← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

خبر غزوة مؤتة واستشهاد قادتها الثلاثة عن ابن عمر قال: (أمر النبي ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال: إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة) قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدنا بما أقبل جسده بضعاً وتسعين ما بين رمية وطعنة. وعن أنس قال: حضرت حرباً فقال ابن رواحة: يا نفس ما لي أراكِ تكرهين الجنة أقسمت بالله لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه فهو يؤدب نفسه ويقول لها: تخوضين الحرب وأنتِ طائعة أو لأنزلنكِ كارهة. لا يكره الآخرين إنما يكره نفسه. قال: وأما جعفر بن أبي طالب حين قتل دعا الناس: يا عبد الله بن رواحة! وهو في جانب المعسكر ومعه ضلع جمل ينهشه -أي: يأكل فيه ولم يكن ذاق طعاماً قبل ذلك بثلاث، فرمى بالضلع ثم قال: وأنت مع الدنيا! يؤدب بهذا نفسه! ثم تقدم فقاتل فأصيبت إصبعه، فارتجز فجعل يقول: هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ يا نفس إلا تقتلي تموتِ هذا حياض الموت قد صليتِ وما تمنيتِ فقد لقيتِ إن تفعلي فعلهما هديتِ وإن تأخرتِ فقد شقيتِ أي: لا بد أن تتقدمي وتفعلي ما فعل الصاحبان، ثم قال: يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة إلى فلانة امرأته إنها طالقة، وإلى فلان وفلان -أي: من غلمانه والعبيد- فهم أحرار، وإلى معجف -اسم حائط له بستان- قال: هو لله ولرسوله، وهكذا تخلص من كل متاع، فبستانه وهبه لله ورسوله، والعبيد حررهم، والنساء طلقهن، فما الذي بقي؟ فقال: يا نفس ما لكِ تكرهين الجنة أقسم بالله لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة قد أجلب الناس وشدوا الرنة شدوا الرنة. أي: بدأوا القتال. ثم قاتل حتى قتل. وعن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة معتمراً قبل الفتح، وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهب الخليل عن خليله يقول ذلك مع أن النبي ﷺ كان داخلاً مكة معتمراً لا مقاتلاً، وكأن ابن رواحة يحث الناس ويقول: أبعدوا الكفار من طريق الرسول ﷺ ، وإلا لنقاتلنهم مقاتلة تذهب الخليل عن، خليله وتزيل الهام عن مقيله.

стр. 1647

الجهاد والنية الصالحة فيه باقية إلى يوم القيامة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) أي لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار الإسلام إلى قيام الساعة، فلا هجرة منها بعد الفتح. قال: (ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا). (لا هجرة بعد الفتح)، إذاً لا يمكن في يوم من الأيام أن تكون مكة دار كفر، فهي دار إيمان وإسلام إلى قيام الساعة تماماً (ولكن جهاد ونية)، وهذا يدل على أن الجهاد فريضة ماضية في الأمة إلى قيام الساعة، فهو جهاد مستمر، وكما أنه لا هجرة أبداً من مكة فكذلك الجهاد والنية الصالحة فيه باقية إلى قيام الساعة. ثم قال: (إذا استنفرتم -إلى الجهاد وحسن النية- فانفروا). وقال النبي ﵊ في أثناء رجوعه من غزوة تبوك: (إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم شاركوكم الأجر. قالوا: يا رسول الله! بالمدينة شاركونا الأجر؟ قال: نعم. حبسهم العذر). إذاً: قوله: (ولكن جهاد ونية) ولكن جهاد حقيقي ومشاركة فعلية أو نية الجهاد. قال: (من لم يغز أو لم تحدثه نفسه بالغزو فمات مات على شعبة نفاق).

стр. 1648

عظم التولي والفرار يوم الزحف عن أبي أيوب: (أن رسول الله ﷺ ذكر الكبائر فقيل: وما الكبائر يا رسول الله؟! قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وفرار يوم الزحف). وفي رواية: أنه قال: (الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف). وفي حديث أبي هريرة: (اجتنبوا السبع الموبقات) أي: المهلكات التي إذا اجتمعت على صاحبها أهلكته أو واحدة منها. قالوا: (يا رسول الله! وما هن؟ قال: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات -أي: الحرائر العفيفات- المؤمنات الغافلات). والشاهد منه: (والتولي يوم الزحف) أي: يوم لقاء العدو. وعن سهل بن أبي حثمة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (الكبائر سبع: الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والتعرض بعد الهجرة). قوله: (التعرض بعد الهجرة) أي: بعد أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإيمان يرجع مرة أخرى إلى دار الكفر فيسكن البادية أو غير ذلك. والتعرض أي: أن يصير مع العرب في البادية بعد أن هاجر.

стр. 1649

خبر الغزو في البحر وغزوة الهند والغزو مع المسيح عيسى وتبشير الغازين فيهن بالجنة وعن أم حرام قالت: (كان رسول الله ﷺ في بيتي إذ استيقظ وهو يضحك، فقلت: بأبي أنت وأمي. ما يضحكك يا رسول الله؟! فقال: عُرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة -وهذا فيه بيان جواز الغزو في البحر- فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعلها -أي: أم حرام - منهم، ثم نام فاستيقظ فذكر مثله ثانياً وثالثاً). وعن عمرو بن الأسود: أنه حدثه: أنه أتى عبادة بن الصامت وهو في ساحل حمص في بناء له، ومعه امرأته أم حرام، فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول جيش من أمتي يغزو هذا البحر قد أوجبوا) أي: قد وجب دخولهم الجنة. قالت أم حرام: (يا رسول الله! وأنا فيهم؟ قال: نعم. وأنت فيهم). قال أبو بكر: لا أعلم بالشام إسناداً يشبه هذا. أي: في قوته وحسن سياقته. وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار -أي حفظهما الله تعالى وعصمهما من النار- عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى بن مريم) صلى الله على محمد وعلى عيسى. قوله: (عصابة تغزو الهند) هذه العصابة مع المهدي؛ لأن المهدي المنتظر هو الذي يفتح الهند حتى لا تجد فيها عابد بقر، فيدخلون في الإسلام كافة على يد المهدي المنتظر. والعصابة الثانية: في أرض الشام مع عيسى بن مريم، يكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، ويدعون بدعوة النبي محمد ﵊. فهاتان العصابتان: عصابة تذهب إلى الهند، وعصابة تبقى في أرض الشام كلاهما يدعو بدعوة النبي ﵊، فهما محفوظتان من النار بإذن الله تعالى. وعن أبي هريرة قال: (وعدنا الله ورسوله غزوة الهند فإن أدركها أنفق فيها نفسي ومالي). أي: أتمنى لو أدرك هذه الحرب وهذه الغزوة، ولو كان ذلك لأنفقت فيها نفسي ومالي. قال: (فإن قتلت كنت كأفضل الشهداء) وهذا يدل على أن من مات في هذه الغزوة كان أفضل الشهداء. قال: وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر. أبو هريرة الذي كان عبداً وأعتق.

стр. 1650

خبر أبي دجانة وأخذه سيف رسول الله بحقه عن أنس بن مالك: قال النبي ﵊: (من يأخذ هذا السيف؟ فبسطوا أيديهم جميعاً. يقول هذا: أنا، ويقول هذا: أنا، فقال النبي ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال أبو دجانة وحده: أنا يا رسول الله! آخذه بحقه. قال: فأخذه ففلق به هام المشركين) وهنا يكون قد أخذه بحقه وهو رجل بمفرده.

стр. 1651

قتال علي بن أبي طالب يوم خيبر عن ابن عباس قال: جاء علي بسيفه إلى فاطمة. بعد الحرب رجع وفي يده السيف، وهذا السيف في يد علي بن أبي طالب كالكوب في يد أحدنا. إن علي بن أبي طالب في غزوة خيبر خلع باب الحصن -وهو من حديد- واتخذه درعاً بيده الشمال، وكان يقاتل بالسيف بيده اليمنى، وسيف علي إلى الآن موجود ويحمله أربعة من الرجال، وهو سيف كان يقاتل به ويصول به ويجول. فيأتي بسيفه ويلقيه إلى فاطمة وقال لها: خذيه حميداً -أي: هذا السيف سيف مبارك- فقال النبي ﵊: (إن كنت أحسنت القتال اليوم فقد أحسنه سهل بن حنيف) وكأنه يقول له: لست وحدك من قاتل بجد، فممن قاتل معك سهل بن حنيف والحارث بن الصمة وأبو دجانة وعاصم بن ثابت. مع أن علياً كان إذا دخل الجيش هرب الجيش أمامه، فلماذا لا يظهر مثل هؤلاء الرجال في هذه الأمة؟

стр. 1652

الخيلاء صفة يبغضها الله إلا عند قتال الأعداء عن ابن عتيك الأنصاري عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : (وأما الخيلاء التي يحبها الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة). فالخيلاء يبغضه الله إلا في موطن واحد وهو: الاختيال في الصف ليراه العدو، كما في حديث أبي دجانة رضي الله تعالى عنه.

