Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها
الباب الخامس: (باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها) أي: فيما دق وجل من بدن الإنسان، كل عضو من أعضاء الإنسان ما دام عضواً منفصلاً له اسم ووقع عليه اعتداء أو صيالة، أو بغي فيثبت فيه القصاص.
стр. 1297
شرح حديث: (القصاص القصاص)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان بن مسلم -وهو المعروف بـ الصفار - قال: حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس: (أن أخت الرُبيع وهي أم حارثة جرحت إنساناً فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : القصاص القصاص)] يعني: أدوا القصاص، ومكنوا من جرحتموه أن يجرحكم كما جرحتموه؛ لأن هذا هو الحكم في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
(فقالت أم الرُبيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة، والله لا يقتص منها.
فقال النبي ﵊: سبحان الله! - كلمة تعجب أو إنكار - يا أم الرُبيع القصاص كتاب الله - يعني: هذا حكم الله تعالى فيما وقع من فلانة أنه يقتص منها - قالت: لا والله لا يقتص منها أبداً.
قال: فما زالت حتى قبلوا الدية، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)] يعني: أبر الله تعالى قسمه، وهذه المرأة ليست معترضة على الله ، وليست رادة لحكم الله ولا لكتاب الله .
стр. 1298
كلام النووي في حديث الباب
стр. 1299
مخالفة مسلم للبخاري في رواية حديث الباب
ولذلك يقول الإمام النووي: الإمام البخاري خالف مسلماً في هذه الرواية فرواها عن أنس أن عمته الرُبيع كسرت ثنية حارثة وطلبوا إليها العفو فأتوا رسول الله ﷺ فأبوا إلا القصاص.
(فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الرُبيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها.
فقال رسول الله ﷺ : كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا.
فقال رسول الله ﷺ حينئذ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).
وهذا لفظ البخاري، فحصل الاختلاف بين رواية البخاري ورواية مسلم في موطنين: الأول: أن في رواية مسلم أن الجارحة أخت الرُبيع، وفي رواية البخاري أنها الرُبيع نفسها.
والاختلاف الثاني: أن في رواية مسلم أن القائل: لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع.
وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر.
ولذلك قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها البخاري من طرق صحيحة كما ذكرنا هنا، وكذا رواه أصحاب كتب السنن.
والإمام النووي يقول كذلك في هذا الباب: إنهما قضيتان لا قضية واحدة: أما الرُبيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء يعني الرُبَيع.
وأما في رواية مسلم فيها الربيع لا الرُبَيع.
стр. 1300
معنى قوله: (القصاص القصاص)
قال: (أما قوله: (القصاص القصاص) بالفتح.
يعني: أدوا القصاص وسلموه إلى مستحقيه.
وأما قوله ﵊: (كتاب الله القصاص) في الرواية الثانية.
أي: حكم الله وحكم كتاب الله وجوب القصاص في السن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥]).
стр. 1301
معنى قوله: (والله لا يقتص منها)
قال: (وأما قولها: والله لا يقتص منها.
فليس معناه رد حكم النبي ﷺ ، ولا الرد على الله تعالى، ولا على كتابه بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو، إما بعرض الدية عليه).
وكثير من الناس يقبل الدية ولا يقبل القصاص؛ لأنه لا غنى في القصاص، إنما الغنى في الدية.
تصور لو أن واحداً قتل آخر خطأً، فالمعلوم أن القتل الخطأ إنما تجب فيه الدية، فلو أن الناس أخذوا الدية ومقدار الدية مائة بعير، وقلنا في الدرس الماضي أن قيمتها في هذا الزمان تقريباً أربعمائة ألف أو خمسمائة ألف جنيه، فلو أن أسرة فقيرة أخذت هذا المبلغ لصارت غنية بعد فقر، وعزيزة بعد ذل، فالدية أنفع لهم من القصاص، وماذا ينتفعون بإهراق دم القاتل؟ خاصة لو كان القتل على سبيل الخطأ ليس متعمداً، فبلا شك أن الدية فيها غنىً لأصحاب المقتول أو لأولياء المقتول.
فقال هنا: (بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو وإلى النبي ﷺ في الشفاعة إليهم في العفو).
يعني: نذهب إليه يا رسول الله ونكلمه وتشفع معنا عنده أن يتنازل من القصاص إلى الدية.
(وإنما حلف الحالف ثقة بهم أنهم لا يحنثوه).
حلف الحالف وقال: والله لا يقتص من فلانة.
أي: بعد شفاعتك يا رسول الله فإنهم لا يردوا هذه الشفاعة، فاذهب معنا لتشفع.
والمعلوم أن الحدود لا شفاعة فيها، فكيف أقسم هؤلاء على النبي ﵊ أن يشفع لدى أصحاب هذا الذي كسرت ثنيته؟ وما هو وجه الجمع؟ في الحقيقة أنتم تعلمون أن الحد في مثل هذا إما القصاص وإما الدية، فالدية هي الحد، وهؤلاء لم يطالبوا بشفاعة النبي ﵊ لإلغاء الحد، وإنما لانتقال القصاص إلى البدل، والبدل حد، فلم يطالبوا بشفاعة النبي ﵊ لإلغاء الحد كما في قصة أسامة بن زيد ﵄، وإنما طالبوا الانتقال من درجة إلى أخرى في ذات الحد، والمعلوم أن الحدود لا شفاعة فيها.
أي: لا شفاعة تبطلها، بخلاف التعزير فإن الشفاعة فيه قائمة.
قال: (وإنما حلف ثقة بهم ألا يحنثوه، أو ثقة بفضل الله ولطفه ألا يحنثه بل يلهمهم العفو، ولذلك قال النبي ﵊ لما قبلوا الدية وتنازلوا عن القصاص قال: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) يعني: من عباد الله عباداً لو أقسموا على الله تعالى لأبر الله تعالى قسمهم، لما لهم من منزلة بحسن تقواهم وعبادتهم لله، وقربهم منه أنهم لو أقسموا على الله تعالى لأبر الله تعالى وألان قلوب الآخرين لقبول شفاعتهم أو قبول معذرتهم.
والنبي ﵊ يبين ويبرر هذه القاعدة بحديث آخر، لما رأى رجلاً من أصحاب الوجاهة والسؤدد والسيادة في المجتمع يمر في مجلس المدينة والنبي ﵊ قائم بين أصحابه قال: (ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: يا رسول الله والله إنه لحري إذا تكلم أن يسمع له، وإذا نكح أن ينكح).
