Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
حياء الملائكة
ومن أخلاق الملائكة الحياء، فهم أشد حياء من بني آدم، كما أخبر النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان مضطجعاً في بيتها ﵂ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال -أي: لم يعتدل-، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس الرسول ﷺ وسوى عليه ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟).
فهذا وصف لبيان أن الملائكة تستحي، والحياء خلق عظيم، وهو من أخلاق أهل الإيمان، ولذلك قال النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، ثم خص الحياء من بين شعب الإيمان بالذكر، فقال: (والحياء شعبة من شعب الإيمان).
стр. 1542
قدرة الملائكة على التشكل والانتقال بسرعة
وهب الله ﵎ الملائكة القدرة على التشكل والتلون، فقد أرسل الله ﵎ جبريل ﵇ إلى مريم في صورة بشر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]، فقوله تعالى: ((فَتَمَثَّلَ لَهَا))، أي: صار مثل البشر، وتشكل في صورتهم، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨].
ومعنى الآية: قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً فابعد عني ولا تمسني بسوء وأذى؛ لأنها لما رأته في صورة بشر ظنته من البشر ولم تظنه جبريل ولا الروح الأمين، فاستعاذت بالله من شر الإنس، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩].
وإبراهيم ﵇ جاءته الملائكة في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له عن حقيقة أمرهم.
وجاءوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه، وضاق لوط بهم، وخشي عليهم قومه؛ لأنهم كانوا يأتون الذكران شهوة من دون النساء، والملائكة أحسن صورة من البشر، ولذلك خاف لوط ﵇ أن يفضح بين أضيافه من فعل قومه، فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات ويأتون الذكران من العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]، يعني: أن هذا اليوم لن يمر على خير إن رآكم قومي الذين أرسلت فيهم.
يقول ابن كثير: تبدى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحاناً واختباراً حتى قامت على قوم لوط الحجة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
وقد كان جبريل يأتي الرسول ﷺ في صفات متعددة، فتارة يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي الصحابي، وقد كان جميل الصورة جداً، وتارة في صورة أعرابي كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله ﵎ عنه.
وقد أخبر الرسول ﷺ فيما بعد أن السائل الذي جاءه وسأله هذه الأسئلة عن الإيمان والإحسان وأشراط الساعة، هو جبريل؛ ليعلمهم دينهم.
وقد رأت عائشة الرسول ﷺ واضعاً يده على معرفة فرس دحية الكلبي -أي: عرف الفرس- ودحية الكلبي راكب عليه يحدث النبي ﷺ ، فلما سألته عن ذلك، قال ﷺ : ذلك جبريل، وهو يقرئك السلام.
فهي تصورت أنه دحية، ولكنه جبريل.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن سعد بسند حسن.
وقد أخبر الرسول ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وأنه لما هاجر تائباً جاءه الموت في منتصف الطريق، وهو مسافر إلى الأرض التي هاجر إليها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فحكموا بينهما ملكاً أرسله الله ﵎ إليهم في صورة آدمي، يقول ﵇: (فجاءهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو لهم).
وهم إنما حكموه بأمر الله ﵎.
والقصة في صحيح مسلم في باب التوبة.
وكذلك جاء في قصة الثلاثة الأبرص والأعمى والأقرع الذين ابتلاهم الله ﵎ من بني إسرائيل أن الملك تشكل بصورة كل منهم، وأتى كل واحد منهم على حدة.
وهذا يدل على أن الله ﵎ منح الملائكة القدرة على التشكل والتلون.
وأما عن عظم سرعتهم فإنهم بلغوا الذروة في السرعة، فقد كان السائل يسأل النبي ﷺ فينزل جبريل ﵇ بالجواب من السماء قبل أن ينصرف السائل، وهذا قد ورد في مناسبات كثيرة جداً.
стр. 1543
علم الملائكة
الملائكة أعلم من بني آدم في العلم الذي علمهم الله تعالى، وبنو آدم أعلم من الملائكة في معرفة الأشياء، ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣١]، فآدم علم الأسماء أولاً قبل أن يعلم الملائكة ذلك: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة:٣١ - ٣٢].
وهذا إقرار واعتراف بأن آدم ﵇ أعرف من الملائكة بمعرفة الأشياء والتعرف عليها.
فالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء واكتشاف سنن الكون، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله ﵎، ولكن الذي علمهم الله ﵎ إياه أكثر مما يعرفه الإنسان.
وقد أعطوا علماً عظيماً وهو علم الكتابة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
والملائكة تتحاور فيما بينها فيما خفي عليها من وحي ربها، ويدور بينها مناظرات ومحاورات كما يدور أيضاً بين أهل العلم من البشر.
ففي سنن الترمذي ومسند أحمد عن ابن عباس بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة) وهذا الحديث هو حديث اختصام الملأ الأعلى، وفيه إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه رؤية منامية.
والكافرون محجوبون عن الله ﵎، فلا يرونه حتى في يوم القيامة، ولا يدخلون الجنة حتى يرونه، وأما المؤمنون فإنهم يرون الله ﵎ في عرصات القيامة قبل أن يدخلوا الجنة، فإذا دخلوها رأوا الله ﵎ على رأس كل أسبوع في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، ولذلك قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم لما سئل: (هل نرى ربنا يا رسول الله؟! قال: هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم -أي: في الجنة ويوم القيامة- كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب).
فكل من يدخل الجنة يرى الله ﵎ في يوم المزيد.
فهنا يقول النبي ﷺ : (أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة).
وهذه الرؤية رؤية منامية، والنبي ﷺ لم ير ربه عياناً في اليقظة قط، وإنما رآه في المنام.
(فقال -أي: الله ﵎: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفي، حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات، فأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وأما الكفارات: فانتظار الصلاة إلى الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقت يا محمد! ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).
وهذا الحديث قال عنه ابن كثير ﵀: هو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط في ذلك.
стр. 1544
نظام الملائكة ودقتهم في تنفيذ الأوامر
الملائكة منظمون في كل شئونهم، فهم منظمون في عبادتهم، وقد حثنا النبي ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك، فقال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: يكملون الصفوف الأول فالأول، ويتراصون في الصف).
رواه الجماعة إلا البخاري.
وقد فضلنا الله على بقية الأمم بأن جعل صفوفنا كصفوف الملائكة، وهذا الحديث في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان.
وفي يوم القيامة كذلك تأتي الملائكة صفوفاً منتظمة، كما في قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
ويقفون صفوفاً بين يدي الله ﵎، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨].
والروح هو جبريل ﵇.
ونلاحظ دقة تنفيذ الملائكة للأوامر من الحديث الذي في صحيح مسلم ومسند أحمد عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن -واسمه رضوان-: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك).
وفي حديث الإسراء جبريل كان يستأذن في كل سماء، ولا يفتح له إلا بعد الاستفسار، من أنت؟ ومن معك؟ وهل بعث؟ وهل أرسل؟ وغير ذلك.
стр. 1545
عبادة الملائكة
الملائكة مطبوعون مجبولون على طاعة الله ﵎، وليس لديهم القدرة على العصيان، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم:٦]، يعني: إذا وجه إليهم أمر فإنهم لا يعصون الله ﵎، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فتركهم للمعصية وفعلهم للطاعة جبلة جبلهم الله ﵎ عليها، وقد فطرهم وخلقهم على ذلك، فلا تكلفهم الطاعة أدنى مجاهدة؛ لأنهم لا شهوة لهم.
ولعل هذا هو الذي دعا فريقاً من العلماء إلى القول: بأن الملائكة ليسوا مكلفين، ولا داخلين في الوعد والوعيد، ونحن نقول: إنهم ليسوا مكلفين بنفس التكاليف التي كلف بها بنو آدم، وأما القول بعدم تكليفهم مطلقاً فهو قول مردود، ترده الآيات والأحاديث، ومنها قول الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
فقد قال في الآية: إنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من أنواع التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية.
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
والملائكة لهم مكانة عظيمة عند الله ﵎، وهذا بخلاف ما افتراه المشركون في قولهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء:٢٦]، فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] فالله ﵎ وصفهم بأنهم عباد مكرمون، فوصفهم بأنهم عباد، أي: حق العبودية، فهم يعبدون الله ﵎ حق العبادة، ويقدرون الله حق قدره، وهم كذلك مكرمون.
ثم قال: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٧ - ٢٩].
فالملائكة عباد يتصفون بكل صفات العبودية، وهم قائمون بالخدمة، ومنفذون للأوامر، وعلم الله ﵎ بهم محيط، فلا يستطيعون أن يتجاوزوا الأوامر أو يخالفوا التعليمات الملقاة إليهم، بل هم خائفون وجلون، وعلى احتمال أن يتعدى أحدهم حده فإن الله ﵎ يعذبه جزاء تمرده.
ومن تمام عبوديتهم لله ﵎ أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين، ولا يعترضون على أمر من أوامره، بل هم عاملون بأمره، مسارعون مجيبون، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به، فالأمر هو الذي يحركهم ويوقفهم، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟ -يعني: هل لك أن تزرونا أكثر من هذا؟ - فنزل قول الله ﵎: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
والشاهد من ذلك: أن الملائكة لا يصدر منهم فعل ولا قول ولا حركة ولا سكنة إلا بأمر الله ﵎.
والملائكة يسبحون الله ﵎، ويذكرونه بالتسبيح والتهليل والتعظيم، كما قال تعالى عن حملة العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧].
وليس حملة العرش هم الذين يسبحون الله ﵎ فقط، بل التسبيح ورد في عموم الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥]).
وتسبيح الملائكة لله ﵎ دائم لا ينقطع، لا في الليل ولا في النهار، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، أي: لا يملون ولا يسأمون.
ولكثرة تسبيحهم كانوا هم المسبحون حقاً، وحق لهم أن يفخروا بذلك، وقد قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥ - ١٦٦].
