Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ثالثاً: دلالة الفطرة على وجود الله
والدلالة الثالثة على وجود الله دلالة الفطرة، وكثير من الناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله ، حتى البهائم العجماوات تؤمن بوجود الله .
وروي عن أبي الصديق الناجي في قصة سليمان: أنه خرج بقومه يستسقون، فوجد نملة نائمة على ظهرها أو مستلقية رافعة يديها أو رجليها إلى السماء تستسقي الله ، فقال سليمان لقومه: ارجعوا فقد سقيتم بدعاء النملة.
وهذه الرواية منقطعة بين أبي الصديق وسليمان ﵇، ولا تعرف هذه الرواية من قول النبي ﵇، ولا من قول أحد من أصحابه، وربما كانت من الإسرائيليات، وللإمام ابن القيم الجوزية عليه رحمة الله كلام كثير حول هذه الرواية في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية.
والفطرة مجبولة على معرفة الله ، ولا أدل على ذلك من قول النبي ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -وفي رواية: إلا يولد على فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).
فهذا الحديث يدل على أن الجبلة والفطرة الأولى التي خلق الله تعالى عليها الخلق أولاً هي فطرة التوحيد وفطرة الإسلام، ثم يأتي اللوث والنجس والوسخ بعد ذلك بسبب الآباء والمجتمعات، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي: يجعلانه يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً.
وهذا الحديث يبين أن اليهودية والنصرانية والمجوسية من الكفر، وأن الإنسان إذا لم يكن مسلماً فلا بد وأن يكون كافراً.
وقد أشار الله إلى دلالة الفطرة في قلب ابن آدم، فقال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢].
وهذه آية الميثاق التي أخذها الله على ذرية آدم، فالله أخرج هذه الذرية من ظهر آدم وصلبه وأشهدهم على أنه تعالى هو ربهم وإلههم، فشهدوا بذلك وأقروا به، فقال الله : ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: فلو قلتم هذا فلن يقبل منكم هذا العذر ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣].
وهذا أيضاً عذر أقبح من ذنب، وهو غير مقبول ومردود عليكم، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.
فالذي يأتي بإحسان وبإسلام إلى الله يتقبل الله تعالى منه ويجازيه جزاء المحسنين، ومن أتى بكفر وشرك وضلال فإن الله تعالى يعاقبه في الأولى والآخرة.
стр. 1507
رابعاً: دلالة الشرع على وجود الله
وأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب رحيم كريم عليم، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله.
стр. 1508
أنواع التوحيد
والأمر الثاني اللازم للإيمان بالله هو توحيد الله ، وهو ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 1509
أولاً: توحيد الربوبية
فأما توحيد الربوبية فلم يكن محل إنكار عند المشركين أولاً، فقد كانوا يعلمون أن الله تعالى هو رب الأرباب، وهو الخالق الرازق المدبر لأمر خلقه وشئون كونه، ولكن اللوث دخل بعد ذلك.
ومعنى توحيد الربوبية: إفراد الله بالخلق والأمر والملك، والأمر بمعنى التدبير، أي: تدبير الكون والخلائق.
فحتى تكون مؤمناً لا بد أن توقن بأن الله تعالى رب دون ما سواه، وأنه تعالى متفرد بالخلق، ولا خالق غيره، ومتفرد بالتدبير فلا مدبر غيره، ومتفرد بالملك فلا مالك على الحقيقة غيره، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ووجه الدلالة من هذه الآية أنه لما قدم الجار والمجرور أفاد أن الخلق والأمر متفرد بهما الله لا يشاركه فيهما غيره، ولو قلنا: الخلق والأمر لله لجاز أن نقول: لله ولغير الله، فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، بمعنى: أنه لا يصرف شيء من هذا إلى غيره، وألا أداة تنبيه، فالله يستجمع القلوب والحواس وينبههم إلى خطورة هذا الأمر، ثم قال: ((لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ))، فقدم له، والأصل أنه كان في الآخر، أي: الخلق والأمر له، فلما قدم هذا الجار والمجرور على أصل الجملة دل ذلك على أن الخلق والأمر منحصر لله تعالى، وهو المتفرد بهما، ولا يجوز لأحد أن يدعي الخلق أو يدعي الأمر.
وأما الملك فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩].
ونقول في وجه الدلالة من هذه الآية ما قلناه في قول الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
أي: كان الأصل أن يقول: ملك السماوات والأرض لله، ولكنه قدم ما كان حقه التأخير فأفاد الحصر، أي: أن ملك السماوات والأرض لله وحده لا شريك له.
إذاً: فالرب منفرد بالخلق والملك والتدبير.
стр. 1510
شبهة حول النصوص التي أثبتت خلقاً لغير الله والرد عليها
فإن قال قائل: كيف تجمع بين ما قررت وبين إثبات الخلق لغير الله؟ يعني: أن هناك من خلق الله من أثبت الله تعالى له الخلق أو أثبت الرسول ﷺ له الخلق، وقد ثبت هذا في قول الله : ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
وكلمة أحسن تفيد بظاهرها أن هناك خالق، ولكنه ليس بأحسن خلقاً من الله ، وإنما الله أحسن الخالقين على الإطلاق، وقال النبي ﷺ في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، وهذا كلام خرج على سبيل التقريع والتوبيخ للمصورين الذين ينحتون ويصورون الصور يضاهئون بها خلق الله ، ومثل قول الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي).
و
الجواب
أن يقال: إن الخلق في اللغة خلقان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين من العدم، وخلق بمعنى التحويل، والله له الخلق المطلق، أي: الإيجاد والتكوين الأصلي، وأما الذي يطلق عليه خالق من دون الله فإنما يطلق عليه ذلك مجازاً، فيقال للنجار الذي يصنع هذا الطاولة مثلاً: قد خلقها وصنعها وفطرها، وليس معنى ذلك أنه خلقها من عدم، فمادة هذه الطاولة هي من خلق الله ، ولو اجتمع أهل الأرض جميعاً على أن يصنعوا ويخلقوا هذا الخشب فلن يقدروا على ذلك؛ لأن هذا هو ما تفرد الله به منذ الأزل.
فالخلق نوعان: خلق بمعنى الإيجاد والتكوين والإحياء، وخلق بمعنى التحويل، فالنجار قام بتحويل هذا الخشب إلى دولاب أو طاولة أو كرسي أو غير ذلك من الأشياء التي ينتفع بها، فإذا قيل: إن النجار هو خالق ذلك الشيء الذي صنعه، فإنما ذلك من باب المجاز أو باعتبار التحويل الذي هو عليه في الواقع.
وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣].
فقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) (الذين) اسم موصول يشمل كل من دعي من دون الله من ملائكة ومن أنبياء ورسل، ومن أولياء ومن شجر وحجر وشمس وغير ذلك، فكل من دعي من دون الله يدخل تحت هذه الآية.
فقول الله : ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) كأنه تحد لهم، فلو كانوا يخلقون كخلق الله فاجعلوهم وأمروهم أن يخلقوا ذبابة، والله لما ضرب هذا المثال أراد به تعجيز من ادعى أنه يخلق كخلق الله ، فتحداهم أن يخلقوا أتفه وأصغر حشرة وهي الذباب، وإذا كانوا في حال اجتماعهم لا يقدرون على ذلك، فكيف بحال انفراد كل واحد منهم؟ ثم قال الله : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:٧٣]، أي: لو أن الذباب وقع على وجه ملك من ملوك الدنيا وأخذ منه شيئاً من طيبه أو من بدنه، فلن يستطيع ذلك الملك بجيوشه الجرارة أن يسترد من ذلك الذباب ما أخذه منه من طيب أو مسك أو غير ذلك.
فانظر إلى تحدي الله بأقل حشرة مما خلق الله .
ثم قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
وهذه هي النتيجة، فالله تعالى هو الخالق المدبر لأمر الكون.
