Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
شرح حديث: (أن رسول الله أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)
قال: [وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قال أبو الطاهر: حدثنا، وقال حرملة: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث ﵂، وهي زوج النبي ﷺ : (عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار أن رسول الله ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)] يعني: موضوع القسامة بخمسين يمين كان موجوداً في الجاهلية والنبي ﵊ أقره وأبقاه في الإسلام.
فمن الأحكام ما كان موجوداً قبل الإسلام وبعد الإسلام.
стр. 1262
قضاء النبي ﷺ بين الأنصار واليهود بالقسامة
قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن شهاب بهذا الإسناد مثله وزاد: (وقضى بها رسول الله ﷺ بين ناس من الأنصار في قتيلاً ادعوه على اليهود)] وهي نفس القصة التي معنا.
[وحدثنا حسن بن علي الحلواني حدثنا يعقوب -وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم المدني الزهري - حدثنا أبي عن صالح -وهو ابن كيسان المدني - عن ابن شهاب الزهري - أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أخبراه عن ناس من الأنصار عن النبي ﷺ بمثل حديث ابن جريج].
انتهت أحاديث الباب عند الإمام مسلم.
стр. 1263
كلام النووي في شرح أحاديث القسامة
قال النووي: [قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام) فكان من حق هذا الحديث أن يضم إلى جوامع كلمه ﵊.
ومعنى جوامع الكلم أي: الكلام القليل الذي تنبني عليه أحكام عدة، وهو قليل جداً في مبناه، كثير في معناه، كما قال ﵊: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
فهذا من جوامع الكلام، وموجود في الأربعين النووية، وفي جامع العلوم والحكم، فكل قضية، أو نزاع، أو خصومة، إنما يجب على المدعي أن يقدم بينة فإن عجز عن تقديم البينة وجب على المدعى عليه أن يحلف اليمين.
هذا أصل في كل قضية من القضايا، الذي يزعم أنه صاحب حق فهو مدع يجب عليه أن يقدم البينة؛ لقوله ﷺ : (البينة على المدعي).
فإن عجز عن تقديم البينة فالمتهم أو المدعى عليه يجب عليه أن يحلف اليمين، فإن حلف وإلا ثبتت عليه التهمة.
وإجماع الأمة أن حديث (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة جداً من قواعد الأحكام وهو كذلك.
وكان ينبغي أن يضم هذا الحديث عقب ذاك الحديث، لأن حديث القسامة على العكس تماماً من حديث البينة، فاليمين هناك على المدعي، والبينة على المدعي في حديث البينة، واليمين على المدعي في حديث القسامة، بل في القسامة اليمين على الطرفين، فهذا الحديث أي: حديث القسامة كالمتمم، والمكمل لقواعد الخصومات بين يدي القاضي فيما يتعلق بالأيمان، والديات، والقصاص، فكان ينبغي أن يكون هذان الحديثان في مكان واحد، وهما من جوامع كلمه ﷺ .
(قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين، والشاميين، والكوفيين، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ بهذا الحديث، فهم متفقون ومجمعون على وجوب الأخذ بحديث القسامة).
стр. 1264
خلاف العلماء في كيفية الأخذ بحديث القسامة
(أما كيفية الأخذ والتطبيق العملي فمحل نزاع بينهم، وروي عن جماعة إبطال القسامة قالوا: نحن لا نأخذ بهذا الحديث ولا نعمل به، وممن قال بهذا سالم بن عبد الله بن عمر وسليمان بن يسار والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قلابة، ومسلم بن خالد الزنجي، وابن علية، والإمام البخاري وغيرهم.
وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين).
يعني: قال باعتبارها.
والرأي الثاني: بعدم اعتبارها والأخذ بها.
قال: (واختلف القائلون بالقسامة واعتبارها إذا كان القتل عمداً هل يجب القصاص بها أو الدية؟ فقال معظم الحجازيين: يجب القصاص.
وهو قول الزهري وربيعة الرأي وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود.
كل هؤلاء قالوا بوجوب القصاص إذا كان القتل عمداً.
وهو قول الشافعي في مذهبه القديم، وروي عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
قال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوفرون.
يعني: قلنا: إن القصاص يجب في القسامة إذا كان القتل عمداً.
قال: وإني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان).
هذا المذهب الأول.
المذهب الثاني: قال: (وقال الكوفيين والشافعي ﵁ في أصح قوليه: لا يجب بها القصاص وإنما تجب الدية).
ودليل الجمهور هو هذا الحديث، ولا دليل لمن أبطل القسامة، بل أدلتهم كلها شبهات مردودة مدفوعة فيكون الرأي الصحيح عندي هو القول بالقسامة مثل الرأي الثاني.
واختلف القائلون بالقسامة في كيفية تطبيق هذا الحديث أو هذا الحكم، فمنهم من قال: إذا كان القتل عمداً وجب القصاص وهم الجمهور.
ومنهم من قال وهم الكوفيون أي: أصحاب الرأي وهم الأحناف، والشافعية في أصح القولين عنهم أنهم قالوا: (لا يجب القصاص بل تجب الدية.
وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان الليثي، والحسن بن صالح.
وروي أيضاً عن أبي بكر وعمر، وابن عباس، ومعاوية ﵃ أجمعين).
قالوا: تجب الدية ولا يجب القصاص حتى لو كان القتل عمداً.
стр. 1265
خلاف العلماء في من يحلف القسامة
قال: (واختلفوا فيمن يحلف في القسامة) يعني: من يبدأ بالحلف بالقسامة، وسميت قسامة؛ إما لكثرة القسم، وإما لوجوب القسم على الطرفين؛ لأنه في أي خصومة أخرى فإن القسم على المدعى عليه، وهو المتهم، أما في القسامة فالقسم على المتهم وهو المدعى عليه أو على المدعي، فإما أن يكون لكثرة القسم وأنه ليس يميناً واحداً ولا ثلاثة بل خمسين يميناً، وإما أن ذلك لوجوب القسم على الطرفين فسمي قسامة.
أما من الذي يحلف: (قال مالك والشافعي والجمهور: يحلف الورثة -يعني: كل من وجب له الإرث- ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً).
ولو أن أولياء القتيل خاصة وهم الورثة حلفوا خمسين يميناً فقد استوجبوا واستحقوا صاحبهم -أي: القاتل- فإن عفوا عن القصاص فلهم الدية.
وهذا الحديث فيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي، فإن الرسول ﷺ قال لهم: (احلفوا خمسين يميناً)، فلم يطالبهم بالبينة، وإنما طالبهم بالقسم، فإذا أقسموا استحقوا صاحبهم وإلا حلف صاحبهم فبرأت ساحته، وهذا عند النكول عن القسم والامتناع، أما إذا أقسم أولياء القتيل أو الورثة فقد استحقوا حق صاحبهم.
قال الجمهور: (يحلف الورثة، ويجب الحق بحلفهم خمسين يميناً، واحتجوا بهذا الحديث الصحيح، وفيه التصريح بالابتداء بيمين المدعي وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا تندفع.
قال مالك: الذي أجمعت عليه الأئمة قديماً وحديثاً أن المدعين -أي: أولياء القتيل- يبدءون في القسامة؛ لأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث) أي: بالأمارات وشبه الدلالات، ولأنهم أصحاب دعوى ليسوا محل تهمة، وأعظم دليل على ذلك ما سماه العلماء هنا باللوث، واللوث هو الطي، واللي، والشر، والجراحات، واللوث عند الشافعي رحمه الله تعالى هو: شبه الدلالة.
واللوث في حديث القسامة: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلاناً قتلني.
فهذا اللوث هو الشاهد الوحيد الذي يشهد بيمينه على إقرار المقتول قبل أن يموت، أو يشهد الشاهدان على عداوة بينهما أيضاً، وهذا لوث إيضاً، وهو شبه دلالة، أو إشكال أو أمارة أن القاتل هو فلان، للعداوة التي كانت بينهما أو تهديد منه له قبل أن يموت أو نحو ذلك، كما في قصة قتل عمر بن الخطاب ﵁ حينما قتله غلام المغيرة بن شعبة أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله لما طعن عمر، قال عمر: من قتلني؟ مع أنه لم يقتل بعد.
قالوا: غلام المغيرة أبو لؤلؤة.
قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل لم يسجد لله.
أي: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد شخص مشرك.
ثم قال: لقد هددني العلج آنفاً، والعلج: الغلام القبيح.
وقصة التهديد: أن غلام المغيرة لما جاء إلى عمر وهو أمير المؤمنين يشكو إليه الخراج الذي فرضه عليه مولاه وسيده المغيرة، قال له عمر: كم تدفع؟ قال: ثلاثة دنانير.
قال: ماذا تعمل؟ قال: أصنع الرحى، وأصنع كذا وكذا، فقال عمر: ما خراجك بكثير.
يعني: لم يظلمك المغيرة.
اصنع لنا رحى يا أبا لؤلؤة.
فقال أبو لؤلؤة: سأصنع لك رحى تتكلم عنها العرب والعجم.
فهذا كلام حمال يحمل على أني سأصنع لك رحى هي من الأعاجيب في الدنيا، يتمناها كل الناس، أو سأجعلك تدور في بركة دمائك، فلما طعن عمر من الغد قال: لقد هددني العلج آنفاً.
يعني: قد أنفذ ما هددني به البارحة، ففهم عمر ﵁ بسرعة الدلالة من كلامه السابق فكان فيها لوث.
(قال القاضي: وضعف هؤلاء رواية من روى الابتداء بيمين المدعى عليهم، قال أهل الحديث هذه الرواية وهم من أحد الرواة؛ لأنه أسقط الابتداء بيمين المدعي ولم يذكر رد اليمين؛ لأن الروايات كلها متفقة على أن الذي يبدأ اليمين في القسامة هو المدعي، ثم إذا نكصوا ونكلوا عن القسامة رد اليمين إلى المدعى عليه).