فلما اتصل تسبيحهم وذكرهم لله ﵎ ولم ينقطع، ولم يفتروا أو يسأموا من ذلك حق لهم أن يفخروا بأنهم هم المسبحون على الحقيقة؛ وغيرهم يعتريه الملل والسأم والكلل، فحق للملائكة أن ينسب إليهم أنهم هم المسبحون حقاً.
والتسبيح أفضل الذكر، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ أي الذكر أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده -أي: الذي اصطفى الله لملائكته أو لعباده، وما هنا اسم موصول بمعنى الذي والذي اصطفاه الله تب
стр. 1546
حج الملائكة
وأما حج الملائكة فإن لهم كعبة في السماء السابعة يحجون إليها، وهي التي أسماها الله ﵎: البيت المعمور، وأقسم بها سبحانه كما في سورة الطور: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤].
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته السماء السابعة: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم)، يعني: يتعبدون فيه، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، وقد وجد النبي ﷺ ليلة المعراج إبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، فلما بنى الكعبة لأهل الأرض أكرمه الله تعالى بدخول الكعبة التي هي في السماء السابعة.
وذكر ابن كثير أن البيت المعمور بحيال الكعبة، أي: في موازاة ومحاذاة الكعبة، ولذلك ورد في الخبر أن البيت المعمور لو خر على الأرض لخر على الكعبة، أي: لسقط على الكعبة، فالبيت المعمور في السماء السابعة في مقابلة الكعبة، أي: فوقها، فلو وقع لوقع عليها.
وذكر أن في كل سماء بيتاً يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة.
وقد ثبت من حديث علي بن أبي طالب: (أنه سئل: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ولا يعودون فيه أبداً).
وهذا موقوف على علي بن أبي طالب، وهو لا يقال من قبل الرأي، وهو إن كان فيه خالد بن عرعرة وهو مستور إلا أن له شاهداً مرسلاً من حديث قتادة بن دعامة، وهو (أن النبي ﷺ قال يوماً لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة، لو خر لخر عليها).
قال الشيخ الألباني ﵀: وجملة القول: إن هذه الزيادة -أي: (حيال الكعبة) - ثابتة بمجموع طرقها، وهذا يدل على ثبوت الحديث.
стр. 1547
خوف الملائكة من الله ﵎
مما يبين شدة خوف الملائكة من الله ﵎ وخشيتهم له ما رواه النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السماوات منه رجفة -يعني: ترتجف السماوات وتهتز وترتج رجة عظيمة- أو قال: رعدة شديدة خوفاً من الله ﵎، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجداً -أي: صعقوا من رعدة السماء- فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵇، فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد).
وعند الطبراني في الأوسط بسند حسن عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى).
والحلس البالي: هو الكساء الذي يبسط في أرض البيت، مثل السجادة عندما تصبح قديمة جداً ومهلهلة، فكذلك كان جبريل في حال خوفه من الله ﵎.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصل اللهم على نبينا محمد.
стр. 1548
الأسئلة
стр. 1549
المدة المطلوبة لشرح صحيح مسلم
السؤال
إذا استمررنا في الدراسة بهذه الطريقة فهل سنكمل كتاباً واحداً من صحيح مسلم في سنة، وقد قلت: إننا إن شاء الله تعالى سوف نكمل صحيح مسلم في أربع سنوات؟
الجواب
نحن لسنا في الجامعة، ولسنا مطالبين بمنهج نكمله في ستة أشهر، وأنا لم أقل: إنني سأنتهي من شرح صحيح مسلم في أربع سنوات، فقد تصحف عليك السماع، بل قلت: إنني الآن أشرح كتاب المساجد في مسجد الهدى في الهرم، وكتاب المساجد في الجزء الخامس من شرح صحيح مسلم، وقد بدأت في شرح صحيح مسلم هناك من قبل وقضيت هناك في كتاب الإيمان عاماً ونصف عام، وكان الدرس في يومي الأحد والأربعاء، ثم ائذن لي أن أسألك: ما الذي يضرك في هذا؟ وهل تهتم بالكم أو بالكيف؟ نحن نعلم أن حديث جبريل ﵇ حديث يشمل الدين كله، وهناك مقولة لبعض أهل العلم تقول: ينبغي على من تعرض لشرح هذا الحديث أن يشرح الدين كله، ونحن لا نقوم بهذا ولا بعشره؛ لأننا لا نعلم من الدين عشره ولا أقل من ذلك، ولكنه جهد المقل، وإنما نجمع مقولات أهل العلم؛ لنبلغها لطلاب العلم والمحبين لهذا الدين.
ونحن الآن نشرح كتاب الإيمان، ولابد من استقصاء الكلام في الإيمان الذي منه الإيمان بالله ، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبيان معنى الإيمان والإسلام؛ لأننا بعد كتاب الإيمان سوف ندخل في الأحكام والفرائض والنوافل والسنن.
وهذه فرصة للتعرف على الإيمان بأركانه وحقائقه ومذهب السلف في كل مسألة من مسائله من خلال شرحنا لكتاب الإيمان، الذي عموده حديث جبريل، وهذا الكلام الذي تسمعه ٩٠% منه فوائد لي أنا، لم أكن وقفت عليها من قبل، فأنا أريد أن أبلغه إليك، ونحن إن شاء الله سنحاول إنها كتاب الإيمان في ثلاث سنوات.
стр. 1550
حكم الصلاة والصيام عن الميت
السؤال
هل يصح الصيام والصلاة عن المتوفى، مع الدليل على ذلك؟
الجواب
الصلاة لا تجوز ولا تصح، وأما الصيام ففيه خلاف كبير بين أهل العلم، فالجمهور قالوا: لا يجوز الصيام عن الميت، وحملوا الأحاديث التي فيها قول النبي ﵊: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) على الإطعام عنه.
وهذا تأويل يغاير ظاهر النص، ولا بأس بإجراء النص على ظاهره، وقد اختلف العلماء في هل يصوم عنه الفرض أو الواجب، فصيام النذر واجب، والراجح جواز الصيام عن الميت.
والله تعالى أعلم.
стр. 1551
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الكلام في الأسماء والصفات
لقد تسمى الله بأسماء، ووصف نفسه بصفات، ولما كانت هذه الأسماء والصفات غيباً عنا كان طريق إدراكها هو كتاب الله ، أو سنة رسوله ﷺ ، وهذا هو ما سلكه أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ووضعوا القواعد والأصول في هذا الباب على ضوئه، وقد ضل في هذا الباب طائفتان، طائفة غلت في إثبات الأسماء والصفات حتى شبهت الله بخلقه، وطائفة عطلتها، وحكموا أهواءهم وعقولهم في هذا الباب.
стр. 1552
افتراق أهل القبلة في توحيد الأسماء والصفات
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: الإيمان بالله يستلزم أمرين: الأمر الأول: الإيمان بوجود الله ، والأدلة على الإيمان بوجود الله هي العقل والفطرة والحس والشرع، ودليل الشرع قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥].
ودليل الحس إجابة الدعاء.
ودليل الفطرة حديث: (ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة)، وفي رواية: (إلا ويولد على هذه الملة)، وفي رواية: (إلا ويولد على ملة الإسلام)، أي: على فطرة الإسلام.
وقيل: إن الفطرة ما كتبه الله عليه من الشقاء أو السعادة أو ما هيئ له.
والراجح من الأدلة أن الفطرة هي فطرة الإسلام.
والأمر الثاني: توحيد الله وإخلاص العبادة له.
أنواع التوحيد ثلاثة، وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
ومعنى توحيد الربوبية: أن الله متفرد بالخلق والأمر والملك.
والأمر هنا بمعنى التدبير.
والفرق بين ملك الله وملك العبد أن ملك الله مطلق وهو عام وشامل، وأما ملك العبد فإنه مقصور ومحدود عليه.
وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله بالعبادة والتوحيد والألوهية.
افترقت فرق الإسلام في توحيد الأسماء والصفات على طرفين ووسط، فكانت المشبهة والممثلة والمجسمة والمنزهة على طرف، والمعطلة على طرف، وأهل السنة هم الوسط بين هؤلاء وهؤلاء.
وكانت أول الفرق ظهوراً هي الخوارج، ثم حدثت بعد ذلك القدرية، ثم المرجئة، ثم المعتزلة، ثم الأشاعرة.
انقسمت هذه الفرق في توحيد الأسماء والصفات أقساماً عديدة كالآتي: القسم الأول قالوا: لا يجوز أبداً أن نصف الله بوجود أو بعدم، ولا نثبت له الوجود ولا العدم؛ لأنه إن وصف بالوجود أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم أشبه المعدومات، قالوا: ومحال على الله أن يوصف بالوجود أو بالعدم؛ لأنه يستلزم من وجوده أن يشبه الموجودات والمخلوقات.
ومن أجل ذلك قالوا: يجب نفي الوجود والعدم عن الله ؛ لأنه لا ينبغي أن يشابه الموجودات ولا أن يشابه المعدومات.
وحقيقة ما ذهبوا إليه هو أنهم شبهوا الخالق بالممتنعات والمستحيلات؛ لأن العدم والوجود لا يجتمعان ولا يرتفعان في الوقت نفسه، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فهم فروا من شيء ووقعوا فيما هو شر منه وهذا عين الضلال.
القسم الثاني قالوا: نصفه تعالى بالنفي ولا نصفه بالإثبات، فهم يقولون: ليس بميت، ولا يقولون: إنه حي ، ويقولون: ليس بجاهل، ولا يقولون: عليم.
مع أن الله تعالى أثبت لنفسه في الكتاب أكثر مما نفى، فلو أتينا إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ لوجدنا أن الإثبات أكثر من النفي، وهؤلاء يثبتون النفي ولا يثبتون الإثبات، ولاشك أن هذا الرأي أيضاً مردود عليهم، ولو احتججت على هؤلاء بأن الله تعالى قال عن نفسه: سميع بصير، أو أن الله تعالى أثبت لنفسه صفات، لردوا عليك بأن هذه النسبة أو هذه الأسماء والصفات التي أثبتها الله تعالى إنما هي نسبة إضافة، وليست نسبة حقيقة لله ، فهم يقولون: ليس له سمع، ولكن له مسموع، والمسموع هو خلقه.
