Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
باب بيان إثم من سن القتل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الباب السابع من كتاب القسامة والمحاربين (باب بيان إثم من سن القتل).
أي: باب إثم من أحدث القتل أولاً.
стр. 1332
شرح حديث: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)
قال المصنف ﵀: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ للأول -أي: لـ أبي بكر - قالا: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن عبد الله بن مرة عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل)] أي: أحدثه.
أول مخلوق أحدث القتل هو قابيل، حينما قتل أخاه هابيل، ظلماً بغير حق.
ومعنى (كفل من دمها).
أي: حظ ونصيب؛ لأنه كان أول من سن القتل وأحدثه واخترعه.
قال: [وحدثناه عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهوية - أخبرنا جرير وعيسى بن يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي - وحدثنا ابن أبي عمر - محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- قال: حدثنا سفيان].
وإذا حدث العدني عن سفيان فإنما هو ابن عيينة [كلهم عن الأعمش] يعني: جرير وعيسى بن يونس وسفيان بن عيينة كلهم يروون عن الأعمش [بهذا الإسناد]، عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود.
[وفي حديث جرير وعيسى بن يونس (لأنه سن القتل) وليس فيه (أول).
] أي: ولم يذكرا لفظ (أول) وإنما (لأنه سن القتل).
أي: لأنه أول من سن القتل.
стр. 1333
كلام النووي في حديث الباب
قال النووي: في قوله ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه كان أول من سن القتل).
قال: الكفل هو الجزء والنصيب.
يعني: لا بد أنه يأخذ شيئاً وحظاً ونصيباً من كل أحداث القتل التي تكون إلى قيام الساعة؛ لأنه هو الذي لفت أنظار الخلق إلى هذا الجرم العظيم، والنبي ﵊ يقول: (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها -أي اقتدى به فيها- لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء).
وهذا إلى قيام الساعة.
كما (أنه من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
وكذلك هذا إلى قيام الساعة.
فالذي يسن خيراً له نصيب ممن اقتدى به؛ لأنه سبب ذلك، وهو الذي سن الخير، والذي يسن شراً لا بد أن له نصيباً من هذا الشر.
لأنه أول من أحدث الشر.
وقال ﵊: (الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله وإن لم يفعل).
لأن الدلالة على الشر قامت مقام الفعل، فلو أنك أعطيت سكيناً لرجل وقلت له: اذهب فاقتل فلاناً فأنت قاتل وإن لم تباشر القتل بنفسك؛ لأنك متواطئ على القتل.
ولذلك قيل لـ عمر بن الخطاب ﵁: لم يقتلها فلان وفلان.
قال: ألم يتواطئوا على قتلها؟ قالوا: بلى.
قال: لو تمالأ وتواطأ أهل اليمن على قتلها لقتلتهم بها.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أن العدد الكثير يقتل بالواحد إذا تواطئوا على قتله، فلو تواطأ جماعة على قتل رجل قتلوا به.
والمعلوم أنه قتل بضربة واحد لا بضربة المجموع، ولكنهم لما تواطئوا، واتفقوا واتخذوا لذلك الوسائل لإزهاق الروح كانوا في حقيقة أمرهم قتلة، وإن لم يباشروا جميعاً القتل.
قال النووي: (هذا الحديث من قواعد الإسلام).
أي من جوامع كلمه ﵊.
(وهو أن كل من ابتدع شيئاً من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئاً من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وهو موافق للحديث الصحيح (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) وللحديث الصحيح: (ومن سن سنة حسنة).
(ومن سن سنة سيئة) وللحديث الصحيح (ما من داع يدعو إلى هدى).
(وما من داع يدع إلى ضلالة)] إلا كان له حظ من الهدى، وكان له حظ من الضلالة، والأحاديث كلها في هذا الباب تدور في فلك واحد.
ولا يفهم من حديث (أن من سن سنة حسنة في الإسلام له أجرها) أنه يبتدع أو أنه يجوز له أن يبتدع في دين الله الشيء الحسن؛ لأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فلا يمكن أن يؤذن أو يسمح لأحد من أهل الإسلام أن يأتي بشيء يدخل به على الإسلام وليس منه، ونعده حينئذ من باب الحسنات، أو من باب السنن الحسنة؛ لأننا لا بد أن ننظر إلى مناسبة هذا الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
وهو (أن قوماً من مضر أتوا إلى النبي ﵊ مجتابي النمار) أي: قتلهم الهزال، والضعف، والجوع، والحاجة، (فلما رآهم النبي ﵊ تمعر وجهه).
يعني: تغير وجهه وحزن وغضب لما نزل بهم من فقر وحاجة (فعرف ذلك أحد أصحابه فقام فأتى بما عنده) أي: من طعام أو شراب أو كسوة (فلما رآه أصحابه قد فعل ذلك وسر النبي ﵊ بفعل هذا الصاحب، قام كل واحد منهم إلى بيته فمنهم من أتى بكسرة خبز، ومنهم من أتى بطعام، ومنهم من أتى بشراب، ومنهم من أتى بملبس، فوضعوه في نطع ثم حملوه، والنطع هو الفرش من الجلد، فحملوه حتى كادت أيديهم أن تكل - أي تعجز عن حمل هذا النطع بل قد كلت، فأتوا به إسعاداً لنبي الله ﵊ ومساعدة لهؤلاء الفقراء المحتاجين - فلما رأى النبي ﵊ من أصحابه ذلك أراد أن يكافئ من سن هذه السنة الحسنة أولاً فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة) فلو أننا نظرنا إلى أصل هذا الحديث لوجدنا أن هذا الصاحب الأول قد فعل شيئاً يأذن به الشرع؟ فإنه الذي ذهب إلى بيته فأتى بما عنده مع قلته، فهو ما ابتدع في الإسلام شيئاً، بل إنه قرر مبدأً عظيماً، أو مبادئ عظيمة في الإسلام وهو مبدأ مواساة الفقراء والمحتاجين، وهذا أصل أصيل في الإسلام، وخدمة الفقراء، وإعانة الملهوفين، وإغاثتهم كل هذا إنما فعله هذا الصاحب؛ لأن الإسلام قد سنه أولاً فهو ما زاد على أنه ذكَّر الأصحاب بواجبات شرعية قد أذن وأمر وحث عليها الشرع، فلم يأت بجديد.
ولو نظرت إلى مجموع البدع التي أحدثت في الإسلام لوجدت أنها في مجموعها أمور خيرية لا بأس بها إذا لم تفعل على أنها من الدين، أما لو فعلت على أنها دين فهذا هو الابتداع؛ لأن خطر الابتداع يكمن في اتهام الله ، واتهام الرسول عليه الصلاة والسلام
стр. 1334
باب المجازاة بالدماء في الآخرة
الباب الثامن: (باب المجازاة بالدماء في الآخرة).
المجازاة: المقاصة.
أي: تقتص ممن أسال دمك، وأزهق روحك، فالجزاء بمعنى المقاصة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، والنبي ﵊ يقول: (أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة: صلاته فإن صحت صح ما بعدها، وإن فسدت فسد ما بعدها).
وهنا يبين هذا الحديث أن أول شيء يقضى فيه بين العباد يوم القيامة هو الدماء، فظاهر الأمر التعارض بين الحديثين، ولا يمكن أن يقال: (من أول ما يقضى فيه بين العباد الدماء).
فلا يمكن إدخال (من) التي هي للتبعيض أو للتجزئة، ولا يستقيم المعنى، فإذا كان الحديث الأول يقول: (أول ما يقضى فيه بين العباد يوم القيامة الدماء).
والحديث الثاني يقول: (أول شيء يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة).
فهنا يكون التعارض.
وأهل العلم يقولون: عند تعارض ظواهر النصوص لا بد من بحث مسألة أولية وهي: إثبات صحة هذه الأدلة، فإن تبين لنا أن أحد الأدلة ضعيف والآخر صحيح لم يبق حينئذ إشكال؛ لأن الضعيف يكفي في رده أنه ضعيف، ويسلم لنا دليل واحد فلا يكون حينئذ في القضية أي تعارض، لكن المشكل إذا صح الدليلان وظاهرهما التعارض فلا بد من إضافة مسألة اعتقاديه في هذا المقام وهي: أن هذان الدليلان إذا صحا فلا بد من القول بأنهما قد خرجا من مشكاة واحدة، إما أن يكون الذي قال هذا هو الله ، أو أنه رسوله ﵊، وقول الرسول وحي بلا خلاف عند أهل السنة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فإن كنا نؤمن أن كل الوحي المتلو وغير المتلو هو من عند الله ، وأن الذي يأتي من قبل الله لا يمكن أن يكون فيه تعارض فلا بد أن نرجع على أنفسنا فوراً بالاتهام بقصور الفهم.
نقول: هذان الدليلان وإن كان ظاهرهما التعارض إلا أن هذا التعارض فيما يبدو للناظر ليس في أصل الخبرين؛ لأنك لو قلت: إن التعارض في النص لا بد أنك ستتهم الله تعالى، أو تتهم الرسول ﵊، وأنتم تعلمون أن هذا كفر لا نزاع فيه، فإذا ثبت صحة الدليلين فإما أن نقول بأن أحدهما سابق والآخر لاحق، وهذه المسألة يتطرق إليها ما يسمى عند العلماء بالنسخ.
أي: أن أحد الدليلين ناسخ للآخر، لكننا لا نذهب إلى النسخ إلا إذا استحال الجمع؛ لأن الأصل أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، فأن أعمل بالنصين خير من أن أرد نصاً بغير بينة ولا حجة، وأعمل بالنص الآخر، فإعمال الدليلين وذلك بمحاولة التأليف بين النصين للعمل بهما معاً أفضل، فمثلاً: حديث طلق بن علي ﵁: (لما سأل النبي ﵊ يا رسول الله! أنتوضأ من مس الذكر؟ قال: لا.
إنما هو بضعة منك).
أي: جزء منك مثل الساق، ومثل القدم، ومثل بقية أعضائك.
وفي حديث بسرة قال: قال النبي ﵊: (من مس ذكره فليتوضأ).
فلا شك أن التعارض ظاهر، والخطوة الأولى التي اتفقنا عليها، وهي أنهما صحيحان.
الخطوة الثانية: لا يمكن مع ثبوت صحة الدليلين أن يكون النبي ﵊ أخطأ في أحدهما، فمن اعتقد ذلك فقد كفر.
الثالثة: إذا أمكننا الجمع بين هذين النصين وإلا صرنا إلى النسخ، ولذلك بعض العلماء ذهب إلى النسخ مباشرة وقال: إذا ثبت عندنا السابق واللاحق صرنا إلى النسخ، ولا حاجة بنا إلى تكلف الجمع.
وعلامة النسخ: هو ظهور الاختلاف في النصين، وأن طلق بن علي أسبق إسلاماً من بسرة، فيكون حديثه هو المنسوخ، وحديث بسرة هو الناسخ، وحديث طلق (إنما هو بضعة منك) جاء في أول الإسلام، وأن من مس ذكره في أول الإسلام لا وضوء عليه، لكن لما استقر الأمر وتفقه الناس قال ﵊: (من مس ذكره فليتوضأ).
هكذا ذهب جماهير العلماء.
والأحناف ومن معهم قالوا: لا نسخ في هذه القضية؛ لأن الجمع ممكن؛ لأن الأصل الأصيل: إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما.
قالوا: لا نسخ في القضية.
والدليل: أن حديث طلق بن علي مع حديث بسرة محمولان على أن من مس ذكره بشهوة.
وهذا مقصود النبي ﵊، فمن فعل ذلك فعليه الوضوء، ومن مس ذكره بغير شهوة فلا وضوء عليه.
نرجع إلى أصل موضوعنا: (أول ما يقضى فيه بين العباد هو الدماء)، هذا فيما يتعلق بالقضاء والفصل في المنازعات بين الخلق؛ لأنها من حقوق العباد، فأول ما يقضى فيه من حقوق العباد هو الدماء، أما الصلاة فإنها من حق الله تعالى ولذلك أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة فيما يتعلق بحق الله هو الصلاة، فلم يبق في هذين الحديثين تعارض.
