Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
بعض تصحيفات الكتاب
وأما الكتاب فقد صحف منهم جماعة بحضرة الخلفاء والملوك، فقد قرأ يوماً بعضهم: أبا معسر المتخم، والصواب إنما هو أبو معشر المنجم.
وقرأ يوماً بعض كتاب المأمون قصة فقال: أبا ثريد بالثاء، فقال المأمون: كاتبنا اليوم جوعان؛ لأنه يفكر في الثريد، أحضروا له ثريداً، فأكل، فقرأ بعد ذلك: فلان الخبيصي بدل الحمْصي، فقال: هو معذور، ليس بعد الثريد إلا الخبيص، أحضروا له خبيصاً، فأكل منه.
وكتب سليمان بن عبد الملك إلى ابن حزم أمير المدينة -وهو أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، وليس ابن حزم الفقيه المعروف- أن احص من قبلك من المخنثين، أي: عدهم، فصحف كاتبه -أي: كاتب سليمان بن عبد الملك - فقال: اخص بالخاء، فدعاهم الأمير وخصاهم أجمعين.
ويقول الصفدي: وحكى لي بعض الأصحاب أن الأمير علاء الدين الطنبغا نائب حلب جاءته رسالة من بعض الولاة يذكر فيها أنه وجد في بعض الأماكن شخصاً مقتولاً، وخرجه تحت إبطه، والصواب: وجرحه تحت إبطه، فصحف الجرح إلى خرج.
إلى غير ذلك من التصحيفات التي وقعت في الكلمات سواء في شكلها أو في ضبطها.
стр. 1577
لا يحكم بالتصحيف إلا أهل العلم
وقد وقع في هذا كثير من أهل العلم، بل وقع فيه بعض الحفاظ الثقات المتقنين كـ يحيى بن معين وغيره، ولذلك لا ينبغي التقدم في هذا العلم بالتخطئة والتصويب إلا أهل العلم.
ونحن نرى كثيراً من الناس المحققين يخرجون لنا عشرات بل مئات الكتب كل يوم، ويحكمون على النصوص بأنها تصحيف وتحريف، فيأتي المحقق يحقق كتاباً فيقف عند لفظة يخفى عليه معناها، بل ويستغربها ولا يهون عليه أن ينظر في معاجم اللغة أو الأدب أو غير ذلك، فيسرع إلى تخطئة هذا اللفظ ورمي المصنف بالتصحيف والتحريف، وقد كان العلماء يذكرون اللفظة كما هي، ثم يقولون: كذا في الأصل، ولا ندري معناه؛ لأن الذي خفي عليك معناه قد يظهر لغيرك، وقد حدث هذا مع كبار المحققين في هذا الزمان وقبل هذا الزمان.
فالتحريف اللفظي هو: تغيير الشكل أو النص، وهو غالباً يقع من الجهال، وهو غير التحريف المعنوي الذي وقع فيه كثير من الناس بعمد أو بغير عمد، بتأويل أو بغير تأويل، بدليل أو بغير دليل، وهو الذي يعنينا في أسماء الله وصفاته.
стр. 1578
المحرفة في أسماء الله وصفاته بين التحريف والتأويل
قال: (أهل السنة والجماعة إيمانهم بأسماء الله تعالى وصفاته إنما يخلو من هذه المعايب الأربع التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل)، فهم وسط في أسماء الله وصفاته بين المعطلة والمشبهة.
وتغيير المعنى وتحريفه في أسماء الله وصفاته يسميه القائلون به تأويلاً، لأن التأويل منه ما هو سائغ ومنه ما ليس بسائغ، بل منه ما هو محمود وجيد وعليه دليل، ومنه ما ليس بمحمود ولا جيد وليس عليه دليل.
وتسميتهم له تأويلاً إنما هو هروب من رد كلامهم، إذ لو سموه تحريفاً لنادوا على أنفسهم ببطلان كلامهم ورده، ولذلك سموه تأويلاً؛ لأن كلمة التأويل لها وقع على الأذن؛ لأن التأويل أيضاً بمعنى التفسير، وأما التحريف فلا يكون إلا باطلاً، ولذلك هربوا من قولهم: هذا تحريف، إلى قولهم: هذا تأويل، فكلمة التأويل تقبلها النفس، وتحتمل الصواب والخطأ، وهي في نظرهم تحتمل الصواب لا غير، ولذلك لجئوا إلى هذا المصطلح، وردوا اللفظ الآخر، وهو التحريف.
والتعبير بالتحريف أولى من التعبير بالتأويل خاصة في أسماء الله وصفاته، لعدة وجوه: الوجه الأول: أن هذا اللفظ وهو التحريف هو الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦]، قال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: أي: يتأولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله قصداً منهم وافتراء.
والتحريف لا يطلق إلا على الأمور الباطلة، وصرف النص عن ظاهره إلى غير مراد الله ، وأما التأويل فمنه ما يكون على مراد الله، ومنه ما لا يكون على مراد الله .
والذين تعرضوا للتأويل والتحريف في صفات الله ، الأولى أن يطلق عليهم: محرفون، ولا يطلق عليهم مؤولون ولا متأولون؛ لأن هذا اللفظ والمصطلح إنما ورد في كتاب الله في بني إسرائيل وهم اليهود، قال تعالى: ((مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ))، أي: يؤولونه ويصرفونه على غير مراد الله .
الوجه الثاني: أن المؤول بغير دليل محرف، والأولى به أن يسمى محرفاً لا مؤولاً؛ لأن الذين انحرفوا بأسماء الله وصفاته عن منهج أهل السنة والجماعة يسمون محرفين؛ لأنهم انحرفوا عن المنهج الحق وصراط الله المستقيم، وهذا من العدل، ومن وضع النقاط على الحروف.
الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل، ويجب البعد عنه والتنفير منه، وأما إذا استند إلى دليل فهو صحيح مقبول، وإطلاق التحريف أبلغ تنفيراً من التأويل، فلو قلت لرجل تأول بغير دليل: إنك محرف ومبدل ومغير لكان أبلغ من قولك: إنك متأول؛ لأن التأويل منه ما هو صحيح مقبول مستند إلى دليل، وأما التحريف: فلا يقبله أحد، بل ينفر الإنسان منه.
وإذا كان كذلك فإن وصف طريق من خالف طريقة السلف بالتحريف أولى من وصفها بالتأويل.
الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذموماً كله، بخلاف التحريف، فالتحريف كله مذموم تأباه النفوس الطيبة التي جبلت على فطرتها السليمة، وأما التأويل فليس بمذموم كله، قال النبي ﷺ في حق ابن عباس ﵄: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
والتأويل هو التفسير، ولذلك جاء في رواية البخاري صريحاً: (وعلمه الكتاب) أي: القرآن الكريم.
وقد دل هذا أن التأويل في الرواية الأولى مقصود به تأويل الكتاب، أي: تفسير الكتاب.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧].
وعلى قراءة من أوجب الوقوف على العلم يكون المعنى: أن العلماء إنما عرفوا تأويل المشتبهات، والآية فيها خلاف، هل يجب الوقف على لفظ الجلالة ﴿َالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]؟ فمنهم من يقف على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ))، ثم يقرأ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
وهناك من يرى وجوب الوقف على العلم، أي: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))، ويقولون: إن الله تعالى لم يخاطبنا بمهمل، وإنما خاطبنا بما يفهمه ولو بعض الناس، وهم العلماء، فيجب الوقوف على لفظ العلم، ويكون التقدير: أي: وأهل العلم يعلمون تأويل المشتبهات في الأسماء والصفات وغيرها، وأن الله امتدح أهل العلم بأنهم يعلمون التأويل.
стр. 1579
معاني التأويل
والتأويل له معان متعددة.
فيأتي بمعنى التفسير، وبمعنى العاقبة والمآل، وبمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.
فقولك: تأويل هذه الآية كذا وكذا، أي: تفسير هذه الآية كذا وكذا؛ لأننا أولنا الكلام، أي: جعلناه يئول إلى معناه المراد به.
وأما التأويل الذي هو بمعنى عاقبة الشيء فقد يكون في الطلب وقد يكون في الخبر.
فمثال التأويل الوارد في الخبر قول الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣].
فقوله: ((هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ)) أي: ما ينتظر هؤلاء إلا عاقبة ومآل ما يخبرون به، ويوم يأتي ذلك المخبر به ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣].
ومنه قول يوسف لما خر له أبواه سجداً: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، أي: هذا وقوع رؤياي؛ لأنه لم يقل هذا إلا بعد أن سجدوا له بالفعل.
ومثاله في الطلب قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أنزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلى آخر السورة: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، يعني: يعمل به.
وإذا كان التأويل في معرض الطلب، والطلب للأمر كان التأويل بمعنى العمل به دون سواه.
المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل فهو محمود؛ لأنه يكون بمعنى التفسير أو العاقبة أو المآل، وإن لم يدل عليه دليل فهو مذموم، ويكون من باب التحريف وصرف النص واللفظ عن ظاهره، وليس من باب التأويل.
وهذا هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله ، وسار عليه من تنكب طريق السلف في صفات الله ، فكانوا يصرفون اللفظ عن ظاهره على غير مراد الله .
فمثلاً قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
فاستوى معلوم المعنى عند السلف وعند العرب في لسانهم؛ فهو بمعنى: علا وارتفع.
