Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حكم من أنكر القدر
وكان أول من قال بنفي القدر هو معبد الجهني، وقد أخذ ذلك عن شيخه سوسن النصراني، فقد كان رجلاً نصرانياً بالبصرة يقول بالقدر ويعتقده، فتلقاه عنه معبد الجهني، ومن بعده ظهرت الفتنة، وكل فرقة من الفرق فيها غلاة وفيها أتباع ورعاع، وقد حكم العلماء على معبد الجهني وغيره بالكفر؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
وقد حكم عليهم عبد الله بن عمر بالكفر، ولا يزال أهل السنة يتشبثون بحكمه إلى يومنا هذا وما بعده إن شاء الله تعالى، فالقائل بنفي القدر عن الله ، وأن الله تعالى لا يعلم الأشياء ابتداء، وأنه لم يكتبها ولم يقدرها ابتداء قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.
стр. 1472
فوائد الإيمان بالقدر
والثمرة المرجوة والمسلك العملي الذي يعود على من آمن بقدر الله: الإلحاح في دعاء لله بأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، فإذا علمتُ أن هدايتي وضلالي بيد الله ، وأن الجنة والنار والخير والشر بيد الله فهذا يدعوني لأن أضرع إلى الله وأستغيث وأستعيذ بالله من كل شر، وأن يجعلني من أهل الصلاح والفلاح والهداية، ومن أهل الجنة في الآخرة، ومن أهل السعادة في الدنيا والآخرة.
وكذلك الجدية في العمل والمسارعة إلى الخيرات، كما جاء في الحديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
فنسأل الله حسن الخاتمة؛ لأن أقدار الله غالبة، والعاقبة غائبة -أي: غائبة عنا-، فعلى العباد الاجتهاد كما أمر النبي ﷺ بذلك ونصح به.
فإذا كان أمري معلوماً عند الله يقيناً وأنا لا أعلمه فإن ذلك يدفعني إلى الاستزادة من العمل الصالح؛ رجاء أن يتقبل الله هذا العمل مني، وأن يجعلني من أهل الصلاح والفلاح.
وكذلك التسليم الكامل لما قدره الله وقضاه؛ لأنه لا يجوز أبداً الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وإنما الواجب الاحتجاج بالقدر على المصائب، فإذا نزلت بك مصيبة بعد أن اتخذت كامل الأسباب وعوامل الاحتياط في دفعها، فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل.
وهذا كلام المؤمنين النابع من إيمانهم بقدر الله فإذا وقعت المصائب بأحدهم كالمرض مثلاً أو كالسقوط أو وقوع الجدار أو نزول أي بلية بعد أخذ الاحتياط اللازم لدفعها فعليه أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، ثم يصبر بعد ذلك ويحتسب، وهذا هدي النبي ﷺ إذا نزلت به المصيبة.
ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، وإنما على المصائب، وهذا لا يكون أيضاً إلا بعد اتخاذ الأسباب، فقل: قدر الله وما شاء فعل، وهنا يظهر الإيمان بالقدر، فإذا مات والدك فلا تصح وتبكي وتلطم خدك وتشق جيوبك مدة ثلاثة أو أربعة أشهر، ثم تقول: أستغفر الله العظيم، قدر الله وما شاء فعل، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فالإيمان بالقدر يظهر في وقته، فتقول في نفس الوقت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
ووقوع الخير أو وقوع الشر في العباد له منافع، فمثلاً المرض فيما يبدو للعبد شر، ولكنه في علم الله خير، وإن بدا لنا أنه شر، حتى إن بعض الأطباء يقولون: إن هناك جراثيم لا يمكن أبداً أن يقتلها دواء أو غيره، ولا يقتلها إلا مرض أو أمراض معينة تصيب العبد، فالمرض وإن كان شراً للعبد إلا أن الله قد خبأ له الخير.
والزنا شر، والله فرض حداً على العبد الزاني إما جلد مائة وتغريب عام، أو الرجم، فلو أن الزاني رجم في ميدان عام، وتفرج العالم على هذا الحد فلاشك أن من يريد الزنا سيراجع نفسه ألف مرة قبل أن يقدم عليه.
وهذا خير.
فالخير والشر من الله خلقاً وإيجاداً، ولكنه من العبد اكتساباً وفعلاً.
ومن فوائد الإيمان بالقدر أنه يورث التسليم الكامل بما قدره الله وقضاه، فإذا وقعت مصيبة بالعبد سلم أمره إلى مولاه دون جزع، وقد قال بعض السلف: القدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به في المعايب، فإذا أذنب العبد ذنباً استغفر، ولا يجوز له الاحتجاج بالقدر؛ لأن الله تعالى خلقه وهداه، وجعل له مشيئة، كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨].
ولما زنى عبد في عهد عمر بن الخطاب ﵁ جيء به إلى عمر فقال: ما الذي حملك على هذا؟ قال: القدر، فأمر برجمه، فقال: يا أمير المؤمنين! أترجمني في شيء قدره الله تعالى علي؟ قال: نعم، فإنما وقعت فيما وقعت فيه بقدر الله، وإنما نعاقبك بقدر الله ، يعني: العقاب نفسه من قدر الله ، بل هو من قدر الله الشرعي الذي أمر به وأحبه، وحث عليه في كتابه وفي سنة نبيه، وأما الذي وقعت فيه فإنما هو من قدر الله الكوني القدري.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1473
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - حديث جبريل ﵇ يعلم الصحابة دينهم
حديث جبريل ﵇ في بيان مراتب الدين حديث عظيم، فقد اشتمل على أركان الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، وبين بعض علامات الساعة، وهو حديث ذو فوائد جمة، وقد اشتمل على مسائل مهمة، ولذلك توسع العلماء في شرحه وإيضاح ما يتعلق به من أركان الدين.
стр. 1474
شرح حديث جبريل ﵇ في بيان مراتب الدين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: قال المصنف ﵀: [قال عبد الله بن عمر ﵄: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر -وفي رواية: لا نرى عليه أثر السفر- ولا يعرفه منا أحد)].
وهذا الذي دعا عمر بن الخطاب إلى أن يستنكر الأمر، لأن هذا الرجل ليس معروفاً عندهم في المدينة، فهو ليس من أهل المدينة ولا مما جاورها، وهو لا تبدو عليه علامات المسافر، فإن المسافر يكون في الغالب أشعث أغبر متسخ الملابس، وهذا الرجل الذي دخل عليهم كان شديد سواد الشعر، أي: ليس على شعره تراب، بل مرجل الشعر، وشديد بياض الثياب، ومعلوم أن المسافر يكون على غير هذه الهيئة والصفة.
стр. 1475
صفة جلوس المتعلم بين يدي شيخه
قال: [(حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)]، أي: جعل هذا الرجل ركبتيه بمحاذاة ركبتي النبي ﷺ .
قال: [(ووضع كفيه على فخذيه)].
والضمير هنا يعود على جبريل نفسه، أي: أنه وضع يديه على فخذيه هو، وليس على فخذي النبي ﷺ ، وإلا لكان وضعاً من أوضاع سوء الأدب بين التلميذ وشيخه، فهذا جبريل ﵇ جلس إلى النبي ﷺ بمحاذاته وقبالة وجهه، ثم وضع يديه على فخذي نفسه على هيئة جلسة المتعلم بين يدي شيخه وأستاذه.
стр. 1476
بيان معنى الإسلام والإيمان في حديث جبريل ﵇
قال: [(ثم قال للنبي ﷺ : يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ -أي: قل لي: ما الإسلام وما فرائضه وأركانه؟ - فقال النبي ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله)].
والنبي ﷺ عدد له هنا فرائض الإسلام، وإلا فالإسلام بمعناه اللغوي والشرعي أكثر من ذلك، ولكن النبي ﷺ عد الفرائض فقط، ولم يعد باقي الخصال، كما لم يعدها أيضاً في بقية السؤالات على الإيمان والإحسان وأشراط الساعة، وإنما ذكر أشهر الأمور والفرائض.
قال: [(فقال ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
قال: صدقت -أي: صدقت يا محمد! - فقال عمر بن الخطاب: فعجبنا له يسأله ويصدقه)]؛ لأن هذا أمر مثير للعجب؛ لأن السائل من شأنه أنه يسأل ليتعلم، ولا يسأل لأجل أن يصدق على كلام المجيب.
قال: [(ثم قال الرجل: أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)].
стр. 1477
مذاهب العلماء في معنى الإسلام والإيمان
وسنبحث هنا في معنى الإسلام والإيمان؛ لأنهما اشتملا على مباحث كثيرة، وهذه المباحث هي: أولاً: بيان ماهية الإيمان والإسلام.
ثانياً: الفرق بين مطلق الإسلام ومطلق الإيمان.
