← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وجوب ستر العبد لنفسه والمبادرة بالتوبة من المعصية السؤال من فعل الزنا في هذا الزمن الذي لا يطبق فيه شرع السماء، هل عليه أن يتوب ويرجع إلى الله ويستر نفسه؟ الجواب نعم. عليه ذلك، يجب عليه أن يبادر بالتوبة، وأن يستر نفسه ولا يحدث به الآخرين.

стр. 1192

التوبة من اللواط السؤال هل لمن فعل اللواط من توبة؟ الجواب نعم. كل ذنب له توبة حتى الشرك، فلو أن عبداً أشرك أو ارتد فله توبة، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذا باب التوبة العامة، أما باب التوبة الخاصة المتعلق بكل مكلف فإنه مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم.

стр. 1193

حكم الالتفات في الصلاة لضرورة السؤال هل يجوز الالتفات في الصلاة لضرورة؟ الجواب الالتفات في الصلاة إنما هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ابن آدم، وإنما له أن يلتفت شيئاً يسيراً ليتفل عن يساره ثلاثاً إذا وسوس إليه الشيطان. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1194

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزنا جاء الإسلام بالحفاظ على الحرمات، ومن ذلك حرمة العرض، فحرم الزنا وحد له حدوداً تقام على الزاني بالإقرار منه أو البينة عليه، فإذا كان بكراً فإنه يجلد مائة ويغرب عاماً، وإن كان محصناً يرجم، كما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وقد قضى النبي ﷺ بذلك في ماعز والغامدية والأعراب واليهود، فالرجم ثابت بسنة رسول الله ﷺ .

стр. 1195

تابع باب من اعترف على نفسه بالزنا بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام موصولاً عن حديث ماعز الأسلمي، ومعه حديث المرأة الغامدية في باب: من اعترف على نفسه بالزنا، وكنا قد أخذنا شطر الحديث الأول فيما يتعلق بزنا ماعز، واليوم نتمم الحديث فيما يتعلق بالمرأة الغامدية.

стр. 1196

شرح حديث بريدة بن الحصيب في رجم الغامدية قال: [(ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد -والأزد: هو بطن من غامد- فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك)] أي: بالأمس أتاك ماعز فقال: إني زنيت فأعرضت عنه، ثم أتاك فقال: إني زنيت فأعرضت عنه أربع مرات، وكأني يا رسول الله! أشعر أنك تفعل معي اليوم ما فعلت مع ماعز بالأمس، فأرجو ألا يكون هذا منك. ومعنى كلامها: أنها زنت، وأنها تعلم معنى الزنا، وكأنها تقول: وعلامة ذلك يا رسول الله! أني حبلى من الزنا فطهرني، فقال لها النبي ﵊: [(ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟)] هنا شبهة وهي: أن النبي ﵊ لما أتت هذه المرأة وقالت: (يا رسول الله! أذنبت ذنباً فطهرني، فقال النبي ﵊: ويحكِ، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) رب قائل يقول: هذه المرأة أتت إليه مذنبة والنبي ﵊ هو المسئول الأول في زمنه عن إقامة الحد ومع هذا قال لها: (ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) وليس في هذا الحديث عند التحقيق شبهة؛ لأن هذه المرأة لما أتت وقالت: يا رسول الله! طهرني، لم تبين نوع ذنبها ولم تقل: إني زنيت، أو إني فجرت أو سرقت أو غصبت أو شيء مما رتب الله عليه حداً في كتابه، أو رتب عليه نبيه حداً في سنته، وإنما قالت: (يا رسول الله! إني أذنبت ذنباً فطهرني) والمعلوم أن الطهارة من الذنب تكون في الكبائر والصغائر، فحمل النبي ﷺ أمرها على أحسن المحامل، وأنها ما وقعت في كبيرة وإنما وقعت في صغيرة؛ فأرادت أن تتطهر من ذنبها حتى وإن كان صغيراً؛ ولذلك قال ﵊: (ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) قبل أن يعلم شيئاً، فلما قالت له: (يا رسول الله! أراك تردني كما رددت ماعز بن مالك. فقال: وما ذاك؟) أي: وما هذا الذنب الذي تريدين أن تتطهري منه. قال: [(قالت: إني حبلى من الزنا)] هنا أول إعلام للنبي ﷺ بنوع الذنب. قال: [(فقال: أأنتِ -يعني: أأنتِ التي وقعتِ في الزنا- قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك)] أي: لا أقيم عليكِ الحد حتى تضعي ما في بطنكِ. قال: [(فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت -كفلها أي: قام على حاجتها، واستوصى بها خيراً- فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية)] هذا الكفيل الذي كفل المرأة هو الذي أتى إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! المرأة التي كفلتها وضعت حملها. قال: [فقال: (إذاً: لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه)] المرة الأولى امتنع عن إقامة الحد لوجود الحمل؛ لأنه لو أقام عليها الحد وهي حامل ربما قتل جنينها بغير جريرة ارتكبها، ثم من الشفقة -أي: شفقة الإسلام على الرضيع- أن نهى النبي ﵊ عن إقامة الحد على المرضع إلا أن تجد مرضعاً أخرى ترضع هذا الرضيع، لذا قال النبي ﵊: [(إذاً: لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها)] يعني: أنا يا رسول الله! أتكفل برضاعه، فرجمها النبي ﵊. قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير - وتقاربا في لفظ الحديث - قال ابن نمير: حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر قال: حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب: (أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت. فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ -أي: هل هو مجنون أو سكران؟ - فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل -أي: عقله كامل لا بأس به، ليس مجنوناً- من صالحينا فيما نرى)] أي: الذي نظنه أنه من أهل الصلاح والتقوى. قال: [(فأتاه -أي: ماعز - الثالثة، فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها ﵊ فلما كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماع

стр. 1197

شرح حديث عمران بن حصين في رجم الغامدية وصلاة النبي عليها قال: [حدثني أبو غسان -وهو المسمعي مالك بن عبد الواحد - قال: حدثنا معاذ بن هشام - وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - قال معاذ: حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير اليماني حدثني أبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي البصري - أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين: (أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فأقمه علي)] يعني: قارفت ذنباً عظيماً استوجب الحد، فطهرني منه. قال: [(فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال: أحسن إليها)] وهذا على غير عادة الناس فإنهم إذا زنت امرأة آذاها قومها وأولياؤها، والنبي ﵊ أمر بالإحسان إلى هذه المرأة رغم أنها زانية، فإذا كان النبي ﵊ يأمر بالإحسان إلى أصحاب الكبائر فما بالك بإحسانه ﵊ مع أفاضل الصحابة كـ أبي بكر وعمر. [(قال: أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها. ففعل، فأمر بها نبي الله ﷺ ، فشكت عليها ثيابها)] يعني: فشدت عليها ثيابها خلافاً للرجل، فإن الرجل حين إقامة الحد عليه لا يشد عليه ثوبه، إنما المرأة يشد عليها ثوبها ويحفر لها إلى صدرها وترجم وهي جالسة خلافاً للرجل، فالرجل يقام عليه الحد وهو قائم أو جالس، أما المرأة فإنه يقام عليها الحد وهي جالسة. قولاً واحداً. قال: [(ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها)]. والله تعالى يقول: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فرحمة الله في صلاة نبيه أمر معلوم يقيناً، لا أمر مظنون كما هو الحال في سائر الناس دون النبي ﵊. قال: [(فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟)] وهذا القول من عمر يرد به على من قال: إن صلاة النبي عليها إنما هي الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، ولو كانت الصلاة في الحديث هي الدعاء دون الصلاة المشروعة وهي صلاة الجنازة لما كان لإنكار عمر على النبي وجه. وهذا يدل على أنه ﵊ صلى عليها صلاة الميت. قال: [(فقال النبي ﵊: لقد تابت توبة لو قسمت -أي: وزعت- بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)] أي: لكفتهم حتى وإن كانوا أصحاب ذنوب وكبائر. والمعلوم أن النبي ﵊ قال في الأنصار قولاً عظيماً، وأثبت فضل الأنصار عموماً، وأثبت فضل كل أنصاري خصوصاً، وأثبت فضل كبار الأنصار من الأوس والخزرج، فكل واحد من فضل كبار القوم له مناقب شتى وجمة منها ما هو في الصحيحين ومنها ما هو في غيرهما، والنبي ﵊ يعلم منزلة المهاجرين الأنصار في الإسلام، فقال ﵊ في هذه المرأة الغامدية: [(لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة -أي: من الأنصار- لكفتهم، وهل وجدت -يا عمر - توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى)] يعني: هل هناك دليل على صدق توبة التائب من أنه يأتي ويجود بنفسه وهو يعلم يقيناً أنه سيرجم وأنه سيموت؟ هذه المرأة أصرت على التطهير وقيام الحد عليها بدليل أنها أتت مرة وقالت: (يا رسول الله! إني أصبت حداً). فلما أمرها بالتوبة والرجوع إلى الله والاستغفار قالت: (يا رسول الله! لا تردني كما رددت ماعزاً بالأمس، إني زنيت، وإني حبلى من الزنا، قال: لا نقيم عليكِ الحد وأنتِ حبلى حتى تضعي) فرجعت المرأة، وأتت مرة أخرى وكان بإمكانها ألا تأتي، ولكن لصدق توبتها لفت وليدها في خرقة وأتت به إلى النبي ﵊، فقال: (لا نقيم عليكِ الحد حتى تفطميه؛ فرجعت). والمعلوم أن مدة الفطام طويلة تبلغ سنتين، فذهبت المرأة حتى أرضعت وليدها وفطمته، ثم أتت به وفي يده كسرة خبز؛ دليل على أنه الآن يأكل ويشرب ويعتمد على نفسه، وقد استغنى عن لبن أمه. فكل هذه أدلة تشهد بصدق توبة المرأة، ولا عليها أنها زنت في لحظة ضعف تسلط الشيطان عليها، أو أن الأجواء هيأت الوقوع في المعصية فوقعت فيها، لكنها سرعان ما فاءت ورجعت إلى ربها، فهل على المذنب من بأس أو حرج إذا كان هذا شأنه وحاله؟ الجواب ليس عليه من حرج، والنبي ﵊ يقول: (والذي نفس محمد بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله تعالى، فيغفر الله لهم). وقوله: (فيذنبون) كلام عام يشمل كبائر الذنوب وصغائرها. فهذه المرأة أذنبت وماعز أذنب، لكننا لا نحتج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب المذنب من ذنبه،

