Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
بين الحجاج ويحيى بن يعمر
أقبل الحجاج بن يوسف على يحيى بن يعمر بوجهه، وقال: يا يحيى! أتراني ألحن؟ يعني: أخطئ إذا تكلمت؟ قال: الأمير أجل من ذلك، أي: الأمير أجل من أن يلحن ويخطئ، فقال: عزمت عليك إلا أخبرتني، فقال: نعم تلحن، وعزائم الملوك كانت محل احترام عند السلف، قال: في أي شيء؟ قال: في كتاب الله تلحن.
والحجاج ليس له حسنة إلا أنه كان يكرم القراء ويحب القرآن، فقال: في كتاب الله؟ قال: نعم، قال: ائتني، قال: إنك تقول: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم) إلى (أحبُّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله)، وهي: أحبَّ، فقال: نعم، لقد أثبت لي أني ألحن، ثم قال: يا يحيى! والله لن تسمعني بعد ذلك ألحن، فاستبشر يحيى بن يعمر خيراً وقال: سيتعلم اللغة أو شيئاً من العلم من أجل ألا يلحن، فإذا به ينفيه إلى مرو، فاستقبله قتيبة بن مسلم وجعله قاضياً على مرو.
ثم أرسل الحجاج يزيد بن المهلب على رأس سرية إلى نيسابور ليقاتل هناك، فلما دارت المعركة قال الحجاج لـ يزيد: وافني بأخبار المعركة أولاً بأول، وكان يزيد بن المهلب جواداً سخياً، وهذا مشهور من سيرته، حتى قيل: إنه ذهب ليحج، وفي يوم النحر أعطى الحلاق الذي حلق رأسه ألف دينار، فقال الحلاق: والله لن أحلق لأحد بعدك، فقال: أعطوه ألفاً أخرى، قال: أذهب فأبشر أمي، قال: أعطوه ألفين، فأصبحت أربعة آلاف، فقال: امرأتي طالق إن حلقت لأحد بعدك، وكانت لغته ليست فصيحة، فلما وصف المعركة للحجاج كتب له أخبار المعركة كلها، وقال: والعدو في عرعرة من الجبل ونحن في الحضيض.
فلما قرأ الحجاج قوله: عرعرة تساءل من أين أتى بهذا الكلام؟ فـ يزيد معروف أنه لا يعرف شيئاً، فمن أين أتى بهذه الكلمة؟ فلما سأل، قالوا: إن يحيى بن يعمر هناك، فقال: هذا هو، يعني: أنه أتى بهذا الكلام من عند يحيى بن يعمر؛ لأنه كان بليغاً، ويحيى بن يعمر أخذ اللغة عن أستاذها وعن مصدرها أبي الأسود الدؤلي.
стр. 1437
أمثلة من تصحيفات القراء
فـ يحيى بن يعمر له الفضل علينا جميعاً، فإذا قرأنا القرآن عرفنا النون من الباء ومن التاء ومن الثاء، وعرفنا الجيم من الحاء ومن الخاء، وعرفنا ننطق حروف القرآن كلها، وهذا أمر غلط فيه كثير من الناس في الأزمنة المتقدمة، حتى قيل: إن أحد الناس قرأ أمام أبيه القرآن فقال: الم ذلك الكتاب لا زيت فيه، فقال له: يا بني! على من قرأت؟ قال: لم أقرأ عند أحد، لقد قرأت واجتهدت، فقال له: دع الكتاب واذهب إلى الكُتَّاب، فأنت ليس لك أن تقرأ، ولذلك كان العلم عند السلف يؤخذ عن طريق التلقي، ولا يقرأ الشخص وحده من الكتاب إلا إذا لم يكن له باب إلا هذا، كأن يفقد الشيخ والمعلم، وأما إذا وجد الشيخ فكان يحرص على أن يبرك عند ركبه ويتعلم منه.
وقد ذكر الحافظ البغدادي طرفاً من أخبار المصحفين في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، فقال: عن أبي العباس بن عمار الكاتب: انصرفت من مجلس عبد الله بن عمر بن أبان القرشي المعروف بـ مشكدانة، قال: فمررت بـ محمد بن عباد بن موسى الذي هو سندولا، فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي عبد الرحمن مشكدانة، فقال: ذاك الذي يصحف على جبريل ﵇؟ يريد قراءته: ولا يغوث ويعوق وبشراً؛ لأن نسراً وبشراً لو حذفت النقاط من فوقها وتحتها فستنطق بشراً وتنطق نسراً.
وهذا هو التصحيف.
فالتصحيف هو بقاء الكلمة كما هي في الحروف، ولكن النقط يختلف، بخلاف التحريف.
قال الحسن بن الحباب المقرئي: إن عبد الله بن عمر بن أبان مشكدانة قرأ عليهم في التفسير: ولا يغوث ويعوق وبشراً، فقيل له: إنما هو: ﴿وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣].
فقال: هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له: النقط غلط، فقال: إذاً أرجع إلى الأصل الذي معي، لأرى وأراجع نفسي مرة أخرى، وهذا لا شك أنه كلام خرج مخرج الجهل بكتاب الله.
وقال محمد بن جرير الطبري: قرأ علينا محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف جداً في الرواية فضلاً عن القرآن الكريم، فقال: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك، وهي في القرآن: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠].
فحذف النقطة من فوق ووضعها تحت فقال: أو يجرحوك.
وقرأ الباغندي قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، قرأها: هوياً.
ولم يحك عن أحد من المحدثين أنه صحف أكثر مما حكي عن عثمان بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة هو أخو عبد الله المعروف بـ أبي بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف.
وقيل: إنه لم يكن حفظ القرآن، وكانت هذه سبة في حقه.
قال السبري: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ: فإن لم يصبها وابل فظل، وقرأ مرة: الخوارج مكلبين، وهي ﴿الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤]، وقرأ مرة: وإذا بطاسيم طاسيم خبازين، فقيل له: أنه: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠].
وقال ابن المنادي: كنا في دهليز عثمان بن أبي شيبة فخرج إلينا فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم:١] في أي سورة هي؟ قال ابن أرومة الأصبهاني: قرأ عثمان بن أبي شيبة: وجعل السقاية في رجل أخيه، فقيل له: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٠]، فقال: تحت الجيم واحدة، -يعني: نقطة- فكيف أرجع إلى قولكم وأترك النسخة التي عندي؟! وقال إبراهيم الخصاف: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير: فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رجل أخيه، فقيل له: إنما هي: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٠]، فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لـ عاصم! وقرأ عثمان بن أبي شيبة: فضرب بينهم بسنور له ناب، فقال له بعض أصحابه: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣]، فقال: أنا لا أقرأ لـ حمزة، قراءة حمزة عندنا بدعة، فلم يستح ولم يخجل، مثل الذي حدث بأحاديث مكذوبة عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وظل يقول: حدثني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويأتي من عنده بأحاديث موضوعة، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل في المجلس يسمعان، وكل واحد منهما ينظر إلى صاحبه باستغراب، ويقول: هل حدثته بهذا؟ فيقول: لا والله ولا أعلم عن هذا شيئاً، فلما أخذ النوال ممن سمع منه نادى عليه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل
стр. 1438
أول من أثبت حرف (ح) عند تحويل الإسناد
ثم إن الإمام مسلماً صنع صنيعاً تفوق به على أقرانه ومن سبقوه، بل ومن أتوا من بعده، وهو أنه حول الإسناد بحرف الحاء، فكتب حرف حاء بعد يحيى بن يعمر، وهذا يفيد تحويل الإسناد، فهو اختصار لكلمة تحويل الإسناد، أو اختصار لكلمة الحديث، ليبدأ إسناد جديد للإمام مسلم مرة أخرى لهذا الحديث.
стр. 1439
ترجمة عبيد الله بن معاذ العنبري
قال: [(ح) وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري].
وهنا قال: حدثنا، وفي شيخه الأول الذي هو زهير بن حرب أبي خيثمة قال: حدثني، والفرق بين حدثني وحدثنا أن حدثنا في جماعة، وحدثني وحدي.
وعبيد الله بن معاذ العنبري وثقه كثير من أهل العلم، إلا أن يحيى بن معين تكلم فيه بكلام لا يضره، ولا يؤثر في قبول روايته.
قال: [وهذا حديثه].
وهنا فائدة لطيفة من لطائف تحويل الإسناد، فقد قال هنا: وهذا حديثه، ولم يقل هذا القول بعد كلام زهير بن حرب؛ لأن الإمام مسلماً له هنا شيخان، الأول زهير بن حرب، وهذا السياق الذي يسوقه الإمام مسلم لهذا الحديث ليس هو لفظ زهير، وإنما هو من لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري، فدل ذلك على أن لفظ زهير بن حرب لا يطابق أو يماثل لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري، فقوله: (وهذا حديثه) أو (وهذا لفظه) يدل على أن هذا السياق سياق عبيد الله، وسياق زهير بن حرب يكون بنحوه أو شبهه، وليس مثله؛ لأن المثلية تستدعي وتستلزم المطابقة، ولو كان لفظ زهير بن حرب هو نفس لفظ عبيد الله لكان قال: حدثني زهير بن حرب، ثم قال: وعبيد الله بن معاذ العنبري، ولم يقل: وهذا حديثه؛ لأنه في هذه الحال لا فائدة من ذكر هذه اللفظة أو الكلمة.
