Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية
وأسماء الله تعالى توقيفية، فلا نثبت لله تعالى اسماً إلا ما أثبته له بنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، وقال بعض أهل العلم: إنها اجتهادية، وهذا الكلام يخالف ما عليه جمهور أهل العلم من السلف والخلف، فصفات الله تعالى توقيفية كالأسماء تماماً، فلا يجوز أن نثبت صفة لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ .
стр. 1612
أقسام الصفات الثابتة لله
والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام، صفات كمال مطلق، وصفات كمال مقيد، وصفة نقص، وهي الصفات المنفية أو الصفات السلبية؛ لأن الله تعالى لا يتصف بها ألبتة.
فالله تعالى يتصف بنوعين من الصفات، صفات كمال مطلق، وصفات كمال مقيد.
فأما صفات الكمال المطلق فإنها ثابتة لله ، كالكلام، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
وهذه صفة فعل، وليس في أسماء الله المتكلم، وإنما الكلام صفة من صفات الله وهي ثابتة بالفعل، قال تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)).
стр. 1613
قاعدة اشتقاق الصفات من الأسماء
وليس كل صفة يشتق منها اسم، وهذه قاعدة مهمة جداً: فكل الأسماء يشتق منها صفات، وليس كل الصفات يشتق منها أسماء، ولو قلت: الصفات يشتق منها أسماء فسيلزمك أشياء كثيرة جداً؛ فيلزمك أن تقول: إن الله هو الماكر والمخادع والمستهزئ، ومن قال هذا فقد خرج من ملة الإسلام، فالأسماء يشتق منها صفات، فالحليم يشتق منه الحلم، والعظيم يشتق منه العظمة.
وليس في أسماء الله الستار، وأما ستير فهو صفة، وقد وردت في قوله ﷺ : (إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر).
فالأسماء يشتق منها صفات، فهناك تسعة وتسعون صفة، وهناك أيضاً صفات يشتق منها أسماء، ولو كانت الأسماء بقدر الصفات لقلنا بضرورة الأمرين، أي: أن الأسماء يشتق منها صفات، والصفات يشتق منها أسماء، ولكن الصفات أكثر من الأسماء، فكل اسم يدل على صفة، فإن الله حليم بحلم، عظيم بعظمة، كريم بكرم، قدير بقدرة، وهناك صفات زائدة على الصفات المشتقة من الأسماء، ولا يجوز أن نشتق منها أسماء لله ، وكأن بين الأسماء والصفات عموم وخصوص، فكل اسم يدل على صفة، وليست كل صفة تدل على اسم.
стр. 1614
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الأمر، وهو من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يشرع الجهاد لإزهاق الأرواح، وإراقة الدماء، واحتلال البلاد، وإنما شرع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وقد بين القرآن والسنة ما أعد الله للمجاهدين في سبيله من عز وتمكين في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة.
стр. 1615
أهمية الجهاد وفضله في كتاب الله
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد توقفنا عند كتاب الجهاد، وهو من أوجب الواجبات على هذه الأمة في هذه الأيام، ويحسن أن نقدم للكلام عن أحكام الجهاد التي وردت في صحيح مسلم بمقدمة تبين أهمية الجهاد وفرضيته خاصة إذا احتاجت إليه الأمة في وقت من الأوقات، والأمة في حاجة إلى الجهاد حتى آخر لحظة من لحظات حياتها، كما أن هذه المقدمة تعالج عند كثير من الناس ما يشاع عن الجهاد في سبيل الله أو الحرب أو القتال أنه حرب مدمرة وخسارة.
فنقول: لا يرتدع الظالم المعتدي إلا بهذا، فإذا كان ذلك وتعين فلا بأس به في لسان الشرع.
فنقدم بمقدمة من كتاب الله ثم من سنة النبي ﷺ قبل أن ندخل في ذكر تفاصيل أحكام الجهاد من خلال الأحاديث في صحيح مسلم.
стр. 1616
آيات القتال في سورة البقرة
قال الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة:١٥٤]؛ لأن الظاهر أن الذي يقتل في الجهاد أنه قد مات، والله يضبط هذا الميزان ويقول: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] أي: هم عند الله تعالى أحياء حياة لا يعلمها إلا هو .
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] أي: وجدتموهم ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] فالفتنة في الدين أشد من أن يقتل المرء لأجل دينه.
قال تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩١] إلى آخر الآيات.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣].
وقال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] النفس بطبيعتها تكره ذلك، بل النفس تكره أي تكليف مهما كان يسيراً خفيفاً؛ لأنه تكليف؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: في مقدورها.
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
إذاً: الحرب لا يمكن أن تنتهي، ما دام على وجه الأرض كفر وإيمان فلا يمكن أن تنتهي هذه الحرب مطلقاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
стр. 1617
آيات القتال في سورة آل عمران
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧].
الموت حق على كل نفس، فلأن يموت الإنسان في سبيل الله خير له من أن يموت وهو يجمع حطام الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٨].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] هو مدرككم في ساحة القتال أو في غيرها ولو كنتم في بروج مشيدة.
قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠].
стр. 1618
آيات القتال في سورة النساء
قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٥ - ٧٦].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٧] يخشون الناس بعد أن فرض الله تعالى عليهم القتال كما يخشون الله تعالى ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧].
وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء:٨٤].
وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٩] أي الكفار يودون ويتمنون أن نكفر ككفرهم ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:٨٩].
стр. 1619
آيات القتال في سورة الأنفال
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥].
فإذا لقيتم الأمريكان يزحفون إلى أرض الأفغان فلا تولوهم الأدبار.
هذا معنى كلام الله في واقعنا الذي نمر به؛ ولذلك يتعين القتال على أهل هذه المنطقة وعلى من تلاهم؛ حتى يردوا العدو إلى أرضه خاسراً خاسئاً، أو يقتلوه ويجعلوا أرض أفغانستان مقبرة للأمريكان.
هذا هو الواجب على المسلمين في هذا الزمان، ومن استطاع أن يذهب إلى هناك بغير خسارة فقد تعين عليه الجهاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦] ويريد أن يقاتلهم من ناحية أخرى، أو أن يلحق بسرية أو كتيبة في مكان ولو كان بعيداً عن ساحة القتال، المهم أنه ما ولى الدبر إلا لأحد هذين الغرضين، وإلا ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦].
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] أي: إن دخلوا في الإسلام وتابوا من الكفر فإن الإيمان والإسلام يجب ما كان قبله ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧] بطراً: أشراً وعجباً ورياء ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٧].
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٧] أي: إذا وجدتهم يا محمد أنت ومن معك أنت وأمتك في الحرب فشرد بهم، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٧ - ٥٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠].
ولم يقل: أعدوا لهم كما هي عدتهم، وتسلحوا لهم بسلاحهم، وإنما يكفي أهل الإيمان بأن النصر من عند الله ، ويجب عليك أن تلتمس الأسباب وإن كانت هذه الأسباب قليلة وضعيفة، المهم أن هذه الأسباب هي التي في مقدورك واستطاعتك، فأنت لا تكلف إلا أن تتخذ الأسباب المتاحة والمستطاعة، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
قال تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] كان أعظم طاغوت قبل طاغوت الأمريكان هو طاغوت الروس، ومع هذا سقط هذا الطاغوت، وسقط التاج الذهبي من فوق رأسه في الوحل والطين على أرض الأفغان، وعلى أيدي أناس عزل لا يملكون شيئاً، وما كان معهم من سلاح إلى يومنا هذا إلا سلاح الغنيمة التي غنموها من أعدائهم، فهذا يدل على قوة الإسلام في حد ذاته.
تصور أن رجلاً واحداً قد أضج مضاجع الكافرين في أوروبا وأمريكا، فلو أن الأمة كلها أسامة بن لادن فماذا كان يصنع الأمريكان أو أوروبا أو غيرهم من سائر ملل الكفر؟ ما كانوا يجرءون أن يتكلموا بكلمة واحدة بل انهزموا في عقر دارهم، كما قال النبي ﵊: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: على بعد شهر، وقبل أن يخرج العدو من أرضه يغلب ويهزم وهو في أرضه بمجرد أن يسمع بـ أسامة بن لادن، فضلاً عن أن يسمع بالنبي ﵊ أو الخلفاء الراشدين، أو الدولة الأموية، أو العباسية أو غيرها من هذه الدول القوية.
والعجيب أن هذه التهمة لم تثبت إلى الآن، وكنا نتمنى أن تثبت، لكنه على أية حال -والواقع نمر به ونعيشه- شرف لا ندعيه، ويا ليته ثبت لكانت القضية حلت منذ أول لحظاتها، ولكنها الحرب بين الإيمان والكفر، أراد شارون الذي ينسب إلى حيي بن أخطب أن يشعل المنطقة العربية ناراً، وأن يفرّغ تلك البقعة الشامية له،
стр. 1620
آيات القتال في سورة التوبة
قال تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ [الأنفال:٦١] لا يراعون فيكم إلاً ولا ذمة ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الأنفال:٦١] كلام معسول جداً، فلا يتكلمون إلا عن السلام العادل والشامل ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة:٨ - ١٢].