ثم ظهر قسم آخر داخل هذا القسم يقول: هذه الأوصاف إنما هي لمخلوقاته وليست له، أما هو فلا نثبت له صفة.
القسم الثالث قالوا: نثبت له الأسماء دون الصفات، فهم لا يثبتون له صفات، وإنما يثبتون له الأسماء فقط، وهؤلاء هم المعتزلة، فقد أثبتوا لله تعالى الأسماء فقط، وقالوا: إن الله قدير حكيم عليم، ولكن قدير بلا قدرة، وحكيم بلا حكمة، وعليم بلا علم.
القسم الرابع قالوا: نثبت له الأسماء حقيقة -يعني: أن هذا الفريق وافق المعتزلة في إثبات الأسماء لله ونثبت له صفات معينة دل عليها العقل؛ لأن العقل يقبل نسبة هذه الصفات لله ، ولا يقبل نسبة غيرها من الصفات وهؤلاء هم الأشاعرة.
فالمعتزلة والأشاعرة يلتقيان في تحكيم العقل في صفات الله ، وإن كان الأشاعرة أخف وطأة من المعتزلة.
ومن أصول المعتزلة في هذا الباب: تقديم العقل على النقل.
فالأشاعرة أخف وطأة من المعتزلة؛ لأن المعتزلة نفوا جميع الصفات، وأما الأشاعرة فأثبتوا منها سبع صفات؛ لأنها تتفق مع العقل، ونفوا الباقي، والصفات التي أثبتوها مجموعة في قول الشاعر: له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدار أي: القدرة.
فكأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، ولكن هذا الكفر لم يكن كفر جحود ونكران، و
стр. 1553
مذهب المعطلة في أسماء الله وصفاته
والذين نفوا صفات الله زعموا أن هذا تنزيه، فوقعوا في التعطيل.
والجهمية أتباع الجهم بن صفوان ينكرون جميع صفات الله ، والغلاة منهم ينكرون الأسماء، ويقولون: لا يجوز أن نثبت لله تعالى اسماً ولا صفة، وهؤلاء هم غلاة الجهمية، وأما عموم الجهمية، فإنما يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات.
والغلاة منهم يقولون: إذا أثبت له اسماً شبهته بالمسميات، وإذا أثبت له صفة شبهته بالموصوفات.
فهم لا يثبتون لله اسماً ولا صفة، وما أضاف الله إلى نفسه من الأسماء فهو من باب الإضافة المجازية، وليس من باب التسمي بهذه الأسماء.
والجهمية والمعتزلة والأشاعرة يشملهم قسم التعطيل؛ لأنهم عطلوا الله عن صفاته، وعطلوا الصفات عن الموصوف بها وهو الله ، ولكن بعضهم عطل تعطيلاً كاملاً كالجهمية، وبعضهم تعطيلاً نسبياً كالمعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة عطلوا الصفات، والأشاعرة عطلوا أكثرها وأثبتوا القليل منها.
стр. 1554
مذهب أهل التمثيل في أسماء الله وصفاته
وأما أهل التمثيل -وهم المشبهة- فيثبتون لله تعالى الصفات، ويقولون: يجب أن نثبت لله الصفات؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن يقولون: إنها مثل صفات المخلوقين.
ويقولون: نثبت لله تعالى اليد، ولكنها كيد المخلوق، ووجهاً كوجه المخلوق، ورجلاً كرجل المخلوق، وسمعاً كسمع المخلوق.
وهكذا بقية الأسماء والصفات، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
ويقولون: إذا أثبتنا لله الوجه فينبغي أن يكون هذا الوجه مشابهاً لوجه المخلوقين، وليس كأي وجه، وإنما نختار أجمل الناس وجهاً فنقول: وجه الله كهذا الوجه، وإذا أثبتوا لله تعالى السمع أتوا بأشد حاسة للسمع عند أي مخلوق وقالوا: إن الله تعالى يسمع كسمع هذا المخلوق، ويبصر كبصر هذا المخلوق، وهكذا، وهذا كله ضلال وكفر.
فهو على زعمهم والعياذ بالله مثل أحسن شخص من الشباب الإنساني، ويدعون أن هذا هو المعقول، وليس هو بمعقول.
فهؤلاء غلوا في الإثبات، وأهل التعطيل غلوا في التنزيه.
стр. 1555
مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نأخذ بالحق الذي مع الجانبين، أي: جانب أهل التعطيل وجانب أهل التمثيل والتشبيه، فنأخذ بالحق في باب التنزيه فلا نمثل، ونأخذ بالحق في جانب الإثبات فلا نعطل، بل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
فكان أهل السنة والجماعة وسط في باب الصفات بين طائفتين متطرفتين، طائفة غلت في التنزيه والنفي، وهم أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وطائفة غلت في الإثبات، وهم الممثلة.
وأهل السنة والجماعة تمسكوا بالنصوص التي أثبتت ونفت، كقول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وهذا نفي للتشبيه، وبقوله تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، على أن الله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، و (شيء) هنا نكرة تفيد العموم، أي: ليس شيء من خلقه يشبهه في صفاته ولا في ذاته، فكما أن المخلوق يختلف عن الخالق في الذات فلابد وأن يختلف لزاماً في الصفات والأسماء كذلك.
ثم قال تعالى: ((وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)).
وهذا فيه إثبات الصفات والأسماء لله .
وخلاصة القول: إن أهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين، بين المعطلة وبين الممثلة والمشبهة، فلا يثبتون إثبات المشبهة، ولا ينفون نفي أهل التعطيل.
والذي يطالع كتب القوم -أي: أهل الكلام والفلاسفة والذين تكلموا في العقائد- الذين اعتنوا بأقوال الناس في هذا الأمر يرى العجب العجاب.
فهم يقولون في كتبهم: كيف يتفوه عاقل بإثبات صفات وأسماء الله ؟ ومن قرأ كتبهم فإنه يتعجب غاية العجب من نفيهم عن الله ما أثبته لنفسه، ومن قولهم: إنما نثبت لله ما أثبته العقل وإن كان منفياً في الكتاب، وننفي عن الله تعالى ما ينفيه العقل وإن كان مثبتاً في الكتاب.
فجعلوا العقل هو الميزان الأكبر الذي يوزن به أسماء الله تعالى وصفاته.
والحقيقة أن الميزان الأكبر هو الكتاب والسنة، ولهذا ينبغي دائماً أن نسأل الله الثبات على منهج أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما كان النبي ﷺ يقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك).
وكان يقول: (اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك).
فينبغي على الإنسان الثبات على منهج أهل السنة والجماعة في كل أبواب العلم، وخاصة ما يتعلق بذات الإله ، في أسمائه وصفاته وفي توحيد الربوبية والألوهية كذلك.
ومن تمام مقتضى حكمة الله أنه يقيض لهذا الدين من يذب عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فالله هو الذي تكفل بحفظ هذا الدين وبإظهاره على الأديان والشرائع كلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فالله هو الذي حفظ هذا الدين، فإذا تخلى رجل أو جماعة أو طائفة أو فرقة من أبناء هذه الملة عن طريق النبي ﷺ وعن طريق الكتاب العزيز، فإن الله تعالى يقيض له من يرده إلى الصواب، أو من يظهر الصواب والحق لبقية الأمة.
стр. 1556
قواعد وأصول في الأسماء والصفات
هناك قواعد وأصول ينبغي حفظها واعتقادها ودراستها دراسة متأنية حتى يكون عندنا الإيمان الكامل التام بأسماء وصفات الله ، وسنعيش مع هذه القواعد ونذكر ما تيسر لنا منها.
стр. 1557
الإيمان بالأسماء والصفات من لوازم الإيمان بالله
القاعدة الأولى: إن الإيمان بالأسماء والصفات من لوازم الإيمان بالله ، فإن ادعى رجل أنه يؤمن بالله وأنه يوحده توحيد الربوبية والألوهية ولكنه لا يؤمن بالأسماء والصفات قلنا له: لست بمؤمن، فإن أنكر الأسماء والصفات إنكار جحود قلنا له: أنت كافر ولا كرامة، وإن كان ينكرها كما أنكرها الجهمية أو متأخرو الجهمية والمعتزلة والأشاعرة -أي: إنكار تأويل- فلا نكفره، ولكنا نقول له: إنك من أهل القبلة ولست من أهل السنة.
ووجه ذلك: أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بأسمائه وصفاته، فذات الله تعالى تسمى بأسماء وتوصف بأوصاف، ولا يتصور ذات مجردة عن الأسماء والصفات لا في الشرع ولا في العقل ولا في الواقع كذلك، فالإيمان بالله يستلزم أن تؤمن بصفات الله وأسمائه؛ لأنه ذات مسمى بأسماء وموصوف بأوصاف، فلا يتصور أبداً لا في العقل ولا في النقل أن تؤمن بذات الله ثم تنفي عنه الأسماء والصفات.
стр. 1558
صفات الله من الأمور الغيبية
القاعدة الثانية: صفات الله من الأمور الغيبية، والواجب على الإنسان نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بها على ما جاء دون أن يرجع إلى شيء سوى النصوص، فالأمور الغيبية الفيصل في إثباتها وعدم إثباتها وجود النص، ولو اجتمعت الأمة كلها -بل لو اجتمع أهل الأرض- على أن يثبتوا أمراً غيبياً ليس عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة فقولهم مردود؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، والله لا يطلع على غيبه أحداً من خلقه لا من الملائكة ولا الرسل إلا من أراد إطلاعه على ذلك فضلاً منه ومنة.