стр. 1511
الجمع بين النصوص التي تثبت تفرد الله بالملك والنصوص التي تثبت ملكاً وتدبيراً للمخلوق
فإن قال قائل: كيف تجمع بين قولك: إن الله تعالى متفرد بالملك وبين إثبات الملك للمخلوقين، كما في قول الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور:٦١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦]؟ ف
الجواب
أن الجمع بينهما من وجهين، الأول: أن ملك الإنسان للشيء ليس عاماً شاملاً، فلو أنك تملك كتابك فلا شك أنك لا تملك كتابي، فملك الإنسان قاصر عن ملك الله ؛ لأن ملك الله تعالى عام وشامل، وأما ملك الإنسان فمخصوص ببعض الأشياء، والخلائق وما يملكون ملك لله .
والثاني: أن ملك الإنسان للشيء ليس ملكاً حقيقياً، ولكنه ملك تصرف فقط، بدليل أنه لا يجوز له أن يتصرف فيما يملكه بدون شرع الله ، فإذا وهبه الله تعالى مالاً فليس حراً في إنفاق هذا المال فيما شاء، فليس حراً في أن يشرب به الخمر، ولا في إنفاقه في أي وجه إلا ما أمره الله بإنفاقه فيه.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه).
والبعض يقول: هذا بدني وأنا حر فيه، هذا عمري وأنا حر فيه، وهذا وقتي وأنا حر فيه، وهذا فهم قاصر، فهو ليس حراً في عمره ولا في شبابه ولا في بدنه، والمقصود بالشباب هنا البدن؛ لأنه قال: (وعن شبابه فيما أبلاه).
وهذا يدل على أن البلى يقع على البدن، ولو كان الإنسان حراً في شبابه لجاز له قتل نفسه، أو التردي من جبل، أو شرب السم، ولكن من يفعل هذا فإنه يكون منتحراً قاتلاً لنفسه بغير حق، ولو أن الله تعالى وهب الشخص مالاً من حلال فأنفقه في حرام لحاسبه عليه.
فملك الإنسان في الحقيقة ملك قاصر ومحدود، وأما من حيث إباحة التصرف فليس له مطلق التصرف إلا فيما أذن الله تعالى له فيه.
وأما التدبير فللإنسان تدبير.
والفرق بين تدبير الإنسان وتدبير الله من وجهين كالوجهين المذكورين في الملك، فالإنسان لا يستطيع تدبير إلا ما كان تحت حيازته وملكه، ولا بد أن يكون تدبيره على وفق الشرع الذي أباح له هذا التدبير.
وخلق الله تعالى وملكه وتدبيره عام مطلق لا يستثنى منه شيء.
وهذا هو توحيد الربوبية.
стр. 1512
أسباب نزول المرض بالعباد
وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن القيم، ومن قبله شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليهما رحمة الله ﵎، فينزل المرض بالعبد الصالح حتى يرفع الله تعالى به درجاته، وينزل على العبد العاصي حتى يكفر الله تعالى عنه خطاياه، وينزل بالأنبياء لفوائد عديدة جداً، منها: حتى لا يبلغ بهم أتباعهم مبلغ الألوهية؛ لأن المرض صفة نقص تلحق الإنسان، والله تعالى لا يلحقه مرض ولا تعب ولا كلل ولا ملل؛ لأن هذه صفات نقص تلحق المخلوقين دون الخالق ، فهو منزه عن كل صفات النقص.
فالله يبتلي الأنبياء حتى لا يبلغ بهم أتباعهم مبلغ الألوهية، كما بلغت النصارى بعيسى بن مريم ﵇، ولذلك قال النبي ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، أي: ثم الأصلح فالأصلح، ولا يمنع هذا أن ينزل بلاء بأصحاب المعاصي، حتى يكفر الله عنهم خطاياهم ومعاصيهم.
стр. 1513
ثانياً: توحيد الألوهية
القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد الألوهية، وما من نبي أرسل في قومه إلا لأجل هذا التوحيد على جهة الخصوص، وكل العرب والمشركين والصابئة وغيرهم الذين كانوا في عهد إبراهيم ومن قبل إبراهيم ﵇ كانوا يقرون بوجود الله وأنه رب الأرباب، وأنه الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وغير ذلك من صفات الربوبية، ولكنهم كانوا يعبدون غيره، ومنهم من قال: إنه إله، وهو في السماء، ولا ينبغي أن ندخل عليه هكذا، وإذا كنا لا ندخل على الملوك دخولاً مباشراً فمن باب أولى -وهنا حكموا القياس والعقول- ألا ندخل على الإله وألا ندعوه إلا من خلال وسائط، وهذا تلبيس الشيطان عليهم.
ويمكن مراجعة هذه المسألة في كتاب الداء والداء في منتصفه تقريباً لشيخ الإسلام ابن القيم.
وقد فرض فرضاً فقال: إن المشركين لما عبدوا غير الله واتخذوا الوسائط والشفعاء إلى الله لم يكن قصدهم الشرك بالله، وإنما كان قصدهم تعظيم الله وتبجيله، فكيف يعذبهم الله ويعاقبهم على ذلك؟ ثم أجاب على ذلك جواباً متيناً جداً فيما يقرب من عشرين أو ثلاثين صفحة.
فقد قسم الشرك إلى أنواع متعددة، شرك متعلق بذات الله ، وشرك متعلق بالعبادة، وشرك متعلق بالإرادة، وشرك متعلق بالأقوال والأفعال.
ويمكن مراجعة هذا في الداء والدواء.
فتوحيد الربوبية: هو إفراد الله بالخلق والأمر الذي هو تدبير أمر الخلق والملك، الخلق المطلق، والتدبير المطلق، والملك المطلق.
وأما خلق أو تدبير أو ملك المخلوق فليس مطلقاً، فإنك تقول: فلان رحيم، والله تقول عنه: الرحيم، ورحمة المخلوق ليست كرحمة الخالق أبداً، وكما أنه لا نسبة أو قياس بين الخالق والمخلوق فكذلك لا يجوز قياس صفة من صفات المخلوق على صفة من صفات الخالق .
وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله بالعبادة، يعني: ألا تصرف شيئاً من عبادتك إلى غير الله ، ولو صرفت شيئاً من العبادة إلى غير الله فإنك لا تكون موحداً ولا عابداً على الحقيقة لله ، فلا تكون عبداً لغير الله ، ولا تعبد ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً ولا أماً ولا أباً، ولا تعبد إلا الله تعالى وحده، فتفرد الله وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى توحيد الألوهية، أي: أنك لا تعبد إلا إلهاً واحداً، فتتأله وتتعبد له وحده، ومن هنا سمي هذا التوحيد بتوحيد الإلهية، أو توحيد الألوهية، ويسمى أيضاً توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله تعالى يسمى توحيد الإلهية، وباعتبار إضافته للفاعل يسمى توحيد العبادة.
стр. 1514
أركان العبادة
والعبادة مبنية على أمرين عظيمين وهما المحبة والتعظيم، والتعظيم يستلزم الخوف، ولو أنك نفذت أمراً من أوامر ملوك الدنيا فإن تنفيذك لهذا الأمر غير تنفيذك لأوامر الله ، فتنفيذ أوامر المخلوقين ربما يختل فيها شرط من هذين الشرطين، فلو أن جباراً من الجبابرة أمرك أن تفعل شيئاً لفعلته من باب الخوف، ولكنك لا تفعله من باب المحبة أبداً، والعبادة لابد أن تكون قائمة على محبة الله والإقبال على هذه العبادة بحب وشغف، ولا بد أن تكون مقترنة بالتعظيم والخوف والرجاء لله ، فلا بد فيها من الخوف من الله ومن عقابه ومن ناره، وكذلك الرجاء في رحمة الله وفضله وثوابه وجنته وجزائه الأحسن في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
فالرغب المحبة، والرهب التعظيم المستلزم للخوف والرجاء، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف، ولذلك كانت العبادة أوامر ونواه، أوامر مبنية على الرهبة وطلب الوصول إلى الآمر ، ونواه مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم .
فإذا أحببت الله رغبت فيما عنده وفي الوصول إليه، وطلبت الطريق الموصلة إليه، ولا يمكن أن يكون هذا الطريق إلا من خلال النبي ﷺ ، فالطريق إلى الله هو طريق الأنبياء والرسل، وطريق نبينا ﷺ نسخ جميع الطرق وجميع الكتب، فينبغي أن يوصل إلى الله من خلال نبيه محمد ﷺ ، والقيام بطاعته على الوجه الأكمل، فإنك إن عظمته خفت منه، وكلما هممت بمعصية استشعرت عظمة الخالق فنفرت منها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف:٢٤].
وهذه نعمة من الله على العبد، فإنه إذا هم بمعصية وجد الله أمامه فهابه وخافه وتباعد عن المعصية؛ لأنه يعبد الله تعالى رغبة ورهبة.
فالعبادة تستلزم شرطين: الشرط الأول: المحبة، والشرط الثاني: التعظيم.
стр. 1515
مفهوم العبادة
العبادة تطلق على أمرين: على الفعل وعلى المفعول، فهي تطلق على الفعل الذي هو التعبد، فلو أن رجلاً رآك وأنت تقوم وتركع وتسجد، لقال: إنك تعبد الله بهذه الحركات التي تؤديها، فهي هنا تطلق على الفعل، وهو التعبد نفسه، كما تطلق على المفعول، وهو الذي تقربت به إلى الله تعالى، وهو التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وزكاة وحج وغير ذلك.
وقد عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وهذا التعريف ينصب على المفعول، أي: على أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وأقوال الجوارح وأقوال القلوب، أي: معتقدات القلوب، فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عرف العبادة بالمعنى الثاني، وهو إطلاقها على المفعول دون الفاعل.
стр. 1516
الأدلة على تفرد الله تعالى بالألوهية
والدليل على أن الله تعالى متفرد بالألوهية قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
فالله تعالى واحد في ألوهيته.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
فالخلق إنما خلقوا لعبادة واحد فقط، وهو الله ، حتى تتعلق قلوبهم به تألهاً وتعظيماً وخوفاً ورجاء وتوكلاً ورغبة ورهبة، وحتى ينسلخوا عن كل شيء من الدنيا، والمخلوق لا بد أن يكون لخالقه قلباً وقالباً في كل شيء، وقد كانت دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام إلى هذا الأمر الهام العظيم عبادة الله وحده لا شريك له، ولم يكن الرسل الذين أرسلهم الله إلى البشر يدعون إلى توحيد الربوبية بالدرجة الأولى، وإنما يدعون إلى توحيد الألوهية؛ لأن منكري توحيد الربوبية قليلون جداً، مثل فرعون لما قال لموسى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣].
ففرعون أثبت لنفسه الربوبية والألوهية، فقد قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
وقال: ((وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)).
وهذا كلام في معرض الإنكار على موسى ﵇.
أي: أتدعي يا موسى! أن هناك رباً غيري؟ وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦]، أي: من أجل أن أصعد وأنظر إلى إله موسى، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، أي: بل هو كذاب وضال.
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨].
فأول من شهد له بالألوهية هو الله ، فشهد الله أنه لا إله إلا هو، ثم ثنى بعد ذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران:١٨]، ثم قال: ﴿وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨].
والقسط وهو: العدل، ولو ولم يكن لأهل العلم إلا هذه المنقبة لكفى.
والله أثنى على أهل العلم فقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]؟ وكلما ازداد الرجل علماً ازداد معرفة بخالقه ومولاه وإلهه، والعالم بالله يعلم حقيقة ما يجب لله ، ولا شك أنه يفرق عن غيره من الزهاد وغيرهم.
ثم قرر الله هذه الشهادة بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
وهذا دليل واضح على أنه لا إله إلا الله ، وهذه الشهادة هي الشهادة الحق، وهي أعظم الشهادات.
стр. 1517
شبهة حول تسمية القرآن لأصنام المشركين آلهة والرد عليها
فإذا قال قائل: كيف تقرون هذه الشهادة مع أن الله تعالى في كتابه يثبت أن هناك آلهة أخرى غيره، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء:٢١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧].
قال: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ))، أي: ومن يدع مع الله إلهاً آخر فإنما حسابه عند ربه؟ وقوله: ((لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ)) جملة خبرية اعتراضية، يقرر الله فيها أن من عبد مع الله إلهاً آخر لا يكون له عليه دليل ولا برهان، وبعض القراء يفهم من هذا أنه يجوز له أن يدعو مع الله إلهاً آخر إذا كان له برهان، وهذا مثل الذين يؤولون ويحرفون الكلم عن مواضعه في قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠].
فيقولون: نحن لا نأكله أضعافاً مضاعفة.
وهذا فهم خاطئ لكلام الله وآياته، وهو تحريف للكلم عن مواضعه.
فقوله: ((وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)) تقرير من الله وإخبار بأن من دعا مع الله إلهاً آخر، فهذا الإله لا برهان له لا من جهة نفسه، ولا من جهة من ألهه وعبده، فلا يكون له دليل على صرف العبادة إلى غير الله ، ولذلك عقب الله تعالى بقوله: ((فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ))، أي: سيعاقبه عليه يوم القيامة، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧].
وقال الله : ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود:١٠١]، وقال تعالى على لسان إبراهيم: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦]، أي: تبغون وتشرئب أعناقكم إليها، فأنتم تعبدون إفكاً وزوراً، وتعبدون التراب الذي صنعتموه بأيديكم، فتتوجهون إليه بالعبادة والتأله وأنتم قد صنعتموه بأيديكم، أفليس لكم عقل وفكر وقلوب واعية؟! ف
الجواب
أن ألوهية ما سوى الله تعالى باطلة، وهي مجرد تسمية فقط، ولذلك قال : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣].
فسماها الله تعالى آلهة باعتبار تسميتهم هم، ثم ذكرها في معرض النقص والذم والتوبيخ والعجز، وأنها لا تملك نفعاً ولا ضراً، وكل ذلك بيد الله ، فهي باطلة، وما عبدها وتأله إليها إلا من ضل فهي ليست أهلاً لأن تعبد، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠].
وهذان النوعان من أنواع التوحيد -توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية- لم يكن يجحدهما ولا ينكرهما أحد من أهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام من قبل، ولكن هناك الآن من ينكر توحيد الألوهية، وهناك من ينكر توحيد الربوبية، وهذه الأمة لن تعدم خيراً، ولن تعدم شراً كذلك، فهناك من بني جلدتنا من يتكلم بألسنتنا بل ويتكلم بالكتاب والسنة -عياذاً بالله- وينكر أموراً معلومة من الدين بالضرورة، ويزحزح ثوابت ثبتت في قلوب الأمة وفي عقولها.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والهنود يعبدون البقرة، وهناك من يعبد الملائكة، وهناك من يعبد الشيطان، وهناك من يعبد الشجر والحجر والشمس والقمر، وغير ذلك من المعبودات التي هي من خلق الله .
стр. 1518
تأليه السبئية لعلي بن أبي طالب
وعبد الله بن سبأ اليهودي دخل الإسلام ليكيد للإسلام من باطنه، فادعى ألوهية علي بن أبي طالب، وقد دخل من بوابة التشيع وحب آل البيت، حتى بلغ إلى الرفض، ثم بلغ بعد ذلك إلى تأليه علي بن أبي طالب، ولما علم علي بن أبي طالب ﵁ بهذا أرسل في إثره يطلبه هو وأتباعه من السبئية الذين يتبعون عبد الله بن سبأ، ثم خد لهم علي بن أبي طالب الأخاديد وأجج فيها النيران؛ ليحرق هذه الفرقة الضالة التي زاغت عن سبيل الله ، وأدعت ألوهية غير الله في أحد من خلقه وهو علي بن أبي طالب.