стр. 1653

بيان أن المرابط في سبيل الله ينمى له عمله ويجرى له رزقه عن العرباض بن سارية قال: (كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله ، فإنه ينمى له عمله، ويجرى عليه رزقه إلى يوم الحساب). أي: أن أجر المرابط يظل ينمو ويستمر ويربو حتى يبعث يوم القيامة. وعن واثلة بن الأسقع قال: قال النبي ﵊: (من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى الله له مثل أجر المرابط في سبيل الله، حتى يبعثه الله يوم الحساب). وعن عثمان بن عفان وهو بمنى حاجاً قال: يا أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (رباط يوم في سبيل الله أفضل من ألف يوم فيما سواه من القربى) أي: من أي عمل صالح. قال: فليرابط امرئ كيف شاء. وقال ﵊: (من مات على مرتبة من هذه المراتب بعثه الله عليها يوم القيامة). أي: من مات على الصلاة بعث على الصلاة، ومن مات على الحج بعث على الحج، ومن مات على الجهاد بعث على الجهاد، ومن مات على الفسق والفجور والخنا والعصيان بعث عليها. قال: (فليختر كل امرئ لنفسه ما شاء فإنه مجزي به). وعن النبي ﷺ في حديث سلمان: (رباط يوم أو ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه، وأُمن من الفتان) أي: كان من الفتان في مأمن. وآخر حديث: حديث فضالة بن عبيد قال النبي ﵊: (ما من ميت يموت إلا ختم على عمله إلا من مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله ويأمن من فتنة القبر). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1654

الأسئلة

стр. 1655

حكم صبغ الشعر بالسواد حال الحرب السؤال هل يجوز أن يصبغ الشعر الأبيض بالأسود في حال الحرب أم النهي مطلق؟ الجواب النهي مطلق، ولكن بعض أهل العلم جوز ذلك لأجل إظهار الشباب في القتال وإرهاب العدو.

стр. 1656

حكم بقاء الزوجة بعد إسلامها مع زوجها الكافر السؤال ظهرت فتوى لبعض الأفاضل مضمونها بقاء الزوجة بعد إسلامها مع زوجها الكافر، فهل هذا جائز أم لا؟ الجواب هذا محرم، والله تعالى قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] فالزوجة إذا أسلمت بانت من زوجها.

стр. 1657

حكم حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق عن الشعر بوزنه ذهباً السؤال هل من السنة حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق عنه بالفضة أم بالذهب؟ الجواب الذهب أحب إلى الله تعالى من الفضة، والواجب عند من يذهب إلى وجوب ذلك هو الفضة، تقدر بوزن شعر المولود بعد حلقه في اليوم السابع فضة لا ذهباً، وإن كان ذهباً فهو أحب إلى الله من الفضة، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1658

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام يشرع للإمام تأمير الأمراء على الجيوش، والخروج معهم لتشييعهم إلى خارج البلد، ووصية الجيش وأميره بتقوى الله والإخلاص، وتذكيرهم بآداب الغزو، ووصية الأمير بالرفق بأفراد الجيش، والعدل والإنصاف مع العدو إذا أرادوا المعاهدة والنزول على حكمه.

стр. 1659

باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد: فمع الدرس الأول من كتاب الجهاد والسير، وقبل الشروع في أبواب الكتاب وأحاديثه نعرف معنى قوله: الجهاد والسير فنقول: الجهاد: هو بذل الجهد وإفراغ الوسع. والسير: جمع سيرة. أي: هديه ﷺ في الجهاد إلى الله ، ماذا كان يفعل؟ وما هي أحكام الجهاد، وآدابه وأخلاقه، وما يلزم له؟ كتاب الجهاد والسير في صحيح مسلم ضم مسائل كثيرة مما يتعلق بهذه الأحكام والآداب، أول باب من كتاب الجهاد والسير: (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام). كأن هذا شرط. قال: باب جواز الإغارة، ولم يقل: باب وجوب الإغارة؛ لأن الإغارة ليست واجبة. الإغارة على العدو أو مزاحفة العدو وهو غار -أي: غافل- ليست واجبة بشرط: أن تكون دعوة الإسلام قد بلغته من غير تقدم الإعلام بالإغارة. أي: لا يلزم الإنذار.

стр. 1660

شرح حديث نافع مولى ابن عمر في الإغارة على بني المصطلق قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا سليم بن أخضر -وهو البصري الثقة الضابط- عن ابن عون] وهو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري أبو عون الثقة الفقيه، المأمون الفاضل، وهو من أقران أيوب بن أبي تميمة السختياني في العلم والعمل والسن. قال ابن عون: [كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال؟]. قوله: (كتبت إلى نافع) وهو نافع الفقيه مولى عبد الله بن عمر ﵄. والدعاء هنا بمعنى: الإنذار والبلاغ، ما حكمه؟ قال: [(فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام -أي: الإنذار كان واجباً في أول الإسلام- قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارُّون)] أي: غافلون نائمون، أو في وقت الضحى يلعبون، لا علم عندهم بمقدم جيش الإسلام. قال: [(وأنعامهم تسقى على الماء -أنعامهم تروح وتأتي وتسرح وتشرب وتأكل على الماء- فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم)] والذي فعل ذلك هو النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق، وبنو المصطلق عرب. قال: [(وأصاب النبي ﷺ يومئذ جويرية بنت الحارث -أي: أنها كانت من السبي- وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذاك الجيش)]. عبد الله بن عمر حدث نافع، ونافع أوقف الحديث على عبد الله بن عمر حتى لا يقال: هذا اجتهاد من نافع، بل هذا حديث عبد الله بن عمر، وكأن نافعاً سأل ابن عمر بنفس السؤال الذي سأله إياه عبد الله بن عون بن أرطبان، فقال نافع: يجوز الإغارة على العدو من غير إنذار، وإنما الإنذار كان واجباً في أول الإسلام، كأن وجوب الإنذار أمر منسوخ؛ لقول نافع: إنما كان ذلك في أول الإسلام، والتقدير: وأما الآن فلا، بدليل: (أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون). أي: غافلون بغير سابق إنذار، حدثه به عبد الله بن عمر الذي كان في غزوة بني المصطلق. [وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي -وهو محمد بن إبراهيم أبو عمرو البصري عن ابن عون بهذا الإسناد مثله، وقال: جويرية بنت الحارث ولم يشك]. لأن الإسناد الأول فيه شك، هل قال: وأصاب يومئذ ابنة الحارث أو قال: جويرية، شك الراوي، وهنا بغير شك.