стр. 1335
شرح حديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)
قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن عبد الله بن نمير جميعاً عن وكيع -هو ابن الجراح - عن الأعمش، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان ووكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله -إذا روى أبو وائل عن عبد الله فإنما هو عبد الله بن مسعود قولاً واحداً- قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)] والقيد هنا: بين الناس.
أما إذا ورد القضاء مطلقاً فيكون بين العباد وبين الله .
قال: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي (ح) وحدثني يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث (ح) وحدثني بشر بن خالد -وهو أبو محمد العسكري الفرائضي نزيل البصرة- حدثنا محمد بن جعفر - غندر - (ح) وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -وهما فرسي رهان- قالا: حدثنا ابن أبي عدي كلهم عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمه الكوفي - عن عبد الله عن النبي ﷺ بمثله غير أن بعضهم قال عن شعبة يعني: (أول ما يقضى) وبعضهم قال: (يحكم بين الناس)] والقضاء شعبة من شعب الحكم.
стр. 1336
باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال
الباب التاسع: (باب تغليظ تحريم الدماء، والأعراض، والأموال).
والشرع إنما جاء لحفظ خمسة أشياء: حفظ الدماء، والأعراض، والأموال، والعقل، والدين.
وحفظ وهدف الإسلام الدماء بتحريم القتل.
إذا: الأغراض الأساسية للتشريع خمسة: حفظ الدماء بحرمة القتل، وحفظ الأعراض بحرمة الزنا، وحفظ الأموال بحرمة السرقة، وحفظ العقل بحرمة الخمر، وحفظ الدين بحرمة الردة.
هذه الخمسة الأشياء ينبغي على كل طالب علم أن يحفظها؛ لأنها هي الأغراض الأساسية لدين الله .
أما هذا الحديث فإنه تناول أغراضاً من أغراض الشرع، وهي: حفظ الدماء، والأموال، والأعراض، حتى وإن كانت أموال الكفار، وأعراض الكفار، فلا يجوز الاعتداء على أموالهم والسطو عليها، ولا يجوز انتهاك أعراضهم بالزنا، ولا يقول بجواز ذلك إلا إنسان قد ذهب عقله، فدماؤهم محفوظة وأموالهم محفوظة، وأعراضهم محفوظة كحفظ دماء وأعراض وأموال المسلمين تماماً بتمام، ولا تستباح دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وسيأتي هذا معنا بإذن الله في كتاب الجهاد.
стр. 1337
شرح حديث: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض)
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن حبيب الحارثي وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا عبد الوهاب -وهو ابن عبد المجيد الثقفي - عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة كيسان السختياني البصري - عن ابن سيرين -وهو محمد - عن ابن أبي بكرة وهو عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة الثقفي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)].
أي: كيوم خلق الله السماوات والأرض.
يعني: هذا التبديل والتغيير في أشهر الله تعالى إنما أحدثه الخلق، أما الله تعالى فقد خلق الأيام والشهور، وخلق السموات والأرض على غير ما أحدثه وابتدعه المبتدعون وبدلوا فيه وغيروا وحرفوا، فوافق دخول النبي ﵊ في حجة الوداع مكة المكرمة استقامة الدنيا، واستقامة السموات والأرض على نحو ما خلقها الله منذ أول يوم، وسيأتي مناسبة ذلك.
قال: [(السنة اثنا عشر شهراً)] وهي في كل الأحوال اثنا عشر شهراً.
يعني: المبدلون والمغيرون لم يستطيعوا أن يجعلوا السنة إحدى عشر أو ثلاث عشر، لكن التبديل والتغيير إنما جعل في ترحيل شهر مكان شهر، وتبديل شهر مكان شهر.
قال [(منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات)] يعني: ثلاثة أشهر متواليات شهر بعد شهر، وإن كانت في سنتين، وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم) مع أن الاثنين الأولين في سنة والثالث أول السنة التالية.
ثم قال: [(ورجب مضر)] سمي بذلك لأن قبيلة مضر كانت تعظم هذا الشهر، لا تتطرق إليه بنسيئة.
يعني: لا تبدله ولا تأخره ولا تغيره، بخلاف غيرها من قبائل العرب.
وسميت بالأشهر الحرم؛ لأن الله تعالى حرم فيها القتل والحرب، وكان هذا معروفاً معلوماً في الجاهلية قبل الإسلام، وقد كان العرب لا يقاتلون فيها، وينتظرون مرور هذه الأشهر في أمان وسلام وإعداد للقتال، وبعد مرور هذه الأشهر يقع القتل والحرب والخراب بين القبائل أو العشائر، أما في هذه الأشهر فأمر محال أن يحدث، ولكنهم احتالوا على حرمة هذه الأشهر كما احتال اليهود على السبت، لما حرم الله تعالى عليهم صيد البحر في السبت ورموا الشباك يوم السبت ورفعوها في يوم الأحد.
وهذه حيلة لا تخفى على الله؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء، فكذلك هؤلاء الوثنيون العرب احتالوا على حرمة الأشهر، لا بأنهم اعدوا عدتهم في هذه الأشهر فقاتلوا بعدها كما فعلت اليهود بل كانوا شراً من ذلك، لأنهم رحلوا الشهر نفسه إلى شهر آخر، فجعلوا شهر المحرم ينتقل إلى صفر، ويحل صفر مكانه، فيقاتلون بعضهم البعض في شهر محرم ويزعمون أنهم يقاتلون في شهر صفر، وفي العام المقبل ينتقل صفر إلى شهر أسبق أو ألحق، وهكذا حتى إذا كان صفر هو الشهر الثاني في السنة فربما يكون في سنة هو الأول، وربما يكون في سنة هو الثالث، أو هو الرابع، أو الخامس، وهكذا حرم الله تعالى عليهم النسيئة، وهو: التأخير.
أي: تأخير أشهر الحرم حتى يتسنى لهم القتل بزعمهم في أشهر ليست حرماً، وظلوا على هذا النحو حتى كان شهر المحرم في عام هو الشهر الثاني، وفي العام الذي بعده هو الثالث، أو الرابع، أو الخامس، حتى مرت الأيام ورجع شهر المحرم إلى موطنه الذي جعله الله فيه وهو الشهر الأول في السنة، فلما كان حجة الوداع ناسب ذلك، ووافق ذلك ترتيب الشهور على النحو الذي خلقها الله عليه في أول الأمر، فقال النبي ﵊ حينئذ: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض).
يعني: هذه السنة التي نحن حججنا فيها حجة الوداع قد رجعت إلى أصلها وهو الترتيب الطبيعي للأشهر الذي رتبه الله ؛ لأن هؤلاء قد أحدثوا، وابتدعوا في ترتيب الأشهر ما لم يأذن به الله .
قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات) وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم (ورجب الفرد).
سمي رجب الفرد؛ لأنه انفرد، ولم يكن تابعاً ولا متوالياً مع هذه الأشهر، فهو يسمى رجب الفرد أو رجب مضر.
قال: [(ورجب شهر مضر، الذي بين جمادى وشعبان)].
لأن رجب هو الذي يسبق شعبان ويلحق جمادى الآخر.
[ثم قال: (أي شهر هذا؟)]، المعلوم أن النبي ﵊ إنما وضع لهم أصل القضية الأولى وهي أن الله خلق السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، والنبي ﵊ يخطب في منى في المنحر، ومعلوم أنه لا يخفى على الصحابة في حجة الوداع أن المكان هذا اسمه منى، أو البلد الحرام، وأن الحج في شهر ذي الحجة، ولا بد أن يبدأ من يوم التروية، وهو يوم الثامن، وينتهي إما في الثالث عشر، أو الرابع عشر، فهذه المسألة ثابتة، فكان النبي عل
стр. 1338
معنى قوله: (ألا ليبلغ الشاهد الغائب)
قال: [(قال: ألا ليبلغ الشاهد الغائب)] وفي هذا: إثبات أن الدعوة إلى الله فرض كفائي إذا فعله البعض سقط عن الباقين.
يقول جمهور العلماء: وهذا فيما يتعلق بمسائل الاجتهاد.
أي: المسائل التي تحتاج إلى علم وبصيرة وأدلة.
أما المسائل العامة التي لا تحتاج إلى دليل فإن تبليغها واجب على كل إنسان، كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم الفواحش، وحل الطيبات، فهذا كل الناس يعلمونه، حتى الكافر يعلم ذلك، فإنه إذا رأى إنساناً يمد يد العون والصدقة، أو يغيث الملهوف أو غير ذلك لإنسان آخر فإنه لا يخفى عليه أن هذا عمل صالح.
ولو أن كافراً رأى مسلماً يزني، أو يسرق، أو يشرب الخمر، فقال له: اتق الله هذا مما حرمه الله؛ لأن الله تعالى حرم ذلك حتى على اليهود والنصارى، فهل يقول له المسلم: أنا لا أقبل منك؛ لأنك كافر.
لا يحل له ذلك، والنبي ﵊ قال لـ أبي هريرة عن الشيطان: (صدقك وهو كذوب).
فقد صدقه في هذا الموطن؛ لأنه لا حاجة له تدعوه إلى الكذب، فأحياناً الصدق والحق والخير يأتي من الكافر، والعدل قامت عليه السماوات والأرض، والحكمة هي ضالة المسلم فإنه يلتمسها حتى وإن كانت على يد كافر.
والنبي ﵊ أمر أصحابه ومنهم جعفر بن أبي طالب بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن ملكها النجاشي ﵀ لا يظلم عنده إنسان.
هذه هي العلة.
ولذلك لما ذهب عمرو بن العاص قبل إسلامه وكان داهية من دواهي العرب إلى الحبشة، قال للنجاشي: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً.
فلم يرد على قول عمرو ابتداءً، ويقل له: أنت كذاب، وأنت مفتر، بل أمر بأن يحضر جعفر ومن معه فقال له: ماذا تقولون في عيسى؟ وماذا قال نبيكم وقرآنكم في عيسى؟ فقرأ عليه آيات من سورة مريم.
فقال النجاشي حينئذ: والله لا يعدو قول عيسى هذا العرجون، وتناول عصاً من الأرض، والعصا تسمى في لغة الحبشة العرجون.
قال: والله ما فارق أمر عيسى هذا العرجون.
يعني: القرآن الذي جاء الله به على لسان نبيكم وحي السماء، ليس أكثر ولا أقل منه في شأن عيسى، ولذلك نخر البطارقة الذين حضروا هذا المشهد نخراً عظيماً، وعلت أصواتهم كأنهم ينكرون على النجاشي أمره.
قال: والله لا يعدو أمر عيسى هذا العرجون مهما نخرتم وارتفعت أصواتكم.
لأنه رجل عدل، فإذا جاءتنا النصيحة ولو من مشرك كافر وثني قبلناها، وإذا جاءنا الشر من أعبد الخلق رددناه عليه.
الواحد منا إذا أتاه خبر من محب قبله، وإن كان شراً ستره ولم يفضحه؛ وهذا شيء طيب، لكن الذي يحتاج إلى تقويم هو أننا نرد الشر على من جاء به وإن كان محباً، ونقبل الخير ممن جاء به، ولو كان كافراً، ودائماً نقول: الحق يقبل من كل من جاء به، والشر يرد على كل من جاء به.
نحن قد وصلنا في وقت من الأوقات أننا لا نقبل أي شيء نهائياً من الأزهر، ومبرر ذلك أن علماء الأزهر هؤلاء علماء سلطة، علماء مال، نعم هم كذلك لكن ليس كلهم، فإن فيهم أناساً أفاضل.
وبعض الناس يقول: لو أن الأزهري قرأ القرآن سوف أتهمه.