стр. 1198

كلام النووي في أحاديث رجم الغامدية

стр. 1199

بيان أن الحبلى لا تحد حتى تضع ذكر الإمام النووي عليه رحمة الله حديث رجم الغامدية فقال في قوله: (حتى تضعي ما في بطنكِ): (فيه: أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا أمر مجمع عليه؛ لئلا يقتل جنينها -بقيام الحد عليها- وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع). يعني: لو كانت امرأة ثيباً أو بكراً ووقعت في الزنا فالإجماع منعقد على أنها إذا حملت من الزنا وتبين حملها في بطنها لا ترجم ولا تجلد حتى تضع حملها؛ حفاظاً على جنينها.

стр. 1200

رجم المرأة المحصنة إذا زنت قال: (وفيه: أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل). لا خلاف بين الرجل والمرأة من جهة الإحصان والرجم. قال: (وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن). فهذه المرأة الغامدية التي زنت لم يذكر في الحديث أنها محصنة أو غير محصنة، لكننا استفدنا إحصانها من الرجم، ولو كانت غير محصنة لأمر النبي ﷺ بجلدها، فلما أمر بالرجم تبين لنا أنها امرأة محصنة.

стр. 1201

ثبوت أن الحمل قرينة على وقوع الزنا قال: (وفيه: أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع، وهذا أمر مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبن، ويستغنى عنها بلبن غيرها. وفيه: أن الحمل يعرف ويحكم به). وهذا كلام درسناه في الدرس الماضي، وقلنا: الجريمة تثبت بالإقرار والبينة والحمل، وذكرنا خلاف العلماء هناك وقلنا: الراجح: هو مذهب الجمهور أن الحمل قرينة على وقوع الزنا لامرأة لا زوج لها أو لأمة لا سيد لها.

стр. 1202

حكم حد المرضع قال: (قوله: (فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت) أي: قام بمؤنتها ومصالحها، وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان؛ لأن هذا لا يجوز في الحدود التي هي لله تعالى. قوله: (لما وضعت قيل: قد وضعت الغامدية. فقال النبي ﷺ : إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها). وفي الرواية الأخرى: (أنها لما ولدت جاءت بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: يا نبي الله! هذا قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فرجموها) فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف). في الرواية الأولى قال النبي ﵇: (اذهبي حتى تضعي الحمل) فلما وضعت أتت النبي ﵊ فأقام عليها الحد ولم يردها لأجل الرضاع. وفي الرواية الثانية: أنه ردها لأجل الرضاع، فهنا تعارض في الظاهر. إذاً: يجب تأويل الرواية الأولى وحملها على وفق الثانية؛ لأنها قضية عين واحدة. يعني لو قلنا: أن الحالة المعروضة أمامنا هذه متعددة لقلنا: أتت إليه امرأة في أول الأمر فأقام عليها الحد، وأتت إليه امرأة ثانية فأرجأها وأخرها حتى تفطم ولدها، لكن ما العمل إذا كانت القصتان هما قصة واحدة، وأن المرأة في الروايتين هي امرأة واحدة؟ وإذا صح الحديث فلا بد من الجمع بين الروايتين، وإن لم تجمع بين الروايتين الصحيحتين لا بد أن تقول بأن إحداهما شاذة، وهذه نتيجة حتمية، وفي هذه الحالة لا يكون لك بينة، وإما أن تؤلف بينهما، أي: أن تحمل إحداهما على الأخرى أو تؤول إحداهما بحيث تتفق مع تأويل الأخرى، وإلا فإنك سترد إحدى الروايتين، وأهل العلم يقولون: العمل بالدليلين خير من إهمال أحدهما. وهذا في حالة إمكانية الجمع، أما إذا كان الجمع مستحيلاً فلا بد من ثبوت رد إحدى الروايتين. قال: (فإن الثانية -أي: الرواية الثانية- صريحة لا يمكن تأويلها)؛ لأن المرأة أتته الأولى والثانية والثالثة، فهي رواية صريحة جداً. أما الرواية الأولى فليست صريحة، فيتعين تأويل الرواية الأولى: (قام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه) إنما قاله بعد الفطام) لا في المرة الأولى، ولكن الراوي اختصر الرواية. (وأراد بالرضاعة: كفالته وتربيته، وسماه رضاعاً مجازاً). قال: (واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك: أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه). وهذا مذهب الجمهور، لا يجوز رجم الزانية حتى تجد من يرضع وليدها. قال: (فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت. وقال أبو حنيفة ومالك -في رواية عنه-: إذا وضعت رجمت ولا ينتظر حصول مرضعة). وهذا كلام يخالف ظاهر الدليلين. قال: (وأما هذا الأنصاري الذي كفلها فقصد مصلحة، وهو الرفق بها ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحد -بقيام الحد عليها- لما رأى بها من الحرص على تعجيل ذلك). قال: (قوله ﵊: (إما لا فاذهبي حتى تلدي) أي: حيث إن الأمر كذلك فاذهبي حتى تضعي حملك. ومعناه: إذا أبيتِ أن تستري على نفسكِ وتتوبي وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك. قوله ﵊: (فتنضح الدم على وجه خالد) معناه: ترشش وانصب). يعني: انصب على ثوبه.

стр. 1203

حكم أخذ المكوس وبيان عظيم شأنها قال: (قوله: ﵊: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) فيه أن المكس من أقبح المعاصي) هذا حكم جديد، وصاحب المكس عموماً هو آخذ أموال الناس بغير حق، وخصوصاً جامع الضرائب والجمارك، صاحب المكس هو الذي يأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً تحت باب الضرائب أو الجمارك على الحدود وغيرها، حتى تعلموا أن هذا العمل أشد في الحرمة عند الله من الزنا، قال ﷺ عن هذه المرأة: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس)، فصاحب المكس مطالب أمام الله بأن يتوب توبة أعظم من توبة الزانية أو أعظم من توبة الزاني؛ وذلك لأنه يأخذ أموال الناس بغير حق، أما لو أخذ أموال الناس بحق فلا يدخل تحت هذا، فالذي يرسل إلى الناس ليجمع زكاة أموالهم يحرم عليه أن يأخذ أحسن أموالهم، ولا يأخذ من أموالهم إلا أواسط الأموال لا الدرنة ولا القرناء ولا العجفاء ولا الكسيرة ولا الكسيحة، كما أنه لا يأخذ أفاضل الأموال، وهذا طبعاً في الماشية والزرع وغير ذلك. أما في الذهب والفضة فإنه يأخذ من أي الأموال شاء؛ لأنه لا فرق في الذهب بين بعضه البعض ولا في الفضة بين بعضها البعض كذلك. إذاً: صاحب المكس هو جامع الضرائب، وعمله حرام، ودليلنا في الحرمة هو هذا الحديث وعموم الأحاديث التي وردت في تحريم أخذ أموال الناس بالباطل، لكن هذا الحديث أصرح حديث في حرمة الجمارك وحرمة الضرائب، وبالتالي الأسئلة تكثر، ومرد هذه الأسئلة إلى سؤال واحد: هل يجوز التهرب من الضرائب والجمارك؟ أنا أقول بالجواز قولاً واحداً، فإذا استطعت من غير مضرة تنزل بك، بل كدت أن أصل بالحكم إلى وجوب الهروب من الضرائب والجمارك؛ لأن هذا مالي وأنا لا آذن لأحد قط أن يأخذه مني، عندما آتي بغسالة أو ثلاجة أو كناسة من الخارج فهو مالي قد اشتريت به حلالاً سلعة من بلد معين، أريد إدخالها للانتفاع بها في بلدي، أو بيعها والاتجار فيها، فكيف يؤخذ مني مال فوق ثمن هذه السلعة؟ كما أن هذا ضرب للاقتصاد المصري أو غيره أياً كان هذا الاقتصاد؛ لأني لو أتيت بالسلعة قيمتها (١٠٠) جنيه لبعتها بـ (١١٠)، لكن لو أخذ مني جمارك بعتها بـ (٢٠٠) فهذا تخريب للاقتصاد وليس فيه أدنى منفعة للبلد، فالتجارة لا تروج إلا إذا رفعت الحكومة أيديها عن الناس وعن أبنائها وعن مواطنيها يتاجرون حيث شاءوا، والنبي ﵊ يقول: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض). فلا يحل للحكومة التدخل إلا إذا كنت أتاجر في سلعة حرمها الشرع، أما التسعير فليس لها علاقة بذلك؛ ولذلك لما قالوا للنبي ﵊: (يا رسول الله! سعر لنا. قال: إن الله هو المسعر)، (سعر لنا) يعني: حدد لنا السعر. قال: (إن الله هو المسعر) وليس هذا من أسماء الله، ولكن التسعير يقع بقدر الله، هذا معنى الحديث: (إن الله هو المسعر) أي: أن التسعير يقع بقدر الله ؛ ولذلك لا يزال العامة قبل الخاصة يحفظون أن التجارة عرض وطلب. والذي يعمل في التموين ويجلس في المسجد معنا ويقول: الحمد لله، أنا ليس لي علاقة بالحرام، إنما أنا أجمع ضرائب، نقول له: عملك أنت كذلك فيه شيء من الحرمة وشيء كبير وليس بسيطاً، فأصل عملك في التموين الحل؛ لأن موظف التموين ما هو إلا رقيب على جودة السلعة من رداءتها، لكن قيامك كل شهر على هذه المحلات اكتسبت أنت بها الحرمة، فيصير أصل العمل حلالاً، وأنت جعلته بدل الحل حراماً؛ فأنت الآن لا يضرك أن تكون البضاعة كاسدة أو رابحة. هذا أمر لا يعنيك، إنما الذي يعنيك أن تأخذ مال هذا الرجل حراماً فتأكله، فهذا أمر مدفوع الثمن، وأنت لا تعيب عليه شيئاً من ذلك، فإذا ذهب هذا الموظف الذي يعمل في وزارة التموين إلى المحلات، ليأخذ المعلوم الشهري فليعلم أن هذا المعلوم إنما هو نار الله الموقدة يأكلها في بطنه، فلا هنيئاً ولا مريئاً، وليعلم أن صاحب هذا المال وإن هش وبش في وجهه هو والله غير راض عن هذا، وأعظم دليل على ذلك أنه لو أمن جانبك ما أعطاك شيئاً. وأعجب من ذلك: أنك تجد موظف التموين يشرط على أصحاب المحلات والأعمال والتجارات مبلغاً معلوماً في كل شهر، وهذا مبلغ نقدي خلافاً للمبلغ العيني، فمن الناس من يكون معه دكان فيه بضاعة قيمتها عشرة آلاف جنيه، وهو يكسب في الشهر مثلاً خمسمائة جنيه، يأكل منها ويشرب، فإذا به يطالب بأنه يدفع نصف المبلغ لموظف التموين. تصور أن موظفاً هذا حاله قد شقي عمره السابق كله لأنه وأباه وأمه وجده لا يملكون قوت يومهم، فتاريخهم الأسود طويل لا نهاية له، وموظف التموين في غمضة عين يركب أضخم السيارات، ويسكن في أحسن العمارات، وينتقل في معيشته انتقالة يلحظها القاصي والداني، ولو أنه طلب حلالاً وترك حراماً لكانت سيرته امتداداً لسيرة أبيه وجده. تصور موظف ينزل في حي -مثلاً- من الأحياء الشعبية يمر على أربعمائة محل كل شهر، يأخذ من كل محل (٢٥٠) جنيهاً، اضرب أربعمائة محل في عشرة جنيهات، وأظن هذا أقل الف