وذلك لأنه وجيه وعظيم في قومه، فإذا تكلم لا بد للناس جمعياً أن يسمعوا له، وإذا ذهب إلى بيت أحد لينكح أي: ليخطب ابنتهم أو يتزوج لحري به أن يقبل طلبه وألا يرد.
(ثم مر آخر) وهو من أهل الابتذال والمسكنة والفقر (فقال النبي ﵊: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقالوا يا رسول الله: والله إنه لحري إذا تكلم ألا يسمع، وإذا نكح ألا ينكح.
فقال النبي ﵊: أشهد أن هذا خير من ملء الأرض من ذاك).
أي: أشهد أن هذا الفقير المبتذل خير من ملء الأرض من الرجل الأول الذي قلتم عنه إنه لحري إذا تكلم أن يسمع، وإذا نكح أن ينكح؛ لأن المفاضلة بين الخلق في الدنيا والآخرة إنما هي بتقوى الله ، وكان هذا من عباد الله، بخلاف الأول.
وقد قرر القرآن الكريم هذه القاعدة بقوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] لا أوجهكم، ولا أغناكم، ولا أكثركم مالاً، ولا وجاهة ولا حسباً، ولا نسباً، وإنما الخيرية في الدنيا والآخرة متعلقة بتقوى المرء وحسن عبادته، وأن الله تعالى يكرم العباد كما قال ﵊ والحديث في الصحيحين كذلك: (رب رجل أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
أي: رب رجل أشعث أغبر لو أنه ذهب إلى قوم لدفعوه عن بابهم، وعن بيتهم، لا يريدونه؛ لأنه معرة بالنسبة لهم.
أيقال: فلان المبتذل الفقير دخل عند فلان؟ هذا العبد عنده بين جنباته من الإيمان والتقوى ما يزن الجبال، ولذلك فضله الله تعالى على كثير، وجعل له كرامة وعلامة تدل على تقواه وهي: (أنه لو أقسم على الله لأبره).
وهذا أمر لا يحتاج إلى تجربة وإن كان مجرباً: يوم ما كنا في الأردن كان معنا شخص اسمه شريف السبع من دمياط وكان رجلاً حقيقة أشعث أغبر لكنه كان من أهل التقوى، يعرفها في وجهه من نظر إليه، وأقسم بالله أني كنت ألجأ إلى هذا وأطلب منه أن يدعو ب
стр. 1302
حكم الحلف على الشيء المظنون
قال: (وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز الحلف فيما يظنه الإنسان).
أي: يجوز أن يحلف المرء على شيء مظنون، وهذا أمر مستقر لا خلاف عليه؛ لأن المرء إذا غلب على ظنه وليس هذا الظن من باب الخبط والتخمين، وإنما هو الظن الذي تنبني عليه الأحكام الشرعية.
стр. 1303
حكم الثناء على كل من لا يخاف عليه الفتنة
قال: (ومنها: جواز الثناء على كل من لا يخاف عليه الفتنة بذلك).
والنبي ﵊ أثنى على كثير من أصحابه في حضورهم وفي غيبتهم، كما أنه ﵊ نهى عن المدح، ونهى عن الإطراء، أما في حق نفسه ﵊ فقد قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله).
وهذا محمول منه على الورع الذي يناسب منزلة النبوة.
أما النهي كما قال ﵊: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب).
أي: إذا رأيتم المداحين الذين يمدحون من يخاف عليه الفتنة، أما إذا رأيت رجلاً لا يتأثر بهذا المدح بل المدح والذم عنده سواء، فلا بأس بذكر ما فيه من شمائل، ومكارم الأخلاق، وهذا بيت القصيد فيه: أنك لا تخاف عليه الفتنة.
стр. 1304
استحباب العفو عن القصاص والشفاعة في ذلك
قال: (ومنها: استحباب العفو عن القصاص) قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] أي: من القصاص إلى الدية ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٨] يعني: أداء في الدية إليه ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨].
ومنها: استحباب الشفاعة في العفو مع بقاء وثبوت الحد.
стр. 1305
بيان أن الخيرة في القصاص والدية لمستحقه لا المستحق عليه
قال: (ومنها: أن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه)، وهذا باب من أبواب القضاء، يفهمه كثير من الناس على غير وجه شرعي، إذا كانت هناك خصومة بين اثنين شخص عليه مثلاً مائة جنيه للآخر، والآخر يطالب بالمائة جنيه؛ فيذهبا إلى المحكمة، والمحكمة تقضي له بثمانين جنيهاً.
стр. 1306
إثبات القصاص بين الرجل والمرأة
قال: (ومنها: إثبات القصاص بين الرجل والمرأة).
يعني لو أن امرأة كسرت ثنية رجل تكسر ثنيتها قصاصاً، ولو أن رجلاً كسر ثنية امرأة تكسر ثنيته بها، وإن كانت هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم وفيها ثلاثة مذاهب: الأول: أنه لا قصاص بينهما في نفس ولا طرف، وهذا مذهب الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح المكي؛ لأنه لا يقتل رجل بامرأة، ولا امرأة برجل، وكذلك لو أن امرأة قطعت ذراع رجل لا يقطع به ذراعها، والعكس بالعكس، ومذهب عطاء والحسن مذهب فاسد.
ثم قالا: بل تتعين دية الجناية تعلقاً بقوله: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨].
والمذهب الثاني: وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهو ثبوت القصاص بينهما في النفس وفيما دونها، أي: مما يمكن القصاص فيه، وهذا هو المذهب الحق، أن المرأة لو قتلت رجلاً قتلت به، أو قطعت منه عضواً قطع عضوها به، والعكس بالعكس.
واحتج الجمهور بقول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] هذا وإن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين فإنما الخلاف إذا لم يرد شرعنا بتقريره وموافقته، وقد ورد في شرعنا هذا.
أما المذهب الثالث: فهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس، ولا يجب فيما دون النفس، وهي الأطراف: كالذراع والعين، والسن، والقدم، وغير ذلك.
стр. 1307
وجوب القصاص أو الدية في السن
قال: (ومنها: وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه).
يعني: لا خلاف بين أهل العلم في أن واحداً لو كسر سنة آخر أن يكسر سنه بسنه الذي كسر.