وإن ادعى رجل علم الغيب وأنه يأتيه وحي من الشيطان، وذكر أشياء فظهرت حقيقة بعد ذلك فهذا لا يخرجه عن كذبه وزوره وضلاله؛ لأننا عندنا أصل أصيل، وهو أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولما كانت ذات الله غائبة عنا ويجب علينا الإيمان بذاته وبوجوده لزم من ذلك أن نؤمن بأسمائه وصفاته، وكما أن الذات غائبة عنا فلابد وأن تكون الأسماء والصفات غائبة عنا، فلا نثبت منها لله تعالى اسماً أو صفة لم يثبته لنفسه، ولم يثبته له رسوله ﷺ .
وفي المقابل لا ننفي عن الله اسماً أثبته لنفسه، ولا ننفي عنه اسماً أثبته له النبي ﷺ .
فالأسماء والصفات من الأمور التوقيفية؛ لأنها عبادة، ومعنى أنها توقيفية: أننا نتوقف عن النفي والإثبات حتى يأتينا الدليل، فهي ليست محل اجتهاد الأمة؛ لأنها من الأمور الغيبية، فلا يجوز لنا أن نثبت ما لم يثبت، ولا أن ننفي ما هو ثابت لله .
قال الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، أي: لا يحل لنا أن نتجاوز في الإثبات والنفي ما جاء في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ ، فلا نصف الله إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
ويدل على ذلك القرآن الكريم والعقل الصحيح الموافق للنقل الصريح، ففي كتاب الله يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
وفي هذا تحريم القول على الله تعالى بغير علم، فإذا كان هذا في الإفتاء وفي البلاغ وفي البيان فكيف بإثبات ما هو لازم لله من أسمائه وصفاته؟ لا شك أن هذا أنكى وأشر.
وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
ولو أننا أثبتنا لله تعالى ما نفاه عن نفسه، أو نفينا عن الله تعالى ما أثبته لنفسه فلاشك أننا قد قفونا ما ليس لنا به علم، والله تعالى سيحاسبنا على أقوالنا وأسماعنا وأبصارنا وغير ذلك، كما في قوله: ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)).
وأما الدليل العقلي في إثبات الأسماء والصفات لله فهو: أن صفات الله من الأمور الغيبية، ولا يمكن أن يدركها العقل، فلا نصف الله بما لم يصف به نفسه ولا نكيف صفاته؛ لأن ذلك غير ممكن لنا، وغير معقول كذلك في الفطر السليمة.
ونحن الآن لا ندرك كيفية نعيم الجنة، رغم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهما لا تفنيان ولا تبيدان، والله يقول في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
والنبي ﷺ لما وصف لنا شيئاً من ذلك ما وصفه إلا بعد أن اطلع عليه ورآه في الجنة، ولكنه ليس وصفاً تفصيلياً، وإنما وصف مجمل، والله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧].
فالله تعالى أخفى علينا ما هو مخلوق الآن من نعيم الجنة وعذاب النار، وروحك التي بين جنبيك -والتي إذا خرجت منك صرت جثة هامدة- مخلوقة لله ، ولا يمكن وصفها رغم أنها موجودة في بدنك، فكيف نصف الله ونشبهه بخلقه؟ فلابد من الإيمان بالأسماء والصفات كما جاءت، وهذا كان منهج السلف جميعاً، فقد كانوا يؤمنون بأسماء الله وصفاته، ويمرونها كما جاءت، ويؤمنون بها ولا يكيفونها، وإنا لنعلم قول أم سلمة وربيعة الرأي ومن بعدهم مالك لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم -أي: في لغة العرب، وهو الارتفاع والعلو- والكيف مجهول.
ومذهب أهل السنة والجماعة تفويض الكيف لا تفويض المعنى، ومن قال: إن السلف كانوا يكيفون المعنى فقد أعظم عليهم الفرية، فإن السلف لم يكونوا يكيفون، بل كانوا يفوضون الكيف دون المعنى.
قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدع
стр. 1559
الواجب تجاه صفات الله تعالى
القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء والصفات: هي أننا لا نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، وإنما نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله الكريم ﷺ ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه.
стр. 1560
إجراء نصوص الكتاب والسنة في الأسماء والصفات على ظاهرها
القاعدة الرابعة: إجراء نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها، لا نتعدى ذلك ولا نخوض فيه.
فلا نقول: إن الله تعالى يسمع كسمعنا، ولا يبصر كبصرنا؛ لأن الله تعالى له سمع يختلف عن سمعنا، وبصر يختلف عن بصرنا، فكما أن أسماءه تختلف عن أسماء المخلوقين، فكذلك صفاته تختلف عن صفات المخلوقين، وقد وصف الله نفسه بأن له عيناً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤].
فلا نقول: إن المقصود بالعين هنا الرؤية؛ لأننا بذلك نكون قد نفينا عن الله صفة من صفاته وهي العين، وإذا قلنا: إن اليد المقصود بها القدرة فإننا نكون بذلك قد نسبنا كلام الله إلى الهزل، فإن الله تعالى قد أثبت لنفسه اليد، وأثبت القدرة، وهكذا تكلم الله كلاماً على الحقيقة، وليس مخلوقاً له، وإنما هو كلامه الذي هو صفة من صفاته اللازمة لذاته منذ الأزل وإلى الأبد.
والله تعالى لما أثبت لنفسه اليد والقوة والقدرة دل هذا على أن اليد شيء والقدرة شيء آخر.
فتعدد الأوصاف يستلزم تباينها، فليست القدرة هي اليد، ولا اليد هي القدرة؛ لأن كلاً منهما ثابت لله .
стр. 1561
صفات الله ذاتية وفعلية
القاعدة الخامسة: صفات الله نوعان، صفات ذاتية وصفات فعلية.
فالصفات الذاتية لم يزل الله ولا يزال متصفاً بها، وهي كذلك نوعان: معنوية وخبرية.
فالمعنوية: مثل الحياة والعلم والقدرة والحكمة وما أشبه ذلك من صفاته المعنوية.
وأما الصفات الخبرية فمثل اليدين والوجه والعينين، وغير ذلك مما له نظير في الاسم فقط عند مخلوقاته، فجوارح المخلوقين مثل العين واليد والوجه وغير ذلك تسمى صفات خبرية لله ، ولكنها ليست جوارح لله ، فإن الله تعالى له يد لكنها ليست كأيدي المخلوقين، وله وجه ليس كوجه المخلوقين، وله عين ليست كعين المخلوقين.
فهذه صفات خبرية لله .
والله تعالى لم يزل له يدان ووجه وعينان منذ الأزل وإلى الأبد، ولم يحدث له يدان وعينان ووجه بعد ذلك، تعالى الله عن ذلك.
وهو لا ينفك عن شيء من هذه الصفات في المستقبل، أي: أن هذه الصفات الذاتية تظل باقية لله ؛ لأنها لازمة لذاته، وهذه الصفات مثل صفة الحياة والعلم والقدرة، فإن الله لم يزل حياً ولا يزال حياً، ولم يزل عالماً ولا يزال عالماً، ولم يزل قادراً ولا يزال قادراً، فلا تتجدد حياته كتجدد حياة المخلوقين، ولا تتجدد قدرته كتجدد قدرة المخلوقين، بل هو موصوف بهذا أزلاً وأبداً، وتجدد المسموع لا يستلزم تجدد السمع، فأنا مثلاً عندما أسمع الأذان الآن فهذا ليس معناه أنه حدث لي سمع جديد عند سماع الأذان، بل هو موجود منذ خلقه الله تعالى، ولكن المسموع يتجدد، يعني: ما دامت الأصوات موجودة فأنا أسمعها ما دامت هذه الحاسة لم تتعطل، وهذا يقال فيه: تجدد المسموع، وتجدد المسموع هذا إنما هو في حق المخلوق دون الخالق ، فالله تعالى لا يزال سميعاً بصيراً، ولم يزل سميعاً بصيراً منذ الأزل وإلى الأبد.
وقد اصطلح العلماء رحمهم الله تعالى على أن يسموا هذه الصفات صفات ذاتية؛ لأنها ملازمة للذات لا تنفك عنه .
وأما الصفات الفعلية، فهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله ، سواء المشيئة الشرعية أو القدرية الكونية، والصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة نوعان: صفات لها سبب معلوم، كالضحك والرضا والغضب والسخط.
فكل هذه صفات لها سبب معلوم، فإذا أتيت ما يستوجب رضا الله رضي عنك، وإذا أتيت ما يستوجب سخطه سخط عليك وغضب عليك.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧].
ومعنى ((وَلا يَرْضَى)) يعني: يسخط ولا يقبل ذلك ويرده على صاحبه.
وقال: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]، أي: وإن تؤمنوا ((يَرْضَهُ لَكُمْ)).
ومعنى الشكر هنا: هو الإيمان؛ لأنه قال في أول الآية: ((إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ))، أي: وإن تؤمنوا بالله وتشكروه على هذه النعمة يرضى ذلك منكم.
فهذه الآية أثبتت الرضا والسخط لله .
وأما الصفات التي ليس لها سبب معلوم فكصفة النزول إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، وظاهر الروايات تدل على أن الله تعالى إنما ينزل رحمة بعباده، ولكن الله تعالى قادر على أن يرحمهم وهو في السماء السابعة مستو على عرشه، فالحكمة من نزول الله لا يعلمها أحد من الخلق.
ومن الصفات ما يجمع بين صفات الذات وصفات الفعل باعتبارين، فكلام الله صفة فعلية لله باعتبار آحاده، وهو في أصله صفة ذات، ومعنى ذلك: أن الله تعالى لم يزل متكلماً ولا يزال متكلماً، فهي بهذا الاعتبار صفة ذات، والله تعالى يتكلم إذا شاء ومتى شاء بما شاء، فتكون بهذا الاعتبار صفة فعل.
والصفات الفعلية اصطلح العلماء على تسميتها صفات فعلية؛ لأنها من فعله ، ولها أدلة كثيرة من كتاب الله ، مثل قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
فهذه تثبت المجيء لله .
وقول الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].
والذي يقول: إتيان الرب هنا إنما هو إتيان أمره كلام باطل؛ لأن تعقيب هذا الكلام بقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، يدل على التباين بين الأمر وبين الرب ، وأن الله تعالى إنما يأتي بذاته، وكذلك يأتي بأمره، فقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، يدل على أن إتيان الأمر هو غير إتيان الرب .