ثالثاً: هل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ رابعاً: هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أم لا؟ خامساً: بم يدخل الكافر في الإسلام؟ سادساً: الاستثناء في الإيمان وكذا في الكفر.
سابعاً: حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو من أهل القبلة أم لا؟ وهذه المباحث السبعة ذكرها الإمام النووي في شرحه لمقدمة هذا الحديث عند ذكر الإسلام والإيمان، ولكنه داخل بين كل مبحث من هذه المباحث مع بقية المباحث، ونحن نلتزم ترتيبه، ونبين كلامه ونشرحه، وعلى الله التكلان.
يقول الإمام النووي عليه رحمة الله: (أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام وعمومهما وخصوصهما -أي: عموم الإيمان والإسلام وخصوص الإيمان والإسلام- وأن الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا؟ وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه).
ثم يقول: (وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة).
هنا يذكر الإمام النووي كلام الأئمة الذين تقدموا عليه وسبقوه، وعادة النووي في شرحه للصحيح أنه يعتمد النقل عن غيره، وقلما يتكلم من عند نفسه.
قال: (قال الإمام أبو سليمان -وهو الإمام الخطابي أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه الأديب الشافعي المحقق رحمه الله تعالى- في كتابه معالم السنن: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة -أي: مسألة الإيمان والإسلام- فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل] والزهري من فحول كبار أهل السنة والجماعة وفحولهم، ولم يخالف أهل السنة ولو في خردلة، إلا هذا القول فيه مخالفة لأهل السنة، ولم يثبت عن الزهري قط، بل له كلام في الإيمان والإسلام والإحسان يخالف ما نقله النووي عن الخطابي أنه قال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل.
وقوله: الإسلام الكلمة، أي: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
والإيمان العمل، أي: أن الأعمال هي حقيقة الإيمان، وليس الأمر كذلك، وهذا لم يثبت عن الزهري؛ لأنه قد ثبت عنه خلافه، وهذا النقل إما أن فيه تصحيفاً وتحريفاً عليه ويكون المعنى: قال الزهري: الإسلام: الكلمة والإيمان والعمل، وحذف الواو هنا أدى إلى هذا المعنى المختلف، فقد فرق بين الإسلام والإيمان، فأصبح النقل: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل، ولكن النقل الصحيح الذي يوافق ما ثبت عنه في مناسبات أخرى وفي كتب أخرى: أن الإسلام هو كالإيمان من حيث الكلمة ومن حيث العمل.
قال: (وذهب غيره -أي: غير الزهري - إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد).
وهذا الغير قد يقصد به أهل السنة، فأهل السنة عندهم أن الإسلام والإيمان شيء واحد عند الإفراد والتفرق لا عند الاقتران، وأما عند الاقتران فلكل منهما معنى ومسمى مغاير لمعنى الآخر ومسماه.
ثم قال: (واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
قال الخطابي -أي: بعد نقله لكلام الزهري -: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين -أي: إلى قول من هذين القولين السابقين- ورد الآخر منهما على الأول، وصنف عليه كتاباً يبلغ عدد أوراقه المئين -يعني: عدة مئات-.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا)، يعني: إذا أردنا أن نعرف ماهية الإسلام والإيمان واختصاص كل واحد منهما بأمر لا يندرج تحت المسمى الآخر فينبغي أن يقيد الكلام، ولا يطلق في تحديد ماهية الإسلام وماهية الإيمان.
قال: (وذلك أن المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمناً في بعضها)، يعني: أن المسلم إذا حافظ على طاعة الله ، ولم يرتكب كبيرة ولم يصر على صغيرة فلا شك أنه في هذه الحالة مسلم ومؤمن، وإذا ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة فإنه يبقى على إسلامه وينتفي عنه الإيمان، أو يقال: إنه مؤمن عاص، أو مؤمن فاسق، ولا غضاضة في الجمع بين الاثنين، أي: في الجمع بين الإيمان والفسق.
قال: (والمؤمن مسلم في جميع الأحوال -حتى وإن ارتكب المعاصي- فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً)، يعني: بينهما عموم وخصوص، فكل مؤمن يلزم منه أن يكون مسلماً، ولا يلزم من كونه مسلماً أن يكون مؤمناً، أي: لا يلزم من ثبوت الإسلام للمرء ثبوت الإيمان له؛ لأن الإيمان درجة أعلى، فإذا ثبت له الأدنى لم يلزم من ذلك ثبوت الأعلى، وإذا ث
стр. 1478
معنى الإسلام والإيمان في اللغة
قال: (وأصل الإيمان التصديق).
وهذا القول هو قول أهل اللغة، فقد قالوا: إن أصل الإيمان التصديق، وهو معنى قول إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧].
أي: وما أنت بمصدق لنا، أي: أنت لا تصدق كلامنا وإن صدقناك القول.
واعترض بعض أهل العلم على هذا التعريف، وقال: أصل الإيمان الإقرار، وهذا الاعتراض وإن كان وجيهاً إلا أن الراجح قول أهل اللغة، والمعترض على أن أصل الإيمان هو التصديق قال: لا يستوي أبداً أن تقول: آمنت بكذا أي: صدقت به؛ فإن قولك: آمنت بكذا يفيد الاطمئنان والإقرار القلبي، وأما قولك: صدقت بكذا فلا يفيد هذا المعنى.
وهذا هو قول الشيخ ابن عثيمين.
ثم قال - الخطابي -: (أصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد -أي: في اللغة- فقد يكون المرء مستسلماً في الظاهر -في أعمال الجوارح- غير منقاد في الباطن -وهذا نسميه مسلماً- وقد يكون صادقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر).
وهذا نسميه مسلماً عاصياً، فهذا مؤمن من داخله ولكنه غير منقاد، يعني: أنه مسلم بكل ما قال الله وقاله رسوله ﷺ ، ولكنه قائم على معصية الله وغير منقاد في الظاهر، ويأتي بجوارحه ما يغضب الله ، فمثل هذا يقال عنه: مسلم عاص.
فمعنى الإسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد، ومعنى الإيمان في اللغة: التصديق، أو الإقرار على مذهب.
стр. 1479
معاني الإسلام والإيمان إذا اجتمعا أو افترقا
والإسلام إذا اقترن مع الإيمان افترق عنه، وكان له مدلول خاص، وكذلك الإيمان، وإذا انفرد عن الإسلام شمله، كما أن الإسلام إذا انفرد عن الإيمان شمله، فلو قلنا مثلاً: الإسلام وسكتنا فهذا يدل على أننا سنتكلم عن الإسلام والإيمان، وإذا قلنا: الإيمان فقط فإننا نتكلم عن الإيمان والإسلام، وإذا جمعنا بين اللفظين الإسلام والإيمان فيكون لكل منهما مدلوله الذي يغاير مدلول الثاني.
وفي هذا الحديث -حديث عمر بن الخطاب - اجتمع الإسلام والإيمان، فقد سأله عن الإسلام ثم سأله عن الإيمان، وقد أجاب النبي ﵊ بمدلول لمعنى الإسلام وفرائضه، وأجاب بمدلول آخر لمعنى الإيمان وفرائضه، ولذلك يقول أهل العلم: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افتقرا اجتمعا، يعني: إذا اجتمع مصطلح الإسلام والإيمان دلا على أن كل واحد منهما له مدلول يختلف عن المدلول الآخر، وأما إذا انفرد أحدهما عن الآخر فإن كل واحد منهما يشمل الآخر في طياته.
стр. 1480
حكم إطلاق وصف الإيمان على من أتى ببعض شعبه
قال الإمام الخطابي في شرح حديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة): (في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وله أدنى)، لأنه قال: (أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان).
قال: (والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها)، يعني: لو أن رجلاً أتى بجميع هذه الشعب فإننا نسميه مؤمناً، ولو أن رجلاً أماط الأذى عن الطريق لقلنا: هذا رجل مؤمن؛ لأنه أتى بشعبة من شعب الإيمان، فالاسم يتعلق بالجزء كما يتعلق بالكل، ولكن الحقيقة لا تثبت إلا لمن أتى بالكل، ولا يثبت الإيمان المطلق إلا لمن أتى بجميع شعب الإيمان وفرائضه.
وهناك فرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فالإيمان المطلق هو الإيمان الكامل، وهذا لا يثبت إلا لمن أتى بجميع شعب الإيمان وفرائضه، وأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان الذي هو التصديق والإقرار.
стр. 1481
حكم الاتصاف بالإيمان الكامل
قال: (والحقيقة تقتضي جميع شعبه)، أي: أن حقيقة كمال الإيمان إنما تتعلق بجميع الشعب وتقتضي جميع أجزائه، وأنت إذا رأيت رجلاً واقفاً بين يدي الله يقرأ فاتحة الكتاب تقول: هذا الرجل يصلي، مع أنك لم تر كل أجزاء الصلاة، ولكن لا تثبت له حقيقة الصلاة إلا بالإتيان بها كلها، فلا يكون مصلياً إلا إذا استكمل جميع أجزاء الصلاة.