стр. 1204

حكم الصلاة على المقتول حداً قوله (فصلى عليها ثم دفنت فيه) مسألة: الصلاة على المقتول في حد، وهي محل نزاع بين أهل العلم، فالنبي ﵊ لم يصل على ماعز الأسلمي وصلى على المرأة الغامدية، فهل يصلى على المحدود أو لا يصلى؟ العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: لا يصلى عليه. والمذهب الثاني: يصلى عليه. وهو الصحيح؛ لأن المقتول في حد لا يزال مسلماً، كما أن الذي قتل نفسه لا يزال مسلماً، والذي انتحر لا يزال مسلماً، لكن يفضل ألا يصلي عليه الإمام أو من يشار إليه بالبنان، أو أصحاب الفضل والعلم من باب الزجر لأمثالهم ألا يعملوا عمله؛ ولذلك رأى النبي ﵊ من المصلحة الشرعية ألا يصلي على ماعز، حتى لا يبادر آحاد الناس أن يقعوا فيما وقع فيه ماعز، فيحظوا باستغفار النبي ﷺ لهم والصلاة عليهم، وعلم ﵊ أن المصلحة الشرعية تقتضي الصلاة على الغامدية التي زنت بعد ماعز حتى لا يقول الناس بعد ذلك إجماعاً: لا يصلى على المحدود أو على الزاني وإن حد؛ لذلك صلى عليها النبي ﷺ ، فجمع بين المصلحتين: جواز صلاة الإمام على أصحاب الذنوب والمعاصي إن تابوا منها وأقيم الحد عليهم، ويترك ذلك أحياناً لزجر الأحياء ألا يقعوا في مثل هذه الجرائم والمهلكات. فالراجح: النظر إلى المصلحة، إن دعت إلى الصلاة صلى الإمام، وإن دعت إلى ترك الصلاة ترك الإمام الصلاة وأمر الناس أن يصلوا، لكن في كل الأحوال يصلى على المحدود؛ لأنه لا يزال مسلماً، ولكن الخلاف قوي في: هل يصلي الإمام عليه أم يأمر الناس أن يصلوا ويدع الصلاة هو؟ وهذا ينظر فيه إلى مصلحة الأحياء، لا إلى مصلحة الميت فحسب، والله تعالى أعلم.

стр. 1205

شرح حديث: (الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو ابن سعد - (ح) وحدثناه محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة ﵁ وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله)] هذا أعرابي، والأعراب فيهم من الغلظة والجفاء ما فيهم؛ ولذلك أتى هذا الأعرابي بشيء من الجفوة وقال: (يا رسول الله! أنشدك الله) يعني: أحلف عليك بالله أن تقضي بيننا بكتاب الله. أي: بحكم الله، والنبي ﷺ لا يحكم إلا بحكم الله فما الداعي إلى أن يقول هذا الرجل مثل هذا القول؟ قال: [(فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي)] يعني: ائذن لي يا رسول الله! أن أتكلم، وكان هذا الخصم أكثر أدباً من الأعرابي، وإن كان في كلامه بعض الجفوة كذلك. قال: [(فقال النبي ﵊: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته)] أي: ابني كان أجيراً عند هذا الرجل فزنى بامرأته، فهذه المرأة محصنة، أما هذا الرجل الذي زنى فكان بكراً. قال: [(إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة)] والوليدة: ابنة الناقة. أي: ما دام ابني سيرجم لا ترجموه، وخذوا مني بدل الرجم هذا مائة شاة ووليدة. قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام)]. هذا كلام أهل العلم، فهو لما قص عليهم القصة قالوا: لا. ليس عليه الرجم، ولا يصح منك الافتداء بمائة شاة ولا وليدة. وإنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وهذا يدل على جواز استفتاء أهل العلم في حضرة النبي ﵊، أي: في زمنه. كما يدل على جواز استفتاء المفضول في حضرة الفاضل. وهذا الكلام محل اتفاق وليس عليه خلاف. قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ولدي جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم)] فجواب أهل العلم دل على أن الزاني بكر، وأن الزانية محصنة. قال: [(فقال النبي ﵊: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد)] أي: الوليدة والغنم رد عليك حتى بعد قضاء القاضي. وهذا يدل على وجوب أن يرجع القاضي في قضائه إذا تبين خطؤه، لا يقول: انتهى الأمر. المحكمة حكمت بالإعدام. وإن قيل: ما زال الرجل لم يعدم. قالوا: لا. لا نحرج على القاضي. فإن قيل: وتقتلون نفساً بريئة حتى لا تحرجون على سيادة القانون؟ إن هذا القانون صنم يعبد من دون الله ، ولأجل سيادة القانون تراق الدماء ولا حرج. قال: [(قال: والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليد والغنم رد)] أي: ترد إلى صاحبها حتى وإن حكم بها. قال: [(وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)] فوافق النبي ﵊ أهل العلم في هذا الحكم. قال: [(قال: واغد يا أنيس!)] وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، صحابي مشهور من أصحاب النبي ﵊. قال: [(واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)]، فاعترفت، فجيء بها إلى النبي ﵊، فأمر برجمها فرجمت. قال: [(فغدا عليها فاعترفت -أي: أتاها أنيس فاعترفت- فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت)]. قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس -فـ عبد الله بن وهب يروي عن يونس بن يزيد الأيلي - (ح) وحدثني عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد المدني قال: حدثنا أبي عن صالح - وهو ابن كيسان المدني - (ح) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد البصري الصنعاني كلهم -يروي- عن الزهري بهذا الإسناد نحوه].