يعني: لو أنك ضربت شخصاً بلكمة في أسنانه فسقطت فلا بد من تمكينه من أنه يلكمك بأسنانك حتى يسقط منها ما سقط منه، وهذا بالإجماع بين أهل العلم، لكن إن عفا صاحب القصاص عن القصاص وقبل الدية تقوم السن بالدية وتدفع له.
قال: (ومنها وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه، فإن كسر بعضها ففيه وفي كسر سائر الأعضاء خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون على أنه لا قصاص فيه إنما تجب فيه الدية).
والدية في السن عشرة من الإبل، وهذا من باب حفاظ الإسلام على كرامة الإنسان.
стр. 1308
ما يباح به دم المسلم
الباب السادس: (ما يباح به دم المسلم).
стр. 1309
شرح حديث ابن مسعود: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث وأبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - ووكيع بن الجراح - العتكي الكوفي - عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن عبد الله بن مرة عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)].
وهذا يبين أن المرء لا يثبت له الإسلام إلا بالشهادتين.
قال: [(إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزان)] والأرجح (الثيب الزاني) بإضافة الياء، وإن كان هذا له وجه صحيح فصيح كما في قول الله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩] ولم يقل المتعالي.
فقال: (الثيب الزاني) لأن الثيب إذا زنا فحكمه الرجم حتى الموت، وهذا إجماع أهل العلم أن الثيب إذا زنا رجم حتى الموت، ولا تصح الشفاعة هنا بأنه يدفع الدية، لأن الزنا ليس فيه دية، أما في القتل والجرح فإنه يجوز أن ننزل من القصاص إلى الدية؛ لأننا لا زلنا في حد الشرع وحكم الشرع، أما في الزنا فإن الشرع لم يشرع أكثر ولا أقل من الرجم للثيب، والثيب هو كل من نكح، والنكاح بمعنى البناء، سواء طلق أو لم يطلق، فلو أن شخصاً تزوج امرأة وبنا بها ثم طلقها يقال عنه ثيب، ويعتبر ثيباً حتى وإن وقع منه الزنا في وقت لم تكن تحته زوجة، المهم أنه باشر النساء بنكاح صحيح، ولذلك هذه المباشرة هي الموجبة للرجم، أما عدم المباشرة فهي الموجبة للجلد أو التغريب على اختلاف بين أهل العلم.
ولذلك إذا عقد إنسان عقد نكاح ولم يبن ثم زنا.
أي بغير المعقود عليها؛ لأن المعقود عليها لا يسمى زنا بل هي زوجته وإن كان لا ينبغي له إتيان هذه المرأة، فهذا أمر مخل بالمروءة والأدب، ومناقض ومناهز لأعراف المجتمعات الإسلامية.
فإذا زنا العاقد بغير المعقود عليها فإنه يجب عليه الجلد، لأنه لم يبن بهذه المرأة المعقود عليه.
قال: [(والنفس بالنفس)].
يعني: من قتل يقتل، النفس بالنفس، ويستثنى منها: نفس الكافر، والمرتد، والمحارب؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا يقتل مسلم بكافر).
وهذا المذهب الذي رجحناه من أقوال أهل العلم في الدرس الماضي.
قال: [(والتارك لدينه المفارق للجماعة)].
التارك لدينه.
أي: المرتد.
أما المفارق للجماعة فهذا يمكن أن يكون المقصود به هم البغاة.
وقوله: (المفارق للجماعة) ليست للتوكيد، فالتارك لدينه تعني المرتد، وأما المفارق للجماعة فإن مذهب الجماهير أن المفارق هو من فارق جماعة المسلمين، واتخذ طريقاً ليقطع الطريق، والخلاف قائم بين العلماء في (التارك لدينه المفارق للجماعة) هل هما بمعنى واحد ينطبق على عدة أعيان؟ أو أنهما عين واحد؟ ولو اطلعت على كلام الإمام النووي لوجدت الخلاف، لكن الخلاف عند البخاري في هذه المسألة واسع جداً.
والتارك لدينه في حقيقة الأمر هو مفارق للجماعة، فلا يمكن أن يكون واحداً من المسلمين قولاً واحداً.
لكن قيل: المفارق للجماعة هم البغاة.
وقيل هو: الصائل إذا بغى.
يعني: هو الصائل أي الظالم إذا اتخذ طريقاً مهجوراً وقطع الطريق.
وقيل: بل هو قاطع الطريق خاصة.
وقيل: هو الباغي الذي تميز؛ بخلاف الباغي في المصر والحي لكنه لم يخرج عن عموم جماعة المسلمين، فالبغاة المميزون كالخوارج مثلاً، فإنهم تميزوا وتحيزوا واتخذوا لهم مصراً وأعلنوا الحرب على الإمام، فحينئذ وجب على الإمام أن يقاتلهم لا لأنهم كفار وإنما لأنهم فارقوا الإمام وبغوا عليه.
стр. 1310
شرح روايات وطرق حديث الباب
قال: [حدثنا ابن نمير حدثنا أبي عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا ابن أبي عمر محمد بن يحيى حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم قال: أخبرنا عيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد مثله.
حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن مثنى واللفظ لـ أحمد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: (والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ثلاثة نفر: التارك الإسلام - يعني: المرتد - المفارق للجماعة، والثيب الزاني، والنفس بالنفس) قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم -يعني النخعي - فحدثني عن الأسود -يعني ابن يزيد النخعي - عن عائشة بمثله].
فهذا الحديث ثابت من طريق عبد الله بن مسعود ومن طريق عائشة.
قال: [وحدثني حجاج بن الشاعر والقاسم بن زكريا قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان -وهو ابن عبد الرحمن النحوي - عن الأعمش بالإسنادين جميعاً نحو حديث سفيان ولم يذكرا في الحديث قوله: (والذي لا إله غيره)].
стр. 1311
كلام النووي في شرح حديث الباب: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)
стр. 1312
إثبات قتل الزاني المحصن
قال الإمام النووي: (في هذا الحديث إثبات قتل الزاني المحصن.
والمراد: رجمه بالحجارة حتى يموت، وهذا بإجماع المسلمين).
لأنه لم ترد آية في كتاب الله تدل على الرجم، وإنما الرجم منسوخ تلاوة وكتابة.
стр. 1313
ثبوت القصاص بشرطه
قال: (وأما قوله: (والنفس بالنفس) فالمراد به: القصاص بشرطه).
يعني: القصاص إذا توفرت شروطه.
(وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة في قولهم: يقتل المسلم بالذمي).