وقيل: إن عبد الله بن سبأ هرب منه، فلم يستطع علي أن يمسك به، وحرق أتباعه، وهم السبئية.
ولما حرق علي بن أبي طالب أصحاب عبد الله بن سبأ قال: الآن أيقنت أنك أنت الله، فلم يرجع عن معتقده الفاسد، بل قال: الآن أيقنت أنك أنت الله؛ لأنه لا يحرق بالنار إلا رب النار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لقد صنع عبد الله بن سبأ كما صنع بولس حين دخل في دين النصارى ليفسد دين النصارى.
وهناك بين اليهود والنصارى من العداوة والخلاف ما الله به عليم، ولكنهم يجتمعون لأن العدو واحد، وهو الإسلام وأهله، ولكنهم لو فرغوا من هذا -وهذا أبعد عليهم والشمس أقرب إليهم من هذا- فإننا سنرى بعد ذلك العداوة البغيضة بين اليهود والنصارى، وبين طوائف النصارى ذاتها، وقريباً أسلم رجل فقلت له: أنت كنت أرثوذوكسياً؟ فقال: أعوذ بالله أنا كنت كاثوليكياً.
وكله كفر.
وقد قسم التوحيد إلى هذه الأنواع بعد الأئمة الأربعة، فهم لم يكن معلوماً عندهم هذا التقسيم، وإن كان صورته معلومة في قلوبهم كأي علم من العلوم.
стр. 1519
ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات
توحيد الأسماء والصفات هو الذي كثر الخوض فيه، وهو بيت القصيد في خلاف الفرق الإسلامية.
وتوحيد الأسماء والصفات اختلف فيه الناس إلى طرفين ووسط، فمنهم الممثل والمشبه، وهذا يدور أمره بين التكذيب والتحريف، وعلى النقيض -أي: وعلى الطرف المقابل- هناك المعطل، والتعطيل قرين الشرك، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكل معطل مشرك، فدل بهذا على أن التعطيل قرين الشرك.
وهناك المعتدل وهم أهل السنة والجماعة.
стр. 1520
أول ظهور بدعة الخوارج
وأول بدعة ظهرت في هذه الأمة هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، وقد خرج زعيمهم على النبي ﵊، وهو ذو الخويصرة التميمي، عندما دخل على النبي ﵊ وهو يقسم ذهبية أتت إليه من اليمن من عند علي بن أبي طالب، فقال: (يا محمد! اعدل، قال: ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟).
وقد كان هذا أول خروج على الجناب النبوي، وهذه جرأة عجيبة وتبجح، ولذلك قال النبي ﵊: (سيخرج من ضئضئ هذا من يقاتل المسلمين)، أو قال: (من تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، ثم قال: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ولئن لقيتهم لأقتلنهم).
ثم خرج أبناء ذلك الرجل التميمي ذي الخويصرة على علي بن أبي طالب وغيره، وقاتلوا المسلمين في عدة مواقع في الجمل وصفين وغيرها، وكانت لهم علامات وأمارات عرفوا بها، والنبي ﷺ حددهم ووصفهم بأوصاف وأمارات، فظهروا بهذه العلامات التي وصفهم بها النبي ﷺ .
وقال النبي ﷺ : (سيخرج من ضئضئي هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم).
أي: أنهم أصحاب عبادة، وقال كذلك: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم -أو قال: حناجرهم-).
стр. 1521
العبادة على علم وبصيرة
وليس كل من عبد الله وفي قلبه زيغ وضلال تشفع له هذه العبادة.
وقد تجد رجلاً من أهل البدع أو من الجهال أو العباد لا يحسن من دينه إلا العبادة فقط وبمجرد أن تلقى عليه شبهة يصدقها، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: (لا يزال الناس يسألونك عن العلم يا أبا هريرة! حتى يقول أحدهم: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول قائلهم: من خلق الله؟)، وهؤلاء هم أصحاب عبادة، قال أبو هريرة: (فإذا أنا ذات يوم في المسجد إذ دخل علي قوم من البادية، فقالوا: يا أبا هريرة! من خلق السماء؟ قلت: الله، قالوا: من خلق الأرض؟ قلت: الله، قالوا: من خلق كذا فظلوا يسألون عن العلم، قالوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ فقال: فكان في يدي حصباء، أو قال: فتناولت كفاً من حصى فألقيته في وجوههم وقلت: قوموا عني صدق خليلي).
وقد قال النبي ﷺ في حديث آخر رواه البخاري ومسلم: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا؟ فتقولون: الله، فيقول: ومن خلق الله؟ فإذا بلغ بكم ذلك المبلغ فقولوا: أعوذ بالله من الشيطان، أو قال: فاستعيذوا بالله وانتهوا)، وفي رواية مسلم قال: (قولوا: آمنا بالله ورسوله).
فلا يغرنك عبادة أهل البدع، فإنما في قلوبهم مرض، ولذلك كان علي بن أبي طالب يؤدب العباد ويأمرهم بأن يتعلموا العلم أولاً، وأن يقفوا على ما يجب لله وما لا يجب له، وما يستحيل عليه من صفات النقص وغير ذلك، وكان يأمرهم أن يتعلموا دينهم أولاً، ثم إذا أرادوا أن يتفرغوا للعبادة تفرغوا لها، وهذا الكلام ذكره الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه، كما ذكره أيضاً ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله، فمن أراد فليرجع إليه للاستزادة، فهو حسن إن شاء الله تعالى.
فأول بدعة هي بدعة الخوارج، وقد قال النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
نسأل الله أن نكون منهم، وهم أهل السنة والجماعة.
يقول الإمام ابن تيمية: إن هذه الفرق الكثيرة التي هي ثلاث وسبعون مدارها على أربع فرق أو خمس، الخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والأشاعرة.
وهذا الكلام في الأجزاء الأول من الفتاوى، وهو كلام مبعثر في عدة مجلدات، وأحيلك على العشرة الأجزاء الأولى من الفتاوى، فارجع إليها واستفد من كلام شيخ الإسلام عليه رحمة الله، وإن شئت فارجع إلى كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 1522
بدعة القدرية
ثم بعد الخوارج حدثت بدعة القدرية، وهم الذين قالوا: بنفي علم الله ، وبنفي كتابة الله لما كان ولما سيكون إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
стр. 1523
بدعة المرجئة
ثم حدثت بعد ذلك بدعة الإرجاء، والمرجئة هم الذين قالوا بتأخير العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا: العمل لا علاقة له بالإيمان؛ لأن الإيمان هو التصديق والإقرار، فمن قال: أنا مؤمن وإن كان من أفسق الناس وأضل الناس فإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وهم القائلون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقاسوا هذا في مقابلة ذاك، فقالوا: ما دام لا ينفع الكافر طاعة فكذلك لا يضر المؤمن معاصية، وإن سرق وزنى وقتل وارتكب جميع الموبقات والمحرمات والكبائر فلا يضره ذلك، ولا يخرجه عن إيمانه مادام أقر بأنه يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وهذا كلام مخالف لكلام أهل السنة والجماعة.
стр. 1524
بدعة المعتزلة
ثم جاء قوم من الأذكياء بعد هذه الثلاث الفرق وهم المعتزلة، فأخذوا قليلاً من مذهب المرجئة، وقليلاً من مذهب الخوارج، وكونوا مذهباً جديداً، وقالوا: إن العقل مقدم على الوحي، والوحي ضلال.
وسأذكر لك مثالاً ظريفاً جداً لتقديم العقل على النقل، حتى تعلم أن الذي يستمسك بالوحي يستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وأن الذي يعتمد على عقله لابد وأن يضل ويزل، ووقت الحاجة إليه لا يجده، ويفر منه فراره من الأسد.