فقوله: (وهذا حديثه) يدل على فائدة زائدة، وهي: أن اللفظ المسوق هو لفظ عبيد الله بن معاذ العنبري.
стр. 1440
ترجمة معاذ بن معاذ العنبري
قال: [حدثنا أبي].
وأبوه هو معاذ بن معاذ العنبري، قال أحمد: معاذ بن معاذ ثقة في الحديث.
وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، أي: في الرواية والتثبت والإتقان في البصرة.
وقال: وما رأيت أحداً أعقل من معاذ بن معاذ، وكان معاذ بن معاذ يشبه أحمد بن حنبل في الحياء والأدب.
وقال يحيى بن سعيد القطان وهو من شيوخ أحمد عن معاذ بن معاذ: طلبت الحديث مع رجلين خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط فكتبا شيئاً حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس.
يحيى بن سعيد القطان كان من المتشددين جداً، والمتعنتين أيضاً في توثيق الرجال، فيقول: لو وافقني معاذ بن معاذ لا أبالي بعد ذلك من خالفني، وكأن هذا اللفظ هو أعلى درجات التعديل.
قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما، يعني: يستثني خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ، يعني: إذا حلف شعبة ألا يحدث أحداً، يقول: إلا خالد بن الحارث ومعاذ بن معاذ، وهذا يدل على مكانة معاذ وخالد بن الحارث.
وقال أيضاً: سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ، ولا شك أن هذه البقاع الكوفة والبصرة والمدينة كانت في ذلك الزمان من أكثر البلدان محدثين ورواة، فقدم يحيى بن معين معاذ بن معاذ العنبري على كل من عاصره.
فالشاهد هو بيان وذكر مكانة معاذ بن معاذ العنبري.
стр. 1441
سبب عدم تحويل الإمام مسلم للإسناد قبل كهمس في حديث جبريل في مراتب الإيمان
قال: [حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر].
نتوقف هنا لنبين تحويل الإسناد.
وكهمس هنا هو الراوي المشترك بين الإسناد الأول والإسناد الثاني، والأصل إذا أردت أن أحول هذا الإسناد أن أضع حرف الحاء قبل كهمس؛ لأن كهمس هو الراوي المشترك، وبعد ذلك أقول: كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر، لكن الإمام مسلماً لم يضع حرف الحاء قبل كهمس لثلاث نكت يعرف منهن لماذا لم يتم اختصار الإسناد بطريقة أكثر اختصاراً من هذه الطريقة التي اختصرها بها مسلم، فقد وضع مسلم حرف الحاء بعد يحيى بن يعمر، رغم أن يحيى بن يعمر موجود في الإسنادين، فكان من الممكن أن يضعه قبل يحيى بن يعمر، وفيه كذلك عبد الله بن بريدة مشترك كذلك بين الإسنادين، لكن في الإسناد الأول قال: عبد الله بن بريدة، وفي الإسناد الثاني قال: ابن بريدة فقط، وبريدة ﵁ كان له ابنان، سليمان وعبد الله، فلو وضع حرف الحاء قبل يحيى بن يعمر للزمه أن يروي الاسم على جهة واحدة، فإما أن يقول في الإسنادين عبد الله بن بريدة، فيكون قد كذب على الراوي؛ لأن أحدهم قال: عبد الله، والثاني قال: ابن بريدة، وممكن أن الراوي الثاني يقصد سليمان بن بريدة، خاصة وأن أبا داود روى هذا الحديث عن سليمان بن بريدة.
وإما أن يقول: ابن بريدة في الحالين، فيكون قد أنقص عبد الله، وللمستمع أن يحمل ذلك على أنه سليمان لا عبد الله.
فلم يضع حرف الحاء قبل كهمس؛ لأن الأمر سيكون فيه كذب؛ لأن وكيعاً عندما روى عن كهمس قال: عن كهمس، ومعاذ لما رواه عن كهمس قال: حدثنا كهمس، ومعلوم أن هناك فرقاً كبيراً جداً بين عن وبين حدثنا.
وأما لماذا يضع حرف الحاء قبل يحيى بن يعمر مع أنه ليس هناك إشكال لأن يحيى بن يعمر في الإسنادين واحد فقد أجاب على هذا الإمام النووي فقال: ووقفت على طريق لهذا الحديث، وفيه: حدثنا يحيى ولم يذكر ابن يعمر ولم ينسبه، فناسب هذا الأمر عند مسلم أن يضع حرف الحاء بعد يحيى بن يعمر؛ لأنه قد ورد في طرق أخرى خارج الصحيح أنه يحيى غير منسوب، وهذه كلها لطائف.
ثم اللطيفة الثالثة: أنه ميز بين رواية زهير بن حرب ورواية عبيد الله بن معاذ العنبري؛ لأنه ساق الحديث من لفظ عبيد الله، فناسب أن توضع الحاء بعد يحيى بن يعمر والله تعالى أعلم.
стр. 1442
إنكار معبد الجهني للقدر
قال: [قال يحيى بن يعمر: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني].
ومعلوم أن القدر من أركان الإيمان، والنبي ﵊ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر)، والله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، وله العلم الأزلي، والعلم صفة من صفات الله ، فهو يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، ولا يخفى عليه شيء من أمر العباد ولا من أمر الخلائق جميعاً.
ومعبد الجهني قتله الحجاج صبراً، وهو القائل: إن الله تعالى لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها، ولم يقدر شيئاً على العباد، وإنما كل منهم يختار لنفسه، فإذا وقع الفعل من العبد علمه الله تعالى، وأما قبل ذلك فلا، وهذا معنى قوله: إن معبداً الجهني أول من قال في القدر، أي: أول من نفى إثبات القدر الذي عليه أهل السنة والجماعة، فهو الذي نفاه، وقال: إن الأمر أنف، يعني: لا يعلمه الله إلا بعد وقوعه، تعالى الله عن قوله علواً كبيراً، والنبي ﷺ بين في غير ما حديث أن أركان الإيمان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وهذا الحديث سيق هنا لأجل إثبات القدر.
فـ يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري البصري لما ذهبا إلى مكة ولقيا عبد الله بن عمر حدثاه بأمر معبد الجهني ومن كان معه على هذا الفكر الضال من أهل البصرة، وليس من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، ومهما تكلم العبد بكلام حتى وإن كان خزعبلات وخرافات فلابد أن يجد له أنصاراً وأتباعاً.
فلما تكلم معبد الجهني في القدر التف حوله كثير من الناس، وكان معبد الجهني يتعلم في حلقة الحسن البصري، وكان تلميذاً للحسن البصري حتى تكلم في القدر، فتكلم فيه الحسن، ثم صار له حلقة وأتباع يحملون منهجه وفكره في العقيدة.
قال يحيى بن يعمر: [فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين].
والحميري هنا نسبة إلى شخص وليس إلى حمير.
وحميد هذا يقول ابن سيرين عليه رحمة الله: حميد كان أفقه أهل البصرة.
стр. 1443
وجوب سؤال الإنسان عما يشكل عليه حتى من عالم لمن هو أعلم منه
قال: [فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر].
وهذا فيه لطيفة: وهي أنه ينبغي على من خفي عليه أمر من أمور العلم أن يبحث عمن يعلم هذه الأمور، أو يبحث على من تفقه في دين الله ؛ ليطلب على يديه العلم، أو يطلب المزيد من العلم.
وكذلك فيه جواز سؤال العالم حتى وإن كنت عالماً، لبيان الفائدة لمن هو دونك في العلم، وكان النبي ﷺ يطرح المسألة على أصحابه ليختبر بذلك ذكاءهم، وكذلك كان الواحد منهم يطرح السؤال على النبي ﷺ لا لأجل أن يعلم الحق من الباطل، وحتى يعلم بقية الصحابة جواب النبي ﷺ ، كما فعل جبريل في هذا الحديث، فإنه أتى وسأل وهو يعلم، ومما يبين ذلك أنه قال: صدقت، عندما أجابه لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، حتى قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه؛ لأن هذا ليس من عادة العرب ولا من لسانهم أن يسأل السائل ويصدقه على الجواب؛ لأن الغالب أن السائل إذا سأل إنما يسأل للاستفادة لنفسه، أي: لينفي عن نفسه الجهل.
فجاء يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن إلى مكة حاجين أو معتمرين، وهما يتمنيان لو وفق الله تعالى لهما من أصحاب النبي ﵊ من يجيبهم على سؤالهم هذا، فهم يريدون أن يسألوا عما دار في بلدهم -أي: في البصرة- من أقوال هؤلاء المبتدعة الضالين، الذين أحدثوا كلاماً لا يعرفونه، ولم يعرفه من سبقهم من أهل زمانهم.
стр. 1444
عدالة الصحابة، وسب الرافضة لهم
قال: [فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب].
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم، وبتعديل الرسول ﷺ لهم.