وكذلك الإيمان، يثبت ولو بشعبة واحدة من شعب الإيمان، أي: يثبت أصله للمسلم إذا أتى ولو بشعبة واحدة، وأما كماله وتمامه فلا يثبت إلا بالإتيان بجميع أجزاء وشعب الإيمان، وهو الذي يعبر عنه أهل العلم بحقيقة الإيمان، أي: الإتيان بجميع الشعب.
ويدل عليه قوله ﷺ : (الحياء شعبة من الإيمان).
стр. 1482
تفاضل الناس في الإيمان
وفي هذا الحديث أيضاً إثبات التفاضل في الإيمان، يعني: أن بعض الناس أفضل من بعض، فليس إيمان النبيين كإيمان أتباعهم، وليس إيمان المرسلين كإيمان غيرهم، ولا شك أن إيمان النبيين أعلى من كل إيمان البشر، وقد ورد أنه لو وضع إيمان أبي بكر الصديق في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجحت كفة أبي بكر الصديق ﵁.
وهذا يدل على أن الناس يتفاضلون ويتفاوتون في مراتب الإيمان، فبعضهم أعلى من بعض وبعضهم أدنى من بعض.
стр. 1483
الدين يطلق على الإسلام والإيمان
قال: (وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه، قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال)، أي: جعله اسماً لمسمى الأعمال الظاهرة؛ لأنه لما قال له: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله).
وهذا أمر ظاهر نسمعه نحن إذا نطق بلسانه، إلا أن يمنعه خرس أو غيره، فقال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله).
وهذا من عمل اللسان الظاهر، قال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).
وكل هذه أعمال ظاهرة، فنسب الإسلام إلى أعمال ظاهرة أي: يأتيها المرء بجوارحه.
قال: (وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد)؛ لأنه قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره).
وكل هذا إنما هو من أعمال القلب لا من أعمال الجوارح.
قال: (وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال ﷺ : (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).
فسمى هنا الدين بالأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، فالدين هو اسم يشتمل على الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، وليس معنى ذلك أن ما يطلق عليه الإسلام لا يطلق عليه الإيمان، أو أن ما يطلق عليه الإيمان لا يطلق عليه الإسلام، بل كلاهما عند الافتراق يطلق على مسمى ومدلول الاسم الآخر، فإن فرائض الإسلام وأركانه يطلق عليها الإيمان، وكذلك الإيمان يطلق على مسمى الإسلام، والكل يسمى ديناً.
стр. 1484
معاني الدين في القرآن
والدين قد ورد في الكتاب إما على سبيل الجزاء، وإما على سبيل العمل، فمما ورد بمعنى الجزاء قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، أي: مالك يوم الجزاء والحساب والعقاب والجنة والنار، فهنا لفظ الدين بمعنى الجزاء.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٨].
فيوم الدين هنا بمعنى الجزاء.
وقد ورد أيضاً الدين بمعنى العمل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
فالدين هنا بمعنى العمل بالإيمان والعمل بالإسلام.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥]، أي: عملاً يتقرب به إلى الله تعالى، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
فقوله: ((وَمَنْ يَبْتَغِ)) أي: ومن يتحرى غير الإسلام عملاً لم يأمر به الله ولا رسوله ﷺ يتقرب به إلى الله فقد دخل في حد البدعة، ولن يقبله الله تعالى منه.
وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، أي: عملاً تتقربون به إلى الله ، فأخبر أن الدين الذي يرضاه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل؛ لأننا لو قلنا في معنى قول الله : ((وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا))، وقوله: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ))، وقوله: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)): إن الدين هنا بمعنى العمل لاستلزم ذلك أن الله تعالى لا يقبل العمل هذا إذا لم يكن نابعاً من تصديق قلبي، وهذا يدل على أن الإسلام في هذه الآيات يشمل العمل الظاهر والباطن، والعمل الظاهر هو الذي ورد في الحديث في مراتب وفرائض الإسلام، والإيمان ورد في مراتب وفرائض الإيمان الباطنة المتعلقة بالقلب.
стр. 1485
زيادة التصديق ونقصانه والرد على من أنكر ذلك
قال: (قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي ﵀ في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص)، أي: أن الأصبهاني يقول: إن كانوا يزعمون أن الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص هو مجرد التصديق فنحن نوافقهم على هذا.
والصواب: أنه حتى لو كان الإيمان هو التصديق فهو أيضاً يزيد وينقص؛ لأننا نقول: إن إيمان أبي بكر أفضل من إيمان عمر بن الخطاب، وإيمان عمر أفضل من إيمان عثمان، وإيمان عثمان أفضل من إيمان علي، وهكذا الناس يتفاضلون، والأنبياء أعظم تصديقاً من غيرهم من الناس ومن الأتباع، فإذا كان الإيمان هو مجرد التصديق فإنه كذلك يزيد وينقص.
يقول: (لأن التصديق ليس شيئاً يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى).
ونقول: صحيح أنه لا يلزم منه أن يتجزأ، ولكن يلزم منه الكمال وغير الكمال، ويلزم منه الأدنى والأعلى، وأنت تمر بهذا في حياتك اليومية، فإذا حدثك رجل ثقة عندك بخبر من الأخبار فإنك تصدقه، فإن أتاك آخر وشهد بهذا الخبر عندك ازداد تصديقك، فإن أتاك جماعة كبيرة بلغ عندك درجة اليقين، ولذلك هناك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، وهذه مسائل معلومة، فالتصديق أيضاً على مراتب، فإن الرجل الذي آمن بالله رباً، وآمن بأن في يده الجزاء والعقاب، والثواب والحسنات، وأراد الإقدام على معصية ثم استشعر وجود الله ومراقبته فإن ذلك يمنعه من اقتراف المعصية، والرجل الذي هو مصدق بوجود الله وبالإيمان به وغير ذلك ولكنه غافل فإنه يقدم على المعصية.
فالإيمان إذا كان بمعنى التصديق فإنه أيضاً يزيد وينقص.
وإبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] وقد كان مصدقاً بالله ، وبأن الله تعالى يبعث الميت بعد أن يموت، وكان مؤمناً بالله حق الإيمان، ولكنه أراد مزيداً على ما عنده من الإيمان.
وهذا أيضاً مما يستدل به على زيادة الإيمان سواء في حقيقته الشرعية أو في أصله اللغوي.
فقال له ربه: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: أولم تصدق بوعدي؟ ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠].
ومعنى: ((لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) أي: بزيادة الإيمان لا بأصل الإيمان، ولو قلنا: إن الإيمان ليس إلا مرتبة واحدة لكان هذا طعناً في إبراهيم ﵇، وحاشاه أن يشك في ربه .
قال: (والإيمان في لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان)؛ لأن الأعمال هنا تدخل في مسمى الإيمان، فإذا ازداد المرء من الأعمال الصالحة وأعمال الطاعات زاد إيمانه، وإذا نقص منها نقص إيمانه.
قال: (وهذا مذهب أهل السنة).
стр. 1486
حكم إيمان من لم يأت بأي عمل مع التصديق
قال: (فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو: أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا؟)، أي: إذا لم يأت بالعمل مع التصديق، يعني: إذا اكتفى بالتصديق فقط، ولم يأت بأعمال البر والطاعة هل يسمى مؤمناً مطلقاً أم لا؟ فهذا يثبت له مطلق الإيمان، أي: أصل الإيمان الذي هو التصديق؛ لأن مطلق الإيمان غير الإيمان المطلق، فالإيمان المطلق هو كمال الإيمان وتمامه، وأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان، وهو التصديق، وهذا لم يأت مع التصديق بالعمل، مع أن هناك بعض الأعمال اختلف أهل العلم إذا لم يأت بها المرء هل يخرج عن ملة الإسلام أم لا؟ قال: (والمختار عندنا: أنه لا يسمى به).
والصواب أنه يسمى به، ويثبت له مطلق الإيمان.
قال: (قال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث؛ لأنه لم يعمل بموجب الإيمان، فيستحق هذا الإطلاق.
هذا آخر كلام صاحب التحرير).
стр. 1487
مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان
قال: (وقال الإمام أبو الحسن على بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه، قول الله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣].
وقول الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١].
وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤].
وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص -لأنه إن لم يزدد في إيمانه فلابد أن يستلزم ذلك النقصان- قال: (فإن قيل: الإيمان في اللغة: التصديق؟ ف
الجواب
أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فإذا ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان وبنقصانها ينقص).
وهذا كلام في غاية المتانة والجودة، فالإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا الكلام ينبغي حفظه والعض عليه بالنواجذ.
قال: (فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان).