يعني: تحول اليمين إلى المدعى عليه.
(ولأن من روى الابتداء بالمدعي معه زيادة، ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة فوجب العمل بها ولا تعارضها رواية من نسي وقال: كل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية يبدأ بيمين المدعي، أو المدعى عليه إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور أن يبدأ بيمين المدعي فإن نكل ردت على المدعى عليه.
стр. 1266
الإجماع على أنه لا قصاص ولا دية بمجرد الدعوى
قال: (وأجمع العلماء على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى).
يعني: قبل اليمين، فمن قال لشخص أنت قاتل أبي، لا يثبت بهذا حق، بل هذا مجرد ادعاء، فلا يدخل في حد التنفيذ إلا إذا أقسم المدعي خمسين يميناً أن المدعي عليه هو القاتل، أو يحلف خمسين يميناً أنه لم يقتل، حينئذ تبرأ ساحته، فإجماع العلماء أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى.
أي: الدعوى المجردة عن اليمين.
قال: (حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها.
واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة لها سبع صور).
стр. 1267
صور الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة
стр. 1268
الصورة الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان
قال: (الصورة الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني أو ضربني وإن لم يكن به أثر، أو فعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي أو جرحني.
ويذكر العمد فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث، وادعى مالك ﵁ أنه مما أجمع عليه الأئمة قديماً وحديثاً.
قال القاضي: ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما، ولا روي عن غيرهما، وخالف في ذلك العلماء كافة فلم ير أحد غيرهما في هذا قسامة.
واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة).
قالوا: من أجل أن ننفذ القسامة في هذا الباب لا بد من وجود الأثر أو الجرح.
(واحتج مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل في قول الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣].
قالوا: فأحيا الله الرجل فأخبر بقاتله).
لكن هذا استشهاد بعيد، وهذا تم من باب الإعجاز الحسي في بني إسرائيل، أما عندنا فيكفي الدليل العقلي.
(واحتج أصحاب مالك أيضاً بأن تلك حالة يطلبها غفلة الناس، فلو اشترطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً).
فالقاتل إنما ينتهز فرصة تفرد أو غياب المقتول عن أعين الناس، فيطعنه، أو يضربه، فلو أبطلنا قوله لأبطلنا أحكام كثيرة.
قوله: بأن تلك الحالة حالة يطلب فيها غفلة الناس، يعني: القاتل ينتهز فرصة غفلة الناس عن الإيقاع بالمقتول، فلو اشترطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً.
يريد أن يقول: لا بد من اعتبار قول المجروح: أن فلاناً هو الذي قتلني.
أو أعان على قتلي، ولو قلنا: لا بد أن يشهد شاهدان أو أكثر فمعناه: أننا سنجعل قول المجروح هدراً، وأدى ذلك إلى إبطال الدماء غالباً.
يعني: من جانب القاتل أن القاتل ينتهز خلوة، فينقض على غريمه، فلو أن غريمه قال: قتلني فلان فلا بد من اعتبار القول؛ وإلا فسيؤدي عدم اعتبار قوله إلى إبطال كثير من الدماء.
الحجة الثانية: أن المقتول يغلب عليه في هذه الحالة الصدق؛ لأنه يعلم أنه مفارق لدنياه ذاهب إلى الآخرة فلا ينفعه إلا الصدق، ولا مصلحة له في أن يتهم فلاناً أو فلاناً ممن لم يضربه ولم يجرحه؛ ولأنه في حالة قرب من الله ، فهو يتحرى ويتقرب بالصدق إلى الله ، ويتجنب الكذب والمعاصي، ويتزود البر والتقوى فوجب قبول قوله.
(واختلف المالكية في أنه هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد أو لا بد من اثنين؟) فمنهم من قال: يكتفي على قول المجروح بشاهد.
ومنهم من قال: لا بد من شاهدين.
والصواب: أنه يكتفي مع قول المجروح وإقراره بشاهد واحد.
والمجروح لو قال: قتلني فلان ولم يسمعه أحد فإن قول المجروح لا يصل إلى القاضي؛ إلا عن الذي يبلغ إقرار المجروح، فلذا يكفي في ذلك شاهد واحد.
стр. 1269
الصورة الثانية: اللوث من غير بينة على معاينة القتل
(الصورة الثانية: اللوث من غير بينة على معاينة القتل.
وبهذا قال مالك والليث والشافعي.
ومن اللوث: شهادة العدل ولو كان واحداً.
وكذا قول جماعة ليسوا عدولاً).
واللوث الذي هو شبه الدلالة يتحقق بشهادة رجل واحد عدل أو جماعة وإن كانوا فساقاً، أو كفاراً، فلو أن مسلمين يمشيان في الشارع بينهما خصومة ونزاع ودار بينهما شجار فقتل أحدهما الآخر في حضرة عشرة من النصارى، فأتى النصارى العشرة إلى القاضي وقالوا: شهدنا أن هذا يقتل ذاك.
تقبل شهادتهم مع أن الشاهد ينبغي أن يكون عدلاً لكن ليس في كل قضية تلزم عدالة الشاهد، لأن هذه قضية لم يرها إلا فاسق أو كافر، والخلاف إنما دار في شهادة الفاسق وحده أو الكافر وحده، لكن لو شهد جماعة من الفساق أو جماعة من الكفار قبلت شهادتهم؛ لحديث: (صدقك وهو كذو) فأثبت له الصدق في هذه القضية؛ لأنه لا مصلحة له في الكذب حينئذ، فهو في هذه القضية صدق مع أن الأصل فيه الكذب.
стр. 1270
الصورة الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياماً ثم مات قبل أن يفيق منه
الصورة الثالثة: إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياماً ثم مات قبل أن يفيق منه.
قال مالك والليث: هو لوث.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قسامة هنا بل يجب القصاص بشهادة العدلين).
يعني: إذا شهد عدلان فقالا: ضرب فلان فلاناً فجرحه فأغمي عليه، ومات بسبب هذا الجرح قبل أن يفيق من جرحه، لكنه في الغالب ليس من باب القسامة لشهادة الشاهدين العدليين.
стр. 1271
الصورة الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول أو قريباً منه ومعه آلة القتل
(الصورة الرابعة: يوجد المتهم عند المقتول أو قريباً منه أو آتياً من جهته، ومعه آلة القتل).
يعني: تصور لو أنك دخلت حارة فوجدت رجلاً يجري أمامك وفي يده سكين والدم يقطر منها، وبعد ذلك رفع السكين فوقك وأنت تركته، ومشيت إلى آخر الطريق فوجدت شخصاً ملقى على الأرض مقتول ودمه ينزف، فالذي قتله هو الرجل الذي كان يجري وبيده سكين، ومع ذلك فإنك لن تحلف أنه هو الذي قتل، لأنك لم تر القاتل، ولم تشاهد، لكن هناك لوث وقرينة قوية على أنه هو القاتل.
وصاحب السيارة إذا أخذ شخصاً كان في الطريق، وقدر الله عليه بحادث فمات الراكب، فالقانون الوضعي يحمل صاحب السيارة المسئولية، هذا بخلاف القوانين الشرعية التي أمرتنا بالاعتصام، والتقارب، والتلاحم، والود، وغير ذلك.
стр. 1272
الصورة الخامسة: أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل
(الصورة الخامسة: أن تقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل فإن كان من أحد الطرفين ففيه القسامة، وعند مالك في رواية عنه والشافعي وأحمد وإسحاق: لا قسامة فيه بل الدية على الطائفة الأخرى، وإن كان المقتول من غيرهما فعلى الطائفتين ديته).
стр. 1273
الصورة السادسة: وجود الميت في زحمة الناس
(الصورة السادسة: وجود الميت في زحمة الناس.
قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية، وقال مالك: هو هدر أي: لا دية له.
وقال الثوري وإسحاق: تجب الدية من بيت المال، وروي مثله عن عمر وعلي).
стр. 1274
الصورة السابعة: أن يوجد القتيل في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم
(الصورة السابعة: أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم).
يعني: شخص من القبيلة الأولى وجد مقتولاً في القبيلة الأخرى، وكلاهما معاد للأخرى، فمن الطبيعي جداً أن الذي قتله هم أهل القبيلة الثانية.
(فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم: لا يثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتل هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة الطائفة الأخرى لينسب إليهم.
قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه لا يخالطهم فيها غيرهم، فيكون كالقصة التي جرت بخيبر، فحكم النبي ﷺ بالقسامة لورثة القتيل، لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم، وعن أحمد نحو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، يعني: بمجرد وجوده في قرية العدو يوجب القسامة، والدية على العدو.
ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع السابقة إلا في هذه الصورة السابعة فقط؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حكم فيها النبي ﷺ بالقسامة، ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.
قالوا: فإن وجد القتيل في المسجد حلف أهل المحلة، ووجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة -يعني: في الحي- يوجب القسامة وإن لم يكن عليه أثر، وروي نحو ذلك عن داود الظاهري، وهذا كلام القاضي عياض ﵀ والله أعلم).