وهذا بصراحة بغض مفرط جداً بصراحة، وغلو شديد جداً، وأنا شخصياً من سألني في مسألة الطلاق أقول له: اذهب إلى الأزهر، فإن هذه المسألة من مسائل الطلاق بعيدة عن الأموال والسياسة، ليس لهم فيها مصلحة، فإنهم يفتون بشرع الله، ففي هذه المسائل هم علماء فيها، وأساتذة كبار، حتى أنني مرة من المرات ذهبت مع شخص طلق زوجته فذهبت به إلى شيخ أزهري، فسأله الشيخ أسئلة كانت لا يمكن أن تخطر ببالي، تصور أنني قد عقدت في نفسي حكماً معيناً لهذه القضية المطروحة، ولما ذهبت وجلست بين يدي هذا الشيخ غيرت رأيي في القضية بناءً على إجابة هذا الإنسان السائل لأسئلة هذا الشيخ.
قال: [(ألا فليبلغ الشاهد الغائب)].
هذا فيه: حجة لجماعة التبليغ، فهم يحتجون بآيات القرآن الكريم التي تتكلم عن الجهاد أنه جهاد الدعوة، الدعوة نوع من أنواع الجهاد لكنها واجبة على أهل العلم، هم لا يقولون أنهم أهل علم، وفي حقيقة الأمر هم لا يسمحون لأحد قط أن يلقي درساً بين أيديهم، إنما الذي يلقي الدرس والذي يلقي البيان والذي يعمل كل شيء، والذي يقوم في الناس ويكلمهم يكون منهم.
تصور أن شخصاً منهم كان يشرب الخمر، ويقطع الصلاة ثم يهتدي ويدخل المسجد ثم يلقي البيان، ويحتج بقول النبي ﵊: (بلغوا عني ولو آية).
والمراد بـ (بلغوا عني ولو آية) يعني بلغوا العلم، ليس المقصود عين الآية، أو المقصود عين المسألة العلمية، إذا سألتني فيها وأنا على علم بها وجب علي البلاغ والإخبار.
إذاً: هذا الكلام كله الذي يستشهد به جماعة التبليغ من الكتاب والسنة على صحة منهجهم ليس استشهاداً صحيحاً في محله، إنما هو في غير محله، ومراد الله تعالى، ومراد الرسول ﵊ من هذه الآيات وهذه الأحاديث ليس هو منهج جماعة التبليغ،
стр. 1339
باب صحة الإقرار بالقتل
الباب العاشر (باب صحة الإقرار بالقتل).
يعني: لو أتى شخص وقال: أنا قتلت.
صح إقراره، ويثبت عليه الحكم؛ لأن الإقرار سيد الأدلة، فهذا الإقرار وإن كان كلاماً ليس منصوصاً عليه في الشرع لكنه على أية حال كلام شرعي.
والإقرار له شروط: أن يكون المقر بالغاً، عاقلاً، سليماً من الآفات.
فلا يصح إقرار المجنون على نفسه أنه قاتل؛ لأن المجنون يقول كلاماً يضره وهو لا يدري أنه يضره، فالإقرار إما ابتداءً أو ادعاءً.
ابتداءً يعني: هو لما قتل أتى إلى القاضي وقال: أنا قتلت.
مثل المرأة الغامدية لما زنت، أتت من طور إراداتها، وقالت: يا رسول الله! فجرت فلا تفعل معي كما فعلت بـ ماعز بالأمس.
يعني: لا تقررني مثلما قررت ماعزاً بالأمس، أنا أتيت أقول لك: أنا فجرت فطهرني، وأعرف ما معنى أني فجرت، وأيضاً أنا حبلى من الزنا.
والنبي ﵊ لم يفعل معها كما فعل مع ماعز.
قال لها: اذهبي حتى تضعي الحمل.
لم يقل: ما هذه الفضيحة؟ وزوجها سوف يطلقها، وبيتها سوف يخرب، والعائلة سوف تتشرد، أو لا بد أن تذهب إلى دكتور يجهضها.
لا.
إنما حافظ النبي على حرمة الجنين حتى وإن كان ماؤه هدراً -لأنه من زنا- فأمر ووصى أولياء المرأة بالمحافظة على المرأة وعدم المساس بها أو التعرض لها بأذى حتى تضع الحمل.
فرجعت مرة ثانية، وهذا من إصرارها على التوبة، فأتت بولدها بعد عامين وفي يده كسرة خبز، وقالت: أقم علي الحد، حينئذ أقام النبي ﵊ عليها الحد، وأثبت المغفرة لها، وأنها من أهل الجنة فقال: (لقد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لقبل منهم).
ومعلوم أن الله تعالى يقبل توبة من تاب، فحينئذ لو أقر الإنسان ابتداءً بين يدي الحاكم أو القاضي أو السلطان، أو من أنيط به إقامة الحد وفصل المنازعات ووضع القضاء، وقال له: أنا فعلت كيت وكيت.
فالواجب على الحاكم فقط أنه يتأكد أن عقله سليم أم لا، ولذلك النبي ﷺ قال عن ماعز: (أبه جنون؟ قالوا: والله ما به جنون.
قال: لعله سكر -أي: الرجل ممكن أنه كان سكران- ثم أدناه النبي منه حتى استنكهه).
يعني: شم ريحة فمه بنفسه ﵊ من أجل أن يتأكد أنه خالٍ من العوارض كلها، فإن خلا من العوارض قامت عليه بعد ذلك الحجة، ولزمه إقراره.
والإقرار ابتداءً، هو من غير أي دعوى، كأن يذهب إلى الحاكم ويقول له: أنا حصل مني كيت وكيت، ويطلب منه أن يقيم عليه الحد، وهذا إقرار ابتدائي.
أما الإقرار الدعوي فهو لم يقر إلا بعد أن أقيمت عليه الدعوى، ففي هذه الحالة الإقرار معتبر في كل الأحوال.
وفي سحب الإقرار نزاع بين أهل العلم، كأن يقر شخص أنه قتل وحكم عليه بالإعدام، لكن عند التنفيذ العملي لما رأى حبل المشنقة، قال: لست قاتلاً، إنما القاتل فلان، وسأورد لكم الأدلة.
في هذه الحالة الإقرار غير معتبر، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، إذا رجع المقر عن إقراره وأقام البينة على ذلك لم يكن هناك اعتبار لإقراره الأول، لكن بشرط البينة والأدلة، وهذا الكلام سوف نأتي إليه بإذن الله.
فقوله هنا: (وتمكين ولي القتيل من القصاص).
أي: إنما يقتله السلطان، ولا بأس أن يقتل ولي القتيل القاتل، لكن ذلك لا يكون إلا بأمر السلطان؛ لأن القتل له مؤهلاته، وله أسبابه وفقهه، وله أحكامه، فقد يكون القاتل مجنوناً فمن قتله ثأراً فإنما هو قتل غير شرعي، والذي يعمل في الصعيد نوع من هذا، وهو من الهمجية، وإن كانت الهمجية القديمة أحسن مما نحن فيه، فالهمجية التي تكون بحكم القبائل فيها شيء من الشرع، بخلاف الذي نحن عليه ليس فيه رائحة الشرع، فالناس لا يلتزمون بالشرع في الغالب، إنما يلتزمون بظواهر الشرع، أما بواطن الشرع وحقيقة الشرع في المعاملات، والأخلاق والسلوك والآداب وغيرها فلا، فحقيقة الأمر: نحن بعيدون كل البعد عن الشرع، ولا نتمسك إلا بظواهر الشرع، وهذا أمر يحتاج منا إلى وقفة مع الذات ووقفة مع النفس.
قال: (واستحباب طلب العفو منه).
أي: من القصاص إلى الدية، ومن الدية إلى العفو.
стр. 1340
شرح حديث: (إن قتله فهو مثله)
[حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل] وهو وائل بن حجر الحضرمي الكوفي.
وقيل: أن علقمة لم يسمع من أبيه.
والصواب أنه سمع بدليل أنه قال: إن أباه حدثه.
فحدثه هنا تصريح بالسماع.
[قال وائل بن حجر: (إني لقاعد مع النبي ﵊ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة)].
وهو الحبل المفتول من جلد.
وفي هذا: جواز إذلال صاحب المعصية بما يرده عن معصيته ويردعه.
[فقال يا رسول الله: (هذا قتل أخي.
فقال رسول الله: أقتلته؟ قال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة)].
يعني: ولي القتيل لما سمع النبي ﵊ وهو يسأل القاتل قال له: لو لم يعترف لأقمت عليه البينة.
وهذا الأصل الأصيل، قال ﵊: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).
لكن لا بأس أن المدعى عليه يقر فإذا أقر ارتفع النزاع، فإذا لم يقر وجب على المدعي أن يقيم البينة ولا يقبل منه يمين؛ لأن يمينه لا يحل محل البينة من المدعى عليه، ولا ينتقل حق المدعى عليه إلى المدعي، والبينة على المدعي، وهذا الكلام من أعلام النبوة، وكلام من جوامع الكلم ﵊، فقال: (البينة على المدعي).
فالنبي ﵊ يسأل المدعى عليه يقول له: هل أنت قتلته.
قال له: يا رسول الله هذا لو لم يعترف وأقر أنا أقيم عليه البينة.
[(فقال: نعم قتلته)].
وهذا بالإقرار.
[قال: (كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط)] الخبط عند العرب لم يكن من أجل الثمر نفسه بل ربما يكون للورق يتخذونه أعلافاً لدوابهم، كانوا يخبطون الأشجار، فتنزل الأوراق فيطعمون بها الدواب.
[(قال: يا رسول الله كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته)].
والقرن هو ناحية الرأس وليس وسط الرأس، فضربه به فقتله [(فقال له النبي ﵊: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك)].
لأن هذا قتل عمد، فإنه قصد قتله بما يقتل غالباً وهو الفأس.
قال: [(قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي)] يعني: هو ليس له مال غير الكساء الذي هو يلبسه والفأس فقط.
قال [(قال: فترى قومك يشترونك)] أي: الأصل في قتل العمد القصاص، لكن لو أنا شفعت لك ونزلوا من القصاص إلى الدية فهل أهلك ممكن أن يدفعوا الدية عنك؟ قال: [(فقال: أنا أهون على قومي من ذاك)] أي: لا يوجد أي شخص يحترمه، هم يريدون أن يتخلصوا منه وربما نازعوا في مسألة الدية، وطالبوا بالقصاص، من أجل أن يتخلصوا منه بالكامل.
قال: [(فرمى إليه بنسعته)] يعني: رمى الحبل من يده وسلمه لولي المقتول، وبعد ذلك ولي القتيل حس أن النبي ﷺ يريد أن يشفع له من القصاص إلى الدية، والقاتل ليس عنده شيء، ولا أهله مستعدون أن يساعدوه، بل يريدون أن يتخلصوا منه [(فرمى إليه بنسعته وقال: دونك صاحبك، فانطلق به الرجل فلما ولى -أي: لما ذهب- قال رسول الله ﷺ : إن قتله فهو مثله.
قال: فرجع إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله، وأخذته بأمرك)] أي: أنت الذي أعطيتني الحبل وقلت لي: خذه وتصرف فيه، وأنت حر فيه.
[(فقال النبي ﵊: ألا تريد أن يبوء بإثمك وأثم صاحبك)] أي: أما تريد أنت يا صاحب الحق أن يتحمل عنك هذا القاتل ذنوبك الكثيرة، كما يتحمل ذنوب أخيك الذي قتله؟! بلا شك أن الواحد يتمنى ذلك.
وهذه شفاعة لكنها في صورة دلال وحب زائد، فالنبي يقول له: أنا أنصحك مع ثبوت الحق لك -أي: الحق ثابت لك في القصاص- فإن شئت أن تنزل إلى الدية فهو أفضل، لكن الأفضل من ذلك أن تعفو لأنك لو قتلته ستكون مثله، وإن لم تقتل سيتحمل ذنوبك، وذنوب أخيك الذي قتله.
