Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
تقييم كتاب الروح لابن القيم
السؤال
ما رأيك في كتاب الروح لـ ابن القيم وهل تنصح بقراءته؟
الجواب
الحقيقة الكتاب ممتع جداً في الجملة، وذكر مسائل في غاية الأهمية، لكنه خلط وأساء غاية الإساءة في مواطن في أثناء الكتاب، ولذلك العلماء يقولون: هذا الكتاب ليس شبيهاً بكلام الإمام ولا بقلمه ولا بعلمه الراسخ، فمنهم من يقول: ابن القيم ألفه في أول عمره العلمي.
وفي هذا إشارة إلى أن الطالب في أول الطلب لا ينبغي له أن يكتب، وكثير من الشباب يتفرع جداً في هذا الباب، ويكتب كلاماً، ويتصور أن هذا دين ربنا ﵎، وأن هذا ليس باباً من أبواب الهوى.
ولا يزال الشيطان ينفخ فيه حتى يطبع ما كتب ويعرض فيه عقله، فعندما يكبر ويعرف العلم على حقيقته يأتي فينظر لكتبه فيتمنى لو أن الأرض تنشق وتبلعه، وقد قعد سنين يعادي من نصحه في أول الأمر بألا يطبع.
وأذكر في هذه المناسبة قصة للشيخ الألباني سنة (١٩٨٥م): دفع إلينا كتاباً فيه ثمانون ورقة، وقد ألفه وله من العمر ثمانية عشر عاماً.
فسألناه: لم لم تطبعه يا شيخ؟! قال: تركته من أجل أن أريكم وأقول لكم: إنه من العيب على الشخص أن يؤلف كتاباً وهو ما زال عظمه طرياً، فلا بد أن يجيزك أهل العلم أولاً؛ لأن ما كتبت سيقابل ملايين العقول، وكل عقل له منهج في طريقة تفكيره، فكتابك هذا سيمر على كل هذه العقول، فكيف تسوغ لنفسك أن تكتب وأنت ما زلت في مقتبل العمر؟ إذاً: العلماء يقولون: إن صح نسبة كتاب الروح لـ ابن القيم فهو من أخطائه العظيمة جداً، وأحسن العذر أنه ألف ذلك في أول حياته وما طُبع ونشر للناس إلا بعد موته؛ لأن معظم كتب أهل العلم ما طبعت إلا بعد موتهم، فأنا في الجملة لا أنصح بقراءة هذا الكتاب مطلقاً إلا لطالب علم راسخ في عقيدة السلف، خاصة الطالب الذي قرأ في كتب الاعتقاد، وعلم أين مستقر أرواح الكافرين وأرواح المؤمنين وأرواح الشهداء وأرواح الأنبياء، فإذا استقرت هذه العقيدة فلا حرج حينئذ أن تقرأ في كتاب الروح، فإنك بعد استقرار العقيدة في هذه المسألة ستعرف مباشرة أن هذا غلط، لكن حينما يأتي شخص لا يعرف أي شيء عن الروح ويقرأ هذا الكتاب فإنه سيقع في المحذور.
стр. 1227
الحكم على حديث: (الكيس من دان نفسه) وحديث: (الحجر الأسود يمين في الأرض)
السؤال
بالنسبة لحديث: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت) وحديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) أرجو الإفادة في درجة هذين الحديثين وجزاكم الله خيراً، علماً بأن الشيخ الألباني ضعفهما؟
الجواب
في الحقيقة الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف عمل رسالة لطيفة جداً منذ حوالي (١٥) سنة تقريباً اسمها (القسطاس في تصحيح حديث الأكياس)، والمقصود به: جمع كيس، وقد صحح هذا الحديث.
وهذا الكتاب قد أتى فيه الشيخ بقواعد حديثية تنبئ عن تبحره في هذا الفن، لكن للأسف الشديد أن هذه الفرحة لم تستمر؛ لأن الشيخ غير منهجه في مبدأ ترقية الحديث الضعيف إلى الحسن، فبعد أن صنف هذا الكتاب وأثبت أن هذا الحديث صحيح ذهب مرة أخرى إلى ما يخالف ذلك، ورأينا أن الحجج التي انقلب بها الشيخ على هذا الأصل حجج غير قوية، وأن الحجج الأولى أقوى مما هو عليه الآن؛ ولذلك نحن لا زلنا نعتقد أن حديث: (الكيس من دان نفسه) حديث حسن.
أما حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) فهو ضعيف.
وأنا أنسحب من كلامي عندما قلت: إنه حديث صحيح أو حسن؛ وذلك لأنني ذهبت إلى مكتبتي وبحثت الحديث بجدية فإذا بالحديث لا يرتقي قط إلى الحسن.
стр. 1228
حكم البحث عن الزاني إذا أقرت المرأة بالزنا
السؤال
هل يقاطع الناس المرأة الزانية ويبحثون عمن زنى بها حتى يقام عليه الحد؟
الجواب
أنتم تعلمون أن المرأة الغامدية لما اعترفت بالزنا لم يسألها النبي ﷺ عمن زنى بها، وإنما أخذها بإقرارها على نفسها لا على غيرها، لكن إذا اتفق عند القاضي إقرار بذكر اسم الزاني طالبه القاضي بالإقرار، فإن أقر أقام عليه الحد، وإن أنكر لم يقم عليه الحد، وإنما يقيم على من أقر.
وأنتم تعلمون أن رجلاً كان له ولد أجير عند فلان فزنى بامرأته، فأفتوه أناس بفتاوى، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: اقض فينا بكتاب الله قال: (نعم.
الغنم والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة والرجم، واذهب يا أنيس إلى امرأة هذا فإن هي اعترفت فارجمها، فذهب أنيس إليها فاعترفت فرجمها).
ومفهوم المخالفة: فإن لم تعترف لا ترجمها.
ومن هنا يعلم أن النبي ﷺ ما أرسل إلى هذه المرأة إلا لما ذكر له أن الزنا وقع بها، وأنها امرأة هذا الرجل الذي جاء إليه يطلب قضاءه، فعندما يذهب شخص إلى القاضي ويقول: أنا زنيت، فيقول له: بمن؟ فهذا قاضٍ جاهل لا يعرف شيئاً عن القضاء.
стр. 1229
حكم الأخذ من اللحية
السؤال
هل يجوز الأخذ من اللحية؟
الجواب
من حيث الجواز يجوز، وقد فعله كثير من أصحاب النبي ﷺ كـ أبي هريرة وسلمان وأبو الدرداء وعبد الله بن عمر، وكان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر -وهو راوي أحد الأحاديث في وجوب إطلاق اللحية- قبض على لحيته فأخذ ما فضل.
وكان هذا يعرف من ابن عمر؛ ولذلك الشيخ الألباني ﵀ كان يذهب في أول الأمر إلى وجوب إطلاق اللحية وحرمة الأخذ منها.
وأنا ليس لي علاقة بفعل عبد الله بن عمر؛ لأن السنة تقول: أطلقوا أعفوا أرخوا وهذه كلها تدل على الإطلاق بلا قيد، حتى اللغة تدل على عدم الأخذ، إنما كون عبد الله بن عمر خالف ذلك بأن أخذ من لحيته ففعله هذا يدخلنا في مسألة أصولية وهي: لو أن صحابياً روى شيئاً فخالفه فالحجة بروايته أم بفعله؟
الجواب
الحجة في روايته.
ومذهب آخر يقول: الحجة في فعله.
قالوا: لأنه لابد أن يكون عنده ناسخ لهذا القول أو مبيح أو مجيز، وإلا فظاهر الصحابة أنهم لا يخالفون سنة النبي ﵊.
ورد الجمهور عليهم وقالوا: لا.
ما خالف روايته إلا لغلبة الظن أنه قد نسي الرواية فعمل بخلافها، والنسيان لا يقدح في عدالة الراوي.
فأقول: هذه محل نزاع بين أهل العلم، والشيخ الألباني ﵀ بعدما كان متشدداً جداً في حرمة الأخذ من اللحية الآن يذهب إلى وجوب الأخذ من اللحية، والعجيب أنه يذهب للوجوب، فلو قال: (الجواز فقط) لا بأس؛ لأن الوجوب يقتضي إثم من لم يأخذ من لحيته شيء فلو قال الشيخ الألباني بجواز الأخذ من اللحية لكان الكلام مستقيماً، لكن الشيخ يقول بالوجوب وهذا ما لم يوافقه عليه أحد، وله حجج كلها عقلية، وأما حجة شرعية، أو نص ثابت في إثبات الوجوب وحرمة الإطلاق فهيهات أن يكون هناك دليل على هذا الكلام!
стр. 1230
حكم من دخل المسجد وصلى وهو جنب
السؤال
ما حكم الدين في رجل دخل المسجد وهو جنب، وهو يعلم ذلك، وصلى مخافة أن يقول عليه الناس: (إنه لا يصلي)، فهل عليه كفارة لهذا الذنب؟
الجواب
هذا قد جعل الله تعالى أهون الناظرين إليه، يخاف من الناس ولا يخاف من الله، ويقف بين يديه وهو جنب! هذا الفعل محرم، وعلى صاحبه أن يتوب إلى الله منه.
وقد استقر في أذهان العوام: أن الشخص لو ذهب إلى بيت واحد من أصحابه وأجنب يصلي وهو جنب ولا يطلب الغسل؛ لكي لا يسيء صاحب البيت به الظن!! وهذا لا يصح، فهذه حدود وهذا شرع ربنا ﵎.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1231
شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [١]
الخمر ما خامر العقل وغطاه، وقد جاء تحريم الخمر في كتاب الله ، وجاءت السنة ببيان حده، فجلد النبي ﷺ فيها أربعين جلدة، وجلد بعده الصديق مثل ذلك، فلما كان في عهد عمر جلد فيها ثمانين جلدة، وكل ذلك سنة.
стр. 1232
باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.
والخمر هو: كل ما خامر العقل.
أي: ستره وغطاه.
وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.
стр. 1233
شرح حديث أنس بن مالك في جلد شارب الخمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك: (أن النبي ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين)].
فالذي يجلد بجريدة أربعين جلدة يكون قد جلد أربعين، والذي يجلد بجريدتين أربعين يكون قد جلد ثمانين، والذي يجلد بثلاث جرائد يكون قد جلد مائة وعشرين وهكذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] والضغث: هو حزمة من شماريخ النخل، وهي متشعبة جداً.
فلما أقسم أيوب ﵇ أن يضرب امرأته مائة ضربة وشق عليه ذلك أنزل الله تعالى التخفيف فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤] أي: من هذه النخلة.
قال: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] أي: فاضرب به حتى لا تحنث في يمينك.
فالذي يضرب بشيئين يكون قد ضرب ضربتين، والذي يضرب بثلاث يكون قد ضرب ثلاثاً، فهنا لما جيء برجل قد شرب الخمر إلى النبي ﷺ ضربه بجريدتين أربعين.
وفي هذه الرواية: (نحو أربعين) يعني: تقريباً.
وكلمة: (نحو) تدل على أن العادَّ لم يُحص العد على وجه الدقة والحساب، وإنما قدر ذلك تقديراً، فكان نحو أربعين.
قال: [قال: (وفعله أبو بكر)]، والضمير يعود على هذا العقاب الذي أوقعه النبي ﵊ بشارب الخمر.
(وفعله) أي: فعل هذا الحد أبو بكر الصديق ﵁.
قال: [(فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن - وهو ابن عوف -: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر)].