يقول صلاح الدين الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات حاكياً عن شهاب الدين القرافي، وهو كان إماماً في المعقول، وكان كل شيء يعرضه على عقله، فإن وافق العقل قبله، وإن خالف العقل رده، وعن العلامة الإمام القرطبي صاحب التفسير عليه رحمة الله، وكان إماماً في الأثر، ومتمسك بالكتاب والسنة والأثر، قال: جمعت الرحلة بين القرطبي وبين شهاب الدين القرافي إلى الفيوم، قال: فلما دخلاها ارتادا مكاناً ينزلان فيه، فدلا على مكان، فلما أتياه قال لهما إنسان: يا مولانا! بالله لا تدخلاه؛ فإنه معمور بالجان، فقال القرافي: ادخلوا ودعونا من هذا الهذيان، ثم إنهما توجها إلى جامع البلد حتى يفرش الغلمان المكان، ثم عادا، فلما استقرا بالمكان سمعا صوت تيس من المعز يصيح من داخل الخرستان، وكرر ذلك الصياح، فامتقع لون القرافي، وخارت قواه وبهت، ثم إن الباب فتح، وخرج منه رأس تيس وجعل يصيح، فذاب القرافي خوفاً وارتمى على الأرض، وأما القرطبي فإنه قام إلى الرأس وأمسك بقرنيه وجعل يتعوذ ويبسمل ويقرأ قول الله : ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩].
ولم يزل كذلك حتى دخل الغلام ومعه حبل وسكين، وقال: يا سيدي! تنح عنه، فأخرجه وأنكاه -أي: وطرحه أرضاً- وذبحه، فقالا له: ما هذا؟ فقال: لما توجهتما إلى الجامع رأيته مع شخص فاسترخصته واشتريته؛ لنذبحه لكم ضيافة لتأكلاه، وأودعته في هذا الخرستان، فأفاق القرافي من حاله وقال: يا أخي! لا جزاك الله خيراً ما كنت قلت لنا وإلا طارت عقولنا، يعني: وقت احتياجه إلى العقل لا يجد العقل، ولكنك لو كنت مستمسكاً بالأثر وطلبت أن تحتاج إليه تجده إن شاء الله تعالى.
ثم إن المعتزلة الذين يدعون أن العقل مقدم على الوحي قالوا قولاً بين قول المرجئة وقول الخوارج، فقالوا: الذي يفعل الكبيرة ليس بمؤمن -كما قال الخوارج- وليس بكافر -كما قال المرجئة- وإنما هو في منزلة بين منزلتين، كرجل سافر من مدينة إلى مدينة وهو في الطريق بين المدينتين، فلا هو في المدينة التي خرج منها، ولا هو وصل إلى المدينة التي هو ذاهب إليها، هذا في أحكام الدنيا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار.
هذا كلام المعتزلة.
وهو كلام كله تخبط وضلال.
стр. 1525
بدعة الجهمية
ثم حدثت بدعة الجهمية، وهم الجهم بن صفوان وأتباعه، وهذه البدعة لا تتعلق بمسألة الأسماء والأحكام، بل تتعلق بذات الخالق ، فقد تدرجت البدع في صدر الإسلام، حتى وصلت إلى الخالق جل وعلا! وهذا لا يقبل العقل أن يتصف الله به.
وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1526
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة فرع عن الإيمان بالله تعالى، وركن من أركان الإيمان التي لا يقبل إيمان عبد إلا به، ويلزم منه الإيمان بأنهم خلق من خلق الله، خلقهم لعبادته، وتنفيذ أوامره في الكون، والتصديق بما يقومون به من أعمال، وكونهم من عالم الغيب لا يمنع من الإيمان الجازم الذي لا يخالطه شك بوجودهم.
стр. 1527
خلق الملائكة وصفتهم
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وبعد: فالإيمان بالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره فرع عن الإيمان بالله .
فإذا تكلمنا عن الإيمان بالملائكة فهذا يعني أننا نتكلم عن أحد فروع الإيمان بالله ؛ لأنا إذا أيقنا أن الملائكة رسل الله استلزم هذا أن نؤمن بهم.
الملائكة: جمع ملأك بالهمز، أو جمع ملاك بالتسهيل، وأصل ملأك مألك بالتقديم والتأخير في الهمز؛ لأنه من الأَلُوكة أو الأَلْوَكة، والألوكة في اللغة هي الرسالة، قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١].
وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور، وجعلهم طائعين له متذللين، ولكل منهم وظائف خصه الله ﵎ بها، وقد خلقهم الله ﵎ من نور، وهذا مصداق ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ من أن المادة التي خلقوا منها هي النور، فقد قال ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)، يعني: من طين من حمأ مسنون، ولكن النبي ﷺ لم يبين لنا أي نور هذا الذي خلقوا منه.
ولذلك اختلفت الأقوال والآراء، هل هو من نور الصدر والذراعين، أو غير ذلك؟ فقد ورد عن ابن عمر وعطاء وغيرها، وهو غير صحيح عنهم، ولم يثبت عنهم ذلك.
ونحن علينا أن نؤمن بأن الله ﵎ خلق الملائكة من نور ونسكت، ولا نؤول هذا النور بغير دليل واضح في هذا الأمر.
стр. 1528
خلق الملائكة قبل البشر
الملائكة خلقوا قبل خلق البشر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠].
فهذا الخبر أخبر الله ﵎ به الملائكة قبل أن يخلق آدم، فقال: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً))، أي: إني سأجعل في الأرض خليفة، وهذا يدل على أن الملائكة خلقوا قبل خلق آدم ﵇.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩].
стр. 1529
عظم خلق الملائكة واختلاف شكلهم عن الآدميين
الملائكة من حيث الخلق أعظم خلقاً من الآدميين، يعني: أكبر حجماً -طولاً وعرضاً- من الآدميين، بل شكل الملائكة الطبيعي الذي خلقهم الله ﵎ عليه يختلف عن شكل الآدميين.
قال الله ﵎ عن ملائكة النار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فوصف الملائكة هنا بأنهم غلاظ شداد، فطبيعة خلقهم ومادة خلقهم أشد من مادة وطبيعة خلق الآدميين.
ومن الأمثلة على ذلك: عظم خلق جبريل ﵇، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود قال: (رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق -فالجناح الواحد يسد الأفق، أي: ما بين السماء والأرض- يسقط من جناحه التهاويل -وهي الأشياء المختلفة الألوان- من الدر واليواقيت).
قال ابن كثير عليه رحمة الله: وفي سنن الترمذي: هذا حديث إسناده جيد، أي: رواية الإمام أحمد بن حنبل.
وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح أيضاً أن النبي ﷺ قال في جبريل: (رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض)، يعني: جبريل سد ما بين السماء والأرض لعظم خلقه.
وقال الله تعالى في وصفه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
والمراد بالرسول الكريم هنا جبريل، وذي العرش أي: رب العزة .
ومثال آخر يدل على عظم خلق الملائكة: روى ابن أبي حاتم وأبو داود عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام).
فكيف بحجم بدنه كله؟! وفي رواية أخرى لـ ابن أبي حاتم: (لخفقان الطير) أو قال: (يخفق الطير -أي: يطير فيها الطائر- مسيرة سبعمائة عام).
وروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول -أي: الملك-: سبحانك حيث كنت).
والملائكة لها أجنحة كثيرة، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك إلى ستمائة جناح، وهذا يدل على أن الملائكة يتفاوتون أيضاً في الخلق وفي القدرة.
قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، يعني: يزيد بعد ذلك في أصل الخلق أو في الأجنحة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١].
стр. 1530
جمال الملائكة
خلق الله ﵎ الملائكة على أحسن صورة وأجملها، كما قال تعالى عن جبريل ﵇: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥ - ٦].
ومعنى: ((ذُو مِرَّةٍ)) أي: ذو جمال وحسن منظر، كما ذكر ذلك ابن عباس، وقال قتادة: ((ذُو مِرَّةٍ)) أي: ذو خَلْق طويل حسن، وقيل: ((ذُو مِرَّةٍ)) أي: ذي قوة، واللغة تحتمل هذا وذاك، وقد تقرر عند الناس أنهم يصفون الجميل بأنه ملك من الملائكة، كما ذكر في قصة صواحب يوسف ﵇ أنهن قلن: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١].