وهذه درجة عظيمة جداً وثمرة طيبة للعفو.
قال: [(قال: يا نبي الله بلى)].
أي: أنا أريد شخصاً يحمل عني [(قال: فإن ذاك كذاك)] يعني: لو أنك عفوت عنه باء بإثمك وإثم القتيل.
قال: [(فرمى بنسعته وخلى سبيله)].
قال له: بما أن وعد النبي ﷺ لي أنك سوف تحمل عني وعن أخي عفوت عنك.
стр. 1341
كلام النووي في حديث (إن قتله فهو مثله)
أما قوله ﵊: (إن قتله فهو مثله) فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر؛ لأنه ليس هناك فضل؛ لأنه استوفى حقه منه بخلاف ما لو عفا عنه، فحينئذ يكون له العفو والمنة واليد عليه طول حياته.
وقيل وهو الرأي الثاني: هو مثله في أنه قاتل، وإن اختلف في الحكم، والحل، والحرمة، هذا قاتل وهذا قاتل، لكن الأول قتل ظلماً، والثاني قتل حقاً.
فحينئذ هو مثله وإن اختلف الحكم، لكنهما استويا في طاعتهما الغضب، فالأول حمله الغضب من السب والشتم على القتل، والثاني حمله الغضب من القتل الذي وقع على أخيه أنه تشفى بالقصاص، فهما سواء في طاعتهما الغضب ومتابعة الهوى، لاسيما وقد طلب النبي ﵊ منه العفو.
وإنما قال النبي ﷺ هذا اللفظ الذي هو صادق فيه لإيهام مقصود صحيح وهو أن الولي ربما خاف فعفا، والعفو فيه مصلحة للولي والمقتول، كما أن فيه مصلحة للقاتل أنه بقيت حياته، ومصلحة لولي القتيل لذهاب الإثم والحرج عنه، وتحمل الآخرين عنه ذنوبه، وهذا معنى قوله: (يبوء بإثمك وإثم صاحبك) أي: وإثم أخيك.
قال: (وقد قال الضمري: يستحب للمفتي إذا رأى مصلحة في التعريض للمستفتي أن يعرض تعريضاً يحصل به المقصود، مع أنه صادق) لأن المعاريض يلزم فيها الصدق؛ والمعاريض كلمة تحتمل وجهين المراد الوجه البعيد، والمقصود هو الوجه القريب.
فلو جاء إليك شخص وقال لك: أنا سوف أقتل فلاناً فهل لي من توبة؟ فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا توبة للقاتل.
وهو رأي باطل مردود.
وقيل: إنه رجع عنه.
والصواب هو مذهب الجماهير الذين قالوا: إن القتل ذنب، وكبيرة من الكبائر، فيأخذ حكم بقية الكبائر، فحينئذ لو أنك عرضت لمثل هذا بقول ابن عباس ردعاً له عن اقتراف الذنب أكنت محقاً في ذلك أم مبطلاً.
لو أتى ألي هذا الوقت شخص وقال: يا شيخ السكينة في يدي وشخص من الإخوة الذين يحضرون معك قد أخذ مالي فإن لم يعطني مالي الآن أنا سوف أقتله هذا الوقت، فهل لي من توبة لو قتلته؟ أقول له: ليس لك توبة؛ لأن ابن عباس قال: لا توبة لقاتل.
مع أنني لا أعتقد صحة هذا القول، لكنني صادق في نقل كلام ثبت عن ابن عباس، فحينئذ يجوز المعاريض لدفع البلاء، يجوز لشخص أن يعرض بقول هو صادق فيه لدفع بلاء أعظم من هذا التعريض.
وفي الأثر: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
стр. 1342
شرح صحيح مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - في دية الجنين
لقد فرضت الشريعة الدية على قتل الخطأ، سواء كان المقتول رجلاً أو امرأة أو طفلاً أو حتى جنيناً في بطن أمه، وجاء التفصيل في دية الجنين، فإن خرج الجنين ميتاً كانت ديته غرة عبداً أو أمة، وإن استهل ثم مات فديته دية كاملة إما ذكراً وإما أنثى.
стр. 1343
باب في دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع الباب الحادي عشر والأخير من كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات وهو (باب: في دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني).
الدية تكون في القتل العمد على القاتل إذا عفا أهل القتيل عن القصاص، بخلاف القتل الخطأ أو شبه العمد فإن الدية على العاقلة، وسميت العاقلة بهذا الاسم؛ لأنها تأتي بالدية وتعقلها في دار أولياء القتيل.
فقوله: (باب دية الجنين).
أي: باب إثبات دية الجنين ووجوب الدية في القتل الخطأ، إلا أن يعفو الأولياء.
وكذلك وجوب الدية في شبه العمد على عاقلة الجاني.
وهناك فرق بين قتل العمد، وشبه العمد، والخطأ؛ لأن هذه الصور الثلاث يتم بها القتل، فمنه ما يكون عمداً كأن يقصد قتل فلان بمحدد، أو بمثقل، أو بآلة من شأنها القتل، فيضربه بها فيقتله، ويزداد هذا العمد بظروف أخرى ربما يكون لها تأثير فيما يسمى عند الفقهاء بالإصرار على القتل، كأن يحمل معه آلة من شأنها القتل كالسكين، أو غير ذلك، أو أن يتلصص أو يختبأ للمجني عليه في مكان يعلم يقيناً أن المجني عليه يمر به عادة الساعة الفلانية أو في الوقت الفلاني، أو أن يكون الظرف يساعد على إيقاع الجريمة كالليل مثلاً، سواء كانت جريمة قتل أو جريمة سرقة أو غير ذلك.
وشبه العمد: هو استخدام آلة غير قاتلة ووقع بها القتل، هو أراد أن يضرب فلاناً لا أن يقتله، فلما ضربه بآلة ليس من شأنها القتل قتل، وربما أراد أن يقتل فلاناً من الناس فضربه بسهم فأصاب السهم رجلاً آخر.
فهذه صورة الخطأ لا تنفي عنه عقوبة شبه العمد؛ لأنه تعمد القتل عموماً، ولكنه لم يقتل من تعمده إنما قتل شخصاً آخر، ويميز هذا من ذاك الآلة التي استخدمها، وهذا قد تكلمنا فيه بالتفصيل في الدروس الماضية.
стр. 1344
شرح حديث أبي هريرة في قضاء النبي في الجنين بغرة
أما دية الجنين فقد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب -أي: الزهري - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁: (أن امرأتين من هذيل -وهي اسم قبيلة- رمت إحداهما الأخرى)] أي: رمتها بحديدة، أو بحجر، أو بعمود فسطاط أو غير ذلك [(فطرحت جنينها)] أي: المضروبة طرحت جنينها فسقط ميتاً [(فقضى فيه النبي ﷺ بغرة)].
والغرة بينها النبي ﵊ بأنها عبد أو أمة، وكلاهما من الرقيق، فالعبد من الذكور والأمة من الإناث، فالنبي ﵊ جعل دية الجنين غرة.
[وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو ابن سعد - عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة)] هذا الحكم والقضاء منه ﵊ في الحادث الذي عرض عليه، وهو أمر المرأتين أحدهما من لحيان والثانية من هذيل، وكانتا تحت رجل واحد، فكلاهما ضرة للأخرى، فقامت إحداهما إلى الثانية فضربتها فسقط الجنين ميتاً، فقضى فيه النبي ﷺ بأن جعل ديته غرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت.
(عليها هنا بمعنى لها).
أي: قضي لها بالغرة، وهي أم الجنين، فالمجني عليها هي التي ماتت لا الجانية.
[(فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها)].
أي: ميراث هذه الأم وهي المجني عليها لأولادها وزوجها.
[(وأن العقل على عصبتها)].
والضمير في عصبتها يعود إلى الجانية، وهذه الرواية ظاهرها مشكل جداً لكن هذا هو التأويل الصحيح الذي يوافق الرواية الصحيحة التي جاءت عند البخاري (قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضي لها بالغرة توفيت) أي: فكانت هي وجنينها في عداد الموتى.
(فقضى رسول الله ﷺ -أي: فحكم- بأن ميراثها لبنيها وزوجها -أي: لأولادها وزوجها- وأن العقل -أي: أن الدية- على عصبة القاتلة) وجعل الدية على العصبة؛ لأنها لم تتعمد القتل ولو تعمدت لوجبت الدية في مالها دون عصبتها.
قال: [حدثنا أبو الطاهر قال: حدثنا ابن وهب (ح) وحدثنا حرملة بن يحيى التجيبي قال: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها -يعني: هي وجنينها- فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه)].
الضمير في قوله: (ورثها) يرجع إلى المقتولة.
أي: جعل ميراثها خاص بزوجها وأبنائها.
[فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذيلي: (يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل)] فـ حمل بن النابغة يعترض على النبي ﵊، وهو من عصبة القاتلة، فهو يقول: كيف أدفع دية الأم ودية الجنين لزوج المقتولة وإخوة الجنين والذي سقط ميتاً، فلا هو أكل، ولا شرب، ولا استهل صارخاً.
يعني: لم ينزل صارخاً، أو متحركاً، أو ضاحكاً، ولم تكن فيه حياة قط.
ثم قال: ومثل ذلك يطل.
ومعنى يطل.
أي: يهدر ولا يضمن.
كأنه قال له: مثل هذا الذي ينزل ميتاً لا دية له، فكيف تحملني أن أدفع ديته غرة، وأن أدفع الدية كاملة لأمه التي ماتت فقال النبي ﵊: [(إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع)] والسجع هو: موافقة أطراف الكلام أو أطراف الجمل، ووزن السجع جميل لكنه أقبح ما فيه أنه اعتراض على النبي ﵊ ولذلك قال ﵊: (إنما هذا -أي: حمل بن النابغة - من إخوان الكهان).
من أجل سجعه الذي سجع.
قال: [حدثنا عبد بن حميد قال: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: (اقتتلت امرأتان) وساق الحديث بقصته السابقة ولم يذكر (وورثها ولدها ومن معه) وقال: (وقال قائل)] الذي هو
стр. 1345
شرح حديث المغيرة بن شعبة: (وجعل النبي ﷺ غرة لما في بطنها)
قال: [حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير -وهو جرير بن عبد الحميد الضبي - عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن عبيد بن نضيلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: (ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها)] يعني: أنهما كانتا زوجتان لرجل واحد، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، وهو الذي تقام به الخيمة، فالقاتلة من هذيل، والمقتولة من بني لحيان.
قال: [(فجعل رسول الله ﷺ دية المقتول على عصبة القاتلة)] لأن الأم ماتت هي والجنين، فلها ديتها الكاملة لكنها على العاقلة، لأن هذه الضرة بضربها لضرتها لم تقصد قتلها، لكنها ماتت بفعل هذا الضرب، وهذا قتل خطأ، ولذلك لم يجعل النبي ﷺ ديتها من مال القاتلة نفسها وإنما من مال العاقلة.
أي: العصبة.
[(وجعل النبي ﷺ غرة لما في بطنها -والغرة هي: عبد أو أمة- فقال رجل من عصبة القاتلة -الذي هو حمل - أنغرم دية من لا أكل، ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يطل.
فقال رسول الله ﷺ : أسجع كسجع الأعراب؟ قال: وجعل عليهم الدية)] يعني: فرضها عليهم.
[وحدثني محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا مفضل عن منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة عن المغيرة بن شعبة: (أن امرأة قتلت ضرتها بعمود فسطاط، فأتي فيه رسول الله ﷺ فقضى على عاقلتها بالدية، وكانت حاملاً فقضى في الجنين بغرة.
فقال بعض عصبتها: أندي من لا طعم، ولا شرب، ولا أكل، ولا استهل، مثل ذلك يطل)].
ومعنى (أندي) من الدية.
يعني: كيف نجعل له دية وهو لم يأكل ولم يشرب ولم ينطق ولم يستهل حياً.