стр. 1206

باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا (باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا). يعني: باب وجوب رجم اليهود إذا كانوا أهل ذمة ولجئوا إلى القاضي المسلم ليفصل بينهم، فهناك يهود ليسوا أهل ذمة وإنما هم محاربون، مثل اليهود في فلسطين، فهم يهود، لكن لا ذمة لهم ولا عهد بيننا وبينهم، لكن لو كان هناك عهد أو ميثاق بيننا وبين بعض اليهود فإنه لا يجوز قتلهم ولا قتالهم إلا إذا نقضوا العهد والميثاق، فإذا نقضوا العهد والميثاق لم يكن لهم عندنا عهد ولا ذمة؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد أولاً. قال: (باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا) وهذا الباب مبني على أمرين: الأمر الأول: أنهم لجئوا إلينا للفصل في هذه الحدود. الأمر الثاني وهو محل نزاع عظيم جداً بين علماء الأصول: هل الكفار مطالبون بفروع الشريعة أم لا؟ أي: هل هم مطالبون بفروع شريعة الإسلام من صلاة وصيام وزكاة والتزام للحلال وابتعاد عن الحرام؟

стр. 1207

مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة هذه المسألة محل نزاع طويل عند علماء الأصول، والراجح: أنهم مطالبون بفروع الشريعة؛ وذلك لأنهم مطالبون اتفاقاً بأصول الشريعة، وأصول الشريعة هي التوحيد والإيمان، وأن شرع الله طالب الناس جميعاً بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وطالبهم بالإسلام، ولذلك اتفق أهل العلم على أن اليهود والنصارى والكفار عموماً مطالبون بأصول الشريعة، وأن شرع الله شرع عام للعالمين جميعاً لعالم الإنس مؤمنهم وكافرهم وعالم الجن مؤمنهم وكافرهم. ووقع الخلاف في فروع الشريعة فيما يتعلق بالكفار هل هم مطالبون؟ قال بعض أهل العلم: ليسوا مطالبين بفروع الشريعة ولم يحققوا أصولها، فكيف يطالبون بالفرع ولم يحققوا الأصل؟ وقال جمهور الأصوليين والعلماء: هم مطالبون بفروع الشريعة وإن لم تقبل منهم إلا بعد أن يحققوا أصول الشريعة. وهذا هو الرأي الراجح؛ ولذلك لما لجأ اليهودي واليهودية إلى النبي ﷺ ليقضي بينهما بكتاب الله في حد الزنا قضى عليهما بالرجم، والعجيب أن عند اليهود في توراة موسى التي نزلت عليه ﵇ أن حد الزنا للمحصن الرجم، ولكنهم أرادوا إخفاء ذلك عن النبي ﷺ ، ففضحهم عبد الله بن سلام الحبر الأعظم من أحبار اليهود، فلما تليت التوراة بين يدي النبي ﷺ ، وضع القارئ من اليهود أصبعه على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام: (يا رسول الله! مره فليرفع يده عن هذه الآية. فأمره النبي ﷺ فرفع يده فإذا تحتها الرجم)، وهذا يدل على اتفاق شريعة اليهود مع شريعة محمد ﵊ في أن من زنى وهو محصن فعليه الرجم، وقضى النبي ﵊ في اليهودي واليهودية بالرجم قضاءً مبرماً في شرعنا. وهذا يؤخذ منه: أن أهل الذمة إذا لجئوا إلى القاضي المسلم ليحكم بينهم وجب عليه أن يحكم بينهم بشرعنا لا بشرعهم.

стр. 1208

قضاء النبي ﷺ في اليهودي واليهودية اللذين زنيا قال: [أن عبد الله بن عمر أخبره: (أن رسول الله ﷺ أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟)] لم يذهب النبي ﵊ ليستخبرهم ولا ليقضي بين هذين بشريعة اليهود، وإنما ليثبت أن شريعة موسى التي لم تحرف موافقة لشريعته. قال: [(قالوا: نسود وجوهمما ونحملهما)] يعني: نلطخ وجوه الزناة بالسواد ونحملهما على الجمل. وفي رواية: (ونجملهما) ومعنى نجملهما: نجعلهما على الجمل. قال: [(ونخالف بين وجوههما)] أي: نجعل ظهر الرجل على دبر الجمل أو الحمار، والمرأة ظهرها إلى قبالة الجمل أو الحمار، بحيث يصير الزاني والزانية كلاهما يركبان دابة واحدة، وكل واحد ينظر للثاني، ويطوفون بهما المدينة، ويفضحونهما بين الناس. فقالوا: يا محمد نفعل هذا بالزناة، وهذا الذي نجده في توراة موسى التي نزلت عليه. قال: [(قالوا: ويطاف بهما. قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين)] إذا كنتم صادقين في حكمكم هذا وأنكم تجدون حد الرجم على من زنى عندكم أنكم تلطخونه بالسواد، وتخالفون بين وجوههم على الدابة وتطوفون بهم وتفضحونهم فقط؛ فهاتوا التوراة نقرؤها إن كنتم صادقين. قال: [(فجاءوا بها فقرؤوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها)]. يعني: التي قدامها والتي وراءها ولم يقرأ الآية نفسها. قال: [(فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ : مره فليرفع يده. فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما)]. قوله: (فرجما) يدل على أنهما كانا محصنين. [(قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما. فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)]. فانظر إلى العشق ما يفعل بأصحابه، فهما في الحفرة يذوقان الموت، ومع هذا يدافع عن عشيقته ومحبوبته حتى في لحظة الموت! قال: [وقال ابن وهب: (أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس)]. وهذا الحديث ليس فيه جهالة؛ لأنه قال: أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس، كما لو قال: أخبرني مالك بن أنس، فلو قال ابن وهب: أخبرني رجال من أهل العلم عن فلان فإنه يصير في الحديث جهالة؛ وبالتالي يصير ضعيفاً؛ وذلك لأن هذا المجهول لا نعلم عينه وبالتالي لا نعلم حاله، فإذا جهلنا عين الراوي جهلنا ما إذا كان ثقة أو غير ثقة، عدلاً أو غير عدل، ضابطاً أو غير ضابط، وإذا قال الراوي: حدثني الثقة عن فلان، اختلف أهل العلم في مثل هذا، فبعضهم قال: يصحح الحديث على مسئولية هذا الراوي الذي وثق شيخه وإن أخفى علينا عينه، لكن الراجح وهو مذهب جماهير المحدثين: أن قول الراوي: حدثني الثقة إسناد ضعيف؛ للجهالة؛ لأنه إذا كان عنده ثقة فلم لم يسمه؟ وربما يكون ثقة عنده، ولكنه ضعيف عند غيره وعند التحقيق والتدقيق؛ ولذلك لا بد من التصريح بعين الراوي حتى نعلم حاله. فقول ابن وهب هنا: أخبرني رجال من أهل العلم. لو اكتفى بهذا لقلنا: هذا الإسناد ضعيف. لكنه قال: [منهم مالك]، ومالك ثقة، ويصح به الإسناد وحده، فما بالك وقد حدث ابن وهب أناس آخرون من أهل العلم متابعون لـ مالك بن أنس؟ قال: [أن نافعاً أخبرهم عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ رجم في الزنا يهوديين: رجلاً وامرأة زنيا، فأتت اليهود إلى رسول الله ﷺ بهما) وساقوا الحديث بنحوه] أي: بمثل الحديث الأول. فإن قيل: كيف رجم اليهوديان بالبينة أم بالإقرار؟ قلنا: ربما كان ذلك بالبينة أو بالإقرار، ولا حرج أن يقام الحد بالبينة أو الإقرار.

стр. 1209

شرح حديث البراء بن عازب في رجم اليهودي الذي زنى قال: [عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي ﷺ بيهودي محمماً مجلوداً -يعني: مسوداً وجهه بالفحم مجلوداً- فدعاهم ﷺ فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا)] النبي ﵊ يقول له: أستحلفك بالله يا رجل! فأنت حبر من أحبار اليهود، هل في كتابكم حد الزاني المحصن أنكم تسودون وجهه وتجلدونه؟ هل هذا حد الزنا عندكم؟ فأجاب: لا. وهذا يدل على أن يهود الزمن الماضي أفضل من شارون القذر الوسخ ومن معه؛ لأن اليهود لو تستحلفهم مليون مرة يكذبون، ولكن كان جواب اليهودي للنبي ﷺ يقول له: (لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك) يعني: الأصل فيه الكذب. قال: [(ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم)] أي: يا محمد! نجد في كتابنا الرجم. قال: [(ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد؛ فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع)] بدلاً من أن نقيم الحد على الوضيع ونترك الشريف نتفق على عقوبة يستوفيها الشريف والوضيع. قال: [(فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١] إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٤١] الآية في سورة المائدة. يقول: ائتوا محمداً ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه)] لماذا؟ لأن هذا يوافق ما افتريتموه، وحاشا النبي ﵊ أن يوافقهم. قال: [(وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا أن تأخذوه)]؛ لأنه سيردكم إلى ما كان من أمركم الأول. قال: [(فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧])] هذه ثلاث آيات في كتاب الله في سورة المائدة نزلت خاصة في اليهود، لكن مذهب جماهير العلماء أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآيات في المسلم كما أنها في الكافر على تفصيل طويل ليس هذا محله.

стр. 1210

حديث جابر وابن أبي أوفى في الرجم قال: [أخبرني أبو الزبير عن جابر قال: (رجم النبي ﷺ رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأته)] معنى (امرأته): التي زنى بها، يعني: خليلته وعشيقته وليست امرأته. ولذلك أتى في رواية أخرى: (رجم النبي ﷺ رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة) ولم يقل: وامرأته. فالمقصود: صاحبته التي زنى بها. قال: [عن أبي إسحاق الشيباني قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: قلت: بعدما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري)] عبد الله بن أبي أوفى هذا صحابي مصري كبير، من أجلاء علماء مصر، ومع هذا يقول فيما لا يعلمه: لا أدري. والعلماء يقولون: من أخطأ كلمة (لا أدري) فيما لا يعلم فقد أصيبت مقاتله. أي: فقد قتل نفسه؛ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام. قال: [عن أبي هريرة أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها -بالإقرار أو بالحمل- فليجلدها الحد ولا يثرب عليها -يعني: لا يسبها ولا يشتمها ولا يعيرها- ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)]. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1211

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - إذا زنت الأمة فتبين زناها لقد أوجب الإسلام حد الزنا على الزاني سواء كان حراً أم عبداً، إلا أنه خفف الحكم في حق العبد فجعله نصف ما على الحر، وأسقط عنه حد الرجم، فيجلد نصف الحد خمسين جلدة، ولا يرجم لأن في رجمه إهداراً لمال سيده، كما أباح الدين للسيد إقامة الحد على عبده أو أمته إذا ثبت منهما الزنا، ونهى عن التثريب، كما أمر أيضاً بتأخير الحد على النفساء والمريضة إلى البرء.

