Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
تحريم الغدر وذم أهله
في هذه الأحاديث: بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن خطره عظيم، وغدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين.
وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر، ولا شك أن الفقير الكذّاب مبغض عند الله، والذي هو أشد منه بغضاً: الملك الكذّاب؛ لأنه ليس في حاجة إلى الكذب.
كذلك الكبر من الغني مبغض، لكنه يكون أشد بغضاً من الفقير.
وكذلك الغادر إذا كان صاحب ولاية عامة فغدره أشد بغضاً وعقوبة وإثماً من الذي لا يتعدى ضرره إلى الآخرين، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر.
أي: إمام العامة.
لكن القاضي عياض ذكر احتمالين.
قال: (أحدهما: أن هذا الحديث ورد في ذم الغادر من الأئمة الغادرين، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي تقلدها لرعيته والتزم القيام بها، والمحافظة عليها، ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده).
أي حينما يُعَيَّن فلان من الناس والياً أو رئيساً أو زعيماً أو غير ذلك فمن الطبيعي أنهم يضعون يده على المصحف ويقولون: احلف باليمين الدستوري أقسم بالله أقسم بالله أقسم بالله أن أعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله، وأن أرعى مصالح الأمة، ومصالح الشعب -أخذوا كأنه شيء عادي بلادي بلادي، لكِ حبي وفؤادي- وقبل أن يخرج من المجلس يكون قد غدر بالكتاب، والسنة، والأمة.
أليس هذا بغدر؟ بلى.
انظروا إلى الأحكام الشرعية والمصطلحات الشرعية أصبحت محل استهزاء الناس.
قال: (والاحتمال الثاني: أن يكون المراد: نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه).
والصحيح الأول.
стр. 1682
باب جواز الخداع في الحرب
الباب الخامس: (باب جواز الخداع في الحرب).
انظر إلى اللفتة الطيبة للإمام مسلم، ثم من بعده تبويب الإمام النووي، فقد قال رسول الله ﷺ : (لكل غادر لواء يُرفع له عند استه يُعرف به.
يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان)، ويقول ﵊: (الحرب خدعة)، فلذلك قام الإمام مسلم بسردها متتابعة في بابين؛ حتى يفرّق بين الغدر، وبين الخداع في الحرب، ويُعلم أن الخداع في الحرب ليس من باب الغدر.
قال: [وحدثنا علي بن حجر السعدي وعمرو الناقد وزهير بن حرب -واللفظ لـ علي وزهير.
قال علي: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا سفيان -أي: ابن عيينة - قال: سمع عمرو جابراً -وعمرو هو ابن دينار المكي - سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال رسول الله ﷺ : (الحرب خُدعة)] أو (خدْعة) أو (خُدَعة) على ثلاث لغات.
[وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر بن راشد البصري عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الحرب خدعة).
стр. 1683
جواز الخداع في الحرب وتحريم نقض العهد والميثاق
اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل، والكلام هذا في غاية الأهمية، فلو أنه نقض عهد أمان أو ميثاق أمان، فهذا نسميه غدراً.
إذاً: الأول: خدعة.
والثاني: غدر.
ومن الأمثلة على الخدعة في الحرب: الإغارة على العدو بياتاً أو صباحاً، فيأتي المسلمون صبحاً، وليس هناك مجال إلا التسليم ورفع الراية، وذلك بالدخول عليهم من غير إنذار سابق، وقد سبق لهم العلم بالإسلام فلم يدخلوا فيه، وأنتم تعلمون أن مذهب الجماهير بجواز الإغارة على العدو ما دامت الدعوة قد بلغته، ولا يلزم الإنذار الخاص، فحينئذ يجوز التبييت أو التخضيع أو الإغارة ليلاً أو نهاراً بغير إذن، وهذا من باب الخدعة.