стр. 1661

مذاهب العلماء في حكم إنذار العدو قبل الإغارة في هذا الحديث: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار بالإغارة. وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب، حكاها المازري والقاضي عياض: المذهب الأول: يجب الإنذار مطلقاً. أي: سواء بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم. فإذا أراد المسلمون أن يغيروا الآن على بلد من بلاد الكفر، كأن أرادت ليبيا مثلاً أن تغير على إيطاليا باعتبار أنها أقرب بلاد بعد البحر إليها؛ لأنها في مقابلها على البحر، أو أرادت الجزائر أن تغير على فرنسا، أو المغرب أن تغير على أسبانيا، أو هذه البلاد كلها المجتمعة أن تغير على أمريكا، فهل يلزم أن تنبّه هذه البلاد الإسلامية البلد المطلوب الإغارة عليه وتنذره ثلاثاً أو أكثر من ذلك؟ الجواب لا يجب. لكن المذهب الأول يقول بالوجوب. فالمذهب الأول: وجوب الإنذار مطلقاً، كما قال مالك وغيره. وهذا مذهب ضعيف؛ وذلك لصراحة النص بخلاف ذلك؛ لقول نافع في رده على سؤال ابن عون قال: إنما كان ذلك في أول الإسلام. كان الإنذار واجباً في أول الأمر؛ وذلك لأنه يغلب على الظن أنهم لم يسمعوا بالإسلام، لكن الناس الآن جميعاً يعلمون الإسلام، وقد سمعوا بالنبي محمد ﵊ ودعوته، وسمعوا بالقرآن والشريعة الإسلامية، فلا يلزم النذارة، فيكون المذهب الأول الذي يقضي بوجوب الإنذار مذهب ضعيف. المذهب الثاني يقول: لا يجب مطلقاً. وهذا أضعف من المذهب الأول، بل هو باطل. المذهب الثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر والحسن البصري والثوري والليث والشافعي وأبو ثور وابن المنذر والجمهور. إذاً: الراجح: عندما أريد أن أغير على بلد من بلاد الكفار أُنذرهم أولاً، اقبلوا الدعوة إلى الإسلام! ادخلوا في دين الله ! وهذا الإنذار ليس واجباً ولا مكروهاً ولا محرماً في نفس الوقت، إنما هو مستحب، سواء بلغتهم الدعوة أو لم تبلغهم. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه. ومنها هذا الحديث وحديث قتل كعب بن الأشرف، وحديث قتل ابن أبي الحقيق.

стр. 1662

حكم استرقاق العرب في هذا الحديث أيضاً: جواز استرقاق العرب. أي: اتخاذ العرب أرقاء وأسرى حرب؛ لأن بعض أهل العلم يقول بعدم جواز استرقاق العرب، وفي الحقيقة الأدلة تظاهرت على جواز استرقاق العربي، مع خلاف أهل العلم في كلمة عربي، ما معناها؟ هل العربي الذي ولد لأبوين عربيين؟ أم هو الذي يتكلم اللغة العربية؟ والأعجمي هل هو الذي يتكلم غير العربية أو أنه أعجمي وإن كان من أبوين عربيين؟ فيه خلاف بين أهل العلم، وفي هذا الحديث جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وهذا قول الشافعي في الجديد وهو الصحيح، وبه قال مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وجمهور العلماء. وجماعة من العلماء قالوا: العرب لا يسترقون. وهو قول الإمام الشافعي في القديم، فكأن هذا اتفاق من أهل العلم على جواز استرقاق العرب. والعرب منهم الكافر ومنهم المؤمن، وهذا الكافر إما أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً، وأنتم تعلمون أن عامة العرب في مكة كانوا مشركين، وعامة العرب في المدينة كانوا يهوداً وهم عرب.

стр. 1663

باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها الباب الثاني: (باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث) والبعوث: جمع بعث. وهو: السرية أو الكتيبة. فإذا أرسل الإمام سرية أو كتيبة أو بعثاً أمّر عليهم أميراً، وأمره بأشياء، وحضه على آداب وأحكام وأخلاق. قال: (ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها). قد يقول قائل: هل للغزو آداب؟ الجواب نعم. الغزو له آداب وله أحكام، وكثير ممن يقولون بالغزو والجهاد الآن يغفلون عن هذه الآداب وتلك الأحكام.

стр. 1664

شرح حديث بريدة بن الحصيب في وصية النبي لأمير السرية والجيش قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان -وإذا حدث وكيع عن سفيان فهو سفيان الثوري وكلاهما كوفي- (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان قال: أملاه علينا إملاءً -يعني: يحيى بن آدم يقول: أملى سفيان الثوري علينا هذا الحديث إملاء- (ح) وحدثني عبد الله بن هاشم واللفظ له] أي: هذا السياق ليس سياق أبي بكر بن أبي شيبة ولا سياق إسحاق بن راهويه وإنما هو سياق عبد الله بن هاشم، كأن الإمام مسلماً روى هذا الحديث من طرق متعددة: من طريق أبي بكر بن أبي شيبة في الإسناد الأول، ثم من طريق إسحاق بن راهويه، ثم من طريق عبد الله بن هاشم، ولكنه اختار أن يكون السياق واللفظ من كلام عبد الله بن هاشم. قال: [حدثني عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي - قال: حدثنا سفيان -وهو الثوري - عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه -وأبوه هو بريدة بن الحصيب - قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية)] وليس (إذا) هنا بمعنى أن ذلك أمر محتمل، بل جرت سنة النبي ﷺ في تأمير الأمراء على كل جيش أو سرية، فلا يصلح أمر القتال والجهاد في سبيل الله إلا بأمير، والأمير يتخذ له بطانة من الجيش يعينونه على المشورة والفصل في المنازعات، وإبداء النصح عند الحاجة إليه، وغير ذلك مما يلزم القتال في سبيل الله ، فكلمة (إذا) هنا ليست زائدة، فقد كان النبي ﷺ يؤمّر على كل جيش أو سرية أميراً ليدير دفّة القتال والجهاد، وكان إذا فعل ذلك [(أوصاه خاصته بتقوى الله)].

стр. 1665

توصية الأمير بتقوى الله في خاصة نفسه ومن معه من المسلمين كان النبي ﷺ يوصي الأمير ابتداءً أن يتقي الله في نفسه وفي دينه، وفيمن معه من أفراد السرية أو الجيش، وتقوى الله هي وصية الله للأولين والآخرين من الأنبياء المرسلين وعامة الخلق، فكان النبي ﵊ يوصي الأمير بتقوى الله في خاصة نفسه؛ لأن النصر لا يكون إلا بتقوى الله، وتقوى الله هي سبب استمطار الرحمة من السماء، كما أن إعداد العدة أمر لازم، ولكنا نعتقد أن دفع الزكاة سبب في النصر، فالنصر من عند الله وله أسباب: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] و (إن) هنا شرطية، بمعنى: لو نصرتم الله نصركم الله ، ونصر الله تعالى يكون بالتزام طاعته، ولزوم تقواه ؛ ولذلك من أعجب العجب أن ترى أمم الكفر شرقاً وغرباً في هذه الأيام تتحرك بأساطيلها وأجنادها لتقابل ثلة قليلة ضعيفة معزولة السلاح كأنها لا تستحي أن تواجه بعض الأفراد العُزّل، ومع هذا قد قذف الله في قلوب هؤلاء الرعب عند ملاقاتهم هذه الثلة المؤمنة، واحد، أو ثلاثة، أو عشرة، أو مائة قد أثاروا الرعب في قلوب الكفار مع قوة عددهم وعدتهم، والله تعالى هو الذي قذف في قلوبهم الرعب، وهو القائل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فالله هو الذي يقاتل أعداءه. والعجيب أن نواب هذه الأمة في رفع راية الجهاد في هذا العصر في هذه البقعة الطاهرة الطيبة قد قبروا في أرض أفغانستان أعظم قوة من بلاد الكفر وهي روسيا تحت التراب، وإن شاء الله تعالى يتحقق على أيديها قبر القوة الثانية في العالم وهي أمريكا في هذه الأرض الطيبة المباركة. أما سائر أفراد الأمة وبلاد الأمة فتستحق الضرب بالنعال حتى تُهان أعظم إهانة؛ لأنهم لم ينصروا الله ، ولم يفكروا في الرمي الذي أمر الله به، وقد امتلأت الأمة أمراضاً بل اتصفت بأخبث الأمراض، وما من مرض في أمة من الأمم السابقة إلا واتصفت به هذه الأمة الآن. أما حكومة طالبان في تلك البقعة المباركة فقد علموا منذ أول لحظة في لقاء مع عدوهم أنهم لا ينتصرون بعدد ولا عدة، إنما ينتصرون بتقوى الله، فحققوا ذلك أولاً، ووعد الله تعالى لا يخلف، خلافاً لوعيده فهو يفعل فيه ما يشاء ، يخلف أن يُنفد وعيده، أما وعده فلا يخلف، وهذا محض فضل الله . لو أنك نظرت إلى أي بلد من بلاد الإسلام لوجدت الخذلان والمعاصي والفجور والزنا والخنا، وشرب الخمر وأكل الربا وكل البلايا خلافاً لهذه البقعة وهذه الطائفة المؤمنة من الناس؛ ولذلك كل البلاد بجيوشها وخيلها ورجلها مرعوبة أشد الرعب من تهديداتهم، بل هذه البلاد الإسلامية خائفة ووجلة لا ينامون الليل، ويفكّرون في كل حين ولحظة: لو داهمتنا أمريكا ماذا نصنع؟ خلافاً لهذه الطائفة المؤمنة في تلك البقعة المباركة، فإنهم لا يعبئون بهذا، فقد أنزل الله ﵎ عليهم السكينة والرحمة لاتصالهم بالله وتقواهم، وقد جادل أحدهم بعض الصحفيين المنافقين الملاحدة. قالوا: إن أمريكا أتتكم بكذا وكذا وكذا، هل أنتم مستعدون للقاء العدو؟ قالوا: نعم. نحن مستعدون، قالوا: وهل أعددتم لهذه الأساطيل وهذه الجيوش العدة؟ قالوا: نعم. قد أعددنا. قالوا: كيف أعددتم وماذا أعددتم؟ قال هذا المؤمن: أعددنا لهم معية الله ، فالله تعالى معنا، ومن كان الله معه لا يهزم ولا يُغلب؛ لأن الحرب دائرة مع الله : ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧] (إن الله ليمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما، فمن كان الله تعالى معه فقد آوى إلى ركن شديد، لا يستطيع أحد أن يخترق هذا الركن ولا أن يغلبه؛ لأن الله تعالى لا يُغلب البتة. إذاً: كان النبي ﵊ إذا أرسل جيشاً أو سرية أمّر عليهم أميراً، وأوصاه بتقوى الله في خاصته هو أولاً، انظروا إلى دولة أبي بكر الصديق ﵁، كانت على أي مستوى من التقوى وإلى دولة عمر وإلى دولة علي وعثمان، وإلى دولة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز! انظروا إلى صدر الأمة المبارك، ماذا كانت عليه الأمة! وماذا حققت من خير وانتصارات حتى صار الإسلام يسري في الأرض وينتشر انتشار النار في الهشيم، وأسرع من ذلك، حتى بلغ مشرق الأرض ومغربها؛ لأن الأئمة على رءوس الإسلام والمسلمين في ذلك الوقت حققوا تقوى الله ؛ ولذلك يقول الحسن البصري: أعمالكم عمالكم. كيفما تكونوا يولى عليكم، فإذا كان الوالي والقائد والحاكم ليس تقياً فإنما هو من جنس أمته وشعبه. قال: [(إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله،