وهم يقولون: استوى بمعنى استولى، ولا شك أن من يقول هذا يكون قد صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل، وهذا تحريف.
والذي يحرف صفات الله عن ظاهرها بغير دليل الأولى أن يقال عنه: إنه محرف.
والذين يقولون: نحن نؤول كلام الله حتى نفهمه، ونؤول صفات الله حتى نفهمها إنما هم محرفون، وليسوا مؤولين.
وأما صرف اللفظ عن ظاهره بدليل فمثل قول الله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١].
(فأتى) فعل ماض، (وأمر الله): الساعة، وهي لم تأت بعد، فيكون تفسير ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] أي: سيأتي أمر الله، فيكون الله عبر عن المستقبل بصورة الماضي، وهذا جائز على الله .
ومثل قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٣].
فكان تفيد الماضي في حق غير الله ، ولو كانت في غير كلام الله لقلنا: إنها زائدة، لأن قوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)) بمعنى إن الله غفور رحيم، فحذف كان لا يغير المعنى ولا السياق.
فيكون معنى قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) أي: سيأتي أمر الله، والدليل على ذلك تعقيبه بقوله تعالى: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ))، ومعلوم أن الاستعجال على أمر قادم، وليس على أمر فائت، وهذا يدل على أن الله تعالى عبر عن المستقبل بصورة الماضي في قوله : ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)).
ومثل قول الله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].
والاستعاذة معلوم أنها في أول القراءة، وبهذا تكون الآية مصروفة عن ظاهرها، بدليل عمل النبي ﷺ نفسه، فقد كان إذا قرأ القرآن استعاذ بالله في أول القراءة.
فيكون معنى قوله تعالى: ((فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ)) أي: فإذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
وهذا مثل حديث أنس بن مالك قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
والخبث: ذكور الشياطين، والخبائث: إناثهم.
فقوله: إذا دخل يعني: إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، أي: قبل أن يدخل؛ لأنه لا ينبغي أن يذكر الله في مثل هذه الأماكن والأنتان والحش.
وأما التأويل الذي ليس عليه دليل صحيح الأولى أن نسميه تحريفاً؛ لعلل، منها: أن لفظ التحريف قد جاء في كتاب الله ، ولأنه ألصق بطريق ال
стр. 1580
أنواع التحريف وبيان الواقعين فيه
ومن الإيمان بالله أن نؤمن بصفات الله التي وصف الله تعالى بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ من غير تحريف.
والتحريف منه ما يكون في اللفظ ومنه ما يكون في المعنى، والتحريف الذي يلحق اللفظ إما أن يكون في الشكل أو في النقط، فيتغير إما شكل الكلمة وإما نطقها، وهذا النوع قليل جداً، ولا يصدر إلا من جاهل.
وأما تحريف المعنى فشر أنواعه، وهو: صرف اللفظ عن ظاهره في أسماء الله تعالى وصفاته.
وأصحاب هذا العمل يسمون بالمؤولة، ومعظمهم من الأشاعرة.
ويتلوهم المعتزلة، والمعتزلة أسبق في التأويل من الأشاعرة، ولكن الأشاعرة غلو في التأويل.
стр. 1581
التعطيل لأسماء الله وصفاته
ثم يقول: (من غير تحريف ولا تعطيل).
التعطيل في اللغة: التخلية والترك، تقول: عطلت كذا أي: تركته أو خليته، كقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥]، أي: خالية متروكة.
وهو في الاصطلاح: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان هذا التعطيل والإنكار كلياً أو جزئياً.
وهناك من الطوائف من أنكر أسماء الله تعالى وصفاته بالكلية، ومنهم من أثبت الأسماء وأنكر الصفات، ومنهم من أثبت الأسماء والصفات إلا سبع صفات.
قال: (وهذا الإنكار لأسماء الله تعالى وصفاته إما أن يكون كلياً أو جزئياً)، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود؛ لأنه لا يلزم من التحريف أن يكون بجحود، كما هو حال بني إسرائيل اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه جحوداً، فقد حرفوه وصرفوه عن ظاهره جحوداً وافتراء على الله وعلى رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
فهذا كله يسمى تعطيلاً، سواء كان هذا التعطيل جزئياً أو كلياً.
стр. 1582
الشرك في ذات الله بتعطيل أسمائه وصفاته
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله ﵎ عن التعطيل بأحسن كلام، وبينه وفصله تفصيلاً عظيماً جداً في كتاب الداء والدواء، فقال في باب الشرك: الشرك شركان -أي نوعان-: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، أي: بذات الله وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وهذا هو الشرك في العبادة، أي: أن تصرف شيئاً مما وجب لله لغير الله، أو أن تتعامل مع الله أو مع الخلق رياء وسمعة.
يقول: وهذا وإن كان صاحبه -أي: الذي أشرك في العبادة والمعاملة- يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والنوع الأول من الشرك هو الشرك في ذات الإله ، كأن تعتقد أن لهذا الكون إلهين، مثل إله الظلمة وإله النور عند الثنوية، أو تعتقد أن هذا البلد مثلاً له إلهان؛ إله في السماء وإله في الأرض يشرع من دون الله ، فهذا كفر مخرج من الملة بالكلية؛ لأن هذا شرك في ذات الإله.
وهذا هو النوع الأول من الشرك الذي تكلم عنه ابن القيم عليه رحمة الله، وهو الشرك في ذات المعبود.
أي: تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله.
قال: (الشرك الثاني: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) أي: أن تجعل مع الله إلهاً آخر.
ثم تكلم عن الشرك في ذات الإله بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، إلى أن قال: وهو نوعان: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]؟ فقد كان فرعون ينكر على موسى ﵇ ويسخر منه.
أي أنه يقول له: ليس هناك رب غيري، كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
وقال تعالى مخبراً عنه أنه قال لهامان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧].
ومعنى أظن: أعتقد، والظن إما أن يأتي بمعنى الشك، وإما بمعنى القطع فقوله: ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)) أي: وإني لأعتقد أنه كاذب.
стр. 1583
تلازم الشرك والتعطيل
يقول ابن القيم: والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك.
لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، فقد يكون المشرك مقراً بالخالق وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وهذا كمن يطوف حول قبر البدوي أو الحسين أو يستغيث بالسيدة نفيسة، ويذبح لفلان أو ينذر له ويقول: إنما هم وسائط وشفعاء إلى الله، وليس هناك إله يعبد إلا الله، فهذا جاهل وغبي وأحمق باتخاذه لهم وسائط وشفعاء، فيكون قد عطل الله حقه الأعظم، وهو التوحيد، وصرف العبادة لغير الله عندما نذر وذبح وطاف على غير مراد الله ، وقد صرف العبادة إلى غير الله، فهو قد عطل حق التوحيد الذي ينبغي صرفه لله دون سواه، ولكن لا يلزم من هذا الشرك التعطيل؛ لأنه مقر بالخالق ، ولكنه عطل حق التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل.
стр. 1584
أقسام التعطيل
والتعطيل أنواع وأقسام، الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه، فلو قال شخص: إن هذا الرجل خلقته وصنعته الطبيعة لكنا قد عطلنا هذا المصنوع الحادث عن الله الذي أحدثه وخلقه وصنعه.
وهذا النوع لم يكن عند مشركي العرب، فإنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وبأن الله تعالى هو الخالق المالك المدبر الرازق، وغير ذلك من صفات الله وأفعاله التي تدل على ربوبيته .
الثاني: تعطيل الصانع عن كماله المقدس.
والصانع ليس من أسماء الله ، ولكن العلماء من أهل السنة والجماعة تناولوا هذا الاسم في حق الله من غير نسبته إلى الله .
قال: (تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله).
فلو قلنا: إن الله تعالى لا يتصف بالرحمة، أو أنه رحيم بلا رحمة، وعليم بلا علم، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر لكنا قد عطلنا الله عن صفاته.
وهذا النوع هو الذي يتأوله المتأولون، وهم محرفون لا مؤولون.
الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، وهو صرف العبادة إلى غير الله ، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود -وزعيمهم ابن عربي - الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، بل الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق.
ويقولون: إن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، أي: إن الحق المنزه هو ذات وعين الخلق المشبه المرئي.
ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن له أول، وليس له آخر.
وهذه الأوصاف إنما تنطبق على الله ، وليس على كل حادث، والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وليس دونه ولا فوقه شيء.
وهذا النوع هو نوع شرك الملاحدة الذين يعطلون أسماء الله تعالى وصفاته.
قال: (وأنه لم يكن معدوماً من الأصل، بل لم يزل ولا يزال)، أي: هذه الدنيا كلها بأحداثها وبأجرامها والسماوات والأرضين أبدية وأزلية، لم يكن لها أول، وليس لها انتهاء.
وهذا كلام في غاية البطلان.
قال: والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسماً ولا صفة -يعني: عطلوا الأسماء والصفات عن ذات الإله بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها، أي: أن الذين يعطلون الأسماء والصفات عن الله من الجهمية والقرامطة وغيرهم إنما يرفعون المخلوق على الخالق؛ لأنهم لما عطلوا الأسماء والصفات للمخلوق، فيكونون بذلك قد عطلوا أسماء الله تعالى وصفاته وأثبتوها للمخلوق، وبذلك يكونون قد رفعوا المخلوق على الخالق.