مثال آخر: أن يرسل أمير الجيش إلى العدو: لقد أتيناكم في ألف بعير وخمسمائة فرس، ونحن قادمون إليكم وسنفعل بكم كيت وكيت وكيت، وفي حقيقة الأمر معهم مائة ألف بعير، وهو في رسالته لم يكذب، بل بالفعل أتى ومعه ألف بعير وزيادة، فرتّب العدو جيشه على اعتبار أن جيش المسلمين هو جيش العدو بالنسبة لهم.
كذلك حفر الخنادق خدعة حتى إذا أتى العدو وقع في الخندق، وغير ذلك من الخدع التي يصطنعها الناس في حروبهم، فالحرب خدعة إلا أن يكون في هذه الخدعة نقض عهد أو أمان فلا يحل حينئذ.
مثال ذلك: أتيت العدو وأخذ مني عهداً وميثاقاً أن يكون بيننا هدنة عشر سنوات، فقمت أنا بالقتال في العام السابع أو الثامن أو التاسع دون أن ينقض العدو العهد، فهذا لا يحل في الشرع، وإنما يحل الحرب بعد انتهاء المدة المعروفة بيننا، أما في أثناء العهد والأمان فلا يحل بحال إلا إذا نقض العدو العهد أو الميثاق، فحينئذ لم يأت الغدر من قبلي، وإنما أتى من قِبله.
стр. 1684
بيان الحالات التي يجوز فيها الكذب
وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها: في الحرب، والكذب على الزوجة، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين -الكذب الصريح- لكن بعض أهل العلم قالوا: الكذب هنا المقصود به: المعاريض، وفي حقيقة الأمر مذهب جمهور العلماء: أن الكذب الصريح حلال في هذه المواطن.
فأقول: معي مائة ألف فرس، ولم يكن معي إلا مائة فرس فقط، فهذا لا شك أنه صريح، لكني ما قلته إلا لإرهاب العدو.
وكذلك الكذب على الزوجة، كأن تقول لها: ما أجملكِ وألطفكِ وأنعمكِ، وهي في الحقيقة في قمّة الدمامة وثقل الدم وقلة الأدب وغير ذلك، لكنك تقول لها هذا الكلام حتى يتلطّف الجو بينك وبينها.
وكذلك الصلح بين المتخاصمين، وهذا يقابل النميمة، فالمختصمان كل منهما ثائر وغاضب في وجه صاحبه، وفي غيبته يسبه ويشتمه ويلعنه، فأنت تذهب إلى أحدهما وتقول له: قال فيك فلان: كذا وكذا ويثني عليك خيراً ويحبك، ويعجب من تفريق الشيطان بينكما وغير ذلك، فلا شك أن الثاني مع التكرار يقبل هذا الكلام، وتذهب للثاني وتقول له مثلما قلت للأول، فلا شك أن هذا يبعث في القلوب التآلف والتحاب والتواد.
أما النميمة، فهي: أن تأخذ كلاماً من فلان وتذهب به إلى علان وتقول: هو قال عنك كذا، بل وتزيد عليه من عندك كلاماً حتى تزيد العداوة بين الاثنين، فهذه هي النميمة، وكفى فيها قوله ﵊: (لا يدخل الجنة نمّام) أي: لا يدخل الجنة لأول وهلة، والنميمة كبيرة من الكبائر.
قال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب.
وهذا الكلام يُرد به على الإمام الطبري عليه رحمة الله.
стр. 1685
باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء
الباب السادس: (باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء).
أي: لا تتمن لقاء العدو، لكن إذا لقيته فاصبر، فإذا صار أمراً مقدراً حتماً فإنه يجب عليك في حينه الصبر، فعليك أن تسلك المسلك الطيب والنهج المستقيم، وهو أن تدعو الله أن يصرف عنك عدوك مهما كان، حتى لو كان من المسلمين، أن تدعو الله أن يصرف عنك كيد الكائدين وعداوة الأعداء، لكن إذا لقيت العدو فحينئذ وجب عليك الصبر.