стр. 1666

الوصية ببدء الغزو بذكر الله وفي سبيل الله الوصية الثانية: أنه كان يقول له: (اغز باسم الله). من الآداب أن يبدأ هذا العمل المبارك بذكر الله تعالى أولاً (اغز باسم الله في سبيل الله) وهو احتراز من الرياء. قوله: (اغز باسم الله)، أي: ابدأ هذا الغزو والجهاد بذكر الله تعالى، واعلم أن هذا الجهاد يجب أن يكون في سبيل الله؛ ولذلك سأل رجل النبي ﷺ : (يا رسول الله! الرجل منا يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). هذا القتال الأوحد الذي هو في سبيل الله، أما غير ذلك فلا يُقبل عند الله ، فالذي يقاتل شجاعة وحمية، ويقاتل ليرى مكانه، وليقال: مجاهد وغير ذلك، فليس مأجوراً بل هو مأزور عند الله، وإن قُتل وإن تعرّض لبارقة السيوف، فليس له عند الله أجر ولا فضل.

стр. 1667

النهي عن التمثيل والغدر والغلول قال: [(ولا تمثلوا)] وفي رواية (ولا تمثّلوا) وفي حديث: (نهى النبي ﷺ عن المثلة) والمثلة هي تمزيق البدن بعد الموت، أو قبل الموت، فإذا أصاب سهمك العدو ووقع ميتاً فلا تقل: هذا لا يكفيني، فتذهب إلى أنفه فتقطعه، وإلى اليد فتقطعها، وإلى الساق وغير ذلك من أطرافه وأعضائه، فتمثّل به تمثيلاً، فقد نهى الإسلام عن التمثيل بالكافر فضلاً عن المؤمن. قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله). إذاً: القتال لا يُنصب ابتداء إلا في وجه الكفار. قال: [(اغزوا ولا تغلوا)]. وفي رواية: (ضموا الغنائم) أي: اجمعوا بعضها إلى بعض. والغلول: هو الأخذ من الغنيمة والفيء قبل توزيعها، وأنت في الجيش ربما قضى الله عليك بالنزال مع أحد الكفار، فتأخذ سلبه، تأخذ ما معه من سلاح ومال وغير ذلك، والأصل أن تأخذ هذا وتضمه إلى بقية الغنائم حتى يودعه الإمام، أما قبل ذلك فلا يجوز لك أن تأخذ شيئاً بغير علم الإمام؛ ولذلك أثنى الله تعالى على أنبيائه ورسله أنهم لا يغلون شيئاً. قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] من أخذ شيئاً من الغنيمة قبل توزيعها أتى به يوم القيامة؛ ولذلك حينما مات مولى للنبي ﵊ في القتال قال الصحابة: مات مولى رسول الله ﷺ وإنا لنراه من أهل الجنة، فلما سمع النبي ﵊ هذه المقالة قال: (والله وإني لأراه في نار جهنم بسبب شملة غلها). والشملة: ثوب أو عباءة، فنهى النبي ﵊ عن الأخذ من الغنيمة ولو كان عوداً من أراك، وهو بعض السواك، ومن فعل ذلك حُرم ثواب الشهداء، وتعرّض للعقوبة. ولذلك قال النبي ﵊: (اغزوا ولا تغلوا) والنهي هنا للتحريم [(ولا تغدروا)] أي: ولا تغدروا عدوكم. ويُحمل هذا الغدر على النهي عن الغدر مع المسلمين من باب أولى، ومع الأمير من الأولى والأولى، والنبي ﵊ قال: (يُرفع لكل غادر لواء يوم القيامة على استه) أي: على مؤخرته ومقعدته، يشهده القاصي والداني يوم القيامة قال: (يُرفع لكل غادر لواء يوم القيامة على إسته يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان). قال: [(ولا تقتلوا وليداً)] أي: صغيراً، وهذا النهي نهي عام مطلق في عدم قتل الولدان والصبيان الصغار بشرط ألا يشاركوا في القتال، كما جاء النهي كذلك عن قتل النساء وقتل الشيوخ الكبار، والعُبّاد في صوامعهم، كل هذا النهي على عمومه إلا أن يشارك هؤلاء في القتال فيقتلوا بمشاركتهم، فإذا شاركوا في القتال يقتلون أصلاً لا تبعاً، ويقتلون تبعاً إذا تترس بهم الكفار، أو كان لا يمكن الوصول إلى جيش العدو مع قوة شوكته وخطورته على جيش الإسلام إلا بقتل هؤلاء، فحينئذ يُقتلون تبعاً لا أصلاً. يعني: لا يكون القصد قتلهم، وإنما القصد: الوصول إلى العدو، ولا يصل إليه إلا بقتل هؤلاء، وهذا أمر مستقر في الشرع، كما يُقتل المرء لفتنته وليس بلازم أن يكون كافراً، ولذلك قتل خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم؛ لقوله الخطير في باب القدر، وأنه أنكر أن الله تعالى كلّم موسى تكليماً واتخذ إبراهيم خليلاً. قال خالد بن عبد الله القسري بعد فراغه من خطبة عيد الأضحى: أيها الناس! ضحوا تقبّل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم ونزل من المنبر وقتله، فلما سئل عن ذلك أخبر أنه قتله لمقالته الخطيرة التي ضلّت بها الأمة في ذلك الزمان، فهو قتله لا لأجل كفره وإنما لأجل فتنته التي لا تخمد إلا بقتله، فليس بلازم أن يقتل المرء لأجل كفره؛ ولذلك قال النبي ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