стр. 1212

تابع باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد فما زلنا في باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.

стр. 1213

شرح حديث أبي هريرة: (إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ولا يثرب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني عيسى بن حماد المصري أخبرنا الليث -وهو ابن سعد المصري - عن سعيد بن أبي سعيد] وهو المقبري. لقبه: المقبري، وكذلك هذا اللقب ثابت لأبيه، قيل: لأنه كان بين بيته وبين المسجد مقبرة، فكان إذا ذهب إلى المسجد مر بها، وقيل: لأنه كان يسكن بجوار المقابر فلقب بـ المقبري تمييزاً لمن سمي (سعيد) في ذاك الزمان، وفي ذلك المكان، فهو سعيد بن أبي سعيد المقبري [عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أنه سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها -يعني: ثبت زناها بالبينة- فليجلدها الحد ولا يثرب عليها)] يعني: لا يشتمها ولا يسبها ولا يعيرها ولا يفضحها؛ ولذلك قال يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] يعني: لا لوم ولا توبيخ ولا مؤاخذة ولا عتب، فكذلك هذا السيد إذا زنت أمته فتبين له زناها -أي: ثبت بالبينة- فما عليه إلا أن يجلدها الحد. قال: [(ثم إن زنت -أي الثانية- فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت -الثالثة- فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)].

стр. 1214

شرح حديث أبي هريرة في بيع الأمة إذا تكرر زناها وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن ابن عيينة -وهو سفيان (ح) -يبدأ إسناد جديد- وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا محمد بن بكر البرساني أخبرنا هشام بن حسان كلاهما عن أيوب بن موسى]. كلاهما أي: ابن عيينة وهشام بن حسان، ابن عيينة في الإسناد الأول، وهشام بن حسان في الإسناد الثاني، كلاهما يروي عن أيوب بن موسى. انتبه إلى هذين الإسنادين، فقد التقيا عند أيوب بن موسى؛ لأن أيوب بن موسى سيتابعه كثرة من الرواة. قال: [(ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - وابن نمير] محمد بن عبد الله بن نمير، ومن قبل قلت: إذا قال مسلم: حدثنا ابن نمير فهو محمد بن عبد الله بن نمير، وإذا كان ابن نمير في طبقة شيوخ الإمام مسلم سيكون هو الوالد، هو اسمه عبد الله بن نمير. قال: [عن عبيد الله بن عمر]. وهذا هو الثاني المتابع لـ أيوب بن موسى. إذاً أيوب بن موسى في الإسنادين الأولين وأنهما التقيا عنده، وفي الإسناد الثاني عبيد الله بن عمر العمري. قال: [(ح) وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب حدثنا أسامة بن زيد الليثي]. وهذا هو الثالث. إذاً: أيوب وعبيد الله العمري وأسامة بن زيد الليثي. قال: [(ح) وحدثنا هناد بن سري وأبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - وإسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه - عن عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق] الإمام الكبير صاحب المغازي. هؤلاء الأربعة: أيوب وعبيد الله العمري وأسامة بن زيد الليثي ومحمد بن إسحاق إمام المغازي قال الإمام: كل هؤلاء -أي: الأربعة الذين ذكرناهم- عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. يعني: بالإسناد الثالث عن النبي ﷺ . وهو معروف بـ سعيد بن أبي سعيد المقبري أو يدعى سعيد المقبري، وأحياناً يقول الرواة: حدثنا المقبري. فإن كان في طبقة نازلة فهو سعيد، وإن كان في طبقة عليا فهو أبو سعيد. قال: [عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا أن ابن إسحاق -أي: كل هؤلاء يروون الحديث على نحو واحد إلا ابن إسحاق - قال في حديثه عن سعيد عن أبيه -فـ سعيد بن أبي سعيد يروي عن أبيه- عن أبي هريرة]، ويروي عن أبي هريرة، وهذه في الحقيقة مسألة قد أخذها علماء النقد وانتقدوا هذه الروايات، هل هي راوية سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أم روايته مباشرة عن أبي هريرة؟ فرواية سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، أو روايته عن أبي هريرة مباشرة محل نزاع بين أهل العلم؛ ولذلك هذا الإسناد ليس على شرط البخاري إنما هو على شرط مسلم، ولو رجعت لترجمة سعيد، أو ترجمة أبيه عن أبي هريرة لوجدت تفصيلاً يغني طالب العلم فيما يتعلق بروايته والحكم عليها، وعلى أية حال هي في مرتبة الحسن لذاته ولا تقل عن ذلك. قال: [غير أن ابن إسحاق قال في حديثه: عن سعيد عن أبيه -ولم يقل: عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال في جلد الأمة إذا زنت ثلاثاً: (ثم ليبعها في الرابعة)]. إذاً: هذه رواية أيوب بن موسى ورواية عبيد الله العمري ورواية أسامة بن زيد الليثي ورواية الليث بن سعد، فهذه الرواية الأولى في الحديث من طريق الليث بن سعد، والليث بن سعد متابع لهؤلاء الأربعة. فـ أيوب والليث بن سعد وعبيد الله وأسامة بن زيد هؤلاء جميعاً قالوا: (فليبعها ولو بحبل من شعر) بعد الثالثة، وابن إسحاق قال: (فليبعها ولو بظفي

стр. 1215

كلام النووي في أحاديث حد الأمة إذا زنت فتبين زناها إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد فما زلنا في باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.

стр. 1216

اشتراط الرؤية أو الثبوت لإقامة الحد على الأمة قال الإمام النووي ﵀: (قوله ﷺ : (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) التثريب: التوبيخ واللوم على الذنب، ومعنى (تبين زناها) أي: تحققه، إما بالبينة وإما برؤية أو علم عند من يجوز القضاء بالعلم في الحدود). بعض الناس يقول: الحد يثبت بالعلم مطلقاً ولا يلزم فيه الرؤية، فإذا كان المراد بالعلم الإقرار فهذا كلام مستقيم، وإذا كان المراد بالعلم: غير الإقرار -أي: مجرد الأخبار التي تتناقل هنا وهناك واستقرار ذلك وقيامه مقام البينة- فهذا كلام غير سديد؛ ولذلك من قال: إن الحدود تثبت بالعلم مطلقاً فكلامه يحتاج إلى نظر؛ لأنه كلام غير صحيح ولا دليل عليه، والنبي ﵊ لما سمع بإشاعة الناس عن فلانة أنها بغي وأنها زانية قال: (لو كنت مقيماً الحد على أحد بغير بينة لأقمت الحد على فلانة -أو قال-: على هذه) أي: على هذه المرأة التي تتحدثون عنها ويتحدث الناس كلهم عنها أنها زانية؛ وذلك لأن هذا العلم قام حتى استفاض وتواتر واشتهر بين الناس أن هذه المرأة بغي وزانية، وأنتم تعلمون أن البغايا في زمن الجاهلية وقبل بعثة النبي ﵊ -كما هو الشأن في بيوت الدعارة في هذه الأيام- يطلبن الرجال صراحة، بل كانت عناقاً في زمن الجاهلية تقف وتضع علماً على صدرها، ويعرف أهل مكة أن عناق إذا وضعت العلم فإنما تطلب رجلاً، فإن استعصى عليها الرجال دعتهم إلى ضيافتها وإلى الوقاع بها صراحة. هذا الكلام ليس غريباً أن يكون في الجاهلية؛ لأنه مجتمع جاهلي، وهذا الكلام يدار في هذا الزمان -لا أقول: في بلاد أوروبا وبلاد الكفر- بل في بلاد المسلمين، بل أكثر من ذلك أن هذه البيوت وهذه الخرابات مرخصة، وقد اتخذت لها الاحتياطات الكاملة للتأكد من سلامة وصحة هذه البغي. قال: (تحققه إما بالبينة أو بالرؤية). هل يشترط في رؤية الزنا بالإماء أربعة؟ الجواب لا يشترط ذلك، بل لو رآها سيدها فقط ولم يرها معه أحد كان له أن يقيم عليها الحد، وهذا معنى قوله: (فتحقق -أي: زناها- إما بالبينة وإما بالرؤية)؛ لأن بعض الناس يتصور أن أحكام الإماء كأحكام الحرائر سواء بسواء، فالأمة والحرة بينهما فروق، من هذه الفروق: أن الأمة إذا رآها سيدها تزني أقام عليها الحد، وهو الذي يقيم عليها الحد، ولا بأس أن يقيم السلطان الحد عليها، لكن لو أقام السيد على عبده أو أمته الحد فهذا ليس مخالفاً للسنة، وإذا رآها غير سيدها إن أنكرت لا يقام عليها الحد، وإن أقرت فيقام عليها الحد بإقرارها. هذا كلام الإمام ابن قدامة في المغني.