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، فيه إثبات صفة الرضا لله ، وهذه صفة فعل، وليست صفة ذات
стр. 1562
لا مدخل للعقل في باب الأسماء والصفات
القاعدة السادسة: العقل لا مدخل له في باب الأسماء والصفات؛ لأن الأسماء والصفات من الأمور التوقيفية الغيبية، أي: التي نعتمد فيها على السمع دون سواه، ومعنى السمع: النقل، والنقل هو: الوحي الذي هو الكتاب والسنة، فصفات الله وأسماؤه لا دخل للعقل فيها، والعقول لا تحكم على الله أبداً، وإنما المدار على السمع، خلافاً للأشعرية والمعتزلة وكذلك الجهمية وغيرهم من أهل التعطيل الذين جعلوا المدار في إثبات الصفات أو نفيها على العقل، وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته أثبتناه سواء أثبته الله لنفسه أم لا، وما اقتضى نفيه نفيناه عن الله تعالى وإن أثبته لنفسه، وهذا رد صريح وتحريف للكلم عن مواضعه في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه فمعظم هذه الفرق من المعتزلة والأشعرية والجهمية ينفونه كذلك.
فنفوا عن الله صفات لم ينفها عنه العقل الذي يستندون إليه، وهذا يدل على أن من اعتمد على عقله ضل وزل، وحجتهم في ذلك: أن دلالة العقل إيجابية، فإن أوجب الصفة أثبتوها، وإن لم يوجبها نفوها.
ومنهم من توقف في ذلك فلم يثبتها؛ لأن العقل لا يثبتها، ولم ينفها أيضاً؛ لأن العقل لا ينفيها، ويقول: نتوقف عن إثبات أو نفي ما لم يثبته العقل أو ما لم ينفه عن الله ، فصار هؤلاء يحكمون فيما يجب أو يمتنع على الله ، فما اقتضى العقل وَصْف الله تعالى به وُصِفَ به، وإن لم يكن في الكتاب والسنة، وما اقتضى العقل نفيه عن الله نفوه، وإن كان في الكتاب والسنة.
стр. 1563
إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه من الأسماء والصفات وما أثبته له رسوله
القاعدة السابعة: أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، والكتاب هو: كلام الله الذي تكلم به على الحقيقة، وسمي كتاباً لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب مع الحفظة البررة، ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا.
فنثبت له ما تكلم به وأثبته لنفسه في كتابه وفي قرآنه، وكذلك نثبت له ما أثبته له رسوله؛ لأن النبي ﷺ إنما تكلم وفعل وأقر بالوحي، فنثبت لله تعالى ما أثبته له رسوله عن طريق القول وعن طريق الفعل وعن طريق الإقرار.
فأما قوله ﷺ فهو كثير جداً في السنة، ومنه قوله ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء).
فهنا أثبت الفوقية والعلو لله ، (تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض).
ومنه قول النبي ﷺ عندما كان يحلف كان يقول: (لا ومقلب القلوب).
وكان يقول: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
فهذا فيه إثبات الصفات لله من قول النبي ﷺ .
وأما الفعل فهو أقل من القول دائماً، وقد أثبت النبي ﷺ لربه صفات عن طريق الفعل، وهي أقل من التي أثبتها عن طريق القول، وذلك مثل إشارته ﷺ إلى السماء يستشهد الله على إقرار أمته بالبلاغ، فقد قال لهم في حجة الوداع في آخر الخطبة الطويلة: (وإنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: لقد بلغت وأديت يا رسول الله! فأشار إلى السماء بالسبابة، وقال: اللهم اشهد اللهم اشهد).
فأشار إلى السماء إلى الله ونكس بيده إلى الأرض إشارة على إقرار الأمة أن النبي ﷺ قد بلغ الأمانة وأدى الرسالة، ورفع يده إلى السماء ثلاث مرات وقال: اللهم اشهد، أي: اشهد على هذه الأمة أن يقولوا يوم القيامة: ما أتانا من بشير، وما أتانا من نذير.
فأثبت العلو والفوقية لله عن طريق الإشارة.
وجاءه رجل وهو يخطب على المنبر وقد أصاب المدينة قحط وجدب، فقال: (يا رسول الله! ادع الله لنا أن يغيثنا بالماء -أو قال: بالمطر- فقد هلك الزرع والضرع، فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء يستمطر ويدعو الله أن ينزل الغيث، فلما حضرت الجمعة المقبلة دخل ذلك الرجل وقال: يا رسول الله! ادع الله تعالى أن يرفع عنا ذلك، فقد هلك الزرع والضرع -أي: من كثرة الماء- فرفع يديه إلى السماء وفعل مثلما فعل في الجمعة الماضية، فما نزل حتى رفع الله تعالى الماء، وصارت السماء صحواً وفيها الشمس).
فهذا يدل على إقراره ﵊ أن الله تعالى في السماء، ولو كان الله تعالى في الأرض بذاته للزم من ذلك أن ينظر النبي ﷺ إلى الأرض.
ولا يزال عوام الناس إذا دعوا الله توجهوا إلى السماء.
وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه لما لطم الجارية على خدها استعظم ذلك الأمر، فظن أن له توبة على يد النبي ﷺ فذهب يسأله عن ذلك، فدعا النبي ﷺ الجارية وقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء) فلم يقل لها: نعم، هو في السماء، وإنما سكت، وسكوت النبي ﷺ إقرار؛ لأنه لا ينبغي للنبي ﷺ أن يسكت على باطل؛ لأنه لو رأى رجلاً يتكلم أو رأى رجلاً يفعل فعلاً وسكت عنه فإن ذلك ينسب للنبي ﵊، ولذلك الصحابة كانوا يقولون: كنا نفعل كذا في عهد النبي ﷺ .
وعلماء الحديث يقولون: إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا في عهد النبي ﷺ فله حكم المرفوع، وكأنه من قول النبي ﵊ أو من فعله ﵊؛ لأنه لا يسكت عن باطل أو منكر.
فنثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه وما أثبته له رسوله عن طريق القول والفعل والإقرار.
وأسماء الله الحسنى هي التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته، وآمن بها جميع المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وقال تعال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا
стр. 1564
أسماء الله تعالى ليست محصورة في التسعة والتسعين اسماً
القاعدة الثامنة: أسماء الله تعالى ليست منحصرة في التسعة والتسعين اسماً، بل هي أكثر منها، والدليل على ذلك حديث ابن مسعود عند أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: (ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
وهذا هو الشاهد، فالنبي ﷺ كان يسأل الله تعالى بالأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده، ولم يطلع عليها أحداً من خلقه، لم يعلمها أحداً منهم، ولا أنزلها في كتابه.
وهذا يدل على أن هناك أسماء أخرى استأثر الله بعلمها وجعلها من الغيب الذي لا يعلمه أحد.
قال: (أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وهمي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً).
يقول الإمام النووي ﵀ أثناء شرحه لحديث: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً): اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ، وإنما هي أكثر من ذلك.
قال: فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فكأن المراد الإخبار عن دخول الجنة بالإحصاء لا الإخبار بحصر أسمائه، وكأن هذا الحديث فائدته أنه يبين لك أنك لو أحصيت التسعة والتسعين اسماً دخلت الجنة، وليس فيه دلالة على أن أسماء الله تعالى منحصرة في التسعة والتسعين.
فيكون المقصود الإخبار عن دخول الجنة بإحصاء هذه الأسماء، وليس المقصود الإخبار بحصر أسماء الله في هذه التسعة والتسعين.
стр. 1565
من أسماء الله ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بمقابله
القاعدة التاسعة: من أسماء الله ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بما يقابله، فهناك أسماء لا يجوز نسبتها لله إلا بما يقابلها، فإذا أطلق عليه الاسم وحده أوهم نقصاً لله تعالى، فمنها المعطي والمانع، ومنها الضار والنافع، والقابض والباسط، والمعز والمذل، والخافض والرافع، فلا يطلق على الله المانع الضار القابض المذل الخافض؛ لأن هذه الأسماء إذا أطلقت فإنها تحدث شبهة عند السامع بأن هذه الصفات صفات نقص، فلا يجوز أن تقول: إن الله هو المانع إلا إذا قلت: إن الله تعالى هو المعطي والمانع، ولا يجوز أن تقول: إن الله تعالى هو الضار إلا أن تقول: إن الله تعالى هو النافع الضار، ولا أن تقول: إن الله تعالى هو القابض إلا أن تقول: إن الله تعالى هو القابض الباسط، وكذلك الخافض الرافع، وغير ذلك.
فلا يجوز إطلاق الاسم الذي يوهم النقص لله إلا مقترناً بما يقابله من الاسم الذي أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ، فلابد من ازدواجها، فهما لم يطلقا في الوحي إلا كذلك.
ومن ذلك المنتقم وهي صفة لله ، فلا يجوز أن نقول: إن الله تعالى هو المنتقم؛ لأنها لم تأت في القرآن إلا مضافة أو مقيدة، فمثال ما أتت فيه مضافة قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:٤]، أي: صاحب انتقام.
وتأتي مقيدة بالمجرمين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، أي: أن الله تعالى ينتقم من المجرمين.
стр. 1566
بعض أفعال الله أطلقها على نفسه على سبيل الجزاء والمقابلة
القاعدة العاشرة: ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء العدل والمقابلة، بأنه لو فعل الإنسان كذا لفعل الله به كذا وكذا، فالله لما أطلق على نفسه هذه الأفعال إنما أطلقها في مقابلة الجزاء العدل، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء، ولا أن تطلق عليه تعالى في غير ما سيقت له.
فلابد من شرطين لإطلاقها عليه تعالى: الشرط الأول: لا يجوز إطلاق هذه الأفعال على الله إلا فيما سيقت له، وفي مناسبتها، فإذا أطلقت في غير ما سيقت له لكانت صفات نقص، والله منزه عن كل نقص، ومتصف بكل كمال وجلال.