ولم يقل: ينقص أصل الإيمان؛ لأن الأعمال هي المنسوب الذي به يزيد الإيمان وينقص، وكأن الأعمال لا علاقة لها بأصل الإيمان؛ لأن الأصل هو عقد القلب على الإقرار والتصديق، وأما الأعمال فإنما تأثيرها في الزيادة والنقصان.
قال: (ومتى زادت زاد الإيمان كمالاً، هذا توسط القول في الإيمان.
وأما التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ فلا ينقص)، يعني: إن التصديق نفسه لا يزيد ولا ينقص، وقد قدمنا أنه يزيد وينقص حتى في أصل التصديق على المذهب الراجح.
قال: (ولذلك توقف مالك رحمه الله تعالى في بعض الروايات عن القول بالنقصان؛ إذ لا يجوز نقصان التصديق).
فهم قد تأولوا كلام الإمام مالك هكذا، والإمام مالك لم يتكلم عن نقصان التصديق أو زيادته حتى لا يشتبه قوله بقول الخوارج.
قال: (إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة.
قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة، التصديق بالقلب، ثم الإقرار باللسان، والعمل بالجوارح).
فلا بد من اجتماع هذه الثلاثة، التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح والأركان، وعمل الجوارح والأركان سماه النبي ﷺ إسلاماً، والإقرار باللسان أيضاً داخل في مسمى الإسلام، ثم التصديق بالإيمان في القلب هو الذي يسمى الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
قال: (وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل -أي: لو صدق وعمل- على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن.
ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق).
وكأن الإمام النووي أراد أن يقول: لابد من اجتماع هذه الثلاثة حتى يسمى الرجل مسلماً مؤمناً.
قال: (فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى؛ لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]].
فهو هنا يتكلم عن صفات المؤمنين، وأدخل
стр. 1488
مذهب المرجئة والكرامية في الإيمان والرد عليهم
قال: (وإنما أراد الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل)؛ لأن المرجئة يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، ويقولون: لا علاقة للعمل بمسمى الإيمان، وعندهم أن أطوع الناس لله كأفجر الناس وأفسقهم، فالطائع عندهم كالعاصي تماماً، فكلاهما يسمى مؤمناً؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، ولا علاقة للعمل بمسمى الإيمان، فأراد البخاري أن يرد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل، وأن يبين غلطهم وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة.
قال: (ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحقيقة هو الإيمان).
يعني: الإيمان والإسلام في حقيقة الأمر اسمان لمعنى واحد ومسمى واحد، وهو الدين؛ لأن النبي ﷺ بعدما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة وأجابه قال: (أتاكم يعلمكم دينكم).
قال: (الذي هو عقد قلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره.
وقالت الكرامية وبعض المرجئة: إن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب).
يعني: لو قال شخص: أنا مؤمن بالملائكة، أو أنا مؤمن بالله فإنهم يقولون: هو مؤمن، حتى وإن لم يكن ذلك في حقيقة قلبه، ويقولون: إن هذا هو الإيمان، فهم يقولون: ليس الإيمان هو التصديق، وإنما هو الإقرار باللسان، فمن أقر بلسانه كان مؤمناً حقاً، وهذا قول باطل، ولو كان كلامهم صحيحاً فليس على وجه الأرض كافر، واليهود الذين حاربوا النبي ﵊ في المدينة كانوا يعترفون ويقرون في أنفسهم أن محمداً ﷺ مرسل من عند ربه.
قال: (ومن أقوى ما يرد به عليهم إجماع الأمة على إكفار المنافقين).
فالمنافقين في حقيقتهم بينهم وبين الله تعالى كفار، ولكنهم معصومو الدم؛ لأنهم أقروا بألسنتهم، فلهم حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، فنحن نعاملهم على أنهم مسلمون، وهم عند الله تعالى كفار، ونمتنع من مقاتلهم؛ لأنهم يقرون بألسنتهم بأنهم مسلمون.
فهو هنا يقول: الرد على المرجئة وعلى الكرامية بأن الإقرار باللسان لا يكفي لإثبات حقيقة الإيمان، وإجماع أهل السنة والجماعة أن المنافقين ليسوا مؤمنين.
قال: (وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]-فسمى المنافقين كفاراً- إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥].
هذا آخر كلام ابن بطال).
стр. 1489
ما يثبت به الإسلام للشخص
قال: (وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ : (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)، هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد في الظاهر.
وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه وانقياده، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله)، يعني: أن النبي ﵊ لما ذكر الإسلام والإيمان، ذكر شعب وفرائض وأركان كل منهما؛ ليدل على أن أصل الإسلام هو الاستسلام والانقياد، على أن أصل الإيمان هو التصديق في الباطن، وأما بقية هذه الشعب أو الأركان أو الفرائض فمن لوازم الإسلام أو الإيمان وأنه بانخرام واحدة ينخرم الأصل الذي عنده، والحقيقة أنه ينخرم الكمال، ولا ينخرم الأصل الموجود لديه.
стр. 1490
العلاقة بين الإسلام والإيمان
قال: (ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام -أي: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، فهو يقول: اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام- في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق).
فمثلاً لا يمكن لرجل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر أن ينكر الصلاة؛ لأن الأعمال الظاهرة إنما مبعثها الإيمان بالله ، وانقيادك في الظاهر يدل على حسن باطنك مع الله .
فالعلاقة وثيقة جداً بين مسمى الإيمان والإسلام، الذي هو عمل الباطن وعمل الظاهر، وأنت لن يبدو عليك ظاهر الإسلام إلا إذا كان هذا منبثقاً عن حسن اعتقادك في الله، وحسن ما تبطن تجاه الله من إقرارك وعقد قلبك وتصديقك بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وغير ذلك من فرائض الإيمان، وأنت لا تؤمن بهذا إلا إذا دفعك إلى حسن العمل في الظاهر، فالعلاقة وثيقة جداً بين الإيمان وبين الإسلام.
قال: (لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس).
فلما أتى وفد عبد القيس إلى النبي ﵊ قالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نأتيك إلا في شهر الله الحرام، فمرنا بأمر نعمل به ونلزم به من بعدنا أو من خلفنا، فقال النبي ﵊: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع) والحديث سيأتي في صحيح مسلم، وهو عند البخاري أيضاً قال: (آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الإيمان أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتحجوا البيت).
فهنا عرف الإيمان بالإسلام؛ لأنه لم يتكلم عن الإسلام وإنما تكلم عن الإيمان فقط، فعرف الإيمان بشعائر الإسلام، ولو أنهم سألوه عن الإسلام أو أمرهم بالإسلام لعرفهم على مسمى الإيمان والإسلام معاً، ولا يفهم من هذا أن النبي ﷺ إنما أراد أن يخبرهم بشعائر الإسلام دون شعائر الإيمان ومراتبه، وإنما إذا ذكر الإسلام وحده شمل معه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده شمل معه الإسلام، وإذا ذكرا معاً كان لكل واحد منهما مدلوله، كما هو الحال والشأن في الحديث الذي بين أيدينا حديث عمر بن الخطاب.
قال: (كما ورد في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة) -فلا نثبت له الإيمان المطلق، وإنما نثبت له مطلق الإيمان، وهو أصل الإيمان- لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ : (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)).
وكلمة حين أي: وقت ارتكاب المعصية، فدل ذلك على أن الإيمان يثبت له قبل ذلك وبعد ذلك، وأما وقت ارتكاب المعصية فلا يثبت له مطلق الإيمان، أي: لا يثبت له كمال الإيمان وتمامه، وإنما يثبت له أصل الإيمان.
قال: واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام لله .
قال: فخرج مما ذكرناه وحققنا: أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان).
بمعنى: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، أي: إذا ذكر كل واحد منهما على حدة فإنما يشمل الآخر، وإذا ذكرا معاً كان لكل منهما مدلوله.
قال: (وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً.
قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام، التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم.
هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح عليه رحمة الله ﵎.
وإذا سمعت في شرح صحيح مسلم قال أبو عمرو بن الصلاح أو قال القاضي عياض فانتبه جيداً، وخاصة لكلام القاضي عياض في غير كتاب الإيمان؛ لأن كلامه كالمسمار في الصاج، فهو كلام متين في غاية المتانة، وأبو عمرو بن الصلاح من أعاظم وفحول المحققين، وكان أستاذ التأويل والجمع بين الروايات والأقوال، وعندما يتكلم النووي عن مسألة ويذكر فيها عشرة أقوال فإنك تتحير أمام هذه الأقوال أيها الراجح وأيها المرجوح، فإذا قال لك: وقال أبو عمرو بن الصلاح فاعلم أنك قد أصبحت في بر الأمان مباشرة.
فـ أبو عمرو بن الصلاح لا يستهان به، ولا بأقواله قط، وكذلك القاضي عياض في غير التأويل، والإمام النووي كان يعتمد على القاضي عياض، وكان عنده أشعرية، عليه رحمة الله ﵎.