والحدود التي أمر الله بها في كتابه منصوص عليها، كحد الزنا مائة جلدة لغير المحصن، وحد السارق قطع اليد، وأخف هذه الحدود حد القذف؛ فإن حد القذف المنصوص عليه في القرآن ثمانون جلدة، فلما استشار عمر أصحابه: كيف يحد شارب الخمر؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! حده بأخف الحدود المنصوص عليه في القرآن الكريم.
فأخف الحدود حد القذف وهو ثمانون جلدة، فأنفذها عمر ﵁ في حق شارب الخمر.
قال: [وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي قال: حدثنا خالد - يعني: ابن الحارث - حدثنا شعبة حدثنا قتادة قال: سمعت أنساً يقول: (أتي رسول الله ﷺ برجل) فذكر نحو الحديث السابق.
حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن هشام - وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - يحدث عن أبيه عن قتادة عن أنس بن مالك: (أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال)].
يعني: يضرب الحد بالنعل كما يضربه بالجريد والعصي.
قال: [(ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى)].
حيث سيلان الماء وكثرة الزرع وظهور التمر والعنب واتخاذ الخمر منهما ومن غيرهما كاتخاذه من الشعير والبر وغير ذلك؛ فإنه لما كثرت الفتوحات في زمن عمر وامتدت الرقعة الإسلامية شرقاً وغرباً وكثر الخير وكثر الزرع والثمار اتخذ الناس الخمر من سائر أنواع الزروع والثمار، فكان يجاء بهم إلى عمر بن الخطاب ﵁.
قال: [(فلما دنا الناس من الريف والقرى قال عمر ﵁ -لأصحابه -: ما ترون في جلد الخمر؟)] يعني: هل نتشدد فيه أم نبقيه على أمره الأول؟ فبعضهم أقر عمر أن يجلد ثمانين، أقره علي بن أبي طالب كما أقره عبد الرحمن بن عوف.
قال: اجلدهم ثمانين.
مع أن النص الوارد عن النبي ﵊ أنه جلد في الخمر نحو أربعين، وجلد على هذا النحو أبو بكر الصديق ﵁.
قال: [(قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود.
قال: فجلد عمر ثمانين)] وهذا حد القذف.
قال: [حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد - وهو القطان - قال: حدثنا هشام - وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي - بهذا الإسناد مثله].
أي: بنفس الإسناد السابق.
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام عن قتادة عن أنس
стр. 1234
شرح حديث جلد عثمان بن عفان للوليد بن عقبة في شربه الخمر
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل] وهو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي الضبي البصري، أمه اسمها علية.
مشهور بالنسبة إليها، يقال: إسماعيل بن علية.
قال: [عن ابن أبي عروبة].
بفتح العين وهو سعيد ابن أبي عروبة لا غيره، وهذا ليس اسماً له كما قال أحد الرواة: حدثنا فلان وفلان وفلان وعدة، فقام إليه أحد الطلاب وقال: (عدة) ابن من؟ قال: عدة ابن فقدتك.
يعني: عدمتك.
قال: [عن عبد الله الداناج].
و (الداناج) كلمة فارسية معناها: العالم، وهو عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر المعروف بـ الداناج.
[وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي واللفظ له أخبرنا يحيى بن حماد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله بن فيروز مولى ابن عامر الداناج حدثنا حضين بن المنذر] حضين وليس حصين، وهو الوحيد في الكتب الستة اسمه حضين، كنيته: أبو ساسان.
قال: [شهدت عثمان بن عفان وأتي بـ الوليد].
وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخاً لـ عثمان من أمه، وكان يشرب الخمر وحد فيه مراراً، وكان يشربها حتى يهذي، فإذا هذى افترى.
وأعظم ما ورد عنه من افتراء: أنه صلى الصبح بهم أربعاً وكان إمام المدينة في زمانه، فقالوا له: صليت الصبح أربعاً؟! قال: وما في ذلك، إن شئتم زدتكم.
فالخمر هي أشد شيء يحط من كرامة الإنسان، بل حتى قبل الإسلام تنبه لخطورتها بعض من كانوا في الجاهلية فلم يشربوها؛ لعلمهم أنها تحط من كرامتهم، فلم يثبت قط أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يشربها، ولم يكن يجلس مجلساً يدار عليه الخمر، وكان يتعجب من عاقل يدله عقله على إباحة شرب الخمر، وكان هذا قبل بعثة النبي ﵊.
قال: [(شهدت عثمان بن عفان، وأتي بـ الوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان)].
أي: أنه كان مخموراً.
وفي رواية: أنه صلى الصبح أربعاً.
ذكرها الإمام الذهبي في كتابه: سير أعلام النبلاء في ترجمة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذكر أنه كان فاسقاً.
وهذا ليس طعناً في الصحبة وليس طعناً في عدالة هذا الرجل، فيكفيه إثبات للشرف أنه صحب النبي ﷺ ، وأظن أن الإمام الذهبي تجاوز حده في إثبات الفسق لهذا الصاحب، وكان ينبغي أن يحمل ما وقع من الوليد على حسن توبته، وأنه مات تائباً من هذا الذنب، أو أن هذا الذنب يعافى من إثمه ما دام قد كان يقام عليه الحد، أو أن لهذا الصاحب من الحسنات والفضائل ما يمحو جبالاً من السيئات؛ لأن بعض الناس سألني هذا
السؤال
كيف يقول الذهبي عن أحد أصحاب النبي ﵊: أنه صحابي فاسق؟
الجواب
كلام الذهبي له وجه قوي، وأنتم تعلمون أن صاحب الكبيرة لا يكفر وإنما يفسق بها، وشرب الخمر كبيرة من الكبائر، والصحابة مثل غيرهم في سائر الكبائر، من وقع منهم في كبيرة كان فاسقاً بكبيرته حتى يتوب منها أو يقام عليه الحد، وكل ما هنالك: أن الإمام الذهبي أطلق الفسق عليه لثبوت شربه الخمر وعدم ثبوت التوبة، والذي يترجح لدي -إحساناً للظن بأصحاب النبي ﵊ أنهم ما فعلوا كبيرة إلا وقد تابوا منها، فأنتم تعلمون عموماً أن مرتكب الكبيرة والمصر على الصغيرة كلاهما فاسق وليس بكافر، فإن أقيم عليه الحد فهو كفارته، وإن تاب تاب الله عليه، وإن مات مصراً غير مستحل فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
قال: [(فشهد على الوليد رجلان أحدهما حمران - وهو مولى عثمان بن عفان ﵁ أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ)] فالشهادة على إقامة حد الخمر تكون بشاهدين، فلا بد أن يشهد عند القاضي أو الوالي والسلطان اثنان: أن فلاناً شرب الخمر.
أما حمران فقد رآه يشرب الخمر، وأما الآخر فلم يره يشرب الخمر وإنما رآه يتقيأ.
فهذه ليست شهادة على شرب الخمر وإنما هي قرينة تدل على شرب الخمر، والحدود إنما تقام بإثبات شهادة الشهود أو الإقرار، ولا تقام بهذه القرائن التي احتفت بإثبات القضية؛ ولذلك اجتهد عثمان بن عفان ﵁ لما يعلمه من حال الوليد من قبل، فـ حمران مولاه شهد عنده أنه قد رأى الوليد يشرب الخمر، والثاني قال: وأنا رأيته يتقيأ، فـ
стр. 1235
شرح حديث علي بن أبي طالب في ديته لشارب الخمر إذا جلد فمات
قال: [حدثني محمد بن منهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع البصري حدثنا سفيان الثوري عن أبي حصين] عن أبي حَصِين مكبراً، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي.
قال: [عن عمير بن سعيد عن علي ﵁ قال: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي إلا صاحب الخمر؛ لأنه إن مات وديته)].
أي: إن مات في أثناء الحد غرمت ديته.
يعني: ألزمت نفسي بدفع الدية.
قال: [(لأن رسول الله ﷺ لم يسنه)].
وهذا كلام يحتاج إلى وقفة وبيان، فالنبي جلد أربعين -لفظاً صريحاً- بالجريد والنعال، وجلد نحو أربعين، وجلد بجريدتين أربعين.
فكأن علي بن أبي طالب ﵁ يقول: لعل النبي ﷺ كان يضرب الشارب من باب التعزير لا من باب الحد، وذلك لأن قوله: (نحو أربعين) لا يدل على أنه حد، فلو كان حداً لا نقول فيه: نحو ثمانين ولا نحو أربعين ولا نحو عشرة؛ لأنه لا بد أن يكون الحد محدداً بيناً واضحاً، والنبي ﷺ ضرب بالجريد أو بالنعال أربعين، وعمر ﵁ ضرب ثمانين، والنبي ﵊ قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وعمر منهم ﵁؛ ولذلك قال علي ﵁: (جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة).
لأن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولم يعترض على عمر أحد من الصحابة، فـ عمر لم ينكر عليه علي، بل أقره على ذلك، وكل ما هنالك أن أحب الجلد إليه الجلد الأول؛ ولذلك يقول العلماء في هذه المسألة الخلافية: الخلاف فيها معتبر ومحترم، فلا يقول العلماء: هذا خطأ وهذا صواب، وإنما يقولون: راجح ومرجوح، وإلى يومنا هذا يترجح لدى بعض أهل العلم أن الثلاث طلقات تقع ثلاثاً، عملاً بسنة عمر ﵁، والجماهير على أن الثلاث تقع واحدة؛ عملاً بالأصل الذي كان عليه النبي ﵊ وأبو بكر، وعليه عمر في صدر خلافته.
فـ علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي - يعني: أجد في نفسي حرجاً من هذا الموت - إلا صاحب الخمر.
قال: لأنه إن مات وديته).
يعني: دفعت إليه الدية.
وعلل ذلك بأن عقوبة شارب الخمر قد لا تكون من باب الحد ولعلها وقعت في الشرع من باب التعزير.
وعلي بن أبي طالب ﵁ يقول ذلك؛ لأنه شك أن تكون العقوبة وقعت في الصدر الأول من الإسلام على شارب الخمر من باب التعزير والتأديب لا من باب الحد.
ولو اعتبرنا أن أقل الأقوال هو أن الضرب كان من باب التعزير لا من باب الحد، فلو مات المعزر بسبب حد التعزير أو بسبب أسواط التعزير وجبت ديته، بخلاف المحدود، فلو مات المحدود في الحد فلا تجب له الدية، ولا دية له أصلاً، لكن المعزر إذا مات في أثناء التعزير أو بسبب التعزير فإنه يودى، والذي يوديه السلطان من بيت المال.
وهذا أرجح الأقوال.
وقيل: بل من مال الأمير نفسه.
وقيل: لا يودى.
وقيل: ديته على عاقلة المعزر.
أي: الجلاد.
وللجلاد عند جلده شروط، منها: ألا ترتفع يده عن كتفه، حتى إن بعض أهل العلم غلا في ذلك وقال: ألا يغادر عضده إبطه.
قال: (لأن رسول الله لم يسنه) يعني: لم يترك لنا فيه سنة واضحة بينة.
وعلى أية حال: هذا اجتهاد من سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي لم يسن حداً مقدراً معيناً لشرب الخمر.
وهذا الذي قاله علي بن أبي طالب خالفه فيه أصحاب النبي ﵊.
فقالوا: إن النبي ﵊ جعل حد الشارب للخمر أربعين.