وهذه الأسماء مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
فلا نثبت الخداع لله إلا في مقابلة خداع المنافقين، ولا يجوز لنا أن نشتق من هذا صفة لله أو اسماً، ولا يجوز أن نقول: إن الله مخادع؛ لأن هذه صفة فعل، يوصف بها الله في مقابلة من استحق ذلك، أي: في مقابلة خداع المنافقين.
ومنها قوله : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤].
فلا يجوز أن نقول: إن الله تعالى هو الماكر، ولكن نقول: إن الله تعالى يمكر في مقابلة مكر الماكرين، ومكر الكافرين، ومهما مكروا فمكر الله تعالى أعظم من مكرهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥].
فلا يجوز أن نقول: إن الله تعالى هو المستهزئ، ولكن نقول: إن الله تعالى يستهزئ في مقابلة استهزاء المنافقين، ونحو ذلك مما يتعالى الله تعالى عنه، ولا يقال: يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولـ ابن القيم عليه رحمة الله كلام كثير وعظيم جداً في هذا، فهو يقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقاً، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر المخادع المستهزئ الكائد فقد فاه بأمر عظيم -أي: تفوه بأمر عظيم- تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغر هذا الجاهل أنه أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء.
فالصفات تشتق من الأسماء، وليس العكس، فإننا نقول: إن الله تعالى حليم بحلم، فالحليم اسم والحلم صفة لله ، ونقول: عليم بعلم، وسميع بسمع، وبصير ببصر، وقوي بقوة.
فالأسماء تستلزم الصفات، وأما الصفة فلا يشتق منها الاسم، ولذلك أخطأ كثير جداً ممن صنفوا في الأسماء والصفات، وهناك كتب كثيرة وقعت في الخطأ، ومنها: الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، فقد ذكر فيه لله أكثر من ثلاثمائة اسم؛ لأنه اشتق من الصفات أسماء، فقال مثلاً: إن الله تعالى هو المنتقم، وهو الماكر، وهو المخادع.
стр. 1567
دلالة أسماء الله على حقيقتها دلالة مطابقة وتضمن والتزام
القاعدة الحادية عشرة: دلالة أسماء الله تعالى على حقيقتها دلالة مطابقة وتضمن والتزام، فدلالة اسمه تعالى الرحمن على ذاته دلالة مطابقة، يعني: أن الله تعالى هو الرحمن، فالرحمن هو الله، والله هو الرحمن، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠].
ويدل على صفة الرحمة تضمناً؛ لأن الاسم إذا كان ثابتاً لله فهو يتضمن أن يكون الله تعالى متصفاً بهذه الصفة.
فليست الأسماء منفكة عن الله ، بل هي ملازمة لذاته ، فإن الله تعالى هو الرحمن، فالاسم مطابق للذات، وهو يتضمن اتصاف الله تعالى بما يدل عليه هذا الاسم، فإذا أثبتنا أن الله تعالى هو الرحمن أثبتنا له الرحمة تضمناً.
وهذا الاسم يدل على الحياة وغيرها التزاماً، فإذا أثبتنا أن الرحمة صفة لله وأثبتنا أنه الرحيم ذاتاً فلابد أن نثبت له الحياة ذاتاً والتزاماً؛ لأنه لا يتسمى بالرحيم ولا يتصف بالرحمة إلا من هو حي، فأسماء الله تدل على حقيقتها لله مطابقة وتضمناً والتزاماً.
стр. 1568
أسماء الله تعالى غير مخلوقة
القاعدة الثانية عشرة: أسماء الله تعالى غير مخلوقة، وهذه مسألة عظيمة ضلت فيها الفرق وخاصة الجهمية، فإنهم قالوا: إن صفات الله تعالى حادثة، ومعنى حادثة: أنها كانت بعد أن لم تكن، أي: أنها حدثت لله بعد أن لم تكن من قبل.
وقد رد عثمان الدارمي عليه رحمة الله على بشر المريسي وغيره ممن قال: إن صفات الله تعالى مخلوقة، وأجاد في تبيين هذه القاعدة.
والكلام صفة من صفات الله، وهذا القرآن الذي بين أيدينا صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة؛ لأنها أزلية وأبدية، يعني: لا يزال الله متصفاً بها، فهو لا يزال متكلماً، ولو قلت: إن صفة الكلام حادثة لله للزم من ذلك أن تقول: إن هذه الصفة مخلوقة، وكل مخلوق يطرأ عليه الفناء، فيلزم من قولك: إن صفات الله تعالى مخلوقة أن تقول: إن صفات الله تعالى لابد وأن تزول، ويلزم من ذلك أيضاً أن تقول: إذا كانت صفات الله تعالى مخلوقة أن تقول: إن الله تعالى لم يكن متصفاً بها منذ الأزل، وهذه صفة نقص، والعقلاء والمجانين جميعهم متفقون على أن الله تعالى متصف بصفات الكمال والجلال.
стр. 1569
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - التحريف والتعطيل في الأسماء والصفات
يؤمن أهل السنة والجماعة بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، ويثبتونها لله بدون تشبيه ولا تعطيل، ويفهمون معناها المراد منها، ويفوضون كيفيتها إلى الله .
وهم لا يشبهونها بصفات المخلوقين وأسمائهم، ولا يعطلون الخالق جل وعلا عنها، وإنما يؤمنون بها على مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، ويمرونها كما جاءت.
стр. 1570
تعريف التحريف
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فمن الإيمان بالله الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وأكاد أجزم بأن كثيراً من طلبة العلم، أو من يرتادون دروس العلم يحفظون هذه القيود الأربعة -التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل- ولا يعرفون معانيها.
والتحريف في اللغة: التغيير، يقال: حرفت الشيء أي: غيرت شكله ومضمونه، وهو إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، والذي يلحق اللفظ إما أن يكون في نص الكلمة أو شكلها، مثل تحريف حمزة إلى جمرة، أو تحريف واصل الأحدب إلى عاصم الأحول، والعكس بالعكس.
فالتغيير والتحريف اللفظي يلحق الكلمة إما في شكلها وإما في ضبطها.
وهذا النوع اهتم به أهل العلم قديماً وحديثاً، حتى يضبطوا ويحرروا الألفاظ التي وردت إلينا في الكتاب والسنة، وقد تطرقنا إلى هذا النوع من قبل عندما تكلمنا عن تصحيفات بعض القراء لكتاب الله .
وقد تطرق الحافظ ابن كثير وابن الصلاح وكل من صنف في علم المصطلح إلى التصحيف والتحريف، وكان الأقدمون لا يرون فرقاً بين ما هو تصحيف وبين ما هو تحريف، وأول من فرق بينهما الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، فجعل التصحيف غير التحريف.
وقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم ممن تزيا بزي المحدثين وليس منهم، وقد صنف العسكري في التصحيف والتحريف مجلداً، وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ من الصحف.
والتصحيف والتحريف يكون بكثرة عند من أخذ العلم من الكتاب دون الشيوخ وقد كان منهج أهل السنة والجماعة في العلم التلقي من شيخ حافظ.
стр. 1571
بعض تصحيفات القراء والمحدثين
نقل كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنه كان يصحف في قراءة القرآن، وهذا غريب جداً؛ لأن عثمان له كتاب في التفسير، ويمكن أن تحمل الغرابة هنا على أن عثمان بن أبي شيبة لم يكن له علم في أول حياته بالقراءة فكان يتصحف عليه القرآن، وتتصحف عنده الآيات، ولكنه بعد ذلك تفقه في كتاب الله حتى صار فيه إماماً مفسراً.
وتصحيفات المحدثين منها ما يكاد اللبيب يضحك منها، كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير).
وهو حديث في البخاري ومسلم.
وهذا الحديث كان يقوله النبي ﷺ ممازحاً ومداعباً لأخ لـ أنس بن مالك صغير، كان معه طائر صغير كالعصفور يسمى في أرض الجزيرة بالنغير، وهو تصغير نغر، فكان يقول له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير)، يعني: ما هي أحوالك مع هذا الطائر الذي تلعب به؟ فلما جمع الحافظ طرق هذا الحديث تصحف عليه النغير، فكان يقول: يا أبا عمير! ما فعل البعير، ولو أنك حذفت النقط من على البعير أو النغير لكان الشكل واحداً، فكان يقول: يا أبا عمير ما فعل البعير؟ ثم تكلف تأويل هذا الحديث، ولم يفهم الحضور معنى هذا الحديث، حتى قال أحد التلاميذ لإخوانه وأقرانه: لقد تصحف هذا الحديث على الشيخ، وصوابه: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).
وكذا وقع لبعض مدرسي المدرسة النظامية في بغداد ففي أول يوم إجلاسه أورد حديث: (صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين)، فتصحف عليه بدلاً من أن يقول: (كتاب في عليين) قال: كنار في غلس، فبدّل (كتاب) بقوله: (كنار)، وعليين ليس تحتها نقط، فتنطق عليين أو غلس أو علس أو شيء من هذا، فقال: كنار في غلس، فلما سئل عن معنى هذا الحديث، قال: هذا لمزيد الوضوح والإضاءة والبيان؛ لأن الغلس هو اختلاط الظلام بنور الصباح، فيكون الجو أغبش، فإيقاد النار في هذا الوقت تضيء المكان.
وهذا كثير جداً عند المحدثين، وقد أورد ابن الصلاح عليه رحمة الله من هذا شيئاً كثيراً.
وهذا النوع يسمى عند أهل المصطلح بالتصحيف والتحريف.
стр. 1572
تفريق الحافظ ابن حجر بين التصحيف والتحريف
وقد قسم الحافظ ابن حجر التصحيف إلى قسمين، فما تغير فيه حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط سماه تصحيفاً، وما تغير في الشكل سماه تحريفاً، وهو اصطلاح جديد للحافظ ابن حجر، وهو اصطلاح جيد.