وقد قلن هذا لما رأين جمال يوسف ﵇ وحسن منظره.
والملائكة في أصل خلقتهم ليس بينهم وبين البشر شبه، فهم لا يشبهون بني آدم قط، وإنما يشبهونهم إذا تمثلوا في صورة آدميين، فهم لهم القدرة على التشكل والتلون، فإذا تشكلوا في صورة آدميين أشبهوهم، ومصداق هذا قول النبي ﵊: (رأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية)، أي: دحية بن الحارث الكلبي.
وهذا الشبه بين صورة جبريل وصورة دحية الكلبي إنما هو في الصورة التي يكون بها جبريل عندما يتمثل في صورة دحية؛ لأن أصل خلقة الملائكة تختلف عن أصل خلقة الآدميين.
стр. 1531
الملائكة متفاوتون في المقامات والخيرية
للملائكة عند ربهم مقامات متفاوتة معلومة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤].
فليست مقامات الملائكة عند الله يشبه بعضها بعضاً، وإنما هي متفاوتة ومختلفة، وقد قال الله ﵎ في جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠]، أي: له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله.
وقيل: إن جبريل ﵇ منزلته عند الله ﵎ أعلى من منزلة أي ملك من بقية الملائكة.
وأفضل الملائكة كذلك هم الذين شهدوا وقعة بدر، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه من حديث رفاعة بن رافع: (أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة).
стр. 1532
الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يفترون
الملائكة لا يوصفون بالذكورة ولا الأنوثة، والمشركون هم الذين يذكرونهم بهذا أو ذاك، والخوض في هذا الغيب من أسباب ضلال بني آدم، وبعضهم يحاول إخضاع هذه العوامل لمقاييسه البشرية الدنيوية، وقد رأينا أحد هؤلاء يتعجب في مقال له في صحيفة منشورة من أن جبريل كان يصل إلى الرسول ﷺ بعد ثوان من إرساله إلى الرسول ﷺ ، ويتساءل كيف يأتي بهذه السرعة الخارقة، والضوء يحتاج إلى ملايين السنوات الضوئية ليصل إلينا بعضه؟ فهو أراد أن يطعن في سرعة الملائكة، ويقيسها على أكبر سرعة معلومة للعقل والعينين، وهو قياس فاسد.
والملائكة كذلك لا يأكلون ولا يشربون، ولذلك ورد في قصة الملائكة الذين أتوا إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠]، وهذا لما قرب إليهم العجل الحنيذ السمين.
وكذلك الملائكة لا يملون ولا يتعبون، وإنما يقومون بعبادة الله ﵎ وطاعته وتنفيذ أوامره بلا كلل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال الله ﵎ في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
والفتور هو الملل والكسل، فهذا لا يلحق الملائكة ألبتة.
وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
ومعنى السأم أي: الملل، يقال: سئم شيئاً إذا مله.
стр. 1533
مساكن الملائكة ونزولهم إلى الأرض
وأما منازل الملائكة ومساكنهم فهي السماء، كما قال الله ﵎: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥].
وقد وصفهم الله تعالى بأنهم عنده، فقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
ومعنى: فالذين عند ربك، أي: فالذين في السماء.
وهم ينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ مهمات نيطت بهم ووكلت إليهم، كما قال الله ﵎ على لسان جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤].
ويكثر نزولهم في مناسبات خاصة كليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:٣ - ٤]، والروح هو جبريل ﵇، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤].
стр. 1534
عدد الملائكة وأسماؤهم
والملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
ومما يدل على كثرتهم قول النبي ﷺ عن البيت المعمور الذي هو في السماء السابعة: (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم)، أي: لا يعودون إليه مرة أخرى.
والحديث متفق عليه.
وعند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها).
وعلى هذا فالذين يأتون بجهنم فقط يوم القيامة أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك.
وإذا تأملت النصوص الواردة في الملائكة التي تقوم على الإنسان علمت مدى كثرتهم، فهناك ملك موكل بالنطفة، وملكان لكتابة أعمال كل إنسان، وملائكة لحفظه، وقرين ملكي لهدايته وإرشاده.
وللملائكة أسماء، ونحن لا نعرف من أسماء الملائكة إلا القليل، كجبريل وميكال، قال الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨].
وجبريل هو الروح الأمين المذكور في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤].
وهو الروح المعني في قوله ﵎: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر:٤].
وهو الروح الذي أرسله الله ﵎ إلى مريم، ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧].
وهو الموكل بالوحي ينزل به من الله ﵎ إلى الرسل، كما أن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور، فإسرافيل هو الموكل بالنفخ في الصور، وجبريل هو الموكل بالوحي، وميكائيل هو الموكل بالقطر من السماء والنبات في الأرض، ولذلك يقولون: إن هؤلاء الملائكة الثلاثة مختصون بالحياة، فجبريل ﵇ اختص بالوحي، والوحي فيه حياة القلوب، وميكائيل ﵇ موكل بالقطر من السماء، وبه ينبت الزرع والثمار والفواكه والأطعمة من الأرض، وبه تحيا الأجسام والأبدان.
وأما إسرافيل ﵇ فهو الموكل بالنفخ في الصور، أي: بإعادة الحياة إلى الأجسام البالية، ولذلك كان النبي ﷺ يذكر هؤلاء الملائكة الثلاثة في دعائه في قيام الليل، فقد كان يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
فكان النبي ﷺ يتوسل في قيامه في الليل بربوبية الله ﵎ لهؤلاء الملائكة الثلاثة، جبريل وميكائيل وإسرافيل.
وهنا أيضاً مالك خازن النار، قال الله ﵎: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].
وهناك رضوان، وهو خازن الجنة، وقد جاء مصرحاً به في بعض الأحاديث.
ومن الملائكة الذين سماهم الرسول ﷺ منكر ونكير، وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر.
ومنهم ملائكة سياحون في الأرض يلتمسون حلق الذكر والعلم، فإذا رأوها جلسوا يحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، يعني: أن الملائكة تحف مجالس العلم ويصعد بعضهم فوق بعض حتى يكون هناك اتصال بين مجلس العلم في الأرض وبين السماء.
ومنهم ملائكة يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار، كما قال الله ﵎: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١].
ومنهم ملائكة ركع وسجد لله في السماء، قال النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط -والأطيط: هو صرير الرحل- ما من موضع أربع أصابع منها إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد).
стр. 1535
الملائكة مخلوقات لها أجساد وعقول
فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة، وأنهم عالم غيبي لا يشاهدون، وقد يشاهدون والأصل أنهم عالم غيبي، وهم مخلوقون من نور، ومكلفون بما كلفهم الله به من العبادات، وخاضعون لله أتم الخضوع، كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦].
فالملائكة جبلوا على عبادة الله ﵎ وعلى عدم المعصية؛ لأنهم ليس فيهم شهوة، وهذا هو الذي حدا ببعض أهل العلم إلى القول بأن الملائكة لم يكلفوا كما كلف بنو آدم؛ لأنهم ليست لهم شهوة، والصحيح أن الملائكة كلفوا تكليفاً خاصاً بهم من الله ، وهذا يظهر من قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾.
والأمر تكليف؛ إذ إن التكليف أمر ونهي وخشية ورجاء، وغير ذلك، فقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يدل على أنهم مكلفون، ولكن قد تختلف طبيعة تكليفهم عن طبيعة تكليف الآدميين؛ لاختلاف ذات الملائكة عن ذات الآدميين.
وهم أجساد بدليل قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر:١]، يعني: أصحاب أجنحة وذوات أجنحة، ورأى النبي ﷺ -كما تقدم- جبريل ﵇ وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وهذا خلافاً لمن قال: إنهم أرواح، فهم أجساد نورانية.