وفي هذا الحديث: أن فعل الصحابي سنة يعمل بها، وهو موافق لقوله ﷺ : (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) في حديث العرباض بن سارية عند الترمذي وغيره.
стр. 1236
كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فمع الباب الثامن من كتاب الحدود وهو باب: حد الخمر.
والخمر هو: كل ما خامر العقل.
أي: ستره وغطاه.
وهذا طبعاً عند جماهير العلماء، خلافاً للأحناف؛ فإنهم يقولون: إن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب فقط، أما عند جماهير العلماء هو كل ما أسكر أو كل ما خامر العقل.
стр. 1237
نقل الإجماع على تحريم شرب الخمر ووجوب حد شاربه
قال النووي: (وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلاً أو كثيراً).
أي: سواء سكر أو لم يسكر، فالعبرة بمجرد الشرب لا بحجم المشروب ولا بأثر المشروب، فحجم المشروب قليلاً كان أو كثيراً سواء، فهو شارب للخمر، وسواء سكر من هذا الشراب أو لم يسكر.
стр. 1238
حكم قتل شارب الخمر
قال: (وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها).
إجماع أهل العلم على أن شارب الخمر لا يقتل بشربها لكنه يحد، كما قال تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] فالثيب الزاني يرجم حتى الموت، والتارك لدينه المفارق للجماعة يرجم حتى الموت، أما شارب الخمر فإنه يحد أربعين.
وهذا الراجح وهو الأحوط.
وما زاد على ذلك فهو راجع إلى اجتهاد الإمام، إن شاء زاد من باب التعزير لا من باب الحد، وإن شاء توقف عند الحد الوارد عن النبي ﷺ وهو أربعون جلدة.
والإجماع المنعقد على أن شارب الخمر لا يقتل بها يرد على الحديث الذي عند أحمد وغيره: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد - في الرابعة - فاقتلوه).
وإجماع المحدثين على أن هذا الحديث صحيح، ولكن الإجماع منعقد على أن هذا الحديث منسوخ.
وذهب الشيخ أحمد شاكر ﵀ إلى عدم ثبوت النسخ في حق هذا الحديث، وأن الحديث محكم غير منسوخ، وأن من شرب الخمر ثم حد، ثم رجع فحد، ثم عاد فحد، ثم شرب الخمر الرابعة فليقتل حينئذ، والمسألة محل نزاع.
قال: (وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر منه).
هكذا حكى الإجماع فيه الإمام الترمذي وخلائق.
وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات).
يعني: إذا جلد في الخمر أربع مرات يقتل في الخامسة.
قال: (للحديث الوارد في ذلك).
وهذا القول باطل مخالف لإجماع الصحابة ومن بعدهم على أنه لا يقتل وإن تكرر منه أكثر من أربع مرات.
فـ الوليد بن عقبة كان يشرب الخمر كل يوم حتى ضجر الناس منه، وذهبوا إلى عبد الله بن مسعود ﵁ يقولون: يا أبا عبد الرحمن! ألا تنصح صاحبك في أخيه؟ يعني: لماذا لا تكلم عثمان بن عفان في موضوع أخيه هذا، يخلصنا منه ويريحنا منه.
قال: ما لنا فيه بد، ما رأينا شيئاً وإنما الناس بظواهرهم، فإذا بدا لنا منه شيء أخذناه به، وقد نهانا الله عن التجسس.
فأبى ﵁.
ولما حملوا أبا عبد الرحمن على نصيحة عثمان في أخيه قال: أتظنون أنا لا ننصحه سراً؟ والله ما كنا لننصح الأمير علناً قط، وقد بذلنا له النصيحة غير مرة سراً.
فنصح الأمراء والوجهاء وذوي الهيئات لا يتم علناً، وإنما يتم سراً؛ حفاظاً على وجاهتهم ومكانتهم خلافاً لسائر الناس.
قال: (وهذا الحديث منسوخ.
قال جماعة: دل الإجماع على نسخه).
يعني: هذا منسوخ بدلالة الإجماع لا بنص ناسخ له.
يعني: أجمعت الأمة كلها، فإننا لم نسمع في زمن من الأزمنة من لدن النبي ﵊ حتى يومنا هذا أن واحداً شرب الخمر أربع مرات فقتلوه في الخامسة، وهذا يشعر بإجماع الأمة على أن شارب الخمر لا يقتل بشربه إنما يحد فقط.
قال: (وقال بعضهم: نسخه قوله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)).
стр. 1239
اختلاف العلماء في مقدار حد الخمر
قال: (واختلف العلماء في قدر حد الخمر.
فقال الشافعي وأبو ثور وداود - الظاهري - وأهل الظاهر: حده أربعون.
قال الشافعي ﵀: وللإمام أن يبلغ به ثمانين).
أي: وللإمام أن يبلغ بحد الشرب ثمانين.
قال: (وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل، وأنواع الإيذاء وترك الصلاة وغير ذلك).
هذا مذهب الشافعي وأهل الظاهر: أن الحد أربعون، والزيادة موكول أمرها للإمام على حسب حال هذا المحدود.
قال: (ونقل القاضي عياض عن الجمهور -جماهير أهل العلم- من السلف والفقهاء منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى أنهم قالوا: حده ثمانون).
هذا مذهب الجمهور، أن حد الشارب ثمانون؛ خلافاً للشافعي وأهل الظاهر.
قال: (واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة).
أتوا بهذا الإجماع من فعل عمر وعدم ظهور المخالف له، فحد شارب الخمر ثمانون؛ لأن هذا الذي حده عمر؛ واستقر عليه العمل بدليل أن أحداً لم ينكر على عمر رضي الله تعالى عنه.
قال: (واحتجوا كذلك أن فعل النبي ﷺ لم يكن للتحديد).
فالنبي لما جلد الشارب أربعين لم يقصد تحديداً، ولذلك جاء في رواية: أنه جلد نحو أربعين، وأنه جلد بجريدتين.
قال: (وحجة الشافعي وموافقيه - من أهل الظاهر - أن النبي إنما جلد أربعين كما صرح به في الرواية الثانية.
وأما زيادة عمر تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام، إن شاء أنفذه وإن شاء تركه بحسب المصلحة في فعله وتركه، فرآه عمر ففعله، ولم يره النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا علي فتركوه.
أما الأربعون فهي الحد المقدر الذي لا بد منه.
والفرق بين الحد والتعزير: أن الإمام ليس حراً في تنفيذ الحد لا سلباً ولا إيجاباً، كما أنه ليس حراً في تخفيضه، لكنه حر في تخفيض التعزير من عشرة إلى خمسة إلى ثلاثة، وقد يترك الضرب مطلقاً ويكتفي بالتوبيخ واللوم والمعاتبة وغير ذلك على حسب حال المعزر، أما الحد فإذا بلغ السلطان فلا بد من إقامته كما جاء به الكتاب والسنة.
قال: (ولو كانت الزيادة حداً لم يتركها النبي ﵊ ولم يتركها وأبو بكر ﵁ ولم يتركها كذلك علي ﵁ بعد فعل عمر؛ ولهذا قال علي ﵁: وكل سنة.
معناه: الاقتصار على الأربعين وبلوغ الثمانين.
فهذا الذي قاله الشافعي ﵁، وهو الظاهر الذي تقتضيه هذه الأحاديث ولا يشكل شيء منها.
ثم هذا الذي ذكرناه هو حد الحر، أما العبد فدائماً حد العبد على النصف من حد الحر كما في الزنا والقذف).
كما أن حد الأمة على النصف من حد الحرة أيضاً.
قال: (وأجمعت الأمة على أن الشارب يحد سواءً سكر أم لا).
فالعبرة بالشرب.
стр. 1240
اختلاف العلماء في حكم شرب النبيذ
قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ).
والنبيذ: هو كل ما ينتبذ من سوى العنب.
لأن الذي يتخذ من العنب لا خلاف في أنه الخمر، فالعرب لم تكن تطلق مصطلح الخمر إلا على ما يتخذ من عصير العنب، وما يتخذ من غير العنب لا يقولون عنه: خمر، إنما يقولون عنه: نبيذ.
والنبيذ: هو النقع؛ ولذلك: (نهى النبي ﵊ أن ينبذ التمر مع البسر، وأن ينبذ البسر مع الجنيب، وأن ينبذ الجنيب مع الرطب في إناء واحد)، (وكانت عائشة ﵂ تنبذ التمر للنبي ﵊ فيأكله في اليوم الأول، ويأكله في اليوم الثاني، ويطرحه في الثالث).
أي: لا يشرب منه في اليوم الثالث.
وفي حديث أنس من طريق المختار بن فلفل عند النسائي في سننه: (أن النبي ﷺ نهى عن الخليطين) أي: من الثمر.
وفي رواية: (نهى أن ينبذ شيئان في إناء واحد).
يعني: لما تأتي بالتمر مع الزبيب وتنبذهما جميعاً هذا خمر، وذهب أهل العلم إلى حرمة ذلك أو كراهته، على خلاف بين أهل العلم هل هذا مكروه أو محرم؟ حتى قال الإمام النووي في المجموع وكذلك الإمام الشوكاني في كتاب نيل الأوطار في باب الأشربة والأطعمة في آخر مجلد: واختلف أهل العلم: هل هذا الحديث على ظاهره وإن لم يسكر، أو يجوز أن ينبذ كل صنف لوحده، فإذا أراد الشارب أن يشرب خلطهما فشربهما؟ يعني: لو أني في رمضان أتيت بالزبيب ونقعته في آنية على حدة، ثم جئت بالتمر ونقعته كذلك في آنية مستقلة، ولما أُذِّن للمغرب خلطت منقوع التمر مع منقوع الزبيب وشربته، هل هذا العمل مشروع؟
الجواب
غير مشروع، فإما أن يكون تمراً لوحده كما يفعل عامة الناس، وإما أن يكون أي نوع من أنواع الثمار.
وبعض الناس لديهم أكلة يسمونها سلطة الفواكه: يأتون بالموز والعنب والتمر والتفاح والخوخ وغيرها من الفواكه ثم يقطعونها ليصنعوا منها سلطة فواكه بشكل جميل، وهي بغير ماء، فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يقال للنبيذ نبيذاً إلا بالنقع، والنقع لا يكون إلا في الماء، فإذا وضعت هذه الثمار مجتمعة في ماء فهو نبيذ يحرم عليك أكله أو يكره على خلاف بين أهل العلم، وإذا قطعت وخلطت هذه الثمار بغير نقع -أي: لم توضع في ماء- ولم تخرج هي ماءها فتنتبذ فيه فلا حرج في ذلك.
وكذلك العصائر من عدد من ثمار الفواكه وما نسميه نحن بالكوكتيل، فهو عصير، والعصير هذا هو أصل مادة النقع وليس منقوعاً ولا منتبذاً.
ومن أراد أن يراجع المسألة فليرجع إلى نيل الأوطار في كتاب باب: ما جاء النهي عن الخليطين.
وقبله بأبواب وبعده بأبواب، فالمسألة مبحوثة على أعلى مستوى عند الفقهاء.
قال: (واختلف العلماء في من شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال الشافعي ومالك وأحمد ﵏ وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام يجلد فيه كجلد شارب الخمر).
كل العلماء قالوا: النبيذ مثل الخمر بالضبط.
ومعلوم أن الخمر: ما اتخذ من العنب؛ ولذلك الأحناف يقولون: الخمر لا يكون إلا من العنب.