ونحن نذكر تراجم الرواة؛ لأنهم يخضعون لقواعد علم الجرح والتعديل من تعديل وجرح، وأما الصحابة ﵃ فإنهم مبرءون من هذا؛ لأنهم عدول قولاً واحداً، إلا ما يقوله الرافضة عليهم من الله ما يستحقون من تكفير جل الصحابة إلا سبعة أو تسعة أو خمسة عشر؛ فقد كفروهم وأخرجوهم عن ملة الإسلام، فعجباً كل العجب لمن سب صحابياً فضلاً عن أن يكفره أو يخرجه من الملة، والنبي ﵊ أوصى خيراً بأصحابه، فقال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
وكفى بالصحابة فخراً وجلالة أنهم تحملوا الكثير من الصعاب في نقل هذا الدين إلينا، وخاضوا لأجله الحروب، وسفكت دماؤهم وانتهكت أعراضهم، وتخلفوا عن زوجاتهم وأهليهم، وقتل أبناؤهم لأجل هذا، وضحوا بكل ذلك في سبيل إعلاء هذا الدين، فكيف يأتي بعد ذلك من بعدهم من يقول فيهم قولاً سيئاً فضلاً عمن يكفرهم ويخرجهم من الملة؟! ألا لعنة الله تعالى على الكافرين.
والتعرض لذكر شيء من مناقب الصحابة أمر يطول، وقد سمعت شيخاً تكلم عن مناقب عمر ستة أشهر على المنبر، فكيف نتكلم نحن عنه الآن؟ ولكن يكفينا قول واحد، وهو أنه إذا ذكر عمر بن الخطاب ذكر العدل كله، وذكر الإنصاف كله، وذكرت القوة كلها، وذكر دحر الأعداء دحراً شديداً ورفع راية الإسلام عالية خفاقة، هذا قول مجمل في عمر.
وأما ولده عبد الله فإنه من أكثر الناس رواية عن النبي ﵊ بعد أبي هريرة ﵁، وقيل: إنه مقدم في الرواية على عائشة، وقيل: إن عائشة مقدمة عليه من حيث الكثرة، والأمر محل خلاف بين أهل العلم.
وقد كان من أشد الناس تمسكاً بسنة النبي ﵊، حتى أنه كان يحاكيه فيما هو خاص من عادته ﷺ ، يعني: سنن العادة التي لم يكلف بها ولم تكلف بها الأمة كان عبد الله بن عمر يأخذ نفسه بها، فإذا سار في طريق سار فيه من قبل مع النبي ﵊ كان يحاكي ويصنع مثلما كان يصنع النبي ﷺ ، وهو غير مكلف بذلك، ولكنه كان يحب أن يحاكي النبي ﷺ في كل شيء.
стр. 1445
حكم زيارة المسجد النبوي، وقبر الرسول ﷺ
قال: [فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ داخلاً المسجد].
والمسجد هنا هو مسجد مكة، والذي يدل على أنه مسجد مكة قوله: حاجين أو معتمرين، وهذه المناسك موجودة في مكة، وأما المدينة ففيها الزيارة، وتكون الزيارة للمسجد نفسه، وأما القبر فلا يقصد أصلاً؛ لقوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى).
فلا تشد الرحال إلا إلى هذه الثلاثة مساجد، وأما زيارة قبر النبي ﵊ فإنما تأتي تبعاً لزيارة مسجده، فلا يكون هو الباعث للذهاب إلى هناك، بل يكون الباعث للذهاب نية الصلاة في مسجد النبي ﵊، ثم تأتي بعد ذلك لزيارة قبر النبي ﵊ وتسلم عليه، ويستحب ألا تستقبل قبر النبي ﵊؛ للذب عن حياض التوحيد، وإن كنت سليم العقيدة؛ إذ لو رآك من هو دونك في العقيدة لظن أن عملك هذا مشروع، فوقف وتوسل، فسلم على النبي ﵊، ثم سلم على أبي بكر، ثم سلم على عمر وانصرف من هذا الموقف، ولا يكن فعلك كفعل الجهال أصحاب العقائد الفاسدة.
стр. 1446
حرص السلف على طلب العلم
قال: [فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله].
ولو أنك نظرت إلى هذا اللفظ لعلمت مدى ما كان عليه السلف من الحرص في طلب العلم، فوقف أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله حتى يسمعانه، وقوله: (فاكتنفته) س أي: وضعت كنفي في كنفه، يعني: كتفي في كتفه وذراعي في ذراعه، حتى يكون ذلك أوثق وأضمن للسماع.
قال: [فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي]، ومعنى ظننت أي: ترجح في ظني أنه سيكلني في أن أتكلم مع عبد الله بن عمر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1447
الأسئلة
стр. 1448
حكم العمل بالحديث المرفوع وغيره
السؤال
ما حكم الأخذ بالأحاديث المرفوعة وغيرها؟
الجواب
الحديث المرفوع هو: ما أسند إلى النبي ﷺ ، وهو: ما كان من كلام النبي ﵊، بخلاف الموقوف فإنه من كلام الصحابي، وبخلاف المقطوع فإنه من كلام التابعي، والمقطوع في غالب أقوال أهل العلم غير المنقطع؛ لأن المنقطع هو: ما سقط من إسناده راو أو أكثر على مدار الإسناد.
والحديث المرفوع يحتج به إن صح السند إلى النبي ﵊، وليس كل حديث مرفوع يحتج به ويعمل به، فمن المرفوع ما هو ضعيف، ومنه ما هو موضوع، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو صحيح، ومنه ما هو متواتر، فكل بقدره، فإذا صح المرفوع عمل به، وإلا فلا.
وأما باقي الأحاديث فيقبل منها الصحيح والحسن، ويرد الضعيف بجميع أنواعه، فالمقبول يحتج به، والمردود لا يحتج به ولا حتى في فضائل الأعمال.
стр. 1449
الحكم على أثر: (لا يتعلم مستح ولا متكبر)، والمقصود بالحياء الوارد فيه
السؤال
أين نجد هذا الأثر: صناع العلم بين اثنتين: الكبر والحياء أو ما شابه ذلك؟
الجواب
صح عن ابن مسعود رضوان الله ﵎ عليه أنه قال: لا يتعلم مستح ولا متكبر، وهذا موجود في صحيح البخاري في كتاب العلم، ومعلوم أن هذا هو الحياء المذموم الذي يقصر بالعبد عن طلب الخير والصلاح والطاعة والفلاح.
وأما الحياء فهو شعبة من شعب الإيمان، كما صح في الأخبار الكثيرة، وأما هذا فالمقصود به الحياء الذي يمنع صاحبه من تحصيل العلم، فإنه مذموم، وأما الحياء الذي يدفع صاحبه إلى طلب العلم وتحصيله فلا شك أنه من الحياء الممدوح، كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
فالحياء الممدوح هو الذي يدفعك إلى أن تدفع عنك وعن نفسك الجهل بشرع الله ، وأما الحياء المذموم فهو الذي يقصيك ويبعدك عن مجالس العلم.
стр. 1450
حكم تدريس الرجل للنساء
السؤال
شاب مجيد للغة العربية، هل يجوز له أن يعطي دروساً للفتيات في قريته، وهذا الشاب ملتزم؟ وهل يجعل ستارة بينه وبينهن، أو يتركها؟
الجواب
إذا كان هذا الشاب لا رغبة له في النساء، أو أنه متزوج، أو غير ذلك فأصل الأمر على الجواز، وتحدث الرجل مع النساء الأصل فيه أنه على الجواز إلا أن تخشى الفتنة، وكذلك إذا دعت الضرورة والمصلحة إلى ذلك، وأما مجرد الكلام هكذا فالأصل فيه المنع، يعني: الأصل في محادثة الرجال للنساء بغير ضرورة المنع، وإذا كان لضرورة فالأصل فيه الإباحة إلا أن تكون هناك فتنة، فإن كان الأمر هكذا فافعل، ولكن بشرط أن يكون هناك من يؤمن مع وجوده وقوع الفتنة أو ميل القلوب أو غير ذلك.
ولو أردت رأيي فأنا أقول لك: لا داعي لهذا؛ لأنه لا يختم إلا بما لا يحمد عقباه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1451
فضل العمرة في رمضان
السؤال
هل يوجد حديث: (إن من اعتمر في رمضان له أجر حجة معي)؟
الجواب
نعم، قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: (عمرة في رمضان كحجة معي).
والمقصود بهذا الحديث: أن له ثواب حجة مع النبي ﷺ ، ولكن هذا لا يسقط عنه حج الفريضة، بل لابد من الحج إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.
стр. 1452
مدى صحة الأحاديث الواردة في فضائل السور
السؤال
ما صحة الأحاديث التي وردت في فضائل بعض السور في القرآن الكريم، حيث إن بعض علماء الحديث قال: إنها موضوعة؟
الجواب
معظم الأحاديث التي وردت في فضائل سور القرآن الكريم هي أحاديث موضوعة.
وميسرة بن عبد ربه التراس الأكول هو الذي كان يصنع هذه الأحاديث ويضعها في فضل القرآن الكريم، وقد وضع في فضل كل سورة حديثاً، وكان تراساً أكولاً، يعني: كان يأكل أكلاً لا يأكله حمار، وقد ذهب مرة إلى قوم يزورهم ومعه حماره، فلما استضافوه ونزل عن حماره ذبحوه وشووه وقدموه له، فأكله عن آخره، فلما أراد أن ينصرف أعطوه ثمنه.