стр. 1668

ذكر الخصال التي يدعى إليها المشركون قبل قتالهم قال: [(وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)] أي: إذا دعوتهم إلى الأولى فقبلوا ذلك منك فاقبل منهم وكف عنهم. أي: لا تقاتلهم. قال: [(ثم ادعهم إلى الإسلام)] (ثم) هنا زائدة أو ابتدائية، وهي بداية الثلاث خصال. فالخصلة الأولى: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام. قال: (فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم) أي: كف عنهم قتلك فيهم، أي: لا تقتلهم إن هم أجابوك إلى هذه الخصلة الأولى. قوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام) أي: أن يقولوا: أسلمنا، نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، فحينئذ لا يجوز قتلهم، فمن قتلهم كان بمنزلتهم قبل أن يقول هذه الكلمة، كما جاء في حديث الأسود بن يزيد أنه قال: (يا رسول الله! أرأيت إن قاتلت مشركاً أو كافراً فقام فقطع يدي بالسيف، فلما أمكنني الله منه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أو قال: أسلمت، أفأقطع يده يا رسول الله؟! قال: لا. قال: يا رسول الله! لقد قطع يدي، فقال النبي ﵊: لا تفعل. فإنك إن فعلت كنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال). وهذا دليل على وجوب قبول ذلك من الكافر إذا أسلم؛ ولذلك قتل علي بن أبي طالب ﵁ مقتلة عظيمة في غزوة من الغزوات، فلما تمكّن من رجل ووقع السيف منه نطق بالشهادتين، فكفّ عنه علي بن أبي طالب ﵁. أما أسامة بن زيد ﵄ فقتل رجلاً في الجهاد بعد أن قال هذه الكلمة، وقال: (ما قال ذلك إلا تعوّذاً يا رسول الله!) أي: تعوذ ليهرب من القتل، وما قال ذلك يقيناً، فقال النبي ﵊: (هل شققت عن قلبه لتعرف ما فيه؟!) وظل يعنّفه حتى قال أسامة ﵁: ما تمنيت أني أسلمت إلا بعد هذا. ندم ندماً عظيماً على فعلته التي فعل، ولكن أسامة كان مجتهداً في ذلك؛ ولذلك لم يوده النبي ﷺ ، ولم يطالبه بالدية. قال: [(ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)] وهذا السؤال يتوجه به الكثير من الإخوة في الشيشان أو الإخوة في المناطق التي يُرفع فيها راية الجهاد خلافاً لفلسطين؛ لأنه لم يثبت إلى الآن أن يهودياً حينما تعرّض للقتل نطق بالشهادتين؛ وما ذلك إلا لأن الكفر متأصل فيه. فإخواننا في الشيشان يقولون: الضابط الروسي والعقيد الروسي حينما يقع في الأسر يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لكننا متأكدون أنهم يقولون هذا ليهربوا من القتل. نقول: أنت لست متأكداً، بل أنت ظان، فهو إن كان كاذباً أو مخادعاً فالله تعالى يتولاه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢]، فالذي يدافع عنك في هذه الحالة هو الله ، فإنه لا يضرك بإذن الله، كما أن هناك إجراءات وقائية لمن غلب على ظنه أنه قال ذلك تعوذاً، جرّده من السلاح، واجعله في خدمة الجيش، يعد الطعام ويعد الشراب وغير ذلك، واجعل المخلص من جندك وجيشك يتقدم في الصفوف، وهذا الذي نطق الشهادتين يؤخذ ويجرب على هذه الأعمال حتى يغلب على ظنك أنه قد استقام على الهدى والإسلام. [(ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)]. قوله: (ثم ادعهم إلى التحول) أي: أن يهاجروا، ويتركوا بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وكان في أول الأمر يأمرهم أن يتحولوا من ديار الكفر إلى المدينة المنورة؛ لأن المدينة كانت في ذلك الوقت هي دار الإسلام الوحيدة، وهي دار المهاجرين التي هاجر إليها النبي ﵊ ومن كان معه من أصحابه، والهجرة واجبة ما بقيت الأيام والليالي من ديار الكفر إلى ديار الإسلام. وفي هذا الحديث إشارة إلى كراهة الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الكفر. قال: [(فإن هم أجابوك -أي: إلى الإسلام- فادعهم إلى التحول من دارهم إلى ديار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك -أي: إن أسلموا وهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام- فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا -أي: من ديارهم التي أوذوا فيها إلى المدينة المنورة- فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين) وأعراب المسلمين فيهم فقراء وفيهم أغنياء، خلافاً لمن خرج من المدينة مع النبي ﷺ ليقاتل، فالأعراب إذا أخذوا مالاً أخذوا من مال الصدقة ومن مال الزكاة، ولا يأخذون من الغنائم ولا من الفيء. والغنيمة: هي التي يغنمها الجيش بعد القتال. والفيء: هو المال الذي يغنمه الجيش بغير قتال. فإذا كان الأمر كذلك فإن الأعراب في بواديهم لا حظ لهم لا في الغنيمة ولا في الفيء، إنما حظهم في بواديهم في الزكاة والصدقات العامة. فهؤلاء إذا هاجروا وتحولوا من دار الهزيمة والإغارة

стр. 1669

إعطاء الأمير للعدو ذمته وذمة أصحابه إن أراد المعاهدة قال: [(وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله)]. إذا طالب الأعداء أن تجعلوا بينكم وبينهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ولا تعاهدوهم على ذمة الله وذمة رسوله؛ وذلك لأنكم ربما تغدرون، أو يغدر أحد أصحابك. فالنبي ﵊ في الحديبية وافق على الشروط التي قدمها المشركون، حتى مسح النبي ﷺ وصفه الشريف من الصحيفة، فتضايق عمر بن الخطاب وقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال عمر: فلِم نعطى الدنية في ديننا؟ فقال النبي ﵊: إني رسول الله ولن يضيّعني). قال النبي ﷺ : وإن حاصرت أهل حصن، فأرادوا أن يأخذوا عليك العهد والميثاق بذمة الله وذمة الرسول فلا تعطهم هذا العهد، أعطهم ذمتك أنت وذمة أصحابك الذين معك. قل لهم: ألتزم لكم أنا وأصحابي بالعهد الذي بيننا وبينكم، وليس بعهد الله ولا عهد رسوله، لأنك أيها الأمير! لا تضمن أن يقوم أحد من أصحابك متهوّراً فيخفر هذه الذمة، فتقع في الإثم، لأنك خفرت ذمة الله وذمة رسوله، ولأن تعطي أهل الحصن ذمتك وذمة أصحابك أهون عند الله من أن تخفر ذمة الله وذمة الرسول ﷺ .

стр. 1670

إنزال الأمير العدو على حكمه واجتهاده في ذلك قال: [(وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله وحكم الرسول ﵊ فلا تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله)]، وذلك لأنهم ربما يسألونك حكم الله وحكم ورسوله في مسألة من المسائل، وأنت لا علم لك بحكم الله وحكم الرسول ﷺ ، فتحكم بغير ما حكم به الله وبغير ما حكم به رسوله ﵊. قال: [(فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك أنت)] أي: قل لهم: هذا حكمي فيكم. ومعنى (أنزلهم): اقبل منهم. فقل لهم: هذا حكمي فيكم، وربما وافق هذا الحكم حكم الله وربما خالفه، ولكنك اجتهدت في إصابة الحكم، ولا يلزم من التحقق والاجتهاد إصابة الحق. قال: [(فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا). قال عبد الرحمن بن عوف هذا أو نحوه -يعني: الحديث بهذا السياق أو قريباً من ذلك- وزاد إسحاق بن راهويه في آخر حديثه عن يحيى بن آدم قال: فذكرت هذا الحديث لـ مقاتل بن حيان -قال يحيى: يعني: أن علقمة يقوله لـ ابن حيان - فقال: حدثني مسلم بن هيصم عن النعمان بن مقرن عن النبي ﷺ ونحوه]. يعني: هذا الحديث من حديث النعمان ومن حديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما. [وحدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا شعبة قال: حدثني علقمة بن مرثد أن سليمان بن بريدة حدثه عن أبيه. قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً أو سرية دعاه فأوصاه) -أي: أوصاه في خاصة نفسه وفيمن معه من المسلمين- وساق الحديث بمعنى حديث سفيان].

стр. 1671

باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير

стр. 1672

شرح حديث: (بشروا ولا تنفروا) [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب محمد بن العلاء الهمداني -واللفظ لـ أبي بكر - قالا: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبي بردة -أي: عن جده- عن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا). قال: (في بعض أمره ولم يقل: في سرية أو جيش)، يعني: سواء كان من أمر الدنيا أو أمر الآخرة. قال: (بشروا ولا تنفروا) يذكر الأضداد: بشروا ولا تنفروا، وكان من الممكن أن يقول: بشروا فقط، لكنه لا يؤدي المعنى المراد؛ لأن (بشّروا) يطلق على من بشّر مرة أو مرتين أو ثلاث مرات، ثم نفّر بقية حياته؛ فبشّروا ولا تنفروا تأكيد للنهي عن التنفير وإثبات التبشير، فرسول الله ﷺ يذكر الأمر وضده، ولا يكتفي بذكر الأمر، حتى يجتمع نفي التنفير وإثبات التبشير. ثم قال: [(ويسروا ولا تعسروا)] والتعسير ضد التيسير، فأنت مأمور بالتيسير منهي عن التعسير، فإنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده لأنه قد يفعلهما في وقتين، فلو اقتصر على (يسروا) لصدق ذلك على من يسّر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: (ولا تعسروا) انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في: بشروا ولا تنفروا، وفي بقية أجزاء أحاديث الباب.