لأن الآية عامة، (النفس بالنفس)، والكافر نفس، فلو أن مسلماً قتل كافراً قتل المسلم بهذا الكافر، لأن المسلم نفس والكافر نفس، والله تعالى يقول: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] فأخذوا الآية على عمومها.
(أما جمهور العلماء فعلى خلاف ذلك).
وقالوا: هذه الآية مخصصة بقوله ﵊: (لا يقتل المسلم بكافر).
стр. 1314
حكم التارك لدينه المفارق للجماعة
قال: (وقوله: (والتارك لدينه المفارق للجماعة) فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، سواء كانت ردته اعتقاداً، أو قولاً، أو عملاً، أما إذا ارتد في اعتقاده مع بقائه على أحكام الإسلام الظاهرة فهذا عند الله كافر أما عند العباد فمسلم، وهذا شأن المنافقين، أما إذا ارتد قولاً أو ارتد فعلاً فلا شك أنه يجب على أولياء الأمور الحكم بردته وقتله، كما قال ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه) فسواء كان تبديل هذا الدين أي الردة بالقول، أو العمل، أو الاعتقاد، أما الاعتقاد فإنه لا سبيل للعباد عليه، لأنه أمر قلبي لا اطلاع لأحد عليه، أما إذا أظهر ردته بالقول أو العمل فوجب على أولياء الأمور أن يأخذوه به، ويجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام.
(قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، وغيرها، وكذا الخوارج).
لأن الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بغاة، والباغي ليس كافراً، ولذلك لما سئل علي بن أبي طالب: أهؤلاء كفاراً أم ماذا؟ مع أنهم تميزوا وقاتلوا علياً وهو الإمام، فقال: من الكفر فروا.
يعني: ليسوا كفاراً، مع أن عملهم يعتبر خروجاً عن الإمام الحق، ومع هذا لم يكفرهم الإمام.
كذلك ما وقع من الذين خرجوا على عثمان بن عفان حتى قتلوه، وهذا في دفع الصائل كذلك، يعني هذه الأحكام فيما يتعلق بـ علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وغيرهما ممن وقع عليهم الظلم والبغي والصيالة، كانوا يدعون إلى عدم المقاتلة حتى لا يظن الظان أن المقاتلة إنما كانت بسبب الردة والكفر؛ لأن الباغي ليس كافراً.
ثم سئل علي ﵁ عن الخوارج: إذاً فمن هم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم.
والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات:٩] ماذا حدث بينهم؟ ﴿اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، فسمى الله تعالى الطائفتين مؤمنتين، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، ولم يقل: من قاتله، أو من القاتل الكافر، وإنما قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨].
فأثبت له أخوة الإيمان، وهذا يدل على أن مرتكب الكبيرة ليس كافراً بكبيرته، وإن كانت من أعظم الكبائر.
أما ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس لقاتل المؤمن عمداً توبة.
فقد ثبت رجوعه عن ذلك، وإن لم يثبت فلا عبرة بخلافه لمجموع الصحابة ﵃؛ لأن هذه المسألة -أي: الحكم على القاتل بالكفر- مسألة يردها الكتاب والسنة، كما تردها السنة العملية للصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا أن القاتل ليس كافراً وإنما ارتكب جرماً عظيماً جداً، وهو على خطر بين يدي الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإن تاب منها تاب الله عليه، والله أعلم.
أما قوله ﵊: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)؛ فالسب فسق، لكنه لا يخرج به من الملة، كما أن قتال المؤمن أو قتال المسلم كذلك كفر وهو عند الإطلاق كفر عملي، ما لم يستحله مع قيام الحجة عليه، فإذا استحله مع قيام الحجة عليه وأن هذا مما حرمه الله، فأقدم على القتل وهو يعلن أن هذا دمه حلال بغير بينة ولا حجة فلا شك أنه يكفر بذلك ويخرج من الملة، لا لعين القتل، وإنما لكونه أحل ما حرمه الله.
قال: (قوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة) هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام.
قال العلماء: ويتناول أيضاً كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، وغيرهما، وكذا الخوارج.
واعلم أن هذا عام يخص منه الصائل، الذي هو المفارق للجماعة، فيباح قتله في الدفع).
كما قلنا في الباب قبل الماضي أن الصائل إذا لم يندفع إلا بالقتل قتلناه، لا لكونه مرتداً وإنما لكونه لا يدفع إلا بهذه الوسيلة، فيباح قتله في الدفع.
قال: (وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة) ليس لأنه مفارق للإسلام، وإنما هو مفارق للجماعة.
(أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هذه الثلاث).
يعني: لا يحل قتل المؤمن عمداً إلا في هذه المسائل الثلاث، والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1315
الأسئلة
стр. 1316
بيان الكفر الاعتقادي والعملي
السؤال
ما هو الكفر الاعتقادي والعملي؟
الجواب
الكفر الاعتقادي موطنه القلب.
أما الكفر العملي إما أن يكون باللسان أو بعمل الجوارح، حتى وإن أعلن خلاف ما يعتقد.
يعني: لو أن واحداً سب دين الله ، أو سب الرسول ﷺ .
وتحققت فيه الشروط من العقل، والقدرة، وغير ذلك، وانتفت عنه الموانع.
أي: موانع الإكراه، والجهل وغير ذلك، مع أن هذه المسائل لا يعذر فيها الإنسان بجهله فسب الله وسب الدين وغير ذلك ليس فيها إعذار، فهذا الإنسان يكفر ويخرج عن الملة؛ لأنه ارتد ردة قولية، وهو كفر اعتقادي، وهو في الوقت نفسه كفر عملي، لأنه باشره باللسان.
أما إذا جاء رجل بكتاب الله ووطأه بقدمه، وهو بالغ، عاقل، راشد، ليس مجنوناً، ولا سفيهاً، ولا مكرهاً، وهو يقول: أشهد أن هذا هو كلام الله المنزل من فوق سبع سماوات على محمد ﵊ بواسطة جبريل ﵇، وأنا أومن بذلك إيماناً جازماً، ومع هذا هو مستمر في وطئ المصحف وتقطيعه، وتمزيقه، وإلقائه في المزابل، فإنه يكفر.
فهذا كفر عملي وإن كان يصرح بخلاف ذلك، وهذا الكفر العملي يخرجه عن الملة.