وكان يزوق سقوف البيوت هو وعمال آخرون، فقال له رجل: زوق سقف المطبخ لنا، وبينما هو يزوق السقف وجد أكلاً يكفي ثلاثين نفساً، فنزل فأكله، ثم صعد يعمل كأنه لم يعمل شيئاً، فدخل الرجل يريد أن يغرف أكلاً، فلم يجد الأكل، ووجد العظم، فقال: سبحان الله! والله إنه فعل الجن، وصار اضطراب واختلاف في الأصوات، وهاجت الناس وماجت، فنظر أحد العمال إلى ميسرة وقال: أوعندكم ميسرة بن عبد ربه؟ والله إنه الذي أكل الطعام، فدافع عنه صاحب البيت، وأقسم أنه ليس هو ميسرة، فقال ميسرة: يا عبد الله! لا تقسم، أنا الذي أكلت الطعام، وإن كنت لا تصدقني فاصنع مثله وانظر، يعني: اطبخ مرة أخرى، وانظر سآكله أم لا؟ ونذرت امرأة أن تشبع ميسرة إن فعل الله بها كيت وكيت، فأتت المرأة إلى ميسرة وقالت: يا ميسرة! اتق الله واقتصد وأوجز، قالت المرأة: فكان ما كفاه يكفي سبعين نفساً.
ودخل رجل على ميسرة فقال: يا ميسرة! كم يشبعك؟ قال: من بيتي أم من بيت غيري؟ قال: من بيتك، قال: رغيف أو رغيفين، قال: من بيت غيرك، قال: اخبز واطرح، وأخبار ميسرة يطول ذكرها جداً، وقد كان وضاعاً، ومن فمن أراد ترجمته فليراجعها في ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي.
стр. 1453
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - ما روي في أن أول من قال بالقدر معبد الجهني
الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد حتى يأتي به، وقد أجمع العلماء على كفر منكره؛ لأن إنكاره يستلزم رمي الله بالجهل.
والإيمان بالقدر أنواع ومراتب، وقد أنكرت بعض الفرق بعض أنواعه، فبدعها العلماء وضللوها، وللإيمان بالقضاء والقدر فوائد كثيرة، تعود على العبد المؤمن بهما بالخير في الدنيا والآخرة.
стр. 1454
مراتب القدر وعقيدة أهل السنة فيه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
[عن يحيى بن يعمر قال: أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، أي: يجمعون العلم ويحرصون عليه ويهتمون به- وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون ألا قدر وأن الأمر أنف].
أي: أنهم يزعمون أنه لا شيء اسمه قدر، وأن الأمر أنف، وأن الله تعالى لا يعلمه إلا بعد وقوعه.
قال: [فإذا لقيت أولئك فأخبرهم -وهذا قول عبد الله بن عمر - أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر].
وسنبين هنا ما هو القدر، وما هو الذي أنكره معبد الجهني حتى استلزم أن يكفره عبد الله بن عمر ويتبرأ منه.
ومراتب القدر أربع مراتب، المرتبة الأولى: العلم، والمرتبة الثانية: الكتابة، والمرتبة الثالثة: المشيئة، والمرتبة الرابعة: الخلق.
فأوائل القدرية نفوا المرتبتين الأوليين، العلم والكتابة.
وأول من قال بنفي القدر معبد الجهني، فقد ادعى أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وأنكر أن الله تعالى أمر بكتابة القدر، وهذا بدعة في الدين.
ويقال: القدَر والقدْر بفتح الدال وإسكانها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي وقالهما غيره.
قال الإمام النووي: واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، أي: أن الله ﵎ علم الأشياء قبل وقوعها، وكذا أمر بكتابتها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
ومعناه: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة، وفي أمكنة معلومة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله .
стр. 1455
الإيمان بالقدر بين القدرية والجبرية
وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم، أي: لا يعلمها إلا بعد وقوعها، وهذا معنى مستأنفة، أي: أن الله تعالى لا يعلم ما سيقع في ملكه إلا بعد أن يقع، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، أي: إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه، وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا، يعني: لم يبق منهم اليوم أحد يدعي أن الله تعالى لا يعلم الأشياء ولم يكتبها، وإنما القدرية الموجودة الآن -وهم بعض أهل الاعتزال- إنما يتعلق إنكارهم بالقدر بالمشيئة والخلق، وخاصة الخلق، ويقولون: الخير من الله والشر من غيره، فأشبهوا المجوس الذين قالوا بوجود إلهين، إله للخير وإله للشر، وإله للنور وإله للظلمة.
حكى أبو محمد بن قتيبة في كتابه غريب الحديث وأبو المعالي وإمام الحرمين الإمام الجويني في كتابه الإرشاد في أصول الدين أن بعض القدرية قالوا: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية؛ لأنكم تثبتون القدر، فحق لكم أن تنسبوا إلى القدرية، وأما نحن فإننا ننفي القدر، والأصل فيه النفي، وهذا الكلام مردود عليهم، ولذلك سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة؛ لأنهم تشبهوا بالمجوس القائلين بوجود إلهين خالقين؛ إله للظلمة وإله للنور، وإله للخير وإله للشر، فقال النبي ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة).
وهذا الحديث حسن بمجموع طرقه.
والحاكم أبو عبد الله أخرج هذا الحديث وقال: صحيح على شرط الشيخين، وليس كذلك، وإنما هو حديث حسن.
قال الخطابي: إنما جعلهم ﷺ مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة، وزعمهم أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية.
وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره، والله خالق الخير والشر جميعاً، ولا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه خلقاً وإيجاداً، وهذه المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر، فإن الشر منسوب إلى الله من جهة الخلق والإيجاد، وهو منسوب إلى العبد من جهة العمل والكسب، أي: أن الله تعالى أوجد هذا الشر وخلقه بإرادته الكونية، ولكن الفاعل الحقيقي لهذا الشر إنما هو العبد، فمسألة الشر التي ضل فيها متأخرو المعتزلة متعلقة بخلق الشر، فإنهم ينفون أن الله تعالى خلق الأفعال كلها.
والخلق جميعه منسوب إلى الله ، فما من شيء من خير وشر إلا والله تعالى قد خلقه، فأما خلق الخير فلا إشكال فيه، وإنما الإشكال عند المعتزلة في خلق الشر، وهو كذلك منسوب إلى الله من جهة الخلق والإيجاد والإتمام، ولكنه ينسب إلى العبد من جهة الكسب والعمل، أي: أن العبد هو الذي اكتسب وعمل هذا الفعل.
قال: فهما مضافان -الخير والشر- إلى الله خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً.
والله أعلم.
قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وهذا كلام الجبرية، يعني: يقولون: إن العبد إنما أجبر على فعل الخير والشر، وبناء عليه فلا يحاسب، ولا يضره ما يأتيه من خير ولا شر.
وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من اكتساب العبد وصدوره عن تقدير منه.
قال: والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر ، يقال: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]، أي: خلقهن.
قلت: وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ، وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه، ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي ﵁، وقد قرر الأئمة من المتكلمين ذلك أحسن تقرير، بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية.
والله أعلم.
стр. 1456
سبب تكفير العلماء للقدرية
ومعنى براءة ابن عمر من هؤلاء تكفيرهم، وحق لـ عبد الله بن عمر أن يكفر هؤلاء؛ لأنهم أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة، وهو إثبات علم الله ، وإثبات قدرة الله على الكتابة القديمة الأزلية، فـ عبد الله بن عمر عندما تبرأ منهم دل ذلك على أنهم نفوا أصلين عظيمين كانا معلومين عند العامة والخاصة، وهما علم الله وكتابته الثابتين في غير ما آية وحديث من أحاديث النبي ﵊، فبراءة عبد الله بن عمر منهم فيه تلميح وتلويح بتكفيرهم، وعلى هذا جمهور السلف في تكفير من أنكر علم الله من القدرية أو من قال بمقولة معبد الجهني.
ومسألة القضاء والقدر وإن كانت أصلاً عظيماً من أصول الإيمان كما ورد ذلك في كتاب الله وفي غير ما حديث من أحاديثه ﷺ إلا أنها أخذت بعداً عظيماً وأخذاً ورداً بين القدامى والمُحْدَثين، وهو أكثر ركن من أركان الإيمان أحدث اضطراباً وخللاً عظيماً، وذلك لما خفي على كثير من الناس من أن الإيمان بالقدر متعلق بأمر الهداية والإضلال، أو متعلق بأمر الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، أو متعلق بمراتب القدر نفسها.
стр. 1457
معنى القضاء في الكتاب والسنة
جاء القضاء في القرآن الكريم وفي السنة بعدة معان، منها: الحكم، كما قال الله : ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥]، أي: مما حكمت، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وجاء بمعنى الأمر التكليفي التشريعي، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، ومعنى: ((قَضَى رَبُّكَ)) أي: أمر ربك أمراً شرعياً تكليفياً.
وجاء بمعنى الإخبار والإعلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤]، ومعناه: أعلمناهم وأخبرناهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين.
وجاء بمعنى الإنجاز والإتمام والانتهاء، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠]، أي: فإذا انتهت وتمت الصلاة، ومثل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩].