والجمهور على خلاف ذلك، وردوا على الأحناف في ذلك: أن معنى كلمة خمر: التغطية والستر، ومن هنا سمي الخمر خمراً؛ لأنه يستر العقل ويغطيه، فيستوي أن يكون هذا من العنب أو من التمر أو من البر أو الشعير، فالعلة واحدة.
والأحناف لم يوافقوا الجمهور على ذلك.
وأدنى ما قيل من متأخري الحنفية أنهم قالوا: الخمر حرام أصلاً، وأنها من العنب، وغيرها من الخمر يقاس عليها.
ويفهم من قولهم: أن بقية أنواع الخمور ليست حراماً لذاتها وإنما هي حرام بالقياس.
يعني: ليست حراماً بالنبذ وإنما هي حرام بالقياس على الأصل الأصولي وهو: أن ما كان حراماً بالنص تقدم حرمته على ما كان حراماً بالقياس.
فنحن نقول: السجائر حرام.
ونقول: الخمر حرام.
فحرمة الخمر ثابتة بالنص، أما السجائر فثبتت حرمتها بالقياس.
وقد جاء في الأثر: أن أم يعقوب الأسدية أتت عبد الله بن مسعود تقول له: بلغني أنك تلعن كيت وكيت -يعني: الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله- قال: وما لي لا ألعن من لعنه الله ورسوله.
قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين -أي: القرآن كله- فما وجدت فيه.
قال: لو كنتِ قرأتيه لا بد أن تجدي ذلك فيه.
قالت: أين أجده؟ قال: أما قرأتِ قول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؟ قالت: بلى.
قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) الواصلة: هي التي تصل الشعر.
والمستوصلة: هي الطالبة لذلك.
قال: (والواشمة والمستوشمة) وهي التي تضع الكحل الأخضر تحت جلدها من أجل أن يظهر في وسط بياضها الشاهق لون مخالف أخضر، وهو ل
стр. 1241
شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - حد الخمر [٢]
جاء الشرع بالتدرج في تحريم الخمر، وبعد أن استقر الأمر على التحريم فرض حداً على شاربها، فجلد النبي ﷺ وجلد من بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وفي هذا رد على من أنكر حد الخمر من المغمورين المفتونين، والذين زعموا أن القرآن إنما جاء بتحريمها دون بيان الحد على شاربها.
стр. 1242
كلام النووي في أحاديث باب حد الخمر
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وبعد: فما زال الكلام عن الخمر موصولاً، وفي الدرس الماضي سردنا الأحاديث المتعلقة بحد الخمر، وذكرنا طرفاً من كلام الإمام النووي عليه رحمة الله في معرض كلام علي بن أبي طالب: (ما كنت أقيم على أحد حداً فيموت فيه فأجد منه في نفسي -أي: أجد منه حرجاً في نفسي- إلا صاحب الخمر؛ لأن النبي ﷺ مات ولم يسنّه).
وقال علي: وصاحب الخمر إذا مات وديته.
أي: غرمت ديته.
стр. 1243
حكم من حد في شرب الخمر فمات
قال النووي في قوله: (لأن النبي ﷺ مات ولم يسنّه) معناه: (لم يقدر فيه حداً مضبوطاً).
وقلنا: اختلف أهل العلم في حد شارب الخمر، فمنهم من قال: أربعين.
ومنهم من قال: ثمانين.
ومنهم من قال: حد النبي صاحب الخمر بنحو أربعين، وكلمة (نحو) تفيد أن الحد غير مضبوط، لكن الغالب -وهو مذهب جماهير الفقهاء- أن حد شارب الخمر أربعون جلدة، وما زاد على ذلك -كما فعل عمر ﵁: أنه حد شارب الخمر بثمانين جلدة.
ووافقه علي بن أبي طالب ﵁ كما في بعض الروايات- فهو من باب التعزير.
إذاً: الاتفاق بين جماهير العلماء: أن الحد أربعون، وأن الزيادة على الأربعين هي من باب التعزيز مردها إلى الإمام.
ولذلك قال النووي: (وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد جلده الإمام أو جلاّده الحد الشرعي).
يعني: إما أن يباشر الجلد الإمام أو القاضي أو الجلاّد أو من ينوب عن الإمام عموماً، ولو أنه باشر الحد بنفسه أو بنائبه، فمات المحدود فلا دية له ولا كفارة عليه.
لو أن السلطان قال مثلاً: هذا شرب الخمر فأقيموا عليه الحد.
فبينما الجلاد يجلده مات أثناء إقامة الحد.
فهل له دية؟ أو هل على الأمير أو الجلاد كفارة؟ قال جماهير العلماء: ليس على الإمام ولا على جلاّده ولا على بيت المال كفارة ولا دية.
يعني: لا تلزم الجلاّد ولا الأمير كفارة ولا دية، لا من ماله ولا من بيت مال المسلمين.
والمعلوم أن هذا لو تم فإنه قتل على سبيل الخطأ لا العمد؛ فإذا حُد فلان من الناس في جناية ارتكبها فمات في أثناء الحد، فالذي كان يقيم عليه الحد لا يقصد بإقامة الحد قتله، إلا أن يكون الحد الرجم، فإنما قصد الراجم إزهاق المرجوم؛ لأن الشرع أذن بذلك.
أما إذا كان الحد جلداً فالمعلوم أن الجلاد لا يقصد بذلك القتل، فلو وقع القتل يكون خطأً، ودية القتل الخطأ يكون على العاقلة.
وأما قتل العمد، فإنه إذا تنازل أولياء المقتول عن القصاص -أي: النفس بالنفس- ستكون الدية في مال القاتل إذا كان القتل عمداً، أما إذا كان خطأً فقولاً واحداً: أن الدية تلزم العاقلة.
والعاقلة: هم عصبة القاتل، فالدية تلزم من مالهم: وأنتم تعرفون الفرق بين الحد والتعزير، فالحد: ذكر في القرآن أو ذكر في السنة حداً محدوداً بأعداد معدودة ومضبوطة بغير زيادة ولا نقصان، ولذلك من الفروق بين التعزير وبين الحد: أن الحد إذا بلغ أمره إلى السلطان فلا شفاعة فيه، ولا اختيار للسلطان فيه، بل لا بد أن يقيمه بغير زيادة ولا نقصان، فالزاني غير المحصن يجلد مائة جلدة، فلا يمكن أن يجلد تسعاً وتسعين جلدة، بل لا بد أن يكون مائة جلدة، ولا يمكن أن تكون مائة جلدة وجلدة؛ لأن الشرع سماها حدوداً.
أي: محدودة، ومفروضة، ومضروبة على نحو واحد وجهة واحدة، فلا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان عنها بخلاف التعزير، إذ إن التعزير راجع إلى المعزر أياً كان: السلطان، أو الزوج على زوجه، أو الوالد على ولده، فابنك إذا أخطأ خطأً ليس لك أن تضربه أكثر من عشر ضربات؛ لأنه لا يضرب أكثر من ذلك إلا في حد من حدود الله ، فأقصى حد للتعزير من جهة الضرب عشر جلدات، وما زاد على ذلك فهو إثم للضارب أو المعزر، ولك أن تعدل إلى أقل من ذلك، بل لك أن تعدل عن الضرب كله وتكتفي بتوجيه اللوم والتوبيخ والتقريع، وتستمر في تأنيبه النهار كله؛ وذلك لأنه بهذه الطريقة يصلح وينضبط، فمن الناس من لا يحب أن يشتم أو يهان، ولكنه ينصاع بالعتاب الرقيق، ومن الناس من ينصاع وينضبط بنظرة، عندما تنظر إليه نظرة استنكار يرجع عما فعل، وإن كانت المرأة لا يجدي معها إلا الضرب فتضرب ضرباً لا يكسر عظماً ولا يسيل دماً كما قال ﵊.
إذاً: التعزير راجع إلى اجتهاد المعزِّر ونظرته إلى المعزر، وأي وسائل التعزير تنفعه.
стр. 1244
حكم من مات من عقوبة التعزير
مسألة: من مات من التعزير.
منهجنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة.
وفي محل ضمانه قولان للشافعية: أصحهما: تجب الدية على عاقلة الإمام، والكفارة في ماله.
والثاني: تجب الدية في بيت المال.
وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا -أي: الشافعية- أحدهما: في بيت المال أيضاً.
والثاني: في مال الإمام.
وهذا مذهب الشافعي.
وقالت جماهير العلماء: لا ضمان فيه على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال.
وهذا هو الراجح: أن المعزر كالمحدود لا ضمان ولا كفارة، إذ كيف يضمن الإنسان نتيجة فعله الشرعي، وأنتم تعلمون أن الشرع أخباره أوامر.
أي: أخبار تتطلب منا التصديق الجازم واليقين التام، وأوامر تحتاج منا إلى تنفيذ، فالشرع أمرني أن أضرب هذا مائة جلدة؛ لأنه زانٍ، وفي أثناء الضرب مات.
فما بالي أضمن هذا الموت وأضمن هذه الحياة؟ كيف ذلك؟! وكذلك التعزير، فإنني لم أضرب ولدي أو من كنت سلطاناً عليه إلا لأجل التأديب، فلم أرد انتقاماً، فضلاً عن أنه مات بعدم إراداتي، فكيف أضمن روحه والذي فعلته أنا أمر شرعي؟ فالذي يترجح لدي هو مذهب جماهير العلماء: أنه لا ضمان فيه ولا كفارة.
стр. 1245
أقوال العلماء في ما يمكن اتخاذ الخمر منه
جماهير العلماء يقولون: كل ما أذهب العقل فهو خمر؛ لأن الخمر لغة: هو ما خمر العقل وستره وغطاه، فكل مُذهِب للعقل ومسكر حرام؛ لأنه خمر، قال ﵊: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام).
وفي رواية البخاري ومسلم: (كل مسكر حرام)، سواءً كان خمراً أو ليس بخمر، فالمسألة محل نزاع بين أهل العلم، لكن الإمام أبا حنيفة قال: إنما الخمر من العنب، وما دون ذلك ليس عنده بخمر، وهذا يكاد يكون كلاماً فاسداً أو باطلاً، والصحيح هو مذهب جماهير العلماء.
وأما ما يذكره العامة على ألسنتهم إذا أرادوا أن يبالغوا في ذكر شيء أو في إثباته فيقولون: فلان يقول في فلان ما قال مالك في الخمر.
فهذا الكلام يشعر أن مالكاً تفرد بقول دون جماهير العلماء في الخمر، وما قال مالك في الخمر إلا ما قاله جماهير العلماء، فقد قال مالك إن الخمر يتخذ من كل شيء، من جميع الثمار.
والإمام أبو حنيفة هو الذي انفرد في ذلك فقال: لا يكون إلا من العنب.
فينبغي أن يكون المثل السائر على لسان الناس: (قال فلان في فلان ما قال أبو حنيفة في الخمر)، وليس كما قال مالك في الخمر؛ لأن مالك لم يقل شيئاً شاذاً ولا منكراً.
إذاً: أهل العلم متفقون على وجوب حد شارب الخمر، وعلى أن حده الجلد، ولكنهم مختلفون في مقداره، فذهب الأحناف ومالك إلى أنه ثمانون جلدة، والشافعي إلى أنه أربعون.
وجاءت عن الإمام أحمد روايتان كما في المغني لـ ابن قدامة إحداهما: ثمانون.