стр. 1217

وجوب إقامة حد الزنا على الإماء والعبيد قال: (وفي هذا الحديث دليل على وجوب حد الزنا على الإماء والعبيد). وقد كان العرب يعتبرون زنا الإماء والعبيد ليس شيئاً؛ بخلاف الحرائر، فالحرة لا تزني لأن هذا عين العيب، لكن لو رأوا أمة تزني فكأنهم لم يروا شيئاً؛ لأن الأمة ليست كالحرة، ولذلك كان زنا الحرائر عيباً شديداً جداً بخلاف زنا الإماء والعبيد.

стр. 1218

حكم إقامة السيد الحد على أمته قال: (وفيه أن السيد يقيم الحد على عبده وأمته. وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة في طائفة ليس له ذلك). أي: ليس للسيد أن يقيم الحد على عبده وأمته.

стр. 1219

سقوط عقوبة الرجم عن العبد والأمة قال: (وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور) أي: والرد على أبي حنيفة: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها) أي: فليجلدها هو الحد. قال: (وفي هذا الحديث دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان سواء كانا مزوجين أو لا؛ لقوله ﵊: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها) ولم يفرق بين مزوجة وغيرها). وربنا يقول: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء:٢٥] يعني: تزوجن ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء:٢٥] يعني: زنين بعد هذا الإحصان الذي هو الزواج ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] فكيف ينصف الرجم والرجم موت؟ وهل يمكن أن يموت الشخص نصف موت؟ إذاً: الذي ينصف هو الجلد. وذكر أن مصطفى محمود جاء مرة وكتب عدة مقالات في الجريدة. قال: أخبروني عن تفسير هذه الآية: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] قال: فأنا أريد أن أفهم هذا الكلام، وهو لا يريد أن يفهم بل هو يتحدى، ويشكك في السنة، فأسياده في الغرب انتهى معين بحورهم النكدة إلى توجيه الشبه لسنة النبي ﵊ وتفكيك المسلمين والشباب في دينهم وعقيدتهم، فلم يبق أمام مصطفى محمود إلا كلام الله ، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] فلما انتهت حججه وشبهه في سنة النبي ﵊ استدار بعد ذلك إلى كتاب الله . قال: هذه الآية تقول: إن الإماء إذا أحصن تزوجن فعليهن نصف ما على المحصنات الحرائر من العذاب فكيف ذلك؟ الجلد ينصف؛ لأن الحرة البكر إذا زنت تجلد مائة جلدة وتغرب أو لا تغرب على الخلاف المشهور الذي أخذناه من قبل. هب أن الراجح: الجلد دون التغريب. إذاً: الأمة إذا زنت وهي بكر فعليها نصف ما على المحصنة من العذاب، فتجلد خمسين، وإذا أحصنت الأمة وزنت فكيف يكون عليها نصف عذاب الحرة؟ لأن الحرة المحصنة إذا زنت رجمت حتى الموت، فكيف ينصف هذا بالنسبة للأمة المحصنة المزوجة؟ فأراد مصطفى محمود أن يشكك في هذه الآية، وما علم أن إجماع الأمة منعقد على أنه لا رجم على الأمة ولا على العبد، إنما عليهما الجلد، والجلد إما أن يكون قبل الإحصان، فتجلد الأمة، ويجلد العبد بغير عدد ولا يبلغ الخمسين، فإذا أحصن العبد وأحصنت الأمة وزنيا فعليهما نصف ما على الأحرار والحرائر من العذاب، فإذا كانت الحرة قبل الإحصان تجلد مائة فالأمة بعد الإحصان تجلد خمسين، وإذا زنت الأمة قبل الإحصان والزواج فلا عذاب عليها إلا من باب اللوم والتوبيخ والتعزير لا من باب الحد، وهذا التأديب والتعزير يصدر من السيد إلى عبده وأمته، فلا يكون الحد في حق الإماء والعبيد إلا بعد الإحصان، ولا يزيد عن خمسين جلدة. هذا في المرة الأولى والثانية والثالثة واختلف في بيعها بعد ذلك. هل تباع بعد الثالثة أم بعد الرابعة؟ على الشك الوارد في الروايات هنا، فإذا قلنا: تباع بعد الثالثة فهذا ظاهر الروايات وإذا قلنا: تباع بعد الرابعة فهذا أمر يرجع إلى اجتهاد السيد وأخذه بأحد القولين، وإذا باعها يبيعها بأبخس الأثمان ويعرِّف المشتري ببيعها. قال: (وفي هذا الحديث دليل على أن العبد والأمة لا يرجمان سواء كانا مزوجين أم لا، لقوله ﵊: (فليجلدها الحد) ولم يفرق بين مزوجة وغيرها. وفي هذا الحديث أنه لا يوبخ الزاني بل يقام عليه الحد فقط)، لا يوبخ أياً كان حراً أو عبداً لا يوبخ؛ لأنها معصية ارتكبها في وقت غفلة، وهي من باب إعانة الشيطان عليه، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ لما رجم الغامدية سبها خالد وقال فيها قولاً شديداً، وفي إحدى الروايات لما رجع عليه الدم قال: يا زانية! فقال النبي ﵊: (لا تفعل) أي: لا تقل ذلك، فإنها تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم. ففي هذا: إثبات رحمة النبي ﵊ لأصحاب المعاصي واحترام آدميتهم وكرامتهم وتقدير توبتهم، وأنهم يغسلون من هذا الذنب غسلاً كأنه لم يكن، وأن الله تعالى لا يحاسبهم على ذلك يوم القيامة؛ لأنكم تعرفون أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً كما هو مذهب الخوارج، بل لا تسلب عنه الأخوة الإيمانية؛ لأن الأخوة الإيمانية ثابتة للفاسق الملي كما عبر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية فقال: (لا يسلب اسم الإيمان عن الفاسق الملي) أي: على من كان على ملة النبي ﵊ ودينه، فإنه يفسق بكبيرته، ويثبت له الإيمان على قدر ما عنده من إيمان، فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، خلافاً للمعتزلة الذين جعلوه في الدنيا في منزلة بي

стр. 1220

حكم من تكرر منه ما يستوجب الحد قال: (قوله ﵊: (إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) فيه أن الزاني إذا حد ثم زنا ثانياً يلزمه حد آخر). وهذا في كل الحدود، فالسارق إذا سرق تقطع يده اليمنى، فإذا سرق الثانية تقطع اليسرى، فإذا سرق الثالثة تقطع رجله اليمنى، فإذا سرق الرابعة تقطع اليسرى، وكالذي شرب الخمر مرة وجاء وأقر أو رآه الناس يشرب الخمر فأقيم عليه حد الخمر، فرجع فشرب مرة أخرى فأقيم عليه مرة ثانية، ورجع فشرب ثالثاً فأقيم عليه الحد، وفي الرابعة خلاف بين أهل العلم، وأرجح الأقوال فيه: أنه إذا شرب الرابعة يقتل؛ لقوله ﵊: (إذا شرب فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)، وأنتم تعرفون الشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله، له كتاب رائع جداً، اسمه: (قتل مدمني الخمر) واعتبر أن العود للسكر والشرب مرة ثالثة ورابعة إدمان، والنص صريح في مسند الإمام أحمد: (إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا عاد فاجلدوه، ثم إذا عاد فاجلدوه، ثم إذا عاد في الرابعة فاقتلوه). والشيخ أحمد شاكر صحح هذه الرواية، ثم انطلق بعد ذلك إلى الحياة العملية للإفتاء، وأنتم تعرفون أن الرجل هذا كان قاضياً شرعياً، وكان من القضاة المرموقين في زمانه، وكان جريئاً في الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فقال: الحكم الشرعي في مدمن الخمر: القتل وهذا الذي تطمئن إليه النفس لصحة الدليل وقوته وصراحته؛ لأنه لا يحتاج إلى تأويل، فكذلك الذي يرتكب أي حد من حدود الإسلام يطبق عليه فإن عاد يطبق. فإن قيل: شخص زنا ثم زنا ثم زنا ثم أتى فأقر بين يدي القاضي قال: أنا يا سيدي القاضي! زنيت مائة مرة، فهل نقيم عليه الحد مائة مرة؟ إذا جاز هذا عقلاً في غير المحصن؛ فإنه لا يجوز عقلاً ولا شرعاً في المحصن، فالمحصن لو جاء وقال: أنا متزوج، وقد زنيت أربع مرات فهل يقول القاضي: نرجمك أربع مرات؟ فلما اتفق أهل العلم على أن من ارتكب ما يستوجب الحد أقيم عليه فإن عاد أقيم عليه ثانياً، لكن إذا ارتكب ما يستوجب الحد عدة مرات فلا يقام عليه الحد إلا مرة واحدة، سواء كان محصناً أو غير محصن. قال: (الزاني إذا حد ثم زنا ثانياً يلزمه حد آخر، فإن زنا ثالثة لزمه حد ثالث، فإن حد ثم زنا لزمه حد رابع وهكذا أبداً، قال: وأما إذا زنا مرات ولم يحد لواحدة منهن فيكفيه حد واحد للجميع، فإذا شرب مراراً ولم يحد في واحدة فإنما يلزمه حد واحد).

стр. 1221

الحث على ترك مخالطة الفساق قال: (وفي هذا الحديث ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم؛ وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عندنا وعند الجمهور). أخذنا هذا من قوله: (فإذا زنت الثالثة فليبعها ولو بضفير) يعني: يتخلص منها، وأنتم تعلمون أن مرتكب الكبيرة فاسق، وهذا الحديث يقول: وفي هذا استحباب التخلص من صحبة ومخالطة الفساق بترك صحبتهم وفراقهم، وهناك آيات وأحاديث كثيرة جداً تحث على صحبة أهل الإيمان، وعلى ملازمة أهل الإيمان وخاصة أهل العلم؛ لأنهم أعلم الناس بالله وأعلم الناس بكلامه وبكلام رسوله ﵊ وأحواله وسننه وأيامه، وهم الذين يناط بهم في الدرجة الأولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلاح العباد والبلاد وغير ذلك، فمخالطتهم أنفع لمن خالطهم.