فجعل تغيير شكل الكلمة مثل: كنار في غلس تحريفاً، وأما حمزة وجمرة فشكل الكلمتين واحد فيسميه تصحيفاً، والمتقدمون يعتبرون الأمرين شيئاً واحداً فيطلقون على التصحيف تحريفاً وعلى التحريف تصحيفاً، وهذا ما كان عليه الدارقطني والعسكري، وغيرهما ممن صنفوا في هذا الأمر.
стр. 1573
منشأ التصحيف ومواطنه
وقولهم: هذا صحفي دليل على أن هذا الخطأ إنما مبعثه ومنشؤه هو الأخذ من الصحف، فتشتبه عليه الحروف.
وقال غير واحد: أصل هذا أن قوماً كانوا أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير والتحريف والتبديل، فكان يقال عنهم: قد صحفوا، فكانوا يطلقون التصحيف على التصحيف وعلى التحريف في الوقت نفسه، أي: أنهم رووا من الصحف، وهم مصحفون، والمصدر التصحيف.
والتصحيف والتحريف قد يكون في الإسناد أو في المتن، والسند هو سلسلة الرواة الموصلة إلى المتن، والمتن هو ما انتهى إليه السند من الكلام، وسواء كان هذا المتن من كلام النبي ﵊ أو من كلام غيره ممن دونه.
وقد يكون التصحيف في السماع، فقد تجلس بجوار أخيك فيتكلم بكلام، فتسمعه مصحفاً، فتقول له: أنت قلت كذا؟ فيقول لك: إنما قلت كذا، ولم أقل ما سمعته أنت، فيكون هذا من باب تصحيف السماع، لا تصحيف الفهم ولا اللفظ؛ لأن اللفظ لابد أن يكون مكتوباً.
قال: وقد يكون أيضاً في المعنى.
وهذا هو الذي يعنينا في أسماء الله وصفاته.
فهو تحريف المعنى وصرف النص عن ظاهره.
وتحريف المعنى ليس من التحريف والتصحيف على الحقيقة، وإنما هو من باب الخطأ في الفهم.
стр. 1574
الخطأ في الفهم أخطر من الخطأ في اللفظ
وخطأ الفهم أخطر بكثير جداً من الخطأ في اللفظ، ومن ذلك ما تصحف على يحيى بن معين في العوام بن مراجم القيسي الراوي عن أبي عثمان النهدي والذي روى عنه شعبة، فقال: يحيى بن معين: العوام بن مزاحم، بدلاً من أن يقول: العوام بن مراجم.
وهذا تصحيف لغوي؛ لأنه غير في النص وفي الضبط، وأما شكل الكلمة فواحد، فهذا يقال له: تصحيف، ولا يقال له: تحريف؛ لأن التحريف في مصطلح الحافظ ابن حجر يلزم منه تغيير شكل الكلمة.
ومنه حديث روي عن معاوية قال: (لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الخطب تشقيق الشعر)، فصحفه وكيع فقال: الحطب، فقال: لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الحطب تشقيق الشعر.
وكان هناك بعض الملاحين فلما سمع ذلك قال: يا قوم! فكيف نعمل والحاجة ماسة؟ ومنه أيضاً ما ذكره بعض المؤلفين من تصحف خالد بن علقمة على بعض أهل العلم فقال: مالك بن عَرْفَصَة أو عُرْفُصة، وهذا تحريف؛ لأن شكل الكلمة نفسه تغير، وهذا يسمى عندهم تصحيف السماع أو تحريف السماع.
ومن أمثلة تصحيف السماع تصحف عاصم الأحول على بعضهم فقال: عن واصل الأحدب، وهذا تحريف في السماع.
قال ابن الصلاح: وقد ذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر؛ لأن تصحيف البصر يلزم منه أن ترى الاسم مكتوباً في الورق، وليس هكذا.
ومنه أيضاً: أن ابن لهيعة روى عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد، والصواب: احتجر بالراء وليس بالميم، ومعنى احتجر أي: اتخذ له حجرة في المسجد من حصير، والحديث عند البخاري ومسلم.
ومنه أيضاً: حديث: (أن النبي ﷺ صلى إلى عنزة)، وهي اسم قرية في بلاد نجد، واسم القرية عنزة بتسكين النون، ويطلق على فصيلة الشياه من المعز.
وقوله ﷺ إلى عنزة بفتح العين والنون والزاي، والعنزة: هي عصا كمؤخرة الرحل، كان النبي ﷺ يغرزها أمامه فيتخذها سترة له إذا صلى في فضاء.
ولما سمع بعض المحدثين من قرية عنزة من بلاد نجد هذا الحديث قال: الحمد لله نحن قوم لنا شرف، فقيل له: وما شرفكم؟ قال: وأي شرف بعد أن صلى النبي ﷺ إلينا؟ أي: صلى إلى بلادنا، فتصحف عليه عَنَزة إلى عَنْزة وتصورها بلاده، فاشتبه عليه، وهو الحافظ أبو موسى محمد بن المثنى العنزي من قبيلة عنزة.
وكان أبو طاهر بن لوقا يحدث يوماً أو يقرأ على الإمام الطبراني أبي القاسم ذات يوم حديث: (كان ﷺ يغسل حصى جماره)، وهو حديث ليس بثابت ولا أصل له، ولكنه موجود في الكتب، فتصحف على الحافظ أبي طاهر بن لوقا وهو يحدث الإمام الطبراني فقال: كان النبي ﷺ يغسل خطى حماره، فانتبه إلى ذلك الإمام الطبراني وأدرك هذا التصحيف، فقال: وما أراد بذلك يا أبا طاهر؟! أي: لماذا كان يعمل النبي ﷺ هذا؟ قال: التواضع يا أبا القاسم! يعني: تكلف له تأويلاً، فتبسم الطبراني وقال: أنت ولدي يا أبا طاهر! قال: وأنت كذلك يا أبا القاسم! وعن رجل أنه حدث عن النبي ﵊ فقال: قال النبي ﷺ : قال جبريل عن الله عن رجل، وكان حاضراً بعض المحدثين فاستنكر الأمر جداً، قال: فنظرت من ذا الذي يستحق أن يكون شيخاً لله! وإذا بها عن الله ، فتصحف عليه إلى (عن رجل)، فقال: عن الله عن رجل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 1575
بعض تصحيفات الفقهاء
وقد صنف الإمام صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي كتاباً سماه: تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، وذكر فيه جملة مستكثرة من تصحيف المحدثين والفقهاء.
ومما قال فيه: وأما تصحيف الفقهاء فهو كثير أيضاً، ومن ذلك: قال يوماً بعض المدرسين: ولا يكون النذر إلا في قرية، والصواب: أنه لا يكون النذر إلا في قربة، أي: قربة إلى الله ، فتصحف عليه قربة إلى قرية، وشاهد هذا الكلام أن النبي ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه).
فلابد أن يكون النذر في قربة لله ، فمن نذر أن يعصي الله فليكفر عن يمينه ولا يعص الله .
وقال بعضهم: ويكره القرع، ويحب الخيار، والصواب: ويكره القزع، ويجب الختان، والقزع هو حلق بعض الرأس وترك البعض الآخر، أو ترك مقدم الرأس وحلق بقية الشعر، مثل ما يسمونه اليوم كبوريا.
وقال بعضهم يوماً: قال الشافعي: ويستحب في المؤذن أن يكون صبياً، فقيل له: ولم ذاك؟ قال: ليكون قادراً على الصعود في درج المئذنة، وقد كانوا يبنون المآذن في المساجد، فإذا أراد المؤذن أن يؤذن صعد عليها، وإنما قال الشافعي: ويستحب في المؤذن أن يكون صيتاً، يعني: ذا صوت جميل، فتصحف عليه صيتاً إلى صبي.
стр. 1576
بعض تصحيفات الكتاب
وأما الكتاب فقد صحف منهم جماعة بحضرة الخلفاء والملوك، فقد قرأ يوماً بعضهم: أبا معسر المتخم، والصواب إنما هو أبو معشر المنجم.
وقرأ يوماً بعض كتاب المأمون قصة فقال: أبا ثريد بالثاء، فقال المأمون: كاتبنا اليوم جوعان؛ لأنه يفكر في الثريد، أحضروا له ثريداً، فأكل، فقرأ بعد ذلك: فلان الخبيصي بدل الحمْصي، فقال: هو معذور، ليس بعد الثريد إلا الخبيص، أحضروا له خبيصاً، فأكل منه.
وكتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم أمير المدينة -وهو أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وليس ابن حزم الفقيه المعروف- أن احص من قبلك من المخنثين، أي: عدهم، فصحف كاتبه -أي: كاتب سليمان بن عبد الملك - فقال: اخص بالخاء، فدعاهم الأمير وخصاهم أجمعين.
ويقول الصفدي: وحكى لي بعض الأصحاب أن الأمير علاء الدين الطنبغا نائب حلب جاءته رسالة من بعض الولاة يذكر فيها أنه وجد في بعض الأماكن شخصاً مقتولاً، وخرجه تحت إبطه، والصواب: وجرحه تحت إبطه، فصحف الجرح إلى خرج.
إلى غير ذلك من التصحيفات التي وقعت في الكلمات سواء في شكلها أو في ضبطها.
стр. 1577
لا يحكم بالتصحيف إلا أهل العلم
وقد وقع في هذا كثير من أهل العلم، بل وقع فيه بعض الحفاظ الثقات المتقنين كـ يحيى بن معين وغيره، ولذلك لا ينبغي التقدم في هذا العلم بالتخطئة والتصويب إلا أهل العلم.
ونحن نرى كثيراً من الناس المحققين يخرجون لنا عشرات بل مئات الكتب كل يوم، ويحكمون على النصوص بأنها تصحيف وتحريف، فيأتي المحقق يحقق كتاباً فيقف عند لفظة يخفى عليه معناها، بل ويستغربها ولا يهون عليه أن ينظر في معاجم اللغة أو الأدب أو غير ذلك، فيسرع إلى تخطئة هذا اللفظ ورمي المصنف بالتصحيف والتحريف، وقد كان العلماء يذكرون اللفظة كما هي، ثم يقولون: كذا في الأصل، ولا ندري معناه؛ لأن الذي خفي عليك معناه قد يظهر لغيرك، وقد حدث هذا مع كبار المحققين في هذا الزمان وقبل هذا الزمان.