стр. 1317
حكم من أقسم بغير الله أو بالخروج من دين الإسلام وكفارة ذلك
السؤال
ما هي كفارة من أقسم بغير الله، أو بالخروج من الإسلام على ترك معصية وعاد لها؟
الجواب
بلا شك أن هذا لا يكفر، وإن كان كذلك فقد دخل في خطر عظيم جداً، لأنه أقسم بغير الله ، والنبي ﵊ يقول: (من أقسم بغير الله فليقل: لا إله إلا الله) فدل على أن هذا كفارة ذلك.
وقال ﵊: (من أقسم بغير الله فقد كفر أو أشرك) وهذا الكلام قد استوعبناه بحثاً في كتاب الأيمان، فلا داعي للإطالة فيه.
أو قال الإنسان: أكون بريئاً من دين الإسلام لو أني فعلت كذا، أو لو ثبت علي كذا.
فلا شك أنه لا يقصد الخروج من الملة وإنما قصد نفي التهمة عنه، أو قصد أن يحمل فلاناً على فعل كذا أو ترك كذا فإن بر قسمه فلا شك أنه على خطير عظيم جداً ولا يعود لذلك.
وإن حنث فلا شك أنه يلزمه كفارة اليمين مع بقاء الخطر الأول.
والله تعالى أعلم.
стр. 1318
كيفية حثي التراب في وجوه المداحين
السؤال
حديث: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) كيف يحثى التراب في وجوه المداحين؟
الجواب
كان عبد الله بن عمر يفعل ذلك حقيقة، إذا مدحه إنسان تناول كفاً من حصى وألقاه في وجه المادح، وإن كان مذهب جماهير الصحابة وغيرهم من علماء الأمة بحثو الوجه بالتراب هو الزجر الشديد للمادحين، وإثبات أن هذا الأمر لا ينبغي للمسلم أن يقدم عليه، فالحديث محمول على الزجر الشديد، ولكن بعض أهل العلم كالظاهرية ذهبوا إلى وجوب إلقاء التراب في وجوه المداحين.
стр. 1319
حكم ما يفعله بعض الناس من خوارق العادات، وتوبة الساحر
السؤال
هل للساحر توبة، مع العلم أن هذه الظاهرة انتشرت في بعض الشباب حيث يأتون ببعض الأعمال الخارقة للعادة؟
الجواب
بلا شك أن الشباب الذين يفعلون ذلك أو يأتون بشيء خارج عن عادة الخلق وهي المعروفة بالخوارق، ينظر إلى عمل هذا الذي جرت على يديه الخارقة؛ فإن كان من أهل الإيمان والتقوى فالمعلوم أن هذه كرامة من الله ، وأما إذا كان غير ذلك فهو استدراج من الشيطان، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا رأيتم عمل العامل خارق للعادة فلا تحكموا عليه حتى تنظروا إلى عمله، وهذا الفارق بين عباد الرحمن وأولياء الشيطان، وقد ذكر الفروق بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) فيرجع إليه.
أما الأمر الثاني: هل للساحر توبة؟ ف
الجواب
نعم، السحر وإن كان ضرباً من ضروب الكفر والردة، إلا أن الساحر لو تاب لتاب الله عليه، ولا يزال باب التوبة مفتوحاً حتى تطلع الشمس من مغربها.
стр. 1320
الحكم على حديث أن النبي ﵊ كان له جار يهودي يضع القاذورات على بابه
السؤال
ما حكم الحديث الذي يحكي أن يهودياً كان جاراً للنبي ﵊ يضع على بابه قاذورات وفي يوم من الأيام لم يجد النبي ﵊ هذه القاذورات فسأل عن هذا اليهودي؟ فقالوا: إنه مريض، فذهب إليه ليعوده؟
الجواب
على أية حال هذا ليس حديثاً من الأصل، وإنما هي حكاية تروى عن أبي حنيفة، أنه كان له جار يهودي إلى آخر القصة، أما أنه حديث مرفوع فليس عندي به علم، وأغلب الظن أنه حديث موضوع.
стр. 1321
الحكم على حديث: (قلب القرآن يس)
السؤال
ما صحة حديث: (إن لكل شيء قلب وقلب القرآن (يس) لا يقرأها رجل يريد الله ورسوله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرؤها على موتاكم)؟
الجواب
على أية حال هذه الأحاديث وغيرها مما جاء في فضل سورة (يس) لا يصح منها حديث واحد، وليس معنى ذلك أن (يس) ليس لها فضل، فهي كلام الله ، ولكننا نتكلم عن مبدأ ثبوت هذه الروايات، فهذه الروايات غير ثابتة، ويدور أمرها بين الضعف الشديد والوضع، وليس منها حديث ضعيف فحسب بل الأحاديث الواردة في هذا وفي كثير من السور أحاديث كلها موضوعة وضعها رجل يسمى بـ نوح الجامع، وهو المعروف بأنه جمع كل شيء إلا الصدق، أخذ القرآن من أوله إلى آخره مائة وأربع عشرة سورة، ووضع في كل سورة حديثاً، فأنبته نفسه بعد ذلك، فقال: ليس معقولاً أن أضع في سورة البقرة حديثاً واحداً، وسورة الإخلاص حديثاً واحداً، فوضع في البقرة ما يناسبها حجماً، فوضع ثمانية وعشرين حديثاً، وبعد ذلك ثمانية عشر، وبعد ذلك خمسة عشر، من أجل قسمة العدل بين أحجام السور.
стр. 1322
حكم العمل في البنوك الربوية في الأقسام التي لا يكون التعامل فيها بتداول المال
السؤال
هل يجوز العمل في البنوك الربوية في الأماكن التي لا يكون التعامل المباشر فيها بتداول المال؟
الجواب
في الحقيقة -أخي الكريم- وإن جوز بعض أهل العلم العمل في البنوك في الأماكن التي لا تباشر الربا ولا تعانيه، فلا يبقى إلا أن نقول: إن هذا العمل مشبوه.
يعني: إن لم يكن هناك جزم بحرمته فلا أقل من الحكم بأنه عمل فيه شبهة عظيمة، فإذا كنت على البر -يعني لم تعمل- فابحث عن عمل آخر، والله تعالى ييسر لك أمرك، (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).
стр. 1323
حكم تارك الصلاة
السؤال
ما حكم تكفير تارك الصلاة؟
الجواب
أنا ما ترددت في مسألة من مسائل الشرع كترددي في تكفير تارك الصلاة؛ لأن خلاف أهل العلم في هذه القضية خلاف قوي جداً، فأحياناً يترجح لدي تكفيره، وأحياناً يترجح لدي عدم تكفيره، وأنا الآن يترجح لدي التكفير.