يعني: لم يعطس ولم يضحك، ولم يصرخ، ولم يتحرك.
فهذه علامات الحياة، فكيف ندفع له الدية وقد نزل ميتاً؟ [فقال النبي ﵊: (سجع كسجع الأعراب)] فهو ينكر على هذا السجع.
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر - غندر - عن شعبة عن منصور بإسنادهم الحديث بقصته غير أن فيه: (فأسقطت -أي: المرأة المضروبة أسقطت جنينها- فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقضى فيه بغرة وجعله على أولياء المرأة)] أي: على أولياء القاتلة.
وهم الذين يسمون بالعصبة.
ولم يذكر في الحديث دية المرأة استغناءً لما ذكره في بقية الطرق، أو أن السائل إنما سأل عن حكم الجنين إذا سقط ميتاً بأذىً وقع على أمه فذكر الشاهد من الحديث ولم يذكر الحديث بتمامه.
стр. 1346
شرح حديث استشارة عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لـ أبي بكر قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة].
هذا الإسناد مما استدركه الدارقطني على الإمام مسلم وقال: هو مما أخطأ فيه مسلم؛ لأن الصواب هو: عن هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر سأل الناس.
إلى آخر الحديث.
وقال الدارقطني: الصواب عدم ذكر المسور بن مخرمة، وإنما هو من طريق المغيرة بن شعبة وهو محفوظ للمغيرة.
وقال: وهذا الإسناد على جهة الخصوص هو من طريق هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر سأل الناس، فعلى هذا يكون هذا من المراسيل، أو الإسناد المنقطع؛ لأن عروة بن الزبير لم يدرك عمر؛ لأنه كان صغيراً، فليس لـ عروة رواية عن عمر بن الخطاب ﵁.
والإمام النووي دفع هذا القول للدارقطني وقال: هذا لا يصح.
والصواب: أن هشام بن عروة حفظ ذلك من طريق المسور بن مخرمة، ولا يستقيم الإسناد إلا بذكر المسور حتى لا يكون هناك انقطاع، وإن كان فإن هذا أمر لا يعنينا.
ولو رجعت إلى كتاب العلل للإمام الدارقطني ستجد كلاماً طويلاً جداً في إسناد هذا الحديث، أخذاً ورداً في هذا الإسناد.
والحقيقة أن كثيراً من الإخوة دائماً يكتبون لي رسائل فيها مسائل في الفقه تقول: عند شرحك للحديث تذكر الفوائد التي فيه، وليس هذا مجال التعمق في دراسة هذه المتون؛ لأن الدرس ليس درس فقه، ولا تشرح الأسانيد ولا تتكلم عن العلل وعن الرواة جرحاً وتعديلاً.
وهذا صحيح، فأنا فعلاً أفعل هذا، وذلك لأني لا أستوعب الكلام عن الإسناد، كما أني لا أغوص في شرح هذه النصوص، والعلة تكمن فيكم أنتم؛ لأننا لما فعلنا ذلك في مكان ما من الأماكن، وتكلمنا عن ثلاثة أسانيد أكثر من ثلاثة أشهر، نتكلم عن الرواة جرحاً وتعديلاً، ونتكلم عن العلل وغيرها، فأبى هؤلاء أن يحضروا بعد ذلك، وقالوا: لا حاجة لنا أن نسمع ساعتين كاملتين في ترجمة راوٍ واحد، فـ وكيع بن الجراح رجل ثقة ويكفي، وسفيان الثوري لا يحتاج إلى كلام، فإنه وسفيان بن عيينة كلاهما اتهما بالتدليس.
ولما يقول ابن منده: البخاري مدلس، فإننا نقف عند هذه العبارة وندفع قول من قالها أو اتهمه بتدليس، لكن لا بد أن ندفع هذه التهمة بأدلة وإلا فلا يصح دفعها، وهذا من باب حب البخاري، وإلا فالتأصيل العلمي لا يعرف للعاطفة سبيلاً.
[قال المسور بن مخرمة: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة -والملاص هو الجنين الذي يسقط قبل أوانه- فقال المغيرة بن شعبة: (شهدت النبي ﷺ أنه قضى فيه بغرة عبد أو أمة) فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة].
يعني: شهد في مجلس عمر مع المغيرة بن شعبة أن النبي قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة.
стр. 1347
كلام النووي في شرح أحاديث باب دية الجنين
стр. 1348
معنى قوله: (غرة عبد أو أمة)
قال العلماء: قوله ﵊: (عبد أو أمة) هنا (أو) ليست للشك وإنما هي للتقسيم.
والمراد بالغرة: العبد أو الأمة، فالغرة اسم لكل واحد منهما سواء كان ذكراً أو أنثى.
قال: (قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله).
لأن الأصل في الغرة هي في الجبهة، والنبي ﵊ لما أراد بهذه الدية الغرة لم يرد بها جبهة العبد أو جبهة الأمة، وإنما عبر عن الكل بالجزء، أو أطلق الجزء وأراد الكل، كما في عتق رقبة.
وأصل الغرة بياض في الوجه.
ولهذا قال أبو عمرو: المراد بالغرة: الأبيض منهما خاصة.
يعني: سواء كان ذلك عبداً أو أمة، لأنه لو كان الأسود مراد النبي ﵊ فلا قيمة أن يذكر الغرة، وسوف يقول: دية الجنين عبد أو أمة.
وإنما قال: (غرة عبد أو أمة) ليثبت أن المراد هو الحسن والجمال في العبد أو الأمة الذي جعل دية لهذا الجنين.
قال أبو عمرو: ولا يجزئ الأسود، ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى زائداً على شخص العبد والأمة لما ذكرها.
فالمعنى الزائد هو: أن يكون عبداً أبيضاً مليحاً، أو أمة بيضاء أو حسناء، أو زهية، أو غير ذلك، لأن الفرس الأغر هو الفرس الذي في وجهه بياض، كما جاء في الحديث أن النبي ﵊ زار المقبرة فقال: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات يغفر الله لنا ولكم، ليتنا نرى إخواننا.
فقالوا: يا رسول الله أولسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني يأتون من بعدي يؤمنون بي ولا يروني) نسأل الله أن نكون كذلك، وألا نكون مبدلين ولا مغيرين فنطرد عن الحوض.
(قالوا: يا رسول الله! كيف تعرفهم؟ قال: يأتون غراً محجلين).
فالغرة بياض في الجبهة.
والتحجيل بياض في الساق.
(من آثار الوضوء).
أي: بسبب الوضوء (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل).
ولذلك أبو هريرة ﵁ كان إذا توضأ شمر عن عضديه وساقيه فجعل الماء يبلغ إبطه.
يعني: كان يغسل ذراعه إلى حد الإبط، وكان يتخبأ إذا فعل ذلك، وكان يغسل رجليه حتى يبلغ ركبتيه، فلما رآه أو اطلع عليه أحد أصحابه قال: يا أبا هريرة ماذا تصنع؟ قال: أو قد رأيتني، إني سمعت النبي ﷺ يقول: (تبلغ الحمية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) والحمية أي: تبلغ الغرة والتحجيل من المؤمن حيث يبلغ الوضوء.
فـ أبو هريرة ما ترك ذلك قط بعد أن سمع هذا الحديث من النبي ﵊، والشاهد من ذلك كله: أن الغرة بياض في الوجه، ولولا أن النبي ﵊ أراد اختيار الأمة الحسناء أو العبد الجميل المليح أن يكون دية للجنين الذي مات بسبب الاعتداء على أمه لما كان لقوله: (غرة) معنى؛ فدل ذلك على أن المراد بالغرة معنى زائد على مجرد أن هذا عبد أو أمة، وهو الحسن، أو الشيء النفيس.
قال الإمام النووي: وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء.
يعني: أبو عمرو يقول: لا يجزئ الأسود بل لا بد أن يكون صاحب حسن، وجمال.
لكن الإمام النووي يقول: هذا القول من أبي عمرو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه يجزئ فيها السوداء ولا تتعين البيضاء، وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم.
ونحن نعرف أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وإذا كانت دية الرجل مائة بعير فدية المرأة خمسين بعيراً، فإن دية الجنين عُشر دية الأم.
أي: خمسة أبعرة.
قال: (وإنما المعتبر عندهم أن تكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب.
قال أهل اللغة: الغرة عند العرب هي أنفس الشيء وأطلقت هنا على الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم، وأما ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح (بغرة أمة، أو عبد، أو فرس، أو بغل) فرواية باطلة، وقد أخذ بها بعض السلف.
وحكي عن طاوس وعطاء ومجاهد: أنها عبد، أو أمة، أو فرس.
وقال داود: كل ما وقع عليه اسم الغرة يجزئ؛ فالغرة هي: عبد، أو أمة.
ومن قال أنها فرس أو بغل فهذا قول لم يصح به الدليل، حتى وإن أخذ به بعض أهل العلم.
стр. 1349
بيان دية الجنين
واتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرة، سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى؛ وهذا مذهب الجماهير: أن الدية تجب للجنين إذا نزل ميتاً، حتى وإن لم يظهر له إلا بعض أمارات التخلق كالأصابع أو غير ذلك؛ ولم يكن مخلقاً كاملاً، وسواء كان الجنين ذكراً أم أنثى.
قال العلماء: وإنما كان كذلك؛ لأنه قد يخفى فيكثر فيه النزاع.
أي: لم يعرفوا هو ذكر أو أنثى، لأنه لم يتحدد، فهذا أمر يخفى على المتخصصين، ولذلك العبرة أن يكون جنيناً، وليست العبرة بالذكورة أو الأنوثة، فلما كان يمكن أن يخفى على المتخصصين في معرفة الذكورة والأنوثة جعل الشرع ضابطاً لذلك يقطع النزاع وهو أنه جنين سواء كان خلقه كامل الأعضاء أم ناقص الأعضاء، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرة بالإجماع، والمضغة ما سميت مضغة إلا لأنها على القدر الذي يوضع بين الأضراس فتمضغها، ومن المعلوم أن المضغة لا يمكن معرفة كونها ذكراً أم أنثى، فلما كان ذلك خافياً جعل الشرع ضابطاً محكوماً لا يتزعزع وهو أن كون الجنين ساقطاً.
أي: في جميع مراحله.
стр. 1350
ذكر من يرث دية الجنين
قال: (وهذا شخص يورث ولا يرث).
يعني: هو لا يرث من أحد وإنما الآخرين يرثون منه.
وهذه حالة فريدة لا يقاس عليها إلا عبد بعضه حر وبعضه عبد.
(وحكى القاضي عن بعض العلماء: أن الجنين كعضو من أعضاء الأم فتكون ديته لها خاصة؛ لأنه انسلخ عنها فكان كما لو وقع الاعتداء على ذراعها فقطع، أو أذنها، أو أنفها، أو أي جزء أو عضو من أعضائها).
لكن مذهب الجمهور هو الصواب: أن الجنين عضو منفصل عن الأم.
والقول فيه أو في ديته: أن الورثة يرثونها.
واعلم أن المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتاً؛ أما لو نزل حياً ثم مات فإن فيه دية كاملة، وهي مائة من الإبل؛ لأن هذا اعتداء على نفس حية، فلو أنه استهل صارخاً، أو متحركاً، أو باكياً، أو غير ذلك وعلمت حياته ثم مات بسبب الضربة ففي هذه الحالة سيأخذ الدية كاملة؛ لأنها دية النفس.
فلو أن شخصاً ضربك بسكين فقعدت أربعة أيام في المستشفى وبعد ذلك مت، وقرر الأطباء أنه بسبب الضربة، فإنه يعد قتل عمد، والقتل العمد فيه قصاص.
وإذا نزل الجنين حياً ثم مات فتجب فيه الدية كاملة، فإن كان ذكراً وجب مائة بعير، وإن كان أنثى وجب خمسون بعيراً، وهذا مجمع عليه.
стр. 1351
وجوب الغرة دية للجنين على العاقلة
قال: (ومتى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني.
وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين.
وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني.
وقال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفارة.
وهي: صيام شهرين.
وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والله أعلم).
والدية التي هي الغرة تكون على العاقلة، واختلاف الفقهاء فيما يتعلق بأنها على الجانية نفسها لا على العاقلة، لأن مذهب الجمهور أن هذه المرأة لما ضربت الأخرى على بطنها فأسقطت جنينها ميتاً لم تكن تقصد القتل.
الجمهور قالوا: الأصل عدم توجه الإرادة والقصد إلى قتل الجنين، بل هي من العداوات التي تكون بين الضرائر، والقانون المصري يعتبر أن من ضرب شخصاً على ظهره فمات أن هذا قتل شبه عمد، وهذا من الإجرام، أنهم لم يعتبروه قتل خطأ وإنما قتل شبه عمد، وهذا بصراحة إجرام لا يمكن أن يكون هذا دين أبداً، هذا قتل خطأ، غير متعمد للقتل، ولم تتوجه الإرادة لقتله وإنما ضربه لينفعه فضره بذلك بغير قصد.
وحجتهم أنهم قالوا: كان ينبغي أنه يتوقع أنه سيموت من هذه الضربة، مثل المرأة لما تمسك فسطاط حديد أو تأتي بحجر وتضرب به ضرتها، لكن ربما لم تقصد أنها تضربها في بطنها، ربما أرادت أن تضربها في ظهرها فأدارت جسمها فوافق الحجر إليها فأصاب بطنها مع أنها قصدت أن تضربها في ظهرها، لكنها ابتداءً تعمدت وقوع الضرر والأذى، لكن قصدها ونيتها لم تنصرف إلى قتل الأم ولا إلى قتل الجنين، فكيف يتفق أن تكون هذه الصورة شبه عمد؟ ولذلك الذي يترجح هو المذهب الأول: أن المرأة التي ضربت ضرتها إنما قصدت إيقاع الضرر الذي يكون بين الضرائر لا أنها قصدت بضربها أن تسقط الجنين، أو أن تميته في بطنها.
والذي يترجح: أن هذا القتل الذي تم لهذا الجنين ونزل ميتاً إنما تجب فيه الدية، وديته على العاقلة؛ لأن القتل قتل خطأ، وليس كل ضرب بحديد أو بحجر يقصد الضارب إيقاع القتل به، لا يلزم منه ذلك، ولذلك قد ورد في طرق هذه الروايات أن الأم وجنينها قد ماتا، أما الأم فديتها كاملة وهي خمسين بعيراً، وتجب على العاقلة.
ومنهم من قال: بل تجب على الجانية.
أما الجنين فالقول الراجح فيه: أن دية الجنين على العاقلة؛ لأن الضارب أو الضاربة لم يقصدا إحداث الموت، وإزهاق الروح.
قال: (متى وجبت الغرة فهي على العاقلة لا على الجاني.
وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الكوفيين).
стр. 1352
معنى قوله: (فضربتها بعمود فسطاط)
وقوله: (فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها) لأن القتل خطأ.
وفي الرواية الأخرى (أنها ضربتها بعمود فسطاط) قال العلماء: هذا محمول على عمود صغير لا يقصد به القتل غالباً.
أي: ليس من شأنه إحداث القتل غالباً.
فلو أن شخصاً معه سيف فضرب به رجلاً فمات فإنه قتل عمد؛ لأن الآلة المستخدمة في سبيل ذلك من شأنها غالباً إحداث القتل.
أما لو ضربه بحديدة صغيرة فمات فهذا قتل خطأ لأنه ابتداءً لم يقصد إيقاع القتل وإزهاق الروح، لأن هذه الحديدة الصغيرة أو الحجر الصغير ليس من شأنه إحداث القتل فيكون القتل خطأً.
قال: (فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجاني.
وهذا مذهب الشافعي والجماهير).
стр. 1353
معنى قوله: (سجع كسجع الأعراب)
أما قوله ﵊ لهذا الرجل الذي اسمه حمل بن النابغة الهذلي لما قال: (يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك يطل) يعني: أنه هدر.
وفي رواية: (مثل ذلك بطل) يعني: هدر.
ومعنى يطل: أي: هدر غير مضمون.
فهذا صورته صورة اعتراض على النبي ﷺ وعلى حكمه الذي نطق به وحي السماء، فقال النبي ﵊ فيه: (هذا سجع كسجع الأعراب) وفي رواية قال: (إنما هذا من إخوان الكهان.
من أجل سجعه الذي سجع).
وقوله هذا عند العلماء على وجهين: الوجه الأول: أنه عارض به حكم الشرع، ورام إبطاله.
وقول النبي ﵊: (إنما هذا من إخوان الكهان) يحتمل معنيين: المعنى الأول: أنه اعترض على النبي ﷺ في حكمه ورام إبطال الشرع في هذه القضية.
المعنى الثاني: أنه تكلف في مخاطبته، وربما لم يقصد الرجل إبطال الشرع وإنما قصد إلحاق السجع أو إيجاده، فعابه النبي ﵊ عليه؛ لأنه تكلفه، والسجع المتكلف مذموم، بخلاف السجع الذي ليس فيه تكلف، وفي القرآن من السجع الذي لا تشعر فيه بالتكلف، وفي كلام النبي ﷺ من الكلام الذي هو مسجوع بغير تكلف الشيء الكثير، ولذلك النبي ﵊ لم يكن يحسن قرض الشعر، وإنما كان أحياناً إذا أراد أن يقول شعراً صحح شعره أبو بكر الصديق، فيرد عليه ويقول له: لا يا رسول الله! الأمر ليس على ما قلت، الأمر كذا وكذا، فهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يتكلف الشعر، ولم يتعمد إيجاد السجع، وإنما كان أحياناً في كلامه سجع غير متكلف.
ولذلك قال: (وهذان الوجهان من السجع المذمومان، أحدهما الذي فيه تكلف، وأما السجع الذي كان النبي ﷺ يقوله في بعض الأوقات وهو المشهور في الحديث فليس من هذا؛ لأنه لا يعارض به حكم الشرع ولا يتكلف).
إذاً: السجع في الشعر المذموم هو الذي يدعو إلى الرذيلة، أو يكون متكلفاً فيه السجع، أو يعارض الشرع، أما الشعر الذي يدعو إلى الفضيلة ويثبت الأحكام، أو يشهد للقرآن أو السنة فهذا كلام جميل، وهو من كلام العرب، وقد كان النبي ﵊ يقال بين يديه الشعر الجميل الحسن فلا ينكر ذلك، بل طلب ﵊ من حسان بن ثابت أن يقوم فيرد على المشركين قولهم، فقام وقرأ الشعر بين يديه، وفي هذا إقرار النبي ﵊ لـ حسان بن ثابت وغيره.
أما قوله ﵊: (إن من البيان لسحرا) البيان هو الفصاحة، والشعر باب من أبواب البيان، فيشهد لما قلناه.
أما قوله ﵊: (لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) المراد به: الشعر المتكلف الذي يدعو إلى الرذيلة، أو يعارض به حكم الشرع، وهذا جمع بين الروايات التي وردت تمدح الشعر في ناحية، وتذم الشعر في ناحية أخرى، فلا بد أن يحمل المدح على الشعر الهادف الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق وغير ذلك، ويحمل الذم على الشعر المتكلف المسجوع بغير فائدة، الذي يعارض به حكم الشرع أو يدعو إلى الرذيلة.
هذا هو وجه الجمع بين هذه الروايات.
أما قوله: (سجع كسجع الأعراب) أي: هذا كلام متكلف مسجوع، أشار إلى أنه مذموم، وأنه كسجع الأعراب المذموم.
стр. 1354
بيان أن دية الخطأ على العاقلة دون أصول وفروع القاتل
(أما قوله: (ضربت امرأة ضرتها) قال أهل اللغة: كل واحدة من زوجتي الرجل ضرة للأخرى، سميت بذلك لحصول المضارة بينهما في العادة، وأن كل واحدة منهما تتضرر بوجود الأخرى؛ لأنها شريكة لها.
قوله: (فجعل النبي ﷺ دية المقتول على عصبة القاتل) هذا دليل لما قاله الفقهاء أن دية الخطأ على العاقلة إنما تختص بعصبات القاتل سوى أبنائه وآبائه؛ لأن الأبناء والآباء في حكم الشخص نفسه، ونحن نعرف أن أصحاب الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا هم أصحاب الفرائض، أما العصبات فهم ما دون ذلك من الورثة، ولذلك الدية تجب على العصبات لا على أصحاب الفروض.
يقول في باب دية الجنين:
стр. 1355
بيان دية الجنين إذا انفصل عن أمه
(إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه عمداً أو خطأً ولم تمت أمه وجب فيه غرة سواء انفصل عن أمه وخرج ميتاً أم مات في بطنها -أي: الأمرين سواء- وسواء كان ذكراً أم أنثى، أما إذا خرج حياً ثم مات ففيه الدية كاملة، فإن كان ذكراً وجبت مائة بعير.
وإن كان أنثى وجب خمسون بعيراً.
وتعرف الحياة بالعطاس، أو التنفس، أو البكاء، أو الصياح، أو الحركة أو غير ذلك مما يدل على أن الجنين نزل حياً.
واشترط الشافعي في حالة ما إذا مات في بطن أمه أن يعلم بأنه قد تخلق وجرى فيه الروح، وفسره بما ظهر فيه من صورة الآدمي كظهور اليد والأصبع، وأما مالك فإنه لم يشترط هذا الشرط بل قال: كل ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة مما يعلم أنه ولد ففيه الغرة).
وهذا الكلام هو مذهب الجمهور ليس كلام مالك فحسب.
ويرجح رأي الشافعي بأن الأصل براءة الذمة، وعدم وجود الغرة، فإذا لم يعلم تخلقه فإنه لا يجب شيء، وقدر الغرة في دية الجنين هي غرة عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل، أو غير ذلك، وهذا كله بالنسبة لجنين المسلمة.
стр. 1356
بيان دية جنين الذمية
قال: (وأما جنين الذمية -أي: التي بين المسلمين وبينهم عهد ذمة وأمان، أو أنهم أهل الذمة من اليهود والنصارى- قال: فقد قال صاحب بداية المجتهد: قال مالك والشافعي وأبو حنيفة فيه عشر دية أمه، لكن أبا حنيفة على أصله في أن دية الذمية هي دية المسلمة، فجنين المرأة الذمية عند الجمهور على العشر من دية أمه، ودية المرأة الذمية على النصف من دية المرأة المسلمة ومعلوم أن دية المرأة المسلمة خمسين بعيراً، فدية المرأة الذمية خمسة وعشرون بعيراً كما أن دية الأمة المسلمة على النصف من دية الحرة.
أي: خمسة وعشرين بعيراً.
وهذا فيه تساوٍ بين دية المرأة الكافرة بدية الأمة المسلمة، مع أن بعض أهل العلم يقول بذلك، لكن الذي يترجح لدي: أن دية الذمية على النصف من دية الأمة المسلمة، فتكون دية الذمية اثنا عشر ونصف، ودية ولد الذمية عشر دية أمه الذمية.
قال: (والشافعي قال: دية الذمي هي ثلث دية المسلم.
ومالك قال: دية الذمي نصف دية المسلم).
يعني: المسألة فيها خلاف.
أما مسألة على من تجب الدية فعند مالك وأصحابه والحسن البصري أنها تجب في مال الجاني.
لكن الجمهور يقولون: تجب على العاقلة، وهي جناية خطأ فوجبت على العاقلة، وهذا هو الراجح.
وأما مالك والحسن فقد شبهاها بدية العمد إذا كان الضرب عمداً.
ولكن الأول أصح، فالدية للورثة على قدر حصصهم، والرأي الثاني تجب للأم على اعتبار أن الجنين عضو من أعضائها، والراجح أنها دية للورثة.
стр. 1357
حكم الكفارة في قتل الجنين خطأً
واتفق العلماء على أن الجنين إذا خرج حياً ثم مات ففيه الكفارة مع الدية، وهي: صيام شهرين، وأما وجوب الكفارة مع الغرة إذا خرج ميتاً ففيه نزاع، قال الشافعي وغيره: تجب؛ لأن الكفارة عنده تجب في الخطأ والعمد.
وقال أبو حنيفة: لا تجب.
لأنه غلب عليه حكم العمد، والكفارة لا تجب في العمد عنده.
واستحب مالك الكفارة؛ لأن ضرب الجنين وسقوطه ميتاً أمر متردد بين الخطأ وبين العمد.
انتهى الكلام في كتاب القصاص والقسامة، ونتوقف إن شاء الله تعالى في الكلام على كتاب الحدود، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1358
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - معنى شهادة التوحيد
توحيد الله أعظم وأكبر فرض في دين الإسلام، ولا يمكن لإنسان أن يكون مؤمناً بالله حتى يأتي به، وتوحيد الله أقسام، أعظمها توحيد الألوهية، وهو الذي أنكره المشركون على عهد رسول الله ﷺ وأبوا أن يقروا به، وينبغي الحذر مما يناقض التوحيد من الأمور المخالفة له، والتي تخرج الإنسان من دائرة الإيمان بالله .
стр. 1359
تعريف الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: (قال نبينا محمد ﷺ لجبريل لما سأله: يا محمد! ما الإسلام؟ -وفي رواية: أخبرني عن الإسلام؟ - فقال النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).
وقد بينا في المحاضرة السابقة معنى الإسلام، وقلنا: إن معناه في اللغة: الاستسلام والإذعان والانقياد، أي: التسليم المطلق لله ولأوامره وأحكامه، وأما من حيث المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة فقلنا: إنه إذا ذكر منفرداً فيعنى به الإيمان والإسلام على حد سواء، وإذا ذكر مقروناً مع الإيمان كان له مدلول غير مدلول الإيمان، بمعنى: أن له فرائض وأحكاماً غير فرائض وأحكام الإيمان.
وقد عرف النبي ﵊ هنا الإسلام بفرائضه، فقال: (الإسلام أن تشهد)، يعني: الإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم عدد باقي الفرائض.
стр. 1360
توحيد الاتباع
وسنعيش في هذا الدرس مع أول فرض من فروض الإسلام، وهو أعظمها على الإطلاق، وهو توحيد الله ، وقد عرف رسول الله ﷺ الإسلام بقوله: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).
وهذا التعريف أفاد موضوعين: الموضوع الأول: توحيد المعبود ، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه.
والموضوع الثاني: توحيد المتبوع ﷺ ، فإنه لا متبوع غيره، وكل من هو دون النبي ﷺ غير معصوم، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو من الأئمة المتبوعين أو غيرهم، وصدق مالك وغيره من علماء السلف ﵏ عندما أشاروا إلى قبر النبي ﵊ وقالوا: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.
وقال ابن مسعود ﵁: عليكم بالأمر العتيق -أي: الأمر القديم-.
وقال: إذا كان أحدكم مستناً فليستن بمن قد مات، ولا يستن بمن هو حي، فإن الحي يقول القول اليوم ويرجع عنه غداً، وأما الذي مات فقد انقطع كلامه وأثره، ويبقى الكلام المسطور حجة له أو عليه، فإن أصاب الكتاب والسنة فهو حق، وإن خالف الكتاب والسنة فيرد، سواء كان لقائله أجر واحد، أو مع تأثيمه إن كان من أهل البدع والضلال.
والله قد فرض توحيده ، كما فرض اتباع نبيه ﷺ دون غيره؛ لأن الله خص الأنبياء بما حرم منه البشر جميعاً، فخصهم بالعصمة في أمور الشريعة، وما أمروا بتبليغه للخلق، وهذه العصمة هي التي تجعل المقلد للرسول الله ﷺ والمتبع له مطمئن القلب إلى تقليده واتباعه؛ لأنه معصوم عن الخطأ والنسيان في بيان الشريعة، والأنبياء غير معصومين في أمور الدنيا، بل يصيبون ويخطئون، وأما ما أمروا بتبليغه لأقوامهم فإنهم معصومون فيه بكل حال، فما من نبي إلا وقد بلغ أمته ما أمره الله به وما أنزله عليه، ولم يقصر أحد منهم في البلاغ ولا في البيان، وهذه هي العقيدة الصحيحة في النبوة، فما من نبي إلا وقد بلغ ولم يقصر، والأمم إما متبعة وإما مبتدعة وإما محاربة لأنبيائها، كبني إسرائيل، وأما هذه الأمة المباركة فإنها في غالب أحوالها متبعة لنبيها، وقد ظهرت البدع والضلالات بعد وفاة نبينا ﷺ مع ظهور الفتن.
فالشاهد هنا: أن النبي ﷺ قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).
وهذا فيه بيان توحيد الله وتوحيد المتبوع، وهو النبي ﷺ المعصوم المأمون خطؤه وزلَلُهُ، ولذلك قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ولم يقل: فيه وفي أصحابه أو في صالحي الأمة، وإنما خص نبيه بهذا، فالأسوة مخصوصة بنبينا ﷺ .
стр. 1361
التوحيد العلمي الاعتقادي
والتوحيد أنواع: توحيد العبادة: وهو توحيد القصد والطلب، وهو الذي يعبر عنه بتوحيد الألوهية أو توحيد الإلهية.
стр. 1362
إثبات الأسماء والصفات لله تعالى
والتوحيد الاعتقادي العلمي، وهو الذي يختص بأسماء الله وصفاته.
والمقصود به: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من أسماء وصفات؛ لأنها توقيفية.
فلا يجوز لأحد أن يسمي الله تعالى أو يصفه بغير ما سمى أو وصف به نفسه، أو بغير ما سماه أو وصفه به رسوله ﷺ ، بل نثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تمثيل ولا تكييف، أي: من غير أن نمثل الله تعالى بشيء من خلقه، ولا نكيفه تكييفاً، كما قال الإمام مالك ومن قبله أم سلمة وشيخه ربيعة الرأي - ربيعة بن أبي عبد الرحمن - وقد كان فقيه أهل المدينة، وإمام الرأي فيها لما سئل عن قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بإخراج ذلك السائل من المسجد؛ لأنه سأل تعنتاً ولم يسأل تعلماً.
فقال: الاستواء معلوم، أي: أنه معلوم في لغة العرب، فالاستواء بمعنى: العلو والارتفاع، فالله مستو على عرشه، بائن من خلقه، بمعنى: أنه عال ومباين لخلقه.
وأما آيات وأحاديث المعية فهي محمولة على معية العلم والسمع والبصر، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
فمعية الله لخلقه هي معية علم وسمع وبصر وإحاطة، وأما الله فقد استوى على عرشه، فالاستواء معلوم عند سلفنا، بل وفي لغة العرب، ويعلمه البدوي والحضري على السواء.
ثم قال: والكيف مجهول، أي: مجهول للخلق، ولا يجهل الله ذاته وكنهه، كما قال بعض الأساتذة: الكيف مجهول على الله، وهذا في حد ذاته قول كفر، فإن الكيف مجهول على الخلق لا على الخالق .
وقوله: الاستواء معلوم، أي: معلوم بأنه الارتفاع والعلو، والكيف مجهول.
وكان السلف يفوضون الكيف لا المعنى، ولا العلم؛ لأن صفات الله معلومة بمعانيها، وأما كيفيتها فلا يعلمها إلا الله .
قال: والسؤال عنه بدعة، أي: السؤال عنه تعنتاً لا تعلماً، ومن أراد أن يعرف كيفية الاستواء فاعلم أنه صاحب قلب مريض؛ لأنه لا يمكن تشبيه الخالق بالمخلوق.
قال: وينفي عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فنفى مثلية الله لخلقه ومشابهة الخلق له ، ثم أثبت لنفسه بعض الصفات حتى يرد على المثبتة أو المجسمة ويرد على النفاة.
فهذه الآية ترد من جهة إثبات الله لأسمائه وصفاته على النفاة، كما ينفي الله عن نفسه ما قاله عنه المجسمة، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
مع الإيمان بمعاني ألفاظ هذه النصوص وما دلت عليه.
стр. 1363
حكم التمثيل والتعطيل والتأويل في الأسماء والصفات
والتمثيل والتعطيل في أسماء الله وصفاته كفر، وأما التحريف الذي يسميه أهل البدع تأويلاً من الأشاعرة وغيرهم فمنه ما هو كفر كتأويلات الباطنية الإسماعيلية، ومنه ما هو بدعة ضالة، كتأويلات نفاة الصفات، ومنه ما يقع خطأً من صاحبه، كما قلنا من قبل في ترجمة الحافظ النووي والحافظ ابن حجر عليهما رحمة الله، فإنه قد وقع في بعض كلامهما تأويل على سبيل الخطأ، لا على سبيل البدعة والضلالة، ولا على سبيل الكفر والجحود.
وكذلك وحدة الوجود، واعتقاد حلول الله في شيء من مخلوقاته فإن هذا كفر، والقائل به مع علم كافر، فإن من قال إن الله تعالى متحد بخلقه أو حل في الخلق حتى كان الخالق كالمخلوق، أو أن الله تعالى لما حل في الخلق صار الخالق والمخلوق شيئاً واحداً فقد كفر، فإن هذا لم يقل به إلا الحلولية من غلاة الصوفية وغيرهم، ولا شك أن هذا قول كفر.
стр. 1364
الإيمان بأركان الإيمان في كلياتها وجزئياتها
والإيمان بالملائكة الكرام إجمالاً، وأما تفصيلاً فبما صح به الدليل من أسمائهم وصفاتهم وأعمالهم بحسب علم المكلف.
وكذلك الإيمان بالكتب المنزلة جميعها، وأن القرآن الكريم أفضلها وناسخها، وهو المهيمن والمسيطر على هذه الكتب التي سبقته، وأما ما قبله فقد طرأ عليه التحريف والتبديل، ولذلك وجب اتباعه دون غيره من الكتب السابقة؛ لأنه ناسخ لجميع الكتب السابقة عليه.
والإيمان بأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم، وأنهم أفضل ممن سواهم من البشر، ومن زعم غير ذلك فقد كفر.
فمن قدم علياً على النبي ﵊ وفضله عليه فلا شك أنه كافر بنبي الله ﷺ ، وما صح به الدليل بعينه فيهم -أي: في الأنبياء- وجب الإيمان به على جهة التعيين.
ويجب الإيمان بسائرهم إجمالاً، وأن محمداً ﷺ أفضلهم وآخرهم، وأن الله تعالى أرسله للناس جميعاً.
والإيمان بأن الوحي قد انقطع بموت نبينا ﷺ ، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو كافر بالله العظيم، ومن اعتقد أن الوحي لا يزال مستمراً وأن النبوة لم تنقطع بموت نبينا محمد ﷺ فقد كفر بالله العظيم.
وكذلك الإيمان باليوم الآخر، وكل ما صح فيه من الأخبار وبما يتقدمه من العلامات والأشراط.
والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ وذلك بالإيمان بأن الله تعالى علم ما يكون قبل أن يكون وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون إلا ما يشاء، والله تعالى على كل شيء قدير، وهو خالق كل شيء وفعال لما يريد.
والإيمان بما صح الدليل به من الغيبيات، كالعرش والكرسي، والجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه، والصراط والميزان والحشر والحساب، وغيرها، دون تأويل شيء من ذلك، إلا ما صح فيه الدليل.
والإيمان بشفاعة النبي ﷺ ، وشفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين وغيرهم يوم القيامة، كما جاء تفصيله في الأدلة الصحيحة، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، وهذا في الجنة وفي المحشر.