فالتحريف اللفظي هو: تغيير الشكل أو النص، وهو غالباً يقع من الجهال، وهو غير التحريف المعنوي الذي وقع فيه كثير من الناس بعمد أو بغير عمد، بتأويل أو بغير تأويل، بدليل أو بغير دليل، وهو الذي يعنينا في أسماء الله وصفاته.
стр. 1578
المحرفة في أسماء الله وصفاته بين التحريف والتأويل
قال: (أهل السنة والجماعة إيمانهم بأسماء الله تعالى وصفاته إنما يخلو من هذه المعايب الأربع التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل)، فهم وسط في أسماء الله وصفاته بين المعطلة والمشبهة.
وتغيير المعنى وتحريفه في أسماء الله وصفاته يسميه القائلون به تأويلاً، لأن التأويل منه ما هو سائغ ومنه ما ليس بسائغ، بل منه ما هو محمود وجيد وعليه دليل، ومنه ما ليس بمحمود ولا جيد وليس عليه دليل.
وتسميتهم له تأويلاً إنما هو هروب من رد كلامهم، إذ لو سموه تحريفاً لنادوا على أنفسهم ببطلان كلامهم ورده، ولذلك سموه تأويلاً؛ لأن كلمة التأويل لها وقع على الأذن؛ لأن التأويل أيضاً بمعنى التفسير، وأما التحريف فلا يكون إلا باطلاً، ولذلك هربوا من قولهم: هذا تحريف، إلى قولهم: هذا تأويل، فكلمة التأويل تقبلها النفس، وتحتمل الصواب والخطأ، وهي في نظرهم تحتمل الصواب لا غير، ولذلك لجئوا إلى هذا المصطلح، وردوا اللفظ الآخر، وهو التحريف.
والتعبير بالتحريف أولى من التعبير بالتأويل خاصة في أسماء الله وصفاته، لعدة وجوه: الوجه الأول: أن هذا اللفظ وهو التحريف هو الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦]، قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: أي: يتأولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله قصداً منهم وافتراء.
والتحريف لا يطلق إلا على الأمور الباطلة، وصرف النص عن ظاهره إلى غير مراد الله ، وأما التأويل فمنه ما يكون على مراد الله، ومنه ما لا يكون على مراد الله .
والذين تعرضوا للتأويل والتحريف في صفات الله ، الأولى أن يطلق عليهم: محرفون، ولا يطلق عليهم مؤولون ولا متأولون؛ لأن هذا اللفظ والمصطلح إنما ورد في كتاب الله في بني إسرائيل وهم اليهود، قال تعالى: ((مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ))، أي: يؤولونه ويصرفونه على غير مراد الله .
الوجه الثاني: أن المؤول بغير دليل محرف، والأولى به أن يسمى محرفاً لا مؤولاً؛ لأن الذين انحرفوا بأسماء الله وصفاته عن منهج أهل السنة والجماعة يسمون محرفين؛ لأنهم انحرفوا عن المنهج الحق وصراط الله المستقيم، وهذا من العدل، ومن وضع النقاط على الحروف.
الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل، ويجب البعد عنه والتنفير منه، وأما إذا استند إلى دليل فهو صحيح مقبول، وإطلاق التحريف أبلغ تنفيراً من التأويل، فلو قلت لرجل تأول بغير دليل: إنك محرف ومبدل ومغير لكان أبلغ من قولك: إنك متأول؛ لأن التأويل منه ما هو صحيح مقبول مستند إلى دليل، وأما التحريف: فلا يقبله أحد، بل ينفر الإنسان منه.
وإذا كان كذلك فإن وصف طريق من خالف طريقة السلف بالتحريف أولى من وصفها بالتأويل.
الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذموماً كله، بخلاف التحريف، فالتحريف كله مذموم تأباه النفوس الطيبة التي جبلت على فطرتها السليمة، وأما التأويل فليس بمذموم كله، قال النبي ﷺ في حق ابن عباس ﵄: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
والتأويل هو التفسير، ولذلك جاء في رواية البخاري صريحاً: (وعلمه الكتاب) أي: القرآن الكريم.
وقد دل هذا أن التأويل في الرواية الأولى مقصود به تأويل الكتاب، أي: تفسير الكتاب.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧].
وعلى قراءة من أوجب الوقوف على العلم يكون المعنى: أن العلماء إنما عرفوا تأويل المشتبهات، والآية فيها خلاف، هل يجب الوقف على لفظ الجلالة ﴿َالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]؟ فمنهم من يقف على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ))، ثم يقرأ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
وهناك من يرى وجوب الوقف على العلم، أي: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))، ويقولون: إن الله تعالى لم يخاطبنا بمهمل، وإنما خاطبنا بما يفهمه ولو بعض الناس، وهم العلماء، فيجب الوقوف على لفظ العلم، ويكون التقدير: أي: وأهل العلم يعلمون تأويل المشتبهات في الأسماء والصفات وغيرها، وأن الله امتدح أهل العلم بأنهم يعلمون التأويل.
стр. 1579
معاني التأويل
والتأويل له معان متعددة.
فيأتي بمعنى التفسير، وبمعنى العاقبة والمآل، وبمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.
فقولك: تأويل هذه الآية كذا وكذا، أي: تفسير هذه الآية كذا وكذا؛ لأننا أولنا الكلام، أي: جعلناه يئول إلى معناه المراد به.
وأما التأويل الذي هو بمعنى عاقبة الشيء فقد يكون في الطلب وقد يكون في الخبر.
فمثال التأويل الوارد في الخبر قول الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣].
فقوله: ((هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ)) أي: ما ينتظر هؤلاء إلا عاقبة ومآل ما يخبرون به، ويوم يأتي ذلك المخبر به ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣].
ومنه قول يوسف لما خر له أبواه سجداً: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، أي: هذا وقوع رؤياي؛ لأنه لم يقل هذا إلا بعد أن سجدوا له بالفعل.
ومثاله في الطلب قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أنزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلى آخر السورة: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، يعني: يعمل به.
وإذا كان التأويل في معرض الطلب، والطلب للأمر كان التأويل بمعنى العمل به دون سواه.
المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل فهو محمود؛ لأنه يكون بمعنى التفسير أو العاقبة أو المآل، وإن لم يدل عليه دليل فهو مذموم، ويكون من باب التحريف وصرف النص واللفظ عن ظاهره، وليس من باب التأويل.
وهذا هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله ، وسار عليه من تنكب طريق السلف في صفات الله ، فكانوا يصرفون اللفظ عن ظاهره على غير مراد الله .
فمثلاً قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
فاستوى معلوم المعنى عند السلف وعند العرب في لسانهم؛ فهو بمعنى: علا وارتفع.
وهم يقولون: استوى بمعنى استولى، ولا شك أن من يقول هذا يكون قد صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، وهذا تحريف.
والذي يحرف صفات الله عن ظاهرها بغير دليل الأولى أن يقال عنه: إنه محرف.
والذين يقولون: نحن نؤول كلام الله حتى نفهمه، ونؤول صفات الله حتى نفهمها إنما هم محرفون، وليسوا مؤولين.
وأما صرف اللفظ عن ظاهره بدليل فمثل قول الله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١].
(فأتى) فعل ماض، (وأمر الله): الساعة، وهي لم تأت بعد، فيكون تفسير ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] أي: سيأتي أمر الله، فيكون الله عبر عن المستقبل بصورة الماضي، وهذا جائز على الله .
ومثل قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٣].
فكان تفيد الماضي في حق غير الله ، ولو كانت في غير كلام الله لقلنا: إنها زائدة، لأن قوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)) بمعنى إن الله غفور رحيم، فحذف كان لا يغير المعنى ولا السياق.
فيكون معنى قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) أي: سيأتي أمر الله، والدليل على ذلك تعقيبه بقوله تعالى: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ))، ومعلوم أن الاستعجال على أمر قادم، وليس على أمر فائت، وهذا يدل على أن الله تعالى عبر عن المستقبل بصورة الماضي في قوله : ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)).
ومثل قول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].
والاستعاذة معلوم أنها في أول القراءة، وبهذا تكون الآية مصروفة عن ظاهرها، بدليل عمل النبي ﷺ نفسه، فقد كان إذا قرأ القرآن استعاذ بالله في أول القراءة.
فيكون معنى قوله تعالى: ((فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ)) أي: فإذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
وهذا مثل حديث أنس بن مالك قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
والخبث: ذكور الشياطين، والخبائث: إناثهم.
فقوله: إذا دخل يعني: إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، أي: قبل أن يدخل؛ لأنه لا ينبغي أن يذكر الله في مثل هذه الأماكن والأنتان والحش.
وأما التأويل الذي ليس عليه دليل صحيح الأولى أن نسميه تحريفاً؛ لعلل، منها: أن لفظ التحريف قد جاء في كتاب الله ، ولأنه ألصق بطريق ال
стр. 1580
أنواع التحريف وبيان الواقعين فيه
ومن الإيمان بالله أن نؤمن بصفات الله التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من غير تحريف.
والتحريف منه ما يكون في اللفظ ومنه ما يكون في المعنى، والتحريف الذي يلحق اللفظ إما أن يكون في الشكل أو في النقط، فيتغير إما شكل الكلمة وإما نطقها، وهذا النوع قليل جداً، ولا يصدر إلا من جاهل.
وأما تحريف المعنى فشر أنواعه، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره في أسماء الله تعالى وصفاته.
وأصحاب هذا العمل يسمون بالمؤولة، ومعظمهم من الأشاعرة.
ويتلوهم المعتزلة، والمعتزلة أسبق في التأويل من الأشاعرة، ولكن الأشاعرة غلو في التأويل.
следующие страницы →