стр. 1324
حكم الشيعة
السؤال
هل الشيعة كفار؟
الجواب
لا يصلح توجيه هذا السؤال على هذا النحو ابتداءً؛ لأن قوله ﵊ في حديث الفرق: (كلها في النار إلا واحدة) لا يلزم منه الخلود الأبدي السرمدي، كما أنهم إذا دخلوا النار فلا يلزم أن يكون دخولهم في النار بسبب كفرهم، وإلا فالنبي ﵊ في أول الحديث قال: (وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين)، فهل أحد من أمته كافر؟ فالذي يترجح لدي أن هؤلاء يدخلون النار بسبب بدعتهم، كما أنه لا يمكن النظر إلى هذه الفرق باعتبار أنها مبتدعة بدعة لا تخرجها من الملة، أو أنهم جميعاً خارجون عن الملة؛ لأن هذا وذاك يصطدمان مع حديث النبي ﵊، إنما ينظر لكل أحد مبتدع على حدة، ويفرق بين الداعية إلى البدعة العالم بها وبين عامة الناس ورعاع الناس، فيفرق مثلاً بين عامة الخوارج وبين زعماء وقادة الخوارج، ومنظري الخوارج، كما أنه كذلك لا يمكن أن يستوي قط رجل يمشي في شوارع إيران لا يعرف الخمسة من الطمسة وهو شيعي، وبين الخميني، لا يستويان قط، فهذا عالم وذاك جاهل نشأ في بيئة متشيعة فتشيع بتشيعها، لأنه ليس من أهل العلم، ولا يطلب العلم، إنما هو من رعاع هذه الفرقة، وقد تكلمنا عن الخوارج والشيعة وغيرهما من الفرق فنقيس هذا الكلام عليهما.
стр. 1325
الكلام في نسبة كتاب الروح لابن القيم
السؤال
هل كتاب الروح من تأليف الإمام ابن القيم؟
الجواب
كتاب الروح محل نزاع، والنزاع فيه يدور بين أمرين: الأول: إما أن ابن القيم كتب كتاب الروح قبل أن يتأهل لذلك.
يعني: في مبدأ طلبه، وفي أيام صغره وشبابه.
الثاني: وإما أن هذا الكتاب منسوب له زوراً، ليس كتابه؛ لأنه فعلاً فيه كلام لا يتوافق قط مع علم ابن القيم، ولا مع منهجية ابن القيم في الدعوة، والعلم، والعمل.
стр. 1326
معنى قوله: (ليس بحادث)
السؤال
ما معنى: ليس بحادث؟
الجواب
سميت الحوادث بهذا الاسم لأنها حدثت بعد أن لم يكن لها وجود.
يعني: الحادث هو من لم يكن موجوداً فوجد، أما أن تكون هناك حوادث لا أول لها -يعني أزلية- فهذا لا يمكن أن ينسب إلا إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الأول بلا ابتداء، وليس حدثاً ، وهذا الكلام كلام تمقته النفس والقلب جداً ولكني أردت أن أبين سؤال الأخ الكريم.
стр. 1327
حكم المسح على العمامة
السؤال
ما حكم المسح على العمامة؟
الجواب
المسح على العمامة أمر مشروع، إن كانت العمامة تعم جميع الرأس فيمسح عليها، ولا يلزم فيها ما يلزم المسح على الخف؛ لأن المرء إذا مسح على العمامة جاز له أن يخلعها حتى وإن نقض وضوءه ثم لبسها لا يلزمه أن يخلعها حين الوضوء فيمسح رأسه، بل إذا توضأ وأدرك الوضوء وهو لابس عمامته فلا بأس أن يمسح عليها حتى وإن كان نزعها وقت نقضه لهذا الوضوء خلافاً للخف أو للجورب، وإذا كانت العمامة في بعض الرأس دون البعض فإنما يمسح على الشعر المكشوف -أي: في مقدم رأسه- ويتم المسح على بقية العمامة، والرجل والمرأة في ذلك سواء.
стр. 1328
حكم رفع اليدين في التكبير بعد الانتهاء من التشهد الأوسط وهو قاعد لم يقم
السؤال
ما حكم رفع اليدين في التكبير بعد الانتهاء من التشهد الأوسط والمصلي جالس ولم يقف بعد؟
الجواب
فعل ذلك النبي ﵊ أحياناً، أما غالب أحيانه ﵊ أنه ما كان يرفع يديه إلا بعد الانتقال، يعني ما كان يرفع يديه إلا بعد أن يقف، كما جاء عند الحاكم وابن خزيمة وغيرهما (أن النبي ﵊ كان إذا قام إلى الثالثة كبر ورفع يديه، وكان يرفع يديه وهو جالس أحياناً قبل أن يقوم) فكلمة أحياناً تدل على أن الأصل أنه ما كان يرفع يديه إلا بعد القيام.
стр. 1329
كيفية تحريك السبابة في التشهد
السؤال
كيف يكون الوضع الصحيح لسبابة اليمنى أثناء التشهد؟
الجواب
المسألة هذه فيها نزاع على اعتبار شذوذ زيادة زائدة بن قدامة من عدمها، فمن قال بزيادة زائدة بن قدامة مع أنها في صحيح مسلم وشذوذها يقول: السنة في الأصبع أو السبابة اليمنى الإشارة فقط.
ومن قال بأن هذه الزيادة زيادة ثقة قال بجواز رفع السبابة والخفض، فتكون اليد على الفخذ والإشارة بها على المذهب الأول وهو الذي يترجح لدي، أما بعض الناس فيتكلف هيئات أخرى للإشارة بالسبابة لا دليل عليها.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1330
شرح صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - بيان إثم من سنّ القتل
القتل من الكبائر والجرائم التي حرمتها كل الشرائع، فمن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة والدماء، وقد بين الشرع أن لولي القتيل الخيار بين أن يقتص من القاتل عمداً أو يأخذ الدية أو يعفو، والعفو خير له.
стр. 1331
باب بيان إثم من سن القتل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الباب السابع من كتاب القسامة والمحاربين (باب بيان إثم من سن القتل).
أي: باب إثم من أحدث القتل أولاً.
стр. 1332
شرح حديث: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)
قال المصنف ﵀: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ للأول -أي: لـ أبي بكر - قالا: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن عبد الله بن مرة عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل)] أي: أحدثه.