стр. 1275
استحباب تقديم الأكبر في السن والعلم والمنزلة
أما قوله: (فذهب عبد الرحمن يتكلم قبل صاحبه فقال له النبي ﷺ : كبر كبر) يعني: قدم الكبير في السن أن يتكلم، وفي الحقيقة فإن كثيراً من الإخوة أو كثيراً من المسلمين يتصورون أن التقدم دائماً لمن كان على اليمين في الدخول، أو الخروج، أو الطعام، والشراب وغير ذلك، وليس هو كذلك، بل ورد في السنة أحاديث كثيرة جداً تدل تارة على أن التقدم لمن كان على اليمين، أو التقدم لكبير السن، أو التقدم لكبير الشأن، فليس التقدم على نسق واحد يتعلق بالسن، بل قال ﵊: (البركة مع أكابرك) وقال: (أمرني جبريل أن أكبر) يعني: أقدم الكبير.
أي: في الطعام، والشراب، والتقدم والمشي وغير ذلك.
قال مالك بن مغول كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فصرنا إلى مضيق -يعني: إلى طريق ضيق لا يأخذنا جميعاً وإنما يتقدم أحدنا دون الآخر- فتقدمني ثم قال لي: لو كنت أعلم أنك أكبر مني بيوم ما تقدمتك.
وهذا يدل على جواز التقدم لمن كان كبير السن وإن كان على جهة الشمال.
وعن الفضل بن موسى قال: انتهيت -أي: وصلت- أنا وابن المبارك إلى قنطرة -أي: معبر طريق- فقلت له: تقدم.
وقال لي: بل تقدم أنت.
فحاسبته فإذا أنا أكبر منه بسنتين.
والسلف كان بينهم من اللطائف أمر عجيب جداً.
وأيضاً: لو كان التقدم من جهة اليمين مستقر عند السلف ولا شيء غيره لم يكن هناك حاجة إلى حساب السن، حتى لو كان أفضل منه في العلم، ولما لم يكن هذا مستقراً لدى السلف وأن التقدم على أنحاء كثيرة فكان أحدهما حين يتقدم على الآخر إما لعلمه، أو فضله، أو لمكانته ومنزلته، وأحياناً بعضهم يتقدم لسنه.
وانتهى الحسن بن عمارة وأبو حنيفة إلى قنطرة فقال أبو حنيفة للحسن: تقدم.
قال الحسن: بل تقدم أنت، أنت أفقهنا، وأعلمنا، وأفضلنا، فالتقدم يكون لأهل العلم، والفقه، والفضل.
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: بلغني أن الحسن بن صالح وعلي بن صالح كانا توأمين، فنزل الحسن قبل علي فما تقدم عليه علي قط ولا تكلم في مجلس فيه الحسن احتراماً للحسن، مع أن علي من الثقات الأثبات الفقهاء، وكلامهما مشهور بالعبادة، والزهد، والصلاح.
يعني: يريد أن يقول لك: لم يكن بينهما نصف ساعة.
الحسن نزل من بطن أمه أولاً ومن بعده علي فهما توأمان، لكن علي يحفظ هذا التقدم في السن ولو كان نصف ساعة، وغير ذلك مما كان هو محل مفاضلة بين أهل العلم من السلف فليس بلازم أن تكون أنت على اليمين فيثبت لك الحق المطلق فربما يكون من كان على الشمال هو أولى منك بهذا الحق كأن يكون عالماً أو جواداً سخياً يجود على الناس وينفعهم وأنت لست كذلك، أو يكون والدك، أو عمك، أو جدك، أو معلمك أو مدرسك، أو غير ذلك فكل هؤلاء لهم الحق عليك في التقدم، وفي الشراب، وفي الكلام والمحادثة وغير ذلك، إذا وجدت واحداً من هؤلاء فقدمه على نفسك، وهذا من باب الأدب.
ونحن نعرف أن عبد الرحمن بن سهل بن زيد أخو القتيل، أما محيصة وحويصة فكلاهما ابن عم له، وابن العم ليس وارثاً ولا ولياً، إنما وليه عبد الرحمن، فـ عبد الرحمن هو الوحيد الذي له الحق في أن يرث عبد الله وله الحق في أن يتكلم، فلما استخدم هذا الحق في طرح القضية وعرضها على النبي ﵊، فالنبي ﷺ قال له: (كبر)، لأن محيصة أصغر من حويصة، فـ حويصة هو الذي يتكلم أولاً، وإذا أراد محيصة أن يتكلم فليفعل بعد أخيه، أما عبد الرحمن فآخر من يتكلم؛ لأنه الصغير، مع أنه صاحب الحق الأول وهؤلاء لا حق لهم، فلما قدم النبي ﵊ حويصة على عبد الرحمن إنما أمر بذلك؛ ولم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى بل سماع القصة، والنبي ﷺ يريد أن يعرف القضية ما هي؟ وما هو الذي حصل؟ ليس في معرض تحقيق وتفصيل القضية، وإثبات الحق لفلان ونفيه عن فلان، أو اتهام فلان وثبوت الحق لفلان، وإنما يريد أن يفهم ما الذي حصل؟ فالنبي ﵊ إنما حرم عبد الرحمن من الابتداء بالكلام رغم أنه صاحب الحق في الولاية لمعرفة صورة القضية، لا لتحقيق الحق وإثبات التهمة، لكن إذا قلنا تكلم عن الحق ونحكم فيه بالدية أو القصاص أو غير ذلك فإن صاحب الحق عبد الرحمن، ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة في الدعوى ولكنه استشرفت نفسه بمساعدته،
стр. 1276
بيان كيفية يمين القسامة وردها على الطرف الآخر
أما قوله ﵊: (أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم).
قد يقال: كيف عرضت اليمين على الثلاثة مع أن حويصة ومحيصة، لا يجب عليهما اليمين، بل لا يشرع لهما، وإنما يكون اليمين للوارث خاصة الذي هو عبد الرحمن لأنه أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم لا ميراث لهما مع الأخ؟
الجواب
أنه كان معلوماً عندهم، أن صورة الخطاب للعموم لكن المعلوم عند المخاطبين أن الذي سيحلف واحد منهم، وأما الآخران فابنا عم لا ميراث لهما مع الأخ، فاليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهما، والمراد: من تختص به اليمين، أي: الذي تلزمه اليمين، واحتمل ذلك لكونه معلوماً للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفية ما جرى له.
يثبت الحق قصاصاً كان أو دية بعد الحلف عليه، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: قصاص.
ومنهم من قال: الدية.
ومنهم من قال: هدر لا قصاص ولا دية.
واعلم أنهم إنما يجوز لهم أن يحلفوا خمسين يميناً إذا علموا يقيناً أن فلاناً قتل ولا إشكال هنا، ويجوز لهم أن يحلفوا خمسين يميناً مع غلبة الظن مع القرائن الدالة كاللوث.
ولا يجوز لأحد أن يقسم هذه الأيمان في القسامة بمجرد الظن، أو الظن المجرد، بل لا بد من ظن مقترن بقرائن، أما مجرد الظن أو مطلق الظن فلا يستوجب اليمين، ولا يجوزها من باب أولى، وإنما عرض عليهم النبي ﷺ اليمين إن وجد فيهم هذا الشرط، وليس المراد بالإذن لهم بالحلف من غير ظن، ولهذا قالوا: (كيف نحلف ولم نشهد).
أما قوله لما قالوا: (كيف نحلف ولم نشهد يا رسول الله، قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً) أي: ترد اليمين إلى الطرف الآخر وإن كانوا يهوداً فيحلفون خمسين يميناً، فإن فعلوا ذلك برئت ساحتهم بمجرد هذه الأيمان.
وقيل معناه: يخلصنكم من اليمين بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين.
وفي هذا الحديث دليل لصحة يمين الكافر والفاسق، وهذا بخلاف الشهادة، فإنه يشترط فيها العدالة إلا في مواطن، أما القسامة فيصح فيها يمين الكافر ويمين الفاسق من باب أولى، وإنما وداه رسول الله ﷺ قطعاً للنزاع، وإصلاحاً لذات البين، فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا، أو يستحلفوا المدعى عليهم وقد امتنعوا من الأمرين.
يعني: أهل القتيل قالوا: لا نحلف، ولا نقبل اليهود أن يحلفوا؛ فأراد ﷺ جبرهم وقطع المنازعة وإصلاح ذات البين بدفع الدية من عنده.
أما قوله: (فوداه من إبل الصدقة) جمهور المحدثين على أنه وهم من الراوي؛ لأن مجموع الروايات تقول: إنما وداه من عنده، ومن عند نفسه.
أي: من ماله الخاص ﵊، وربما جمعنا بين اللفظين أن هذا كان من مال الصدقة عامة، فلما وزع مال الصدقة اشتراه النبي ﵊ من مالكه بعد توزيعه عليه، لأن بعض الناس يتصور أن هذا إنما تم توزيعه من زكاة المال ولا يصح ذلك؛ لأن الديات ليست من مصارف الزكاة.
стр. 1277
فوائد من أحاديث باب القسامة
(وفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة والاهتمام بإصلاح ذات البين.
وفيه: إثبات القسامة.
وفيه: الابتداء بيمين المدعي في القسامة لا المدعى عليه.
وفيه: رد اليمين على المدعى عليه إذا نكل المدعي في القسامة -أي: رفض الحلف- وفيه: جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم.
يعني: الحكم الغيابي.
وفيه: جواز اليمين بالظن وإن لم يتيقن.
وهذا مشروط بالقرائن.
وفيه: أن الحكم بين المسلم والكافر يكون مرده إلى الشريعة الإسلامية).