وقال علي بن أبي طالب لما استشاره عمر: إذا سكر هذي -أي: قال كلاماً غير مفهوم ولا قيمة له- وإذا هذي افترى -أي: تعدى وظلم- فحده حد المفتري، وأنتم تعلمون أن حد المفتري ثمانون جلدة.
فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يوافق عمر ﵁ في إحدى الروايتين عنه.
стр. 1246
حد الخمر والرد على الملاحدة في إنكارهم ثبوت حد شارب الخمر
مسألة: حد الخمر.
مسألة محل نزاع؛ ولذلك الملاحدة يقفون عند حد الخمر بالذات ويقولون: لم يرد في القرآن الكريم سوى ذكر تحريم الخمر، أما حده فلم يرد كالسرقة.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨].
الجواب
هذا كلام عام، فالله تعالى قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فمن أين تقطع اليد؟ فالكف يطلق عليها اليد، والساعد يد، والعضد يد، والمنكب يد، وكل هذا في اللغة، وفي الاصطلاح يسمى يداً، فلو أننا قطعنا يد السارق من منكبه لغة نكون قد أخطأنا؛ لأن السنة بينت أن القطع من الرسغ: الفاصل الذي بين الكف والساعد.
وقال ﵊: (لا قطع في أقل من ربع دينار).
وفي رواية الصحيحين يقول: (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً)، والربع الدينار (٥٠) جنيهاً تقريباً، وقد يكون الربع دينار (١٠٠) جنيه، لكن نحن نقول: (٥٠) جنيهاً، حتى لا نشجع الناس على السرقة.
وقال ﵊: (لا قطع في ثمر ولا كثر)، والكثر: هو جمار النخل، فلو أن الواحد منا يمشي في طريقه فنزل بستاناً فإن له أن يأكل منه بشرط ألا يحمل معه منه شيئاً.
هب أنه أكل من هذا البستان بما يزيد على (٥٠) جنيهاً، فهل لصاحب البستان أن يقول له: أنت أكلت شجرة كاملة وهذه إنتاجها عندي معدود وموزون، تساوي (١٠٠) جنيه، فأنت الآن سارق؟ وهل يقام عليه الحد أو لا؟ مثال آخر: لو أن واحداً في عام قحط وجدب سرق ليأكل هو وأولاده، فكانت نسبة المسروق أكثر من حد القطع هل يقام عليه الحد حينئذٍ؟ هل تجدون هذه الاستثناءات كلها في كتاب الله؟
الجواب
لا.
إذاً: قولهم: لا نجد حد الخمر في كتاب الله نرد عليهم فنقول لهم: ولا تجدون كذلك بقية الحدود كلها في كتاب الله ، فلمَ التمسك إذاً والتشدق بأنكم قرآنيون، وأنكم مستعدون لتلقي الأوامر عن الله لا عن رسوله ﵊؟ خاصة وأن الله تعالى جعل طاعة الرسول ﵊ هي عين طاعته ، وجعل معصية الرسول ﷺ هي عين معصية الله .
والنبي ﵊ قد حذر من هؤلاء وأنبأ بوجودهم، فقال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته شبعان، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: دعونا من هذا.
ما وجدنا في كتاب الله حلالاً حللناه، وما وجدنا في كتاب الله حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).
قال ذلك ثلاثاً.
والسنة هي الحكمة المذكورة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
وغير ذلك من الآيات.
قال الشافعي: (أجمع كل العلماء أن الحكمة في كتاب الله هي سنة النبي ﵊، ولا خلاف بين السلف في وجوب الاحتجاج بسنة النبي ﵊ متى صحت).
стр. 1247
الحالات التي يثبت بها الحد
قال الإمام تحت باب: ما يثبت به الحد.
ويثبت بالإقرار أو بالشهادة، وهذا ليس خاصاً بشرب الخمر.
الرجل إذا أقر وهو سكران هل يقام عليه الحد؟
الجواب
شهادته غير معتبرة.
أي: أن إقراره غير معتبر مع أن الحالة بينة، لأننا لا ندري هل شرب الخمر مختاراً أم مكرهاً؟ وهل هو لما نطق بالشهادة أو أقر بين يدي القاضي كان عقله ذاهباً أم حاضراً؟
الجواب
كان ذاهب العقل، وذاهب العقل إقراره أو شهادته غير معتبرة، فلو أنك قلت: إن إقرار الشارب معتبر في حال شربه وحال سكره فلا بد أن تقول: إن شهادة السكران بين يدي القاضي في حال سكره معتبرة؛ لأن الشهادة والإقرار هما من باب البينة، ولا بد أن يكون المبين عاقلاً مدركاً لما يقول، وأن يكون بالغاً غير صبي.
فإذا أتى الرجل وهو سكران بين يدي القاضي وقال: شربت خمراً فأقم علي الحد.
لا يقام عليه الحد فإقراره ليس معتبراً؛ وذلك لأنه أقر في حال سكره وذهاب عقله.
وإقراره معتبر بعد ذهاب سكره وإتيانه مختاراً إلى القاضي، وقال: لقد شربت خمراً فأقم علي الحد.
فإذا فعل ذلك وأصر على هذا الإقرار فيجب على القاضي أن يعتبر هذا الإقرار ويقام عليه الحد، وإذا رجع عن هذا الإقرار قبل قيام الحد عليه فليس للقاضي أن يقيم عليه الحد؛ لأن المقر حر في الرجوع حتى يقام عليه الحد، فإذا أقيم عليه الحد فلا عبرة برجوعه، فإذا كان الحد رجماً فرجم مات، فلا مجال للرجوع، وإذا كان جلداً يجلد.
إذاً: الحد يثبت بالإقرار، وشهادة شاهدين عدلين في الخمر وأربعة في الزنا.
بعض أهل العلم يقيمون الحد بالعلم لا بالشهادة، كـ الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان معلوماً شربه الخمر، فلما جيء به إلى عثمان بن عفان شهد عند عثمان رجلان، أما أحدهما فقال: قد رأيته يشرب الخمر.
وأما الثاني فقال: رأيته يتقيأ.
فقال عثمان: لولا أنه شرب لم يتقيأ.
فـ عثمان بن عفان اعتبر أن علامة الشرب هي القيء.
وهذه العلامة محل نزاع؛ فكلنا نتقيأ بغير شرب للخمر! وقد يشرب شخص الخمر ولكنه لا يتقيأ.
إذاً: لا يلزمه أن يتقيأ إذا كان ما شربه خمراً، ولكن عثمان بن عفان ﵁ كان يعتمد العلم في قيام الحد؛ لذلك فإن بعض أهل العلم يأخذ بالإقرار والشهادة، وهذا مذهب الجماهير، وبعض أهل العلم يعتبر العلم في الحد كالشهادة والإقرار.
مثال ذلك: شخص يقول لك: إن ابنك عمل كذا وكذا.
تقول: صحيح هو فعلاً عمل ذلك؛ لأنه معلوم عنه أنه يفعل ذلك كثيراً.
وهذا الرجل الذي اشتكى من ولدي أنا على يقين أنه صادق، كما أني على يقين أن ولدي فعل ذلك؛ لأنني أعلم أن ولدي يفعل ذلك دائماً.
فلما جيء بـ الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى عثمان وشهد لديه شاهد واحد أنه رآه يشرب الخمر، وأما الثاني فقال: أنا ما رأيته يشرب، ولكن رأيته يتقيأ- أقام عليه عثمان الحد وقال لـ علي: قم يا أبا الحسن! فأقم على الوليد الحد، فأمر علي ولده الحسن، فأبى فأمر عبد الله بن جعفر رضي الله عن الجميع فجلده وعلي بن أبي طالب يعد.
فـ عثمان ﵁ كان ممن يذهب إلى أن العلم اليقيني أو غلبة الظن تقوم مقام الشهادة؛ لأن الوليد محدود عدة مرات من قبل ذلك في شرب الخمر، وهو رجل مشهور بذلك.
وأنا قلت لكم في الدرس الماضي: إن الإمام الذهبي قال: هو صحابي فاسق.
يعني: ممن كان يقيم على المعصية ويشرب الخمر ولم يتب منها.
فهذا الذي غلب على ظن الإمام الذهبي حتى تجرأ على القول بذلك في هذا الصحابي.
وأنتم تعلمون أن عقيدة أهل السنة والجماعة تابعة للصحابة ﵃، والإيمان بحبهم إلى قيام الساعة، وأن مرتكب الكبيرة فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، وأصحاب النبي ﵊ كلهم مؤمنون موحدون، ومنهم الوليد غير أنه ابتلي بشرب الخمر وأقيم عليه الحد غير مرة.
اختلف الفقهاء في ثبوت الحد بالرائحة، وأنتم تعلمون قصة ماعز لما أتى إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! زنيت فأقم علي الحد، فقال: لعلك فاخذت لعلك قبلت قال: يا رسول الله! زنيت.
حتى قال له: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم.
يا رسول الله! قال: أدخل هذا منك في ذاك منها كما يدخل الرشاء في البئر؟ قال: نعم.
يا رسول الله!) إذاًَ هو يفهم معنى الزنا وقد أقر على نفسه أربع مرات، فالتفت النبي ﷺ إلى قومه وقال: (أبه جنون؟).
وهذا من موانع قيام الحد.
قالوا: (لا يا رسول الله! ما علمنا عليه من مس) فقال النبي ﵊: (أسكر صاحبكم؟).
يعني: هذه الشهادة والإقرار على نفسه ربما يكون في حال سكره، حتى قال النبي ﷺ : (
стр. 1248
شروط إقامة الحد
شروط إقامة الحد: فأول شرط منها: أن يكون عاقلاً، وهذا احتراز من الجنون، فلو أن مجنوناً وجد زجاجة خمر وشربها فإننا لا نقيم عليه حد السكر؛ لأنه غير مكلف؛ لزوال عقله، ويلحق به المعتوه عند كثير من أهل العلم.
الشرط الثاني: البلوغ، وهذا احتراز من الصبا، فلو شرب الصبي الصغير الذي لم يبلغ الخمر أو زنى لا يقام عليه الحد؛ فلا حد -مطلقاً- على الصغير، ولكن يمكن تعزيره؛ للتدريب والتعليم.
الشرط الثالث: الاختيار.
يعني: أشرب الخمر مختاراً لها مقبلاً عليها غير مكره، والإكراه له شروط، وأول شرط في الإكراه الشرعي الصحيح: أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما أكره، كأن يهددك سلطان قوي وأنت على يقين أنه قادر على هذا التهديد، ولذلك الإمام مالك لما سئل: عن رجل أجبر على طلاق امرأته، قال: الطلاق ليس معتبراً مع الإكراه، فكذلك إذا أجبرني السلطان على شرب الخمر وإلا أوقع بي كيت وكيت وكيت، ويبلغ ضرره فوق ضرر شرب الخمر، كأن يقول: إما أن تشرب الخمر أو أقتلك ويخرج أمامي سيفاً، وأنا على يقين أنه لا يتورع عن القتل، ولا يحاسبه أحد، فهذا مكره قادر على تنفيذ ما أكره، والنبي ﵊ يقول: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) أو: (وما أكرهوا عليه).
وإذا كان الإثم مرفوعاً مع الإكراه فمن باب أولى أن يرفع معه الحد.
يعني: إذا كان المرء بالإكراه غير آثم عند الله فمن باب أولى أن يرتفع عنه الحد في الدنيا.