أول مخلوق أحدث القتل هو قابيل، حينما قتل أخاه هابيل، ظلماً بغير حق.
ومعنى (كفل من دمها).
أي: حظ ونصيب؛ لأنه كان أول من سن القتل وأحدثه واخترعه.
قال: [وحدثناه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهوية - أخبرنا جرير وعيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - وحدثنا ابن أبي عمر - محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان].
وإذا حدث العدني عن سفيان فإنما هو ابن عيينة [كلهم عن الأعمش] يعني: جرير وعيسى بن يونس وسفيان بن عيينة كلهم يروون عن الأعمش [بهذا الإسناد]، عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود.
[وفي حديث جرير وعيسى بن يونس (لأنه سن القتل) وليس فيه (أول).
] أي: ولم يذكرا لفظ (أول) وإنما (لأنه سن القتل).
أي: لأنه أول من سن القتل.
стр. 1333
كلام النووي في حديث الباب
قال النووي: في قوله ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه كان أول من سن القتل).
قال: الكفل هو الجزء والنصيب.
يعني: لا بد أنه يأخذ شيئاً وحظاً ونصيباً من كل أحداث القتل التي تكون إلى قيام الساعة؛ لأنه هو الذي لفت أنظار الخلق إلى هذا الجرم العظيم، والنبي ﵊ يقول: (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها -أي اقتدى به فيها- لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء).
وهذا إلى قيام الساعة.
كما (أنه من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
وكذلك هذا إلى قيام الساعة.
فالذي يسن خيراً له نصيب ممن اقتدى به؛ لأنه سبب ذلك، وهو الذي سن الخير، والذي يسن شراً لا بد أن له نصيباً من هذا الشر.
لأنه أول من أحدث الشر.
وقال ﵊: (الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله وإن لم يفعل).
لأن الدلالة على الشر قامت مقام الفعل، فلو أنك أعطيت سكيناً لرجل وقلت له: اذهب فاقتل فلاناً فأنت قاتل وإن لم تباشر القتل بنفسك؛ لأنك متواطئ على القتل.
ولذلك قيل لـ عمر بن الخطاب ﵁: لم يقتلها فلان وفلان.
قال: ألم يتواطئوا على قتلها؟ قالوا: بلى.
قال: لو تمالأ وتواطأ أهل اليمن على قتلها لقتلتهم بها.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أن العدد الكثير يقتل بالواحد إذا تواطئوا على قتله، فلو تواطأ جماعة على قتل رجل قتلوا به.
والمعلوم أنه قتل بضربة واحد لا بضربة المجموع، ولكنهم لما تواطئوا، واتفقوا واتخذوا لذلك الوسائل لإزهاق الروح كانوا في حقيقة أمرهم قتلة، وإن لم يباشروا جميعاً القتل.
قال النووي: (هذا الحديث من قواعد الإسلام).
أي من جوامع كلمه ﵊.
(وهو أن كل من ابتدع شيئاً من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئاً من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وللحديث الصحيح: (ومن سن سنة حسنة).
(ومن سن سنة سيئة) وللحديث الصحيح (ما من داع يدعو إلى هدى).
(وما من داع يدع إلى ضلالة)] إلا كان له حظ من الهدى، وكان له حظ من الضلالة، والأحاديث كلها في هذا الباب تدور في فلك واحد.
ولا يفهم من حديث (أن من سن سنة حسنة في الإسلام له أجرها) أنه يبتدع أو أنه يجوز له أن يبتدع في دين الله الشيء الحسن؛ لأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فلا يمكن أن يؤذن أو يسمح لأحد من أهل الإسلام أن يأتي بشيء يدخل به على الإسلام وليس منه، ونعده حينئذ من باب الحسنات، أو من باب السنن الحسنة؛ لأننا لا بد أن ننظر إلى مناسبة هذا الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
وهو (أن قوماً من مضر أتوا إلى النبي ﵊ مجتابي النمار) أي: قتلهم الهزال، والضعف، والجوع، والحاجة، (فلما رآهم النبي ﵊ تمعر وجهه).
يعني: تغير وجهه وحزن وغضب لما نزل بهم من فقر وحاجة (فعرف ذلك أحد أصحابه فقام فأتى بما عنده) أي: من طعام أو شراب أو كسوة (فلما رآه أصحابه قد فعل ذلك وسر النبي ﵊ بفعل هذا الصاحب، قام كل واحد منهم إلى بيته فمنهم من أتى بكسرة خبز، ومنهم من أتى بطعام، ومنهم من أتى بشراب، ومنهم من أتى بملبس، فوضعوه في نطع ثم حملوه، والنطع هو الفرش من الجلد، فحملوه حتى كادت أيديهم أن تكل - أي تعجز عن حمل هذا النطع بل قد كلت، فأتوا به إسعاداً لنبي الله ﵊ ومساعدة لهؤلاء الفقراء المحتاجين - فلما رأى النبي ﵊ من أصحابه ذلك أراد أن يكافئ من سن هذه السنة الحسنة أولاً فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة) فلو أننا نظرنا إلى أصل هذا الحديث لوجدنا أن هذا الصاحب الأول قد فعل شيئاً يأذن به الشرع؟ فإنه الذي ذهب إلى بيته فأتى بما عنده مع قلته، فهو ما ابتدع في الإسلام شيئاً، بل إنه قرر مبدأً عظيماً، أو مبادئ عظيمة في الإسلام وهو مبدأ مواساة الفقراء والمحتاجين، وهذا أصل أصيل في الإسلام، وخدمة الفقراء، وإعانة الملهوفين، وإغاثتهم كل هذا إنما فعله هذا الصاحب؛ لأن الإسلام قد سنه أولاً فهو ما زاد على أنه ذكَّر الأصحاب بواجبات شرعية قد أذن وأمر وحث عليها الشرع، فلم يأت بجديد.
ولو نظرت إلى مجموع البدع التي أحدثت في الإسلام لوجدت أنها في مجموعها أمور خيرية لا بأس بها إذا لم تفعل على أنها من الدين، أما لو فعلت على أنها دين فهذا هو الابتداع؛ لأن خطر الابتداع يكمن في اتهام الله ، واتهام الرسول عليه الصلاة والسلام
стр. 1334
باب المجازاة بالدماء في الآخرة
الباب الثامن: (باب المجازاة بالدماء في الآخرة).