ومن أبواب الضلال والانحراف التي يعيشها المسلمون في بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها أن الدعاوى والخصومات بشأن النكاح والأحوال الشخصية تتم في الكنائس، وفي مسألة الأحوال الشخصية يتم بلاء عظيم جداً، فالمسلم يسافر من بلاد المسلمين للحصول على الشرف السرمدي كما يزعمون، ولا يحصل عليه إلا بالزواج، ولما تسمع كلمة زواج تعرف أنها النطيحة، والمتردية، والموقوذة، وما أكل السبع، فيقال: الأخ الفلاني تزوج امرأة أمريكية، فهي من قلة الأزواج والعشاق تزوجت شخصاً مسلماً يريد أن يحصل على الشرف، أو امرأة مريضة عليلة لا تقوم من الفراش المهم أنها تكون أمريكية تحت أي علة لا تتزوج شخصاً أجنبياً وإن شئت فقل مسلماً للأسف الشديد، وهو يقبل هذا أحياناً، تجد الشخص يجلس معها ويقول لها: هذا الزواج هو صوري في مقابل أن لك كذا، والقضية لا تتم بهذا الشكل، بل لا بد أن الزواج يتم في المحكمة ويوثق هناك، والقاضي يعرف هذه الأشياء، يعرف أن المصريين بالذات يعملون هذه الأمور.
فإنه سيقول للرجل المسلم: أنت متزوج هذا المرأة؟ يقول له: نعم.
يقول له: قبلها.
فيقبلها.
ثم يقول له: احضنها، فيحضنها، ثم يأخذها القاضي على جنب ويقول لها: هو يستخدم معجون أسنان أو لا؟ هو يريد أن يتأكد أنهم جالسين مع بعض في شقة واحدة أم لا.
تقول له: نعم.
فيقول لها: ما لونه؟ فتقول له: أبيض، ثم يأخذه على جنب ويسأله عن معجون الأسنان؟ وما لونه؟ فيقول له: أحمر.
فيبطل القاضي الزواج وصاحبنا يكون قد قبلها وحضنها.
فهم يجعلون هناك عراقيل في إتمام النكاح؛ لأنهم لم يرون أنه ليس شرفاً لأمريكا أن أحداً من المسلمين ينسب إليها، والواحد منا يعتبر أن الشرف كل الشرف أنه يحصل ولو على تأشيرة من السفارة الأمريكية، وهذا ما وصل إليه الكفار من عز، وما وصل إليه المسلمون من انهزام نفسي، فهذا أمر مخجل جداً، وموجع للقلوب والرؤوس.
قال: (وفي هذا الحديث أن القسامة إنما تكون على واحد فقط، وبه قال مالك وأحمد، وقال أشهب وغيره يحلف الأولياء على ما شاءوا ولا يقتلون إلا واحداً).
أي: الواحد بواحد.
يعني: يقتل المسلم بالمسلم والنفس بالنفس.
(ولا يجوز قتل المسلم بالكافر، وهذه المسألة محل نزاع، ومذهب الجماهير فيها وهو الراجح إن لم يكن هو الصحيح أن المسلم لا يقتل بكافر قط لقوله ﵊: (لا يقتل مسلم بكافر)).
وقال الشافعي ﵁: إن ادعوا -أي: أولياء القتيل- على جماعة حلفوا عليهم وثبتت عليهم الدية على الصحيح، وفي قول أنه يجب القصاص عليه وإن حلفوا على واحد استحقوا عليه وحده، والمقصود بذلك أن أولياء المقتول إذا حلفوا على جماعة أنهم قتلوا قتيلهم استحقوا قتل واحد دون الجماعة، وإذا حلفوا على قوم أنهم قتلوا قتيلهم أخذوا الدية ولم يقتل واحد منهم، وهذه مذاهب العلماء في ذلك).
ومعنى قوله ﵊: (إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب) معناه: إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم لو أنكم حلفتم وثبت عليهم القتل، فإما أن يدفعوا لكم ديته، وإما أن يعلمونا أنهم متنعون من التزام أحكامنا والانصياع لشرعنا فينتقض عهدهم ويصيرون حرباً لنا.
وفي هذا دليل لمن يقول: الواجب في القسامة الدية دون القصاص.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1278
شرح صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - حكم المحاربين والمرتدين
ذكر الله تعالى في كتابه أن جزاء المحاربين لله ورسوله والذين يقطعون طريق الناس ويخوفونهم ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا إذا قتلوا النفس بغير حق، أو يصلبوا وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا قتلوا النفس وأخذوا المال، أما إذا أخذوا المال فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ويعزروا إذا قطعوا الطريق وأخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال.
стр. 1279
باب حكم المحاربين والمرتدين
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع كتاب المحاربين.
قال الإمام النووي: (باب حكم المحاربين والمرتدين).
стр. 1280
تعريف المحاربة
المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر؛ لأن من كفر فقد حاد الله ورسوله، وشاق الله ورسوله، كما أن من ارتد بعد إيمانه وإسلامه فقد حاد الله ورسوله، وضاد الله ورسوله، فكذلك المحاربة تصدق على الردة، وعلى الكفر الأصلي، كما تصدق كذلك على قاطع الطريق.
فلو أن رجلاً انطلق خارج المصر فاتخذ له طريقاً غير مسلوكة، أو طريقاً مهجوراً، يخيف الناس، ويأخذ متاعهم، ويزهق أرواحهم، فلا شك أن هذا محارب، وعلى هذه الصورة ينطبق كلامنا في هذه الليلة، وكذلك من أخاف السبيل، أو أفسد في الأرض.
وبعض أهل العلم يعتبر أن أي إفساد في الأرض سواء كان في المصر أو خارجه من المحاربة.
والنبي ﵊ يقول في الحديث الذي هو غصة في حلوق كثير من العلمانيين: (من بدل دينه فاقتلوه).
وتبديل الدين يعني: الردة.
أي: من ارتد عن دين الإسلام فاقتلوه.
وقال ﵊: (لا يحل قتل مسلم بغير حق).
وفي رواية: (إلا بثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه).
أي: الذي ارتد عن دينه.
والعلمانيون يوردون على هذا الحديث شبهاً ويقولون: إذا كان قوله ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه) فإن النصراني إذا أسلم فقد بدل دينه، وإن اليهودي إذا أسلم فقد بدل دينه، حتى وإن كان هذا التبديل إلى الإيمان والتوحيد، فيجب قتله حينئذ.
والرد على هذه الشبهة وإن كانت لا تحتاج إلى رد؛ لأن هذا من كيس العلمانيين والملاحدة، الرد عليهم أن نقول: إن الدين عند الله الإسلام، فكل من كان على دين غير دين الإسلام فهو على دين الكفر عياذاً بالله، وإنما مهمة الأنبياء والرسل إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان، فلما كان عيسى ﵇، أو موسى ﵇، أو نوح ﵇، أو غيرهم من الأنبياء في أزمانهم وجب على الناس اتباع كل نبي أرسل فيهم، فحينئذ لا يحل لهم تبديل ديانتهم مع وجود أنبيائهم أو مع عدم إرسال رسول آخر غيره.
أما وقد أرسل الله نبيه محمد ﷺ في العالمين فوجب على كل صاحب رسالة وشريعة ومتبع لنبي سابق أن يترك ذلك كله، وأن يكون تابعاً لنبينا ﵊، فمدار الأمر كله على ترك كل ديانة أو شريعة سبقت، واتباع شريعة محمد ﵊، فيكون قوله: (من بدل دينه) أي: من بدل إسلامه وإيمانه بمحمد ﵊ فإنما هو مرتد وقد استوجب القتل بهذه الردة، والخطاب موجه إلى أصحابه بالدرجة الأولى، وهو عام للأمة إلى قيام الساعة.
والمعنى: يا معشر الصحابة! من بدل دين الإسلام بعد أن دخل فيه فإنما حده القتل، وهو ضربة بالسيف.
стр. 1281
شرح حديث أنس بن مالك في قصة العرنيين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما عن هشيم -وهو ابن بشير بن القاسم السلمي أبو معاوية الواسطي - واللفظ لـ يحيى ومعناه لـ أبي بكر بن أبي شيبة قال هشيم: أخبرنا أو عن عبد العزيز بن صهيب -وهو البناني البصري - وحميد -وهو ابن أبي حميد الطويل - عن أنس بن مالك ﵁: (أن ناساً من عرينة)] وعرينة وعكل، وبجيلة، أسماء قبائل في البحرين.
[(قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها)].
أي: أصابهم بها داء يسمى داء الجوى، وهو داء يغير لون الجلد، والوجه، ويجعل البطن منتفخة.
قال الأطباء: الجوى داء يصيب الجوف، يؤثر على الجلد، ويؤثر على لون الوجه.
ومنهم من قال: الجوى داء يصيب الصدر، والأمر قريب بين الجوف والصدر.
[فقال لهم رسول الله ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)].
أي: فافعلوا.
وإبل الصدقة كانت على مشارف المدينة أو على مداخل المدينة.
والنبي ﵊ أمرهم أن يشربوا من ألبان وأبوال إبل الصدقة، وربما يقول قائل: وهل هذا جائز أن يشرب الناس من أبوال وألبان الإبل، أو أن يأكلوا، ويشربوا من عموم أموال الصدقة؟
الجواب
أن ذلك جائز، خاصة إذا كانوا فقراء كهؤلاء الذين أتوا من عرينة وعكل، فالنبي ﵊ إنما أذن لهم باعتبارهم فقراء، وباعتبارهم أبناء سبيل.
وإبل الصدقة كان يقوم عليها مولىً لرسول الله ﷺ اسمه يسار، ولما رأى رسول الله من صلاحه، وحسن صلاته ما رأى أعتقه وجعله على إبل الصدقة، وكان مع إبل الصدقة العامة للمسلمين إبلاً أخرى للنبي ﵊.
أي: هذه الإبل كان معظمها إبل الصدقة، وهذا لا يمنع أن يكون فيها بعض الإبل للنبي ﵊.
قال: [(ففعلوا)] أي: ذهبوا إلى هناك، فشربوا من ألبانها وأبوالها.
وهذا دليل للقائل أن بول وسؤر ما يؤكل لحمه طاهران.