ولا شك أن من عطل جحوداً ونكراناً ليس من أهل السنة.
стр. 1585
شرك من جعل مع الله إلهاً آخر
قال: (النوع الثاني: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة).
وقد اختلف النصارى في ذات الإله على ثلاثة أقوال، فمنهم من جعله واحداً، ومنهم من جعله اثنين، ومنهم من جعله ثلاثة، فكانوا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً، وأمه إلهاً، والله تعالى إلهاً، وجعلوا الله تعالى ثالث الآلهة وليس أولها.
قال: ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلي النور وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، أي: بدون علم الله وبدون تدخل منه وبدون إرادة الله .
стр. 1586
الإقرار بالأسماء والصفات بين أهل السنة وبين المعتزلة والأشاعرة
وأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله ، بل يثبتونها لله من غير تحريف ولا تعطيل.
قال: (لا يعطلون أي صفة من صفات الله، ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقراراً كاملاً)، ومعنى كاملاً أي: غير مقيد بقيد.
والمعتزلة والأشاعرة يقيدون ذلك بما يقبله العقل ويتوافق معه، فقد قالوا: نثبت لله تعالى من الصفات ما يقره العقل ويقبله، وإن لم يكن موجوداً في الكتاب والسنة، وننفي عن الله الأسماء والصفات إذا كان العقل لا يقبلها، وإن كانت موجودة في الكتاب والسنة، فجعلوا الميزان الأكبر الذي توزن به الأسماء والصفات هو العقل، والميزان الأعظم عند أهل السنة والجماعة هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ .
стр. 1587
الفرق بين التعطيل والتحريف
والفرق بين التحريف والتعطيل أن التحريف في الدليل، والتعطيل يكون في المدلول والمعنى الذي يدل عليه الدليل.
مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، فالضمير عائد على الله ، فلو قلنا: أي: قوتاه، لكنا بذلك قد حرفنا في الدليل؛ لأن الله تعالى أثبت لنفسه اليد، وأثبت لنفسه القوة، وأثبت لنفسه القدرة، وأثبت لنفسه أنه المتين، فلو قلنا: إن اليد تعني القوة لكنا محرفين للدليل وصارفين له عن مراد الله وعن ظاهره، وكذلك نكون معطلين للمراد الصحيح؛ لأن المراد هو إثبات اليد الحقيقية لله ، وعدم تشبيهها بأيدي المخلوقين، فنقول: إن لله تعالى يداً ليست كيد المخلوق، فنثبت اليد لله تعالى على الحقيقة؛ لأن الله تعالى أثبتها لنفسه.
ولو قلنا: إن اليدين المعني بهما القوة لكنا قد عطلنا المعنى المراد وأثبتنا معنى غير مراد، وكذلك لو قلنا في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] لا ندري ما معنى اليدين، ولكنا نفوض هذا الأمر إلى الله فإنه يدري معنى ذلك؛ لكنا قد وقعنا في التعطيل، ومعلوم أن الله تعالى إنما خاطبنا بكلام نعرف معناه ولا نجهله، فلو قلنا: إننا نجهل معناه لتنافى هذا مع البيان الذي أمر الله به نبيه ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩].
والتعطيل شر من التحريف.
стр. 1588
الرد على من يقول: طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم
وأهل السنة والجماعة يتبرءون من الطريقين طريقة أهل التحريف وطريقة أهل التعطيل، ويثبتون اليد الحقيقية لله ، وهي غير القوة وغير النعمة، فعقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التحريف والتعطيل.
وبهذا نعرف ضلال أو كذب من قالوا: إن طريقة السلف أسلم وستجد هذه الجملة في كتب كثيرة من كتب العقيدة، فبعضهم يقول: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم وأعلم.
وهذا كلام خاطئ، وفي منتهى الخبث والضلال؛ لأن طريقة السلف لن تكون أسلم إلا بحكمة وعلم، فلا يمكن أن تكون سليماً إلا إذا كنت على بصيرة وهداية ونور وعلم، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
فالسلامة لا تكون إلا من خلال الحكمة والعلم، ولا يمكن أن يسلم المرء من غير حكمة ولا علم أبداً، ومن كان معه حكمة وعلم فلابد أن يكون سالماً ومستقيماً على الجادة.
فالصواب أن يقال: إن طريقة السلف أسلم وأحكم وأعلم، وإن طريقة الخلف مخالفة ومنافية لما كان عليه السلف.
стр. 1589
المقصود بالسلف والخلف
والخلف هم الذين أولوا وصرفوا النص عن ظاهره، فكل من انحرف عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته وأفعاله فهو معدود في الخلف.
وطريقة السلف في الأسماء والصفات أنهم يثبتونها لله ، ويعلمون معناها علماً حقيقياً، ويفوضون كيفية ذلك لله ، فهم لا يفوضون الإثبات ولا المعنى، وإنما يفوضون الكيف، فمن قال بغير ذلك ولو في القرن الأول فهو من الخلف، ومن قال بقول السلف ولو عند قيام الساعة فهو من السلف.
فلا نظن أن السلف هم أصحاب القرون الأولى، والخلف هم من أتى بعد ذلك، وأن هناك حداً فاصلاً بين السلف والخلف، بل من قال بقول الصحابة والأئمة المتبوعين الذين وافقوا الصحابة في أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله فهو متبع للسلف، وإن كان في القرون المتأخرة التي لم تأت بعد.
стр. 1590
ندم علماء الكلام في أواخر حياتهم على مخالفة منهج السلف
ومن علماء الخلف مثلاً الفخر الرازي الذي أفنى حياته في علم الكلام، وفي التفنن في تقرير منهج الخلف، ثم ندم قبل أن يموت وقال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وصيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم يعني: أصبح يعض على يديه؛ لأنه ما ترك سبيلاً من سبل الخلف إلا وسلكه، ولا مدرسة انحرفت عن منهج السلف إلا ودرس طريقتها، وأفنى حياته في الدفاع عن منهج الخلف وترك منهج السلف، فندم على أنه قضى حياته في مثل هذا، وتمنى لو أنه يرجع إلى منهج السلف.
وهذه الطريقة التي سلكها يقول عنها: إنه ما وجد فيها إلا واضعاً كف حائر على ذقن، أي: لأنه ليس عنده علم، أو آخر قارعاً سن نادم، أي: لأنه لم يسلك طريق السلامة أبداً.
وقال الرازي أيضاً: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ومعلوم أن القيل والقال إذا لم يكن مستنداً إلى دليل من الكتاب والسنة لا ينفع صاحبه.
ثم يقول الفخر الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن.
ثم يقول: اقرأ في الإثبات -أي: إثبات الصفات لله والأسماء-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠].
واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠].
ثم يقول: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
فهو قد أفنى عمره كله في الطرق الكلامية والفلسفية، ثم تاب إلى الله في آخر حياته.
وأنت إذا عرفت كلامهم هذا وأنت في مقتبل عمرك البحثي والعلمي فينبغي عليك أن تسلك مسلك السلف، وأن تنبذ بقلبك منهج الخلف؛ لأن فحول الخلف لما بلغوا ما بلغوا بعد أن قضوا أعمارهم وأفنوا حياتهم في هذا المنهج أدركوا في النهاية أن طريقة السلف هي أسلم وأحكم وأعلم.
والإمام أبو المعالي الجويني وهو أيضاً مؤول من الخلف يقول: أتمنى أن أموت على عقيدة عجائز نيسابور، لأنهن يؤمن بالله على فطرهن، فـ أبو المعالي الجويني الذي كان يجري كل الناس وراءه، وكان يشار إليه بالبنان في ذلك الزمان، وكان إمام الحرمين، أفنى حياته كلها في تقرير مذهب الخلف، وتقرير الطرق العقلانية والفلسفية والكلامية، ثم تمنى في آخر حياته أن لو مات على دين جدته وجده، والعجائز من عوام الناس، فهو تمنى أن يعود إلى الأمية، فهل يقال: إن هذا المذهب أعلم وأحكم؟!
стр. 1591
مفاسد تفويض معاني الصفات ومجانبته لمذهب السلف
وطريقة التفويض -أي: تفويض المعنى- طريق خاطئ؛ لأنه يتضمن ثلاث مفاسد: الأولى: تكذيب القرآن؛ لأن صاحبه يضطر إلى رد الأسماء والصفات التي وردت في كتاب الله .
الثانية: تجهيل الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ إنما خوطب بكلام يفهمه ويعقل معناه، ويعرف حقيقته، ولكنه يفوض كيفيته إلى الله .
الثالثة: أن ترفع الفلاسفة والمتكلمين على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﷺ .
والذين قالوا: إن طريقة السلف هي التفويض كذبوا على السلف؛ إلا إذا قصدوا بالتفويض تفويض الكيف.
فهم قد اتهموا السلف بتفويض المعنى دون تفويض الكيف، والسلف يثبتون اللفظ والمعنى، ويقررونه ويشرحونه بأوفى شرح.