стр. 1222

حكم بيع الأمة إذا تكرر زناها قال: (وهذا البيع المأمور به مستحب، وليس بواجب عندنا وعند الجمهور. وقال داود الظاهري: هو واجب). ولم يصرفه صارف. والصارف عند الجمهور: أن هذا العبد أو تلك الأمة ملك لسيدها، والمعلوم أن المالك لا يحمل على بيع ما يملك؛ لأن هذا أمر مستقر، فأنت تملك الكتاب الذي معك وليس لأحد قط أن يحملك على بيع هذا الكتاب الذي معك؛ لأنه ملكك، ولو كانت ملكيتك للكتاب مشروطة بأن تبيعه لأول آمر يأمرك ببيع هذا الكتاب فلا تكون الملكية لهذا الكتاب ملكية حقيقية؛ ولذلك حمل الجمهور الأمر للسيد ببيع أمته الزانية على أنه أمر استحباب وندب، وليس أمر وجوب؛ حتى لا يتعارض هذا مع الملكية الحقيقة لهذه الأمة. والله أعلم. قال: (وفي هذا الحديث جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير)، فالنبي ﷺ قال: (فليبعها ولو بضفير). أي: بعها ولو ببسيط. يعني أي: أنصحك تتخلص منها ولو بأقل الأثمان. قال: (وفيه جواز بيع الشيء النفيس بثمن حقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالماً به). يعني: البائع يعرف أنه يبيع سلعة غالية فيبيعه بأبخس الأثمان؛ إذلالاً واحتقاراً لهذا الشيء رغم أنه في نفسه ثمين. قال: (فإن كان جاهلاً فعند الجمهور جهله وعلمه سواء). واحد اشترى أمة بـ (١٠٠) جنيه، ولما فعلت فعلتها كان ثمنها عند الناس (١٠٠٠) جنيه، وهو لا يعرف شيئاً عن هذا الغلاء. فلما باعها بـ (١٠٠) جنيه فوجئ بعد بيعها أنها صارت عند الناس بألف، فعند الجمهور سواء، سواء علم بغلائها أو برخصها أو جهل غلاءها. قال: (ولأصحاب مالك فيه خلاف). أي: في هذه المسألة لـ مالك خلاف مشهور معروف (وهذا المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري؛ لأن هذا عيب في السلع)، فالعبيد والإماء يملكها الأسياد، ومن أراد أن يبيع سلعة يجب أن يبين عيبها إذا كان يغلب هذا العيب على السلعة، وهذا ليس فيه فضح للأمة إذا زنت؛ لأنه يخبر المشتري الذي تكون له ولاية عليها بعد الشراء، فلابد أن يعلم عيبها، إذا إن عيبها عيب خفي والعيب الخفي حكمه: أن يبينه البائع، فإن قبل المشتري أن يشتري السلعة بهذا العيب فليس للمشتري أن يرجع ويقول: أنت أعطيتني أمة زانية؛ لأن البائع قد أخبره أنها زانية، فليس للمشتري أن يرجع، لكن إذ كان هذا العيب خفياً وأخفاه البائع، ثم تبين للمشتري بعد ذلك أن هذه الأمة زانية أو أنها صرحت لسيدها الثاني أن سيدها الأول باعها لأجل الزنا، فله أن يرجع؛ لأن البائع أخفى عيباً لا يظهر في الغالب، لكن إنما إذا كان العيب من العيوب الظاهرة فليس من حقه أن يرجعه، كالعبد الأعمى الذي يباع، فليس للمشتري حق في إرجاعه وإلا أصبح أعمى مثله! لأنه كيف يشتري عبداً من غير أن ينظر فيه؟ قال: (فإن قيل: كيف يكره شيئاً ويرتضيه لأخيه المسلم؟) يعني: كيف يكره لنفسه أن يمسك هذه الأمة عنده ويبيعها له؟ مع أن النبي ﵊ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وهو نفسه الذي يقول: (فإن زنت الثالثة فبعها ولو)؟ الجواب النبي ﷺ هو الذي أمرنا بالبيع، لكن بشرط إظهار العيب، فالناس درجات ومراتب.

стр. 1223

بيان معنى إحصان الأمة والرد على شبهة مصطفى محمود في ذلك قال: (وفي الحديث الآخر: (أن علياً رضي الله تعالى عنه خطب فقال: (يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهن ومن لم يحصن). قال الطحاوي: وفي الرواية الأولى لم يذكر أحد من الرواة قوله: (ولم يحصن) غير مالك وأشار بذلك إلى تضعيفها. وأنكر الحفاظ هذا على الطحاوي. قالوا: بل روى هذه اللفظة أيضاً: ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك، فحصل أن هذه اللفظة صحيحة، وليس فيها حكم مخالف؛ لأن الأمة تجلد نصف جلد الحرة، سواء كانت الأمة محصنة بالتزويج أم لا. وقوله هنا: (محصنة بالتزويج) من أجل أن يبين أن الإحصان المذكور في الآية وهو التزويج؛ لأن بعض أهل العلم قال: الإحصان هو الإسلام، فبين هنا أن القول الراجح من أقوال المفسرين: أن الإحصان المقصود به: التزويج. قال: (وفي هذا الحديث بيان من لم يحصن، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] فيه بيان من أحصنت، فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد -إذاً: الأمة سواء كانت محصنة أو غير محصنة فالحكم فيها الجلد- وهو معنى ما قاله علي ﵁ وخطب الناس به قال: (أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهن ومن لم يحصن) -أي: الاثنين سواء- فإن قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى: (فإذا أحصن) مع أن عليها نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟ ف الجواب أن الآية نبهت على أن الأمة وإن كانت مزوجة لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة). يعني: ألا تعرفون أن الأمة إذا لم تتزوج تجلد على النصف من جلد الحرة؟! وهذا أحد المناهج، فإذا كنتم تعلمون ذلك فاعلموا أن هذا حكم جار حتى في حق الإماء بعد الإحصان، وهذا الذي نبهت عليه الآية. قال: (لأنه الذي ينتصف -أي: الجلد دون الرجم- وأما الرجم فلا ينتصف، فليس الرجم مراداً في الآية بلا شك، فليس للأمة المزوجة الموطوءة في النكاح حكم الحرة الموطوءة في النكاح، فبينت الآية هذا؛ لئلا يتوهم أن الأمة المزوجة ترجم). وبهذا نكون رددنا على شبهة مصطفى محمود. قال: (وقد أجمع أهل العلم على أنها لا ترجم سواء كانت محصنة أو غير محصنة، وأما غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة، منها حديث مالك هذا، وباقي الروايات المطلقة: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها) وهذا يتناول المزوجة وغيرها. وهذا الذي ذكرناه من وجوب نصف الجلد على الأمة سواء كانت مزوجة أو لا، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وجماهير علماء الأمة. وقال جماعة من السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد، ممن قاله: ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيدة). إذاً: الأمة غير المحصنة إذا زنت عقابها توبيخ ولوم وتأديب -أي: من باب التعزير- وهذا مذهب ثالث. وهذه المذاهب الثلاثة قد ذكرها الإمام ابن كثير عليه رحمة الله بالتفصيل في شرح هذه الآية من سورة النساء، فيمكنك الرجوع إليها.

стр. 1224

باب تأخير الحد عن النفساء قال: (باب: تأخير الحد عن النفساء) النفساء هي: المرأة حديثة الولادة، أو المرأة التي وضعت. والنفاس يختلف عن الحيض، إذ إن الحيض: هو العادة الشهرية التي تحدث للمرأة، أما النفاس: فهو المدة الزمنية التي تقضيها المرأة غير طاهرة بعد الولادة، وأقصاها عند عامة النساء: أربعون يوماً، كما في حديث أم سلمة: (أن النبي ﷺ بين أن مدة النفاس أربعون يوماً)، وهذا الأصل العام لا يمنع أن يقل النفاس عن هذه المدة أو يزيد أو ينقطع في أثناء هذه المدة ثم يعود، لكن الغالب عند عامة النساء أن هذه المدة أربعون يوماً. قال الإمام: (باب تأخير الحد عن النفساء). يعني: لا تحد الزانية في نفاسها، كما أنها لا تحد في أثناء حملها، وهذا بالاتفاق، أما الحد في الرضاع فمحل نزاع، فبعضهم يعتمد على حديث الغامدية ويقول: لا تحد في الرضاع مطلقاً. والبعض يقول: تحد في الرضاع إذا كان هناك من يرعى هذا الرضيع. قال: [حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا سليمان أبو داود الطيالسي حدثنا زائدة بن قدامة عن السدي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن. قال: خطب علي ﵁ فقال: (يا أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحد. من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها؛ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنت) إذاً: الحجة في تقرير النبي ﵊. قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن السدي بهذا الإسناد، ولم يذكر: (من أحصن منهم ومن لم يحصن). وزاد في الحديث: (اتركها حتى تماثل)] يعني: تعافى من هذا الداء ويذهب داؤها وعلتها. قال الإمام النووي: (في هذا الحديث: أن الجلد واجب على الأمة الزانية، وأن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء، والله أعلم). وأنتم تعلمون أن الغرض من الجلد ليس الموت، وإنما هو تطهير المرء من الذنب.