وهذا أمر محل نزاع بين أهل العلم.
فمنهم من قال أنه طاهر.
ومنهم من قال أنه نجس.
فمن قال: إن بول ما يؤكل لحمه طاهر فلا إشكال عنده حينئذ أن يتداوى به.
وأما من قال: إن بول ما يؤكل لحمه نجس فيجعل هذا حادثة عين خاصة للمرض وللتطبيب، وهذا أمر جائز عند جمهور أهل العلم، أنه يجوز التداوي بالنجاسات أو بالنجس ما لم يكن خمراً، ومعظم الأدوية التي يتعاطاها الناس الآن الله أعلم بحالها ففيها من النجاسات والأخباث والأجناس ما فيها، ومع هذا يتعاطاها الناس الآن بغير نتيجة.
قال: [(ففعلوا فصحوا)].
أي: فبرءوا من علتهم ودائهم؛ لما شربوا أبوال وألبان الإبل.
[(ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم)] أي: ثم قاموا على يسار ومن معه من الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام.
لا بد أن تعرف جناية القوم: أولاً: لما صحوا وبرءوا من علتهم قاموا على الرعاة فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وفي رواية: [(فلما صحوا ارتدوا وقتلوا الرعاة، وجعلوا الشوك في أعينهم)].
يعني: بعد أن قتلوا الرعاة، غرزوا العيدان -الشوك- في أعين الرعاة، وهذا ما يسمى بالتسمير، أو التسميل.
قال: [(وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسل)].
أي: ساقوا الإبل التي شربوا ألبانها وأبوالها أمامهم في انطلاقهم إلى بلادهم.
أي: إلى البحرين.
وجنايتهم: أنهم ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الرعاة، وسملوا أو سمروا أعينهم، وسرقوا الإبل، فهذه جنايات متعددة.
[(فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في إثرهم)] أي: أرسل قوماً من الأنصار في طريق هؤلاء ليدركوهم ويأتون بهم إلى النبي ﵊.
قال: [(فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم)] ابتداءً قطع أيديهم وأرجلهم [(من خلاف، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا)] والحرة: اسم مكان لجبل حجارته سوداء حامية.
ومعنى (من خلاف) أي: يقطع القدم اليمنى مع اليد اليسرى، واليد اليمنى مع القدم اليسرى.
ومعنى سمل أعينهم: أي: فقأها، وأذهب ما فيها.
مثلما نقول: سخت عينه.
стр. 1282
شرح حديث أبي قلابة في قصة العرنيين
[حدثنا أبو جعفر -وهو الدولابي البزاز البغدادي ثقة حافظ اسمه محمد بن الصباح - وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لـ أبي بكر قال: حدثنا ابن علية - إسماعيل - عن حجاج بن أبي عثمان -وهو أبو الصلت البصري - قال: حدثني أبو رجاء مولى أبي قلابة -واسمه سلمان، ليس له في الصحيحين حديث إلا هذا الحديث- عن أبي قلابة -وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري - قال: حدثني أنس: (أن نفراً من عكل)].
والحديث الأول أنهم كانوا من (عرينة)، وهنا أنهم من (عكل) وفي رواية (من بجيلة)، ووجه الجمع أن هذه كلها قبائل من البحرين انتدبت أناساً منهم فاجتمعوا جميعاً فأتوا إلى النبي ﵊.
قال: [(أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام)] في هذه الرواية إثبات أنهم أسلموا.
وفي الحديث الأول إثبات أنهم ارتدوا.
قال: [(فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم)].
استوخموا أي: أصابهم الوخم، وهو داء يصيب البدن يجعل الإنسان كالتالف لا يقدر أن يقوم من مقامه، فهو إنسان كسول، ويحس بالفتور والخمول، والوخم، لا يستطيع أن يزاول عمله، ولا أن يعود إلى نشاطه، وهذا داء يصيب الإنسان إذا غير أرضاً إلى أرض، أو مكاناً إلى مكان، أو جواً إلى جو، ولذلك نحن في تغير الفصول يكون الشخص يشعر بالكسل، وهو تالف، وجسمه مكسر، وغير ذلك؛ لأن هذا انتقال من فصل الشتاء إلى فصل الصيف، فالمدينة ومكة بالذات هما البلدان اللذان يحس الداخل فيهما لأول مرة بهذا الداء، فيشعر بالوخم، وأنه غير قادر على المشي، ولا على الحركة والنشاط.
ومعنى: وسقمت أجسامهم.
أي: مرضت واعتلت.
[(فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ .
فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها؟ فقالوا: بلى يا رسول الله! فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا)] أي: زالت علتهم ووخمهم [(فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل)].
وفي رواية: (وأطردوا النعم).
أي: ساقوها أمامهم في طريق عودتهم إلى بلادهم.
[(فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهم)] أي: خلفهم على نفس الطريق الذي صاروا فيه.
[(فأدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا)].
قال ابن الصباح في روايته: (وأطردوا النعم) أي: ساقوها أمامهم.
وقال: (وسمرت أعينهم) أي: دكت بالمسامير المحمية، وهذا الذي يعرف في الشرع بالمثلة.
والتمثيل بجثة الإنسان: أن يجدع أنفه، أو تقطع أذنه، أو يقطع له أي عضو، أو تسمل أو تسمر عينه بالمسامير والشوك وغير ذلك.
ومعلوم أن (النبي ﵊ نهى عن المثلة)، ومع هذا قد مثل بهؤلاء؟ وجواب ذلك: إما أن يكون مثل ﵊ قبل النهي، ومذهب الجماهير أن النهي عن التمثيل إنما هو نهي تنزيه وكراهة، وليس نهي حرمة.
وبعضهم قال: إنما فعل النبي ﵊ بهؤلاء كما فعلوا قصاصاً.
وهو الراجح.
والنبي ﵊ قال: (لا يحرق بالنار إلا رب النار).
وهذا نهي شديد وزجر أكيد عن الحرق والإيذاء بالنار، لكن لو أن واحداً أحرق غيره بالنار، فيجوز حرق هذا الحارق بالنار قصاصاً.
أي: يستثنى من النهي القصاص؛ لأن هذا خالف النهي، وارتكب الإثم، فأحرق غيره بالنار، فالقصاص يستوجب أن من قتل يقتل بالكيفية التي قتل بها.
قال: [حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني - عن أبي رجاء سلمان مولى أبي قلابة قال: قال أبو قلابة: حدثنا أنس بن مالك قال: (قدم على رسول الله ﷺ من عكل أو عرينة فاجتووا، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح)].
واللقاح هي الناقة ذات الدر، الناقة التي تحلب [(وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها) وذكر الحديث بمعنى حديث حجاج بن أبي عثمان السابق.
قال: (وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون)].
وقوله: (يستسقون فلا يسقون) ليس فيه أن النبي ﷺ أمر بألا يستجيب أحد لسقايتهم، كما أنه ليس فيه أنه نهى عن سقيهم.
(قال القاضي عياض: وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع الماء قصداً -أي: لا يتعمد أحد منع الماء عنه- فيجمع عليه عذابين: عذاب القتل، وعذاب منع السقاية).
قلت: قد ذكر
стр. 1283
شرح حديث أبي قلابة وعنبسة في قصة العرنيين
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى - العنزي البصري - حدثنا معاذ العنبري، (ح) وحدثنا أحمد بن عثمان النوفلي، حدثنا أزهر بن سعد السمان - أبو بكر الباهلي البصري - قال: حدثنا ابن عون، حدثنا أبو رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة قال: كنت جالساً خلف عمر بن عبد العزيز فقال للناس: ما تقولون في القسامة؟ فقال عنبسة: قد حدثنا أنس بن مالك كذا وكذا.
فقلت: إياي حدث أنس -يعني: وأنا كذلك حدثني أنس - قدم على رسول الله قوم.
وساق الحديث بنحو حديث أيوب وحجاج.
قال أبو قلابة: فلما فرغت قال عنبسة: سبحان الله! قال أبو قلابة: أتتهمني يا عنبسة؟ قال: لا.
هكذا حدثنا أنس بن مالك: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا أو مثل هذا.
وحدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني، حدثنا مسكين -وهو ابن بكير الحراني - أخبرنا الأوزاعي -إمام الشام الجبل الأشم العظيم-.
(ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا محمد بن يوسف عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أنس قال: (قدم على رسول الله ﷺ ثمانية نفر من عكل، بنحو حديثهم السابق وزاد في الحديث: ولم يحسمه)].
والحسم هو الكي، وهو في حد الحرابة، وحد السرقة، وغيرها إذا قطعت الأيدي، أو الأيدي والأرجل من خلاف، كان من عادة أهل الإسلام الأوائل أنهم إذا أقاموا الحد لقطع اليد كانوا يربطونها من بعد القطع أو من قبل القطع، إذا قطعت اليد من الرسغ ربطوها من قبل القطع مباشرة وكووها في الزيت، أو في الماء الساخن المغلي، حتى تلتحم العروق ولا ينزف الدم كله، حتى لا يموت المحدود.
والنبي ﵊ لم يحسمهم، أي: لم يكو جروحهم، بل وتركهم ينزفون في الحرة تحت حرارة الشمس حتى ماتوا.
стр. 1284
شرح طرق وروايات أخرى لحديث أنس في قصة العرنيين
قال: [وحدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن معاوية بن قرة عن أنس ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم)] وهو البرسام، وهو اسم فارسي معرب وهو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر، وهو يشبه سرطان المخ، أو شيء من هذا.
قال: [ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: (وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين)] أي: النبي ﵊ لما سمع بما فعل هؤلاء بالرعاة وبالإبل التفت إلى من بجواره فوجدهم قرابة عشرين شاباً من الأنصار.