وأهل السنة والجماعة لا يحرفون ولا يعطلون، ويقولون بمعنى النصوص الواردة في كتاب الله ، فقوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] بمعنى: علا عليه، وليس معناه: استولى، وقوله: ((بِيَدِهِ)) يثبت بها أهل السنة والجماعة اليد إثباتاً حقيقياً لله ، ولكنهم لا يخوضون في الكيف، ولا يقولون: المقصود بها القوة والنعمة، فلا تحريف عند أهل السنة ولا تعطيل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1592
شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - التكييف والتمثيل في الأسماء والصفات
يثبت أهل السنة والجماعة أسماء الله تعالى وصفاته كما جاءت في القرآن والسنة بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، بخلاف غيرهم من الفرق التي ضلت في هذا الباب حينما حكمت عقولها في أسماء الله وصفاته فضلت وأضلت.
стр. 1593
التكييف وموقف أهل السنة والجماعة منه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: ذكرنا في الدرس الماضي أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأسماء الله وصفاته من غير تحريف ولا تعطيل، وشرحنا معنى التحريف والتعطيل، وبقي معنا أنهم يؤمنون بها من غير تكييف ولا تمثيل، ونتكلم في هذه الليلة بعون الله تعالى على التكييف والتمثيل.
لم يرد لفظ التكييف لا في الكتاب ولا في السنة، ولكن ورد ما يدل عليه، والتكييف هو الذي تسأل عنه بكيف، مثل قولك: كيف جاء زيد؟ فيكون
الجواب
جاء راكباً، أو جاء راجلاً، أي: أنك تصف حاله حين المجيء.
أهل السنة والجماعة لا يكيفون صفات الله ، فمثلاً: يقولون عن صفتي المجيء والنزول: إن الله تعالى ينزل، ويجيء، نزولاً ومجيئاً لا يعلم كيفيته إلا الله، ولكن المجيء والنزول وبقية صفات الله معلومة من حيث اللفظ والمعنى، وأما الكيفية فلا نعلمها، بل نفوض أمرها إلى الله ، فهو الذي يعلم كيف يأتي، وكيف ينزل، وغير ذلك من الصفات.
فأهل السنة والجماعة الذين هم على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه إنما يفوضون الكيف، ولا يفوضون المعنى، فإن المعنى ثابت كما ثبت اللفظ.
стр. 1594
أدلة أهل السنة على تفويض الكيف
стр. 1595
الأدلة النقلية لأهل السنة على تفويض الكيف
ويستدل أهل السنة والجماعة على تفويض الكيف بأدلة من المنقول والمعقول، وكذلك من الفطرة، ومن أدلتهم: أن لفظ التكييف لم يرد في الكتاب والسنة، ولكن أتى ما يدل عليه نقلاً، وثبت عقلاً وفطرة، ومما يدل على تفويض الكيف وعدم الخوض فيه من كتاب الله ، قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
فالشاهد في هذه الآية قوله تعالى: ((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ))، فمن قال: إن الله تعالى ينزل كنزول هذا خطوة خطوة، من درج، أو من منبر أو غير ذلك، فإنه قد قال على الله تعالى بغير علم؛ لأنك لو سألته: هل أخبرك الله تعالى بأنه ينزل كنزولك هذا؟ لكان
الجواب
لا، ولو قال: نعم، فلن يجد على قوله دليلاً لا في الكتاب ولا في السنة.
فالذي يصف مجيء الله تعالى ونزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل بصفة أو هيئة أو كيفية معينة فقد قال على الله تعالى ما لا علم له به، وأعظم على الله تعالى الفرية، ولذلك قال الإمام أبو شامة عليه رحمة الله -وهو من أجل علماء السنة-: من وصف الله تعالى بصفة من صفاته التي يجب فيها التفويض إليه ينبغي أن ينكل بمثل ما أتى، فمن قال: إن لله تعالى عيناً كعيني هذه، أو قال: إن له يداً كيدي هذه، أو قال: إن له رجلاً كرجلي هذه -هذا كلام أبي شامة ﵀ فنقول: تفقأ عينه، وتقطع يده ورجله؛ لأنه شبه الخالق بالمخلوق، ومثل الخالق بالمخلوق، وكيف الخالق بتكييفات المخلوق.
عن ذلك علواً كبيراً.
فإذا جاء رجل وقال: إن الله استوى على العرش على هذه الكيفية، ووصف كيفية معينة كأن يجلس على كرسي ويقول: إن الله تعالى جلس على الكرسي فوق السماء السابعة كجلوسي هذا قلنا له: إن هذا تقول على الله ليس لك به علم، وهل أخبرك الله بأنه استوى على هذه الكيفية؟ فسيكون جوابه: لا؛ لأنه لو قال: نعم لقلنا له: أين الدليل؟ فالله تعالى لم يخبرنا كيف استوى، ونقول: هذا تكييف وقول على الله بغير علم، ولهذا قال بعض السلف: إذا قال لك الجهمي -والجهمي هو من يعطل الصفات-: إن الله ينزل إلى السماء، فكيف ينزل؟ فقل له: إن الله تعالى أخبرنا بأنه ينزل، ولم يخبرنا بكيفية النزول، وشعارنا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وصدقنا وآمنا، فكل ما أخبرنا الله تعالى به وطلبه منا فعلينا أن نؤمن به، علمنا منه الحكمة أو لم نعلم ذلك، فإذا كان الله تعالى قد استأثر بعلم الكيفية وحده فلا يجوز لنا أن نخوض في بيانها ومعرفتها، بل نقول: إن الله استوى استواء يليق بجلاله، لا يشابه استواؤه استواء المخلوقين؛ لأنه لما كان الله تعالى مبايناً ومغايراً لخلقه في الذات فلابد أن يكون مبايناً ومغايراً لهم في الصفات، والاستواء صفة، فدل ذلك على أن استواء المخلوق غير استواء الخالق .
ودليل آخر من المنقول وهو قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: لا تتبع نفسك ما ليس لك به علم، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
الشاهد هنا: أنك لا تتبع ما ليس لك به علم؛ لأنك مسئول عن سمعك وقلبك وفؤادك.
стр. 1596
الدليل العقلي عند أهل السنة على تفويض الكيف
وأما الدليل العقلي على نفي التكييف فهو أن كيفية الشيء لا تدرك إلا بواحدة من ثلاث: إما مشاهدة الشيء نفسه حتى يتسنى لنا أن نكيفه، وإما مشاهدة نظيره ومثيله، وإما خبر الصادق به.
فالتكييف من جهة العقل لا يمكن إلا بأحد ثلاثة أمور، الأول: أن ترى الشيء نفسه، والله لم يره أحد من البشر، فكيف نصف النزول والمجيء والغضب والرضا وغير ذلك ونحن لم نره؟ والأمر الثاني: أن الله تعالى ليس له شريك ولا ند ولا مثيل حتى نقول: هذا المثيل والشريك والند مرئي لنا، حتى نقول عن صفة الغضب مثلاً: إن الله تعالى يغضب كغضب فلان.
وهذا لما كان ممتنعاً ومستحيلاً دل ذلك على أن هذا الطريق أيضاً طريق مغلق، وأنه لا بد من تفويض الكيف؛ لأننا لا نرى الله مشاهدة بالعين في الدنيا، كما أنه ليس له مثيل حتى نقيس الله عليه؛ لأن الله تعالى لا يقاس بشيء من خلقه.
والأمر الثالث: أنه لم يأتنا خبر صادق عن الله ولا عن رسوله ﷺ بكيفية النزول ولا المجيء ولا الاستواء وغير ذلك.
لما امتنع هؤلاء الثلاثة دل ذلك على وجوب تفويض الكيف إلى الله .
стр. 1597
كيفية صفات الله لا يعلمها إلا هو سبحانه
ولهذا قال بعض العلماء في جواب لطيف على كيفية صفات الله : إن معنى قولنا: بدون تكييف، أي: أننا نثبت الصفة لله بدون تكييف، وليس معنى هذا أنه ليس لها كيفية، بل لها كيفية يعلمها الله ، فالله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا بصفة وبكيفية معلومة له ، وليست معلومة لنا، فلا يجوز أن ننفي الكيفية عن صفة المجيء، ولا عن صفة النزول، ولا عن صفة الاستواء، ولا عن غيرها من الصفات، بل نثبت أن الله تعالى له صفات بكيفية معينة لا يعلمها إلا هو ، وإلا فنفي التكييف تماماً عن الصفة يستلزم العدم، فلو قلنا: إن الله تعالى يأتي بلا كيفية، أو ينزل بلا كيفية، أو يستوي بلا كيفية لكان هذا عدماً، ولكنه يستوي بكيفية، ويأتي بكيفية، وينزل بكيفية لا يعلمها إلا هو ، وهذه الكيفية استأثر الله تعالى بعلمها وأخفاها على خلقه.
стр. 1598
شرح جواب الإمام مالك لمن سأله عن معنى الاستواء
ولما سئل الإمام مالك عليه رحمة الله ﵎ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ أطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه وقال: (الاستواء غير مجهول)، وغير مجهول يساوي أنه معلوم، ومعنى أنه معلوم أي: معلوم المعنى.
فالاستواء غير مجهول، أي: معلوم المعنى، ولا نقول: معلوم الكيف؛ لأننا نفوض الكيف إلى الله ، وأما معنى الاستواء فمعلوم عند العرب.