وجاء بمعنى قضاء الله النافذ في خلقه الذي لا مرد له، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧].
وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
стр. 1458
معنى القدر في الكتاب والسنة
وأما القدر فهو تقدير الله للأشياء تقديراً يبين هيئاتها ويحددها كماً وكيفاً، زماناً ومكاناً على حسب ما سبق في علم الله الأول، وتقدير الله للأشياء مسبقاً قبل أن توجد يشمل تحديد الأشياء من حيث هيئاتها وزمانها ومكانها، وهذا التقدير تم قبل أن يخلق الله الأرض والسماء بخمسين ألف سنة، وهذا يدل على عظمة الله وقدرته.
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).
وهذا نص في إثبات الكتابة، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر، (وكان عرشه على الماء).
وهذا الحديث عند مسلم في صحيحه.
فكل شيء قد قدر زماناً ومكاناً كما أراد الله سبحانه، وقد جاء في آيات كثيرة من القرآن الكريم بيان ذلك، والمتأمل فيها يجد أن آيات القدر تحمل في طياتها بيان وإثبات عظمة الله وجلاله وقدرته، فمثلاً في أول سورة الفرقان أخبر الله أن كل شيء بقدر، وأنه قدر المخلوقات تقديراً، وقبل أن يثبت ذلك قدم له بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، إلى أن قال الله سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
فهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولذلك لما جاء مشركو قريش يخاصمون الرسول ﷺ في القدر نزل قول الله تعالى يرد عليهم إفكهم وافتراءهم وزورهم ويقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
ثم عقب بما يبين عظمته وشمول قدرته فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٥٠].
والعقول القاصرة التي عجزت عن أن تفهم أن الله سبحانه محيط بكل شيء -بما كان وما سيكون- ليس لها من نور الإيمان بالقضاء والقدر نصيب، كما قال عبادة بن الصامت لابنه عند الموت: إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مات على غير هذا فليس مني).
وفي الحديث الآخر: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر)، أي: لا يؤمن على غير هذا الاعتقاد، وهو أن الله قدر كل شيء وأحاط بكل شيء علماً.
стр. 1459
أنواع التقدير
والتقدير أنواع، وكل أنواعه سابقة في علم الله ، وهو يحدث من أمره ما يشاء، ويكون إحداث الله للأشياء في الوقت الذي شاء الله سبحانه أن توجد فيه، فنجد مثلاً التقدير الأول، وهو ما قدره الله على جميع العباد قبل خلقهم وخلق السماوات والأرض من سعادة وشقاوة ونعيم وجحيم، كما جاء في الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق)، الحديث، وهو تقدير الله التقدير العام لجميع المخلوقات قبل أن يخلق السماوات والأرض، فإن الله قد علم كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض.
وأما التقدير الثاني فهو الذي يكون لكل إنسان وهو في بطن أمه، وهو تقدير خاص لكل إنسان على حدة، وهو يحدث للجنين في بطن أمه.
قال: فحينما تحمل المرأة وتمضي فترة معينة من الحمل يرسل الله ملكاً إلى الجنين، فينفخ فيه الروح، ويأمره أن يكتب سعادته وشقاوته ورزقه وأجله، وفي هذا جاء حديث الصادق المصدوق ﷺ الذي رواه ابن مسعود وغيره، وفيه يقول: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
والعكس بالعكس.
وهذا الحديث متفق عليه.
وفي هذا الحديث الشريف بين النبي ﷺ أن النطفة بعدما توضع في الرحم وتمر بهذه الأطوار الثلاثة -نطفة ثم علقة ثم مضغة- يرسل الله ملكاً فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.
ثم أرشد الحديث إلى أن أقدار الله غالبة والعاقبة غائبة، فعلى الإنسان ألا يغتر بظاهر الحال، فقد يعمل الإنسان بعمل أهل السعادة وقد كتب من أهل الشقاء، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الشقاوة فيدخل النار، والعكس بالعكس كذلك، وهذا ما يعرف بسوء الخاتمة أو حسنها، نعوذ بالله من سوء الخاتمة.
وقد كان السلف رضوان الله ﵎ عليهم يخافون من سوء العاقبة، وكانوا يسألون الله أن يقيهم فتنة الممات وسكرات الموت، حتى لا يفتنون لحظة خروجهم من الحياة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة منبهة على أهمية كلمة التوحيد في هذا الوقت، كما قال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
والتقدير الثالث: تقدير سنوي، وهو يحدث في كل عام في ليلة القدر، ولا يبتدئه الله ابتداء، وإنما هو تقدير تابع للعلم السابق الذي قدره الله ، وهذا التقدير يتم في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٥].
وأما التقدير الرابع: فهو التقدير اليومي، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، يعني: يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع أقواماً، ويخفض ويضع آخرين، يغني فقيراً ويفقر غنياً، يذل أقواماً ويعز أقواماً، كل يوم هو في شأن .
стр. 1460
وجوب الإيمان بمراتب القدر
ومراتب الإيمان بالقضاء والقدر يجب على كل مؤمن أن يؤمن بها ويعتقدها حتى يكون مؤمناً بقضاء الله وقدره، وذكر علماء السلف أنها أربع مراتب، وأنه لابد من تحققها وتوفرها في كل عبد حتى يكون مؤمناً بقضاء الله وقدره.
المرتبة الأولى: علم الله السابق وشموله لكل شيء، والمُحدَثُون يقولون: علم الله القديم، ولفظ القديم لم يكن يعرفه السلف، ومع حسن الظن بهم نقول: إن مقصود قولهم القديم أي: السابق الذي لم يسبقه شيء، وإلا ففي اللغة يدل لفظ القديم على أن هناك من هو أقدم منه، ولكنهم لما ذكروا هذا المصطلح الذي لم يعرفه السلف حملناه على حسن نيتهم من أنهم يقصدون العلم السابق الأولي لله .
والله لا يوصف بكونه قديماً، وإنما يوصف بأنه الأول، فنقول: الأول والآخر والظاهر والباطن، ولا نقول: القديم .
المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر: كتابة المقادير كلها قبل خلق السماوات والأرض.
المرتبة الثالثة: مشيئة الله الشاملة لكل ما يقع في الكون من خير وشر، والشر يتعلق بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية، والذي يقع من خير إنما هو متعلق بإرادته ومشيئته الشرعية الدينية.
يقول: لا يكون في كونه من صغيرة ولا كبيرة، ولا تقع ورقة من شجرة ولا تتحرك نملة إلا بمشيئة الله ﵎.
المرتبة الرابعة: خلق الله لأفعال العباد، والخلق هنا بمعنى الإيجاد من العدم.
стр. 1461
مرتبة العلم
المرتبة الأولى: علم الله السابق، وهذا أمر ينبغي أن يكون مسلماً ولا يجادَل فيه؛ لوضوحه وبيانه التام، وقد نص كثير من أهل العلم على أن منكري مرتبة العلم السابق لله قد انقرضوا، وقد كان منهم معبد الجهني.
قال: ومن أنكر علم الله السابق برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ﷺ والمؤمنين؛ لأنه بإنكاره يكون قد وصف الله بالعجز؛ لأن الجهل صفة عجز، فالذي يقول: إن الله تعالى لم يكن يعلم إنما ينسب النقص والعجز لله ، تعالى عن قوله علواً كبيراً.
والله أخبر عن علمه السابق للأشياء كلها في آيات كثيرة من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣٠ - ٣١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
وآيات كثيرة تثبت علم الله السابق الأولي.
فالذي ينكر العلم إنما ينكر آيات كثيرة من كتاب الله وأحاديث النبي ﷺ ، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا والله قد أحاط بها علماً، ومن كان عنده شيء من العلم فليعلم أن الله فوقه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
هذه مرتبة العلم الثابتة لله أولاً.
стр. 1462
مرتبة الكتابة
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، وهي تعني: أن الله كتب كل ما سيكون إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، أي: في كتاب مبين، والرسول ﷺ أخبر: (أن الله لما قضى الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي، أو إن رحمتي سبقت غضبي).
والشاهد: أن الله سبحانه كتب كل شيء كما في الحديث الصحيح: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء).
وكتب في الذكر أي: في الكتاب كل شيء، والإمام البخاري عليه رحمة الله ﵎ كان في غاية التوفيق عندما عقد باباً في كتاب القدر بعنوان: باب: جف القلم على علم الله تعالى، ولقد أمر الله تعالى القلم بالكتابة، فكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، كما في حديث عبادة بن الصامت، وفي حديث: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟) وهذا فيه نقاش وجواب وكلام بين الله وبين القلم، (اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة).
وأكد الله ذلك في القرآن الكريم، فنص على أنه كتب كل شيء، فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
فقوله سبحانه: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ))، أي: إلا في كتاب قد سبق أولاً، وهو مكتوب، فكل مصيبة أصابتك في نفسك أو ظهرت في الأرض أو البر فإن الله قد كتبها في كتاب، ((مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)) أي: من قبل أن نخلقها، ((إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)).
وجاء ختام الآية هكذا حتى لا تضل العقول وتظن أن هذا أمر صعب أو مستحيل.
فالله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن ذلك كتابة ما سيكون، وهو أمر يسير على الله ﵎ الخبير العليم، ((إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)).