قال: (فإذا تقرر ما ذكرناه
стр. 1491
من الأدلة على نقصان الإيمان
ومما يدل على نقصان الإيمان حديث حنظلة: (نافق حنظلة).
وهذا حديث جيد في إثبات الزيادة والنقصان.
وكذلك حديث: (يا معشر النساء! تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قلن: ولم يا رسول الله؟! قال: لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، ثم قال: (وما رأيت أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، يحسن إليها الدهر كله) إلى آخر الحديث، وفي الحديث الآخر قال: (أليس إذا حاضت تركت الصلاة فذلك نقصان دينها، أليس شهادتها على النصف من شهادة الرجل، وهذا نقصان عقلها)، والحديث الأول يدل على نقصان الدين، وهذا الحديث يثبت النقصان.
стр. 1492
الرد على المتكلمين إنكار زيادة الإيمان ونقصانه
قال: (وأنكر أكثر المتكلمين زيادة الإيمان ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكاً وكفراً)، يعني: بعض المتكلمين وبعض علماء المسلمين الذين تأثروا بالفلسفة قالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لو قبل الزيادة لقبل النقصان، وإذا قبل النقصان كان شكاً، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق، فلو قبل النقصان لكان شكاً، ومن شك في الله كفر، وهذا القول مردود؛ لأننا نتكلم عن زيادة الإيمان ونقصانه غير المتعلق بأولى المنازل التي هي التصديق، ومعلوم أن الإيمان منازل ومراتب، فأول منزلة فيه التصديق، ثم بعد ذلك يزيد مراتب متعددة على حسب الطاعات والأعمال الصالحة وأعمال البر، والإيمان بهذا يقبل الزيادة والنقصان.
وهم عندما يقولون: إن الإيمان إذا قبل النقص صار شكاً، إنما يتكلمون عن أصل الإيمان وهو التصديق بالله وبفرائض الإيمان، ونحن إن وافقناهم على أن أصل الإيمان والمرتبة الأولى هي التصديق إلا أنا نقول: إنها تزيد وتنقص، ونقصان التصديق لا يلزم منه وقوع الشك؛ لأن التصديق نفسه مراتب، ولا يلزم من نزول الشخص من مرتبة إلى مرتبة في داخل المنزلة الأولى من منازل الإيمان -وهي التصديق- أن يكون شاكاً في الله ، ولو قلنا: إن نقصان التصديق يستلزم الشك لقلنا: إن إبراهيم كان شاكاً في الله ، وهذا محال.
فالرد عليهم: أن الإيمان يزيد وينقص، حتى وإن كانت هذه الزيادة والنقصان في أصل الإيمان والمنزلة الأولى منه، وهي التصديق، وذلك لا يستلزم شكاً؛ لأن هذه المنزلة الأولى على مراتب أيضاً عند أهل السنة والجماعة، فليس إيمان النبيين كإيمان الصديقين، ولا كإيمان الشهداء، فكل له مرتبة ومنزلة.
قال: (قال المحققون من أصحابنا المتكلمين -أي: الشافعية- نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص -وعندنا أن نفس التصديق يزيد وينقص- والإيمان الشرعي يزيد وينقص -فهو يتكلم هنا عن الإيمان الشرعي باعتبار العمل يزيد وينقص- بزيادة ثمراته -أي: بزيادة أعمال الطاعات والبر ونقصانها- قالوا: وفى هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهره حسناً إلا أن الأظهر والله تعالى أعلم أن نفس التصديق -والكلام للإمام النووي - يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة -أي: يزيد بكثرة النظر والتفكر في آلاء الله ، وتظاهر الأدلة- ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم؛ بحيث لا تعتريهم الشبه).
ولو جلست مع رجل من أهل البدع وألقى عليك شبهة فإنك ستتزعزع، مع أن عندك شيئاً من أصل التصديق، فالتصديق نفسه يزيد وينقص.
قال: (ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال.
وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك -وإن كان مسمى الإيمان يشمل الجميع- فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل).
стр. 1493
إطلاق الإيمان على الأعمال عند أهل السنة
قال: (وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق)، يعني: أهل السنة والجماعة يطلقون على الأعمال الإيمان، ويطلقون على الإيمان الأعمال، فالأعمال هي حقيقة الإيمان، وهي ثمرة من ثمراته.
قال: (ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]).
وإجماع المفسرين على أن هذه الآية نزلت لما وجل الصحابة من تغيير القبلة، فخافوا على صلاتهم السابقة هل قبلت أم لا؟ فأنزل الله لما سألوا نبيه عن ذلك، قال: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ))، أي: صلاتكم السابقة محسوبة لكم عند الله تعالى يجازيكم بها خيراً، فسمى هنا العمل إيماناً.
فالصلاة عمل، وقد سماها الله تعالى إيماناً؛ لأنها من لوازم الإيمان الباطن، وبين الإسلام والإيمان علاقة وثيقة جداً، فإذا ذكر أحدهما دل على الآخر، وإذا افترقا افترقا في المدلول.
وقد عرف النبي ﷺ تارة الإيمان بالإسلام، وعرف الإسلام بالإيمان، وكذلك ورد في غير ما آية من كتاب الله تعريف الإيمان بالإسلام، وتعريف الإسلام بالإيمان، كما أن الله تعالى أثبت أن الأعمال هي الإيمان أو من ثمرات الإيمان، كما قال: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ))، أي: صلاتكم وأعمالكم.
قال: (وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب كثيرة).
стр. 1494
صفة المؤمن الذي يحكم له بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار
قال: (واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك)؛ لأن من شك كفر، فمن شك في وجود الله يكفر، ومن شك في أن الله بعث محمداً ﷺ يكفر كذلك، فالمؤمن الذي يدخل الجنة ولا يخلد في النار الذي آمن بجميع فرائض الإيمان والإسلام من غير شك.
قال: (ونطق بالشهادتين).
стр. 1495
حكم إسلام من نطق بإحدى الشهادتين دون الأخرى
قال: (فإذا اقتصر على إحداهما).
أي: لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يقل: أشهد أن محمداً رسول الله، هل يحكم له بالإسلام أو لا يحكم له؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
قال: (فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً)، يعني: لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يقل: وأشهد أن محمداً رسول الله لم يكن من أهل القبلة من الأصل، أي: لا يدخل بهذا في الإسلام.
قال: (إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية).
يعني: لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله ثم مات، فهذا يحكم له بالإسلام، أو على الأقل نتوقف فيه، والراجح أنه يحكم له بالإسلام، ولو قال رجل: أشهد أن لا إله إلا الله فأصابه الخرس بعد أن نطق بها، ولم يستطع أن ينطق بالشهادة الثانية حكمنا له بالإسلام في الظاهر وأمره إلى الله، وإن لم يعترضه عارض وعلة تمنعه من النطق بالشهادتين حكم عليه بالكفر.
стр. 1496
حكم اشتراط التلفظ بالبراءة مما خالف دين الإسلام لمن دخل في الإسلام
قال: (أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول: وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام)؛ لأن النبي ﷺ في غير ما حديث قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، ولم يقل: وأن يتبرءوا من الكفر، وإنما سكت عن هذا.
قال: (إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا محمد ﷺ إلى العرب خاصة).
فإذا كان يعتقد أن النبي ﷺ إنما أرسل إلى العرب على جهة الخصوص كما كان كل نبي من قبل يرسل إلى قومه فقط وجب عليه أن يقول: وأنا بريء من كل دين يخالف دين الإسلام.
هذا رأي.
والراجح لمطلق النصوص وظاهرها أنه يكفيه للحكم عليه بالإسلام أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال: (وأما إذا اقتصر على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلماً، ومن أصحابنا من قال: يكون مسلماً ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جعل مرتداً، ويحتج لهذا القول بقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا اله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم))، أي: باعتبار أن هذا الحديث لم يذكر الشهادة الثانية، ولكن النبي ﷺ اكتفى بإحدى الشهادتين عن ذكر الأخرى؛ لأنها من لوازمها، فليس في هذا حجة، ولا يثبت إيمان المرء إلا بالإتيان بالشهادتين على السواء.
стр. 1497
حكم إسلام من أتى بالعمل دون النطق بالشهادتين أو العكس
قال: (أما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو على خلاف ملته التي كان عليها، فهل يجعل بذلك مسلماً؟)، يعني: لو قال شخص: إن الله قد افترض الصلاة، وأنا موقن بذلك، هل يثبت له الإسلام بهذا؟ لا يثبت له الإسلام إلا إذا أتى بالشهادة، ولو أتى بجميع فرائض الإسلام بدون الشهادتين فلا يحكم له بالإسلام.