وكلمة استوى لم تأت في لغة العرب إلا معداة بعلى، أي: استوى على، وعلى في اللغة تفيد العلو والارتفاع، فدل ذلك على أن معنى استوى في الكتاب والسنة بمعنى علا وارتفع.
فمعنى الاستواء معلوم، وهو العلو والارتفاع، وهذا معنى قول الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، أي: معلوم المعنى، وهو الارتفاع والعلو، فالاستواء غير مجهول.
(والكيف غير معقول)، أي: أن العقول لا تدرك كيفية ذلك، ولذلك خبأها الله تعالى على الخلق رحمة بهم؛ لأن الله تعالى لو وصف لنا كيفية استوائه فإن بعض العقول ستصدق ذلك، وبعض العقول سترد ذلك، ولذلك فرض الله تعالى علينا أن نؤمن بأنه استوى، ولم يبين لنا الكيف؛ لأن العقل لا يدرك الكيف، فإذا انتفى الدليل السمعي والعقلي عن الكيفية وجب الكف عنها.
ثم أتبع ذلك الإمام مالك بقوله: (والإيمان به واجب)، يعني: لابد من الإيمان باستواء الله وبمجيئه ونزوله وغير ذلك من الصفات كما جاءت، وإمرارها دون الخوض في تأويلها وتحريفها وتعطيلها؛ لأن الله أخبر به عن نفسه فوجب تصديقه.
(والسؤال عنه بدعة)، أي: السؤال عن كيفية الاستواء أو عن كيفية النزول والمجيء وغير ذلك من الصفات إما أن يكون سؤال متعنت فهو بدعة، وإما أن يكون سؤال جاهل فينبغي أن يوجه إلى عدم السؤال عن هذين الأمرين، وأنه يحاسبه الله تعالى على عدم السؤال عليه، وإنما الذي يجب عليه أن يؤمن بأن الله تعالى يأتي وينزل ويستوي وغير ذلك، ويؤمن بهذه الصفات كما جاءت ويمرها، وهذا من فوائد الإيمان بالغيب.
والله افترض على أهل الإيمان أن يؤمنوا بالغيب، وصفات الله تعالى غيبية، وإن كان لا يؤمن الشخص بالغيب فكيف يؤمن بالصفة، فهذا ابتلاء واختبار من الله تعالى لينظر هل نؤمن بصفات الله دون أن نخوض فيها أم لا، فينبغي علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا بالله وصدقنا، وهذا قول أهل الإيمان.
والصحابة ﵃ لم يسألوا النبي ﷺ عن كيفية أي صفة من صفات الله ، وهم أسوة وسلف وقدوة لنا بعد النبي ﵊، ولابد أن نكون مثلهم، خاصة في أمور الغيب.
فهم لما سمعوا قول الله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] عرفوا عظمة الله ﵎، ولم يسألوا عن كيفية الاستواء؛ لأنهم عرفوا أن المقصود بهذه الآية هو العلو والعظمة والارتفاع.
وكلام الإمام مالك رحمه الله تعالى ليس خاصاً بصفة الفوقية فقط، وإنما هو كلام عام وميزان أصيل توزن به جميع الصفات، لا تسأل عن الكيفية، ولكن سل لتعلم معنى الصفة، فلو قلت: ما معنى استوى؟ ف
الجواب
علا وارتفع، ولو قلت: كيف استوى؟ لقلنا: إنك مبتدع أو جاهل.
السؤال عن معنى صفات الله جائز، بل هو من أشرف العلوم وأعلاها؛ لأنه متعلق بعلم التوحيد وعلم العقيدة، وهو من أشرف العلوم وأعلاها؛ لأنه متعلق بذات الله ، ثم يتلوه في الفضل علوم القرآن؛ لأنها متعلقة بكلام الله ، وهو صفة من صفاته ، فلما كان الله أعلى كل شيء وأحسن من كل شيء دل ذلك على أن كل ما يتعلق بذاته وتوحيده يقدم على غيره من العلوم، ثم يتلوه كلام الله ، وهو كتابه القرآن الكريم، فكل ما يتعلق بالقرآن من تفسير وتلاوة وفك غريب وغير ذلك يأتي في المرتبة الثانية بعد ذات الله ؛ لأنه صفة من صفاته، والصفة تابعة للذات.
ثم يأتي بعد ذلك علوم السنة، وهي في الفضل والعظمة تتلو علوم القرآن، ثم يأتي بعد ذلك علوم الآلة من اللغة وغيرها وبقية علوم السنة وأصول الفقه وأصول الحديث، وهي التي تخدم علم الكتاب والسنة، ثم يتلوها بعد ذلك علوم الدنيا الطبيعية وغيرها.
فكلام الإمام مالك ﵀ ميزان لجميع الصفات، فإن قيل لك مثلاً: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، كيف ينزل؟ فقل: النزول غير مجهول، أي: معلوم، فالله تعالى ينزل؟ والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والذين يسألون: كيف يمكن النزول وثلث الليل ينتقل؟ فنقول: السؤال هذا بدعة، إذ كيف تجيز لنفسك أن تسأل سؤالاً لم يسأله الصحابة رضوان الله عليهم؟ فهم أحرص منا على الخير وعلى العلم بما يجب لله تعالى، ولسنا بأعلم من الرسول ﷺ .
والإمام مالك ﵀ رد على ذلك الرجل؛ لأنه سأل تعنتاً، فقال: ما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به فأخرج من المسجد؛ لأن السلف كانوا يكرهون أهل البدع وكلامهم واعتراضا
стр. 1599
وجوب التسليم للنصوص في باب الأسماء والصفات
عليك أيها المسلم التسليم المطلق لله في هذا الباب، فمن تمام إسلامك لله واستسلامك ألا تبحث في هذه الأمور، ولهذا أحذر نفسي وإياكم دائماً من البحث فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على سبيل التعنت والتنطع، والشيء الذي ما سأل عنه الصحابة ينبغي ألا يسأل عنه أحد ممن أتى بعدهم، وينبغي أن يكون كلامنا: سمعنا وآمنا وصدقنا وأطعنا، أي: آمنا وصدقنا بالخبر، وأطعنا الطلب، وسمعنا القول حتى نسلم ويسلم لنا ديننا ودنيانا.
فأي إنسان يسأل فيما يتعلق بصفات الله سؤالاً ما سأل عنه الصحابة فهو كما قال مالك: ما أراك إلا مبتدعاً.
стр. 1600
فهم السلف لمعاني الصفات
ورد عن السلف ما يدل على أنهم يفهمون معاني ما أنزل الله على رسوله من الصفات، كما نقل عن الأوزاعي وغيره بأنهم قالوا في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف، أي: لا تكيفوها، ولكن آمنوا بها على معناها الذي وردت به، ولا تخوضوا في الكيفية، ومعنى قولهم أنهم يمرونها بلا كيف، أي: أنهم يثبتون المعنى، ولو لم يكونوا يؤمنون بالمعنى لقالوا: أمروها كما جاءت معنى وكيفاً، ولكنهم لما قالوا: آمنوا بها وأمروها كما جاءت بلا كيف ولم يذكروا المعنى دل على ثبوتها عندهم.
فكلامهم هذا يدل على أنهم يفهمون المعنى وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، ومعلوم أنها ألفاظ جاءت لمعان؛ لأن الله تعالى يستحيل أن يخاطبنا بالكلام المجمل أو بكلام لا نفهمه نحن، ولا يفهمه أنبياؤه ورسله، وإلا لخاطبنا الله تعالى بالمجمل وبكلام لا معنى له، وهذا عبث ولعب نزه الله تعالى نفسه عنه، ونزهه أنبياؤه والمؤمنون.
والأمر الثاني: قولهم بلا كيف، لأن نفي الكيفية يدل على فهم المعنى، أو على وجود المعنى؛ لأن نفي الكيفية عن شيء لا يوجد لهو وعبث.
فكلام السلف هذا يدل على أنهم يثبتون لهذه النصوص معنى.
والكيف هو ذكر صفة من الصفات بهيئتها وحالها وكيفيتها، كما تقول: جاء زيد راكباً، أو جاء زيد راجلاً، أي: يمشي على رجليه.
فهذا بيان لصفة المجيء، والتكييف والحال والوصف بمعنى واحد.
стр. 1601
العلاقة بين التكييف والتمثيل
وأهل السنة يؤمنون بصفات الله من غير تمثيل، فأهل السنة يتبرءون من تمثيل الله بخلقه، سواء في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله.
فهو تعالى متفرد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، فلا يشاركه أحد في أفعاله، كما لا يشاركه أحد في صفاته ولا في ذاته.
قال: (والتمثيل: هو ذكر المماثل للشيء، وبينه وبين التكييف عموم وخصوص مطلق)، يعني: بين التكييف والتمثيل عموم وخصوص مطلق؛ لأن كل ممثل مكيف، فلو قلت: مشي محمد كمشي أحمد، أو جلوسه كجلوس إبراهيم، أو قيامه كقيام عمرو فهذا تمثيل وتكييف؛ لأنني وصفت حال قيامك وجلوسك ومجيئك، وهذا تكييف، ولما ذكرت لك شبيهاً في القيام والقعود والمشي والمجيء والذهاب والإياب كان هذا تمثيلاً، فكل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلاً؛ لأن التكييف ذكر كيفية غير مقرونة بمماثل، مثل قولي: إن إتيانك إتيان جميل، فهذا تكييف، ولا يلزم أن يكون كإتيان إبراهيم مثلاً، وهذا يدل على أن كل مكيف لا يلزم منه أن يكون ممثلاً، ولكن كل ممثل يلزم منه أن يكون مكيفاً، فبين التمثيل والتكييف عموم وخصوص، يعني: اجتماع وافتراق، فالممثل لابد وأن يكون مكيفاً، ولا يلزم أن يكون المكيف ممثلاً.