والكتابة كتابتان: كتابة لا تتبدل ولا تتغير، وهي المكتوبة في اللوح المحفوظ عند الله ، فلا يلحقها محو ولا إثبات، وأما الذي يحدث فيه التغيير والتبديل فهو الكتاب الذي مع الملائكة، ولذلك قال الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
فقوله: ((يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)) هذا في الكتب التي مع الملائكة، وأما أم الكتاب فليس فيها محو ولا إثبات، ولا يلحقها المحو والإثبات.
стр. 1463
مرتبة المشيئة
والمرتبة الثالثة: مرتبة مشيئة الله الشاملة العامة لكل شيء، وتسمى المشيئة أو الإرادة، فالله شاء كل ما يقع في هذا الملكوت مشيئة مطلقة، وليست مشيئة خاصة، فلا يقع في ملكه إلا ما شاء، والمشيئة مشيئتان، والإرادة إرادتان، إرادة شرعية متعلقة بالمحبة والرضا، أي: بمحبة الله ورضاه عن هذا الفعل، وتشريعه إياه وإلزامه العباد به، وإرادة كونية قدرية، أي: أنه لا يقع في الكون ما لا يرضاه الله ، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد وقوعه، ولكنها إرادة ومشيئة كونية، لا إرادة ومشيئة شرعية دينية.
قال: فالله شاء كل ما يقع في هذا الملكوت مشيئة مطلقة، حتى كفر الكافر شاءه الله كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥].
وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨].
وشاء ذلك لحكمة يعلمها، أي: شاء الله مشيئة قدرية كونية أن يكفر الكافر وأن يفسق الفاسق لحكمة يعلمها هو ، فشاء تعالى وقوع المعاصي في الأرض لحكمة علمها من علمها وجهلها من جهلها.
وقد اشتبه هذا الأمر عند بعض الناس فقالوا: كيف يشاء الله الكفر ويشاء العصيان، وهو يقول: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، ويقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]؟
و
الجواب
أن المحبة في قوله: ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) محبة شرعية دينية، وأما قوله: ((وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)) أي: أن الله تعالى كره الكفر وذمه، وكره الفساد وذمه وحذر منه، ووقوعه في ملكه يدل على أن الله تعالى إنما أذن في وقوعه إذناً كونياً قدرياً لا إذناً شرعياً دينياً.
وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الله له مشيئة عامة لكل ما يقع في الكون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩].
وحتى أنت -أيها الإنسان! - لك مشيئة ولكنها مندرجة ومرتبطة بمشيئة الله ، ومشيئة الله فوق مشيئتك، وإذا لم يؤمن العبد بذلك لا يعد من المؤمنين بالقضاء والقدر.
стр. 1464
مرتبة الخلق
والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، أي: مرتبة خلق أفعال العباد، وهذه المرتبة من المراتب التي اشتبهت على بعض الناس، وضلت فيها المعتزلة، الذين قالوا بعدم خلق أفعال العباد، أي: أن الله تعالى لا دخل له في خلق أفعال العبد، وأن العبد يخلق فعله.
وهؤلاء أكثر من الثنوية ضلالاً، وأكثر ضلالاً من الذين قالوا بوجود إله للخير وإله للشر، لأنهم نفوا تماماً الخلق عن الله ، وقالوا: إن الله تعالى لا دخل له أبداً بخلق هذه الأفعال، وإنما الذي خلقها هو العبد.
فالذي يقول بأن العبد يخلق فعله لازم كلامه أن هناك آلهة متعددة، وإذا كان العبد هو الذي يخلق فعله لكان كل مخلوق خالقاً في الوقت نفسه، وهذا يرد عليه بمعتقد أهل السنة المستند إلى أدلة كثيرة، منها أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته)، أي: وما يعمل، أي: أن الله تعالى خالق كل مخلوق وما يصدر عن هذا المخلوق من أعمال وأقوال.
стр. 1465
اختلاف الفرق حول مسألة خلق الله لأفعال العباد
وهذه المرتبة ضلت فيها فرق كثيرة وعلى رأسها المعتزلة، وقد تحدث السلف في كتبهم عن مسألة خلق أفعال العباد، وصنف الإمام البخاري كتاباً مستقلاً سماه خلق أفعال العباد.
والحق: أن الله تعالى خالق لأفعال العباد جميعها من خير وشر، فالمعصية التي يقوم بها العبد خلقها الله تعالى وكتبها وقدرها عليه؛ لأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولا شيء إلا والله تعالى خالقه، والمسلمون تفرقوا في هذه المسألة فرقاً كثيرة، ولم يستطيعوا بعقولهم القاصرة بعد ابتعادهم عن القرآن والسنة أن يفهموا أن الله تعالى خالق لأفعال العباد.
ونجى الله تعالى سلف هذه الأمة من كل شر، ووقاهم الانحراف والوقوع في البدع والضلالات، فهم أسعد الناس بالحق، وأشد الناس حرصاً عليه وتمسكاً به، وقد فهموا هذه المسألة وآمنوا بها متبعين لا مبتدعين.
يقول عبد الله بن عمر ﵄: كل شيء بقدر الله حتى العجز والكيس.
ومسائل الإيمان بالقضاء والقدر مسلمة عند عامة المسلمين، فهم يؤمنون بها، إلا مسألة خلق الفعل، فهم فيها في اضطراب عظيم.
ويرد على الذين اضطربوا واختلفوا في مسألة الإيمان بخلق الله لأفعال العباد أن الفعل له جهتان، جهة قائمة بالرب ، وهي علمه وقدرته ومشيئته وخلقه وإيجاده؛ أي: علمه بأن هذا العبد سيفعل كذا في يوم كذا وعلى هيئة كذا وبصفة كذا، وأن الله تعالى قدر ذلك عليه إما تقديراً شرعياً أو كونياً، وشاء ذلك وخلقه، وأوجده من جهة العبد، والجهة الثانية متعلقة بالعبد، وهي فعله وكسبه.
فالفعل الذي يفعله العبد له متعلقان: متعلق بالله من جهة الإرادة والعلم والمشيئة والخلق والإيجاد؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما يريد ويشاء، وقد علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وهذا متعلق بجميع مراتب القدر، العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فالفعل له تعلق بالله من هذه الجهات الأربع، وأما تعلقه بالعبد فمن جهة العمل والكسب، أي: أن العبد هو الفاعل حقيقة لما فعل، بخلاف الجبرية الذين يقولون: إن الفاعل الحقيقي للفعل هو الله، وهذا كلام باطل ومردود، ويقولون: لا دخل للعبد ألبتة بالفعل لا من جهة الخير والشر، ولا من جهة الثواب والعقاب، وهذا كلام في غاية التناقض، فإن العبد هو الذي اكتسب الفعل وعمله بجوارحه القلبية أو الظاهرة، فهو من كسب العبد وعمله.
ومثال لذلك: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢].
فالله سبحانه هو الذي يسيرنا، ونحن نقوم بأداء الفعل وهو السير، فالذي يسير في البحر هو العبد، والذي أراد هذا السير وخلقه وأوجده ووفق العبد له هو الله ، وقد علم هذا السير وكتبه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
ولو أن رجلاً زنى أو سرق، فالزاني والسارق هو العبد، فهو الذي اكتسب هذا الفعل وعمله بجوارحه، فهو متعلق به من جهة الكسب ومن جهة العمل، والله هو الذي قدره عليه؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما أراده الله ، ومن قال: إنه يقع في ملك الله ما لا يريده فقد كفر.
والله إذا شاء وقوع فعل فلابد أن يقع وإن اجتمع الخلق جميعاً على عدم إيقاعه، والعكس بالعكس.
وإذا زنى العبد فإن الله يكره هذا، وقد حرمه ونهى عنه، والله لا يحب الفساد، وهذا فساد وإفساد في الأرض، والله يحب الطهارة، وقد أمر بها وحض عليها، وهو تعالى يحب المتطهرين حباً شرعياً دينياً، ويكره الزنا والخبث، وقد نهى عنه وحذر منه تحذيراً شرعياً.
والذي يقع فيما يكرهه الله ويبغضه قد علم الله تعالى سلفاً وأولاً أنه سيقع فيه، والله قد نهاه عنه نهياً شرعياً، وحذره منه تحذيراً شرعياً، ووقوع العبد فيه وقوع كوني، أي: متعلقاً بالكون وبقدر الله الذي كتبه على العبد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وأما الإرادة الشرعية فهي متعلقة بكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو شرع الله الذي أمر به وحض عليه وحث عليه الناس جميعاً.
فمن أتى ما أمر الله به نقول: إنه وافق فيه إرادة الله الشرعية الدينية، فالله أمر بتوحيده، وبالصلاة والصيام والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن أتى فعلاً من هذه الأفعال فقد وافق إرادة الله الشرعية الدينية، وأما الذي يسرق ويزني ويفسد في الأرض فنقول: إنه وافق إرادة الله الكونية القدرية، أي: المتعلقة بما يقع في الكون كله، أي: المتعلقة بإرادة الله المطلقة التي تشمل الشرعية والقدرية، وأما إرادة الله الشرعية فإنها لا تنصب إلا على ما يحبه الله تعالى ويرضاه.