المجازاة: المقاصة.
أي: تقتص ممن أسال دمك، وأزهق روحك، فالجزاء بمعنى المقاصة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، والنبي ﵊ يقول: (أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة: صلاته فإن صحت صح ما بعدها، وإن فسدت فسد ما بعدها).
وهنا يبين هذا الحديث أن أول شيء يقضى فيه بين العباد يوم القيامة هو الدماء، فظاهر الأمر التعارض بين الحديثين، ولا يمكن أن يقال: (من أول ما يقضى فيه بين العباد الدماء).
فلا يمكن إدخال (من) التي هي للتبعيض أو للتجزئة، ولا يستقيم المعنى، فإذا كان الحديث الأول يقول: (أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء).
والحديث الثاني يقول: (أول شيء يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة).
فهنا يكون التعارض.
وأهل العلم يقولون: عند تعارض ظواهر النصوص لا بد من بحث مسألة أولية وهي: إثبات صحة هذه الأدلة، فإن تبين لنا أن أحد الأدلة ضعيف والآخر صحيح لم يبق حينئذ إشكال؛ لأن الضعيف يكفي في رده أنه ضعيف، ويسلم لنا دليل واحد فلا يكون حينئذ في القضية أي تعارض، لكن المشكل إذا صح الدليلان وظاهرهما التعارض فلا بد من إضافة مسألة اعتقاديه في هذا المقام وهي: أن هذان الدليلان إذا صحا فلا بد من القول بأنهما قد خرجا من مشكاة واحدة، إما أن يكون الذي قال هذا هو الله ، أو أنه رسوله ﵊، وقول الرسول وحي بلا خلاف عند أهل السنة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فإن كنا نؤمن أن كل الوحي المتلو وغير المتلو هو من عند الله ، وأن الذي يأتي من قبل الله لا يمكن أن يكون فيه تعارض فلا بد أن نرجع على أنفسنا فوراً بالاتهام بقصور الفهم.
نقول: هذان الدليلان وإن كان ظاهرهما التعارض إلا أن هذا التعارض فيما يبدو للناظر ليس في أصل الخبرين؛ لأنك لو قلت: إن التعارض في النص لا بد أنك ستتهم الله تعالى، أو تتهم الرسول ﵊، وأنتم تعلمون أن هذا كفر لا نزاع فيه، فإذا ثبت صحة الدليلين فإما أن نقول بأن أحدهما سابق والآخر لاحق، وهذه المسألة يتطرق إليها ما يسمى عند العلماء بالنسخ.
أي: أن أحد الدليلين ناسخ للآخر، لكننا لا نذهب إلى النسخ إلا إذا استحال الجمع؛ لأن الأصل أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، فأن أعمل بالنصين خير من أن أرد نصاً بغير بينة ولا حجة، وأعمل بالنص الآخر، فإعمال الدليلين وذلك بمحاولة التأليف بين النصين للعمل بهما معاً أفضل، فمثلاً: حديث طلق بن علي ﵁: (لما سأل النبي ﵊ يا رسول الله! أنتوضأ من مس الذكر؟ قال: لا.
إنما هو بضعة منك).
أي: جزء منك مثل الساق، ومثل القدم، ومثل بقية أعضائك.
وفي حديث بسرة قال: قال النبي ﵊: (من مس ذكره فليتوضأ).
فلا شك أن التعارض ظاهر، والخطوة الأولى التي اتفقنا عليها، وهي أنهما صحيحان.
الخطوة الثانية: لا يمكن مع ثبوت صحة الدليلين أن يكون النبي ﵊ أخطأ في أحدهما، فمن اعتقد ذلك فقد كفر.
الثالثة: إذا أمكننا الجمع بين هذين النصين وإلا صرنا إلى النسخ، ولذلك بعض العلماء ذهب إلى النسخ مباشرة وقال: إذا ثبت عندنا السابق واللاحق صرنا إلى النسخ، ولا حاجة بنا إلى تكلف الجمع.
وعلامة النسخ: هو ظهور الاختلاف في النصين، وأن طلق بن علي أسبق إسلاماً من بسرة، فيكون حديثه هو المنسوخ، وحديث بسرة هو الناسخ، وحديث طلق (إنما هو بضعة منك) جاء في أول الإسلام، وأن من مس ذكره في أول الإسلام لا وضوء عليه، لكن لما استقر الأمر وتفقه الناس قال ﵊: (من مس ذكره فليتوضأ).
هكذا ذهب جماهير العلماء.
والأحناف ومن معهم قالوا: لا نسخ في هذه القضية؛ لأن الجمع ممكن؛ لأن الأصل الأصيل: إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما.
قالوا: لا نسخ في القضية.
والدليل: أن حديث طلق بن علي مع حديث بسرة محمولان على أن من مس ذكره بشهوة.
وهذا مقصود النبي ﵊، فمن فعل ذلك فعليه الوضوء، ومن مس ذكره بغير شهوة فلا وضوء عليه.
نرجع إلى أصل موضوعنا: (أول ما يقضى فيه بين العباد هو الدماء)، هذا فيما يتعلق بالقضاء والفصل في المنازعات بين الخلق؛ لأنها من حقوق العباد، فأول ما يقضى فيه من حقوق العباد هو الدماء، أما الصلاة فإنها من حق الله تعالى ولذلك أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة فيما يتعلق بحق الله هو الصلاة، فلم يبق في هذين الحديثين تعارض.
стр. 1335
شرح حديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)
قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن عبد الله بن نمير جميعاً عن وكيع -هو ابن الجراح - عن الأعمش، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله -إذا روى أبو وائل عن عبد الله فإنما هو عبد الله بن مسعود قولاً واحداً- قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)] والقيد هنا: بين الناس.
أما إذا ورد القضاء مطلقاً فيكون بين العباد وبين الله .
قال: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي (ح) وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث (ح) وحدثني بشر بن خالد -وهو أبو محمد العسكري الفرائضي نزيل البصرة- حدثنا محمد بن جعفر - غندر - (ح) وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -وهما فرسي رهان- قالا: حدثنا ابن أبي عدي كلهم عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمه الكوفي - عن عبد الله عن النبي ﷺ بمثله غير أن بعضهم قال عن شعبة يعني: (أول ما يقضى) وبعضهم قال: (يحكم بين الناس)] والقضاء شعبة من شعب الحكم.
следующие страницы →