стр. 1686
شرح حديث النهي عن تمني لقاء العدو
[حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو عامر العقدي عن المغيرة -أي: ابن عبد الرحمن الحزامي - عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا)] أي: فإذا كان أمراً واقعاً حتماً مفروضاً فالذي يجب عليكم حينئذ الصبر.
[حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن أبي أوفى] وهو صحابي مشهور، مصري.
وانظر هنا إلى قول موسى بن عقبة: عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم.
أي: أنه لم يسمع، وإنما نقله من كتاب؛ ولذلك العلماء يقولون: من أسانيد التحمل: الوجازة أو الكتابة أو الإجازة، والإجازة شرحها يطول، فنكتفي بالكتابة أو الوجازة.
ما هي الكتابة؟ أن أكتب لك بخط أنت تعرفه، مذيلاً باسمي وأقول: ارو عني هذا.
فهذه تسمى كتابة مشفوعة بالإجازة.
أما الكتابة غير المشفوعة بالإجازة: فهي التي يسميها العلماء بالوجادة.
والوجادة: هي أن يترك عالم كتاباً له معروفاً بخطه ومعروفاً بأن هذه الأحاديث من حديثه توجد في مكان يغلب أنها من روايته كالبيت، فإذا مات الرجل وجد هذا الكتاب في بيته، وعلم أن هذه أحاديثه كان يحدّث بها، وأن هذا خطه، لكنه غير مذيل فحينئذ أقول: وجدت في كتاب فلان: (قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان إلى آخر الحديث)، كما لو أتيت لتنظر في مسند الإمام أحمد بن حنبل فإنك تجد فيه زيادات لـ عبد الله ابن الإمام أحمد.
قال: وجدت في كتاب أبي قال: حدثنا فلان، ولا يخفى على عبد الله بن أحمد بن حنبل أحاديث أبيه، كما لا يخفى عليه خطه ابتداء، قد وجد عبد الله كتباً في غرفة أبيه بعد وفاته لم يسمعها منه، فحدّث بها وجادة.
كذلك أبو النضر يقول: عن كتاب.
أي: إني أُحدثكم من كتاب رجل من أسلم يقال له: عبد الله بن أبي أوفى من أصحاب النبي ﵊.
ولو قال أبو النضر: وجدت في كتاب قال: حدثنا فلان، لما كان الحديث صحيحاً.
لأنه سيكون فيه انقطاع وجهالة.
قال: [فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية -ليحاربهم- يخبره أن رسول الله ﷺ كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية)] أي: لا تتمنوا لقاء العدو بقلوبكم وألسنتكم، واسألوا الله تعالى بقلوبكم وألسنتكم العافية.
قال: [(فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي ﷺ وقال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب! اهزمهم وانصرنا عليهم)].
قوله: (اللهم منْزل الكتاب) فيه لغتان: منْزل ومنزّل.
стр. 1687
الحكمة من النهي عن تمني لقاء العدو
وإنما نهى ﷺ عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع من البغي.
أي: أن الإنسان يبغي على نفسه في هذا الموطن، إلا أن يلزم من ذلك النزال.
ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا من أعظم أسباب الفشل، كأن تقول: من هي إسرائيل؟ إنما هم قليل لا يتجاوز عددهم مليوني نسمة، فلو أن الواحد منا بصق لأغرقهم.
هذا الكلام صحيح، لكن هذا لا يدعونا إلى الاستهانة بقوة العدو.
قال: (وتأوله بعضهم على أن النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في المصلحة فيه وحصول ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة).
لكن الصحيح هو الرأي الأول، ولهذا تممه ﵊ بقوله: (واسألوا الله العافية) وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين -هذا دعاء الإمام النووي - اللهم آمين.
стр. 1688
الصبر آكد أركان القتال
وأما قوله ﷺ : (وإذا لقيتموهم فاصبروا) فهذا حث على الصبر في القتال، وهو آكد أركان القتال.