وكذلك حالة الاضطرار، أنتم تعلمون أن الخمر يقوم مقام الماء أحياناً، كما أن الخنزير يقوم مقام الطعام أحياناً، فلو أن شخصاً عطش وليس أمامه إلا الخمر فإما أن يشرب الخمر وإما أن يهلك عطشاً ويموت، فإنه يجب عليه أن يشربها، وإلا مات منتحراً، لكنه يشرب منها ما يسد الرمق أو يبل الريق.
يعني: لا يشرب حتى يروى؛ لأن شرب الخمر استثنائي والاستثناء يقدر بقدره، فشارب الخمر في حال الاضطرار لا يقام عليه الحد.
الشرط الرابع: العلم.
أن يعلم الشارب أنه يشرب خمراً، فلو أن شخصاً قال لك: تفضل.
اشرب هذا المشروب الغازي، وإذا بالذي داخل الزجاجة هو خمر، وأنت لا تعرف الخمر ولا تعرف طمعها، فلما شربتها سكرت؛ لأنها كانت خمراً؛ والشركة تصنع الخمر وتصنع المشروب الغازي وحصل خطأ في العبوات، فوضعت زجاجات المشروب الغازي بدلاً من زجاجات الخمر، ووضعت زجاجات الخمر بدلاً من زجاجات المشروب الغازي، فهل يقام عليك الحد حينئذٍ؟ لا يقام عليك الحد.
وإذا تناول من الشراب ما هو مختلف في كونه خمراً بين الفقهاء فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن للخلاف شبهة.
إذا كان أهل العلم اختلفوا في مسألة على قولين أو أكثر، ومدار اختلافهم على فهم الدليل فالأصل احترام رأي الآخر، وإن كنت مخالفاً؛ لأنك في الحقيقة لست صاحب الحق البحت؛ لأن الدليل واحد، والكل يفهمه فهماً يختلف عن فهم الآخرين، فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يعتبر أن فهمه لهذا الدليل هو أصح الأفهام.
هذا إذا كان الخلاف معتبراً.
أما إذا كان الخلاف غير معتبر فإنه لا عبرة بمن خالف الدليل.
قال: (الحد على من تناول الخمر وهو غير عالم بالتحريم إذا كان في دار الحرب أو قريب عهد بالإسلام).
مثال ذلك: شخص في أمريكا أسلم وكان يشرب الخمر قبل الإسلام وشربها بعد الإسلام.
هل يقام عليه الحد؟
الجواب
لا يقام عليه الحد؛ لأنه قريب عهد بإسلام وهو في ديار كفر، فلا يقام عليه الحد؛ لجهله بالتحريم.
وقد نقلت إليكم ذات مرة أننا التقينا بامرأة أسلمت حديثاً في إحدى الولايات وهي باقية على الزنا، كل ما فيها أنها تعد الزنا فعلاً قبيحاً لكن لا علم لها بالتحريم، فهي نفسياً ليست مطمئنة للفعل، لكن لا تعلم بتحريمه في الشرع، وفوجئت بالتحريم لأول مرة لما وقفنا نتكلم معها.
стр. 1249
اشتراط الحرية والإسلام في قيام الحد على شارب الخمر
هل يشترط في الذي يقام عليه الحد أن يكون حراً أم أن هذا يشمل العبيد والإماء؟
الجواب
يشمل العبيد والإماء، وكذلك لا يلزم أن يكون مسلماً؛ لأن المتيقن أن الله ﵎ ما أحل على لسان رسول قط الخمر، فإنه لا يتصور أن الله تعالى -مثلاً- أحل الخمر على لسان موسى أو على لسان عيسى أو على لسان إبراهيم! وغير الحر طبعاً في جميع الحدود يقام عليه نصف الحد.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فالكتابيون من اليهود والنصارى الذين يتجنسون بجنسية الدولة المسلمة ويعيشون معهم مثل أقباط مصر، وكذلك الكتابيون أهل الذمة الذين يقيمون مع المسلمين بعقد أمان كالأجانب يقام عليهم الحد؛ لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
قال: (ولأن الخمر محرمة في دينهم، وكذلك لسوء آثارها وضررها البالغ في الحياة العامة والخاصة، والإسلام يريد صيانة المجتمع الذي تظله راية الإسلام، ويحتفظ به نظيفاً قوياً متماسكاً لا يتطرق إليه الضعف من أي جانب)، لا من ناحية المسلمين ولا من ناحية غير المسلمين وهذا مذهب جماهير الفقهاء، والأحناف فقط هم الذين خالفوا وقالوا: غير المسلمين لهم أن يشربوا الخمر في بلاد المسلمين.
وهذا مذهب مردود.
стр. 1250
حكم التداوي بالخمر
مسألة: حكم التداوي بالخمر: التداوي بالخمر محل خلاف، فمذهب الجماهير -وهو الراجح- على أن التداوي بالخمر غير جائز؛ لأن النبي ﵊ نهى عن التداوي بالخمر وقال: (إنها داء وليست بدواء).
وقال: (إن الله أنزل الداء والدواء، فجعل لكل داء دواء فتداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام).
وقد روى أبو داود: (أن ديلم الحميري سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا؟ قال رسول الله: هل يسكر؟ قال: نعم.
قال: فاجتنبوه.
فقال الرجل: فإن الناس ليسوا بتاركيه.
فقال النبي ﵊: إن لم يتركوه فقاتلوهم).
وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام، وهذا مذهب مرجوح.
ومثَّل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة في حالة الاضطرار فكاد يختنق ولم يجد ما ينزلها سوى الخمر فله أن يأخذ شربة من الخمر أو من أشرف على الهلاك من البرد ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك سوى جرعة من خمر فله ذلك؛ لأن الهلاك من البرد متيقن.
أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت؛ فأخبره الطبيب الحاذق أنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر؛ فهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات، وإلا فلا.
стр. 1251
باب قدر أسواط التعزير
قال الإمام في الباب التاسع: (باب: قدر أسواط التعزير).
لم يرد كيفية معينة في ضرب الحد أو التعزير، لكنه ضرب وسط بين الشدة والرخاوة، ومثَّل الفقهاء بنوع هذا الضرب بألا يغادر العضد الإبط.
وبعضهم قال: عليه أن يرفع عضده حتى لا يرتفع على منكبه.
أي: يضرب ضرباً معتدلاً، كما قال ﵊: (لا يشج رأساً ولا يكسر عظماً).
وكذلك هذا القدر في الحد والتعزير.
стр. 1252
شرح حديث: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط)
قال: [حدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب - وهو عبد الله بن وهب المصري - عن عمرو بن وهب - وهو عمرو بن الحارث المصري عن بكير بن عبد الله بن الأشج قال: بينما نحن عند سليمان بن يسار إذ جاءه عبد الرحمن بن جابر فحدثه، فأقبل علينا سليمان فقال: حدثني عبد الرحمن بن جابر عن أبيه عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله)] والأسواط: جمع سوط.
إذاً: هذا أقل حد في الحدود، والحديث هنا يقول: (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله).
والمقصود: أن حد التعزير أقصاه عشرة أسواط، ولا يضرب المرء أكثر من عشرة ابتداءً من أربعين فما فوقها إلا في حد من حدود الله .
стр. 1253
حكم الزيادة على عشرة أسواط في التعزير
وقد اختلف العلماء في التعزير: هل يقتصر فيها على عشرة أسواط فما دونها ولا تجوز الزيادة أم تجوز الزيادة؟ فقال ابن حنبل وبعض من المالكية والشافعية: لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط.
أما جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فذهبوا إلى جواز الزيادة.
ثم اختلف هؤلاء فقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات.
يعني: هم قالوا بجواز الزيادة فقط، واختلفوا في الضابط في ذلك، فلم يذكروا عدداً معيناً، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود، كما أنهم استندوا إلى فعل سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لما حد صاحب الخمر ثمانين، ونحن نعلم أن الحد المضبوط الذي حده علي بن أبي طالب، وحده من قبله النبي ﵊ وأبو بكر هو أربعون، أما عمر فحد ثمانين، يعني: عزر بأربعين، وجمع بين الحد والتعزير في مجلس واحد، وربما زاد على ذلك؛ لحديث النبي ﵊: (جلد النبي ﷺ شارب الخمر نحواً من أربعين)، يعني: قريباً من أربعين.
والقريب من هذا سبعة وثلاثون، ثمانية وثلاثون، وربما يكون اثنين وأربعين، أو ثلاثاً وأربعين جلدة زائدة.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أن التعزير ربما يبلغ الحد وزيادة.
قال الجمهور: لأن عمر ﵁ ضرب من نقش على خاتمه مائة، وضرب صبياً أكثر من الحد، وقال أبو حنيفة ﵁: (لا يبلغ به أربعين؛ لأنه أقل الحد).
وقال ابن أبي ليلى: (خمسة وسبعون)، وهي رواية عن مالك وأبي يوسف وعن عمر: لا يجاوز به ثمانين، يعني: يضرب الحد، لكن لا يبلغ به ثمانين.
وعن ابن أبي ليلى في رواية أخرى: (هي دون المائة)، وهو قول ابن شبرمة، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي يحيى: (لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب)، يعني: في التأديب والتعزير لا يضرب أكثر من ثلاث.
وقال الشافعي والجمهور من أصحابه: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى حدوده فلا يبلغ بتعزير العبد عشرين، أي: نصف حد الخمر؛ لأن العبد إذا شرب الخمر حد على نصف حد الحر، فإذا كان حد الحر أربعين فحد العبد عشرون، ولا يبلغ تعزير الحر أربعين، وقال بعض أصحابنا: لا يبلغ بواحد منهما أربعين، وقال بعضهم: لا يبلغ بواحد منهما عشرين، وأجاب أصحابنا عن الحديث: بأنه منسوخ؛ وإلا فإن الحديث سيهدم هذه الآراء كلها؛ لأنه لا اجتهاد مع وجود النص والاجتهاد مع وجود النص باطل.
فقال: أجابوا عن هذا الحديث بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة ﵃ جاوزوا عشرة أسواط، وتأوله أصحاب مالك على أنه كان مختصاً بزمن النبي ﵊؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا التأويل ضعيف.
ولذلك مذهب من قال: بأن هذا النص منسوخ وأن الزيادة جائزة في التعزير عن عشرة أسواط رأي ضعيف وإن كان رأي الجمهور، فمذهب الجمهور: جواز الزيادة، والحقيقة أن النص قاضٍ عليهم.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1254
شرح صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب القسامة
القسامة هي الأيمان في الدماء، وصورتها أن يوجد قتيل بموضع لا يعرف من قتله، ولا بينة، ويدعي وليه قتله على شخص أو جماعة، وتوجد قرينة تشعر بصدقه، فيحلف على ما يدعيه خمسين يميناً ويحكم له بالدية أو القصاص، وقد كان أهل الجاهلية يعملون بالقسامة فأقرها الإسلام كما في حديث مقتل عبد الله بن سهل، فهو أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، به أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد بسط أهل العلم مسائل هذا الباب، وأجمعوا على أنه لا قصاص ولا دية بالدعوى المجردة حتى تقترن بشبهة يغلب الظن بها.
стр. 1255
باب القسامة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: كتاب القسامة، والمحاربين، والقصاص، والديات.