стр. 1673

شرح حديث: (يسروا ولا تعسروا) [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن شعبة بن الحجاج العتكي البصري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه أبي بردة عن جده أبي موسى الأشعري: (أن النبي ﷺ بعثه ومعاذاً إلى اليمن)]. وبعث أيضاً علي بن أبي طالب إلى اليمن، فالثلاثة مبعوثون من جهة النبي ﵊، وحينما أرسل النبي ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال لهما: [(يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)]. قوله: (تطاوعا) أي: اتفقا ولا تختلفا، أي: ليلن كل منكما جانبه لأخيه، وليخفض كل منكما جناحه لأخيه، وكان بإمكانه أن يقول: (تطاوعا)، ولا يذكر و (لا تختلفا)،فالاختلاف ضد التطاوع والاتفاق والائتلاف؛ ولذلك ذكرهما ليثبت أمره وينفي ما عساه يخالفه، فإنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت، وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء آخر.

стр. 1674

بيان آداب الداعية وما ينبغي أن يكون عليه من التدرج في الدعوة وفي هذا الحديث: الأمر بالتبشير بفضل الله، وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضاً، فترى الواعظ لا يعرف للجنة طريقاً، تخصصه دائماً نار، فلا يحسن أن يتكلم إلا عن النار، وفي ذلك تنفير للناس من رحمة الله ، فتجد ضعيف الإيمان في أول طريقه يقول: ما دامت المسألة كلها نار نار نار فلماذا نصلي؟ ولماذا نصوم؟ ولماذا نزكي ونحج؟ ويترك الفرائض والواجبات ويرتكب المحرمات حتى يقع في الشرك البواح؛ لأن هذا الواعظ ما أحسن أن يأخذ بمفاتيح قلبه، ولا بد للواعظ أن يكون عالماً بما يريح القلوب، عاملاً به، فمثلاً المحسوسات لو أردت أن تفتح باب المسجد بمفتاح ليس هو مفتاحه، فمن الممكن أن تقف مائة عام على الباب ولا يمكن أن تفتح هذا الباب وهو جماد؛ وذلك لأنك لم تُحسن اختيار المفتاح الذي يُستخدم في فتح هذا الباب، ولكل قلب مفتاح، فعلى الداعية أن يتلون على كل وجه، كأن يكون لطيفاً مع الناس، وهذا يفتحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يفتحه بالكلام عن القلوب وأنواع القلوب، وهذا يفتحه بمسألة فقهية، وهذا بمسألة علمية، وهكذا. فينبغي أن يكون الداعية أهلاً لهذا كله، يعرف مغاليق القلوب، ومفاتيح القلوب كذلك. قال: (وفيه: تأليف من قرب إسلامه). يذكر أن شخصاً أسلم وحضر مجلساً إسلامياً، فقال له الشيخ: أنت أسلمت لماذا؟ قال: يا شيخ! لأن الإسلام هذا جميل وحلو. قال الشيخ: فأين مظاهر الجمال؟ أقول لك: لا تظن أننا سعيدون بإسلامك أبداً، فنحن عندنا ملايين المسلمين، فنحن غير محتاجين إليك، والله لو تذهب في داهية فهو أحسن لنا. والله حدث هذا الكلام، وهذا شيء سيئ جداً والله!! وكانت هناك راهبة كبيرة وكان لها تأثير عجيب في وسط النساء النصرانيات، فأخذت ما يزيد على (٢٠٠) من نساء النصارى، وذهبت بهن إلى مكان من الأمكنة حتى يشهرن إسلامهن، وهذه المرأة الراهبة معروفة بإسلامها وجهدها الطيب على نساء النصارى، وكانت تعرف المفاتيح والأقفال، فقالت لأحد المسئولين: أتيتك بغنيمة، وهي أن (٢٠٠) امرأة تم إسلامهن على يدي، فقال لها: لا أريد أحداً أن يسلم، خذيهن واذهبي بهن إلى الخارج. وخرجت هذه المرأة من عنده وهي تقول: ما خرجت مترددة في ترك الإسلام إلا في هذا الموقف، وما قالت هذا الكلام إلا من فرط غضبها. قال: (وفيه: تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه). يقول العلماء: لا تُطلق أحكام الكفر على المعيّن إلا بعد قيام الحجة عليه، فربما كان جاهلاً أو قريب عهد بجاهلية أو قريب عهد بالإسلام، فكلاهما يصلح. أذكر أن امرأة أسلمت في أمريكا وكانت تزني -عياذاً بالله- لتنفق على أولادها، وحينما كلمناها في حرمة الزنا، قالت: والله أنا لا أعلم أن الزنا حرام، كنت أظن أن الزنا فقط مجرد عيب، وأنا الآن متعبة وأستحي من هذا العمل. وتسميه عملاً. تقول: فأنا أتعاطى حبوباً أو شيئاً من الحقن حتى لا أشعر بهذه العملية الفظيعة في أثناء وقوعها. وكذلك من قارب البلوغ من الفتيات، فعندما نعرف أن البنت حاضت، نريد أن نجري عليها أحكام الإسلام كما لو كانت بنت ابن تيمية، فتجد الأب من أول لحظة يقول لها: أنت الآن أصبحت مكلّفة بجميع تكاليف الإسلام وأحكامه وشرائعه، ويبدأ يملي عليها ويقعد لها كالصقر، مع أنها من سن السابعة إلى يومنا هذا لم يعلمها أبوها شيئاً، والنبي ﵊ يقول: (علموا أولادكم الصلاة لسبع). ومذهب الجماهير: أن الصلاة ليست مذكورة لعينها، بل يقاس عليها غيرها من تكاليف الإسلام وأحكامه من حلال وحرام وفرائض وغير ذلك؛ حتى إذا بلغ سن التكليف كان قد تجاوز مرحلة التدريب العملي على الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغير ذلك، والصحابة ﵃ قاموا بذلك خير قيام، فكانوا يعطون الحلوى أو الدينار أو غير ذلك للولد إذا صام إلى الظهر، أو إذا صام إلى العصر، وكانوا يدربونهم على الصلاة، حتى إذا بلغوا كانوا قد تعلموا أحكام الإسلام، لكنك أنت تريد أن تلزمها بفرائض الإسلام وأحكامه بمجرد أن تبلغ، دون أن يسبق ذلك فترة تعليم أبداً، وهذا تصرف لا يصح. أذكر أنه في السودان لما أعلنوا تطبيق الشريعة الإسلامية والعمل به بدءوا بإقامة الحدود، وهذا تخبّط. هل تقام الحدود على أمة غرقت مئات السنين في العلمانية وفي المعاصي ومخالفة الأمر والابتعاد عن كتاب الله وسنة رسوله؟ فهم أناس لا يعلمون شيئاً عن دينهم، فكان لا بد أن يسبق هذه المرحلة مدة من الزمان تبلغ السنوات؛ لتعليم هذه الأمة أحكام دينها، ثم بعد ذلك تبدأ العقوبة. ومن ارتكب معصية وتاب، ترى من يعرف ذلك يشدد عليه حتى ييأس من رحمة الله ! والمفروض أن المرء إذا تاب يؤخذ بالرفق والرحمة واللين، بخلاف الإنسان الذي يعصي وهو يعلم أنه يعصي ويُدعى إلى التوبة فيستهزئ ويسخر، فمثل هذا تحذره من شفير جهنم، بخلاف من وقع في معصية ثم تاب منها وأتاك يضطرب قلبه وجلاً خائفاً، فلا شك أن التنفير في هذا الموطن يجعل المرء ييأس من

стр. 1675

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - تحريم الغدر الغدر صفة ذميمة وخلق مرذول، والغادر يرفع له يوم القيامة لواء ويفضح على رءوس الأشهاد، جزاء وفاقاً على ما كان يعتمل في صدره من السوء، وكما حرم الله الغدر في السلم فقد حرمه في الحرب، إلا ما يكون من الخدعة في الحرب فإنه جائز لما فيه من تسهيل ظهور المسلمين على أعدائهم، إلا أن يكون في الخدعة نقض لعهد أو أمان فحينئذ يدخل ذلك في الغدر المحرم.

стр. 1676

باب تحريم الغدر إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فمع الباب الرابع من كتاب الجهاد: (باب تحريم الغدر).

стр. 1677

شرح حديث: (يرفع لكل غادر لواء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة - حماد بن أسامة -. (ح) وحدثني زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد -يعني: أبا قدامة السرخسي - قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - وكلهم عن عبيد الله بن عمر العمري. (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير -واللفظ له- حدثنا أبي عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع]. فمدار هذه الأسانيد كلها على عبيد الله بن عمر العمري يروي هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر [قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، فقيل هذه غدرة فلان بن فلان)]. قال: (إذا جمع الله الأولين يوم القيامة)، (إذا) هنا زائدة وليست للشك، ولا بد أنهم مجموعون يوم القيامة. قال: (يُرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان). والغدر هو نقض العهد ونقض الميثاق وعدم الوفاء به. فالغدر: هو النكوث عن الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى وإن كان ذلك مع الكفار، والحديث عام: (يُرفع لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان). ولعلكم تلحظون أن المرء ينادى باسمه وينسب إلى أبيه يوم القيامة، ولم يقل: يقال هذه غدرة فلان ابن فلانة. وإنما يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان. وقد انطبع في أذهان العوام أن الناس يوم القيامة ينادى عليهم ويُنسبون إلى أمهاتهم، وهذا خطأ فادح، إنما يُنسب الرجل إلى والده. [حدثنا أبو الربيع العتكي قال: حدثنا حماد حدثنا أيوب أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري. (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار - حدثنا صخر بن جويرية كلاهما عن نافع]. أي: صخر وأيوب يرويان عن نافع، وهذا يعني: أنهما متابعان لـ عبيد الله بن عمر العمري في الإسناد الأول-[عن ابن عمر عن النبي ﷺ بهذا الحديث].

стр. 1678

شرح حديث: (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة) قال: [وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -أي: علي بن حجر السعدي - عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار -أي: المتابع لـ نافع - أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة). وهذا يدل على أن الذي يتولى نصب اللواء بيده هو الله ، وما تولى الله فعل شيء بنفسه إلا لعظم هذا الشيء في الخير للحض عليه، أو في الشر للزجر عنه. قال: [(إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة فيقال: ألا هذه غدرة فلان)].

стр. 1679

شرح حديث: (لكل غادر لواء يوم القيامة) قال: [حدثني حرملة بن يحيى التجيبي المصري قال: حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب القاضي المصري - أخبرني يونس عن ابن شهاب - يونس إذا جاء بين ابن وهب وابن شهاب فهو يونس بن يزيد الأيلي لا ريب- عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لكل غادر لواء يوم القيامة). وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهما فرسا رهان في العلم والعمل والعبادة والسن، حتى في سنة الوفاة ماتوا في سنة واحدة- قالا: حدثنا ابن أبي عدي. ح وحدثني بشر بن خالد أخبرنا محمد -يعني: ابن جعفر الملقب بـ غندر - كلاهما عن شعبة عن سليمان -وشعبة إذا روى عن سليمان فإنما هو سليمان بن مهران الأعمش أبو محمد الكوفي الإمام الكبير المشهور- عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي عن عبد الله أي: ابن مسعود ﵁ -وإذا ذُكر عبد الله في طبقة الصحابة غير منسوب فإنما هو عبد الله بن مسعود خاصة إذا كان الإسناد كوفياً- قال: عن النبي ﷺ قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان)]. فقد ورد حديث عبد الله بن عمر، ثم من بعده حديث عبد الله بن مسعود. قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه المروزي - أخبرنا النضر بن شميل. (ح) وحدثني عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الرحمن -أي: ابن مهدي - جميعاً عن شعبة في هذا الإسناد]. يعني: عن شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. [وليس في حديث عبد الرحمن: يقال: (هذه غدرة فلان) وإنما فيه: (لكل غادر لواء يوم القيامة) ولم يذكر عبد الرحمن بن مهدي: (فلان بن فلان) واقتصر على ذكر بعض الحديث دون تمامه وكماله. [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم عن يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن شقيق -وهو أبو وائل - عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به. يقال: هذه غدرة فلان)]. أما الحديث الثالث وهو حديث أنس بن مالك ﵁. قال: [حدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن ثابت -تلميذ أنس بن مالك وهو ثابت بن أسلم البناني البصري - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به). وحدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا عبد الرحمن -أي ابن مهدي - حدثنا شعبة عن خليد عن أبي نضرة -وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة - عن أبي سعيد الخدري - سعد بن مالك بن سنان المدني وهذا هو الحديث الرابع- قال: قال النبي ﷺ : (لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة)]. فلكل غادر لواء يُغرز عند استه. أي: عند مقعدته ومؤخرته، فلو أن كل غادر يعلم فضيحته على رءوس الأشهاد يوم القيامة ما غدر أحد قط، والتزم الناس بمواثيقهم وعهودهم، فالذي يغدر في عهده أو ميثاقه أو في شرطه بغير عذر حري به أن يؤتى يوم القيامة فيُفضح على رءوس الأشهاد، ويُرفع له لواء عند استه ويراه الناس، كما أنه ينادى على الملأ: هذه غدرة فلان ابن فلان.

стр. 1680

شرح حديث: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره) قال: [وحدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا المستمر بن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره)]. أي: إذا كانت الغدرة عظيمة جداً يرفع له لواء عظيم جداً، فالزيادة في هذا الحديث تبيّن أن قدر الراية على قدر الغدر، فإذا كان الغدر عظيماً جداً ومضرته متعدية فسيكون اللواء عظيماً جداً والفضيحة أشد عظماً، وإذا كانت الغدرة بسيطة وسهلة ومن الممكن أن تتدارك، فإن اللواء يُرفع على قدر الغدرة. تصور -مثلاً- أن راعياً يغش رعيته، أو أميراً يغش من تأمّر عليهم، أو خليفة يغش أمة بأسرها، فإنه سيكون لواءه أعظم لواء، فعندما تُبعث من القبور ترى لواءه في أرض المحشر، أعظم لواء يراه الناس من بعيد؛ وذلك لغدره الذي غدر به، ضيّع أمته، وضيّع دينه، فحينئذ يكون لواؤه أعظم لواء؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ما من راع يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل معهم الجنة) فإذا لم يكن بقدر المسئولية ولم يأنس من نفسه رشداً كما آنس يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]؛ لأنه آنس من نفسه رشداً وهو نبي، وذلك لما علم أنه لا أحد في هذا البلد يؤتمن على خزائن المال، ففرض عين عليه حينئذ أن يكون أميناً على خزائن المال، وهذه ليست تزكية للنفس، وإنما هي فرض عين عليه، ولا يصلح في هذا الموطن الهروب وليس من الورع في شيء، أما أن يعلم أنه ليس أهلاً لذلك ويطلب الإمارة أو الولاية أو السلطة ويغدر ويغش رعيته، فالأحرى أن يُفضح في الدنيا والآخرة. قال: [(لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة)]. وليس هناك أعظم جرماً من رجل استرعاه الله تعالى رعية ولم يحطهم بنصيحة ويعلمهم العلم الشرعي، ويقيمهم على الجادة، ويحضهم على السنن، وينهاهم عن البدع، وإذا علمهم وحضهم على السنن ونهاهم عن البدع فلا شك أنه قد أدى ما عليه، وأجره عند الله . قال الإمام: (اللواء: هو الراية العظيمة، لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعاً له). فمعنى (لكل غادر لواء) أي: علامة يُشهر بها في الناس؛ لأن اللواء أعظم خاصية فيه الشهرة والاجتماع عند الرئيس، وقد كان هناك عرب تنصب الألوية في الأسواق المليئة بالناس لغدرة الغادر تشهره بذلك، فيسأل الناس: لمن رُفعت هذه الراية؟ فيقولون: لفلان. إنه غدر في كذا وكذا. فغالب رفع الراية عند العرب للغدر فيما يسمى بالجوار، قال النبي ﵊: (أجرنا من أجرت يا أم هانئ) والإجارة أو الجوار: هو كف الأذى عن المجار أياً كان مسلماً أو كافراً، وهذا أمر معروف عند العرب للمؤمن والكافر، وأنتم تعلمون أن أبا بكر الصديق دخل في جوار ثم خرج منه، والنبي ﷺ دخل في جوار وخرج منه، والمشركون دخلوا في جوار النبي ﵊ وفي جوار أبي بكر وفي جوار أم هانئ. وكان المجير يخرج إلى الكعبة وينادي في الناس: إن فلاناً دخل في جواري أو دخل في جوار فلان. وهذا يعني: ألا يتعرض له أحد بإيذاء وإلا فهذا انتهاك لحرمة القبيلة كلها. والغادر هو: الذي يواعد على أمر ولا يفي به. وكذلك يقال: غدر يغدر -بالكسر-.

стр. 1681

تحريم الغدر وذم أهله في هذه الأحاديث: بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن خطره عظيم، وغدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين. وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر، ولا شك أن الفقير الكذّاب مبغض عند الله، والذي هو أشد منه بغضاً: الملك الكذّاب؛ لأنه ليس في حاجة إلى الكذب. كذلك الكبر من الغني مبغض، لكنه يكون أشد بغضاً من الفقير. وكذلك الغادر إذا كان صاحب ولاية عامة فغدره أشد بغضاً وعقوبة وإثماً من الذي لا يتعدى ضرره إلى الآخرين، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر. أي: إمام العامة. لكن القاضي عياض ذكر احتمالين. قال: (أحدهما: أن هذا الحديث ورد في ذم الغادر من الأئمة الغادرين، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي تقلدها لرعيته والتزم القيام بها، والمحافظة عليها، ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده). أي حينما يُعَيَّن فلان من الناس والياً أو رئيساً أو زعيماً أو غير ذلك فمن الطبيعي أنهم يضعون يده على المصحف ويقولون: احلف باليمين الدستوري أقسم بالله أقسم بالله أقسم بالله أن أعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله، وأن أرعى مصالح الأمة، ومصالح الشعب -أخذوا كأنه شيء عادي بلادي بلادي، لكِ حبي وفؤادي- وقبل أن يخرج من المجلس يكون قد غدر بالكتاب، والسنة، والأمة. أليس هذا بغدر؟ بلى. انظروا إلى الأحكام الشرعية والمصطلحات الشرعية أصبحت محل استهزاء الناس. قال: (والاحتمال الثاني: أن يكون المراد: نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه). والصحيح الأول.

стр. 1682

باب جواز الخداع في الحرب الباب الخامس: (باب جواز الخداع في الحرب). انظر إلى اللفتة الطيبة للإمام مسلم، ثم من بعده تبويب الإمام النووي، فقد قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يُرفع له عند استه يُعرف به. يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان)، ويقول ﵊: (الحرب خدعة)، فلذلك قام الإمام مسلم بسردها متتابعة في بابين؛ حتى يفرّق بين الغدر، وبين الخداع في الحرب، ويُعلم أن الخداع في الحرب ليس من باب الغدر. قال: [وحدثنا علي بن حجر السعدي وعمرو الناقد وزهير بن حرب -واللفظ لـ علي وزهير. قال علي: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا سفيان -أي: ابن عيينة - قال: سمع عمرو جابراً -وعمرو هو ابن دينار المكي - سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : (الحرب خُدعة)] أو (خدْعة) أو (خُدَعة) على ثلاث لغات. [وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر بن راشد البصري عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحرب خدعة).

стр. 1683

جواز الخداع في الحرب وتحريم نقض العهد والميثاق اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل، والكلام هذا في غاية الأهمية، فلو أنه نقض عهد أمان أو ميثاق أمان، فهذا نسميه غدراً. إذاً: الأول: خدعة. والثاني: غدر. ومن الأمثلة على الخدعة في الحرب: الإغارة على العدو بياتاً أو صباحاً، فيأتي المسلمون صبحاً، وليس هناك مجال إلا التسليم ورفع الراية، وذلك بالدخول عليهم من غير إنذار سابق، وقد سبق لهم العلم بالإسلام فلم يدخلوا فيه، وأنتم تعلمون أن مذهب الجماهير بجواز الإغارة على العدو ما دامت الدعوة قد بلغته، ولا يلزم الإنذار الخاص، فحينئذ يجوز التبييت أو التخضيع أو الإغارة ليلاً أو نهاراً بغير إذن، وهذا من باب الخدعة. مثال آخر: أن يرسل أمير الجيش إلى العدو: لقد أتيناكم في ألف بعير وخمسمائة فرس، ونحن قادمون إليكم وسنفعل بكم كيت وكيت وكيت، وفي حقيقة الأمر معهم مائة ألف بعير، وهو في رسالته لم يكذب، بل بالفعل أتى ومعه ألف بعير وزيادة، فرتّب العدو جيشه على اعتبار أن جيش المسلمين هو جيش العدو بالنسبة لهم. كذلك حفر الخنادق خدعة حتى إذا أتى العدو وقع في الخندق، وغير ذلك من الخدع التي يصطنعها الناس في حروبهم، فالحرب خدعة إلا أن يكون في هذه الخدعة نقض عهد أو أمان فلا يحل حينئذ. مثال ذلك: أتيت العدو وأخذ مني عهداً وميثاقاً أن يكون بيننا هدنة عشر سنوات، فقمت أنا بالقتال في العام السابع أو الثامن أو التاسع دون أن ينقض العدو العهد، فهذا لا يحل في الشرع، وإنما يحل الحرب بعد انتهاء المدة المعروفة بيننا، أما في أثناء العهد والأمان فلا يحل بحال إلا إذا نقض العدو العهد أو الميثاق، فحينئذ لم يأت الغدر من قبلي، وإنما أتى من قِبله.

стр. 1684

بيان الحالات التي يجوز فيها الكذب وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها: في الحرب، والكذب على الزوجة، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين -الكذب الصريح- لكن بعض أهل العلم قالوا: الكذب هنا المقصود به: المعاريض، وفي حقيقة الأمر مذهب جمهور العلماء: أن الكذب الصريح حلال في هذه المواطن. فأقول: معي مائة ألف فرس، ولم يكن معي إلا مائة فرس فقط، فهذا لا شك أنه صريح، لكني ما قلته إلا لإرهاب العدو. وكذلك الكذب على الزوجة، كأن تقول لها: ما أجملكِ وألطفكِ وأنعمكِ، وهي في الحقيقة في قمّة الدمامة وثقل الدم وقلة الأدب وغير ذلك، لكنك تقول لها هذا الكلام حتى يتلطّف الجو بينك وبينها. وكذلك الصلح بين المتخاصمين، وهذا يقابل النميمة، فالمختصمان كل منهما ثائر وغاضب في وجه صاحبه، وفي غيبته يسبه ويشتمه ويلعنه، فأنت تذهب إلى أحدهما وتقول له: قال فيك فلان: كذا وكذا ويثني عليك خيراً ويحبك، ويعجب من تفريق الشيطان بينكما وغير ذلك، فلا شك أن الثاني مع التكرار يقبل هذا الكلام، وتذهب للثاني وتقول له مثلما قلت للأول، فلا شك أن هذا يبعث في القلوب التآلف والتحاب والتواد. أما النميمة، فهي: أن تأخذ كلاماً من فلان وتذهب به إلى علان وتقول: هو قال عنك كذا، بل وتزيد عليه من عندك كلاماً حتى تزيد العداوة بين الاثنين، فهذه هي النميمة، وكفى فيها قوله ﵊: (لا يدخل الجنة نمّام) أي: لا يدخل الجنة لأول وهلة، والنميمة كبيرة من الكبائر. قال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب. وهذا الكلام يُرد به على الإمام الطبري عليه رحمة الله.

стр. 1685

باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء الباب السادس: (باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء). أي: لا تتمن لقاء العدو، لكن إذا لقيته فاصبر، فإذا صار أمراً مقدراً حتماً فإنه يجب عليك في حينه الصبر، فعليك أن تسلك المسلك الطيب والنهج المستقيم، وهو أن تدعو الله أن يصرف عنك عدوك مهما كان، حتى لو كان من المسلمين، أن تدعو الله أن يصرف عنك كيد الكائدين وعداوة الأعداء، لكن إذا لقيت العدو فحينئذ وجب عليك الصبر.
следующие страницы →