -وهو ابن الحارث المحاربي - عن أبيه عن غيلان؛ لأن يحيى بن يعلى ليست له رواية عن غيلان، إنما هو يروي عن أبيه وعن زائدة بن قدامة، وقد روى غير واحد هذا الحديث من طريق يحيى بن يعلى عن أبيه عن غيلان وهو الصواب، وغيلان هو ابن جامع المحاربي. قال: [عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه -أي: بريدة بن الحصيب - قال: [(جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! طهرني)]. وهذا يدل على أن إقامة الحد طهارة من الذنب، وهي طهارة تامة كاملة. قال: [(فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه)] (ويحك): كلمة رحمة، كما قال الحسن البصري. وأمره النبي ﷺ بالاستغفار قبل أن يسمع منه الجريمة. قال: [(فرجع غير بعيد -رجع مرة ثانية إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! طهرني. قال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني فقال النبي مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : فيم أطهرك؟)] (فيم) هنا سببية. أي: بسبب ماذا أطهرك؟ أو ما هي الجريمة التي أطهرك منها؟ قال: [(فقال: من الزنا. فسأل رسول الله ﷺ : أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه -يعني: شم رائحته- فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله ﷺ : أزنيت؟ قال: نعم. فأمر به فرجم، فكان الناس فيه فرقتين -أي: اختلف الناس وصاروا فريقين- قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته. وقائل آخر يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز)] يعني: فريق يقول: لم يخرج من خطيئته حتى بعد قيام الحد عليه. وطائفة أخرى تقول: ليست هناك توبة أفضل من توبة ماعز [: (أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لـ ماعز بن مالك. قال: فقالوا: غفر الله لـ ماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله ﷺ : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)]. وفي رواية قال: (أتسبونه وإني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة؟) كلام جميل جداً.

стр. 1187

الأحكام المستنبطة من قصة رجم ماعز بن مالك الأسلمي احتج بهذا الحديث أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهما على أن الإقرار بالزنا لا يثبت ويرجم به المقر حتى يقر أربع مرات. وقال مالك والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة. أخذوا ذلك من حديث عن النبي ﵊: (لما أتاه رجل وقال: يا رسول الله! إن ابني هذا كان أجيراً أو عسيفاً -أجيراً- عند فلان فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ولدي الرجم فافتديت منه بمائة ناقة أو بمائة شاة، فاحكم بيننا يا رسول الله! قال: أما الشاة فهي رد عليك) ترجع لك ثانية. (وأما ولدك فعليه جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس! -أي: اذهب يا أنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) لم يقل: فإن اعترفت أربعاً أو فإن أقرت أربعاً ارجمها، وإنما قال له: (فإن اعترفت - أي: مرة واحدة - فارجمها) فهذا الحديث يؤخذ منه أن الإقرار مرة واحدة يكفي لإقامة الحد. وقوله (فإن اعترفت فارجمها) يدل على أن المرأة كانت محصنة. وحديث الغامدية ليس فيه إقرارها أربع مرات. واشتراط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربع مجالس متعددة مذهب بعيد. أما قوله: (أبك جنون) قاله ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على الإقرار بما يقتضي قتله. والعجيب أن النبي ﵊ يتمنى لو أنه يرجع عن إقراره، يعني: مرة ومرتين وثلاثة وأربعة؛ يدرأ عنه الشبهات، ثم يكون بعد ذلك القضاء الشرعي. ومن هنا نعلم أنه لابد من الحفاظ على الدماء بقدر الإمكان، والحفاظ على الأعراض بقدر الإمكان، واحترام آدمية الآدمي إلى أقصى حد. فالإسلام احترم العوالم الأخر: عالم الحيوانات والطير والسباع حتى الحيتان في البحر، فما من مخلوق إلا وقد احترمه الإسلام وجعل له حقوقاً وعليه واجبات، لا كما يفعله القضاء اليوم. وشتان بين نظام العدل الوضعي وبين نظام العدل الذي شرعه الله وطبقه النبي ﵊ عملاً، وطبقه الصحابة وخلفاؤه الراشدون، وشتان بين أخلاق الأمة في سالف أمرها وفي حاضر أمرها. والحسن البصري يقول: أعمالكم عمالكم. أي: على قدر أعمالكم يسلط عليكم العمال والأمراء والسلاطين والحكام، فنحن منهم وهم منا، فعلى قدر أعمالنا سلط الله تعالى علينا هؤلاء، وتسليط هؤلاء علينا أرحم بنا بكثير جداً من تسليط وزارة الأوقاف علينا. إي والله! نستطيع أن نتعامل مع ضباط الأمن، ولا نستطيع أن نتعامل مع إمام في مسجد فضلاً عن شخصية مرموقة في وزارة الأوقاف، وما ذلك إلا لأخلاقهم المنافية للالتزام، فترى كل واحد منهم يشرب سيجارة وبجانبه امرأة متبرجة، ويشير إليها بالعشق والهيام، ويشير إلى غيرها باللمز والغمز والهمز، وتجد الواحد منهم قد ظهرت فيه السمنة، ومعلوم أن الإنسان كلما امتلأت بطنه فرغ عقله؛ ولذلك يقول الإمام الشافعي: لا أعلم عيباً على محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة إلا أنه سمين. فقد كان السلف يعيبون السمنة, وأنتم تعرفون أن الإمام الشافعي كان تلميذ محمد بن الحسن، وقد تلقى الحديث على يديه، وكان عالماً جهبذاً ينصر مذهب الحنفية قبل أن يتحول عنه، ويأخذ بالدليل، فقد كان يقلد أبا حنيفة من قبل. أما قوله ﵊: (اذهبوا به فارجموه) ففيه جواز استنابة الإمام من يقيم الحد. قال العلماء: لا يستوفي الحد إلا الإمام أو من فوض ذلك إليه، فلا يقيم الحد إلا المسئول، أما آحاد الناس فليس لهم ذلك. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1188