стр. 1602
إثبات أهل السنة صفات الله دون تمثيل
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات بدون مماثلة، فهم يقولون: إن الله تعالى استوى ولكن ليس كاستوائنا، ويأتي ولكن ليس كإتياننا، فهم يفوضون الكيف ويثبتون المعنى بدون تمثيل، بل يثبتون لله تعالى الصفات، ويقولون: ليس له مثيل ولا شريك، فإنه متفرد في وحدانيته وفي ذاته وفي أفعاله وفي صفاته.
ويقولون: إن الله له حياة ولكن ليست كحياتنا؛ لأن حياتنا يعتريها النقص والعلل والأمراض والأسقام، وأما حياة الله تعالى فهي منزهة عن هذا كله، فهم يثبتون لله تعالى الحياة، ولكن ليست كحياتنا، وكذلك سمعنا ليس كسمع الله، ولا علمنا كعلم الله، ولا إتياننا كإتيان الله، ولا مجيئنا كمجيء الله، ولا استواؤنا كاستواء الله، بل لما كانت الذات منافية للذات لابد أن تكون الصفات منافية للصفات.
стр. 1603
أدلة أهل السنة والجماعة على نفي التمثيل
стр. 1604
الأدلة النقلية على نفي التمثيل
وقد استدل أهل السنة على نفي التمثيل عن الله بالمنقول والمعقول، بل والفطرة، ومن الأدلة النقلية التي استندوا إليها قول الله تعالى -وهذا في الخبر-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وهذا في التمثيل والتكييف، أي: أن الله تعالى لا يشبهه أحد من خلقه، فليس له من خلقه مثيل ولا شبيه، ولذلك قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وتنكير شيء في سياق النفي يفيد العموم، فلذلك قال: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، يعني: ما من شيء تذكره إلا والله تعالى مباين ومغاير له، فليس مثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه.
فالآية فيها نفي صريح للتمثيل، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
هذا إنشاء بمعنى الخبر، وهو استفهام بمعنى النفي يفيد التحدي، وقولك: ليس له سمي أقل بكثير من قول الله تعالى: ((هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا))؛ لأن الله تعالى استفهم بهذا استفهاماً في سياق الإنكار، وهذا السياق يفيد التحدي، فالله تعالى ليس له سمي، والقول بأن الله تعالى له سمي كذب وزور وافتراء، وهذا كله على نفي المماثلة.
وأما الطلب فقول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢].
فهنا أمر الله ألا نجعل له نداً ولا شريكاً ولا مثيلاً، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، يعني: لا تقل: الله مثل فلان، أو فلان مثل الله، وقد ورد في بعض كتب الأدباء: أن أديباً دخل على تلميذ له، وكان لتلميذه ثوب واحد قديم جداً، فقال: إن فيك صفتين من صفات الله الوحدانية والقدم، وهذا تمثيل وتكييف، وكل ممثل مكيف، فهذا مثل وكيف كالذي يستهزئ بآيات الله وبكتابه وبسنة رسوله ﷺ ، ومن فعل ذلك فقد كفر وخرج عن الملة، كما قال تعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم:٧]، وهذا لا شك أنه كافر وخارج من الملة؛ لأنه نازع الله تعالى أو وصف خلق الله بصفات الله ، فوحدانية الله هي أعلى ما يتصف الله تعالى به من الصفات، فهو صاحب الوحدانية في الألوهية والربوبية والذات والصفات والأفعال، وغير ذلك مما يخص الله ﵎ من أسماء وصفات، فهو يقول له: إن فيك صفتين من صفات الله الوحدانية والقدم.
ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالقديم ولا بالقدم؛ وإنما يوصف الله تعالى بالأول والآخر والظاهر والباطن، وأما اسم القديم فهو غير ثابت لله .
وأسماء الله تعالى توقيفية، أي: أننا نتوقف في إثبات الاسم إلى أن يأتي به الخبر الصحيح الثابت، فلا نثبت لله تعالى اسم القديم؛ لأنه لم يرد إلينا في النصوص.
قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤].
فمن مثل الله بخلقه فقد كذب الخبر وعصى الأمر، ولهذا أطلق بعض السلف القول بتكفير من مثل الله بخلقه، ومن هؤلاء الأئمة نعيم بن حماد الخزاعي، وهو إمام جليل من أئمة أهل السنة، عاش في عصر الإمام أحمد بن حنبل، وكان شيخ البخاري، وقد تعرض لفتنة خلق القرآن، ووشى به إلى المعتصم أحمد بن أبي دؤاد عالم السلطان في ذلك الزمان، وهو من المعتزلة، وكان المعتزلة يقولون بخلق القرآن، فوشى أحمد بن أبي دؤاد إلى المعتصم بالإمام أحمد ونعيم بن حماد وغيرهما من أهل العلم من السلف، فعذبهم ونكل بهم نكالاً عظيماً، وكان من بين من نكل بهم نعيم بن حماد ﵀ ﵎، فقد سجنه المعتصم، حتى مات نعيم بن حماد في سجنه، فألقي في حفرة، ولم يكفن ولم يغسل ولم يصل عليه، رضي الله ﵎ عنه.
فأهل العلم تحملوا المشاق العظام في سبيل أن يوصلوا إلينا هذا الدين، ولولا أن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها لقلنا: إن هؤلاء الناس تكلفوا فوق وسعهم.
قال الإمام نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله تعالى به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً.
يقول الذهبي بعد أن ذكر هذا القول في سير أعلام النبلاء في ترجمة نعيم بن حماد: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فقه، وإنما بعد الإيمان بها هناك مقامان مذمومان، أي: بعد أن تؤمن بصفات الله اعلم أن هناك مقامين مذمومين.
المقام الأول: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، أي: تأويل الصفة، وهذا التأويل هو التحريف.
فالمقام المذموم الأول هو تحريف الصفة وصرفها عن موضوع الخطاب، مع أن السلف لم يؤولوا ولم يحرفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها وأمروها كما جاءت.
وأما المقام المذموم الثاني: فهو المبالغة في إثباتها، أي: لا نبالغ في إثبات الصفات التي أثبتها الله تعا
стр. 1605
الأدلة العقلية على نفي التمثيل
وأما الأدلة العقلية على انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق فمن وجوه: الوجه الأول: أن صفات الخالق غير صفات المخلوق، فمثلاً صفة الوجود ثابتة لله ، وثابتة للإنسان، ووجود الله تعالى غير وجود الإنسان، فوجود الله تعالى واجب لذاته، وأما وجود المخلوق فجائز، فقياس صفات الخالق على صفات المخلوق قياس فاسد، بل أفسد القياس.
فأنا أقول: أنا موجود والله تعالى موجود، ولكن وجودي غير وجود الله، فوجود الله تعالى واجب لذاته، وأما وجودي فممكن، والله تعالى وجوده منزه عن كل نقص، وأما وجودي فمعرض لكل نقص، فلا يمكن أن يكون الخالق مماثلاً للمخلوق عقلاً.
الوجه الثاني: أننا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، فمثلاً الله تعالى يسمع كل صوت مهما بعد وخفي، وأما المخلوق فلا يسمع إلا ما هو حوله، وربما يكون الصوت حوله فيسمعه ولا يميزه، وربما لا يسمع الإنسان صوت الذي بجواره فيطلب منه إعادة الكلام، وهذا يدل على أن سمعه فيه نقص وعيب، والله تعالى يتكلم بلا عيب ولا نقص، ويسمع بلا عيب ولا نقص.
وهذا يدل على أن صفة السمع عند المخلوق غير صفة السمع عند الله ، فسمعك ثابت وسمع الله ثابت، ولكن شتان بين السمعين، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].
قالت: عائشة ﵂ كما في البخاري: إن هذه المرأة أتت وجادلت النبي ﷺ في جانب الغرفة وأنا في جانبها الثاني -يعني: في نفس الغرفة- ولكن خفي علي بعض حديثها، وسمعها الله تعالى من فوق سبع سماوات.
فالمخلوق يشارك الله في مجرد اسم الصفة فقط.
الوجه الثالث: الله تعالى مباين ومغاير ومفارق للخلق بذاته؛ لأن الله تعالى معنا بسمعه وعلمه وإحاطته، وليس معنا بذاته؛ بل هو مستو على العرش فوق السماوات السبع، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧].
ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فلا يمكن لأحد من الخلق أن يقول: أنا وسع كرسيي السماوات والأرض.
وهذا يدل على أن الله تعالى مباين ومغاير لذات خلقه، والذي يدل عليه قول الله تعالى: ((وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
فلا يمكن لأحد أن يدعي أن الأرض في قبضته يوم القيامة.
والصفات تابعة للذات، فلما كان الخالق مبايناً للمخلوق في ذاته دل ذلك على أنه لا يمكن أن يتماثل الخالق والمخلوق في الصفات ولا في الأفعال ولا في الذات.
الرابع: أننا نشاهد في المخلوقات أشياء تتفق في الأسماء وتختلف في المسميات، فنجد الناس يختلفون في صفاتهم، فهذا قوي البصر وهذا ضعيف، ويقال لكل منهما: بصير أو مبصر، وهذه العيوب التي تدخل على البشر لا يمكن دخولها على الله، وهذا يدل على أن المخلوق يشارك الخالق أصل التسمية، وأما في بقية فروع القياس فيستحيل؛ لأن سمعك غير سمع الله، وبصرك غير بصر الله .
وإذا كان التباين في المخلوقات التي هي من جنس واحد فما بالك بالمخلوقات المختلفة الأجناس، فالتباين بينها أظهر، فلا يمكن لأحد أن يقول: إن لي يداً كيد الجمل، أو كيد الحمار، أو كيد الشاة، مع أنها كلها أيدٍ؟ وكثير من الحيوانات ذوات الأربع وذوات الاثنتين لها يد ولها رجل، وإذا كان هذا التباين بين المخلوقات نفسها فما بالك في التباين بين الخالق والمخلوق ؟ فإذا جاز التفاوت بين المسميات في المخلوقات مع اتفاق الاسم، فجوازه بين الخالق والمخلوق من باب أولى، بل هو واجب، فالتباين بين الخالق والمخلوق واجب لابد من التسليم به.
стр. 1606
الدليل الفطري على نفي التمثيل
وأما الدليل الفطري فهو أن الإنسان بفطرته يعرف الفرق بين الخالق والمخلوق، ولولا هذه الفطرة ما ذهب يدعو الخالق، فهو كلما نزل به كرب أو ضر أو مكروه رفع يده إلى السماء ودعا الله ، وهذا يدل على أنه مقر من داخله بأن الله تعالى مباين لخلقه بذاته وبأسمائه وصفاته وأفعاله، ولو كانت المماثلة حاصلة بين المخلوق وبين الخالق فكيف يدعو الخالق إذا كان هو مثل الله؟ فهذا يدل على وجود الفرق والمباينة والاختلاف.
ومن هذا يتبين أن التمثيل بين الخالق والمخلوق مستحيل من جهة السمع ومن جهة العقل والفطرة كذلك.
стр. 1607
الرد على من يقول بوجود التمثيل في حديث: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)
إذا قال قائل: إن هناك أحاديث ظاهرها يوحي بالمماثلة، أو يوحي بالتكييف والتشبيه مثل حديث النبي ﷺ : (أنه لما سئل: هل نرى ربنا؟ قال: هل ترون القمر في ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب).
فكما أنك ترى القمر ليلة البدر واضحاً إذا لم يكن هناك غيم ولا سحاب فإنك سترى الله في الآخرة كما ترى القمر ليلة البدر.
وقد يقول قائل: إن هذا فيه تمثيل، ونرد على هذا ببيان أصلين: الأصل الأول: أصل عام.
والأصل الثاني: أصل خاص، وفيه الرد على هذه الشبهة.
فالأصل العام: أن كل ما تكلم الله تعالى به حق وصدق، وليس هناك خلاف في ذلك، فكل ما جاء في كتاب الله حق، وكذلك كل ما جاء به النبي ﷺ حق لا ينازع في شيء من ذلك إذا صح الدليل، وأما إذا كان الدليل ضعيفاً، فيجب رده، ولا نتكلف له التأويل، لا أن آتي بحديث صحيح يثبت صفة، وحديث ضعيف ينفي نفس الصفة وأقول: بينهما تعارض، وإنما أنظر إلى الدليلين هل هما ثابتان أم لا، فإن كان أحدهما ضعيفاً والآخر ثابتاً وجب رد الضعيف فيبقى الصحيح دون معارض، وإذا كان الدليل ثابتاً صحيحاً في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فينبغي أن نؤمن إيماناً قوياً متيناً من أعماق قلوبنا أن الله تعالى لا يتكلم بالمتناقض أبداً، وكذلك نبيه ﷺ لا يمكن أن يتفوه بغير الحق.
وإنما أتت هذه الشبهة من القصور في الفهم والعلم، فالذي أمرنا أن نؤمن بصفات الله من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه هو الله ورسوله ﷺ ، والذي قال: (إنكم سترون ربكم) هو الرسول ﷺ ، ولا يمكن أن يكون هناك تعارض ولا تناقض بين أقواله، وهذه المسألة ينبغي أن نسلم بها، فالمشكاة التي خرج منها الكتاب والسنة مشكاة واحدة، وهي مشكاة الوحي، والوحي لا يمكن أن يخطئ؛ لأنه من عند الله، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
وهذا يدل على أنه من عند الله فقط، سواء كان كتاباً أو سنة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وفي حديث عبد الله بن عمرو لما عيرته العرب بأنه يكتب عن النبي ﵊ في وقت الغضب والرضا، فقال: (يا رسول الله! إن قريشاً تقول: إنك تكتب عن صاحبكم وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا، قال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حقاً، وأشار إلى فيه ﷺ .
وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يقع التعارض في النصوص الثابتة في كتاب الله أو في سنة رسوله ﷺ ، وإنما تأتي المشكلة من القصور في الفهم، وهنا يجب الرجوع إلى أهل العلم، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
وقد تعرض ابن خزيمة وابن قتيبة والإمام الشافعي ﵏ وغيرهم، للتأويل والتوثيق والجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، ولذلك يجب عليك أن تقول: النصوص التي ظاهرها التعارض، لا النصوص المتعارضة؛ لأنها في حقيقة الأمر ليست متعارضة.
فـ ابن خزيمة عليه رحمة الله يقول: ليس هناك في الكتاب ولا في السنة دليلان متعارضان، فمن وجود شيئاً من ذلك فليأتني بهما أؤلف له بينهما، فها هو جبل من الجبال ألا وهو الشيخ ابن خزيمة، فمن عنده إشكال فليذهب إليه، وابن خزيمة مات نعم، ولكن السنة موجودة وكلامه موجود، وما ترك شبهة إلا وتكلم فيها، فإذا عن لك شيء فكتب تأويل المتشابه مشهورة عند أهل العلم، فهناك تأويل الحديث لـ ابن قتيبة، وشرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي، وهناك كتاب ابن خزيمة، وغيرها من الكتب التي تكلمت وجمعت وألفت بين النصوص التي ظاهرها التعارض، فإذا وجدت شيئاً من ذلك أو دخلت عليك شبهة، فالجأ إلى أهل العلم، وأحمد بن حنبل عليه رحمة الله إمام أهل السنة والجماعة رد على الزنادقة بكتاب سماه الرد على الزنادفة، وهو كتاب صغير الحجم لا يبلغ أكثر من خمسين صفحة، رد فيه على الزنادقة رداً في متشابه القرآن، وهو من أمتن وأقوى وأحسن ما تقرؤه في هذا الباب، ولو علمت قيمة العلم وأنت تقرأ تحس بحلاوة لا تجدها وأنت تأكل أشهى أكل عندك؛ لأن العلم له لذة، ولكن عند من يلتذ به، وهناك أناس لا يلتذون إلا بالشهوات والشبهات.
الأصل الثاني عن قوله: (إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، أي: لا يحصل ضيم لكم في رؤيته، فإنكم ترون الله تعالى يوم القيامة، وترونه في الجنة كما ترون القمر ليلة البدر.
فالكاف هن
стр. 1608
الرد على من يستدل لجواز التمثيل بحديث: (خلق الله آدم على صورته)
ويستدلون بشبهة أخرى في حديث النبي ﷺ : (إن الله تعالى خلق آدم على صورته).
والحديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، والصورة تعني لأول وهلة المماثلة، فلو أنك تصورت عند المصور ثم أطلعتني على الصورة، لقلت: هذه صورتك؛ لأنها مماثلة لك؛ لأن أوصافها مثلك تماماً.
فالصورة تستدعي وتستلزم المماثلة، فقوله هنا: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، هذا يستلزم المماثلة وإثبات الصورة لله ، وفي هذه الحالة يكون المعنى: إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن، وهذا تفسير جاء في بعض الروايات.
والرواية التي فيها: (إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن) رواية منازع فيها بين الصحة والضعف، بل ضعف بعض أهل العلم الرواية التي في البخاري ومسلم: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، وقالوا: إنها منكرة من جهة المتن لا من جهة السند.
لو كان هذا الحديث ضعيفاً، لكفى ضعفه في رده، ولو كان صحيحاً وهو الراجح من أقوال أهل العلم والذي عليه الأدلة الكثيرة فينبغي تأويل هذا الحديث.
وتأويل هذا الحديث على وجهين: الوجه الأول: ينبغي الرجوع في تأويل النص إلى المناسبة التي ورد فيها النص، والمناسبة هي أن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ لطم جاريته على خدها، ثم ندم فذهب إلى النبي ﵊ يستعتبه ويطلب منه لو أن هناك كفارة أو شيئاً من هذا، فأمره النبي ﷺ ألا يضرب الوجه ولا يقبح، ثم قال: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، أي: أن الله تعالى خلق آدم على صورة المضروب، أي: فلا تقبح هذا الوجه ولا تضربه مرة ثانية، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته، فالضمير هنا الذي في (صورته) يعود على المخلوق، هذا تأويل.
وبعض أهل العلم قالوا: هذا الضمير يعود على الله؛ لأنه جاء في رواية أخرى صريحة: (إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن)، فحملوا الضمير في قوله ﷺ (على صورته) على لفظ: (الرحمن)، فيكون الحديث: (إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن).
والحذف في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ كثير، ومنه قوله تعالى على لسان مريم أم عيسى ﵇: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، فهذا على تقدير محذوف، وتأويله: قالت: إني أعوذ بالرحمن منك، ثم تقف، إن كنت تقياً فابعد عني، فهي تذكره بتقوى الله؛ لأنه عندما أتاها الملك في صورة بشر خشيت على عرضها وخافت، فقالت: إني أعوذ بالله منك، وتقدير الكلام: إن كنت تقياً فابعد عني، أو فانصرف عني، أو فإليك عني، ولما كان العرب يفهمون هذا أثبته الله تعالى من باب الإيجاز في الكلام وعدم الإطناب.
فقوله هنا: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، أي: على صورته التي خلقه الله تعالى عليها، ويكون التقدير أيضاً: إن الله تعالى خلق هذا المضروب على صورة آدم التي خلقه الله تعالى عليها، فلا يكون الأمر هنا فيه مماثلة بين وجه الخالق ووجه المخلوق.
ويكون التقدير في قوله: (على صورة الرحمن): إن الرحمن خلق هذا الوجه على ما صوره الرحمن في آدم، وهذا على فرض ثبوت لفظ الرحمن، فينبغي ألا تضرب هذا الوجه ولا تقبحه ولا تلعنه، كما أنه يحرم عليك أن تقبح وجه آدم وأن تضربه وأن تلعنه.
وبهذا تزول هذه الشبهة، والضمير يعود على أقرب مذكور، وهذا وجه آخر.
والذين قالوا: الضمير عائد على الله قالوا: إن الضمير يعود على الصورة وليس على آدم، فالهاء تعود على الصورة؛ لأنها أقرب مذكور، والخلاف بين أهل العلم: ما هو أقرب مذكور للضمير الصورة أو آدم؟ وجواب آخر: وهو أن الإضافة من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فقوله: (على صورته)، مثل قول الله في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩]، فليس المعنى: أن الله أعطى آدم جزءاً من روحه، بل المراد إضافة الروح التي خلقها الله في آدم إلى الله نفسه من باب التشريف، كما نقول: عباد الله، وبيت الله، وأمة الله، وعبد الله، وغير ذلك.
فقوله: (خلق آدم على صورته)، يعني: على الصورة التي خلقه الله تعالى عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١].
والمصور آدم.
فالله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، أي: في أحسن صورة، فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف، فكأنه اعتنى بهذه الصورة، ومن أجل ذلك لا تضرب الوجه فتعيبه حساً، ولا تقبحه، فلا تقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فتعيبه معنى؛ لأن هذه الصورة قد صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفاً وتكريماً،
стр. 1609
صفات الله تعالى المثبتة كلها صفات كمال
والله تعالى جمع لنفسه فيما وصف به نفسه وسمى به نفسه بين النفي والإثبات، والإثبات في الكتاب أكثر من النفي، فصفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات مثبتة، وصفات منفية، يعني: أثبت لنفسه صفات ونفى عن نفسه صفات، ولذلك أهل العلم يقولون: إن صفات الله تعالى إما صفات مثبتة، وإما صفات منفية -أو يقولون سلبية-، والسلب بمعنى النفي في اللغة، إلا أن النفي أحب إلى كثير من أهل العلم من لفظ السلب؛ لأن لفظ السلب فيه معنى الأخذ عنوة.
والصفات المنفية عن الله صفات نقص، فصفات الله قسمان: مثبتة ومنفية، فالصفات المثبتة: هي كل ما أثبته الله تعالى لنفسه، وكلها صفات كمال ليس فيها نقص بوجه من الوجوه.
ومن كمالها أنه لا يمكن أن يكون ما أثبته دالاً على التمثيل، فإذا أثبت الله تعالى لنفسه السمع دل ذلك على أن له مطلق السمع والسمع المطلق، بخلاف المخلوق فربما يكون سمع المخلوق معيباً، وربما يولد المخلوق لا سمع له ولا بصر له، فالصفات جائزة للمخلوق، كما أن وجود المخلوقين جائز، وأما وجود الخالق فواجب، وصفاته واجبة ولازمة له بكمالها وتمامها، ولا يلحقها عيب ولا نقص، وأما المخلوق فلما كان وجوده جائزاً كانت صفاته كذلك جائزة، فربما يولد سميعاً أو بدون سمع، وربما يولد سميعاً ويفقده بعد ذلك، وربما يستمر معه السمع.
فإثبات الصفات لله لا يستلزم مماثلة للمخلوق، وقد ضل أهل التحريف الذين زعموا أن الصفات المثبتة تستلزم التمثيل؛ لأن الإثبات عندهم يساوي التمثيل، فلما فروا من ذلك وقعوا في التعطيل، وأما أهل السنة فقد حفظ الله تعالى بهم الملة، وحفظ بهم ما يجوز وما يجب وما يستحيل لله ، فأثبتوا لله تعالى أسماءه وصفاته من غير غلو في الإثبات ومن غير تعطيل.
стр. 1610
مباحث في الأسماء والصفات
стр. 1611
أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية
وأسماء الله تعالى توقيفية، فلا نثبت لله تعالى اسماً إلا ما أثبته له بنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، وقال بعض أهل العلم: إنها اجتهادية، وهذا الكلام يخالف ما عليه جمهور أهل العلم من السلف والخلف، فصفات الله تعالى توقيفية كالأسماء تماماً، فلا يجوز أن نثبت صفة لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ .
стр. 1612
أقسام الصفات الثابتة لله
والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام، صفات كمال مطلق، وصفات كمال مقيد، وصفة نقص، وهي الصفات المنفية أو الصفات السلبية؛ لأن الله تعالى لا يتصف بها ألبتة.
فالله تعالى يتصف بنوعين من الصفات، صفات كمال مطلق، وصفات كمال مقيد.
فأما صفات الكمال المطلق فإنها ثابتة لله ، كالكلام، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
وهذه صفة فعل، وليس في أسماء الله المتكلم، وإنما الكلام صفة من صفات الله وهي ثابتة بالفعل، قال تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)).
стр. 1613
قاعدة اشتقاق الصفات من الأسماء
وليس كل صفة يشتق منها اسم، وهذه قاعدة مهمة جداً: فكل الأسماء يشتق منها صفات، وليس كل الصفات يشتق منها أسماء، ولو قلت: الصفات يشتق منها أسماء فسيلزمك أشياء كثيرة جداً؛ فيلزمك أن تقول: إن الله هو الماكر والمخادع والمستهزئ، ومن قال هذا فقد خرج من ملة الإسلام، فالأسماء يشتق منها صفات، فالحليم يشتق منه الحلم، والعظيم يشتق منه العظمة.
وليس في أسماء الله الستار، وأما ستير فهو صفة، وقد وردت في قوله ﷺ : (إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر).
فالأسماء يشتق منها صفات، فهناك تسعة وتسعون صفة، وهناك أيضاً صفات يشتق منها أسماء، ولو كانت الأسماء بقدر الصفات لقلنا بضرورة الأمرين، أي: أن الأسماء يشتق منها صفات، والصفات يشتق منها أسماء، ولكن الصفات أكثر من الأسماء، فكل اسم يدل على صفة، فإن الله حليم بحلم، عظيم بعظمة، كريم بكرم، قدير بقدرة، وهناك صفات زائدة على الصفات المشتقة من الأسماء، ولا يجوز أن نشتق منها أسماء لله ، وكأن بين الأسماء والصفات عموم وخصوص، فكل اسم يدل على صفة، وليست كل صفة تدل على اسم.
стр. 1614
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الأمر، وهو من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يشرع الجهاد لإزهاق الأرواح، وإراقة الدماء، واحتلال البلاد، وإنما شرع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وقد بين القرآن والسنة ما أعد الله للمجاهدين في سبيله من عز وتمكين في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة.
стр. 1615
أهمية الجهاد وفضله في كتاب الله
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد توقفنا عند كتاب الجهاد، وهو من أوجب الواجبات على هذه الأمة في هذه الأيام، ويحسن أن نقدم للكلام عن أحكام الجهاد التي وردت في صحيح مسلم بمقدمة تبين أهمية الجهاد وفرضيته خاصة إذا احتاجت إليه الأمة في وقت من الأوقات، والأمة في حاجة إلى الجهاد حتى آخر لحظة من لحظات حياتها، كما أن هذه المقدمة تعالج عند كثير من الناس ما يشاع عن الجهاد في سبيل الله أو الحرب أو القتال أنه حرب مدمرة وخسارة.
فنقول: لا يرتدع الظالم المعتدي إلا بهذا، فإذا كان ذلك وتعين فلا بأس به في لسان الشرع.
فنقدم بمقدمة من كتاب الله ثم من سنة النبي ﷺ قبل أن ندخل في ذكر تفاصيل أحكام الجهاد من خلال الأحاديث في صحيح مسلم.
следующие страницы →