وإن أتى بالشهادتين وترك العمل فقد اختلف أهل العلم في تكفيره بترك الأعمال أو عدم تكفيره.
стр. 1498
الاستثناء في الإيمان والتكفير
قال: (واختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن، أو قوله: أنا مؤمن إن شاء الله).
وهذه المسألة تعرف بمسألة الاستثناء في الإيمان، وقد قال الله : ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
فيجوز للمرء أن يقول: أنا مؤمن إذا كان يقصد مطلق الإيمان، وهو التصديق، ولا يجوز له أن يقول: أنا مؤمن إذا كان القصد منه الإيمان المطلق؛ لأنه في هذه الحالة يزكي نفسه، أو أنه يجوز ذلك من باب الإخبار، فيجوز أن يخبر عن نفسه وعن حقيقة قلبه بأنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره؛ لأن من لم يكن كذلك فليس من المؤمنين.
وأما الاستثناء فباعتبار الخاتمة والعاقبة، يعني: باعتبار أنه لا يعلم ما سيختم له به، فالاستثناء هنا جائز، ولا يجوز الاستثناء في الإيمان إلا بهذا الاعتبار، أي: باعتبار الخاتمة والعاقبة؛ لأنه لا يدري ما يختم له به.
قال: (وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: يقال: هو كافر، ولا يقال: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو في التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله؛ نظراً إلى الخاتمة وأنها مجهولة.
وهذا القول اختاره بعض المحققين).
والمذهب الراجح أن الكافر لا يستثنى فيه، فالكافر يقال: إنه كافر، حتى وإن أسلم بينه وبين نفسه إن لم يظهر هذا الإسلام، فيجوز للمسلمين أن يطلقوا عليه لفظ الكفر، مادام قد أخفى إيمانه، وأخفى الأعمال التي تدل على إسلامه أو إيمانه.
ويجوز للمسلم أن يطلق عليه لفظ الكفر ولا يستثني في ذلك، فيكون كافراً عند الناس، ويكون عند الله تعالى مؤمناً.
وهذه الشبهة دخلت على بعض المحققين من الاستثناء في إطلاق الكفر، أي: هل نقول للكافر في الظاهر: أنت كافر، أو نقول له: أنت كافر إن شاء الله؟ فقالوا: نحن لا ندري ما حقيقة أمره بينه وبين الله، ولا ما الخاتمة التي يختم له بها، ولذلك اختار بعض المحققين أن يقال: هو كافر إن شاء الله، وهذا قول مرجوح، والراجح أن الكافر إذا لم يعلن إسلامه وإيمانه أنه يقال فيه: كافر دون استثناء، وأما عاقبته فبينه وبين الله .
стр. 1499
مذهب أهل السنة في التكفير بالذنب
قال: (واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب).
وقد أطلق المسألة هنا؛ لأن الذنوب منها ما يكفر به صحابه، فلو سب رجل مسلم الله ، أو استهزأ بالرسول فإنه يكفر بهذا.
فينبغي تقييد هذا الذنب، فنقول: أهل الحق وأهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب إلا ذنباً يخرج من الملة.
قال: (ولا يكفر أهل الأهواء والبدع -أي: أهل السنة لا يكفرون أهل الأهواء والبدع إلا ببدعة يكفرون بها- وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام بالضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك).
يعني: لو جاء أعرابي من البادية لا يعرف أي شيء عن فرائض الإسلام، حتى الصلاة فيعرف بذلك، وهذه المسألة ليست بعيدة، وهناك أناس في جنوب أفريقيا إلى الآن لا يعرفون أن النبي ﷺ أرسل ولا أن اسمه محمد، وقد حدثني أحدهم في مكة العام الماضي أنه مصري، ولقي رجلاً من مصر دعاه إلى التوحيد وإلى الإيمان وإلى الإسلام، قال: وهذه أول مرة أسمع أن هناك نبياً أو رسولاً اسمه محمد، فإذا أسلم هذا الرجل فلا شك أنه لا يعرف في أول الأمر أركان الإيمان والإسلام، وشرائع الإيمان والإسلام، فمثل هذا الرجل لابد وأن يعلم أولاً، ولا يبادر بتكفيره، ولا بتفسيقه، فإن تعلم ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ثم أنكر بعد قيام الحجة الرسالية عليه فإنه يكون مرتداً كافراً خارجاً عن ملة الإسلام.
قال: (فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا)؛ لأنه لا يخفى على مسلم أن الزنا حرام، وهذا معلوم من دين الله بالضرورة، فمن استحل ما حرم الله فهو كافر بعد أن يعلم، ومن حرم ما أحل الله فهو أيضاً كافر إذا كان هذا أمراً معلوماً بالضرورة، فالذي يحرم ما أحل الله، أو يحرم ما أحل الله خارج عن دائرة الإسلام إذا كان أمراً معلوماً بيناً عنده.
قال: (فهذه جمل من المسائل المتعلقة بالإيمان قدمتها في صدر الكتاب تمهيداً لكونها مما يكثر الاحتياج إليه، ولكثرة تكرارها وتردادها في الأحاديث، فقدمتها لأحيل عليها إذا مررت بما يخرج عليها.
والله أعلم بالصواب).
فأهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب إلا ذنباً يكفر به، معنى ذلك: فالزاني لا يكفر عندهم، ولا يلزم من حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، أن يكون كافراً، بل إنه يكون في لحظة هذا الفعل وارتكاب هذا الإثم على إسلامه وعلى أصل التصديق، وينفى عنه زيادة الإيمان وكماله وتمامه.
فأهل السنة لا يكفرون أحداً بذنب من أهل القبلة، وإنما يثبتون له الإسلام وأصل الإيمان، ولا يكفرون إلا من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله بعد قيام الحجة عليه.
стр. 1500
مذهب أهل السنة في مرتكب الكبيرة
وأهل السنة والجماعة يقولون: من ارتكب كبيرة من الكبائر فأقيم عليه الحد فإن الله لا يحاسبه على هذه الكبيرة، فمن سرق وأقيم عليه حد السرقة وقطعت يده لا يحاسبه الله تعالى؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإذا لم يقم عليه الحد وتاب تاب الله عليه، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠].
فمن تاب إلى الله تاب الله عليه، وهذا وعد الله، ووعد الله لا يتخلف، والله تعالى إن شاء أنفذ وعيده وإن شاء عفا عنه.
وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الوعد والوعيد.
وأما إذا لم يقم عليه الحد، ولم يتب من هذا الذنب، وكان مصراً عليه ومات على هذا الإصرار، وهو يعلم أنه مذنب فهو هنا تحت مشيئة الله.
стр. 1501
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - ركن الإيمان بالله
وجود الله تشهد به العقول والفطر المستقيمة، كما يشهد به الحس أيضاً، وقد جاء الشرع بذلك.
والإيمان بالله له أركان وشروط لا يكون العبد مؤمناً إلا بتحقيقها واستيفائها، ومن لم يحققها لم يكن مؤمناً بالله .
стр. 1502
ما يستلزمه الإيمان بالله
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله هي الركن الركين والأصل الأصيل في أركان الإسلام.
فقد قال لما سئل: (ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، ثم عدد بعد ذلك فرائض الإسلام، فقال: (وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).
وسنؤخر الكلام عن بقية الشرائع؛ لأنه سيأتي لها كلام مستفيض من خلال تعرضنا لشرح الفقه من صحيح مسلم، فهناك أبواب خاصة بالصلاة، وأخرى بالزكاة، وأخرى بالصوم والحج كذلك.
ثم سأل جبريل ﵇ النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره)،.
وسنتعرض هنا لأول ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله ، وأركان الإيمان -كما هو معروف- ستة: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.
والإيمان بالله يستلزم أمرين: الأمر الأول: الإيمان بوجود الله .
والأمر الثاني: الإيمان بتوحيد الله .
ولابد من هذين الركنين حتى يستقيم الإيمان بالله ، فلابد من الإيمان بوجود الله تعالى، ثم توحيده ، فهذان ركنان ركينان لابد منهما، ولا يستقيم إيمان العبد بواحد منهما دون الآخر، فمن آمن بوجود الله ولم يوحده فليس بمؤمن، ومن وحد الله ولم يكن مؤمناً بوجوده فلا شك أنه يجري خلف سراب، وقد ركب مركباً صعباً، إذ كيف يوحد عدماً أو سراباً؟! فلا يستقيم توحيد العبد لله إن لم يكن مؤمناً بوجود الله .
وأما الركن الثاني فهو توحيد الله ، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية أو الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فمن لم يؤمن بوجود الله فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله ولم يؤمن بانفراده بالربوبية فليس بمؤمن كذلك، ومن آمن بالله وأنه منفرد بالربوبية ولكنه لم يؤمن بألوهية الله فليس بمؤمن كذلك.