وهؤلاء القوم نكثوا أيمانهم وطعنوا في ديننا! قال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦١] ما الذي يحجبكم عن قتالهم؟ الخشية؟ تخافونهم؟ ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٣].
وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥].
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٣٦].
وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ)) لم يقل: تثاقلتم، لكن قال: ((اثَّاقَلْتُمْ)) وهذا يدل على الخلود المتناهي في الأرض، وحب البقاء وترك الخير.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا﴾ [الأنفال:٦١] أي: جاهدوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩] يعذبكم أنتم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٣٩ - ٤٠] لا بد أن تعتقد أن معية الله ﵎ ملازمة لك؛ لأنك في معسكر الإيمان، والله تعالى مع المؤمنين معية خاصة، قال: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
وقال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١] على الأقدام وركباناً، قلة أو كثرة ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:١٢٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم:٩].
стр. 1621
آيات متفرقة من كتاب الله في القتال
قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ﴾ [محمد:٤] أي أكثرتم القتل وأمعنتم القتل في رقابهم ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠ - ٢١].
﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد:٢٠] لا يحبون القتال، ويعتبرونه هلكة، وقد سمعنا تصريحات كثيرة تقول: حرب؟! لم الحرب؟! ثم يقول: الحرب ما شرعت إلا للسلام بعدها، وللكلام بعدها، وللاتفاق بعدها، فإذا كان يمكن الاتفاق والسلام والكلام قبلها فما قيمة الحرب حينئذ؟ ثم يقول بعد ذلك قائلهم: الحرب دمار وخراب! لماذا ينظر إلى الحرب على أنها دمار وخراب شامل للبلاد والعباد، والأموال والأنفس والأرواح؟ لماذا هذه النظرة المشئومة فقط، ولا ينظر إلى أن المؤمن في القتال ينتظر أحد أمرين: إما النصر وإما الشهادة؟ لماذا لا ينظر إلى القتال والحرب والجهاد على أنه عز أهل الإيمان وشرفهم، ومحافظة على الأوطان والبلدان؟ لماذا لا ينظر هذه النظرة؟
الجواب
لأنه أخلد إلى الأرض ورضي بالحياة الدنيا، بل رضي أن يعيش ذليلاً حقيراً.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] تصور أن الله تعالى يحب أن نكون صفاً كالملائكة في الصلاة، وأن نكون صفاً في القتال كصفنا في الصلاة ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠]؟
الجواب
﴿ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١١].
هذه بعض الآيات التي إذا سمع المؤمن آية واحدة منها اشتاق إلى لقاء العدو طلباً لمغفرة الله .
стр. 1622
أهمية الجهاد وفضله في السنة النبوية
صنف ابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني كتاباً عظيماً جداً في الجهاد فقال في الباب الأول:
стр. 1623
ما ذكر عن النبي ﷺ أنه ذكر الجنة وحض عقب ذكرها على الجهاد
(ما ذكر عن النبي ﷺ أنه ذكر الجنة وحض عقب ذكرها على الجهاد).
عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: (ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ ألا هل من مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها -أي: لا عوض لها ولا مثيل- هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، ونهر مضطرد، وقصر مشيد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وحلل كثيرة، وزوجة حسناء جميلة في مقام أبداً، في حبرة ونعمة ونضرة، في دار عالية سليمة بهية.
فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله! قال: قولوا: إن شاء الله.
ثم ذكر الجهاد وحض عليه) أي: أنه لا ينال الجنة بهذه الأوصاف إلا رجل آمن بالله وجاهد في سبيل الله .
стр. 1624
بيان أن الجهاد من أفضل الأعمال عند الله
قال: وعن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه سئل: (أي الأعمال خير وأفضل يا رسول الله؟! قال: إيمان بالله ورسوله.
قال: ثم أي؟ قال: ثم جهاد في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حج مبرور).
وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي ذر بدون ذكر الحج.
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي ﷺ : (ساعتان لا تردان -أو قلما تردان- الدعاء عند النداء، وعند البأس).
عند النداء أي: بين الأذان والإقامة.
وعند البأس.
أي: عند التقاء العدو.
(يلحم بعضهم بعضاً).
أي: يلتقي الصفان والمعسكران.
وعن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها.
قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله .
وعن ماعز قال: (سأل رجل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله.
قال: ثم أي عمل يا رسول الله! أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وتصديق بكتابه وجهاد في سبيله).
وفي رواية: (إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله).
وفي رواية: (إيمان بالله وتصديق برسوله وجهاد في سبيله) فهذه أفضل الأعمال.
وعن عبد الله بن حبشي الخثعمي ﵁: (أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه).
والغلول هو: الأخذ من الغنيمة قبل أن يوزعها الإمام، وهي كبيرة من الكبائر وإن غل عوداً من أراك، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].
وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! علمني عملاً يعدل الجهاد) أي: أخبرني بعمل يساوي الجهاد في الفضل.
فقال النبي ﵊: (لا أجده) ليس هناك عمل أفضل من الجهاد.
قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد للقتال أن تدخل أنت في محرابك ومسجدك فتقوم لا تفتر، وتصوم لا تفطر؟ قال: لا أستطيع).
قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله.
يستن: أي: يذهب ويجيء في طوله -أي: الحبل- فرس المجاهد المربوط لا يزال في مربطه يروح ويجيء، فإن هذا الرواح وهذا الغدو لهذا الفرس كله في سبيل الله وفي صحيفة حسنات صاحبه، حتى عدو الفرس وطعامه وبوله وشرابه وروثه كل ذلك في صحيفة حسنات صاحبه.
قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فتكتب له الحسنات.
أي: تكتب لصاحبه الحسنات.
وعن أبي هريرة: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان.
قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).
وعنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم).
القائم الذي لا يفتر، الصائم الذي لا يفطر.
قال: (إن مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم الخاشع الراكع الساجد).
تصور أن المجاهد الذي يجاهد ولو ما بين الأذان والإقامة لا يعدل جهاده إلا رجل يقوم فلا يفتر ولا يمل، ويصوم فلا يفطر.
ومن حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ : (ما يعدل الجهاد في سبيل الله ؟ قال: لا تستطيعوه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعوه، وقال في الثالثة: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد من الجهاد في سبيل الله .
فتصور أن هؤلاء الذين وقفوا على هذه الثغور في بلاد الإسلام، الواحد منهم بوقوفه فقط وأدائه للفرائض فقط مع رباطه في هذا الثغر يساوي منا أن نقوم أعمارنا فلا نفتر، وأن نصوم نهارنا جميعاً فلا نفطر، وهذا يدل على شرف الجهاد في سبيل الله .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله).
وكل حديث من هذه الأحاديث قد ورد بروايات متعددة واللفظ واحد.
стр. 1625
بيان ما أعده الله للمجاهدين في سبيله
قال ﵊ في حديث أبي مالك الأشعري: (إن الله أعد للمجاهدين في سبيل الله مائة درجة -أي: في الجنة- بين كل درجتين ما بين السماء والأرض) ونحن نعلم أنه بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، اضرب خمسمائة عام في مائة فتكون هذه منازل المجاهدين في سبيل الله في جنة عرضها السماوات والأرض.
ومن حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي ﵊: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية) حتى لا تعتقد الأمة بعد ذلك أن الجهاد فرض عين.
(ولكن لا أجد حمولة) أي: لا أجد ما أحمل عليه، وليس عندي ما أحمل الأمة عليه، فمنه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية.
وعن عبد الله بن حبشي: (أن رسول الله ﷺ قيل له: أي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله.
قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعقر جواده) أي: من ذهب دمه وذهب جواده، فهذا أشرف القتل.
وعن أبي فاطمة أنه قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله.
قال: عليك بالجهاد في سبيل الله فإنه لا مثل له).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من مات ولم يغز وليس في نفسه -أي ولم تحدثه نفسه بالغزو- مات على شعبة من شعب النفاق).
وعن أنس بن مالك قال النبي ﵊: (المجاهد في سبيل الله علي ضامن -الله تعالى يضمن من خرج في سبيله- إن قبضته أورثته الجنة، وإن أرجعته أرجعته بأجر وغنيمة).
(إن قبضته) أي: قتل في الجهاد كان من أهل الجنة، وإن رجع إلى أهله رجع بأجر وغنيمة.
وعن الحسن مرسلاً قال النبي ﷺ : (قال ربكم: من خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء وجهي فأنا له ضامن، إن أنا قبضته في وجهه -أي: في قتاله وجهاده هذا- أدخلته الجنة، وإن أنا أرجعته أرجعته بما أصاب من أجر وغنيمة).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (توكل الله -أي تكفل الله- للمجاهد في سبيله أن يدخله الجنة أو يرجعه سالماً بما نال من أجر وغنيمة).
وعن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (ثلاثة كلهم ضامن على الله : رجل خرج غازياً في سبيل فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل ذهب إلى المسجد -أي: لصلاة الجماعة مع الإمام- فهو ضامن على الله حتى يتوفاه -أي في طريقه هذا- فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله .
رجل دخل بيته فألقى السلام على أهل بيته فهو ضامن على الله .
أما المنافق الذي ضمن الله تعالى وتكفل الله تعالى بدخوله النار فسيأتي معنا حديثه بإذن الله تعالى.
وعن أبي مالك الأشعري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله ﵎ قال لمن انتدب خارجاً في سبيله) أي: لمن تبرع بنفسه وخرج للجهاد في سبيل الله ابتغاء وجهه وتصديق وعده وإيماناً برسله (إنه على الله ضامن، فإما أن يتوفاه في الجيش بأي حبس شاء -أي: بأي طريقة مات بها- فيدخله الجنة، وإما أن يسيح -يذهب- في ضمان الله وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله سالماً مع ما نال من أجر وغنيمة، ومن فصل في سبيل الله فمات أو قتل فإنه شهيد، ومن وقصه فرسه أو فصيله أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فإنه شهيد وإن له الجنة).
أي وإن كان السهم قد أتاه وهو نائم على فراشه في أرض الرباط والثغر والقتال فهو شهيد، وإن كان يمشي ويروح ويجيء فانفجرت فيه قنبلة أو لغم أو غير ذلك فهو شهيد، وليس بلازم أن تكون الشهادة حين التحام الصفوف، بل يموت الرجل وهو يكون عند الله شهيداً إذا كان ذلك في ساحة القتال بأي طريق وبأي حتف شاء الله.
وعن أنس قال: (بعث رسول الله ﷺ بسبسة -اسم رجل- عيناً -أي: جاسوساً يستطلع الأخبار- ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت غيري وغير رسول الله ﷺ ، فحدثه الحديث.
قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلم فقال: إن لنا طلِبة -أي: مطلبة- فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا) أي: أن النبي ﵊ يقول لأصحابه في هذه الغزوة حينما استطلع عير أبي سفيان في غزوة بدر قال: (إن لنا طلِبة، من كان جاهزاً وحاضراً الآن فليركب وليتبعني).
قال الناس: (فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة) أي: انتظر يا رسول الله! حتى نأتي
стр. 1626
فضل الإنفاق في سبيل الله وتجهيز المقاتلين
وقال خريم بن فاتك الأسدي: سمعت النبي ﷺ يقول: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف).
تصور لو أنك وضعت جنيهاً واحداً، وهذا على الأقل أن تجاهد بمالك فإذا عجزت عن الجهاد بالنفس فلا أقل أن تجاهد بمالك وإن قل، فلا تحقرن من المعروف شيئاً فإنك ستحتاج في يوم من الأيام إلى أن تكون قد تصدقت ولو بشق تمرة تكون حجاباً وساتراً بينك وبين النار، فما بالك لو أنك تصدقت بفضل مالك لإخوانك المجاهدين هنا وهناك؟ إنسان يتصدق بجنيه يجده سبعمائة حسنة في عشرة في سبعمائة، والله تعالى يضاعف بعد ذلك لمن يشاء!! وقال أبو مسعود البدري: (أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنه قد أبدع بي -أي: انقطع بي السبيل- فاحملني يا رسول الله! قال: اذهب إلى فلان فأقرئه مني السلام وقل له: إن رسول الله ﷺ يقول لك: احملني.
فذهب الرجل إلى ذلك المبعوث فحمله، فقال النبي ﵊: من دل على خير فله مثل أجر عامله) والحديث عند مسلم.
وعن ابن مسعود: (جاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله، فقال له النبي ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة).
إذاً: ما أنفقت من نفقة أجرت بمثلها سبعمائة ضعف، فلا تستقل!! وعن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة حملت فيها على بكر -أي: على جمل صغير- كان أوثق عملي في نفسي) أي: أوثق الأعمال وأحبها إلى نفسي هو غزوي مع الرسول ﵊ على قدر استطاعتي.
وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (ثلاثة حق على الله عونهم) والذي فرض هذا الحق هو الله .
قال: (المجاهد في سبيل الله) أولهم: المجاهد في سبيل الله بإخلاص؛ ولذلك قيدت النصوص كلها الجهاد بأنه في سبيل الله، أما إذا كانت في سبيل الشيطان أو رياء أو سمعة فإنه لا إعانة له.
ثلاثة حق الله عونهم: (المجاهد) وشرطه: في سبيل الله، و (الناكح) شرطه: يريد العفاف، أما الناكح الذي يريد أن يتسلى بأعراض الناس فهذا لا يعينه الله وإنما يفضحه على رءوس الناس؛ لأنه ما ابتغى بهذا العمل وجه الله، ولا حتى ابتغى أن يعف نفسه ولا أن يعف المرأة، وإنما أراد بذلك أن يتلذذ بأعراض الناس، فإذا فرغ من هذه انتقل إلى تلك، وإذا فرغ من تلك انتقل إلى هذه، فهو يجمع امرأة واثنتين وثلاث وأربع ثم يطلق الرابعة ليستبدل مكانها، ثم يطلق هذه المستبدلة ليستبدل بها وغير ذلك، فهذا لا يريد العفاف وإن أراد العفاف أعفه الله وستره، ومن لا يرد العفاف فإن الله تعالى لا يعينه.
وكذلك (المكاتب) وشرط: يريد الأداء.
وهو العبد الذي يكاتب سيده على أن يحصل على العتق من الرق في مقابل مبلغ من المال، فإذا كان هذا المكاتب يريد أداء ما كتب عليه فإن الله تعالى يؤديه عنه، كما قال النبي ﵊: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) أتلفه هو.
ولم يقل: أتلف الله ماله، وإنما قال: (أتلفه الله).
وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال في غزوة بني لحيان: (من رجل يخلف صاحبه؟) في غزوة بني لحيان نادى على بني لحيان وقال لهم: سيخرج نصفكم إلى الجهاد والنصف الآخر لا يخرج، مهمتهم أن يخلفوا المجاهدين بخير في أهليهم وأموالهم وذويهم وأطفالهم.
فقال: (من رجل يخلف صاحبه؟ -من الذي يقوم في أسرة المجاهد خليفة- للقاعد منهما الذي يخلف الغازي في أهله وماله مثل نصف أجره) أي: لو أن مجاهداً قمت أنت خليفة في أهله وماله وولده وعمله وأغنيت المجتمع بما كان يقوم به ذلك المجاهد قبل أن يذهب إلى الجهاد فلك مثل نصف أجر ذلك المجاهد تماماً بتمام وسواء بسواء.
وعن أبي سعيد بلفظ آخر: (أن النبي ﷺ بعث إلى بني لحيان: ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله بخير) وهذا شرط: بخير لا بغش وخداع وتخبيب للمرأة وإفساد لها على زوجها وغير ذلك.
قال: (كان له مثل نصف أجر الخارج).
وعن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: (ما من صاحب إبل ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر) أي: بقاع أملس، كالرخام.
تصور أن عندك أغناماً وأبقاراً ومواشي وإبلاً وغير ذلك، ولا تؤدي زكاتها، فتأتي هذه الأنعام يوم القيامة فتُطرح لها على أرض ملساء كالصفا، ثم تظل هذه الأنعام تطؤك بأظلافها وأظافرها وأرجلها، كلما فرغت أعادت الدورة من جديد.
قال: (ما م
стр. 1627
بيان فضل المجاهد الذي اغبرت قدماه في سبيل الله
عن معاذ بن جبل قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده ما تغبرت قدما عبد قط ولا وجهه في شيء أفضل عند الله بعد الصلاة المفروضة من الجهاد في سبيل الله .
إذاً: فأعظم مشوار تذهب إليه وتغبر فيه قدماك بعد إدراك الصلاة مع الإمام في جماعة هو الجهاد في سبيل الله .
وفي رواية: (والذي نفسي بيده ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله).
وقال ﵊: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار).
وهذه حرمة عظيمة للمجاهد.
وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ مؤمن.
أو قال: مسلم).
لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم، فإما هذا وإما ذاك، فالذي اغبرت قدماه في سبيل الله أو وجهه في سبيل الله حرم الله بدنه على النار.
وعن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (من خرج في سبيل الله فدخل الرهج -الغبار- في جوفه حرم الله جلده على النار).
وعن عائشة زوج النبي ﷺ : (أن مكاتباً دخل عليها ببقية مكاتبته -أي: أنه دخل عليها ببعض المال ليدفع ما تبقى عليه في المكاتبة- فقالت: إنك غير داخل علي بعد مكاتبتك هذه؛ لأنك ستكون حراً فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرمه الله على النار).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : (عجب ربنا من رجلين) والله تعالى يعجب كيف شاء ليس كعجب الخلق.
قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل سار من فراشه ولحافه -أي: انسل من لحافه وفراشه- من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي.
سار من بين لحافه من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله ففر أصحابه، فعلم ما عليه في الفرار -أي: من الوزر- وما له في الرجوع إلى العدو، فرجع حتى أهريق دمه).
عجب ربنا ﵎ من رجل يترك فراشه ويترك زوجه وعروسه ويقوم فينتصب لله قائماً في الليل، ورجل فر مع أصحابه من الجهاد ولكنه راجع نفسه وعلم أن هذا فرار من الزحف، وأنه من أكبر الكبائر فاتقى الله ورجع ليقاتل العدو حتى أريق دمه.
قال: (قال الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي.
رجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي).
وعن عتبة بن عبد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (القتلى في سبيل الله ثلاثة: مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا) قرف أي: اكتسب، رجل مؤمن لكنه عاص بذنوبه.
قال: (رجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل) هو مؤمن صاحب ذنوب ومعاصي وخطايا، لكنه إذا لقي العدو ثبت وقاتل العدو حتى قتل.
قال: (فتمصمصه) أي: تطهره.
إذاً: ليس القتال في سبيل الله هلكة، بل هو مكسب عظيم جداً، فالرجل صاحب الذنوب تمحو الحروب والجهاد خطاياه وذنوبه.
قال النبي ﷺ : (فتمصمصه فمحت ذنوبه وخطاياه.
إن السيف محاء للخطايا) ولم يقل: إن السيف يمحو الخطايا، وإنما قال: (محاء) صيغة مبالغة من المحو، كأن المجاهد لا يبقى عليه في الجهاد والقتل في سبيل الله ذنب قط.
(والثاني: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في خيمة من خيام الله في الجنة لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة).
إذاً: اثنان: مؤمن مذنب وعاص وصاحب خطايا، والسيف محاء لذلك كله، ومؤمن بلا ذنب أو بلا كبيرة، فهذا في الجنة يتلو منزلة الأنبياء والمرسلين مباشرة، ولا تحجبه عنهم إلا درجة النبوة.
قال: (ومنافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق).
وعن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فله الجنة) وفي رواية: (حرمه الله على النار).
وفي رواية: (حرم الله وجهه على النار).
وفواق الناقة هو: المدة الزمنية بين الحلبتين.
وهذا على عادة الناس في الأماكن المختلفة، فالعرب يحلبون نوقهم في كل يوم، أما الفلاحون فإنهم يحلبون نوقهم في كل يوم مرتين: في الصباح مرة وفي المساء مرة، فأياً كان وعلى أقصى تقدير لو أن الواحد قاتل من أول النهار إلى آخره، أو إلى مطلع النهار الثاني في سبيل الله حرم الله وجهه على النار.
وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال
стр. 1628
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من السنة
فرض الله الجهاد على هذه الأمة لحماية حوزة دينها، ولإعلاء كلمة ربها، ولحفظ وصيانة أعراض أفرادها، فأعز الله هذا الدين برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأظهروا أروع المواقف البطولية في التاريخ، فحقق الله لهم النصر والتمكين، مع ما لهم يوم القيامة من أجور جارية ورزق كريم، وكرامات أكرمهم الله وميزهم بها على سائر المؤمنين.
стр. 1629
تابع أهمية الجهاد وفضله في السنة النبوية
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: تتمة لما سبق بالأمس في استكمال بقية الأحاديث الصحيحة في كتاب الجهاد لـ ابن أبي عاصم.
стр. 1630
فضل الحراسة في سبيل الله
قال: عن أبي ريحانة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فسمعته يقول: (حرمت النار على عين بكت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله).
فهاتان عينان حرمت عليهما النار، أو حرمتا على النار.
وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عينان لن تمسهما النار: عين بكت في جوف ليل من خشية الله تعالى) أي: وهو منفرد بربه، وهذا موطن الإخلاص لله .
قال: (وعين باتت تحرس سرية في سبيل الله).
فلو أن الجنود يعلمون قيمة هذا الكلام لما هربوا من الخدمة، ولتسارعوا جميعاً إلى الحراسة في سبيل الله ، وما عليهم إلا أن يصححوا نيتهم، وأن يعلموا أن هذا عمل مشروع في سبيل الله.
وعن أنس كذلك: (عينان لا تمسهما النار: عين باتت تكلأ المسلمين -أي: ترعى وتحرس المسلمين في سبيل الله- وعين بكت في خلاء من خشية الله) أي: في خلوة.
وعن سهل بن الحنظلية: (أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير -أي: تابعوا السير- حتى كان عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل فارس فقال: يا رسول الله! إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم) أي: بقبيلة هوازن قد جاءوا جميعاً.
قال: (بظعنهم -أي: نسائهم- ونعمهم -أي: إبلهم ومواشيهم- وشائهم -جمع شاء- اجتمعوا في وادي حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة للمسلمين غداً إن شاء الله).
أتت هوازن في غزوة حنين، واجتمعوا بنسائهم وإبلهم ومواشيهم وأموالهم في الوادي، ورآهم ذلك الرجل، فقال النبي ﵊: (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله).
وهذا تبشير بالنصر قبل وقوعه.
فقال النبي ﷺ : (من يحرسنا الليلة؟ فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﵊: اركب -أي: اذهب فاحرس- فركب فرساً له، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له الرسول ﷺ : استقبل هذا الشعب) أي: اذهب فاعل هذا الشعب لتحرس من فوق.
قال: (ولا نُغرن من قِبلك الليلة) أي: لا تدع فرصة للعدو أن ينال منا ويصيبنا وأنت نائم، وكأنه يحضه على أن يستيقظ طيلة الليل.
قال: (فلما أصبحت) القائل هنا سهل بن الحنظلية راوي الحديث.
قال: (فلما أصبحت خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال: هل حسستم فارسكم؟) أي: هل أحسستم بفارسكم الذي يحرسكم؟ قال: (فقال رجل: يا رسول الله! ما حسسنا، فثوب بالصلاة -أي: فأقيم لها- فجعل رسول الله ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب حتى قضى صلاته وسلم.
قال: أبشروا.
فقد جاء فارسكم، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله -أي: عند رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب يا رسول الله! كما أمرتني، فلما أصبحنا اطلعت الشعبتين -أي: رأيت الشعبتين كلتيهما- فنظرت فلم أر أحداً) أي: فلما ثوب بالصلاة وقد بدأ نور الفجر رأيت الناس ورأيت أنه لا يمكن أن ينال العدو منا نيلاً.
فقال رسول الله ﷺ : (أنزلت الليلة؟ قال: لا يا رسول الله! ما نزلت إلا مصلياً أو قاضي حاجة) أي: ما تركت مكاني إلا لصلاة الليل وقضاء الحاجة.
فقال له النبي ﷺ : (قد أوجبت) أي: قد وجبت لك الجنة.
وهذا بسبب الحراسة في سبيل الله .
قال: (فلا عليك أن لا تعمل بعد هذا) أي: لا يضرك ما عملت بعد ذلك من معصية، فإن العمل الذي عملته الآن -وهو حراسة المسلمين في سبيل الله- كفارة لذنوبك الماضية والمستقبلة.
وهذا فضل عظيم جداً للحراسة في سبيل الله .
стр. 1631
بيان أن خير الناس المجاهد في سبيل الله
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله) أي: بلجامه وخطامه ورقبته ومقدمته، وهو مستعد ومتأهب للقاء العدو في سبيل الله ، فهذا خير الناس.
ثم قال: (ألا أخبركم بالذي يليه؟ -أي: في الخير والفضل رجل معتزل في غنيمة) رجل قد اعتزل الناس في غنم يرعاها (وأخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله ولا يعطى به).
أي: دائماً يحلف بالله في سؤاله: بالله عليك يا فلان أعطني، والمسئول لا يعطي ولا يراعي حرمة هذا القسم، مع حرمة السؤال أو كراهة السؤال بوجه الله ، فكلاهما قد وقعا في الإثم.
أما قوله ﵊: (ألا أخبركم بالذي يليه؟ رجل معتزل في غنيمة) فهذا عند عموم الشر وطغيانه؛ فيكون خير ما للمرء غنيمات يتبع بها شعف الجبال، وهذا في آخر الزمان.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خرج عليهم وهم جلوس فقال: (ألا أخبركم بخير الناس؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: رجل ممسك برأس فرسه في سبيل الله حتى يُقتل أو يموت) فذكر نحو الحديث السابق.
وعن ابن عباس كذلك قال: خطب رسول الله ﷺ يوم تبوك فقال: (ما في الناس مثل رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله، ويجتنب شرور الناس، ومثل آخر باد أو بادي -أي: في البادية- في غنمه نعمة يقري ضيفه -أي يكرم ضيفه- ويعطيه حقه).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أخبركم بخير الناس منزلة؟ رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله .
стр. 1632
بيان أن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال وعدم الرجوع بهما أفضل من العمل الصالح في العشر الأوائل من ذي الحجة
وعن ابن عباس قال النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام.
يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة) ليس هناك عمل أحب إلى الله من العمل الصالح في هذه العشرة الأيام.
وهناك تعارض بينها وبين العشر الأواخر من رمضان؛ لعموم الأدلة هنا وهناك، وقد ربط ابن تيمية عليه رحمة الله بين أحاديث الخيرية في أيام العشر الأول من ذي الحجة، وفي العشر الأواخر من رمضان بأن الأيام في ذي الحجة خير من الأيام في رمضان، وأن الليالي في رمضان خير من الليالي في ذي الحجة.
قال: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام.
يعني: عشر ذي الحجة.
قيل: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج بماله ونفسه، ثم لم يرجع من ذلك بشيء)، فالجهاد مع عدم رجوع المرء لا بنفسه ولا بماله يعدل العمل الصالح في عشر ذي الحجة.
стр. 1633
بلوغ الشهداء الفردوس الأعلى
عن أنس: أن حارثة بن الربيع جاء يوم بدر نظاراً حارساً، فجاء سهم فقتله فقالت أمه التي هي الربيع: (يا رسول الله قد علمت مكان حارثة مني -هو ولدها فلذة كبدها- فإن كان في الجنة فسأصبر وإلا فسترى ما أصنع) أي كأنها تقول: وإن لم يكن في الجنة فسأولول وأبكي وأدعو بدعوى الجاهلية وأنوح عليه وغير ذلك فقال النبي ﵊: (يا أم حارثة إنها ليست بجنة واحدة إنها جنان وهو في الفردوس الأعلى، فقالت: سوف أصبر) ما دام له عند الله هذه المنزلة فسأصبر على فراق هذا الولد.
стр. 1634
فضل الرمي في سبيل الله
عن عبد الله بن الزبير قال: (كنت أنا وعمر بن أبي سلمة) وهو ربيب النبي ﷺ -أي: تربى في حجره؛ لأنه ﵊ كان زوجاً لـ أم سلمة ﵂ في الأطم -أي: الحصون- فيطأطئ لي، فأعلو ظهره).
عبد الله بن الزبير يقول: أنا وعمر كنا نتناوب في الحصون النظر إلى العدو أو إلى الجيش، فكان مرة يطأطئ لي فأصعد على ظهره، ومرة أطأطئ له فيصعد على ظهري.
قال: (فرأيت أبي وهو يجول) أي: يذهب ويجيء في معسكر العدو، ويحمل على هؤلاء مرة وعلى هؤلاء مرة، وكأن جيش العدو كان على ميمنة وميسرة، فهو يحمل على الميمنة وعلى الميسرة وحده.
قال: (فلما رجع قلت: يا أبه! لقد رأيتك اليوم.
قال: وقد رأيتني؟ لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: إيه فداك أبي وأمي) النبي ﵊ لم يجمع أبويه قط إلا للزبير بن العوام ولـ سعد بن أبي وقاص.
قال لـ سعد: (ارم فداك أبي وأمي) وقال للزبير بن العوام: (إيه فداك أبي وأمي) وهي كلمة تعجب أو غير ذلك.
وعن عتبة بن عبد السلمي قال: (أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالقتال قال: فرمى رجل بسهم فقال النبي ﷺ : أوجب هذا) أي: بمجرد أنه يرمي ولو بسهم واحد وجبت له الجنة.
وهذا يدل على شرف الجهاد خاصة الطويل منه، إنسان يرابط حياته كلها لله ، أو يحرس في سبيل الله، أو يرمي في سبيل الله، أو يجاهد في سبيل الله بالليل والنهار، فإذا كان الذي يضرب بسهم واحد في سبيل الله قد وجبت له الجنة فما بالك بمن رمى بأسهم كثيرة؟ وعن شرحبيل بن السند أنه قال لـ عمرو بن عبسة ﵁: يا عمرو! حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ .
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أو لم يبلغ كان له عدل رقبة).
قوله: (في سبيل الله) أي: ليس فيه رياء ولا سمعة، ولا أشر ولا بطر، وإنما فعل ذلك ابتغاء وجه الله وإعلاءً لكلمة الله ، والإخلاص عليه مدار العمل، وكذا اتباع السنة.
قال: من فعل ذلك ولو مرة واحدة فهو كمن أعتق رقبة في سبيل الله .
وعن أبي نجيح السلمي قال: (حاصرنا مع رسول الله ﷺ قصر الطائف.
قال: فسمعت الرسول ﷺ يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ فله درجة في الجنة) أي: فبلغ العدو وأصابه فله درجة في الجنة.
قال رجل: (يا نبي الله! إن رميت فبلغت فلي درجة؟ قال: نعم.
فبلغ يومئذ ستة عشر سهماً) أي: أن الرجل حرص أن يكون له في الجنة أعلى الدرجات فحصل من المائة درجة ستة عشر درجة بستة عشر سهماً.
قال: وسمعت النبي ﷺ يقول: (من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر) أي: عدل رقبة حررها سيدها.
стр. 1635
فضل الشيب في الإٍسلام
وعن أبي شيبة قال: قلت لـ عمرو بن عبسة: حدثنا حديثاً ليس فيه وهم ولا نسيان.
وعمرو صحابي، وأبو شيبة تابعي.
وهذا يدل على جواز الوهم والنسيان على الصحابة، كيف لا والنسيان وارد في حق الأنبياء، وهذا لا يؤثر في درجة النبوة ولا في منزلتها، فإن الأنبياء لم ينسوا شيئاً من الوحي ابتداء، ً وأما نسيانهم فبعد البلاغ والبيان.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خرجت له شعرة بيضاء في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة).
من خرجت له شعرة بيضاء في بدنه أو في شعره أو لحيته كانت له نوراً يوم القيامة، وهذا تحذير لمن خرجت له شعرة بيضاء أن يصبغها بالسواد، فهذا منهي عنه، أو شاب يريد أن يظهر الوقار فيصبغ شعره ببياض ليدل على كبر السن وحسن المنزلة وغير ذلك، ويصرف وجوه الناس إليه، فلا الصبغ للشباب بالبياض جائز ولا الصبغ بالسواد للشيب جائز، كلاهما قد نهى عنه الشرع، كما أن الشعر الأبيض نور يوم القيامة، فمن يريد أن يحرم نفسه هذا النور؟ وبعض الإخوة حينما يرى في لحيته شعرة بيضاء يقوم بأخذها، ويقول: ليكن شعري أسود دائماً.
هذا لاشك مخالفة للشرع.
قال: (ومن رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب كانت له عتق رقبة من ولد إسماعيل) أي: رقبة مؤمنة.
وعن عمرو بن عبسة عن النبي ﷺ قال: (من شاب شيباً في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن أصابته شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة).
وعن فضالة بن عبيد: أن رسول الله ﷺ قال: (من شاب شيباً في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، فقال رجل: إن رجالاً ينتفون الشيب يا رسول الله! قال: من شاء أن ينتف شيبه -أو قال: نوره- فليفعل).
وهذا ليس على سبيل التخيير كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وإنما هو وعيد وتهديد.
стр. 1636
فضل الصيام حال الجهاد في سبيل الله
وعن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام) يوم واحد في سبيل الله.
وفي رواية: (سبعين خريفاً).
وفي رواية: (مائة خريف).
وقد جمع العلماء بين ذلك في الفرض والنافلة، قالوا: الأحاديث التي وردت بالمباعدة بين الصائم وبين جهنم مسيرة مائة عام محمولة على من صام فرضاً في سبيل الله، وأما التي تقضي بسبعين خريفاً فهي في النوافل.
وعن عمرو بن عبسة: سمعت النبي ﷺ يقول: (من صام يوماً في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفاً) وقد تقدم وجه الجمع بين الروايتين.
стр. 1637
كرامات الشهداء
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مجروح يجرح في سبيل الله) القيد: (في سبيل الله) أي: ابتغى بالجهاد وجه الله.
قال: (إلا بعثه الله -أي: يوم القيامة- وجرحه يثعب دماً -أي: يجري وينضح- اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
وهذه كرامة للشهيد، فإنه لا يغسل ويدفن في ملابسه، ثم يبعث على حاله التي مات عليها، جرحه يثعب دماً، اللون لون الدم أحمر، والريح ريح المسك.
وعن عبد الله بن ثعلبة قال: (وكان رسول الله ﷺ قد مسح وجهه وقال لقتلى أحد الذين قتلوا في الله ووجدوهم مثلوا بهم).
أي: قطع بعض أعضائهم كالأنف والفم والأذن وخرقت أعينهم وغير ذلك.
فقال النبي ﵊ حينما رآهم على هذا النحو: (زملوهم بجراحهم -أي: غطوهم وهم بجراحهم- ولا تغسلوهم فإنه ليس كلم -أي: جرح- يكلم في الله إلا أتى الله يوم القيامة لونه لون الدم وريحه ريح المسك).
وقال ﵊: (كل كلم -أي: كل جرح- يكلم في سبيل الله تكون كهيئتها يوم طعنت) أي: يبعث على نفس الحال التي مات عليها، إذا كان مقاتلاً في سبيل الله ومات في القتال بعث على نحو ما مات، وإذا كان محرماً ومات في إحرامه بعث في إحرامه ملبياً، فيبعث المرء على ما مات عليه.
قال: (تتفجر دماً.
اللون لون الدم والعرف عرف المسك)، أي: الرائحة رائحة المسك.
وعن جندب -وهو ابن عبد الله البجلي - قال: (كنا مع النبي ﷺ في غارة فنكبت إصبعه -أي جندب - فقال: هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ يخاطبها) وسيأتي معنا بأطول من ذلك بإذن الله.
стр. 1638
فضل من سأل الله الشهادة بصدق
عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قال: (من سأل الله الشهادة صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد).
قال: (من سأل الله تعالى الشهادة صادقاً) وهذا شرط وقيد، وقال في رواية: (من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله تعالى منازل الشهداء وإن مات على فراشه) وإن كان هذا نص حديث فيه نظر، لكن هذا المعنى تشهد له بقية الأحاديث، وسيأتي بعضه بإذن الله.
وعن أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: (من سأل الله القتل في سبيله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل فله أجر شهيد).
وعن أنس قال النبي ﷺ : (من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه أعطيها ولو لم تصبه) أي: أعطي أجر الشهيد وإن لم يقتل في الجهاد.
وفي رواية: (من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) وهذا المعنى كما قلنا تشهد له الروايات المتقدمة، وهناك روايات أخرى أعرضنا عنها.
стр. 1639
خفة ويسر ما يجده الشهيد من ألم القتل
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يجد القتيل مس القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة) وهذه بشارة عظيمة جداً، فنحن نرى الرجل يضرب بالنار أو بالصاروخ أو بالطائرة أو بالقنابل أو غير ذلك، فيقطع مئات وآلاف القطع في الهواء والسماء، فنشفق عليه أيما إشفاق، وهو في حقيقة الأمر لم يشعر بذلك، وهذه كرامة من الله وخاصية للشهيد، لا يجد في وقت قتله وضربه من الألم إلا كما يشعر أحدنا بالقرصة، أو بوخزة الإبرة، أو غير ذلك، وهذه بشارة عظيمة تبعث النفوس على حب الجهاد والقتال.
وعن جابر بن عبد الله قال: حينما قُتل أبي يوم أحد قال لي رسول الله ﷺ : (يا جابر! ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: وما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب إلا أباك، كلم الله أباك كفاحاً -أي مواجهة- فقال: يا عبد الله! تمن علي أعطك) أي: اطلب ما شئت، وإذا تمنيت أعطيتك ما تمنيت.
قال: (فقال: يا رب! فردني -أي: إلى الدنيا- فأُقتل فيك ثانية)؛ لأنه وجد حلاوة القتال وحلاوة أن يُصرع المشركون بين يديه، ثم إنه لو قُتل لا يجد مس القتل، وهذا مكسب عظيم بغير أدنى خسارة ولا ألم.
قال: (يا رب! فردني فأُقتل فيك ثانية، فقال الله : سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.
قال: يا رب! فأخبر من ورائي -أي: بما نحن فيه من نعيم- فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]).
وهذا الحديث فيه إثبات صفة من صفات الله وهي صفة الكلام، وأن الله تعالى يتكلم بما شاء وكيف يشاء في أي وقت شاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] أما كيفية الكلام فنحن لا نعلمها، وأما معنى الكلام والعلم به فذلك معلوم يقيناً، والسلف ﵃ ليس من منهجهم ولا من عقيدتهم تفويض العلم ولا تفويض المعنى، وإنما منهجهم تفويض الكيف.
وعن أنس بن مالك قال: (لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا: يا ليت لنا من يخبر إخواننا بالذي صرنا إليه من كرامة الله.
قال: فأوحى ربهم جل ثناؤه إليهم: أني رسولكم إلى إخوانكم بما أحببتم.
قال: فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]).
стр. 1640
بيان ما أعده الله للشهيد في الجنة
عن ابن مسعود حدث: أن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسبح في الجنة، أو تطير في الجنة كما ثبتت بذلك الروايات.
وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (الشهداء ببارق نهر بباب الجنة -أي: بجانب نهر بباب الجنة- في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم غدوة وعشية).
وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: (إن للشهيد عند الله سبع خصال) سبع كرامات وخلال للشهيد عند الله ، وهذا ليس على سبيل الحصر، فإن للشهيد عند الله أكثر مما في هذا الحديث مما بينته بعض النصوص الأخرى.
قال: (أول خطوة يغفر له عند أول دفعة من دمه -يغفر له الكبائر والصغائر عند أول دفعة من دمه- ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين ثنتين وسبعين زوجة) وهذا العدد الهائل من الحور العين ليس إلا للشهيد، وأما بقية المسلمين فإنه كل مسلم يتزوج باثنتين فقط.
قال: (ويجار من فتنة القبر -يأمن فتنة القبر- ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة الواحدة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).
أرأيتم هذه الكرامات هذه؟ وهناك كرامات أخرى للشهيد.
وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (إن للجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنها وسط الجنة وأعلاها، وفوقها عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).
وعند أبي داود: أن رجلاً سمع ولده يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني! إني سمعت النبي ﷺ يقول: (سيأتي أقوام يعتدون في الدعاء والطهور، إذا سألت الله فاسأله الفردوس الأعلى) فمن دناءة الهمم أن تسمع رجلاً أحياناً يقول: يا رب! أدخلني الجنة وإن كنت آخر الناس دخولاً الجنة، أي أنك رضيت لنفسك أن تكون آخر الناس دخولاً الجنة، ورضيت لنفسك أن تدخل النار فتمكث فيها ما شاء الله أن تمكث حتى تكون أنت آخر الموحدين خروجاً منها ودخولاً الجنة، فهذه همة دنيئة جداً، لماذا لا تقول: اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى، منازل الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً؟ أصحاب المنازل العليا في جنة عرضها السماوات والأرض، وفوقها عرش الرحمن.
وعن أبي أمامة قال: قال النبي ﷺ : (بينما أنا نائم أتاني رجل فأخذ بضبعه -أي: بعضده- من هاهنا، ثم أشرف بي شرفاً آخر -أي: صعد بي مكاناً عالياً- فإذا ثلاثة نفر يشربون من خمر لهم) يشربون من خمر الجنة، أما من شرب خمر الدنيا حُرمها في الآخرة، وخمر الآخرة لا سكر فيها ولا مضرة.
قال: (فإذا ثلاثة نفر يشربون من خمر لهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: جعفر وزيد وابن رواحة) وهؤلاء استشهدوا في غزوة مؤتة على هذا التتابع.
وعن أنس: قال النبي ﷺ : (ما من نفس لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا فتقتل إلا الشهيد) أي: كل واحد يموت، ويرى مقعده من الجنة، وتطمئن نفسه، ويتمنى ألا يرجع إلى الدنيا قط إلا الشهيد (يتمنى أن يرجع فيقاتل فيقتل، ثم يرجع فيقاتل فيقتل) لما له من خير عظيم، وهذا لا يكون إلا بفضل الشهادة في سبيل الله.
قال: (لما يرى من فضل الشهادة) أي: في سبيل الله .
وعن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: (ما من أهل الجنة أحد يسره أن يرجع إلى الدنيا وله عشرة أمثالها إلا الشهيد، فإنه ود لو أنه رُد إلى الدنيا فقتل شهيداً عشر مرات لما يرى من الفضل).
إن شباب اليوم لو وضعوا في الصحراء، وكان معهم رجل صادق مع الله ، يعظهم ويذكرهم بالله، ويبين لهم فضل الجهاد وفضل الإقدام وخطورة الإحجام، فإن هذا الشباب سيأكل الأرض أكلاً، ولو أنهم ذهبوا إلى فلسطين فبصقوا على اليهود لأغرقوهم في البصاق.
جيش من الشباب يحرص على الموت حرص اليهود على الحياة، فاليهود يريدون الحياة وإن كانت مهينة، أما المسلم فالأصل فيه أن يعيش عزيزاً كريماً، وأن يموت على هذا النحو كذلك.
ولو فتح باب الجهاد لأتوا الملايين من الشباب من كل بلد عربي وإسلامي، فلِم لا تسمح حكومتنا بذلك؟ وإذا أرادت التخلص من الشباب فإن الجهاد فرصة للتخلص منهم، فلماذا لا يتخلصون منا؟ ألم نزعجهم؟ فنحن بهذه اللحى غصة في حلوق كثير من الطوائف، فلماذا لا يتخلصوا منا بهذه الطريقة؟ فنحن نريد أن ننال فضل الشهادة، وأنتم أيها الحكام! ستتخلصون منا ومن اليهود في وقت واحد، وستتفرغون للأجيال القاد
стр. 1641
بشارة النبي ﷺ لثابت بن قيس بالشهادة والجنة
وعن موسى بن أنس -وهو ابن أنس بن مالك - قال: لما كان حين انكشف الناس يوم اليمامة فقال أنس بن مالك: فأتيت ثابت بن قيس -وهو ابن شماس هذا الرجل الذي كان جهوري الصوت- وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط.
أي: يضع الحنوط في بدنه وثوبه كأنه يتجهز للموت، ويعد كفنه قبل الدخول في المعركة.
قال: فقلت: يا عم! ما يحبسك ألا تجيء؟ فقال: يا ابن أخي! الآن -أي: سآتيك الآن- اذهب وأنا وراءك.
قال: وجعل يتحنط ثم جاء فجلس فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم.
كأنه يدفع الناس عن وجهه يمنة ويسرة حتى يخلص للعدو.
قال: ما هكذا كنا نقاتل مع النبي ﷺ لبئس ما عودتم أقرانكم.
إن أنس بن مالك كان في زمن النبوة صغيراً، فكان إذا شارك في القتال يصنع الطعام أو يجمع العتاد أو يأتي بالسيوف من هنا أو هناك، ولا يشارك مشاركة فعلية في القتال؛ لأنه كان صغيراً، والنبي ﷺ ما كان يجيز أحداً من أصحابه إلا إذا بلغ (١٥) عاماً، ومرة أجاز من عمره (١٤) عاماً بشرط أن يكون في مؤخرة الجيش لا في مقدمته، فـ ثابت بن قيس لم يعجبه الذي كان من أنس بن مالك، فكيف لو أن ثابت بن قيس رأى حالنا الآن.
هل سيعجبه حالنا؟ فيضرب ثابت أنس في صدره ويقول له: ارجع حتى أصل إلى هؤلاء القوم، لبئس ما عودتم أقرانكم، كان قتالنا مع الرسول ﵊ أن نخلص إلى القوم في جرأة وشجاعة.
قال: ثم قاتل حتى قتل.
ألم يبشر النبي ﷺ هذا بالجنة؟ نعم.
وذلك حينما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] وكان جهوري الصوت فظن أن الآية نزلت في حقه، قال: أنا من أهل النار وقد حبط عملي، فلما وصل الخبر إلى النبي ﵊ قال: (ائتني به وبشره بالجنة) فلما أتى ثابت إلى النبي ﷺ قام النبي ﷺ إليه يجر إزاره ويقول: (مرحباً برجل يزعم أنه من أهل النار وأنا أزعم أنه من أهل الجنة).
هذا هو ثابت بن قيس بن شماس.
عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس، فأرسلوني إلى ابنته.
فسألتها فقالت: سمعت أبي يقول -وفي هذا جواز أخذ العلم عن النساء- قالت: سمعت أبي يقول: (لما أنزل الله على رسوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] اشتد على ثابت وغلق عليه بابه وطفق يبكي، فأُخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه، فسأله بما كبر عليه منها؟ فقال: أنا رجل أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي، فظن أن هذا هو محبط للعمل، فقال النبي ﷺ : إنك لست منهم بل تعيش بخير، وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة) وهذا شرف عظيم.
قالت: (فلما أنزل الله على رسوله: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات:٢] فعل مثل ذلك، فأُخبر الرسول ﷺ فبشره بالجنة، فقال النبي ﷺ : (إنك لست منهم بل تعيش بخير، وتقتل شهيداً، ويدخلك الله الجنة).
فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب؛ سار ثابت بن قيس فيمن سار، فلما لقوا مسيلمة -وقد كان بنو حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات- قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، فحفرا لأنفسهما حفيرة كالخندق صغير، ودخلا يقاتلان من خلالهما حتى قتلا).
ونظام الخنادق معروف في الجيش إلى الآن.
стр. 1642
قصة استشهاد أنس بن النضر يوم أحد
وعن أنس: (أن أنس بن النضر تغيب عن قتال بدر، فقال: تغيبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ ، والله لئن أراني الله قتالاً ليرين الله ما أصنع.
قال: فلما كان يوم أحد انهزم أصحاب رسول الله ﷺ ، فأقبل وأقبل سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو! إني أجد ريح الجنة دون أحد.
فقاتل حتى قتل، فقال سعد: والله يا رسول الله! ما أطقت ما أطاق -أي: أنه بذل مجهوداً في الحرب والقتال لا أطيقه أنا- فقالت أخته: والله ما عرفت أخي إلا ببنانه.
ووجد فيه بضع وثمانون جراحة ما بين ضربة بالسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح) كل هذا في مقابل أحدنا حينما يأخذ حقنة ثم ينام، وصار له حق في ذمة المسلمين أن يعودوه؛ لأنه مريض بسبب إبرة، وهذا الرجل به فوق الثمانين جراحة وهي ضربة بسيف أو طعنة برمح.
قال: (فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]).
وعن أنس بن النضر: غاب عن قتال بدر فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -أي: المشركين- وسل سيفه وظل يقاتل حتى قتل.
стр. 1643
بيان فضل القتل في سبيل الله ولو في غير معركة
وعن نعيم بن همار: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: أي الشهداء أفضل؟ قال: الذين يلقاهم القوم في الصف فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى -أي: يتمرغون ويتنعمون في الغرف العلى من الجنة- يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه) هذا أفضل الشهداء.
وعن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قيل له: (يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهداء؟ فقال النبي ﵊: كفى ببارقة السيف على رأسه فتنة).
أي: بلمعان السيف، في ضوء القمر وضوء الشمس فوق رأسه كفى بها فتنة، فاستعاض الله بفتنة القبر للشهيد فتنة هذا السيف ثم ثبته الله في الفتنة.
وعن عقبة بن عامر: قال النبي ﵊: (من صرع عن دابته في سبيل الله فهو شهيد).
أي: الذي يقع عن دابته في القتال فهو شهيد، وقيده: (في سبيل الله) حتى وإن لم يشارك في القتال، وإن لم يكن هذا الموت بأيدي الأعداء.
وعن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن قتلت في سبيل الله؟ -كأنه قال: ما لي؟ - قال النبي ﷺ : لك الجنة.
فلما ولى قال: لا إلا الدين.
سارني به جبريل).
إذاً: الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين، كما جاء في روايات كثيرة.
عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: اختلف عامر ومرحب، وعامر هو ابن الأكوع، وهو أخو سلمة، ومرحب هو ابن ملك خيبر اليهودي، وعائلة الأكوع كلها كانت قوية أبدانهم.
ذكر أن سلمة بن الأكوع حينما دخل الكوفة قال له رجل من أهل الكوفة: ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ لأقبلها.
قال: فلما وضعها في يدي كأنها خف بعير، وكان سلمة بن الأكوع يغزو أمام المسلمين وكان في مقدمة الجيش لوحده، وكان يجري بفرسه أولاً، وذات مرة تعثر فرسه فجرى على قدميه خلف العدو، وكلما أدرك رجلاً ضربه على قفاه فخر ميتاً، وهو يقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فعن إياس بن سلمة بن الأكوع قال: قال أبوه: (اختلف عامر ومرحب ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، فرجع السيف على ساقه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه، قال سلمة: فلقيت من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: بطل عمل عامر.
قتل نفسه، فشق ذلك علي، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ قال: من قال ذلك؟ قال: يقول ذلك أصحابك.
قال: كذبوا بل له أجره مرتين) إذاً: هو لم يقتل نفسه، وإنما حينما انطلق السيف من يد مرحب وقع في ترس عامر، فأصاب يد عامر في الأكحل الذي نسميه عرق الشريان.
стр. 1644
الإخلاص شرط في جهاد أعداء الله
وعن أبي موسى قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ليقال: عنه شجاع، ويقاتل حمية -عصبية جاهلية- ويقاتل رياء وسمعة، أي ذلك في سبيل الله؟)، فالنبي ﷺ استبعد الثلاثة وقال له: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) إذاً: فالإخلاص شرط.
وعن أبي موسى: (أن شيخاً أتى رسول الله ﷺ متوكئاً على عصا، فقال: يا رسول الله! ما الجهاد في سبيل الله؟ فإن الرجل يقاتل ليذكر، ويجاهد ليغنم، ويجاهد لكذا وكذا، فقال النبي ﵊: من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) هذا هو الجهاد، أن تقاتل بنية رفع راية التوحيد.
стр. 1645
وصف شجاعة النبي ﷺ في القتال
وعن البراء بن عازب قال: (وكان إذا احمر البأس يتقى به) أي: كان إذا احمر البأس وحمي الوطيس واشتدت الحرب احتموا بالنبي ﵊.
قال: (وإن الشجاع الذي يحاذى به).
فـ البراء بن عازب هنا يصف النبي ﷺ بأنه شجاع، بدليل أنه كان إذا حمي الوطيس احتموا بالنبي ﵊، ولا يحتمى إلا بالشجاع.
وهذا قد ورد عن علي بن أبي طالب أنه قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ -أي: نلجأ ونحتمي- برسول الله ﷺ وهو من أقربنا إلى العدو) أي: أنه لا يرجع إلى الخلف ولا يهرب.