стр. 1225

الأسئلة

стр. 1226

تقييم كتاب الروح لابن القيم السؤال ما رأيك في كتاب الروح لـ ابن القيم وهل تنصح بقراءته؟ الجواب الحقيقة الكتاب ممتع جداً في الجملة، وذكر مسائل في غاية الأهمية، لكنه خلط وأساء غاية الإساءة في مواطن في أثناء الكتاب، ولذلك العلماء يقولون: هذا الكتاب ليس شبيهاً بكلام الإمام ولا بقلمه ولا بعلمه الراسخ، فمنهم من يقول: ابن القيم ألفه في أول عمره العلمي. وفي هذا إشارة إلى أن الطالب في أول الطلب لا ينبغي له أن يكتب، وكثير من الشباب يتفرع جداً في هذا الباب، ويكتب كلاماً، ويتصور أن هذا دين ربنا ﵎، وأن هذا ليس باباً من أبواب الهوى. ولا يزال الشيطان ينفخ فيه حتى يطبع ما كتب ويعرض فيه عقله، فعندما يكبر ويعرف العلم على حقيقته يأتي فينظر لكتبه فيتمنى لو أن الأرض تنشق وتبلعه، وقد قعد سنين يعادي من نصحه في أول الأمر بألا يطبع. وأذكر في هذه المناسبة قصة للشيخ الألباني سنة (١٩٨٥م): دفع إلينا كتاباً فيه ثمانون ورقة، وقد ألفه وله من العمر ثمانية عشر عاماً. فسألناه: لم لم تطبعه يا شيخ؟! قال: تركته من أجل أن أريكم وأقول لكم: إنه من العيب على الشخص أن يؤلف كتاباً وهو ما زال عظمه طرياً، فلا بد أن يجيزك أهل العلم أولاً؛ لأن ما كتبت سيقابل ملايين العقول، وكل عقل له منهج في طريقة تفكيره، فكتابك هذا سيمر على كل هذه العقول، فكيف تسوغ لنفسك أن تكتب وأنت ما زلت في مقتبل العمر؟ إذاً: العلماء يقولون: إن صح نسبة كتاب الروح لـ ابن القيم فهو من أخطائه العظيمة جداً، وأحسن العذر أنه ألف ذلك في أول حياته وما طُبع ونشر للناس إلا بعد موته؛ لأن معظم كتب أهل العلم ما طبعت إلا بعد موتهم، فأنا في الجملة لا أنصح بقراءة هذا الكتاب مطلقاً إلا لطالب علم راسخ في عقيدة السلف، خاصة الطالب الذي قرأ في كتب الاعتقاد، وعلم أين مستقر أرواح الكافرين وأرواح المؤمنين وأرواح الشهداء وأرواح الأنبياء، فإذا استقرت هذه العقيدة فلا حرج حينئذ أن تقرأ في كتاب الروح، فإنك بعد استقرار العقيدة في هذه المسألة ستعرف مباشرة أن هذا غلط، لكن حينما يأتي شخص لا يعرف أي شيء عن الروح ويقرأ هذا الكتاب فإنه سيقع في المحذور.

стр. 1227

الحكم على حديث: (الكيس من دان نفسه) وحديث: (الحجر الأسود يمين في الأرض) السؤال بالنسبة لحديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) وحديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) أرجو الإفادة في درجة هذين الحديثين وجزاكم الله خيراً، علماً بأن الشيخ الألباني ضعفهما؟ الجواب في الحقيقة الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف عمل رسالة لطيفة جداً منذ حوالي (١٥) سنة تقريباً اسمها (القسطاس في تصحيح حديث الأكياس)، والمقصود به: جمع كيس، وقد صحح هذا الحديث. وهذا الكتاب قد أتى فيه الشيخ بقواعد حديثية تنبئ عن تبحره في هذا الفن، لكن للأسف الشديد أن هذه الفرحة لم تستمر؛ لأن الشيخ غير منهجه في مبدأ ترقية الحديث الضعيف إلى الحسن، فبعد أن صنف هذا الكتاب وأثبت أن هذا الحديث صحيح ذهب مرة أخرى إلى ما يخالف ذلك، ورأينا أن الحجج التي انقلب بها الشيخ على هذا الأصل حجج غير قوية، وأن الحجج الأولى أقوى مما هو عليه الآن؛ ولذلك نحن لا زلنا نعتقد أن حديث: (الكيس من دان نفسه) حديث حسن. أما حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) فهو ضعيف. وأنا أنسحب من كلامي عندما قلت: إنه حديث صحيح أو حسن؛ وذلك لأنني ذهبت إلى مكتبتي وبحثت الحديث بجدية فإذا بالحديث لا يرتقي قط إلى الحسن.

стр. 1228

حكم البحث عن الزاني إذا أقرت المرأة بالزنا السؤال هل يقاطع الناس المرأة الزانية ويبحثون عمن زنى بها حتى يقام عليه الحد؟ الجواب أنتم تعلمون أن المرأة الغامدية لما اعترفت بالزنا لم يسألها النبي ﷺ عمن زنى بها، وإنما أخذها بإقرارها على نفسها لا على غيرها، لكن إذا اتفق عند القاضي إقرار بذكر اسم الزاني طالبه القاضي بالإقرار، فإن أقر أقام عليه الحد، وإن أنكر لم يقم عليه الحد، وإنما يقيم على من أقر. وأنتم تعلمون أن رجلاً كان له ولد أجير عند فلان فزنى بامرأته، فأفتوه أناس بفتاوى، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: اقض فينا بكتاب الله قال: (نعم. الغنم والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة والرجم، واذهب يا أنيس إلى امرأة هذا فإن هي اعترفت فارجمها، فذهب أنيس إليها فاعترفت فرجمها). ومفهوم المخالفة: فإن لم تعترف لا ترجمها. ومن هنا يعلم أن النبي ﷺ ما أرسل إلى هذه المرأة إلا لما ذكر له أن الزنا وقع بها، وأنها امرأة هذا الرجل الذي جاء إليه يطلب قضاءه، فعندما يذهب شخص إلى القاضي ويقول: أنا زنيت، فيقول له: بمن؟ فهذا قاضٍ جاهل لا يعرف شيئاً عن القضاء.

стр. 1229

حكم الأخذ من اللحية السؤال هل يجوز الأخذ من اللحية؟ الجواب من حيث الجواز يجوز، وقد فعله كثير من أصحاب النبي ﷺ كـ أبي هريرة وسلمان وأبو الدرداء وعبد الله بن عمر، وكان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر -وهو راوي أحد الأحاديث في وجوب إطلاق اللحية- قبض على لحيته فأخذ ما فضل. وكان هذا يعرف من ابن عمر؛ ولذلك الشيخ الألباني ﵀ كان يذهب في أول الأمر إلى وجوب إطلاق اللحية وحرمة الأخذ منها. وأنا ليس لي علاقة بفعل عبد الله بن عمر؛ لأن السنة تقول: أطلقوا أعفوا أرخوا وهذه كلها تدل على الإطلاق بلا قيد، حتى اللغة تدل على عدم الأخذ، إنما كون عبد الله بن عمر خالف ذلك بأن أخذ من لحيته ففعله هذا يدخلنا في مسألة أصولية وهي: لو أن صحابياً روى شيئاً فخالفه فالحجة بروايته أم بفعله؟ الجواب الحجة في روايته. ومذهب آخر يقول: الحجة في فعله. قالوا: لأنه لابد أن يكون عنده ناسخ لهذا القول أو مبيح أو مجيز، وإلا فظاهر الصحابة أنهم لا يخالفون سنة النبي ﵊. ورد الجمهور عليهم وقالوا: لا. ما خالف روايته إلا لغلبة الظن أنه قد نسي الرواية فعمل بخلافها، والنسيان لا يقدح في عدالة الراوي. فأقول: هذه محل نزاع بين أهل العلم، والشيخ الألباني ﵀ بعدما كان متشدداً جداً في حرمة الأخذ من اللحية الآن يذهب إلى وجوب الأخذ من اللحية، والعجيب أنه يذهب للوجوب، فلو قال: (الجواز فقط) لا بأس؛ لأن الوجوب يقتضي إثم من لم يأخذ من لحيته شيء فلو قال الشيخ الألباني بجواز الأخذ من اللحية لكان الكلام مستقيماً، لكن الشيخ يقول بالوجوب وهذا ما لم يوافقه عليه أحد، وله حجج كلها عقلية، وأما حجة شرعية، أو نص ثابت في إثبات الوجوب وحرمة الإطلاق فهيهات أن يكون هناك دليل على هذا الكلام!

стр. 1230

حكم من دخل المسجد وصلى وهو جنب السؤال ما حكم الدين في رجل دخل المسجد وهو جنب، وهو يعلم ذلك، وصلى مخافة أن يقول عليه الناس: (إنه لا يصلي)، فهل عليه كفارة لهذا الذنب؟ الجواب هذا قد جعل الله تعالى أهون الناظرين إليه، يخاف من الناس ولا يخاف من الله، ويقف بين يديه وهو جنب! هذا الفعل محرم، وعلى صاحبه أن يتوب إلى الله منه. وقد استقر في أذهان العوام: أن الشخص لو ذهب إلى بيت واحد من أصحابه وأجنب يصلي وهو جنب ولا يطلب الغسل؛ لكي لا يسيء صاحب البيت به الظن!! وهذا لا يصح، فهذه حدود وهذا شرع ربنا ﵎. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →