← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حكم تكفير المجتمع السؤال هناك من يقول: إن المجتمع كافر إلا من ﵀، فهل هذا صحيح؟ الجواب العلماء في كل مساجد السنة يقولون: إن المجتمع ليس كافراً؛ وإن حكم بأحكام الكفر، ولا أرى إلا أن هذا بوابة إلى التكفير.

стр. 1402

ضابط قاعدة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) السؤال هل علي أن أكفر المجتمع، وإن لم أفعل أكون مثلهم، لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر؟ الجواب هذا في الكفر الأصلي لا الكفر المختلف فيه.

стр. 1403

الحكم على حديث (الصلاة بعمامة أفضل من خمسين صلاة بلا عمامة) السؤال روى ابن عساكر عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : (صلاة تطوع أو فريضة بعمامة تعدل خمسين صلاة بدون عمامة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين بدون عمامة)، ما صحة هذا الحديث؟ الجواب هذا حديث موضوع، لا يصح نسبته إلى النبي ﷺ ألبتة.

стр. 1404

معنى معية الله لخلقه السؤال أليس اعتقاد المصلي في الصلاة بأنه واقف بين يدي الله ، أو أن الله تعالى معه، يتعارض مع الاعتقاد بأن الله تعالى مستوٍ على العرش في السماء؟ الجواب لا تعارض؛ لأن معية الله تعالى لخلقه إنما هي معية علم وسمع وإحاطة وبصر.

стр. 1405

معنى إطلاق الشارع لفظ الكفر على بعض الأعمال السؤال يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إطلاق الشارع لفظ الكفر لا يعني الخروج من الملة، واستدل لذلك بحديث النبي ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ومعاملة النبي ﷺ للمنافقين على أنهم مسلمون رغم قولهم الكفر، وتكفير الله لهم في القرآن الكريم، فهل يستقيم هذا المعنى أم لا؟ الجواب إطلاق لفظ الكفر لا يعني الخروج من الملة إلا بالنظر إلى الفعل وإلى الفاعل كذلك، فقول النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، لا يعني أن من حلف بالنبي ﷺ مثلاً أو بغير الله أنه كافر وخارج عن ملة الإسلام، فهذا كفر دون كفر، فإطلاق الكفر من الشارع لا يعني أنه المخرج من الملة، فربما يكون كفراً دون كفر.

стр. 1406

كيفية جهاد المنافقين السؤال ذكرت أن المنافقين لهم حكمان، حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، وهم معصومون -أي: معصومو الدم في الدنيا - لأنهم أقروا باللسان، فهل هذا يتعارض مع قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]؟ الجواب لا تعارض بين ما قررناه وبين قول الله : ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)). قال ابن مسعود: بيده، أي: واغلظ على المنافقين بيدك، فإن لم تستطع فلتكفهر في وجوه المنافقين. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وذهاب الرفق عنهم. وقال مجاهد: مجاهدة المنافقين بالكلام، وكذا قال قتادة والربيع ومقاتل، ولا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا حسب الأحوال. وقال ابن جرير: إذا أظهروا النفاق جاهدهم بالسيف، وهذا شرط، وأما إذا كانوا مستورين فيتعامل معهم كما تعامل معهم النبي ﷺ .

стр. 1407

تقييم كتاب الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية، وبعض المراجع المفيدة في الأحاديث القدسية السؤال كتاب الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية للشيخ العلامة محمد المدني صححه وعلق عليه محمود أمين، فهل هذا التخريج للكتاب موافق لتخريج أهل الحديث؟ الجواب الشيخ محمود أمين لم يبذل جهداً في هذا الكتاب، والذي بذل جهداً فعلاً في انتقاء هذه الأحاديث القدسية أخونا عصام الصابطي صاحب كتاب مجموعة الأحاديث القدسية، وهو في ثلاثة مجلدات، طبعة مؤسسة الريان، وهناك أيضاً كتاب صحيح الأحاديث القدسية لأخينا الشيخ مصطفى العدوي، وهناك غيرهما من الكتب، فبإمكانك أن تقتني هذه الكتب وتستعين بها في طلبك للعلم.

стр. 1408

الحكم على حديث: (أن الرسول ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء)، ومعنى سوء القضاء السؤال يقول: ما مدى صحة الدعاء المأثور عن الرسول ﷺ : (اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وشماتة الأعداء وسوء القضاء)، وما المقصود بسوء القضاء؟ الجواب هذا الحديث صحيح، وهو متفق عليه بين البخاري ومسلم. والمقصود بسوء القضاء سوء المقضي لا سوء القضاء نفسه؛ لأنه ما من قضاء يقضيه الله إلا وهو حسن كله، وخيره كله.

стр. 1409

شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - بيان أركان الإسلام - ترجمة زهير بن حرب معرفة أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم من أهم علوم مصطلح الحديث، فبه يمكن التمييز بين الرواة وطبقاتهم، وقد تفرع عن هذا أحكام ومسائل كثيرة، مثل وصف الرواة بصفة نقص أو نسبتهم إلى أمهاتهم، وغيرها من المسائل، وقد بين العلماء أحكام هذه المسائل جميعها وأصلوا قواعد هذا العلم بما لم يدع زيادة لمستزيد.

стр. 1410

أهمية دراسة مصطلح الحديث إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: دراسة الأحاديث مباشرة دون دراسة أصول علم الحديث أمر يصعب معه معرفة علم الحديث، ولذا آثرنا أن نتعرض لمسائل هذا العلم -علم المصطلح- كلما دعت الضرورة إلى ذلك، ولن نحاول أن نستقصي هذه المسائل في دروس متتالية أو متتابعة حتى لا يمل كثير من السامعين، وإنما سنعرج على ذلك في أثناء تعرضنا لشرح الأسانيد والتعليق على الرجال وكذا المتون؛ حتى لا يمل السامع؛ لأنها مسائل لابد منها، وكل علم لم تعرف أصوله لا يعرف عنه شيء، وإذا بدأنا بعلم المصطلح لطال هذا الأمر جداً، وقد شرحناه في أماكن أخرى في ثلاث سنوات أو أكثر، فمن أراد الرجوع إلى الأشرطة فليفعل، ومن لم يرد فليحرص على أن يتابع معنا الكلام على أصول وفروع هذا العلم من خلال تعرضنا للأسانيد والمتون.

стр. 1411

متن حديث جبريل في بيان مراتب الدين قال المصنف ﵀: [حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر (ح)، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه، حدثنا أبي -وهو معاذ العنبري - حدثنا كهمس عن ابن بريدة]. ولم يقل: عن عبد الله بن بريدة؛ لأنه قال في الإسناد السابق: عن عبد الله بن بريدة، فيستوي هنا أن يقول: عن عبد الله بن بريدة أو يقول ابن بريدة؛ لأنه قد علم من الإسناد السابق أنه عبد الله وليس سليمان؛ لأن ابن بريدة إما أن يكون هو عبد الله أو سليمان، ولما كان الراوي لهذا الحديث هو عبد الله وقد بين في موطن لم يضر إبهامه في الموطن الثاني؛ لأنه قد علم سلفاً أنه عبد الله وليس سليمان، فأمن بذلك اللبس من أن يكون هو سليمان، وسليمان أوثق من أخيه عبد الله، وكلاهما ثقة، ولكن سليمان مقدم في الرواية على عبد الله. قال: [عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة]، أي: أول من قال: لا قدر وأن الأمر أنف، وأن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وأما قبل وقوعها فلا. قال: [معبد الجهني -عليه من الله ما يستحق-، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري -أي: من البصرة- حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر]، يعني: يا ليتنا نوفق أن نرى أحداً من علماء الصحابة فنكلمه عن هؤلاء القوم الذين ظهروا حديثاً وتكلموا بكلام لم نعهده من قبل. قال: [فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄]. وهو إمام جليل من أئمة الصحابة، ومن أكثر الصحابة التزاماً وفهماً لسنة النبي ﷺ . قال: [فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد -وهو مسجد مكة- فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي]. والظن هنا بمعنى: غلبة الظن، يعني: ترجح لدي أن صاحبي -وهو حميد بن عبد الرحمن - سيكل الكلام إلي، أي: سيوكلني في أن أتكلم وأعرض ما عندي على عبد الله بن عمر. قال: [فقلت: أبا عبد الرحمن!]. أي: يا أبا عبد الرحمن! ولكنه حذف حرف النداء (يا)، فقال: أبا عبد الرحمن! وهذا فيه تلطف عن ذكر حرف النداء، وفيه ود واسترعاء لأفهام المتكلم أو أفهام السامع. قال: [أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم]. فقوله: (إنه قد ظهر قبلنا) أي: ناحيتنا في جهة البصرة، وقوله: (ويتقفرون العلم) يعني: يطلبونه طلباً حثيثاً. قال: [وذكر من شأنهم -أي: وقص عليه من أخبارهم- وأنهم يزعمون أن لا قدر -يعني: يقولون: لا قدر- وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم -والقائل هنا هو عبد الله بن عمر - أني بريء منهم -لأن هذا قول محدث في دين الله وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر - وعبد الله بن عمر لا يحلف إلا بالله وبأسمائه وصفاته- لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر]. لأن القدر من أعظم أركان الإيمان، وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر). قال ﵀: [ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له -والقائل هنا عمر - يسأله ويصدقه)]. لأن هذا على خلاف عادة السائل الجاهل، إذ إنه يسأل عما خفي عليه، فإذا علم الجواب أخذه وانصرف، وأما هذا السائل فهو يسأل السؤال ثم يقول للمجيب: أنت صادق في هذه الإجابة، أي: أنه عنده علم سابق، وسؤاله هذا ليس لغرض التعلم، وإنما له غرض آخر، وهو أن يعلم الحضور جواب هذا السؤال. قال: [(قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وم

стр. 1412

سبب عدم إخراج البخاري لحديث جبريل وهذا الحديث انفرد به مسلم دون البخاري، فلم يخرجه البخاري في صحيحه نظراً لخلاف وقع في إسناده، فآثر البخاري السلامة ولم يخرجه في صحيحه، وهو حديث صحيح ثابت بلا أدنى شك، ولكن البخاري عليه رحمة الله له شروط أشد من شروط مسلم، ولذلك لم يخرج هذا الحديث؛ لعلة لا تقدح في الإسناد ولا في صحة الرواية. وليس كل علة في الإسناد يرد بها الحديث برمته؛ لأن من العلل ما هو قادح ومنها ما ليس بقادح.

стр. 1413

ترجمة زهير بن حرب شيخ الإمام مسلم والإمام مسلم بدأ هذا الحديث بذكر شيخ له أكثر عنه وهو زهير بن حرب رحمه الله تعالى، فقال: [حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب]. وذكر أول شيخ له بكنيته واسمه سواء، فلم يقل: حدثني أبو خيثمة فقط، ولم يقل: حدثني زهير بن حرب فقط، ولكنه جمع بين الاثنين، ولو قال: حدثني أبو خيثمة لعلم أنه زهير بن حرب، ولو قال: حدثني زهير بن حرب لعلم أنه أبو خيثمة، ومع ذلك جمع بين الاثنين، بين الكنية وبين الاسم؛ لأن الرجل يعرف بأربع، إما بكنيته، وإما باسمه، وإما بلقبه، وإما بنسبه، فإذا قال الإمام مسلم: حدثني أبو خيثمة فليس في طبقة شيوخ مسلم وهم الطبقة العاشرة من يكنى بهذه الكنية إلا زهير بن حرب، وكان يكفي أن يقول: حدثني زهير بن حرب أو حدثني أبو خيثمة، ولكنه جمع بين الاسم وبين الكنية، وهذا فيه تعظيم للشيخ وإجلال له، وقد قال الخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع في الجزء الثاني: ويفضل أن يجمع الراوي بين كنية شيخه واسمه إجلالاً له وتعظيماً. وأبو خيثمة زهير بن حرب أصله من نسأ أو من نِسأ، فنسبته أنه نسائي أو نسوي، كالإمام النسائي، أو تقول: الإمام النسوي، والنسبة صحيحة في الحالين، وقد نزل بغداد فنسب إليها، فيقال: أبو خيثمة زهير بن حرب النسوي أو النسائي البغدادي. وهناك من يكنى بهذه الكنية أبي خيثمة، ولكنه متقدم على زهير بن حرب، وهو زهير أيضاً، ولكنه زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو من الطبقة السابعة، وليس شيخاً للإمام مسلم، وإنما هو فوق شيوخه بطبقة.

стр. 1414

استحباب التكني للشخص ولو لم يكن له ولد وزهير بن حرب شيخ مسلم لم يكن له ولد يسمى خيثمة الذي تكنى به، وليس بلازم أن يكنى الرجل بولده، والمعلوم عند الكثير من الناس اليوم أنه لابد أن يكون للرجل ولد حتى يكنى به، ويا حبذا! لو كان ولده الأكبر، ولكن هذا ليس بلازم ولا بشرط، فالإمام زهير بن حرب لم يكن له ولد يسمى خيثمة حتى يقال: أبو خيثمة، بل للرجل والمرأة أن يكنيا أنفسهما حتى وإن لم يكن لهما ولد، وإن حرما الولد فيستحب للرجل والمرأة أن يتخذا لهما كنية، بل وأكثر من ذلك يستحب لك أن تكني أطفالك الصغار الذين لم يتزوجوا بعد، والذين لم يبلغوا أو يميزوا بعد، وقد روى النسائي من حديث أنس: أن أخاً له رضيع كان له نغير، وهو طائر صغير كالعصفور، وهو فوق العصفور ودون اليمامة، وكان النبي ﷺ إذا زار أم سليم وأبا طلحة في بيتهما يداعب الأطفال ويلاعبهم. وكان من خلقه ﷺ أنه يمازح الأطفال ويقضي حاجتهم، حتى كانت الجارية الصغيرة في السن تأخذ بيده وتنطلق به في سكك المدينة حتى تقضي حاجتها، ولا ينصرف عنها حتى تنصرف عنه ﷺ ، وليس في هذا أيضاً جواز مصافحة النساء، لأن الجارية المقصود بها هنا هي التي لم تبلغ بعد، وأما المصافحة فحرام وأدلتها كثيرة في الصحيحين وغيرهما. فالنبي ﷺ عندما كان يزور أنساً أو أم سليم أو أبا طلحة في بيتهم كان يلاعب هذا الغلام أخو أنس من أمه أم سليم، وكان يقول له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) يعني: ما هي أخبارك مع العصفور، وهذا فيه مداعبة للأطفال، كما أن فيه أيضاً إثبات سنية واستحباب تكنية الأطفال؛ لأنه قال له: (يا أبا عمير!)، وهذا ليس اسم الغلام، وإنما هو كنية له كناه بها النبي ﷺ ، ونعم من كنى وسمى ﷺ . وفي الحديث أيضاً فوائد أخرى كثيرة، وقد صنف أحد القدامى في فوائد حديث أبي عمير، وذكر فيه أكثر من ستين فائدة، وهذا الجزء مطبوع متداول. والنبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂ أم المؤمنين وهي زوجه وليس لها ولد منه: (يا عائش! تكني بابن أختك عبد الله). وهو عبد الله بن الزبير ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق، وقال لها النبي ﷺ : (يا عائش! تكني بـ أم عبد الله). فكانت كنية عائشة ﵂ أم عبد الله.

стр. 1415

توثيق الأئمة لزهير بن حرب زهير بن حرب من الأئمة الثقات الأثبات الذين كان يضرب بهم المثل في الحفظ والإتقان، وقدمه النسائي وغيره على أبي بكر بن أبي شيبة، ولو عرفت محل أبي بكر بن أبي شيبة من العلم لعظم عندك مكانة أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبو خيثمة صاحب مصنفات، كما أن أبا بكر بن أبي شيبة صاحب مصنفات عظيمة جداً، والتي من أعظمها مصنفه المعروف بمصنف ابن أبي شيبة. وزهير بن حرب من أكابر شيوخ الإمام مسلم، وقيل: إن مسلماً روى عنه ألف حديث، وسئل الإمام يحيى بن معين عن أبي خيثمة زهير بن حرب فقال: أبو خيثمة ثقة ثقة، يكفي قبيلة، يعني: يغني قبيلة بالتحديث والعلم والورع والزهد والإقبال على الطاعة والعبادة. وهذا القول من إمام فحل جليل كـ يحيى بن معين، كأنه انتزع من بين فكي أسد؛ لأن يحيى بن معين كان من قسم المتشددين والمتعنتين جداً في الكلام في الرجال، فما كان أحد يظفر من يحيى بن معين بثقة ولا بصدوق، حتى قيل: إن الرواة يمرحون ويلعبون ما داموا بعيدين عن يحيى، فإذا وقفوا أمامه أتى كل منهم بأحسن حديثه مخافة أن يقع لـ يحيى بن معين حديثهم الضعيف أو الواهي فيحكم عليهم بأنهم رواة الأباطيل، أو أنهم كذابون أو وضاعون أو ضعفاء، فكان الواحد منهم إذا وقف أمام يحيى بن معين كأنه في امتحان عسير صعب لا يكاد أن ينجو منه. فإذا قال هذا الإمام الذي هو بهذه المكانة من الشدة والعنت: ثقة ثقة، يكفي قبيلة، فاعلم مكانة زهير بن حرب. وكان الإمام أحمد وهو من أقرانه يجله ويعظمه ويفخم أمره ويرفعه على كثير من الناس، وكفى بـ زهير جلالة توثيق هؤلاء له. والإمام أحمد من فريق المعتدلين، وأما يحيى بن معين فمن فريق المتعنتين المتشددين في الرجال، واختلف في الإمام النسائي هل هو من المتشددين أو من المعتدلين؟ وبكل قول قال فريق من أهل العلم، والراجح على الإمام النسائي أنه من المتشددين أيضاً، ومع هذا فقد رفع شأن زهير بن حرب أبي خيثمة النسائي. ويؤخذ من هذا أيضاً أنه يستحب أن ينادى المسلم بكنيته؛ لأن الكنية فيها تعظيم وفيها إجلال وتفخيم لصاحب هذه الكنية، فيفضل أن تقول: يا أبا فلان! وإن سميته باسمه بعد ذكرك لكنيته فهو حسن، وإن كان يكره أن يذكر اسمه فينبغي عليك ألا تذكره إلا بالكنية فقط.

стр. 1416

طرق معرفة الرجال من أسمائهم الرجل يعرف بأربع: إما بكنيته، والكنية لابد وأن يسبقها حرف أبو، وإما باسمه ونسبه، فإذا قلت: سفيان فقيل: سفيان من؟ فقلت: ابن سعيد الثوري فقد عرف، وإن قلت: سفيان بن عيينة فقد عرف. فلابد في معرفة الرجل من ذكر اسمه مجرداً، وإن لم يكن علماً عليه فينبغي ذكر نسبه حتى يتميز عن غيره، خاصة وإن كان معه في الطبقة من يتسمى باسمه أيضاً؛ حتى لا يختلط بغيره. وإما بذكر لقبه أو نسبته سواء كانت نسبة بلد، فيقال: فلان المصري أو المكي أو العراقي أو الكوفي أو البصري، أو نسبته إلى حرفة كفلان الجزار أو الحداد، أو نسبته إلى صنعة، كفلان الحائك أو الصائغ، أو نسبته لمكان أو لغير ذلك. وأما الألقاب فمنها القبيح ومنها الجيد، فإذا كان اللقب جيداً فلا بأس به، ولا يحتاج هذا إلى إذن الملقب لندائه بهذا اللقب، وإذا كان قبيحاً فلا ينادى به، والأصل في ذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١]. فهذا من التنابز بالألقاب، ولكنه يباح لضرورة، مثل النصيحة في الدين، أو لتمييزه إن لم يمكن تمييزه إلا بذكره بهذا اللقب، فإذا قيل مثلاً: حدثنا إسماعيل لقيل: من إسماعيل؟ فإذا قيل: هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم وعددنا خمسة أسماء أو أكثر من ذلك لربما عسر على المستمع إدراك وتمييز من هذا الراوي، فلو قيل: حدثنا ابن علية لعرف، وعلية أمه، وهذا لقب له، فنسب إلى أمه، وكان يكره ذلك، ولكنه لا يعرف إلا بهذا، فيحرم ذكره بهذا اللقب على سبيل الذم والتنقص، ويجوز على سبيل المصلحة والتمييز والتعريف عن غيره. ويا حبذا قول الشافعي عليه رحمة الله! وهو الذي بلغ في الأدب مبلغاً عظيماً، فكان يجمع بين ذكر الراوي بلقبه والتبري من التنابز بالألقاب، فكان يقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن علية، يعني: لست أنا القائل، فهنا حصل التمييز وحصل التبري.

стр. 1417

الجمع بين الكنية والاسم عند مخاطبة الشيخ يقول الإمام الخطيب البغدادي: والجمع بين اسم الشيخ وكنيته أبلغ في إعظامه وأحسن في تكرمته. وعن الحسن البصري قال: يجب للعالم ثلاث خصال: تخصه بالتحية، يعني: إذا دخلت مجلساً فيه رجل من أهل العلم فقل: السلام عليكم، ثم قل: السلام عليك أيها الشيخ! فتسلم على الناس ثم تخص الشيخ بالسلام، ولا تخصه بالسلام دون الناس، بل لابد من أن يشتمل سلامك على الناس، وإلا دخلت في شرط وعلامة من علامات الساعة، وهو التخصيص بالسلام، وفي حديث ابن مسعود: (أن رجلاً قال له وهو داخل المسجد معه أصحابه: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن! قال: الله أكبر، سبحان الله! لقد أخبرنا النبي ﷺ أن تسليم الخاصة من أشراط الساعة، وأنت سلمت علي وتركت أصحابي)، ولو سلم عليه وعلى أصحابه ثم خصه بالسلام لحصل المقصود بقول الحسن: ثم تخص الشيخ بالتحية. قال: وتعمه بالسلام مع الجماعة، ولا تقل: أخبرنا فلان، وقل: أخبرنا أبو فلان، يعني: تذكره بكنيته ولا تذكره باسمه. وعن العباس الدوري قال: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء يقول له: يا أبا زكريا! كيف حدثت كذا، وكيف حدثت كذا؟ يريد أحمد أن يتثبت منه في الحديث، ويتأكد من الحديث الذي عند يحيى بن معين، قال: وقلما سمعت أحمد بن حنبل يسمي يحيى بن معين باسمه، إنما كان يقول: قال أبو زكريا، دخل أبو زكريا، خرج أبو زكريا، فهذا أمر وسنة عظيمة قد ماتت عند الكثير، وبالذات من الشعب المصري، وإلا فهي بحمد الله موجودة في شعوب العرب، فقد كانوا يعرفون بعضهم البعض بكناهم، وربما يخفى عليهم أسماؤهم، ونحن نجد في الرواة من عرف بكنيته واختلف في اسمه على أكثر من ثلاثين قولاً كـ أبي هريرة ﵁، فقد كناه النبي ﵊ بـ أبي هريرة، فاشتهرت هذه الكنية حتى طغت على اسمه، فاختلف من أتى من بعده في اسم أبي هريرة؛ لأنه عرف وعلم عند الناس بكنيته دون اسمه، وكذلك لو اقتصر على الاسم والنسب لكان هذا جائز.

стр. 1418

ذكر الرواة بأسمائهم دون أنسابهم إن لم يشكل ذلك وهناك جماعة من المحدثين اقتصر في الرواية عنهم على ذكر أسمائهم دون أنسابهم، إذا كان ذلك لا يشكل، فلو قلت: حدثنا زهير بن حرب فلن تسأل عنه أبداً؛ لأنه واحد فقط، ولو قلت: عبد الله بن المبارك، فهو واحد فقط، ولو قلت: أحمد بن حنبل فهو واحد فقط، بل ربما لو ذكرته بكنيته لخفي أمره، فلو قلت: قال الفقيه أبو عبد الله لما عرفته؛ لأن الفقهاء كثير منهم تكنوا بهذه الكنية، ولو قلت: قال أحمد بن حنبل لعلم عند العوام قبل الخواص أنه الإمام الجليل المحدث الفقيه، فربما اقتصر على بعض ذكر أسماء المحدثين دون ألقابهم ودون كناهم؛ لتميزهم وأمن اللبس والاختلاط بغيرهم. وقد قال سلمة بن سليمان: أخبرنا عبد الله، فقال له رجل: عبد الله ابن من؟ فقال: يا سبحان الله! -فـ عبد الله الذي في طبقته هو عبد الله بن المبارك - أما ترضون في كل حديث حتى أقول: أخبرنا عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي الذي منزله في سكة كذا؟ وهذا كالشيخ ابن عثيمين، مشهور في القصيم في عنيزة باسمه وليس بنسبته، فهو مشهور هناك بالشيخ محمد، فإذا ذكر هناك الشيخ محمد فلا يجوز لأحد أن يسأل: الشيخ محمد من؟ لأنه إذا ذكر الشيخ محمد فإنما هو علم على مسمى علم أيضاً، وهو الشيخ ابن عثيمين. فقال سلمة: إذا قيل بمكة عبد الله فهو ابن الزبير، يعني: إذا قيل عبد الله المكي فهو ابن الزبير، وإذا قيل بالمدينة فهو عبد الله بن عمر الصحابي، وإذا قيل بالكوفة فهو عبد الله بن مسعود الصحابي ﵁، وهو إمام أهل الكوفة، وإذا قيل بالبصرة فهو عبد الله بن عباس؛ لأنه رحل إليها، وإذا قيل بخراسان عبد الله فإنما هو ابن المبارك. وربما لم ينسب المحدث إذا كان اسمه مفرداً عن أهل طبقته، كـ مسلم بن خالد المكي الملقب بـ الزنجي، فلو قيل: حدثنا الزنجي، فإنه لا يوجد أحد اسمه الزنجي غير هذا، وقد قال عنه ابن أبي حاتم: مسلم بن خالد الزنجي إمام في الفقه والعلم، وكان أبيض مشرباً بحمرة، وإنما لقلب بـ الزنجي لمحبته التمر، قالت جاريته له ذات يوم: ما أنت إلا زنجي، يعني: أنت تحب التمر فقط وليس لك في العمل، وهذه النسبة فيها نظر كبير، والعرب لا تعرف هذا الأسلوب في النسبة، والراجح ما قاله سويد بن سعيد فقد قال: سمي مسلم بن خالد الزنجي؛ لأنه كان شديد السواد، وهذا هو الراجح، وإلى الآن يقال للسود زنوج، وليس هذا من باب التنابز بالألقاب وإنما من باب التمييز، فهؤلاء السكان في هذه البقعة تغلب عليهم السمرة، وليس هذا قادحاً فيهم، بل ربما يقدح فينا؛ لأنه ليس لأبيض على أسود ولا لعجمي على عربي فضل إلا بالتقوى.

стр. 1419

بعض من غلب لقبه على اسمه من الرواة وقد غلبت بعض الألقاب على جماعة من أهل العلم على أسمائهم، فاقتصر الناس على ذكر ألقابهم في الرواية عنهم، فمنهم غندر وهو محمد بن جعفر البصري، فلو قلت: حدثنا محمد بن جعفر لسئلت: من محمد بن جعفر؟ ولو ذكرت اسم جده وجد أبيه ونسبه، ولكن لو قلت: حدثنا غندر، لعرف أنه محمد بن جعفر خاصة إذا كان هذا اللقب يذكر في إسناد أهل البصرة؛ لأن الملقب بغندر كثير، ولكنه إذا جاء في إسناد أهل البصرة فإنما هو محمد بن جعفر، والذي لقبه بهذا ابن جريج المدني، وابن جريج كان مدلساً، فنزل البصرة ذات مرة، فحدث بأشياء عن الحسن البصري، ومعلوم أن غندر أعلم بحديث الحسن من ابن جريج؛ لأنه بلده، فكلاهما بصري، فلما حدث ابن جريج عن الحسن بكلام لا يعرفه غندر كان يقاطعه، ويقول: يا شيخ! من أين أتيت بهذا، خاصة وأن ابن جريج مدلس، فكان كلما تكلم بكلام لا يعرفه محمد بن جعفر شغب عليه وشوش عليه وقال: من أين أتيت بهذا؟ فقال ابن جريج: اسكت يا غندر! أي: يا مشاغب! فلقب به، وأهل المدينة يقولون للمشاغب: غندر. ومنهم لوين وهو لقب، وهو محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي، قال ابن جرير: إنما لقب المصيصي بـ لوين لأنه كان يبيع الدواب ببغداد، ويقول: هذا الفرس له لوين، هذا الفرس له قديد، فلما كثر قوله: هذا الفرس له لوين لقب بـ لوين. ومنهم مشكدانة، ومنهم عارم، وعارم هو شديد البأس والطيش، ومنهم سعدويه، وهو سعيد بن سليمان الواسطي، قال أحمد بن يونس بن سنان الرقي: قدمت العراق في طلب العلم فصرت إلى البصرة، ثم صرت إلى بغداد، ثم صرت إلى أبي نعيم -وهو الفضل بن دكين شيخ البخاري - في الكوفة، فقال لي أبو نعيم: ممن أنت؟ قال: قلت: من أهل الرقة، قال: فقال لي: وفيم قدمت؟ قال: قدمت إلى العراق في طلب العلم، قال: فقال لي: وإلى أين صرت؟ قال: قلت له: إلى البصرة، قال: فمن محدث البصرة؟ قال: قلت له: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن فرندل بن عرندل الأسدي البصري، أبو الحسن الحافظ، وقد قال الحافظ ابن حجر: ليس هذا اسمه ألبتة، ولكنه من صنع الذين يتفكهون، وإنما هو معلوم بأنه: مسدد بن مسرهد الأسدي البصري أبو الحسن، وبقية الأسماء غريبة جداً قال أبو نعيم: لو كان في هذه النسبة بسم الله الرحمن الرحيم لكانت رقية العقرب! يعني: لو أضفت إلى هذا بسم الله الرحمن الرحيم، لظن القارئ لها أنها تنفع من لدغة العقرب، وهذا استبعاد لأن يكون مسدد هذا اسمه. ثم قال لي: وإلى أين صرت؟ قال: إلى بغداد، قال: فمن محدث بغداد؟ قلت: سعدويه، قال: فمن قاضيهم؟ قلت: شعبويه -أي: الشعبي - قال: فمن قاصهم -أي: واعظهم-؟ قال: سيفويه. قال: سبحان الله! ويحك وتمطرون مع هذا؟! أي: وينزل عليكم المطر من السماء مع هذا كله؟ وهذا فيه جواز ذكر الرجل بلقبه إن لم يعرف إلا به. ومنهم صاعقة، وهو محدث كبير، واسمه محمد بن عبد الرحيم البغدادي أبو يحيى، قال الكرجي: سمي صاعقة؛ لأنه كان جيد الحفظ، وكان أستاذ ابن خراش، وابن خراش له مكان في العلم عظيم، وهذا كان أستاذه، ولقب بـ الصاعقة لأنه ما ناظر أحداً إلا وغلبه، كالإمام الشافعي قال عنه تلميذه الربيع: ما ناظر الشافعي أحداً إلا ورأيت أنه كالسبع يلتهمه. ومنهم مطين وهو لقب، فإذا ذكر فقد علم أنه محمد بن عبد الله الحضرمي قال أبو نعيم الحافظ: بلغني عن أبي جعفر الحضرمي قال: كنت ألعب مع الصبيان في الطين، وقد تطينت -أي: أصابني الطين والوسخ- وأنا صبي لم أسمع الحديث -أي: ما زلت صغير- إذ مر بنا أبو نعيم الفضل بن دكين وكان بينه وبين أبي مودة وصحبة، فنظر إلي فقال: يا مطين! قد آن لك أن تحضر المجلس لسماع الحديث، ثم حملت إليه بعد ذلك بأيام، فإذا هو قد مات. ومنهم نفطويه وهو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرعرة النحوي إمام النحو، قال عنه الذهبي عليه رحمة الله في السير: العالم ال

стр. 1420

بعض من غلبت عليه كنيته من الرواة وأما أصحاب الكنى من المحدثين فهم جماعة اكتفى الرواة عنهم بذكر كناهم، أو ألقابهم إذا كانوا معلومين بذلك، كـ أبي الزناد، وأبي مسهر، وأبي معاوية الضرير، وأبي النضر، وأبي الوليد، وأبي خيثمة، وهو زهير بن حرب، وغيرهم من الرواة. فإذا ذكر أبو نعيم فإنما هو الفضل بن دكين في ذلك الزمان وفي ذلك العصر.

стр. 1421

مواقف تظهر فكاهة الفضل بن دكين فقال الباغندي: سمعت أبا نعيم، وقال له رجل من الواسطيين: يا أبا نعيم! ما الاسم؟ فتهكم عليه أبو نعيم وقال له: إذا أتيت أمك فأقرئها مني السلام كثيراً، وأنا يا بني! واثلة بن الأسقع. وواثلة بن الأسقع صحابي، فهو يتهكم عليه من وجهين، وقد كان أبو نعيم مشهوراً بالفكاهة والطرفة. وكانت له حوادث مع المحدثين يطول ذكرها يثبت فيها أنه كان صاحب فكاهة، ومنها أنه كان يحب أن يجلس في مكان مرتفع، ولما قفل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأحمد بن منصور الرمادي من صنعاء من عند عبد الرزاق الصنعاني مروا على الفضل بن دكين، وكان يحيى بن معين فيه اختبار وامتحان للرواة؛ خشية أن يكونوا قد اختلطوا وتأثروا بعوارض الزمان، فقال يحيى بن معين لـ أحمد: تعال نختبر الفضل بن دكين أبو نعيم، قال له: هو ثبت ثقة، قال: لابد لي من ذلك، فلما لم يجد أحمد بد مشى معه، وكان الإمام أحمد مؤدباً بشدة عليه رحمة الله، وقد ترجم له ابن الجوزي في مجلد كبير جداً، وله ترجمة عظيمة جداً في سير أعلام النبلاء والتاريخ الكبير. فعمد يحيى بن معين إلى ثلاثين حديثاً من أحاديث أبي نعيم الفضل بن دكين وخالف في أسانيدهم من الأول إلى التاسع وأقام العاشر صحيحاً، ثم من الحادي عشر إلى التاسع عشر وأقام العشرين، وكذا فعل في رقم ثلاثين، وأعطى الورقة لـ أحمد بن منصور الرمادي، من أجل أن يكون بعيداً عن التهمة، ولكن هذا لم يخف على أبي نعيم، فلما جلس الثلاثة أمامه قرأ عليه الورقة، فقرأ الأول والثاني وعينا الفضل بن دكين شاخصة بشدة وقال: ليس هذا من حديثي فلما قرأ العاشر قال: أثبت هذا فإنه من حديثي، وكذا فعل في العشرين والثلاثين، ثم نظر إلى أحمد! وقال: أما أنت يا أحمد! فآدب من أن تفعل ذلك، أي: أدبك يمنعك، وأما أنت يا أحمد بن منصور! فأقل من ذلك -أي: لا تستطيع أن تعمل هذا- وأما أنت فأنت هو يا يحيى بن معين! ورفسه رفسة انقلب منها ثلاث مرات ولو أن شيخاً رفس أحدنا الآن وقال له: لماذا لم تحضر الدرس لقال: إن جئت فلنفسي وإن لم آت فلنفسي أيضاً. فقام يحيى بن معين وقبله بين عينيه، وقال: والله لهذه الرفسة أحب إلي من سفرتي. يقول زكريا بن يحيى المدائني: قال رجل لـ أبي نعيم الفضل بن دكين: يا أبا نعيم! أشتهي أن أكتب اسمك من فيك، فقال: واثلة بن الأسقع، قال علي بن القاسم: فحدثني شيخ من أصحابنا قال: رأيت شيخاً خراسانياً بمكة يحدث يقول: أخبرنا واثلة بن الأسقع، وبينه وبين واثلة بن الأسقع أربع طبقات، يقول الراوي لما سمع هذا: فعلمت أن مزاح الفضل بن دكين دخل على هذا الرجل ولم ينتبه له.

стр. 1422

أدب طالب العلم في سؤاله شيخه عن اسمه وهناك أدب ينبغي أن يسلكه الطالب إذا أراد أن يعرف اسم شيخه، وهو ما حدث مع إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: جلس إلي مدني ذات مرة فحدثته، فلما أراد الانصراف قال لي: أحب المعرفة، وأجلك عن المسألة عن اسمك، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فانظر إلى الأدب والتلطف، وقد قال إبراهيم ﵇ عندما أتته الملائكة: ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]، وهذا فيه أدب وتلطف وليس مثل قوله: (كل)، وإن كانت (كل) أيضاً ثابتة في حديث أبي بكر الصديق، ولكن أفضل منها كلام إبراهيم الخليل، ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]. ففيها مودة وتلطف ورفع لشأن الضيف وإكرام، فلو أنكم أكلتم عندي فستكرموني بذلك. وقال أبو العيناء محمد بن القاسم: أتيت أبا الهذيل في أول يوم لقيته فتكلمت، فقال: أبو من لا عدمت كانياً، أي: لا عدمت مكنى، فخبرته، فقال لي: في المسألة عن الاسم بشاعة، يعني: لا أحب أن أقول: ما اسمك؟ ولكني إذا أردت أن أتعرف عليك أقول: أبو من أنت؟

стр. 1423

بعض من نسب من الرواة إلى أمهاتهم وحكم ذلك وإذا كان الراوي معروفاً باسم أمه وهو الغالب عليه جاز نسبته إلى أمه، مثل ابن بحينة، وهو عبد الله بن مالك وبحينة أمه، ولكنه مشهور ومعروف بنسبته لأمه، وكذلك عبد الله بن أم مكتوم، وقيل: هو عمرو بن أم مكتوم، وأم مكتوم أمه، فهو معروف بنسبته إليها، والنبي ﷺ كان يناديه بذلك، فدل ذلك على جواز أن يلقب الرجل بلقب وأن ينسب بنسبة لتمييزه، وهي وإن كانت في أصلها منقصة إلا أنه إذا كان الحامل عليها التمييز وبيان المصلحة فهذا أمر جائز. وكذلك يعلى بن منية ومنية هي جدته أم أبيه. ومعاذ بن عفراء هو معاذ بن الحارث، وعفراء أمه. وبشير بن الخصاصية، والخصاصية أمه، وهو بشير بن معبد بن شراحيل السدوسي. وشرحبيل بن حسنة، وحسنة أمه، وهو شرحبيل بن عبيد الله بن المطاع. وهؤلاء المذكورون كلهم من الصحابة، ومن بعدهم منصور بن صفية، وهو منصور بن عبد الرحمن الحدبي، وصفية أمه، وكذلك إسماعيل بن علية، وعلية أمه، وغيرهم. وقد قال الإمام أحمد بن حنبل لـ يحيى بن معين: يا أبا زكريا! بلغني أنك تقول: أخبرنا إسماعيل بن علية؟ فقال يحيى: نعم هكذا أقول، قال أحمد: فلا تقله، وقل: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه. فقال يحيى لـ أحمد بن حنبل: قد قبلنا منك يا معلم الخير. وقد كان الإمام يحيى بن معين أكثر تقدماً وتفنناً من أحمد في علم الرجال، وأحمد أكثر تفنناً منه في جمع الروايات، وكلاهما كان إمام زمانه، وكانوا أقراناً، وكان أحمد أكبر سناً من يحيى بن معين، حتى استنكر عبد الله ابن الإمام أحمد تبجيل أبيه لـ يحيى بن معين ذات مرة، وقد كان أحمد يقيم الليل كله، فإذا زاره يحيى بن معين ترك أحمد قيام الليل، وأقبل على يحيى وهو نائم على ظهره رافع قدميه على الحائط ويجلس عند رأسه ويقول له الإمام أحمد: ما يقول الإمام في فلان؟ ما يقول الإمام في فلان بن فلان؟ وهو أصغر منه، ولكن هذا علم، فقال له عبد الله: يا أبت! إنك تترك قيام الليل إذا زارنا هذا فلم؟ قال: يا بني! إن قيام الليل يدرك بعد، وأما فوات الفائدة من هذا فلا تدرك. وهذا هو الأدب والتواضع في طلب العلم، فقد كان يطلب العلم ممن هو أصغر منه، ولا يرى بذلك بأساً، وقد ذكر أهل الحديث وعلماء المصطلح باباً يسمى رواية الأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء، وهذا ليس بعيب، والعلم رزق كالطعام والشراب، فقد يجده عند من هو أعلى منه أو من هو مثله أو من هو دونه.

стр. 1424

حكم تعريف المحدث بصفة نقص وأما تعريف المحدث بصفات من صفات النقص كالعمى والبرص والعور ونحوها من الآفات فهو جائز إن لم يكن منه بد، ولم يختلف العلماء أنه يجوز ذكر الشيخ وتعريفه بصفته التي ليست نقصاً في خلقته كالطول، فالطول ليس صفة نقص، بل صفة كمال، فيقال في المثل: الطول هيبة وإن كان خيبة، وكذلك الحمرة والصفرة وغيرها، فهناك من يلقب حميد الطويل وإسحاق بن يوسف الأزرق، وحسين بن الحسن الأشقر، وجعفر بن زياد الأحمر، ومروان الأصفر وغير ذلك، وكلها ألوان، ولكنها ألوان جيدة. وكذلك يجوز وصفه بالعرج والقصر والعمى والعور والعمش والحول والاقعاد والشلل. وممن ذكر بذلك في الرواية عنه: عمران القصير، وأبو معاوية الضرير، وهارون بن موسى الأعور، وسليمان الأعمش الكوفي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعاصم الأحول، وأبو معمر المقعد، ومنصور بن عبد الرحمن الأشل. ولم يعترض أحد على مناداتهم وذكرهم بهذه الألقاب التي هي ألقاب نقص إذا كان المقصود بها التمييز. قال وكيع: سمعت الأعمش الذي هو سليمان بن مهران يقول: أنا أعمش، وإبراهيم أعور، وعلقمة أعرج، والمغيرة أعمى، ومسروق مفلوج، والقاضي شريح سنوط، وسنوط: لا لحية له. وقال إسرائيل بن زياد: كان سعيد بن أبي عروبة إذا لقيني ومعي ألواح، يقول: ما تريد؟ قلت: أكتب الحديث، قال: اكتب أخبرنا الأعرج عن الأعمى عن الأعرج عن الأعمى، أي: سعيد بن أبي عروبة الأعرج عن قتادة الأعمى عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس الأعمى، وابن عباس ﵄ كف بصره في آخر حياته. وعن حفص بن عبد الرحمن قال: قال سعيد بن أبي عروبة: إذا حدثت عني فقل: حدثني سعيد الأعرج، فهو هنا راض بتلقيبه بهذا اللقب، وإذا كان راضياً فلا إشكال، وإذا لم يكن راضياً فقد ذهب جماهير المحدثين إلى جواز ذكره على جهة التمييز، وأما على سبيل الذم فحرام، وهو من باب التنابز بالألقاب. قال: إذا حدثت عني فقل: حدثني سعيد الأعرج عن قتادة الأعمى عن حسن الأحدب. وقال عارم: أخبرنا ثابت بن يزيد أبو زيد الأحول أخبرنا عاصم الأحول، ثم تبسم وضحك، فقيل له: ما يضحكك، قال: أنا أحول، وثابت أحول، وعاصم أحول، فاجتمعنا الثلاثة في الحول، وهذا أيضاً فيه رضاه بإطلاق اللقب. وعن عبدة بن سليمان قال: سمعت ابن المبارك وسئل عن فلان القصير وفلان الأعرج وفلان الأصفر وحميد الطويل، قال: إذا أراد صفته ولم يرد عيبه فلا بأس، أي: إذا أراد أن يميزه ولم يرد أن يعيبه بذكر هذا الوصف فلا بأس بذلك. فباب الألقاب باب واسع ينبغي التعرض له وذكره. وقد صنف فيه كثير من أهل العلم بلغوا خمسة، وأحسن من صنف فيهم هو الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، فقد صنف نزهة الألباب في الألقاب، وهو مجلدان، وقد طبع الكتاب منذ أعوام قلائل.

стр. 1425

معنى حرف (ح) في أسانيد صحيح مسلم قال: [حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا وكيع -وهو ابن الجراح - عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر]. ثم رسم حرف الحاء. وحرف الحاء يدل على تحويل الإسناد؛ ليبدأ المصنف إسناداً جديداً، أو أن حرف الحاء يعني لفظة الحديث، كما تقول: إلخ، أو تقول: قال الله تعالى وتذكر صدر الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] الآية، ثم تضع نقاطاً وتقفل القوس، وتقول بعد القوس: الآية، يعني: الآية بتمامها. فالحاء إما أن تفيد تحويل الإسناد وهو الراجح، وإما أن تفيد ذكر بقية الحديث، والفائدة الثالثة لمعنى الحاء هي ما قاله بعض أهل العلم: إنما هي بالخاء المعجمة وليس بالحاء المهملة، ومعناها: آخر الحديث، فيكون لفظة حاء هنا تفيد أي: إلى آخر الحديث كأنك تقول: إلخ. هذه ثلاثة تعريفات لحرف الحاء، ليبدأ إسناد جديد للإمام مسلم. قال فيه: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري].

стр. 1426

الفرق بين حدثني وحدثنا عند مسلم لو نظرت إلى الإسناد الأول والإسناد الثاني لـ مسلم في هذا الحديث لوجدت أن شيخه الأول زهير بن حرب، وشيخه الثاني هو عبيد الله بن معاذ العنبري، ولكنه لم يرو الحديث عنهما بصيغة واحدة، وإنما رواه عن الأول بقوله: حدثني زهير، ورواه عن الثاني بقوله: حدثنا عبيد الله، والإمام مسلم عليه رحمة الله امتاز عن الإمام البخاري بالدقة والتحري في الألفاظ والأداء والرواية، كقوله حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، والتمييز بين اختلاف الروايات بعضها عن بعض في الإسناد الواحد. فقوله: حدثني يفيد عند علماء أصول الحديث أنه سمعه من لفظ الشيخ على حدة، يعني: حدثني وحدي، وإذا كان الراوي يحدث على ملأ من الناس وملأ ومن الطلبة، وأراد الطالب الذي سمع عنه في هذا المجلس أن يحدث عنه فيقول: حدثنا، واللغة تشهد بهذا، فحدثني يعني: على انفراد، وحدثنا يعني: في جماعة. وقد اختلف العلماء أيهما أقوى: حدثني أو حدثنا؟ فبعضهم قال: حدثني أقوى، وبعضهم قال: حدثنا أقوى، والذين قالوا: حدثني أقوى. حجتهم أن حدثني كلفظ سمعت من الشيخ، أي: أن هذا سماع من لفظ الشيخ مباشرة بدون واسطة، ثم إن القائل والمتحدث هو الشيخ وليس غيره، وأما لفظ حدثنا فممكن أن يكون من غير لفظ الشيخ؛ لأنه لم يكن هناك مكبرات صوت في ذلك الزمان، وكان يحضر مجلس التحديث آلاف الطلبة، وكان هناك مبلغون، وربما بلغ عدد المبلغين في المجلس الواحد عشرين أو أكثر، فإذا قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي فقد لا يكون عبد الرحمن بن مهدي هو الذي حدثه، وإنما سمعه من لفظ المبلغ، وربما يقع التصحيف أو التحريف في لفظ المبلغ، فيكون لفظ حدثني أقوى من لفظ حدثنا. ولو قال الراوي: حدثني، فيما ينبغي أن يقول فيه: حدثنا لكان هذا قادحاً في عدالته ونقله. ولفظ حدثني لابد فيه من سماع لفظ الشيخ، وأما لفظ حدثنا فلا يشترط فيه ذلك. ولذلك استخدم بعض أهل العلم لفظة حدثنا في الإجازة، كما استخدموها في العرض على الشيخ، وهذا أيضاً أحد صور التحمل؛ فبدلاً من أن يأتي الشيخ بنسخته والطلبة يكتبون، يقرأ أحدهم على الشيخ والطلبة يسمعون، فإذا سكت الشيخ فهذا يعني أنه راض ومقر بما يقرؤه هذا الطالب، فيجوز للذي سمع أن يقول: حدثنا الشيخ، فيستخدمون لفظ حدثنا في العرض على الشيخ، وأما لفظ حدثني فلا يستخدم أبداً إلا في السماع من لفظ الشيخ. فحدثني وسمعت أقوى من حدثنا وسمعنا، هذا الرأي الراجح. ومن الأدلة على ذلك أيضاً: أنه يمكن أن ينام الشيخ أثناء العرض عليه.

стр. 1427

شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - بيان أن القدر من أركان الإيمان - ترجمة وكيع بن الجراح وكيع بن الجراح أحد العلماء الأثبات الثقات، وقد أثنى عليه العلماء وعدلوه، وقد كان من الحفاظ الكبار، جامعاً للعلم والورع والعبادة والزهد، ولم يتلطخ بوظائف السلطان وأعماله. فرحمه الله تعالى.

стр. 1428

ترجمة وكيع بن الجراح الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال المصنف ﵀: [حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا وكيع]، وهو وكيع بن الجراح بن مليح البهرامي الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي الحافظ، روى عن الأئمة، وروى عنه أئمة.

стр. 1429

علم وكيع بن الجراح قال عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع بن الجراح، ولا أحفظ له منه. وهذا الكلام له قيمته ووزنه، خاصة إذا صدر من مثل أحمد بن حنبل، مع كثرة شيوخ الإمام أحمد عليه رحمة الله، فهو له من الشيوخ الأجلاء الكثير والكثير، ولكنه يقول: ما رأت عيناي مثل وكيع بن الجراح. وقال: كان مطبوعاً على الحفظ، يعني: كان مجبولاً على الحفظ، إذا سمع شيئاً ولو مرة واحدة حفظه. قال: وكان وكيع حافظاً حافظاً، وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيراً كثيراً. ولو عرفنا مناقب وترجمة عبد الرحمن بن مهدي لعلمنا قدر وكيع، فإن عبد الرحمن بن مهدي كان عظيم القدر عالي الكعب في هذا العلم، وكان وكيع أعظم منه وأكثر حفظاً وضبطاً، وإن كان يقع في الخطأ أحياناً، وقد قيل له: إنك حدثت بألف وخمسمائة فأخطأت في ثلاثة أحاديث، فقال: وهل يعد هذا خطأ!

стр. 1430

موقف وكيع من السلطان وقال أحمد: وكيع لم يتلطخ بالسلطان، وفي الحديث الحسن: (من اقترب من السلطان افتتن). فـ وكيع عليه رحمة الله لم يتقرب ولم يتزلف إلى سلاطين زمانه ألبتة. وما رأيت أحداً أوعى للعلم منه، ولا أشبه بأهل النسك منه، يعني: كان يجمع إلى العلم الورع والعبادة والزهادة والحفظ والإتقان وغير ذلك. وكان وكيع يحفظ ألف ألف حديث، أي: مليون حديث. ويقول: قد عرض على وكيع أن يعمل قاضياً للكوفة فامتنع وفر منه. وكان كثير من علماء السلف يهربون من هذه المناصب رغم أنها مناصب شرعية، إلا أنهم كانوا يفرون منها فرارهم من الأسد، وكانوا يفرون من هذه المناصب بقدر إقبالنا عليها الآن، وحرصنا على أن نحوز منها نصيباً ولو كان تافهاً أو بسيطاً أو حقيراً. وقد روي أن الوالي أرسل إلى سفيان الثوري فأتاه، فقال: يا سفيان! تول القضاء، فجعل سفيان الثوري نفسه معتوهاً لا يعرف أي شيء، وفتح فمه، فصدق ذلك السلطان وقال: هذا لا ينفع أن يكون قاضياً وهو بهذا الشكل، فقالوا: يا سلطان! إنه يفعل هذا لأجل أن يفر منه، فعندما تنبه السلطان قال: يا سفيان! إنك لن تلعب علينا، وإنك ستتولى القضاء، فلما لم يجد سفيان بداً من الحيلة احتال مرة أخرى، فقال له: يا سفيان! عدني أنك تعود مرة أخرى، فوعده، ثم لما خرج من عنده عاد في نفس الوقت؛ لأنه ترك نعله هناك، فرجع وأخذ النعل ومشى، فبعض الحاضرين أدرك المسألة فقال: يا سلطان! هذا لن يرجع إليك، فإنه قد رجع كما وعد، فأخذ نعله وانصرف. فكان السلف يهربون من هذه المناصب، وأما نحن الضعفاء المساكين فنقبل عليها إقبال الجريء الغبي الجاهل، ووكيع عرض عليه القضاء فلم يقبله أبداً.

стр. 1431

ثناء العلماء على وكيع وتوثيقهم له قال أحمد: ما رأيت رجلاً قط مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوع وورع، وكان يذاكر في الفقه فيحسن، ولا يتكلم في أحد، يعني: إذا ذاكر في الفقه كان فقيهاً يحسن أن يتكلم في الفقه، ولكنه كان لا يتكلم في أحد. وعن أحمد قال: كان وكيع إمام المسلمين في وقته. وعنه قال: عليكم بمصنفات وكيع. وأعظم ما كتب كتاب الزهد، وهذا الكتاب يعتبر أصلاً في هذا الباب، فهو أصل لمن كتب في الزهد والورع ممن أتى بعده. وقال ابن معين: الثبت بالعراق وكيع. ويحيى بن معين من المتشددين جداً في أمر الرجال، وإذا وثق المتشدد راوياً فعض عليه بالنواجذ، وإذا جرح فانظر هل وافقه أحد أو انفرد به؛ وهل هو عنده حجة أو ليس بحجة؟ فـ يحيى بن معين على تشدده وتعنته في التوثيق يقول: الثبت بالعراق وكيع، وكأنه يقول: ليس هناك من هو أثبت ولا أوثق في العراق من وكيع. وقال ابن معين أيضاً: ما رأيت أفضل من وكيع، قيل له: فـ ابن المبارك؟ يعني: ما رأيك في ابن المبارك؟ قال: قد كان له فضل، ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة ويحفظ حديثه ويقوم الليل ويسرد الصوم سرداً ويفتي بقول أبي حنيفة، ووالله ما رأيت أحداً يحدث لله تعالى غير وكيع، يعني: ما رأيت أحداً يحدث بإخلاص لله تعالى دون أن يصبو إلى غرض من أغراض الدنيا، وما رأيت أحفظ منه، ووكيع في زمانه كـ الأوزاعي في زمانه. وعن ابن معين قال: ما رأيت رجلاً يحدث لله تعالى إلا وكيعاً والقعنبي. وعن ابن معين قال: ما رأيت أحفظ من وكيع، قيل له: ولا هشيم؟ قال: وأين يقع؟ أي: وأين يقع هشيم من وكيع، يعني: إذا قرن به فلا يساوي شيئاً. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين -وهو إمام جليل-: مادام هذا التنين حياً فلن يفلح أحد، أي: مادام وكيع حياً يرزق ويدرس وله حلقة فلن يفلح أحد من المحدثين. ولم ينصب وكيع حلقة للعلم إلا وأثرت على باقي حلقات أهل زمانه. وقال أحمد بن سيار عن صالح بن سفيان: قدم وكيع مكة فانجفل الناس إليه، أي: أتوا أفواجاً ودفعات، وحج تلك السنة غير واحد من العلماء، وكان ممن قدم عبد الرزاق الصنعاني، فقد أتى من اليمن ليحج، فلما وصل إلى الكعبة لم يجد أحداً سأل عنه، ولم يلتف حوله أحد من طلبة العلم، فأثر ذلك في نفسه، فلما رجع إلى بيته وحدث بأن وكيعاً في الحرم قال: هذا هو، أي: هذا الذي منع عني الطلاب والتلاميذ. قال: فخرج عبد الرزاق ونظر إلى مجلسه فلم ير أحداً فاغتم، ثم خرج فلقي رجلاً فقال: ما للناس؟ قال: قدم وكيع، قال: فحمد الله تعالى، وقال: ظننت أن الناس تركوا حديثي، أي: أنه ظن أن الناس لهم موقف من حديثه، ولكنهم لما قارنوه بـ وكيع قدموا وكيعاً، فعرف عبد الرزاق بيت القصيد، وأن الذي صرف الناس عنه إنما هو مجلس وكيع. قال: وأما أبو أسامة فخرج فلم ير أحداً، فقال: أين الناس؟ فقالوا: قدم أبو سفيان، فقال: هذا التنين لا يقع في مكان إلا أحرق ما حوله، يعني: إذا نزل وكيع في مكان كان كالنار التي تحرق ما حولها. وقال أبو هشام الرفاعي: دخلت المسجد الحرام فإذا عبيد الله بن موسى يحدث والناس حوله كثير، قال: فطفت أسبوعاً، ثم جئت فإذا عبيد الله قاعد وحده، فقلت: ما هذا؟ قالوا: قدم التنين فأخذهم، أي: وكيع بن الجراح. وقال علي بن خشرم: رأيت وكيعاً وما رأيت بيده كتاباً قط، إنما هو يحفظ، فسألته عن دواء الحفظ، فقال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ. وقال هارون الحمال: ما رأيت أخشع من وكيع. وقال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة فقال له فضيل: ما هذا السمن؟ -يعني: ما لك ضخم يا وكيع! - وأنت راهب العراق؟ ومعلوم أن الراهب قليل الطعام، أي: أن هذا لا يستقيم مع ضخامة حجم وكيع، فقال له وكيع: هذا من فرحي بالإسلام. فليس كل سمن دال على أن صاحبه أكول، بل منه ما هو بسبب الأكل ومنه ما هو بسبب السرور، ومنهم من إذا غضب أو مرض نقص وزنه، فليس لازماً أن كل من سمن أن ذلك مصدره كثرة الطعام. وقال

стр. 1432

طلب وكيع للحديث عند الأعمش وقال أبو داود: كان الجراح بن مليح على بيت المال، فكان إذا روى عنه قرنه بآخر، يعني: أن وكيعاً كان إذا روى عن أبيه جعل له قريناً من أجل أن يمشي حديثه؛ لأن أباه لم يكن في مرتبة الحفظ والإتقان، فلم يكن يستحل أن يروي عن أبيه وحده. كان الجراح بن مليح الرؤاسي أميراً على بيت مال المسلمين في الكوفة، وكان له مع الأعمش سليمان بن مهران الكوفي موقف في غاية الطرافة والفكاهة، فـ الأعمش كان معروفاً عنه أنه شحيح الرواية، وقد جاءه قوم وقالوا له: يا إمام! حدثنا بعشرة أحاديث، قال: ولا بخمسة، قالوا: حدثنا بخمسة، قال: ولا باثنين، قالوا: حدثنا باثنين، قال: ولا بواحد، قالوا: حدثنا بحديث واحد، قال: ولا بنصف، قالوا: حدثنا بنصف حديث، قال: اختاروا إن شئتم حدثتكم سنداً أو حدثتكم متناً، يعني: إما أن أقول لكم: حدثني فلان عن فلان عن النبي ﵊ ثم أتوقف، فإن وضعتم له متناً كنتم كذابين، وإما أن أحدثكم بالمتن فقط، فإن وضعتم له إسناداً كنتم كذلك كذابين. فقد كان شحيح الرواية جداً، وكان قائماً على تربية تلاميذه وطلابه. فأرسل الجراح بن مليح ابنه وكيعاً وهو حدث صغير السن إلى الأعمش، وقال له: اذهب إلى الأعمش فقل له: إن أبي أرسلني إليك لتحدثني، فذهب وكيع وهو لا يعلم من هو الأعمش، وقد كان الأعمش يصرف له راتبه من بيت المال، وكان الذي يصرف له هذا المال أبو وكيع، فأخر الجراح راتب الأعمش حتى يحدث وكيعاً، فلما أتى وكيع إلى الأعمش قال له: ما اسمك يا غلام؟! قال: وكيع، قال: اسم نبيل ما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رؤاس، قال: أين من منزل الجراح بن مليح؟ قال: قلت: ذاك أبي -وكان على بيت المال- قال: فقال لي: اذهب فجئني بعطائي وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث، قال: فجئت إلى أبي فأخبرته، فقال: خذ نصف العطاء فاذهب به، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر فاذهب به حتى يكون عشرة، قال: فأتيته بنصف عطائه، فأخذه فوضعه في كفه، وقال: هكذا، ثم سكت، فقلت: حدثني، قال: اكتب، فأملى علي حديثين، قال: قلت: وعدتني خمسة، قال: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا، ولم يعلم أن الأعمش مدرب، وهو معتاد على مثل هذا.

стр. 1433

ترجمة كهمس بن الحسن البصري قال: [عن كهمس]. وكهمس هو ابن الحسن البصري. وهذا الإسناد فيه لطيفة جميلة، وهو أن سنده عراقي، يدور بين الكوفة والبصرة. وكهمس هو ابن الحسن البصري وثقه غير واحد من أهل العلم، وسئل عنه أحمد بن حنبل: أثقة هو؟ قال: نعم وزيادة، يعني: وزيادة على كونه ثقة.

стр. 1434

ترجمة عبد الله بن بريدة قال: [عن عبد الله بن بريدة]. وبريدة هو بريدة بن الحصيب الصحابي رضي الله ﵎ عنه، وكان له ولدان يرويان عنه، عبد الله وسليمان، وكان أحمد بن حنبل يقدم سليمان على عبد الله، وكان أحفظ وأتقن منه، وإن كان التوثيق يشمل الاثنين.

стр. 1435

ترجمة يحيى بن يعمر البصري قال: [عن يحيى بن يعمر البصري]. ويحيى بن يعمر له مزية وفضل على كل من أتى بعده؛ وذلك أنه هو الذي نقط المصحف، وقد كان لغوياً بليغاً أديباً محدثاً حافظاً ثقة، وكلام أهل العلم فيه كثير جداً. ويحيى بن يعمر أخذ النحو واللغة عن شيخ النحو واللغة أبي الأسود الدؤلي، وقيل: إن الذي نقط المصحف هو أبو الأسود نفسه، والصحيح أنه يحيى بن يعمر، ونقطه بأمر أبي الأسود الدؤلي، والعمل ينسب للفاعل والآمر، كما يقال: انتصر فلان في غزوة كذا، وربما أن فلاناً هذا لم يمارس أو يعان أي جهد في المعركة، وإنما جنوده هم الذين عانوا الحرب وانتصروا، فنسب النصر إليه؛ لأنه المسئول عن ذلك أو الآمر بذلك، فـ أبو الأسود الدؤلي هو الذي أمر يحيى بن يعمر بنقط المصحف وتشكيله، والمخطوطات القديمة إنما هي خطوط وحروف فقط، وليس فوقها ولا تحتها ولا فيها نقط ولا حركات، فالشدة والفتحة والكسرة والضمة والسكون وغير ذلك لم يكن في عهد السلف، والكلمة في المخطوطات تقرأ على عدة أوجه، وقد أوقع هذا كثيراً من الناس في التصحيف، سواء في القرآن أو في الحديث. فـ يحيى بن يعمر له الفضل والمنة بعد الله على كل من أتى بعده؛ لأنه هو الذي أقام وصحح القراءة بنقطه وضبطه وتشكيله لكتاب الله ، وكان لغوياً بليغاً، وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وكان يعيش في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي عليه من الله تعالى ما يستحق؛ فهو الذي آذى الصحابة وقتل التابعين، ويكفيه عاراً وشناراً أنه قتل سعيد بن جبير وآذى أنس بن مالك وابن عباس وابن عمر، رضوان الله ﵎ عليهم جميعاً.

стр. 1436

بين الحجاج ويحيى بن يعمر أقبل الحجاج بن يوسف على يحيى بن يعمر بوجهه، وقال: يا يحيى! أتراني ألحن؟ يعني: أخطئ إذا تكلمت؟ قال: الأمير أجل من ذلك، أي: الأمير أجل من أن يلحن ويخطئ، فقال: عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال: نعم تلحن، وعزائم الملوك كانت محل احترام عند السلف، قال: في أي شيء؟ قال: في كتاب الله تلحن. والحجاج ليس له حسنة إلا أنه كان يكرم القراء ويحب القرآن، فقال: في كتاب الله؟ قال: نعم، قال: ائتني، قال: إنك تقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم) إلى (أحبُّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله)، وهي: أحبَّ، فقال: نعم، لقد أثبت لي أني ألحن، ثم قال: يا يحيى! والله لن تسمعني بعد ذلك ألحن، فاستبشر يحيى بن يعمر خيراً وقال: سيتعلم اللغة أو شيئاً من العلم من أجل ألا يلحن، فإذا به ينفيه إلى مرو، فاستقبله قتيبة بن مسلم وجعله قاضياً على مرو. ثم أرسل الحجاج يزيد بن المهلب على رأس سرية إلى نيسابور ليقاتل هناك، فلما دارت المعركة قال الحجاج لـ يزيد: وافني بأخبار المعركة أولاً بأول، وكان يزيد بن المهلب جواداً سخياً، وهذا مشهور من سيرته، حتى قيل: إنه ذهب ليحج، وفي يوم النحر أعطى الحلاق الذي حلق رأسه ألف دينار، فقال الحلاق: والله لن أحلق لأحد بعدك، فقال: أعطوه ألفاً أخرى، قال: أذهب فأبشر أمي، قال: أعطوه ألفين، فأصبحت أربعة آلاف، فقال: امرأتي طالق إن حلقت لأحد بعدك، وكانت لغته ليست فصيحة، فلما وصف المعركة للحجاج كتب له أخبار المعركة كلها، وقال: والعدو في عرعرة من الجبل ونحن في الحضيض. فلما قرأ الحجاج قوله: عرعرة تساءل من أين أتى بهذا الكلام؟ فـ يزيد معروف أنه لا يعرف شيئاً، فمن أين أتى بهذه الكلمة؟ فلما سأل، قالوا: إن يحيى بن يعمر هناك، فقال: هذا هو، يعني: أنه أتى بهذا الكلام من عند يحيى بن يعمر؛ لأنه كان بليغاً، ويحيى بن يعمر أخذ اللغة عن أستاذها وعن مصدرها أبي الأسود الدؤلي.