ومعنى هذا: بأنه كان أشجع الناس، فقد كان النبي ﷺ إذا سمع نفيراً أو صوتاً غير عادي بالليل انطلق تجاهه، وذات مرة تبعه الصحابة، فوجدوا النبي ﷺ قد رجع من جهة الصوت يقول: (لا عليكم لا عليكم).
عن البراء: (أن رجلاً قال له: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ قال البراء: لكن رسول الله لم يفر.
إن هوازن كانوا قوماً رماة، وإنما حينما حملنا عليهم انهزموا، وإن القوم أقبلوا على الغنائم، فلقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلة بيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب).
وأنتم تعلمون أن التعبيد في أسماء الله تعالى الحسنى لا يكون إلا بالثابت منها، وليس من أسماء الله المطلب، فما بال النبي ﷺ يقر ذلك فيقول: أنا ابن عبد المطلب؟
الجواب
أن ذلك كان في الجاهلية قبل ميلاد النبي ﷺ وقبل مبعثه من باب أولى، فأقر النبي ﵊ على ما كان واقعاً ومعروفاً أنه ابن عبد المطلب سواء كان خطأ أو صواباً، لكنه ليس من فعل النبي ﷺ ، وإنما أراد أن يقرر واقعاً وأنه ابن المعروف بعبد المطلب.
وذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يجوز التعبيد لله إلا بالثابت من أسمائه إلا عبد المطلب للنبي ﵊ لا لغيره.
стр. 1646
خبر غزوة مؤتة واستشهاد قادتها الثلاثة
عن ابن عمر قال: (أمر النبي ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال: إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة) قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدنا بما أقبل جسده بضعاً وتسعين ما بين رمية وطعنة.
وعن أنس قال: حضرت حرباً فقال ابن رواحة: يا نفس ما لي أراكِ تكرهين الجنة أقسمت بالله لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه فهو يؤدب نفسه ويقول لها: تخوضين الحرب وأنتِ طائعة أو لأنزلنكِ كارهة.
لا يكره الآخرين إنما يكره نفسه.
قال: وأما جعفر بن أبي طالب حين قتل دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة! وهو في جانب المعسكر ومعه ضلع جمل ينهشه -أي: يأكل فيه ولم يكن ذاق طعاماً قبل ذلك بثلاث، فرمى بالضلع ثم قال: وأنت مع الدنيا! يؤدب بهذا نفسه! ثم تقدم فقاتل فأصيبت إصبعه، فارتجز فجعل يقول: هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ يا نفس إلا تقتلي تموتِ هذا حياض الموت قد صليتِ وما تمنيتِ فقد لقيتِ إن تفعلي فعلهما هديتِ وإن تأخرتِ فقد شقيتِ أي: لا بد أن تتقدمي وتفعلي ما فعل الصاحبان، ثم قال: يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة إلى فلانة امرأته إنها طالقة، وإلى فلان وفلان -أي: من غلمانه والعبيد- فهم أحرار، وإلى معجف -اسم حائط له بستان- قال: هو لله ولرسوله، وهكذا تخلص من كل متاع، فبستانه وهبه لله ورسوله، والعبيد حررهم، والنساء طلقهن، فما الذي بقي؟ فقال: يا نفس ما لكِ تكرهين الجنة أقسم بالله لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة قد أجلب الناس وشدوا الرنة شدوا الرنة.
أي: بدأوا القتال.
ثم قاتل حتى قتل.
وعن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة معتمراً قبل الفتح، وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهب الخليل عن خليله يقول ذلك مع أن النبي ﷺ كان داخلاً مكة معتمراً لا مقاتلاً، وكأن ابن رواحة يحث الناس ويقول: أبعدوا الكفار من طريق الرسول ﷺ ، وإلا لنقاتلنهم مقاتلة تذهب الخليل عن، خليله وتزيل الهام عن مقيله.
стр. 1647
الجهاد والنية الصالحة فيه باقية إلى يوم القيامة
عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) أي لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار الإسلام إلى قيام الساعة، فلا هجرة منها بعد الفتح.
قال: (ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا).
(لا هجرة بعد الفتح)، إذاً لا يمكن في يوم من الأيام أن تكون مكة دار كفر، فهي دار إيمان وإسلام إلى قيام الساعة تماماً (ولكن جهاد ونية)، وهذا يدل على أن الجهاد فريضة ماضية في الأمة إلى قيام الساعة، فهو جهاد مستمر، وكما أنه لا هجرة أبداً من مكة فكذلك الجهاد والنية الصالحة فيه باقية إلى قيام الساعة.
ثم قال: (إذا استنفرتم -إلى الجهاد وحسن النية- فانفروا).
وقال النبي ﵊ في أثناء رجوعه من غزوة تبوك: (إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم شاركوكم الأجر.
قالوا: يا رسول الله! بالمدينة شاركونا الأجر؟ قال: نعم.
حبسهم العذر).
إذاً: قوله: (ولكن جهاد ونية) ولكن جهاد حقيقي ومشاركة فعلية أو نية الجهاد.
قال: (من لم يغز أو لم تحدثه نفسه بالغزو فمات مات على شعبة نفاق).
стр. 1648
عظم التولي والفرار يوم الزحف
عن أبي أيوب: (أن رسول الله ﷺ ذكر الكبائر فقيل: وما الكبائر يا رسول الله؟! قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وفرار يوم الزحف).
وفي رواية: أنه قال: (الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف).
وفي حديث أبي هريرة: (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: المهلكات التي إذا اجتمعت على صاحبها أهلكته أو واحدة منها.
قالوا: (يا رسول الله! وما هن؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات -أي: الحرائر العفيفات- المؤمنات الغافلات).
والشاهد منه: (والتولي يوم الزحف) أي: يوم لقاء العدو.
وعن سهل بن أبي حثمة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (الكبائر سبع: الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والتعرض بعد الهجرة).
قوله: (التعرض بعد الهجرة) أي: بعد أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإيمان يرجع مرة أخرى إلى دار الكفر فيسكن البادية أو غير ذلك.
والتعرض أي: أن يصير مع العرب في البادية بعد أن هاجر.
стр. 1649
خبر الغزو في البحر وغزوة الهند والغزو مع المسيح عيسى وتبشير الغازين فيهن بالجنة
وعن أم حرام قالت: (كان رسول الله ﷺ في بيتي إذ استيقظ وهو يضحك، فقلت: بأبي أنت وأمي.
ما يضحكك يا رسول الله؟! فقال: عُرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة -وهذا فيه بيان جواز الغزو في البحر- فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعلها -أي: أم حرام - منهم، ثم نام فاستيقظ فذكر مثله ثانياً وثالثاً).
وعن عمرو بن الأسود: أنه حدثه: أنه أتى عبادة بن الصامت وهو في ساحل حمص في بناء له، ومعه امرأته أم حرام، فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول جيش من أمتي يغزو هذا البحر قد أوجبوا) أي: قد وجب دخولهم الجنة.
قالت أم حرام: (يا رسول الله! وأنا فيهم؟ قال: نعم.
وأنت فيهم).
قال أبو بكر: لا أعلم بالشام إسناداً يشبه هذا.
أي: في قوته وحسن سياقته.
وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار -أي حفظهما الله تعالى وعصمهما من النار- عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى بن مريم) صلى الله على محمد وعلى عيسى.
قوله: (عصابة تغزو الهند) هذه العصابة مع المهدي؛ لأن المهدي المنتظر هو الذي يفتح الهند حتى لا تجد فيها عابد بقر، فيدخلون في الإسلام كافة على يد المهدي المنتظر.
والعصابة الثانية: في أرض الشام مع عيسى بن مريم، يكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، ويدعون بدعوة النبي محمد ﵊.
فهاتان العصابتان: عصابة تذهب إلى الهند، وعصابة تبقى في أرض الشام كلاهما يدعو بدعوة النبي ﵊، فهما محفوظتان من النار بإذن الله تعالى.
وعن أبي هريرة قال: (وعدنا الله ورسوله غزوة الهند فإن أدركها أنفق فيها نفسي ومالي).
أي: أتمنى لو أدرك هذه الحرب وهذه الغزوة، ولو كان ذلك لأنفقت فيها نفسي ومالي.
قال: (فإن قتلت كنت كأفضل الشهداء) وهذا يدل على أن من مات في هذه الغزوة كان أفضل الشهداء.
قال: وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر.
أبو هريرة الذي كان عبداً وأعتق.
стр. 1650
خبر أبي دجانة وأخذه سيف رسول الله بحقه
عن أنس بن مالك: قال النبي ﵊: (من يأخذ هذا السيف؟ فبسطوا أيديهم جميعاً.
يقول هذا: أنا، ويقول هذا: أنا، فقال النبي ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال أبو دجانة وحده: أنا يا رسول الله! آخذه بحقه.
قال: فأخذه ففلق به هام المشركين) وهنا يكون قد أخذه بحقه وهو رجل بمفرده.
следующие страницы →