وقد أخطأ رجل من أكابر أهل العلم وأهل السنة فقال: الملائكة لا يعقلون؛ لأنهم أجساد نورانية، فليس لهم عقول، ونقول: قد قال الله ﵎: ((لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ))، ومعلوم أن الأمر لا يكلف به إلا عاقل.
وقال الله ﵎: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
فهل هؤلاء الذين يسبحون ليست لهم عقول؟ وهل يأتمرون بأمر الله، ويفعلون ما أمرهم الله به، ويبلغون الوحي وليس لهم عقول؟! فأحق من يوصف بعدم العقل من قال: إن الملائكة لا عقول لهم.
стр. 1536
ملك الموت وقبض أرواح الموتى
هناك من يقول: إن ملك الموت هو عزرائيل، وهذا مذكور في بعض الكتب، إلا أنه ليس له أصل، فملك الموت اسمه ملك الموت، وإن كان له اسم آخر فالله ﵎ لم يطلعنا عليه ولم يخبرنا به، وإنما أخبرنا بأنه ملك الموت، والعوام يقولون: عزرائين بالنون، كما يقولون عن إسماعيل إسماعين، من باب التخفيف أو الإبدال.
وملك الموت هو الذي وكل بقبض الروح، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١].
ومعنى: ((يَتَوَفَّاكُمْ)) أي: يقبض أرواحكم.
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].
وهنا إشكال، فقد قال في الآية الأولى: ((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ))، فأخبر أن الذي يتوفى هو ملك الموت، وقال: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا))، ولم يقل: توفاه ملك الموت، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢].
فهذه ثلاث آيات، فهل الذي يتوفى الأنفس الله ﵎، أم الرسل، أم ملك الموت؟
و
الجواب
أنه لا منافاة بين هذه الآيات الثلاث؛ فملك الموت يخرجها من البدن ويكون معه ملائكة، فإذا أخرج الروح من البدن تلقفها الملائكة الذين بجوار ملك الموت، فإذا كان الرجل من أهل الجنة كان معهم حنوط من الجنة وأكفان من أكفان الجنة، فيأخذون هذه الروح الطيبة، ويجعلونها في هذا الكفن، ويصعدون بها إلى الله ، حتى تقف بين يدي الله، ثم يقول: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فترجع الروح إلى الجسد من أجل الاختبار في القبر، فيسأله الملكان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وإن كان الميت غير مؤمن -والعياذ بالله- فإنه ينزل إليه ملائكة معهم كفن من النار وحنوط من حنوط النار، فيأخذون الروح ويجعلونها في هذا الكفن، ثم يصعدون بها إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها وتطرح إلى الأرض، وهذا مصداق قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
ثم يقول الله ﵎: اكتبوا كتاب عبدي في سجين.
نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
فهؤلاء الملائكة يأخذون الروح بعد أن يقبضها ملك الموت.
فالذي يقبض الروح من أصلها هو ملك الموت، ثم يتسلمها منه هؤلاء الرسل الذين قال الله عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١].
فهؤلاء موكلون بأخذ الروح من ملك الموت إذا قبضها، وملك الموت هو الذي يباشر مسألة قبض الروح بنفسه، فلا منافاة بينهما.
ولما كان الآمر بقبض الروح على الحقيقة هو الله ﵎ نسبت الوفاة إليه في قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢].
стр. 1537
الملكان اللذان يسجلان أعمال العبد
ذكر بعض أهل العلم أن هناك ملكين يسمى أحدهما رقيباً والآخر عتيداً، والصواب: أنه ليس هناك من الملائكة من يسمى رقيباً ولا عتيداً، وقد أخذوا هذا من قول الله ﵎: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨].
وما ذكروه غير صحيح، فالرقيب والعتيد هنا وصف للملكين اللذين يسجلان أعمال العباد، ومعنى رقيب وعتيد أي: ملكان حاضران شاهدان لا يغيبان عن العبد، وليس المراد أنهما اسمان للملكين.
стр. 1538
موت الملائكة عند نفخة الصعق
الملائكة يموتون كما يموت الإنس والجن، وقد جاء ذلك صريحاً في قول الله ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
والذين في السماء هم الملائكة، فالملائكة تشملهم هذه الآية لأنهم في السماء.
يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله في تفسير هذه الآية: هذه هي النفخة الثانية وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، كما جاء ذلك مصرحاً به في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت؛ لأنه موكل بقبض الأرواح، حتى إذا لم يبق روح إلا روحه هو قبض روح نفسه، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
ومما يدل أيضاً على أنهم يموتون قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].
والوجه هنا تعبير عن ذات الله ﵎.
وأما هل يموت أحد منهم قبل نفخة الصور؟ فهذا ما لا نعلمه ولا يعلمه أحد من البشر، فهو مما استأثر الله ﵎ بعلمه.
стр. 1539
صفات الملائكة الخُلُقية
стр. 1540
الملائكة كرام بررة
وأما عن الصفات الخلقية للملائكة فإن الله ﵎ وصفهم بأنهم كرام بررة في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٥ - ١٦]، أي: القرآن بأيدي سفرة، والسفرة هم الملائكة الذين هم بمنزلة السفراء والرسل بين الله ﵎ وبين خلقه، وقد وصف الله ﵎ هؤلاء الملائكة بأنهم كرام بررة، أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة، ويؤخذ من هذا أنه ينبغي على حامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.
وقد روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق فله أجران).
стр. 1541
حياء الملائكة
ومن أخلاق الملائكة الحياء، فهم أشد حياء من بني آدم، كما أخبر النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان مضطجعاً في بيتها ﵂ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال -أي: لم يعتدل-، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس الرسول ﷺ وسوى عليه ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟).
فهذا وصف لبيان أن الملائكة تستحي، والحياء خلق عظيم، وهو من أخلاق أهل الإيمان، ولذلك قال النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، ثم خص الحياء من بين شعب الإيمان بالذكر، فقال: (والحياء شعبة من شعب الإيمان).
стр. 1542
قدرة الملائكة على التشكل والانتقال بسرعة
وهب الله ﵎ الملائكة القدرة على التشكل والتلون، فقد أرسل الله ﵎ جبريل ﵇ إلى مريم في صورة بشر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]، فقوله تعالى: ((فَتَمَثَّلَ لَهَا))، أي: صار مثل البشر، وتشكل في صورتهم، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨].
ومعنى الآية: قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً فابعد عني ولا تمسني بسوء وأذى؛ لأنها لما رأته في صورة بشر ظنته من البشر ولم تظنه جبريل ولا الروح الأمين، فاستعاذت بالله من شر الإنس، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩].
وإبراهيم ﵇ جاءته الملائكة في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له عن حقيقة أمرهم.
وجاءوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه، وضاق لوط بهم، وخشي عليهم قومه؛ لأنهم كانوا يأتون الذكران شهوة من دون النساء، والملائكة أحسن صورة من البشر، ولذلك خاف لوط ﵇ أن يفضح بين أضيافه من فعل قومه، فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات ويأتون الذكران من العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]، يعني: أن هذا اليوم لن يمر على خير إن رآكم قومي الذين أرسلت فيهم.
يقول ابن كثير: تبدى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحاناً واختباراً حتى قامت على قوم لوط الحجة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
وقد كان جبريل يأتي الرسول ﷺ في صفات متعددة، فتارة يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي الصحابي، وقد كان جميل الصورة جداً، وتارة في صورة أعرابي كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله ﵎ عنه.
وقد أخبر الرسول ﷺ فيما بعد أن السائل الذي جاءه وسأله هذه الأسئلة عن الإيمان والإحسان وأشراط الساعة، هو جبريل؛ ليعلمهم دينهم.
وقد رأت عائشة الرسول ﷺ واضعاً يده على معرفة فرس دحية الكلبي -أي: عرف الفرس- ودحية الكلبي راكب عليه يحدث النبي ﷺ ، فلما سألته عن ذلك، قال ﷺ : ذلك جبريل، وهو يقرئك السلام.