стр. 1437

أمثلة من تصحيفات القراء فـ يحيى بن يعمر له الفضل علينا جميعاً، فإذا قرأنا القرآن عرفنا النون من الباء ومن التاء ومن الثاء، وعرفنا الجيم من الحاء ومن الخاء، وعرفنا ننطق حروف القرآن كلها، وهذا أمر غلط فيه كثير من الناس في الأزمنة المتقدمة، حتى قيل: إن أحد الناس قرأ أمام أبيه القرآن فقال: الم ذلك الكتاب لا زيت فيه، فقال له: يا بني! على من قرأت؟ قال: لم أقرأ عند أحد، لقد قرأت واجتهدت، فقال له: دع الكتاب واذهب إلى الكُتَّاب، فأنت ليس لك أن تقرأ، ولذلك كان العلم عند السلف يؤخذ عن طريق التلقي، ولا يقرأ الشخص وحده من الكتاب إلا إذا لم يكن له باب إلا هذا، كأن يفقد الشيخ والمعلم، وأما إذا وجد الشيخ فكان يحرص على أن يبرك عند ركبه ويتعلم منه. وقد ذكر الحافظ البغدادي طرفاً من أخبار المصحفين في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، فقال: عن أبي العباس بن عمار الكاتب: انصرفت من مجلس عبد الله بن عمر بن أبان القرشي المعروف بـ مشكدانة، قال: فمررت بـ محمد بن عباد بن موسى الذي هو سندولا، فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي عبد الرحمن مشكدانة، فقال: ذاك الذي يصحف على جبريل ﵇؟ يريد قراءته: ولا يغوث ويعوق وبشراً؛ لأن نسراً وبشراً لو حذفت النقاط من فوقها وتحتها فستنطق بشراً وتنطق نسراً. وهذا هو التصحيف. فالتصحيف هو بقاء الكلمة كما هي في الحروف، ولكن النقط يختلف، بخلاف التحريف. قال الحسن بن الحباب المقرئي: إن عبد الله بن عمر بن أبان مشكدانة قرأ عليهم في التفسير: ولا يغوث ويعوق وبشراً، فقيل له: إنما هو: ﴿وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. فقال: هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له: النقط غلط، فقال: إذاً أرجع إلى الأصل الذي معي، لأرى وأراجع نفسي مرة أخرى، وهذا لا شك أنه كلام خرج مخرج الجهل بكتاب الله. وقال محمد بن جرير الطبري: قرأ علينا محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف جداً في الرواية فضلاً عن القرآن الكريم، فقال: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك، وهي في القرآن: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠]. فحذف النقطة من فوق ووضعها تحت فقال: أو يجرحوك. وقرأ الباغندي قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، قرأها: هوياً. ولم يحك عن أحد من المحدثين أنه صحف أكثر مما حكي عن عثمان بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة هو أخو عبد الله المعروف بـ أبي بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف. وقيل: إنه لم يكن حفظ القرآن، وكانت هذه سبة في حقه. قال السبري: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ: فإن لم يصبها وابل فظل، وقرأ مرة: الخوارج مكلبين، وهي ﴿الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤]، وقرأ مرة: وإذا بطاسيم طاسيم خبازين، فقيل له: أنه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠]. وقال ابن المنادي: كنا في دهليز عثمان بن أبي شيبة فخرج إلينا فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم:١] في أي سورة هي؟ قال ابن أرومة الأصبهاني: قرأ عثمان بن أبي شيبة: وجعل السقاية في رجل أخيه، فقيل له: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٠]، فقال: تحت الجيم واحدة، -يعني: نقطة- فكيف أرجع إلى قولكم وأترك النسخة التي عندي؟! وقال إبراهيم الخصاف: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير: فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رجل أخيه، فقيل له: إنما هي: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٠]، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لـ عاصم! وقرأ عثمان بن أبي شيبة: فضرب بينهم بسنور له ناب، فقال له بعض أصحابه: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣]، فقال: أنا لا أقرأ لـ حمزة، قراءة حمزة عندنا بدعة، فلم يستح ولم يخجل، مثل الذي حدث بأحاديث مكذوبة عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وظل يقول: حدثني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويأتي من عنده بأحاديث موضوعة، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل في المجلس يسمعان، وكل واحد منهما ينظر إلى صاحبه باستغراب، ويقول: هل حدثته بهذا؟ فيقول: لا والله ولا أعلم عن هذا شيئاً، فلما أخذ النوال ممن سمع منه نادى عليه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل

стр. 1438

أول من أثبت حرف (ح) عند تحويل الإسناد ثم إن الإمام مسلماً صنع صنيعاً تفوق به على أقرانه ومن سبقوه، بل ومن أتوا من بعده، وهو أنه حول الإسناد بحرف الحاء، فكتب حرف حاء بعد يحيى بن يعمر، وهذا يفيد تحويل الإسناد، فهو اختصار لكلمة تحويل الإسناد، أو اختصار لكلمة الحديث، ليبدأ إسناد جديد للإمام مسلم مرة أخرى لهذا الحديث.

стр. 1439

ترجمة عبيد الله بن معاذ العنبري قال: [(ح) وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري]. وهنا قال: حدثنا، وفي شيخه الأول الذي هو زهير بن حرب أبي خيثمة قال: حدثني، والفرق بين حدثني وحدثنا أن حدثنا في جماعة، وحدثني وحدي. وعبيد الله بن معاذ العنبري وثقه كثير من أهل العلم، إلا أن يحيى بن معين تكلم فيه بكلام لا يضره، ولا يؤثر في قبول روايته. قال: [وهذا حديثه]. وهنا فائدة لطيفة من لطائف تحويل الإسناد، فقد قال هنا: وهذا حديثه، ولم يقل هذا القول بعد كلام زهير بن حرب؛ لأن الإمام مسلماً له هنا شيخان، الأول زهير بن حرب، وهذا السياق الذي يسوقه الإمام مسلم لهذا الحديث ليس هو لفظ زهير، وإنما هو من لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري، فدل ذلك على أن لفظ زهير بن حرب لا يطابق أو يماثل لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري، فقوله: (وهذا حديثه) أو (وهذا لفظه) يدل على أن هذا السياق سياق عبيد الله، وسياق زهير بن حرب يكون بنحوه أو شبهه، وليس مثله؛ لأن المثلية تستدعي وتستلزم المطابقة، ولو كان لفظ زهير بن حرب هو نفس لفظ عبيد الله لكان قال: حدثني زهير بن حرب، ثم قال: وعبيد الله بن معاذ العنبري، ولم يقل: وهذا حديثه؛ لأنه في هذه الحال لا فائدة من ذكر هذه اللفظة أو الكلمة. فقوله: (وهذا حديثه) يدل على فائدة زائدة، وهي: أن اللفظ المسوق هو لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري.

стр. 1440

ترجمة معاذ بن معاذ العنبري قال: [حدثنا أبي]. وأبوه هو معاذ بن معاذ العنبري، قال أحمد: معاذ بن معاذ ثقة في الحديث. وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، أي: في الرواية والتثبت والإتقان في البصرة. وقال: وما رأيت أحداً أعقل من معاذ بن معاذ، وكان معاذ بن معاذ يشبه أحمد بن حنبل في الحياء والأدب. وقال يحيى بن سعيد القطان وهو من شيوخ أحمد عن معاذ بن معاذ: طلبت الحديث مع رجلين خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط فكتبا شيئاً حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس. يحيى بن سعيد القطان كان من المتشددين جداً، والمتعنتين أيضاً في توثيق الرجال، فيقول: لو وافقني معاذ بن معاذ لا أبالي بعد ذلك من خالفني، وكأن هذا اللفظ هو أعلى درجات التعديل. قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما، يعني: يستثني خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ، يعني: إذا حلف شعبة ألا يحدث أحداً، يقول: إلا خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ، وهذا يدل على مكانة معاذ وخالد بن الحارث. وقال أيضاً: سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، ولا شك أن هذه البقاع الكوفة والبصرة والمدينة كانت في ذلك الزمان من أكثر البلدان محدثين ورواة، فقدم يحيى بن معين معاذ بن معاذ العنبري على كل من عاصره. فالشاهد هو بيان وذكر مكانة معاذ بن معاذ العنبري.
следующие страницы →