وتوحيد الألوهية هو الذي أرسل الله من أجله الرسل وأنزل عليهم الكتب؛ حتى يقام توحيد الله ، وتوحيد الإلهية يسمى كذلك توحيد العبادة، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية ولم يؤمن بأسمائه وصفاته فليس بمؤمن.
стр. 1503
الأدلة على وجود الله تعالى
السؤال عن وجود الله لا يصدر من أهل التوحيد والإيمان، ولكنه قد يصدر من أهل الشرك والكفران والجحود، أو من المنافقين الشاكين المرتابين، أو من جهال المسلمين كذلك، وهذا ليس على سبيل إنكار وجود الله ، ولكن ربما يكون هذا السؤال مفاده معرفة الله بالأدلة القطعية.
ولو كان هذا السؤال صادراً من أهل الشرك والكفران والجحود والنفاق فإننا نقول لهم: معرفة وجود الله ثابتة بالعقل والحس والفطرة والشرع.
ولم نقدم هذه الثلاثة على الشرع لأن الشرع يستحق التأخير، بل الشرع مقدم على كل شيء، ولكن قدمناها على الشرع لأننا نرد على إنسان لم يؤمن بالله ، ومن الصعب أن نحاجه بآيات الله وبأحاديث النبي ﵊، فينبغي أن نخاطب عقله وحسه وفطرته، ثم بعد ذلك نقول له: إن الذي ثبت عندك من خلال العقل والحس والفطرة قد ورد به الشرع، ثم نسرد له بعد ذلك الأدلة على وجود الله .
стр. 1504
أولاً: دلالة العقل على وجود الله تعالى
فأما دلالة العقل على وجود الله فنقول: هل هذه الكائنات الموجودة وجدت بنفسها وبذاتها، أو وجدت هكذا صدفة؟ وهذا سؤال يطرح على أصحاب العقول؟ فإن قال ذلك المسئول: وجدت بنفسها؟ ف
الجواب
أن ذلك مستحيل عقلاً مادامت معدومة، وإذا كانت هي في أصلها معدومة فكيف وجدت؟ وكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ فالمعدوم ليس بشيء حتى يوجد، فضلاً عن أنه يوجد غيره.
وإن قال: وجدت صدفة فنقول: أيضاً هذا يستحيل، ثم نسأل هذا الجاحد: هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات وأنواعها من زخارف الدنيا وجدت بنفسها أو وجدت هكذا مصادفة؟ فلا شك أنه سيقول: إن لها صانعاً، فيقال له: لا يمكن أن يكون غير ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد هكذا صدفة أو أن توجد نفسها.
وقد قيل: إن طائفة من أهل الهند أتوا إلى أبي حنيفة ﵀ -وكان أبو حنيفة ﵀ من أذكياء العالم في ذلك الزمان- يسألونه عن وجود الله ، وقد كانوا جاحدين ومنكرين لوجود الله، وأصل الشرك ظهر في الهند، وسيطر الشيطان من أول أمره على بلاد الهند في عبادة غير الله ، فقال أبو حنيفة: ائتوني بعد يوم أو يومين، فلما جاءوه قالوا: ماذا قلت، أو ماذا فعلت؟ قال أبو حنيفة: أنا أفكر في سفينة مملوءة بالبضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء وأنزلت الحمولة ثم ذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون، فقالوا له: أتفكر في هذا وأنت إمام المسلمين؟ قال: نعم، قالوا: إذاً: ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف بدون قائد ولا حمال، فهذا ليس بمعقول، فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: كيف لا تعقلون هذا وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع ومدبر وخالق لها؟! فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم وعجزوا عن جوابه.
والجاحد لآيات الله ولوجوده لابد أن يخاطب بما يفهمه، أو بما تفنن فيه وتخصص فيه، ولذلك العرب الذين كذبوا النبي ﷺ تحداهم القرآن أن يأتوا بمثل القرآن أو بعشر سور، أو حتى بسورة واحدة، وقد كانوا أهل بلاغة وفصاحة، وحتى الذي كان منهم يفتري على الله الكذب، ويأتي بآيات من عنده مفتراة ومكذوبة كان أصحابه يعلمون أنه يكذب، ويعلمون أن كلامه كلام بشر، وليس كلام الله .
وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير.
وقد كان العرب ينظرون في الصحراء إلى أثر الأقدام، ويعرفون المار من خلال آثار الأقدام، وقد بلغوا في هذا مبلغاً عظيماً، فقد كانوا يقولون: صاحب هذا القدم هو ابن لصاحب هذا القدم.
قال الأعرابي: الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير -أي: أن البعرة على الأرض إنما هي نتاج طعام وشراب لبعير كان هناك- فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ ولهذا قال الله ذاماً وموبخاً للمكذبين الضالين: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
ومعنى الآية: هل خلقوا صدفة؟ أم هم الذين أوجدوا أنفسهم؟ وهذا الكلام خرج مخرج التوبيخ والتقريع لهؤلاء المكذبين الضالين.
فدلالة العقل دلالة قطعية على وجود الله .
стр. 1505
ثانياً: دلالة الحس على وجود الله
وأما دلالة الحس على وجود الله فإن الإنسان يدعو الله ويقول: يا رب! ويدعو بشيء ويستجاب له في هذا الشيء الذي دعا ربه به.
وهذه دلالة حسية يراها الإنسان بعيني رأسه، ويرى إجابة الله تعالى لسؤاله ودعائه، فهو لم يدع إلا الله وقد استجاب الله له، وقد رأى ذلك رأي العين، وكذلك نسمع عمن مضى وعمن هو موجود ممن دعا واستجاب الله تعالى لدعائه وآتاه سؤاله، وقد صنف الحافظ ابن أبي الدنيا كتاباً بعنوان: مجابو الدعوة، وكثير من الصحابة ﵃ كانوا مجابي الدعوة، وكذلك الأنبياء كلهم بلا استثناء كانوا مجابي الدعوة.
وقد دخل أعرابي والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: هلكت الأموال يا رسول الله! وانقطعت السبل، وهلك الضرع والزرع -فشكا هذا الأعرابي القحط والجدب بسبب ارتفاع المطر وعدم نزوله، حتى كادت المدينة أن تهلك- فادع الله أن يغيثنا بالمطر، فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء ودعا الله ، يقول أنس: ووالله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -أي: ولا قطعة سحاب ولا علامة سحاب- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة، تأتي من قبله السحب- من بيت ولا دار، أي: أننا لا يحجبنا عن المكان الذي يأتي منه السحاب بيت ولا دار، فكنا نرى السماء صافية تماماً، ولكن لما دعا النبي ﵊ بهذه الأدعية نزل المطر ولم يكف مدة أسبوع كامل، فدخل ذلك الأعرابي في الجمعة المقبلة، وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، أي: بسبب كثرة مياه الأمطار وغزارتها، فادع الله لنا.
وهذا يدل على أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه في الجمعة الأولى وفي الجمعة الثانية، وهذه دلالة حسية على وجود الله ، وهذا أمر واقع وموجود، وهو يدل على وجود الخالق دلالة حسية.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
والنبي ﷺ كان يقول: (دعاء المسلم بين ثلاث)، وفي رواية قال: (ما لأحدكم يدع الدعاء، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي؟ ودعاء المسلم بين ثلاث: إما أن يعجل الله تعالى له سؤاله في الدنيا -أي: بمجرد أن تسأل الله يؤتيك سؤالك، ولعل هذا يكون أهونها، وأقلها فائدة لك- وإما أن يدفع عنه من البلاء مثله وأعظم، وإما أن يدخرها له في الآخرة فيكافئه الله بها)، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى على لسان أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء:٨٣]، أي: إذ دعا ربه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
ونحن نعلم ما نزل بأيوب ﵇ من البلاء والضر في بدنه وفي ماله وفي أهله وفي امرأته كذلك، حتى قيل: إن لحمه تساقط، ولم يبق في بدنه إلا العصب والعظم والقلب يسبح الله تعالى به، وتناثر لحمه، وخرجت رائحته، حتى كان لا يكاد أحد يجرؤ على أن يقترب منه من نتن هذه الرائحة، ولم يكن يقترب منه في ذلك الوقت إلا امرأته، وظل هذا البلاء بأيوب ﵇ ثمانية عشر عاماً، وكان إخوانه وأصدقاؤه وأصحابه يقولون له: إن هذا البلاء ما نزل بك إلا بذنب، ورجوه في أول الأمر أن يدعو الله أن يرفع عنه البلاء، فرفض في أول الأمر، ثم لما كانت فتنة عظيمة دعا ربه وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
فالله قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء:٨٤].
وقد قيل: إن امرأته احتاجت إلى أن تعمل خادمة في البيوت حتى تعيل نفسها وتعيل أيوب ﵇، وكثرت الروايات في هذا، ومنها ما هو غريب، ومنها ما هو من الإسرائيليات وغيرها.