الباب الأول وهو: (باب القسامة):
стр. 1256
شرح حديث قتل عبد الله بن سهل في خيبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار الحارثي -مولى الأنصار وهو مدني ثقة، فقيه- عن سهل بن أبي حثمة]-وهو ابن سعيد بن عامر الأنصاري الحزرجي المدن وهو صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة-[قال يحيى -أي: الأنصاري - وحسبت قال- وعن رافع بن خديج] يعني: سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج [أنهما قالا: (خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد -وهما أبناء عمومة- حتى إذا كانا بأرض خيبر تفرقا في بعض ما هنالك - أي: تفرقوا في النخل والبساتين، هذا ذهب من جهة والآخر ذهب في ناحية أخرى - ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فدفنه ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ هو وحويصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل، وكان أصغر القوم)].
القصة باختصار: أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد ذهبا إلى أرض خيبر، فلما وصلا إلى خيبر تفرقا، وسار كل منهما في طريق، فإذا بـ محيصة قد وجد عبد الله بن سهل بن سعد بن زيد قتيلاً، فرجع أي: محيصة إلى المدينة وقبل أن يخبر النبي ﷺ أخبر أخاه حويصة، وأخبر كذلك أخا القتيل واسمه عبد الرحمن بن سهل بن زيد.
فهذه القصة فيها أربعة أشخاص: محيصة، وحويصة، وعبد الله، وعبد الرحمن فذهبوا جميعاً -أي: الثلاثة- إلى النبي ﷺ .
[(فذهب عبد الرحمن ليتكلم -أي: مع النبي ﵊ قبل صاحبيه- أي: قبل ابني عمه حويصة ومحيصة - لأنه شقيق المقتول، فقال له رسول الله ﷺ : كبر)] أي: ما دام حويصة أكبر منك سناً فلا ينبغي لك أن تتقدم بين يديه بالكلام؛ لأنه أكبر منك.
[(فصمت - أي: سكت - فتكلم صاحباه وتكلم معهما - أي: بعدهما - فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، فقال لهم: أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم)] يعني: أتحلفون خمسين يميناً بالله أن فلاناً قتله؟ أتتهمون أحداً بعينه؟ أيغلب على ظنكم أن فلاناً قتل أخاكم؟ إذا كنتم تشكون أو تظنون أو يغلب على ظنكم هذا فاحلفوا خمسين يميناً وحينئذ أقضي لكم بالقصاص منه أو بالدية.
قال: [(أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد) أي: نحن لم نشهد القتل، وإنما بيننا وبين خيبر عهد وميثاق كما تعلم، وأهل خيبر يهود، واليهود أنقض الناس للعهود وأغدر الناس ولذلك نحن نتوقع أن يكونوا هم الذين قتلوا أخانا عبد الله بن سهل.
قال: [(قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد -أي: لم نر بأعيننا، ولم نشاهد القتل بأنفسنا- قال النبي ﵊: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)] أي: يحلف اليهود خمسين يميناً فتبرأ ساحتهم من دم أخيكم.
[(قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار)] هؤلاء يهود يا رسول الله وهم كفار فكيف نقبل أيمانهم وهم كفار [(فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عقله)] أي: دفع لهم الدية.
ومعنى عقله.
أي: ربط الإبل بعقلها في ساحة أولياء القتيل، كما قال النبي ﷺ في القتل الخطأ: (وديته على العاقلة) والعاقلة هم أولياء القاتل؛ لأنهم يعقلون الإبل التي تدفع دية لأولياء القتيل، يعقلونها في ساحة أولياء القتيل، ولذلك سميت الدية على هذا النحو (عاقلة).
لما رأى النبي ﵊ قوماً يأبون الحلف؛ لأنهم لم يشهدوا، ولم يقبلوا أيمان الآخرين؛ لأنهم كفار، فأراد أن يطيب خاطرهم بأن ساق الدية من عند نفسه ﵊.
стр. 1257
شرح حديث: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)
قال: [وحدثني عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري - عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج: (أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر -أي: ناحية خيبر- فتفرقا في النخل -أي: في البساتين- فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغر منهم، فقال رسول الله ﷺ : كبر الكبرى - يعني: كبر الكبير - أو قال: ليبدأ الأكبر -أي: بالكلام- فتكلما في أمر صاحبهما - أي: حويصة ومحيصة -.
فقال رسول الله ﷺ : يقسم خمسون منكم على رجل منهم)]، والمعلوم أنه لا يقسم إلا صاحب الولاية، وابن العم ليس ولياً، والخطاب لهؤلاء الثلاثة [(قال: يقسم خمسون منكم)] وإجماع أهل العلم أنه لا يجب القسم إلا على الوارث، والوارث هنا واحد وهو عبد الرحمن أخو عبد الله.
فقوله: [(يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته)] البرمة هو: الحبل الذي يربط به الرجل، فيساق إلى ساحة القصاص.
قال النبي ﵊: [(يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته -أي: يأخذ هذا الذي أقسم أنه قاتل، من رقبته حتى يوضع في المكان الذي يقام عليه فيه الحد- قالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف يا رسول الله؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم)] يعني: إما أن تحلفوا فتستحقوا، وإما ألا تحلفوا فيحلف اليهود فتسقط عنهم الدية والقصاص، وكذلك يبرءونكم من اليمين الذي لا يغلب على ظنكم أو لا تظنوا ظناً ينبني عليه العمل أنهم قد قتلوا أخاكم.
[(قالوا: يا رسول الله! قوم كفار -أي: كيف نقبل أيمانهم- قال: فوداه رسول الله ﷺ من قبله)] أي: فدفع له الدية من عند نفسه.
[قال سهل: فدخلت مربداً لهم يوماً -والمربد: هو المكان الذي تربط فيه الإبل- فركضتني ناقة من تلك الإبل ركضة برجلها.
قال حماد: هذا أو نحوه].
سهل بن أبي حثمة يقول: وأنا قد حفظت هذا الحديث حفظاً جديداً لا أخرم منه حرفاً.
أي: أرويه كما لو أن الحادثة تمت الآن، فدلل على ذلك بأمارة وهي أن الإبل التي دفعها النبي ﵊ دية لأولياء القتيل قد دخلت أنا مربدها فبعير أحمر منها رفسني رفسة أوجعتني، أو أصابتني، أو آلمتني.
стр. 1258
شرح الأحاديث في مقتل عبد الله بن سهل ودية الرسول ﷺ له من عنده
قال: [وحدثنا القواريري حدثنا بشر بن المفضل -وهو ابن لاحق الرقاشي أبو إسماعيل البصري - حدثنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة عن النبي ﷺ : نحو هذا الحديث وقال في حديثه: (فعقله رسول الله ﷺ من عنده)] أي: أعطاه العاقلة من عنده.
يعني: الدية.
ولم يقل في حديثه: فركضتني ناقة.
حدثنا عمرو بن الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي - جميعاً عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة بنحو حديثهم].
[حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: (أن عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاريين ثم من بني حارثة خرجا إلى خيبر في زمان رسول الله ﷺ وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود)] وهذا الصلح مع اليهود لم يتم إلا بعد فتح خيبر.
وهذا يدل على أن هذه الحادثة إنما حدثت في مدة الصلح التي كانت بين المسلمين وبين اليهود: أن يزرع اليهود خيبر على أن يكون للمسلمين نصيب من هذا الثمر، فهذه الحادثة تمت في مدة الصلح الذي كان بين اليهود والمسلمين.
قال: [(فتفرقا في حاجتهما، فقتل عبد الله بن سهل فوجد في شربة مقتولاً)] والشربة هي: الحوض الصغير بجوار النخل، [(فدفنه صاحب)] الذي كان معه هو محيصة.
[(ثم أقبل إلى المدينة -أي: رجع إلى المدينة- فمشى أخو المقتول عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة إلى النبي ﷺ فذكروا لرسول الله ﷺ شأن عبد الله وحيث قتل فزعم بشير وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال لهم: تحلفون خمسين يميناً وتستحقون قاتلكم)] أي: لو أنكم حلفتم خمسين يميناً على واحد منهم لأتينا به لتقتلوه قصاصاً.
[(قالوا: يا رسول الله! ما شهدنا ولا حضرنا.
فزعم أنه قال: فتبرئكم اليهود بخمسين)] أي: بخمسين يمين [(فقالوا: يا رسول الله! كيف نقبل أيمان قوم كفار، فزعم بشير أن رسول الله ﷺ عقله من عنده).
وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار: (أن رجلاً من الأنصار من بني حارثة يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد) وساق الحديث بنحو حديث الليث بن سعد إلى قوله: (فوداه رسول الله ﷺ من عنده).
قال يحيى: فحدثني بشير بن يسار قال: أخبرني سهل بن أبي حثمة قال: لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض بالمربد].
والفرائض هنا: جمع فريضة، والفريضة هو الشيء المحدد بتحديد الشرع، فرض الله صلاة الظهر أربع ركعات.
أي: حدد الله تعالى عدد ركعات الصلاة بأربع، وفرض الله على كل مسلم رجل أو امرأة، عبد أو حر، كبير أو صغير، صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو من بر، أو من شعير، أو من زبيب، أو من أكل، ففرض بمعنى حدد، وفرض الله عليكم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، أي: حدد الله لكم هذه الفرائض.
فقوله هنا: لقد ركضتني فريضة أي: بعير من الإبل المحددة لهذه الدية، وليس الفريضة بمعنى الهرمة كما في قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨]، لا فارض بمعنى الهرمة، ولا بكر بمعنى الصغيرة، فهناك فارق بين الفارض والفريضة، فالفارض الهرم، والكبير، والعجوز، أما الفريضة فهي الشيء المحدد بتحديد الشرع، فهو يريد أن يقول: أن بعيراً من إبل الدية قد رفسني وركضني في موضع من بدني، وهذا الذي ركضني إنما هو من إبل الدية.
стр. 1259
شرح حديث: (فوداه بمائة من إبل الصدقة)
قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عبيد وهو الطائي حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري أنه أخبره (أن نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيه)].
والنفر يطلق على الواحد وعلى الجماعة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] قال العلماء بالإجماع: النفر يطلق على الواحد كما يطلق على الجماعة، والنفر هم من بني حارثة.
قال: [(فوجدوا أحدهم قتيلاً) وساق الحديث.
وقال فيه: (فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه)] يعني: كره أن يجعل دمه هدراً؛ ولو جعله هدراً لكان محقاً، ولم يجعله هدراً لأنهم لم يحلفوا؛ كما أنهم أبوا أن يقبلوا يمين الكفار، (قالوا: هم يهود يا رسول الله، كيف يحلفو) فلما كره النبي ﵊ أن يهدر دمه وداه من عند نفسه [(فوداه مائة من إبل الصدق)] قوله: (إبل الصدقة) لا بد من تأويله وإلا فقد حكم كثير من المحدثين والشراح بأن هذه اللفظة وهم من الرواة، لأن هذا هو السياق الوحيد الذي يثبت أن الإبل كانت من إبل الصدقة، أما بقية الروايات فمجمعة على أن النبي إنما وداه من عند نفسه، وسنعرف الفارق بين أن تكون الدية من إبل الصدقة، أو من عند الآخرين، وهو فارق جوهري عظيم سنتعرض له بإذن الله تعالى.
стр. 1260
شرح حديث: (إما أن يدفعوا الدية لكم أو يأذنوا بحرب)
قال: [حدثني إسحاق بن منصور -المعروف بـ الكوسج - أخبرنا بشر بن عمر -وهو ابن الحكم الزهراني أبو محمد البصري - قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثني أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه: (أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير)]، العين ضد الفقير؛ لأن العين فوهتها ضيقة وقعرها بعيد، بخلاف الفقير: فهي سهلة الإدراك، لو وضعت رجلك فيها ربما لا يبلغ ماؤها إلى الركبة، وعينها واسعة جداً، كحفرة على سطح الأرض.