[(فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)] والقائف: هو من ألحق الشبه بشبهه، والمثيل بمثيله، والأثر بالمؤثر، فهو الذي يعرف الأشباه والنظائر.
أما علمتم حديث النبي ﵊ في أمر زيد بن حارثة وولده أسامة، وكان زيد أبيض وأسامة أسود أو العكس على ما أذكر، وكانت العرب تقول: إن أسامة ليس أبناً لـ زيد، فقد كانوا يرمون أمه بالزنا ﵂، وكان النبي ﷺ يتأذى بكلام العرب، أو بغمز بعض المسلمين في هذا الأمر، فجاء أعرابي قائف إلى بيت النبي ﵊ وعنده زيد وأسامة نائمان قد بدت أرجلهما -يعني: هو لا يعرف لا أسامة ولا يعرف زيداً فضلاً أنهما نائمان ومغطيان ولم يبد منهما إلا أطراف الأقدام- فقال الرجل لنبي الله ﵊: يا رسول الله! إن هذه الأقدام بعضها من بعض.
يعني: هذا أبو ذاك أو ذاك ولد هذا.
ففرح بذلك النبي ﵊ وقال لـ عائشة (أما سمعت ما قال الرجل في زيد وابنه أسامة إن هذه الأقدام بعضها من بعض).
فالقائف هو الذي يعرف الآثار في الصحراء، ويفرق بين أثر قدم الشاة والغنم مع أنهما متحدتان، لكنه إذا نظر في الأثر عرف أنها شاة، أو معز أو خف بعير.
أنتم تعلمون أن قريشاً ما تتبعت أثر خروج النبي ﵊ هو وأبو بكر لما خرج إلى غار ثور إلا بآثار البعيران اللذان رباهما أبو بكر ﵁ في هذه الرحلة.
قال: (وبعث معهم قائفاً يقتص أثرهم)، فالقائف مهمته هي معرفة الطريق الذي صاروا فيه.
قال: [حدثنا هداب بن خالد، حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار - قال: حدثنا قتادة عن أنس.
(ح) وحدثنا ابن المثنى -وهو محمد - حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد عن قتادة -وسعيد الذي يروي عن قتادة هو سعيد بن أبي العروبة - عن أنس وفي حديث همام: قدم على النبي ﷺ رهط من عرينة.
وفي حديث سعيد: من عكل وعرينة، بنحو حديثهم.
وحدثني الفضل بن سهل الأعرج حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان بن طرخان التيمي عن أنس قال: (إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء)].
أي: الجزاء من جنس العمل، مع أنه نهى عن المثلة؛ فإنه سمل أعين الرعاة قصاصاً.
стр. 1285
كلام الإمام النووي في أحاديث باب حكم المحاربين والمرتدين
الإمام النووي قال في حديث العرنيين: (فيه حديث العرنيين أنهم قدموا المدينة وأسلموا واستوخموها، وسقمت أجسامهم، فأمرهم النبي ﷺ بالخروج إلى إبل الصدقة -يشربوا من أبوالها وألبانها- فخرجوا فصحوا، فقتلوا الراعي، وارتدوا عن الإسلام.
стр. 1286
حكم قتل الجماعة بالواحد
معلوم أن القاتل رجل واحد، ولو تمالأ أهل بلد على قتل واحد قتلوا به جميعاً، وهذه مسألة محل نزاع بين الفقهاء، لو أن قوماً اجتمعوا على قتل واحد، هل يقتلون جميعاً به؟ أما يقتل به الذي باشر القتل وحده؟ فلو اتفق واجتمع العدد الكثير على قتل واحد قتلوا به جميعاً.
وهذه مسألة معروفة في الحدود، أما إذا قتل الجماعة الواحد أو الواحد الجماعة، فسيأتي معنا بإذن الله في الحدود.
فسواء كان هو يسار الراعي، أو كان معه رعاة آخرون، فالحكم سواء؛ لأن الجماعة لو تمالأت واتفقت واجتمعت على قتل الواحد قتلوا به جميعاً حتى وإن لم يباشر القتل إلا البعض، أو واحداً منهم.
قال: (وارتدوا عن الإسلام، وساقوا الذود، فبعث النبي ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا جميعاً).
стр. 1287
بيان حد الحرابة
قال: (هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين، وهو موافق لقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]).
ذكر لهم أربع عقوبات، ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٣ - ٣٤] أي: الجماعة هؤلاء الذين تابوا وجاءوا إلى المصر، ودخلوا على السلطان أو الوالي، أو الأمير، أو الحاكم، وقالوا: نحن قطاع الطريق، نحن محاربون، ولكننا تبنا إلى الله وأتينا إليكم على حال توبتنا، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] يعني: لا سبيل لكم عليهم.
وهذا الحديث، وهاتان الآيتان إنما يحكمان في الحدود ما يسمى بحد الحرابة، وسمي بذلك؛ لأن الله صدر الأمر بذكر أوصافهم، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ [المائدة:٣٣]، فسمي هذا الحد حد الحرابة، وحد الحرابة القتل، أو تقطيع الأيدي والأرجل، أو النفي من الأرض، أو الصلب، حتى يموتوا صبراً.
стр. 1288
خلاف العلماء في المراد بقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)
قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة).
فمنهم من قال: نزلت في قوم مشركين.
ومنهم من قال: بل نزلت عتاباً للنبي ﵊ أنه سمل أعينهم، وليس هذا براجح، إنما الراجح أن هذه الآية وإن نزلت قبل هذه الحادثة إلا أنها صالحة للعمل إلى قيام الساعة، فهي من باب عموم اللفظ، والأصل الأصيل: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية محكمة وليست منسوخة، وعليها العمل، وقد عمل بها السلف، خاصة الصحابة، والخلفاء الراشدون، وكلهم يقولون: هذه الآية عامة.
وفيما يتعلق بسبب نزولها أو ببقائها فهي غير منسوخة أي: محكمة إلى قيام الساعة.
قال: (واختلف العلماء في المراد بهذه الآية، فقال مالك: هي على التخيير).
يعني لو جيء بالمحارب إلى السلطان فهو مخير بين أن يقتل، أو يصلب، أو يقطع، أو ينفي من الأرض، لأن الآية ذكرت التخيير: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] فـ (أو) عند مالك وغيره أنها للتخيير، فيخير الإمام بين هذه الأمور، إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم على الإمام قتل هذا المحارب.
(وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار وأن قتلوا).
وهذا رأي ضعيف جداً.
(وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم).
وهو الراجح وهو مذهب الجماهير وعلى رأسهم الإمام الشافعي: أن العقوبة على التقسيم لا على التخيير.
(فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا).
والمحارب هو شخص شرد عن الجماعة واتخذ له طريقاً غير مسلوكة، بعيداً عن البلد، وتسلح استعداداً لقتال وحرب كل من مر به وأخذ متاعه حتى وإن أدى ذلك إلى قتله وإزهاق روحه، فإذا تصرف قوم على هذا النحو واجتمعوا، وقاموا على الإمام، أي: يحاربون أهل البلد، ويحاربون الإمام، وجب على الإمام أن يقاتلهم وإن قتلهم جميعاً، وإن لم يكونوا قد ارتدوا؛ لأن المحارب ليس مرتداً، أما النفر من عرينة وعكل فهؤلاء قتلوا ردة؛ لأنهم ارتدوا عن الإسلام، لكن حديث عكل وعرينة موافق للآية فيما يتعلق بأحكام المحاربين.
أما المحاربون المسلمون إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا قصاصاً، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، فالقتل من القتل، والصلب لأخذ المال، فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى مع الرجل اليسرى، والعكس بالعكس.
قال: (فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا -أي: ينفوا من الأرض- وهو المراد بالنفي عند الشافعية).
(قال: قال أصحابنا -أي الشافعية- لأن ضرر هذه الأفعال مختلف فكانت عقوباتها مختلفة).
أي: لأن ضرر الحرابة مختلف؛ فالضرر منه القتل، ومنه أخذ المال وغير ذلك فتنوعت كذلك العقوبة لتنوع الضرر.
فهذه حجة الشافعية.
قال: (لما نوع الله تعالى العقوبة دل ذلك على تنوع الضرر، فناسب أن يكون لكل ضرر عقوبة).
فقول الشافعية هو أرجح الأقوال وهو: إن قتلوا فقط قتلوا، وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئاً ينفوا من الأرض.
قال: (ولم تكن (أو) لتخيير، وتثبت أحكام الحرابة في الصحراء).
وهذا بخلاف القرية أو المصر أو المدينة، ولذلك العلماء يقولون: شرط الحرابة أن تتم خارج المصر لا في داخل المصر.
стр. 1289
مسألة: هل تثبت الحرابة في المصر ؟
قال: (وهل تثبت في الأمصار؟) فيه خلاف بين أهل العلم، والراجح أنها لا تثبت في المصر، إنما تثبت في الصحراء.
قال أبو حنيفة: لا تثبت الحرابة في المصر إنما تثبت في الصحراء، وقال مالك والشافعي: تثبت كذلك في الأمصار.
قال القاضي عياض ﵁ ورحمه: اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين.
قال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة، فهو منسوخ.
وقيل: ليس منسوخاً.
وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل النبي ﷺ بهم ما فعل قصاصاً؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه، فرواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام).
من الناس من يأخذ حديثاً سمعه بطريق مستقيم فيجعله من حديث أناس آخرين.