والمحشر حق، ومن أنكر الرؤية أو أولها فهو زائغ ضال، وهي غير ممكنة في الدنيا بحال، فمن ادعى أنه قد رأى الله في الدنيا فلا شك أنه ضال مضل، وهذا يرد به على الفرية القائلة بأن الإمام أحمد بن حنبل رأى ربه تسعاً وتسعين مرة، وهذا افتراء على الإمام رضي الله تعالى عنه ورحمه.
كما أن من أجزاء الإيمان، الإيمان بمعجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء والصالحين، وكل ذلك حق، وليس كل أمر خارق للعادة كرامة، بل قد يكون استدراجاً من الله ، وقد يكون من تأثير الشياطين والمبطلين، والمعيار في ذلك هو موافقة الكتاب والسنة، فإذا رأيت رجلاً يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تحكم بأنه ولي من أولياء الله ، أو أنه شيطان حتى تنظر إلى عمله، فإن كان عمله موافقاً للكتاب والسنة فاعلم أن ذلك كرامة من الله له، وإذا كان مخالفاً للكتاب والسنة فاعلم أنه استدراج من الله ، وأن ذلك من فعل الشياطين وتأثيرهم.
والمؤمنون كلهم أولياء لله ، وكل مؤمن فيه من الولاية بقدر إيمانه، فمن كان إيمانه زائداً وكاملاً كان كامل الولاية لله ، ومن كان إيمانه ينقص عن ذلك ففيه من الولاية بقدر ما فيه من الإيمان.
стр. 1365
توحيد الألوهية
وأما التوحيد الإرادي الطلبي فهو توحيد الألوهية، وهو: إفراد الله بالوحدانية والربوبية، فلا يعبد غيره؛ لأنه لا إله غيره، فهو لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو رب العالمين المستحق لجميع أنواع العبادة، كالدعاء والاستغاثة والاستعانة والنذر والذبح والتوكل والخوف والرجاء والحب ونحوها، وصرف شيء منها لغير الله شرك أكبر.
ومن أصول العبادة أن الله تعالى يعبد بالحب والخوف والرجاء، فلا يعبد بالرجاء وحده؛ لأن من عبد الله بالرجاء وحده قصر في العمل وأرجأ فيه، فإذا قلت له: صل يا فلان! قال: إن رحمة الله واسعة، وإذا قلت: صم يا فلان! قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧].
وأنا -الحمد لله- أقول في كل دقيقة: اللهم لك الحمد والشكر، وأنا مؤمن بالله، لكني مقصر ومفرط.
فمن عبَد الله بالرجاء -أي: طمع في رحمته وعفوه وغفرانه فقط- ولم يخش الله وقع في التفريط العظيم، وهذا يؤدي بالعبد إلى الكفر بالله ، ومن خاف الله وحده ولم يرجه وقع في الإياس من رحمة الله ، ولا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون.
وقال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ.
وهذا التوحيد يستلزم: التسليم والرضا والطاعة المطلقة لله ولرسوله ﷺ ، وكل ذلك من الإيمان به رباً وإلهاً، فلا شريك له في حكمه وأمره، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠].
فصرف شيء من الحكم لغير الله كفر بالله .
стр. 1366
التحاكم إلى غير الله وتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة
قال: وتشريع ما لم يأذن به الله والتحاكم إلى الطاغوت، واتباع غير شريعة محمد ﷺ ، وتبديل شيء منها كل ذلك كفر، ومن زعم أن أحداً يسعه الخروج عن هذه الشريعة وهذه العبودية فلا شك أن هذا أيضاً كفر.
والحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر، وقد يكون كفراً أصغر إذا كان العدول عن شرع الله في واقعة معينة لهوى مع الاعتقاد بأن شرع الله مقدم على غيره من بقية الضلالات والأحكام، ولا شك أن مخالفة شرع الله وحكمه وتقديم حكم غير الله على حكم الله كفر، فإن فعل هذا عن اعتقاد بأن حكم الله أفضل الأحكام على الإطلاق وأن غيره ضلال، ولكنه مع هذا وقع في التحاكم إلى غير شرع الله فهذا كفر أصغر.
وأما من تحاكم إلى الطاغوت محباً لذلك ومستحسناً له ومقدماً إياه على حكم الله وعلى شرعه فلا شك أن هذا خارج عن ملة الإسلام ولا كرامة.
قال: وتقسيم الدين إلى حقيقة يتميز بها الخاصة، وشريعة تلزم العامة دون الخاصة لا شك أنه من بدع الصوفية، فهم الذين قسموا الدين إلى حقيقة وإلى شريعة، وقالوا: الحقيقة مختصة بأقطاب الصوفية، وأما الشريعة فإنها خاصة بأهل الظاهر، وهذا كلام من أبطل الباطل وأفسد الفساد.
وكذلك فصل السياسة عن الدين، كقول القائل: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وهذا القول قائله من أكفر الكفار؛ لأنه خالف ما كان عليه النبي ﷺ وما كان عليه أصحابه، بل خالف صريح الكتاب والسنة.
وقوله: وكل ما خالف الشريعة من حقيقة أو سياسة أو غيرها فهو إما كفر وإما ضلال بحسب درجته من الجحود والإنكار أو من البدعة والخطأ.
стр. 1367
الإيمان بالغيب من أجزاء توحيد الألوهية
ومن أجزاء هذا التوحيد الإيمان بأن الله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب وحده، فلا يعلم الغيب إلا هو ، واعتقاد أن أحداً غير الله تعالى يعلم الغيب كفر بالله، مع الإيمان بأن الله يطلع بعض رسله على شيء من الغيب، فالغيب غيبان: غيب لا يعلمه إلا الله، وغيب أطلع الله بعض رسله عليه.
ومن أجزاء هذا التوحيد أن اعتقاد صدق المنجمين والكهان مناف لهذا التوحيد، وهو كفر، فمن ذهب إلى الساحر وصدقه أو إلى الكاهن وصدقه فلا شك أنه يكفر بالله العظيم، وإتيانهم والذهاب إليهم مع عدم تصديقهم كبيرة من الكبائر، فمن ذهب إليهم ولم يصدقهم لم يقبل الله تعالى منه صلاة أربعين يوماً.
стр. 1368
التوسل والوسيلة
الوسيلة المأمور بها في القرآن هي ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات المشروعة.
والتوسل كذلك ثلاثة أنواع: إما توسل مشروع، أو توسل بدعي، أو توسل شركي.
والتبرك من الأمور التوقيفية، فلا يجوز التبرك إلا بما ورد به الدليل، فالتبرك بذوات الأشخاص لا يجوز إلا في حق الأنبياء.
والتبرك بذوات الأنبياء أو بآثارهم مشروع اتفاقاً.
وأما التبرك بذوات الأشخاص من غير النبي ﷺ أو بآثارهم ففيه نزاع طويل، والراجح من الأدلة عدم جوازه.
وأفعال الناس عند القبور وزيارتها ثلاثة أنواع: منه ما هو مشروع، كقول النبي ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة).
فالزيارة المشروعة هي ما كان القصد منها تذكر الآخرة.
ومنها ما هو بدعي، ومنها ما هو شركي ينافي التوحيد، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لصاحب القبر، كدعائه من دون الله أو الاستعانة به أو الاستغاثة به كذلك، أو الطواف حوله أو الذبح أو النذر له، ونحو ذلك.
والوسائل لها حكم المقاصد والغايات، وأما المثل القائل: الغاية تبرر الوسيلة فهو من أبطل الباطل، وهو اعتقاد غير اعتقاد المسلمين؛ لأن الله افترض علينا أن تكون الوسيلة مشروعة كما أن الغاية مشروعة، فلا يسلك أحد مسلكاً يخالف الشرع ثم يقول: أنا غرضي في الآخر شريف أو نبيل، أو أني سلكت هذا المسلك لأصل إلى أمر مشروع، وذلك مثل التي ترقص وتغني مثلاً وتقول: من أجل أن تسدد ديون مصر، فالغرض سليم، ولكن الوسيلة غير مشروعة.
стр. 1369
توحيد الألوهية والربوبية بين جاهلية الأمس وجاهلية اليوم
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تكلم عن توحيد الألوهية، وأكد عليه كغيره من العلماء الذين سبقوه والذين أتوا من بعده؛ لأنه بيت القصيد ومربط الفرس، فقال: اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل جميعاً، فما من نبي أتى إلا ودعا قومه أن يفردوا الله بالعبادة دون سواه.
والله أرسلهم به إلى عباده، فأولهم نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
وآخر الرسل محمد ﷺ ، وهو الذي كسر صور الصالحين، فقد أرسله الله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، أي: نحن نعلم أنهم ليسوا آلهة ولا شيء من ذلك، ولكنهم أناس طيبون وصالحون، وهم واسطة بيننا وبين الله، وهذا ضرب من ضروب الكفر الذي ما أرسل الله نبيناً إلا وحاربه، وأهل الجاهلية كانوا يعلمون جيداً أن النافع الضار هو الله الذي في السماء، ولما أتاه أحد الجاهليين قال له النبي ﷺ : (كم تعبد؟ قال: سبعة، واحد في السماء وستة في الأرض)، يعني: حتى أهل الجاهلية كانوا يقرون بأن الله تعالى في السماء، بخلاف الموجودين في هذه الأزمان.
فالمسلمون الآن يقولون: الله موجود في كل مكان، وأهل الجاهلية المشركون الكفار كانوا يوقنون بأن الله تعالى في السماء، (قال: إلى من تلجأ إذا نزل بك الضر؟ قال: إلى الذي في السماء)؛ لأنه يعلم أنه لا يصرف الضر ولا يفرج الهم إلا الله.
قال: ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، يقربونا إلى الله ، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث الله محمداً ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇، الذي أرسله الله بالحنيفية السمحة، ويخبرهم أن هذا الاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلاً عن غيرهما.
стр. 1370
إقرار أهل الجاهلية الأولى بتوحيد الربوبية
وهؤلاء المشركون مقرون أن الله تعالى هو الخالق وحده لا شريك له، ويشهدون بذلك.
وتوحيد الربوبية هو: اعتقاد أن الله تعالى الخالق البارئ المصور المهيمن المدبر لأمر الخلائق المحيي المميت؛ وكل هذا كان يعتقده أهل الجاهلية، بخلاف ما عليه المسلمون اليوم، فإنهم يعتقدون أن الرازق الله وغير الله، ولذلك تجد أحدهم يقول: إن رزقي عندك، أو إن رزقي عند هذا المدير، أو عند رئيس مجلس الإدارة، أو إن أكلي وأكل أولادي في يده، وكل هذا شرك في الربوبية.
قال: وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن عبيده، وتحت تصرفه وقهره وتدبيره.
فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون ذلك، ولم يكونوا يشركون مع الله في ربوبيته أحداً.
وإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، ويقرون بتوحيد الربوبية فاقرأ قول الله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١]، فهم يردون ويقولون: الله هو الذي يملك هذا كله، ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
فكل هذه الآيات وغيرها من الأحاديث تدل على أن أهل الجاهلية المشركين ما كانوا يشركون في ربوبية الله ، وإنما كان شركهم في العبادة، فقد كانوا يشركون مع الله في العبادة آلهة غيره.
فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات والعزى، أو نبياً مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد:١٤]، وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله ، فلا يدعى غيره ، وأن يكون النذر كله لله، فمن نذر لغير الله فقد عصى الله وأشرك، وأن يكون الذبح كله لله تعالى، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ولا لأحد الصالحين، ولا استعانة إلا بالله ، وجميع أنواع العبادة كلها لله يجب صرفها لله ، فمن صرف شيئاً مما يجب صرفه لله لغير الله فلا شك أنه قد أشرك مع الله إلهاً غيره.
فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء إنما كان لأجل أنهم يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك، وأنه هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، أو معنى قول النبي ﷺ : (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله).
فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً، ولم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، يعني: هم لا يشركون في الربوبية، وإنما يشركون في العبادة والألوهية.
فأتاهم النبي ﷺ ليدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي قوله: لا إله إلا الله.
следующие страницы →