стр. 1466
الرد على من يحتج بالقدر على ترك العمل
وبعض الناس يقول: إذا كانت هذه المسائل مكتوبة، وأن الله تعالى قدر وعلم وكتب هذه الأعمال كلها قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فلم العمل؟ ونقول: لابد أن تعمل؛ لأن كل مخلوق ميسر لما خلق له، وأعظم جواب يرد به على هذا القائل: أنه لا يعلم ما الذي كتب له؛ لأنه مخفي عنه، فلابد من العمل، والله ييسره للعمل، فإن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة، وإن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة.
قال: وقد يظن بعض الناس أن العمل لا فائدة منه مع الإيمان بهذه المراتب، وهذا كلام من أبطل الباطل، وقد وضح الرسول ﷺ هذا الأمر أتم توضيح وأبينه، وأزال كل الالتباس، وبين أن الإيمان بالقضاء لا يتنافى مع العمل، ففي حديث علي بن أبي طالب في الصحيحين قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ومعه مخصرة، فجعل ينكس أو ينكت بمخصرته في الأرض، ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار)، أي: أن الله تعالى علم عن كل نفس منفوسة من أول الأمر أنها من أهل الجنة أو من أهل النار، وكذلك كتب هذا الأمر أنه من أهل الجنة أو من أهل النار.
قال: (إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة، فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ النبي ﷺ قول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
ومن هذا يظهر بوضوح أن الله تعالى شاء كل شيء، وخلق جميع أفعال العباد، وأوجدها من خير وشر، والعبد يقوم بفعل ما خلقه الله فيه وأوجده، وقد جاء عن عبد الله بن عباس مرفوعاً: (الله خالق كل صانع وصنعته).
وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦]، أي: أتنحتون هذه الآلهة من هذه الحجارة ثم تعبدونها، والله خلقكم وما صنعتم، أي: أن الله تعالى هو الذي خلقكم وأوجدكم، وكذلك خلق وأوجد ما صنعتم بأيديكم، فكل ذلك من خلق الله ، يعني: أن الله تعالى خلقكم وما تعملون من نحت وغيره.
قال: وهذه القضية يجب على كل مسلم أن يوقن بها، ويعلم أنه يعمل فيما قدر عليه وفرغ منه.
стр. 1467
منشأ ضلال المعتزلة في قولهم بعدم خلق أفعال العباد
وطائفة الاعتزال هي التي ابتدعت القول بأن العبد يخلق فعل نفسه، وقد تصدى لهم أهل السنة والجماعة، وبينوا ضلالهم في ذلك، وأطلقوا عليهم مجوس هذه الأمة، والشبهة التي أوقعتهم في ذلك وجعلتهم ينفون خلق الله لأفعال العباد ما رأوه من شر وعصيان؟ وكفر يقع في ملكوت الله ، فقالوا: كيف يريد الله الكفر والشر والعصيان؟ فأرادوا بزعمهم تنزيه الله عن ذلك، والذي أوقع المعتزلة في هذا الضلال هو أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة القدرية الكونية، ولذلك استعظموا جداً أن ينسب الشر إلى الله، فقالوا: إن الله لم يخلق أفعال العبد أبداً، لا خير ولا شر، وكانوا يريدون القول بأن الله تعالى إنما خلق الخير فقط دون الشر، ولكنهم خافوا أن يطالبوا بالدليل على هذه التفرقة، فقالوا: إن الله تعالى لم يخلق أفعال العباد، وإنما الذي خلقها هو العبد نفسه، فانحرفوا عن عقيدة السلف الصالح، ولقد رد عليهم إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل في رسالة تسمى السنة، وهي من أعظم الرسائل في الرد على هؤلاء؛ لأن المجوس قالوا بوجود إلهين أحدهما للخير والثاني للشر، ومن هنا لحقت المعتزلة بهم.
والله إله واحد، والإله له ذات، وهذه الذات متصفة بصفات الجلال والكمال.
стр. 1468
الرد على المعتزلة في قولهم بعدم خلق الله لأفعال العباد
و
الجواب
على هذا الإشكال الذي ابتدعته المعتزلة بالتمييز والتفريق بين الإرادة الكونية القدرية المتعلقة بكل ما يقع في الكون من خير وشر، وأن الله تعالى أراد الشر إرادة كونية ليس لها تعلق بالمحبة والرضا، وبين الإرادة الشرعية المتعلقة بالمحبة والرضا.
يقول: إرادة كونية قدرية، وهذه الإرادة شاملة وعامة لكل ما يقع في الكون، قال الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، أي: من خير وشر.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
فهذه إرادة كونية، فالله قال: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ))، فهو يريد الهداية ويأمر بها، وهي إرادة شرعية، وقال: ((وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ))، وهذه الإرادة إرادة كونية قدرية، ومعنى أراده أي: أن الله علم أن العبد سيختار الضلال على الهداية، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧].
فهم الذين استحبوا واختاروا العمى على الهدى، والله علم أولاً وأزلاً أن هؤلاء القوم سيختارون الضلال على الهدى ويفعلونه، فعلمه سابقاً ثم كتبه في اللوح المحفوظ.
فالله خلق الشر كما خلق الخير، بمعنى: أنه أوجده وشاءه وأراده إرادة كونية قدرية، بخلاف الإرادة الشرعية.
قال: ولكنه ليس من صفاته، أي: هذا الشر ليس من صفات الله ، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (والشر ليس إليك)، أي: ليس من صفات الباري .
وهو لا يدخل في أفعاله، وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢].
فقد خلق الشر، وأمر بالاستعاذة منه، فالخير بيديه والشر ليس إليه.
ونسأل الذين ينكرون خلق الله لأفعال العباد لهذه الشبهة سؤالاً: من الذي خلق إبليس وهو رأس الشر؟ وهم لا يترددون في أن الله خلق إبليس، فالله خالق كل شيء من خير ومن شر، وإذا أنكروا أن الله تعالى خلق إبليس فقد كفروا وخرجوا من الملة، وإذا قالوا: إن الله تعالى هو الذي خلق إبليس قلنا لهم: نردكم إلى قولكم وإنكاركم بأن الله تعالى خلق الشر كذلك؛ لأنه خلق رأس الشر، وهو إبليس عليه لعنة الله ﵎.
стр. 1469
أنواع الإرادة
والإرادة إرادتان، الأولى: الإرادة الدينية الشرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي المتضمنة لما أمر الله به وشرعه على عباده، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧].
فهذه إرادة شرعية؛ لأن إرادة التوبة إرادة شرعية.
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وإرادة العسر إرادة قدرية كونية، وأما إرادة اليسر فهي إرادة شرعية دينية.
والثانية: الإرادة الكونية القدرية، وهي تستلزم وقوع المراد، أي: لابد أن تقع كما أراد الله ؛ لأنه لا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده الله ، والإرادة المطلقة متضمنة للإرادة الكونية والإرادة الشرعية في الوقت نفسه.
قال: ولا تستلزم المحبة، يعني: الإرادة الكونية القدرية تستلزم وقوع المراد ولا تستلزم محبة المراد، أي: ولا تستلزم محبة الفعل، فمثلاً: لا يمكن للعبد أن يزني إذا لم يقدر الله عليه ذلك، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده حتى الكفر نفسه، ومن قال بذلك فهو كافر، والله لا يحب الكفر، ولا يرضاه لعباده.
فالإرادة الكونية القدرية لا تعلق لها بالرضا، بخلاف الإرادة الشرعية فلها تعلق بالرضا والمحبة، فلو أن العبد أطاع وآمن فقد وافق إرادة الله الشرعية المتضمنة والمستلزمة لمحبته ورضاه، وأما إذا اختار الكفر على الإيمان فقد وافق إرادة الله القدرية الكونية التي لا تستلزم محبة الله ورضاه، بل تستجلب سخطه وغضبه .
قال: الإرادة الكونية القدرية تستلزم وقوع المراد، ولا تستلزم محبته، فيدخل فيها إرادة الإيمان والكفر وغيرهما، وأما الإرادة الثانية فلا تستلزم وقوع المراد وتستلزم محبته، وهي الإرادة الشرعية.
وهذا يفسر لنا قول الذي يقول حينما يشاهد رجلاً يقترف معصية: هذا يفعل ما لا يريده الله ولا يرضاه.
ولو رأيت شخصاً يسرق مثلاً فقلت له: يا فلان! إن الله تعالى لا يريد هذا ولا يرضاه ولا يحبه، فمعنى كلامك: أن الله تعالى لا يريد هذا إرادة شرعية، ولكنه أراده إرادة كونية؛ لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، أي لا يريده إرادة شرعية دينية، وهي المتعلقة بالمحبة والرضا؛ لأن الله لا يحب الفساد، وإن كان الله تعالى أراده إرادة كونية قدرية؛ لأنه لا يكون ولا يقع إلا ما يريد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فيهدي من يشاء هداية شرعية دينية، ويضل من يشاء ضلالاً قدرياً كونيناً، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، أي: أراد الهداية والضلال إرادة عامة كونية قدرية، وهو لا يريد الضلال ديناً وشرعاً، وإنما يريد الهداية ديناً وشرعاً؛ لأن الهدى متعلق بالإرادة الشرعية، والضلال متعلق بالإرادة الكونية القدرية.