فأهم شيء في القتال: الصبر؛ لأن بريق السيوف فتنته عظيمة جداً، ولو أيقن المرء أنه لا يصاب من هذا السيف إلا كما يشعر أحدنا بوخز الإبرة لصبر، لكن بريق السيف فتنة في حد ذاته.
ولذلك سأل الصحابة النبي ﷺ : ما بال الناس يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال ﵊: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: فوق رأسه فتنة، وقد أغناه ذلك عن أن يفتن في قبره على يد منكر ونكير.
وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] والثبات بمعنى: الصبر ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦] أطيعوا الله ورسوله خاصة في موطن القتال، وموطن المواجهة واللقاء، فلو أن قائد الجيش قال: قاتلوا يمنة، فتقول: لا لا، نحن لا نرى أن القتال يمنة بل نقاتل يسرة.
يقول: تقدموا.
نقول: تأخرنا.
تأخروا تقول: تقدمنا.
إذا كان الأمر كذلك فإنه لا يمكن أبداً لهذا الجيش أن يكتب له النصر ولا النجاح، بل لا بد أن يسمع كلام القائد، وإن بدا أن كلام القائد غير صحيح فلا أقل من أنه معذور في ذلك بلا نزاع، حتى وإن كان كلامه في عين الحقيقة ليس كلاماً سديداً، ولكنه بذل وسعه واجتهد رأيه في إقامة الحق، فهذا لا إثم عليه، كما أن هذا لا يبيح للجيش أن يخالف، بل يجب عليهم جميعاً أن يمتثلوا أمره ويلتزموا طاعته، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ [الأنفال:٤٦ - ٤٧] أي: فخراً وعجباً ورياء ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧] أي: ورياء للناس ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧].
فهذه الآيات قد جمعت آداب الجهاد في سبيل الله وبعض أحكام الجهاد في سبيل الله .
стр. 1689
الجهاد في سبيل الله سبب في تحصيل الجنة
قوله: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).
قال الإمام النووي: (معناه: ثواب الله).
هذا تأويل غير سائغ ولا مقبول من الإمام النووي، بل ينبغي إجراء هذا الكلام على ظاهره، أن الجنة تحت ظلال السيوف.
أي يحصّل المرء النعيم السرمدي الأبدي في جنة عرضها السماوات والأرض بسبب الجهاد في سبيل الله .
وفي الحديث: (إن الله تعالى أعد للشهيد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض).
وفي رواية: (ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام).
فالجهاد هو السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، فاحضروا فيه بصدق واثبتوا.
стр. 1690
بيان الأوقات التي كان يقاتل فيها النبي ﷺ العدو
قوله: (حين سار إلى الحرورية، يخبره أن رسول الله ﷺ كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس) إلى آخر الحديث.
أي: أن النبي ﷺ كان يقاتل الناس إذا مالت الشمس ناحية الغرب.
فمعنى: مالت: تضيّقت إلى ناحية الغرب وظهر الفيء.
أي: كان النبي ﷺ يغير على العدو ويقاتله بعد صلاة الظهر، وربما يكون ذلك لمصلحة متعلقة بالصلاة، أنه كان يجمع الظهر والعصر جمع تقديم، ويؤخر المغرب إلى العشاء جمع تأخير لحاجة الحرب.
والله أعلم.
قال: في هذا الحديث: أن النبي ﵊ انتظر حتى مالت الشمس، فقام فيهم فقال: (يا أيها الناس!) إلى آخره.
ففي هذا الحديث وفي غيره: أنه ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، والمعروف أن النبي ﷺ كان معظم قتاله بعد صلاة الصبح، لكنه كان يؤخر القتال أحياناً لحاجة الحرب أو لجهد أصحابه حتى يأخذ الصحابة قسطاً من الراحة أو غير ذلك.
قال العلماء: سببه أنه أمكن للقتال -يعني: سبب التأخير إلى الظهر أنه أمكن للقتال- فإنه وقت هبوب الريح ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطاً وإقداماً على عدوهم وقد جاء في صحيح البخاري: أخّر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة.
قالوا: وسببه: فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها.
قوله: (ثم قام النبي ﵊ فقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)) فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار.
أي: طلب النصر من الله .
стр. 1691
باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو
الباب السابع: (باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو) أو التكبير -الله أكبر- في الحرب خاصة عند كل شرف، وهذا مسنون حتى في غير الحرب، فعند أي مكان مرتفع وأنت تصعده تقول: الله أكبر الله أكبر، وإذا نزلت تقول: سبحان الله.
[حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد بن عبد الله -وهو الطحان الواسطي - عن إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب! اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم).
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت ابن أبي أوفى -وهو عبد الله - يقول: دعا رسول الله ﷺ بمثل حديث خالد].
ولا يظن الظان أن النبي ﷺ سمع خالداً يدعو فقام يدعو.
قال: [بمثل حديث خالد، غير أنه قال: (هازم الأحزاب) ولم يذكر قوله: (اللهم)].
قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم -الذي هو ابن راهويه - وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بهذا الإسناد.
وزاد ابن أبي عمر في روايته: (مجري السحاب).
وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: اللهم إنك إن تشأ لا تُعبد في الأرض)] وفي رواية: (يوم بدر)، والجمع بينهما ممكن بإثبات الدعاء في بدر وفي أحد، ولا منافاة بين هذا وذاك.
هذا كلام فيه حذف، وهذا من البيان، أنه يذكر بعض الكلام ويستغني عن بعضه الآخر للزومه وضرورته، وعدم استقامة الكلام إلا به.
أما قوله: (اللهم اهزمهم وزلزلهم) أي: أزعجهم وحركهم بالشدائد، يعني: ما دام من تقدير الله تسلّط هؤلاء الكفار علينا، فمن تقدير الله كذلك الدعاء الذي يقطع البلاء، فنحن ندعوك أن تهزمهم وتزلزلهم بالفتن والزلازل والبراكين والشدائد، وغير ذلك من البلايا التي تنزل بهؤلاء الكفار.
قال العلماء: وفي هذا الحديث التسليم لقدر الله تعالى، والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدّر، بل الشر مراد لله ، لكن إرادة كونية قدرية.
وهذا الكلام متضمن أيضاً طلب النصر، وجاء في هذه الرواية أنه ﷺ قال هذا يوم أحد، وقاله يوم بدر، وهو المشهور في كتب السير والمغازي، ولا معارضة، فقد قاله في الغزوتين ﷺ .
стр. 1692
باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب
الباب الثامن: (باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب).
المقصود: بالصبيان: الصبيان الذين لم يشاركوا في الحرب.
واليهود يقولون: أليس الدين الإسلامي يحرّم قتل الأطفال، إلا إذا شاركوا في الحرب؟ نقول لهم: ألستم تقتلون الأطفال الفلسطينيين، لأن الأطفال الآن هم الذين يحاربون؟! فإني أعجب ممن يركب الدبابة ويجري خلف الطفل!
стр. 1693
شرح حديث النهي عن قتل النساء والصبيان
[حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث.
(ح) وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن نافع عن عبد الله: (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ -أي: أن النبي ﵊ هو الذي كان على رأس هذه الغزوة- مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان).
فالذين ينهى عن قتلهم: النساء، ثم الصبيان، ثم الشيوخ.
والشيوخ بمعنى: كبار السن، إلا أن يخرجوا مقاتلين محاربين إما مادياً أو معنوياً، فحينئذ يقتلون أصلاً.
والمشاركة المعنوية: أن يخرج الواحد منهم -أي: من النساء والشيوخ الكبار- لرسم خطة الحرب.
وأنتم تعرفون أن دريد بن الصمة كان قد تجاوز عمره (١٠٠) عام، وخرج مع المشركين للحرب، وليرسم لهم الخطة، فقال: تخرجون بأموالكم ونسائكم وأطفالكم؛ وذلك ليكون المال والنساء والأطفال أعظم حافز لكم على القتال والنزال وترك الفرار، وكانت هذه الخطة وبالاً عليهم، وهوجم الجيش وأُسر منهم مأسرة عظيمة، وقُتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل دريد؛ لأنه خرج ليضع خطة الحرب، ولم يُنكر النبي ﵊ قتله مع أنه شيخ، فأمثال هؤلاء إذا خرجوا محاربين وإن كان حرباً معنوياً فحينئذ لا بأس بقتالهم.
وفي حديث عبد الله بن عمر قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان).
стр. 1694
تحريم قتل النساء والصبيان
أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فالنساء والصبيان، والشيوخ، والرهبان، والخدم والرعاة -خمسة أصناف- لا يُقتلون إلا إذا قاتلوا، كما أن الفلاح لا يُقتل؛ لأنه ليس محارباً.
قال الإمام: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا).
وهذا يعني: أنهم إذا قاتلوا قُتلوا.
الأمر الثاني: أن العدو إذا تترس بهم قُتلوا تبعاً لا قصداً، كمن يتترس خلف امرأة فتقتل المرأة معه.
إذاً: إذا تترس العدو بهؤلاء يُقتلون جميعاً، لكن لا يُقتلون إلا تبعاً، مثال ذلك: لم أجرؤ على قتل المرأة إلا لأجل الوصول إلى من وراءها ومن بعدها، فقُتلت تبعاً لا قصداً، وإذا لم يمكن الوصول إلى عدوي إلا بهذا الطريق فلا بأس بذلك، فإن قاتلوا -قال جماهير العلماء- يُقتلون، وأما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا.
إذاً: النساء، والصبيان، والشيوخ، والخدم، والرهبان -خمسة أصناف- هؤلاء أمرنا الشرع بالكف عن قتلهم؛ لأنهم ليسوا أهل قتال، فإن زالت العلة زال الحكم، فإذا قاتل هؤلاء قتلوا قصداً.
стр. 1695
باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد
الباب التاسع: (باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد).
الأصل فيهم عدم القتل إلا إذا قاتلوا، و (إلا) وما بعد (إلا) ناسخ لما قبلها.
قال: (باب جواز قتل النساء والصبيان)، وهؤلاء يسميهم الشرع الذراري، فالذراري: الأولاد والنساء.
قال: باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد.
البيات هي: الإغارة على العدو ليلاً، فحينما أغير على العدو ليلاً هل أظل أنقّي وأقول: هذا طفل، وهذه امرأة؟ لا أستطيع؛ لأنني أضرب من بعيد، ولم آت لأفرز: هؤلاء أطفال، وهؤلاء نساء، وهؤلاء شيوخ، وهؤلاء رهبان، فقصدي قتل المحاربين، فلا يمنع أن يُقتل في الحالة هذه غير المحاربين من دون قصد، وحينئذ الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان يُقتلون تبعاً لا قصداً، وفي هذه الحالة يأخذون حكم المحاربين.
قال ابن عباس: عن الصعب بن جثامة قال: (سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم).
أي: أنهم والمحاربون سواء في الحكم، فليس عليكم شيء إن أغرتم عليهم ليلاً فاقتلوهم جميعاً؛ لأن حكمهم واحد: (هم منهم).
وفي رواية عن الصعب كذلك قال: (قلت: يا رسول الله! إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين.
قال: هم منهم).
ومن حديث ابن عباس عن الصعب كذلك: (أن النبي ﵊ قيل له: لو أن خيلاً أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: هم من آبائهم).
يعني: هم وآباؤهم في الحكم سواء في الإغارة ليلاً.
وتقديره: أنه ﵊ سئل عن حكم المشركين الذين يبيّتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل فقال: (هم من آبائهم) أي: لا بأس بذلك؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح، وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد: إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة.