يعني: لو أن محمداً يروي عن عمرو وزيد بإسناد عمرو وبإسناد زيد فإنه يأخذ حديثه الذي سمعه من زيد فيجعله من طريق عمرو؛ لأنه يعرف أن طريق زيد ضعيف، فهو يسرق الحديث من طريق زيد ويقول: حدثني عمرو، وليس هذا الحديث من طريق عمرو وإنما هو من طريق زيد، فتحويل الحديث من طريق إلى طريق عمداً هو سرقة الحديث، وهو شر أنواع التدليس, وهو فوق التدليس بكثير.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1290
الأسئلة
стр. 1291
الرد على شبهة هدم الأصنام في أفغانستان
السؤال
هناك شبهة في أمر هدم الأصنام التي يفعلها إخواننا في أفغانستان وهي: (لماذا لم يهدم الصحابة عند دخول مصر أبا الهول؟) وجزاكم الله خيراً.
الجواب
هم يقولون القطعة التي ذهبت من أنف أبي الهول إنما هي بسبب فعل الحملة الفرنسية لما دخلت مصر، أرادت أن تتخلص من الأصنام؛ لأن هذا شرك.
هم يقولون في التاريخ المزور: إن الحملة الفرنسية لم تأت إلا لتكتشف حجر رشيد، وهذا تزوير في وجه التاريخ، والمعلومة التي يجب أن تعرفها تماماً: هي أن الفرنسيين نصارى، ربما يقدسون أبا الهول، ويعتبرونه إلهاً معبوداً.
فهل يتصور أن يقوموا عليه ويجدعوا أنفه، أو يكسروه، أو يدفنوه؟ إن الذي فعل ذلك هم أوائل المسلمين لما دخلوا مصر، تعرضوا لهدم الأهرامات كما تعرضوا لتكسير وتحطيم أبي الهول، لكن هذه المحاولات لم تتم.
تصور أن هذه القطعة من الحجارة التي كسرت كانت بعد محاولات استمرت ثلاثة أشهر، فكيف بتحطيم أبي الهول كله؟ بل كيف بتحطيم الأهرامات كلها؟ فهذا أمر بلا شك يذهب الغالي والنفيس في دولة في طور تكوينها، فأيهما أولى: ترك ذلك وبناء الدولة؟ أما تخريب الدولة من الداخل بإنفاق اقتصادها وأموالها في تكسير حجر، ليس معبوداً في ذلك الوقت؟ بلا شك أن المصالح والمفاسد تقول: بناء الدولة مقدم.
الرد الثاني: أن عمرو بن العاص ﵁ لما نزل مصر، كان موطنه في الفسطاط -أي: مصر القديمة- ولم يكن هناك بلد تسمى الجيزة، وكانت من الفسطاط إلى الأهرامات صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، فـ عمرو بن العاص ﵁ اعتبر أن بعد الأهرامات وبعد أبي الهول وعدم اكتراث واهتمام الناس بزيارة هذه الأماكن أمر يشرع معه تأخير تكسير مثل هذه الأصنام، ولذلك هل ثبت أن صنماً من الأصنام كان في المدينة وتركه عمرو؟ هل كان هناك صنم في البنيان والعمران وتركه عمرو بن العاص ومن معه من المسلمين؟ فهذا رد عن الشبهة في تكسير الأصنام في مصر.
أما حكم ما يفعله إخواننا هناك في هذا المعبود المزيف، فهو أمر مشروع اتفاقاً، ومن نطح في ذلك فإنما ينطح فيه بهوى أو خوف، وإن كان توقيت ذلك عندي فيه نظر، لكن هذا النظر يدفعه أن هؤلاء ممكنون في أفغانستان فلم التأخير إذاً؟ وهذا الصنم إنما يعبد من دون الله ، ولذلك أرى من الحكمة أنهم هدموا هذا الصنم ولم يهدموا القباب والقبور مع أنها تعبد من دون الله هناك.
وحجتهم في ذلك: أن القباب تحتاج إلى فترة لتعليم الناس؛ لأنهم درجوا على الصلاة في هذه المساجد التي بها قبور، أما (بوذا) فإنه يعبد من بعض أهل البلد، ومن القادم من الخارج خصيصاً؛ لأنه عندهم إله.
أما المقبورون فإنهم لا يمثلوا هذه الدرجة عند من اتخذهم، أو توسل بهم، أو غير ذلك وإن كانت كل هذه مظاهر من مظاهر الشرك.
تصور لو أنك في بيتك وقد اتخذ ولدك حجراً يعبده من دون الله فإنك ممكَّن حينئذ من تكسير هذا الإله.
ولو أنك تخلفت عن هذا ولم تفعل أثمت بذلك، لأنك ممكن، فهؤلاء رأوا أنهم ظاهرون ممكنون، وأنهم أصحاب نجدة.
وقد اتخذ القوم إلهاً في بلدهم يعبد من دون الله ، فلما علموا ذلك من أنفسهم قاموا فاقتلعوا هذا الإله من جذوره، ودمروه تدميراً، فجزاهم الله ﵎ على ما صنعوا خيراً.
أما الشبهة أن هذا أمر يعطي صورة سيئة عن الإسلام للعالم كله، فهذا كلام لا يقوله إلا الملاحدة أو الجهلة من المسلمين؛ لأن الشريعة لو طبقت في العالم كله إلا في بلاد أوروبا وأمريكا وكسر وهشم بوذا لكانت نفس الشبهة باقية وقائمة، تردد حتى على ألسنة بعض المتدينين في مصر بلد الإسلام، وبلد الأزهر.
ونرد عليهم بأن النبي ﵊ لما رجع إلى مكة فاتحاً كسر الأصنام؛ لأنه قادر ممكن، ولأن الدولة صارت دولة إسلامية، والبلد فتح فما الحجة في تأخير تكسير ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة تعبد من دون الله ؟ فقد كسرها النبي ﵊ وهو يتلو قول الله : ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].
أي: ضعيف لا أوتاد له، ولا أساس له.
فلماذا لم يقل المشركون الذين لم يدخلوا في الإسلام بعد في ذلك الوقت: إن فعل محمد وأصحابه بهذه الأصنام يعطي صورة سيئة عن الإسلام، وعن الدين الجديد؟ فمرد هذه الشبهة إلى العلمانيين والملاحدة في هذا البلد، أو في غيره من البلدان.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1292
شرح صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه لا ضمان عليه
الصائل هو الظالم الباغي المعتدي، ومن اعتدي عليه فله أن يدفع المعتدي بما يندفع به تدرجاً، وإن لم يندفع إلا بتلف عضو من أعضائه أو قتله فهو هدر لا ضمان عليه ولا دية ولا قصاص، والضمان والدية والقصاص لا تكون إلا عند المبالغة في دفع الصائل بما يمكن أن يندفع بما هو دونه يقيناً.
стр. 1293
باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع الباب الرابع من كتاب القسامة: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه).
أي: دفع الظالم أو الباغي المعتدي بغير حق على الآخرين، وهو المعروف بالصائل؛ لأن الصائل هو الظالم.
ولو أن واحداً اعتدى عليك في نفسك، أو مالك، أو عرضك، فدفعته فمات من هذه الدفعة، أو أتلفت عضواً من أعضائه، فهل تضمن أنت هذا التلف؟ هذا التلف إما أن يكون حدث في النفس.
بمعنى: أنك لو دفعته قتل من هذه الدفعة.
أو مات من هذه الدفعة، أو كان لا يمكن دفعه إلا بالقتل؛ لأن العلماء مجمعون على أن الصائل لا يدفع بأكثر من الوسيلة المطلوبة في دفعه، فلو أن واحداً اعتدى عليك فدفعته بيدك فاندفع فلا يجوز دفعه بالسوط، وإذا كان يمكن دفعه بالسوط فدفعته بعصا فهذا لا يشرع لك ولا يحل، وإذا كان يمكن الفرار منه بعدم الإتلاف أو بعدم تمكنه من الظلم بأن هربت منه فلا يجوز لك أن تتعرض له؛ لأنك لو عرضت نفسك له فإنما أوقعت نفسك في التهلكة.
فالشاهد من هذا: أن الإسلام يدعو إلى الحفاظ على النفس، والعرض، والمال بأي وسيلة مشروعة متاحة كانت، فلو أن ظالماً أو معتدياً أو صائلاً سطا أو ظلم وبغى على النفس أو المال أو العرض فيجب دفعه بالوسيلة المتاحة التي يمكن بها دفعه، نبدأ بالأقل، ثم الأكثر، ثم الزيادة، ولا يمكن قط أن يأذن الشرع لمن وقع عليه الضرر -أي: للمصول عليه- أن يدفع الصائل بوسيلة هي أعظم من مجرد جرم هذا الصائل، فلو أن واحداً سطا عليك في بيتك في الليل أو في النهار فكان يمكن أن يدفع هذا الصائل بمجرد التخويف فلا يجوز دفعه بالضرب، وإذا كان لا يندفع إلا بالضرب فلا يجوز القتل وغير ذلك.
أما أن يفكر المصول عليه في قتل الصائل أولاً وابتداءً فهذا يجب عليه أن يضمن ما أتلف، سواء أتلف النفس، أو المال، أو أتلف عضواً من أعضائه فإنما لا يضمنه إذا كان لا يمكن الدفع إلا بالقتل، أو ليس بين يدي المصول عليه إلا وسيلة يقتل بها، أو غلب على ظن المصول عليه أنه لا يمكن دفع هذا إلا بالقتل أو الجرح، أو قطع عضو من أعضاء الصائل فإنه حينئذ لا ضمان عليه، لأن هذا الصائل لا يدفع إلا بهذه الوسيلة، وهي المتاحة، ولذلك بوب النووي هنا وقال: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه).
فلو أن شخصاً شهر سيفه وغلب على ظنك أنه لا بد أن يقتلك فلا شك حينئذ أنك لو قتلته فإن قتله غير مضمون عليك.