стр. 1470
أنواع الهداية
والهداية لها أنواع كثيرة، منها هداية عامة للكون جميعاً، وهي الهداية العامة، فقد خلق الله الكون وهداه إلى ما ينظم به حياته، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١ - ٣].
وقال تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
والنوع الثاني من أنواع الهداية: هداية البيان والإرشاد والدلالة، فقد أنزل الله الكتب وأرسل الرسل لتبين للناس وترشدهم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، أي: أما ثمود فبينا لهم وأرشدناهم ونصحناهم إلى طريق الهداية، وميزنا لهم بين الضلال والحق، ولكنهم تركوا الحق واختاروا الضلال.
وهداية البيان والإرشاد ثابتة للرسول ﷺ كما أنها ثابتة لله ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، أي: إنك لتبين وترشد إلى الصراط المستقيم وإلى طريق الصالحين.
النوع الثالث من أنواع الهداية: هداية التوفيق، أي: توفيق العبد إلى طريق الهدى، فهذه الهداية متعلقة بإرادة الله وحده، وليس لأحد فيها نصيب ولا حتى الأنبياء، فقال الله : ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣].
ومن هذه الهداية: تحبيب الإيمان وتزيينه في قلوب المؤمنين، وهذه الهداية منفية عن جميع الخلق حتى عن الرسول ﷺ كما قلت، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
وهداية التوفيق متعلقة بالله دون أحد من خلقه، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ [النحل:٣٧]، وهذا الكلام موجه إلى النبي ﵊، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧]، يعني: رغم حرصك يا محمد! ﷺ على هداية هؤلاء فإن الله تعالى لا يهدي من كتب عليه الضلال، وعلم أنه سيختار الضلال في الأزل.
النوع الرابع من أنواع الهداية: هداية المؤمنين إلى الجنة والكافرين إلى النار، قال الله تعالى عن المؤمنين بعد دخولهم الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣].
فهذا إقرار واعتراف بأن الهادي إلى الجنة هو الله ، قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
стр. 1471
حكم من أنكر القدر
وكان أول من قال بنفي القدر هو معبد الجهني، وقد أخذ ذلك عن شيخه سوسن النصراني، فقد كان رجلاً نصرانياً بالبصرة يقول بالقدر ويعتقده، فتلقاه عنه معبد الجهني، ومن بعده ظهرت الفتنة، وكل فرقة من الفرق فيها غلاة وفيها أتباع ورعاع، وقد حكم العلماء على معبد الجهني وغيره بالكفر؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
وقد حكم عليهم عبد الله بن عمر بالكفر، ولا يزال أهل السنة يتشبثون بحكمه إلى يومنا هذا وما بعده إن شاء الله تعالى، فالقائل بنفي القدر عن الله ، وأن الله تعالى لا يعلم الأشياء ابتداء، وأنه لم يكتبها ولم يقدرها ابتداء قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
стр. 1472
فوائد الإيمان بالقدر
والثمرة المرجوة والمسلك العملي الذي يعود على من آمن بقدر الله: الإلحاح في دعاء لله بأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فإذا علمتُ أن هدايتي وضلالي بيد الله ، وأن الجنة والنار والخير والشر بيد الله فهذا يدعوني لأن أضرع إلى الله وأستغيث وأستعيذ بالله من كل شر، وأن يجعلني من أهل الصلاح والفلاح والهداية، ومن أهل الجنة في الآخرة، ومن أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
وكذلك الجدية في العمل والمسارعة إلى الخيرات، كما جاء في الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
فنسأل الله حسن الخاتمة؛ لأن أقدار الله غالبة، والعاقبة غائبة -أي: غائبة عنا-، فعلى العباد الاجتهاد كما أمر النبي ﷺ بذلك ونصح به.
فإذا كان أمري معلوماً عند الله يقيناً وأنا لا أعلمه فإن ذلك يدفعني إلى الاستزادة من العمل الصالح؛ رجاء أن يتقبل الله هذا العمل مني، وأن يجعلني من أهل الصلاح والفلاح.
وكذلك التسليم الكامل لما قدره الله وقضاه؛ لأنه لا يجوز أبداً الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وإنما الواجب الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بك مصيبة بعد أن اتخذت كامل الأسباب وعوامل الاحتياط في دفعها، فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل.
وهذا كلام المؤمنين النابع من إيمانهم بقدر الله فإذا وقعت المصائب بأحدهم كالمرض مثلاً أو كالسقوط أو وقوع الجدار أو نزول أي بلية بعد أخذ الاحتياط اللازم لدفعها فعليه أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ثم يصبر بعد ذلك ويحتسب، وهذا هدي النبي ﷺ إذا نزلت به المصيبة.
ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وإنما على المصائب، وهذا لا يكون أيضاً إلا بعد اتخاذ الأسباب، فقل: قدر الله وما شاء فعل، وهنا يظهر الإيمان بالقدر، فإذا مات والدك فلا تصح وتبكي وتلطم خدك وتشق جيوبك مدة ثلاثة أو أربعة أشهر، ثم تقول: أستغفر الله العظيم، قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فالإيمان بالقدر يظهر في وقته، فتقول في نفس الوقت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
ووقوع الخير أو وقوع الشر في العباد له منافع، فمثلاً المرض فيما يبدو للعبد شر، ولكنه في علم الله خير، وإن بدا لنا أنه شر، حتى إن بعض الأطباء يقولون: إن هناك جراثيم لا يمكن أبداً أن يقتلها دواء أو غيره، ولا يقتلها إلا مرض أو أمراض معينة تصيب العبد، فالمرض وإن كان شراً للعبد إلا أن الله قد خبأ له الخير.
والزنا شر، والله فرض حداً على العبد الزاني إما جلد مائة وتغريب عام، أو الرجم، فلو أن الزاني رجم في ميدان عام، وتفرج العالم على هذا الحد فلاشك أن من يريد الزنا سيراجع نفسه ألف مرة قبل أن يقدم عليه.
وهذا خير.
فالخير والشر من الله خلقاً وإيجاداً، ولكنه من العبد اكتساباً وفعلاً.
ومن فوائد الإيمان بالقدر أنه يورث التسليم الكامل بما قدره الله وقضاه، فإذا وقعت مصيبة بالعبد سلم أمره إلى مولاه دون جزع، وقد قال بعض السلف: القدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به في المعايب، فإذا أذنب العبد ذنباً استغفر، ولا يجوز له الاحتجاج بالقدر؛ لأن الله تعالى خلقه وهداه، وجعل له مشيئة، كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨].
ولما زنى عبد في عهد عمر بن الخطاب ﵁ جيء به إلى عمر فقال: ما الذي حملك على هذا؟ قال: القدر، فأمر برجمه، فقال: يا أمير المؤمنين! أترجمني في شيء قدره الله تعالى علي؟ قال: نعم، فإنما وقعت فيما وقعت فيه بقدر الله، وإنما نعاقبك بقدر الله ، يعني: العقاب نفسه من قدر الله ، بل هو من قدر الله الشرعي الذي أمر به وأحبه، وحث عليه في كتابه وفي سنة نبيه، وأما الذي وقعت فيه فإنما هو من قدر الله الكوني القدري.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1473
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - حديث جبريل ﵇ يعلم الصحابة دينهم
حديث جبريل ﵇ في بيان مراتب الدين حديث عظيم، فقد اشتمل على أركان الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، وبين بعض علامات الساعة، وهو حديث ذو فوائد جمة، وقد اشتمل على مسائل مهمة، ولذلك توسع العلماء في شرحه وإيضاح ما يتعلق به من أركان الدين.
стр. 1474
شرح حديث جبريل ﵇ في بيان مراتب الدين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: قال المصنف ﵀: [قال عبد الله بن عمر ﵄: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر -وفي رواية: لا نرى عليه أثر السفر- ولا يعرفه منا أحد)].
وهذا الذي دعا عمر بن الخطاب إلى أن يستنكر الأمر، لأن هذا الرجل ليس معروفاً عندهم في المدينة، فهو ليس من أهل المدينة ولا مما جاورها، وهو لا تبدو عليه علامات المسافر، فإن المسافر يكون في الغالب أشعث أغبر متسخ الملابس، وهذا الرجل الذي دخل عليهم كان شديد سواد الشعر، أي: ليس على شعره تراب، بل مرجل الشعر، وشديد بياض الثياب، ومعلوم أن المسافر يكون على غير هذه الهيئة والصفة.
стр. 1475
صفة جلوس المتعلم بين يدي شيخه
قال: [(حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)]، أي: جعل هذا الرجل ركبتيه بمحاذاة ركبتي النبي ﷺ .
قال: [(ووضع كفيه على فخذيه)].
والضمير هنا يعود على جبريل نفسه، أي: أنه وضع يديه على فخذيه هو، وليس على فخذي النبي ﷺ ، وإلا لكان وضعاً من أوضاع سوء الأدب بين التلميذ وشيخه، فهذا جبريل ﵇ جلس إلى النبي ﷺ بمحاذاته وقبالة وجهه، ثم وضع يديه على فخذي نفسه على هيئة جلسة المتعلم بين يدي شيخه وأستاذه.
следующие страницы →