[(قال: قتل عبد الله بن سهل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه.
قالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم -وهو الذي كان بخيبر- فقال النبي ﷺ لـ محيصة: كبر كبر)] أي: ليتكلم أخوك وهو حويصة، يريد أنه أحق بالكلام منه لكبر سنه.
[(فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة فقال رسول الله ﷺ : إما أن يدوا صاحبكم، وإنما أن يؤذنوا بحرب)] أي: إما أن يدفعوا الدية لكم، أو يؤذنوا بحرب، لأنهم بقتلهم عبد الله بن سهل فقد نقضوا العهد، وإذا نقض العهد أحد الطرفين في صلح أو معاهدة فقد استوجب الحرب [(فكتب رسول الله ﷺ إليهم بذلك)] أي: كتب إلى اليهود، إما أن تدفعوا الدية أو الحرب.
[(فكتبوا إليه: إنا والله ما قتلناه.
فقال رسول الله ﷺ : لـ حويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم)].
أي: إذا حلفتم خمسين يميناً فقد استحققتم قاتلكم قصاصاً أو دية على خلاف سيأتي معنا بإذن الله.
[(قالوا: لا)].
أي: ما شهدنا يا رسول الله! كيف نحلف على أمر نشك فيه [(قال: ستحلف لكم يهود.
قالوا: ليسوا بمسلمين، فواده رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم رسول الله ﷺ مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار)]، الضمير يعود على دار أولياء عبد الله المقتول.
[فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء].
стр. 1261
شرح حديث: (أن رسول الله أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)
قال: [وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قال أبو الطاهر: حدثنا، وقال حرملة: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث ﵂، وهي زوج النبي ﷺ : (عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)] يعني: موضوع القسامة بخمسين يمين كان موجوداً في الجاهلية والنبي ﵊ أقره وأبقاه في الإسلام.
فمن الأحكام ما كان موجوداً قبل الإسلام وبعد الإسلام.
стр. 1262
قضاء النبي ﷺ بين الأنصار واليهود بالقسامة
قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن شهاب بهذا الإسناد مثله وزاد: (وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيلاً ادعوه على اليهود)] وهي نفس القصة التي معنا.
[وحدثنا حسن بن علي الحلواني حدثنا يعقوب -وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم المدني الزهري - حدثنا أبي عن صالح -وهو ابن كيسان المدني - عن ابن شهاب الزهري - أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أخبراه عن ناس من الأنصار عن النبي ﷺ بمثل حديث ابن جريج].
انتهت أحاديث الباب عند الإمام مسلم.
стр. 1263
كلام النووي في شرح أحاديث القسامة
قال النووي: [قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام) فكان من حق هذا الحديث أن يضم إلى جوامع كلمه ﵊.
ومعنى جوامع الكلم أي: الكلام القليل الذي تنبني عليه أحكام عدة، وهو قليل جداً في مبناه، كثير في معناه، كما قال ﵊: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
فهذا من جوامع الكلام، وموجود في الأربعين النووية، وفي جامع العلوم والحكم، فكل قضية، أو نزاع، أو خصومة، إنما يجب على المدعي أن يقدم بينة فإن عجز عن تقديم البينة وجب على المدعى عليه أن يحلف اليمين.
هذا أصل في كل قضية من القضايا، الذي يزعم أنه صاحب حق فهو مدع يجب عليه أن يقدم البينة؛ لقوله ﷺ : (البينة على المدعي).
فإن عجز عن تقديم البينة فالمتهم أو المدعى عليه يجب عليه أن يحلف اليمين، فإن حلف وإلا ثبتت عليه التهمة.
وإجماع الأمة أن حديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة جداً من قواعد الأحكام وهو كذلك.
وكان ينبغي أن يضم هذا الحديث عقب ذاك الحديث، لأن حديث القسامة على العكس تماماً من حديث البينة، فاليمين هناك على المدعي، والبينة على المدعي في حديث البينة، واليمين على المدعي في حديث القسامة، بل في القسامة اليمين على الطرفين، فهذا الحديث أي: حديث القسامة كالمتمم، والمكمل لقواعد الخصومات بين يدي القاضي فيما يتعلق بالأيمان، والديات، والقصاص، فكان ينبغي أن يكون هذان الحديثان في مكان واحد، وهما من جوامع كلمه ﷺ .
(قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ بهذا الحديث، فهم متفقون ومجمعون على وجوب الأخذ بحديث القسامة).
стр. 1264
خلاف العلماء في كيفية الأخذ بحديث القسامة
(أما كيفية الأخذ والتطبيق العملي فمحل نزاع بينهم، وروي عن جماعة إبطال القسامة قالوا: نحن لا نأخذ بهذا الحديث ولا نعمل به، وممن قال بهذا سالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد الزنجي، وابن علية، والإمام البخاري وغيرهم.
وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين).
يعني: قال باعتبارها.
والرأي الثاني: بعدم اعتبارها والأخذ بها.
قال: (واختلف القائلون بالقسامة واعتبارها إذا كان القتل عمداً هل يجب القصاص بها أو الدية؟ فقال معظم الحجازيين: يجب القصاص.
وهو قول الزهري وربيعة الرأي وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود.
كل هؤلاء قالوا بوجوب القصاص إذا كان القتل عمداً.
وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوفرون.
يعني: قلنا: إن القصاص يجب في القسامة إذا كان القتل عمداً.
قال: وإني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان).
هذا المذهب الأول.
المذهب الثاني: قال: (وقال الكوفيين والشافعي ﵁ في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص وإنما تجب الدية).
ودليل الجمهور هو هذا الحديث، ولا دليل لمن أبطل القسامة، بل أدلتهم كلها شبهات مردودة مدفوعة فيكون الرأي الصحيح عندي هو القول بالقسامة مثل الرأي الثاني.
واختلف القائلون بالقسامة في كيفية تطبيق هذا الحديث أو هذا الحكم، فمنهم من قال: إذا كان القتل عمداً وجب القصاص وهم الجمهور.
ومنهم من قال وهم الكوفيون أي: أصحاب الرأي وهم الأحناف، والشافعية في أصح القولين عنهم أنهم قالوا: (لا يجب القصاص بل تجب الدية.
وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان الليثي، والحسن بن صالح.
وروي أيضاً عن أبي بكر وعمر، وابن عباس، ومعاوية ﵃ أجمعين).
قالوا: تجب الدية ولا يجب القصاص حتى لو كان القتل عمداً.
стр. 1265
خلاف العلماء في من يحلف القسامة
قال: (واختلفوا فيمن يحلف في القسامة) يعني: من يبدأ بالحلف بالقسامة، وسميت قسامة؛ إما لكثرة القسم، وإما لوجوب القسم على الطرفين؛ لأنه في أي خصومة أخرى فإن القسم على المدعى عليه، وهو المتهم، أما في القسامة فالقسم على المتهم وهو المدعى عليه أو على المدعي، فإما أن يكون لكثرة القسم وأنه ليس يميناً واحداً ولا ثلاثة بل خمسين يميناً، وإما أن ذلك لوجوب القسم على الطرفين فسمي قسامة.
أما من الذي يحلف: (قال مالك والشافعي والجمهور: يحلف الورثة -يعني: كل من وجب له الإرث- ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً).
ولو أن أولياء القتيل خاصة وهم الورثة حلفوا خمسين يميناً فقد استوجبوا واستحقوا صاحبهم -أي: القاتل- فإن عفوا عن القصاص فلهم الدية.
وهذا الحديث فيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي، فإن الرسول ﷺ قال لهم: (احلفوا خمسين يميناً)، فلم يطالبهم بالبينة، وإنما طالبهم بالقسم، فإذا أقسموا استحقوا صاحبهم وإلا حلف صاحبهم فبرأت ساحته، وهذا عند النكول عن القسم والامتناع، أما إذا أقسم أولياء القتيل أو الورثة فقد استحقوا حق صاحبهم.
قال الجمهور: (يحلف الورثة، ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا تندفع.
قال مالك: الذي أجمعت عليه الأئمة قديماً وحديثاً أن المدعين -أي: أولياء القتيل- يبدءون في القسامة؛ لأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث) أي: بالأمارات وشبه الدلالات، ولأنهم أصحاب دعوى ليسوا محل تهمة، وأعظم دليل على ذلك ما سماه العلماء هنا باللوث، واللوث هو الطي، واللي، والشر، والجراحات، واللوث عند الشافعي رحمه الله تعالى هو: شبه الدلالة.
واللوث في حديث القسامة: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلاناً قتلني.
فهذا اللوث هو الشاهد الوحيد الذي يشهد بيمينه على إقرار المقتول قبل أن يموت، أو يشهد الشاهدان على عداوة بينهما أيضاً، وهذا لوث إيضاً، وهو شبه دلالة، أو إشكال أو أمارة أن القاتل هو فلان، للعداوة التي كانت بينهما أو تهديد منه له قبل أن يموت أو نحو ذلك، كما في قصة قتل عمر بن الخطاب ﵁ حينما قتله غلام المغيرة بن شعبة أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله لما طعن عمر، قال عمر: من قتلني؟ مع أنه لم يقتل بعد.
قالوا: غلام المغيرة أبو لؤلؤة.
قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل لم يسجد لله.
أي: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد شخص مشرك.
ثم قال: لقد هددني العلج آنفاً، والعلج: الغلام القبيح.
وقصة التهديد: أن غلام المغيرة لما جاء إلى عمر وهو أمير المؤمنين يشكو إليه الخراج الذي فرضه عليه مولاه وسيده المغيرة، قال له عمر: كم تدفع؟ قال: ثلاثة دنانير.
قال: ماذا تعمل؟ قال: أصنع الرحى، وأصنع كذا وكذا، فقال عمر: ما خراجك بكثير.
يعني: لم يظلمك المغيرة.
اصنع لنا رحى يا أبا لؤلؤة.
فقال أبو لؤلؤة: سأصنع لك رحى تتكلم عنها العرب والعجم.
فهذا كلام حمال يحمل على أني سأصنع لك رحى هي من الأعاجيب في الدنيا، يتمناها كل الناس، أو سأجعلك تدور في بركة دمائك، فلما طعن عمر من الغد قال: لقد هددني العلج آنفاً.
يعني: قد أنفذ ما هددني به البارحة، ففهم عمر ﵁ بسرعة الدلالة من كلامه السابق فكان فيها لوث.
(قال القاضي: وضعف هؤلاء رواية من روى الابتداء بيمين المدعى عليهم، قال أهل الحديث هذه الرواية وهم من أحد الرواة؛ لأنه أسقط الابتداء بيمين المدعي ولم يذكر رد اليمين؛ لأن الروايات كلها متفقة على أن الذي يبدأ اليمين في القسامة هو المدعي، ثم إذا نكصوا ونكلوا عن القسامة رد اليمين إلى المدعى عليه).
يعني: تحول اليمين إلى المدعى عليه.
(ولأن من روى الابتداء بالمدعي معه زيادة، ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة فوجب العمل بها ولا تعارضها رواية من نسي وقال: كل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية يبدأ بيمين المدعي، أو المدعى عليه إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور أن يبدأ بيمين المدعي فإن نكل ردت على المدعى عليه.
следующие страницы →