فهي تصورت أنه دحية، ولكنه جبريل.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن سعد بسند حسن.
وقد أخبر الرسول ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وأنه لما هاجر تائباً جاءه الموت في منتصف الطريق، وهو مسافر إلى الأرض التي هاجر إليها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فحكموا بينهما ملكاً أرسله الله ﵎ إليهم في صورة آدمي، يقول ﵇: (فجاءهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو لهم).
وهم إنما حكموه بأمر الله ﵎.
والقصة في صحيح مسلم في باب التوبة.
وكذلك جاء في قصة الثلاثة الأبرص والأعمى والأقرع الذين ابتلاهم الله ﵎ من بني إسرائيل أن الملك تشكل بصورة كل منهم، وأتى كل واحد منهم على حدة.
وهذا يدل على أن الله ﵎ منح الملائكة القدرة على التشكل والتلون.
وأما عن عظم سرعتهم فإنهم بلغوا الذروة في السرعة، فقد كان السائل يسأل النبي ﷺ فينزل جبريل ﵇ بالجواب من السماء قبل أن ينصرف السائل، وهذا قد ورد في مناسبات كثيرة جداً.
стр. 1543
علم الملائكة
الملائكة أعلم من بني آدم في العلم الذي علمهم الله تعالى، وبنو آدم أعلم من الملائكة في معرفة الأشياء، ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣١]، فآدم علم الأسماء أولاً قبل أن يعلم الملائكة ذلك: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة:٣١ - ٣٢].
وهذا إقرار واعتراف بأن آدم ﵇ أعرف من الملائكة بمعرفة الأشياء والتعرف عليها.
فالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء واكتشاف سنن الكون، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله ﵎، ولكن الذي علمهم الله ﵎ إياه أكثر مما يعرفه الإنسان.
وقد أعطوا علماً عظيماً وهو علم الكتابة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
والملائكة تتحاور فيما بينها فيما خفي عليها من وحي ربها، ويدور بينها مناظرات ومحاورات كما يدور أيضاً بين أهل العلم من البشر.
ففي سنن الترمذي ومسند أحمد عن ابن عباس بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة) وهذا الحديث هو حديث اختصام الملأ الأعلى، وفيه إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه رؤية منامية.
والكافرون محجوبون عن الله ﵎، فلا يرونه حتى في يوم القيامة، ولا يدخلون الجنة حتى يرونه، وأما المؤمنون فإنهم يرون الله ﵎ في عرصات القيامة قبل أن يدخلوا الجنة، فإذا دخلوها رأوا الله ﵎ على رأس كل أسبوع في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، ولذلك قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم لما سئل: (هل نرى ربنا يا رسول الله؟! قال: هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم -أي: في الجنة ويوم القيامة- كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب).
فكل من يدخل الجنة يرى الله ﵎ في يوم المزيد.
فهنا يقول النبي ﷺ : (أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة).
وهذه الرؤية رؤية منامية، والنبي ﷺ لم ير ربه عياناً في اليقظة قط، وإنما رآه في المنام.
(فقال -أي: الله ﵎: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفي، حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات، فأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وأما الكفارات: فانتظار الصلاة إلى الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).
وهذا الحديث قال عنه ابن كثير ﵀: هو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط في ذلك.
стр. 1544
نظام الملائكة ودقتهم في تنفيذ الأوامر
الملائكة منظمون في كل شئونهم، فهم منظمون في عبادتهم، وقد حثنا النبي ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك، فقال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: يكملون الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف).
رواه الجماعة إلا البخاري.
وقد فضلنا الله على بقية الأمم بأن جعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وهذا الحديث في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان.
وفي يوم القيامة كذلك تأتي الملائكة صفوفاً منتظمة، كما في قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
ويقفون صفوفاً بين يدي الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨].
والروح هو جبريل ﵇.
ونلاحظ دقة تنفيذ الملائكة للأوامر من الحديث الذي في صحيح مسلم ومسند أحمد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن -واسمه رضوان-: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك).
وفي حديث الإسراء جبريل كان يستأذن في كل سماء، ولا يفتح له إلا بعد الاستفسار، من أنت؟ ومن معك؟ وهل بعث؟ وهل أرسل؟ وغير ذلك.
стр. 1545
عبادة الملائكة
الملائكة مطبوعون مجبولون على طاعة الله ﵎، وليس لديهم القدرة على العصيان، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦]، يعني: إذا وجه إليهم أمر فإنهم لا يعصون الله ﵎، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فتركهم للمعصية وفعلهم للطاعة جبلة جبلهم الله ﵎ عليها، وقد فطرهم وخلقهم على ذلك، فلا تكلفهم الطاعة أدنى مجاهدة؛ لأنهم لا شهوة لهم.
ولعل هذا هو الذي دعا فريقاً من العلماء إلى القول: بأن الملائكة ليسوا مكلفين، ولا داخلين في الوعد والوعيد، ونحن نقول: إنهم ليسوا مكلفين بنفس التكاليف التي كلف بها بنو آدم، وأما القول بعدم تكليفهم مطلقاً فهو قول مردود، ترده الآيات والأحاديث، ومنها قول الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
فقد قال في الآية: إنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من أنواع التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية.
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
والملائكة لهم مكانة عظيمة عند الله ﵎، وهذا بخلاف ما افتراه المشركون في قولهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء:٢٦]، فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] فالله ﵎ وصفهم بأنهم عباد مكرمون، فوصفهم بأنهم عباد، أي: حق العبودية، فهم يعبدون الله ﵎ حق العبادة، ويقدرون الله حق قدره، وهم كذلك مكرمون.
ثم قال: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٧ - ٢٩].
فالملائكة عباد يتصفون بكل صفات العبودية، وهم قائمون بالخدمة، ومنفذون للأوامر، وعلم الله ﵎ بهم محيط، فلا يستطيعون أن يتجاوزوا الأوامر أو يخالفوا التعليمات الملقاة إليهم، بل هم خائفون وجلون، وعلى احتمال أن يتعدى أحدهم حده فإن الله ﵎ يعذبه جزاء تمرده.
ومن تمام عبوديتهم لله ﵎ أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين، ولا يعترضون على أمر من أوامره، بل هم عاملون بأمره، مسارعون مجيبون، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به، فالأمر هو الذي يحركهم ويوقفهم، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ -يعني: هل لك أن تزرونا أكثر من هذا؟ - فنزل قول الله ﵎: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
والشاهد من ذلك: أن الملائكة لا يصدر منهم فعل ولا قول ولا حركة ولا سكنة إلا بأمر الله ﵎.
والملائكة يسبحون الله ﵎، ويذكرونه بالتسبيح والتهليل والتعظيم، كما قال تعالى عن حملة العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧].
وليس حملة العرش هم الذين يسبحون الله ﵎ فقط، بل التسبيح ورد في عموم الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥]).
وتسبيح الملائكة لله ﵎ دائم لا ينقطع، لا في الليل ولا في النهار، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، أي: لا يملون ولا يسأمون.
ولكثرة تسبيحهم كانوا هم المسبحون حقاً، وحق لهم أن يفخروا بذلك، وقد قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥ - ١٦٦].
فلما اتصل تسبيحهم وذكرهم لله ﵎ ولم ينقطع، ولم يفتروا أو يسأموا من ذلك حق لهم أن يفخروا بأنهم هم المسبحون على الحقيقة؛ وغيرهم يعتريه الملل والسأم والكلل، فحق للملائكة أن ينسب إليهم أنهم هم المسبحون حقاً.
والتسبيح أفضل الذكر، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ أي الذكر أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده -أي: الذي اصطفى الله لملائكته أو لعباده، وما هنا اسم موصول بمعنى الذي والذي اصطفاه الله تب
следующие страницы →