الأسئلة

стр. 1189

الحكم على حديث: (مجلس علم خير من عبادة ستين عاماً) السؤال ما حكم حديث: (مجلس علم خير من عبادة ستين عاماً)؟ الجواب هذا حديث موضوع. لكن العلم باتفاق العلماء أفضل من العبادة، بل العلم في ذاته عبادة، وذلك إذا نوى به الطالب أو المتعلم التقرب إلى الله . وقد كان السلف يقدمون طلب العلم على العبادة؛ ولذلك قام رجل من مجلس مالك بعد أن أذن المؤذن ليصلي ركعتين، فقال مالك: ماذا تصنع؟ قال: قمت لأصلي ركعتين، أما سمعت المؤذن يا إمام؟! قال: والله إن ما كنت فيه خير مما قمت إليه. يعني: الذي كنت فيه أولاً من طلب العلم وسماعه خير مما قمت إليه وهو صلاة ركعتين. والمقصود: أن مجلس علم خير من سائر نوافل العبادات لا الفرائض.

стр. 1190

بيان أن إقامة الحد ليس شرطاً من شروط التوبة السؤال إذا تاب رجل من الزنا هل يقام عليه الحد؟ وهل هذا من شروط التوبة؟ الجواب ليس بلازم، إذا تاب العبد بينه وبين الله فإن هذه التوبة تجب ما كان قبلها.

стр. 1191

وجوب ستر العبد لنفسه والمبادرة بالتوبة من المعصية السؤال من فعل الزنا في هذا الزمن الذي لا يطبق فيه شرع السماء، هل عليه أن يتوب ويرجع إلى الله ويستر نفسه؟ الجواب نعم. عليه ذلك، يجب عليه أن يبادر بالتوبة، وأن يستر نفسه ولا يحدث به الآخرين.

стр. 1192

التوبة من اللواط السؤال هل لمن فعل اللواط من توبة؟ الجواب نعم. كل ذنب له توبة حتى الشرك، فلو أن عبداً أشرك أو ارتد فله توبة، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا باب التوبة العامة، أما باب التوبة الخاصة المتعلق بكل مكلف فإنه مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم.

стр. 1193

حكم الالتفات في الصلاة لضرورة السؤال هل يجوز الالتفات في الصلاة لضرورة؟ الجواب الالتفات في الصلاة إنما هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ابن آدم، وإنما له أن يلتفت شيئاً يسيراً ليتفل عن يساره ثلاثاً إذا وسوس إليه الشيطان. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1194

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزنا جاء الإسلام بالحفاظ على الحرمات، ومن ذلك حرمة العرض، فحرم الزنا وحد له حدوداً تقام على الزاني بالإقرار منه أو البينة عليه، فإذا كان بكراً فإنه يجلد مائة ويغرب عاماً، وإن كان محصناً يرجم، كما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وقد قضى النبي ﷺ بذلك في ماعز والغامدية والأعراب واليهود، فالرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ .

стр. 1195

تابع باب من اعترف على نفسه بالزنا بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام موصولاً عن حديث ماعز الأسلمي، ومعه حديث المرأة الغامدية في باب: من اعترف على نفسه بالزنا، وكنا قد أخذنا شطر الحديث الأول فيما يتعلق بزنا ماعز، واليوم نتمم الحديث فيما يتعلق بالمرأة الغامدية.
следующие страницы →