بمعنى: أنك لا تكلف به قصاصاً، ولا دية، لأنه لا يمكن والحالة هذه دفعه إلا بالقتل، إما إذا كان بإمكانك أن تدفعه بغير القتل وهذا معلوم من ظروف وملابسات الواقعة؛ فإنك تضمنه إذا أتلفت روحه.
وكذلك لو قال لك إنسان: مد إلي يدك لأقطع كفك، لا سبيل لك إلا ذلك، فابتدرته لما علمت أنه فاعل ما يهدد به فقطعت يده التي يهدد بها؛ فإن لم يمكنك قطع يده إلا أن تقطع رقبته فلا حرج عليك حينئذ ولا تضمن.
أما إذا صال عليك صائل، وبغى عليك ظالم ثم بمجرد التهديد أو التخويف أو علمه أنك في البيت، بأن سمع صوتك، أو أنك تنحنحت، أو تكلمت، فعلم أن في البيت رجل يكف عن هذه الصيالة فحينئذ اندفع وهرب فلا يجوز لك أن تعدو خلفه فتقتله؛ فإن قتلته فأنت ضامن، لأنه اندفع بأقل من ذلك، واندفع بالفعل، فلم تعديت أنت حد الصيالة حينئذ؟! وهكذا يقول الإمام النووي: (باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه) ولو أن ظالماً ظلمك في نفسك أو في أحد أعضائك إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه.
стр. 1294
شرح حديث: (أيعض أحدكم كما يعض الفحل لا دية له)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة عن قتادة عن زرارة وهو ابن أوفى عن عمران بن حصين قال: قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً].
منية هي أم يعلى، وأمية هو أبو يعلى، فيصح أن يقال فلان بن فلانة، أو فلان بن فلان، أما في الآخرة فإنه لا يدعى إلا فلان بن فلان باسم أبيه.
وما ورد عند الطبراني وغيره: (أن المرء في يوم القيامة ينادى باسم أمه) فهذا غير صحيح، بل هو حديث باطل.
قال: [(قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً فعض أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته)].
أي: فانكسرت أسنان العاض.
وقال ابن المثنى: ثنيتيه.
[فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟! لا دية له)].
مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥].
وهذا الذي نزع يده من فم العاض إنما أسقط ثنيتيه، ومع هذا لم يحكم النبي ﵊ بالقصاص، ولا بالدية، لأن الذي عض ابتدأ الظلم، وهو في حكم الصائل.
أي: الظالم المعتدي بغير حق.
стр. 1295
شرح حديث: (أن رجلاً عض ذراع رجل فجذبه فسقطت ثنيتيه فرفع إلى النبي فأبطله) وذكر رواياته وطرقه
قال: [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء عن ابن يعلى عن يعلى عن النبي ﷺ بمثله.
وحدثنا أبو غسان المسمعي -واسمه عبد الواحد - حدثنا معاذ -وهو ابن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - قال: حدثني أبي عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين: (أن رجلاً عض ذراع رجل فجذبه -أي: فجذب ذراعه من فمه- فسقطت ثنيته فرفع إلى النبي ﷺ فأبطله)] يعني: جعله هدراً لا قصاص ولا دية.
[(وقال: أردت أن تأكل لحمه؟!)].
أي: أردت أيها العاض أن تأكل لحم أخيك؟ كأنه يوبخه ويقول له: أتريد أن أقضي لك وأنت قد أردت ابتداءً أن تأكل لحم أخيك فماذا أقضي لك؟ وكيف تأمرني أن أقضي لك؟ فأبطل حقه عند صاحبه.
قال: [وحدثنا أبو غسان المسمعي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن بديل -وهو ابن ورقاء - عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى (أن أجيراً لـ يعلى بن منية عض رجل ذراعه فجذبها، فسقطت ثنيته فرفع إلى النبي ﷺ فأبطلها وقال: أردت أن تقضمها كما يقضم الفحل)] وهو البعير.
[حدثنا أحمد بن عثمان النوفلي حدثنا قريش بن أنس عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين: (أن رجلاً عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته أو ثناياه فاستعدى رسول الله ﷺ ].
يعني: طلب منه أن يكون بجواره، وهذا من سوء الأدب أن يذهب أحد الخصوم إلى حاكم أو قاض في غير مجلس القضاء والخصومة، وأن يحكي له الحكاية حتى يستعديه على الطرف الآخر بغير أن يسمع القاضي من الطرف الآخر، فهذا من سوء الأدب في القضاء ابتداءً، بل هذا لا يصح في الأذهان أن يذهب أحد الخصوم لمن يظن أنه يقضي له، أو يستميل قلبه ليتألب على الطرف الآخر ويكون رأياً قبل سماع الطرف الآخر.
فاستعدى رسول الله ﷺ أي: فطلب منه أن يعادي الآخر، فقال النبي ﵊: (ما تأمرني؟) كلام للتوبيخ والتقريع.
[(ما تأمرني؟! تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل)].
أي: أنت ماذا تتصور؟ وأنت ماذا تريد مني؟ أتريد مني أن أقضي لك أن يبقي خصمك يده في فمك تأكل لحمه وعظمه؟ [(قال: ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها)] إذا كنت متصور أنني سأقضي لك فإنما أقضي لك بنحو أن يقع عليك منه كما وقع عليه منك، فاذهب فضع يدك في فمه ومكنه أن يقضمها كما قضمت يده فحينئذ لا قصاص ولا دية، أما أن تتصور أنني أحكم لك مع أنك الباغي، والصائل، والمتعدي، والظالم فهذا لا يصح لا شرعاً ولا عقلاً.
قال: [(ما تأمرني؟ تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك - أي: في فمك - تقضمها - أي: تعضها - كما يقضم الفحل ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها)] أي: ثم انتزعها أنت من فمه حتى تسقط أسنانه فحينئذ يكون السن بالسن، والعضة بالعضة، إذا كنت تريد عدلاً فهو هذا، وهذا الكلام بلا شك خرج مخرج التقريع وليس المراد بتمكينه يده ليعضها وإنما معناه الإنكار عليه.
أي: أنك لا تدع يدك في فيه يعضها فكيف تنكر أن ينتزع يده من فيك وتطالبه بما جنا في جذبه بذلك.
قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار - حدثنا عطاء وهو ابن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه قال: (أتى النبي ﷺ رجل وقد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيتاه قال: فأبطلها النبي ﷺ وقال: أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل).
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة أخبرنا ابن جريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي - قال: أخبرني عطاء -وهو ابن أبي رباح - أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك، قال: وكان يعلى يقول: تلك الغزوة أوثق عملي عندي -يعني: أرجى عمل لي عند الله فقال عطاء: قال صفوان: قال يعلى: كان لي أجير فقاتل إنساناً فعض أحدهما يد الآخر، قال: لقد أخبرني صفوان أيهما عض الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض
стр. 1296
باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها
الباب الخامس: (باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها) أي: فيما دق وجل من بدن الإنسان، كل عضو من أعضاء الإنسان ما دام عضواً منفصلاً له اسم ووقع عليه اعتداء أو صيالة، أو بغي فيثبت فيه القصاص.
стр. 1297
شرح حديث: (القصاص القصاص)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم -وهو المعروف بـ الصفار - قال: حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس: (أن أخت الرُبيع وهي أم حارثة جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : القصاص القصاص)] يعني: أدوا القصاص، ومكنوا من جرحتموه أن يجرحكم كما جرحتموه؛ لأن هذا هو الحكم في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
(فقالت أم الرُبيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة، والله لا يقتص منها.
فقال النبي ﵊: سبحان الله! - كلمة تعجب أو إنكار - يا أم الرُبيع القصاص كتاب الله - يعني: هذا حكم الله تعالى فيما وقع من فلانة أنه يقتص منها - قالت: لا والله لا يقتص منها أبداً.
قال: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)] يعني: أبر الله تعالى قسمه، وهذه المرأة ليست معترضة على الله ، وليست رادة لحكم الله ولا لكتاب الله .
стр. 1298
كلام النووي في حديث الباب
стр. 1299
مخالفة مسلم للبخاري في رواية حديث الباب
ولذلك يقول الإمام النووي: الإمام البخاري خالف مسلماً في هذه الرواية فرواها عن أنس أن عمته الرُبيع كسرت ثنية حارثة وطلبوا إليها العفو فأتوا رسول الله ﷺ فأبوا إلا القصاص.
(فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الرُبيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها.
فقال رسول الله ﷺ : كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا.
فقال رسول الله ﷺ حينئذ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).
وهذا لفظ البخاري، فحصل الاختلاف بين رواية البخاري ورواية مسلم في موطنين: الأول: أن في رواية مسلم أن الجارحة أخت الرُبيع، وفي رواية البخاري أنها الرُبيع نفسها.
والاختلاف الثاني: أن في رواية مسلم أن القائل: لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع.
وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر.
ولذلك قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها البخاري من طرق صحيحة كما ذكرنا هنا، وكذا رواه أصحاب كتب السنن.
والإمام النووي يقول كذلك في هذا الباب: إنهما قضيتان لا قضية واحدة: أما الرُبيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء يعني الرُبَيع.
وأما في رواية مسلم فيها الربيع لا الرُبَيع.
стр. 1300
معنى قوله: (القصاص القصاص)
قال: (أما قوله: (القصاص القصاص) بالفتح.
يعني: أدوا القصاص وسلموه إلى مستحقيه.
وأما قوله ﵊: (كتاب الله القصاص) في الرواية الثانية.
أي: حكم الله وحكم كتاب الله وجوب القصاص في السن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥]).
следующие страницы →