ولم يثبت أن نبياً من الأنبياء أكل من تكفف الناس أو سؤالهم، فامرأة أيوب كانت تعمل عند الناس مقابل أجر، ولم تكن تتكفف الناس حتى يعيلوا أيوب، وإنما كانت تعمل وتأخذ أجرها فتنفق منه على أيوب ﵇ في مرضه، قال تعالى: ((فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)).
فلما رجعت امرأته ذات يوم وجدت أيوب ﵇ في أحسن صورة وأكمل هيئة، فتوارت عنه ولم تعرفه، حتى قال لها: أنا أيوب، قالت: سبحان الله! واستنكرت، فأخبرها أنه دعا ربه أن يرفع عنه الضر، فرفع عنه الضر، وأبدله صحة وعافية، وأرجع إليه أهله وماله وأولاده، ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤].
وهذه دلالة أيضاً حسية على وجود الله ، وليس هو موجوداً من باب أنه اسم مفعول بمعنى مخلوق، فهذا كفر، وإنما موجود بمعنى واجد، فهو اسم مفعول على وزن فاعل.
стр. 1506
ثالثاً: دلالة الفطرة على وجود الله
والدلالة الثالثة على وجود الله دلالة الفطرة، وكثير من الناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله ، حتى البهائم العجماوات تؤمن بوجود الله .
وروي عن أبي الصديق الناجي في قصة سليمان: أنه خرج بقومه يستسقون، فوجد نملة نائمة على ظهرها أو مستلقية رافعة يديها أو رجليها إلى السماء تستسقي الله ، فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد سقيتم بدعاء النملة.
وهذه الرواية منقطعة بين أبي الصديق وسليمان ﵇، ولا تعرف هذه الرواية من قول النبي ﵇، ولا من قول أحد من أصحابه، وربما كانت من الإسرائيليات، وللإمام ابن القيم الجوزية عليه رحمة الله كلام كثير حول هذه الرواية في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية.
والفطرة مجبولة على معرفة الله ، ولا أدل على ذلك من قول النبي ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -وفي رواية: إلا يولد على فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).
فهذا الحديث يدل على أن الجبلة والفطرة الأولى التي خلق الله تعالى عليها الخلق أولاً هي فطرة التوحيد وفطرة الإسلام، ثم يأتي اللوث والنجس والوسخ بعد ذلك بسبب الآباء والمجتمعات، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي: يجعلانه يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً.
وهذا الحديث يبين أن اليهودية والنصرانية والمجوسية من الكفر، وأن الإنسان إذا لم يكن مسلماً فلا بد وأن يكون كافراً.
وقد أشار الله إلى دلالة الفطرة في قلب ابن آدم، فقال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].
وهذه آية الميثاق التي أخذها الله على ذرية آدم، فالله أخرج هذه الذرية من ظهر آدم وصلبه وأشهدهم على أنه تعالى هو ربهم وإلههم، فشهدوا بذلك وأقروا به، فقال الله : ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: فلو قلتم هذا فلن يقبل منكم هذا العذر ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣].
وهذا أيضاً عذر أقبح من ذنب، وهو غير مقبول ومردود عليكم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.
فالذي يأتي بإحسان وبإسلام إلى الله يتقبل الله تعالى منه ويجازيه جزاء المحسنين، ومن أتى بكفر وشرك وضلال فإن الله تعالى يعاقبه في الأولى والآخرة.
стр. 1507
رابعاً: دلالة الشرع على وجود الله
وأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم كريم عليم، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله.
стр. 1508
أنواع التوحيد
والأمر الثاني اللازم للإيمان بالله هو توحيد الله ، وهو ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 1509
أولاً: توحيد الربوبية
فأما توحيد الربوبية فلم يكن محل إنكار عند المشركين أولاً، فقد كانوا يعلمون أن الله تعالى هو رب الأرباب، وهو الخالق الرازق المدبر لأمر خلقه وشئون كونه، ولكن اللوث دخل بعد ذلك.
ومعنى توحيد الربوبية: إفراد الله بالخلق والأمر والملك، والأمر بمعنى التدبير، أي: تدبير الكون والخلائق.
فحتى تكون مؤمناً لا بد أن توقن بأن الله تعالى رب دون ما سواه، وأنه تعالى متفرد بالخلق، ولا خالق غيره، ومتفرد بالتدبير فلا مدبر غيره، ومتفرد بالملك فلا مالك على الحقيقة غيره، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ووجه الدلالة من هذه الآية أنه لما قدم الجار والمجرور أفاد أن الخلق والأمر متفرد بهما الله لا يشاركه فيهما غيره، ولو قلنا: الخلق والأمر لله لجاز أن نقول: لله ولغير الله، فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، بمعنى: أنه لا يصرف شيء من هذا إلى غيره، وألا أداة تنبيه، فالله يستجمع القلوب والحواس وينبههم إلى خطورة هذا الأمر، ثم قال: ((لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ))، فقدم له، والأصل أنه كان في الآخر، أي: الخلق والأمر له، فلما قدم هذا الجار والمجرور على أصل الجملة دل ذلك على أن الخلق والأمر منحصر لله تعالى، وهو المتفرد بهما، ولا يجوز لأحد أن يدعي الخلق أو يدعي الأمر.
وأما الملك فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩].
ونقول في وجه الدلالة من هذه الآية ما قلناه في قول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
أي: كان الأصل أن يقول: ملك السماوات والأرض لله، ولكنه قدم ما كان حقه التأخير فأفاد الحصر، أي: أن ملك السماوات والأرض لله وحده لا شريك له.
إذاً: فالرب منفرد بالخلق والملك والتدبير.
стр. 1510
شبهة حول النصوص التي أثبتت خلقاً لغير الله والرد عليها
فإن قال قائل: كيف تجمع بين ما قررت وبين إثبات الخلق لغير الله؟ يعني: أن هناك من خلق الله من أثبت الله تعالى له الخلق أو أثبت الرسول ﷺ له الخلق، وقد ثبت هذا في قول الله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
وكلمة أحسن تفيد بظاهرها أن هناك خالق، ولكنه ليس بأحسن خلقاً من الله ، وإنما الله أحسن الخالقين على الإطلاق، وقال النبي ﷺ في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، وهذا كلام خرج على سبيل التقريع والتوبيخ للمصورين الذين ينحتون ويصورون الصور يضاهئون بها خلق الله ، ومثل قول الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي).
و
الجواب
أن يقال: إن الخلق في اللغة خلقان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين من العدم، وخلق بمعنى التحويل، والله له الخلق المطلق، أي: الإيجاد والتكوين الأصلي، وأما الذي يطلق عليه خالق من دون الله فإنما يطلق عليه ذلك مجازاً، فيقال للنجار الذي يصنع هذا الطاولة مثلاً: قد خلقها وصنعها وفطرها، وليس معنى ذلك أنه خلقها من عدم، فمادة هذه الطاولة هي من خلق الله ، ولو اجتمع أهل الأرض جميعاً على أن يصنعوا ويخلقوا هذا الخشب فلن يقدروا على ذلك؛ لأن هذا هو ما تفرد الله به منذ الأزل.
فالخلق نوعان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين والإحياء، وخلق بمعنى التحويل، فالنجار قام بتحويل هذا الخشب إلى دولاب أو طاولة أو كرسي أو غير ذلك من الأشياء التي ينتفع بها، فإذا قيل: إن النجار هو خالق ذلك الشيء الذي صنعه، فإنما ذلك من باب المجاز أو باعتبار التحويل الذي هو عليه في الواقع.
وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣].
فقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) (الذين) اسم موصول يشمل كل من دعي من دون الله من ملائكة ومن أنبياء ورسل، ومن أولياء ومن شجر وحجر وشمس وغير ذلك، فكل من دعي من دون الله يدخل تحت هذه الآية.
فقول الله : ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) كأنه تحد لهم، فلو كانوا يخلقون كخلق الله فاجعلوهم وأمروهم أن يخلقوا ذبابة، والله لما ضرب هذا المثال أراد به تعجيز من ادعى أنه يخلق كخلق الله ، فتحداهم أن يخلقوا أتفه وأصغر حشرة وهي الذباب، وإذا كانوا في حال اجتماعهم لا يقدرون على ذلك، فكيف بحال انفراد كل واحد منهم؟ ثم قال الله : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣]، أي: لو أن الذباب وقع على وجه ملك من ملوك الدنيا وأخذ منه شيئاً من طيبه أو من بدنه، فلن يستطيع ذلك الملك بجيوشه الجرارة أن يسترد من ذلك الذباب ما أخذه منه من طيب أو مسك أو غير ذلك.
فانظر إلى تحدي الله بأقل حشرة مما خلق الله .
ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
وهذه هي النتيجة، فالله تعالى هو الخالق المدبر لأمر الكون.
следующие страницы →