وأما الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان فالمراد به إذا تميزوا؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [الفتح:٢٥] أي: لو تميزوا حينئذ لا يحل قتل النساء والصبيان والأصناف التي نهى عن قتلها الشرع.
قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ [الفتح:٢٥] أي: لو تميّزوا وتحيّزوا، هؤلاء في ناحية وهؤلاء في ناحية أخرى، حينئذ لا يحل قتل هؤلاء الأصناف التي نهانا الشرع عن قتلهم، فإن اختلطوا بهم ولم يمكن الوصول إلى المحاربين إلا بقتل هؤلاء؛ فيأخذون حكماً واحداً: (هم من آبائهم)، أي: أنهم في الحكم سواء.
وهذا مذهب جماهير العلماء.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز البيات.
أي: أن الحرب خدعة.
قال: البيات: هي مفاجأة العدو ليلاً في عقر داره.
وفيه: جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك.
وفيه: أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم -إذا ماتوا- خلاف، فمنهم من قال: حكمهم في الآخرة حكم آبائهم -أي: كفار أيضاً- ومنهم من قال بالتوقف.
أي: لا نحكم لهم بإيمان ولا بكفر.
ومذهب ثالث قال: يُعقد لهم اختبار وابتلاء فإن نجحوا -أي: في التوحيد- ووحدوا الله تعالى دخلوا الجنة، وإلا فهم من أصحاب النار.
والصواب: أن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل بلوغ الحلم ولم يجر عليهم القلم فهم في الجنة.
هذا الرأي الرابع وهو الصواب.
والله تعالى أعلم.
стр. 1696
باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها
الباب العاشر: (باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها).
أنتم تعلمون أن الشرع قد نهى عن قطع الأشجار، وقد أجاز مع وجود هذا النهي قطع أشجار الكفار وتخريب ديارهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
[حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث بن سعد المصري.
وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن نافع عن عبد الله: (أن رسول الله ﷺ حرّق نخل بني النضير وقطع)].
يعني حرّق جزءاً وقطع جزءاً من النخل، وكلمة النخل لا تطلق إلا على نفس التمر والبلح، ونخل بني النضير كان في مكان يسمى البويرة.
[زاد قتيبة وابن رمح في حديثيهما: (فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر:٥])].
واللينة هي أنواع الثمر كلها، إلا العجوة كما يقول ابن منظور.
وبعضهم قال: بل كل الأشجار والنخيل تسمى لينة للينها وتمايلها.
قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥].
[حدثنا سعيد بن منصور وهناد بن السري قالا: حدثنا ابن المبارك عن موسى بن عقبة - وهو إمام المغازي والسير- عن نافع عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق)] أي: أنه قطع جزءاً وحرّق جزءاً، أو قطع النخل ثم حرّقه بعد ذلك.
قال: [(ولها يقول حسان -أي: حسان بن ثابت ﵁ يقول لذلك شعراً-: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير -والسراة: أشرف القوم- وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ [الحشر:٥] الآية)].
قال الإمام: (وقد ذكرنا قبل هذا أن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً).
وهذا ليس ببعيد، فأنت إذا ذهبت إلى المدينة المنورة أو مكة المكرمة إلى سوق التمور لوجدت هناك من الأنواع ما لا حصر له، منها الرديء ومنها الجيد، والغالي والرخيص.
(وفي هذا الحديث: جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر).
стр. 1697
باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
الباب الحادي عشر: (باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة).
النبي ﵊ يقول: (فُضّلت على الأنبياء بخمس.
منها: وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، أما من كان قبل النبي ﷺ من الأنبياء فقد كانوا يجمعون الغنائم ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذه الغنائم.
وهذا دليل على أن الله تقبّل هذه الغنائم من هذا النبي ومن كانوا معه.
وعلِم الله تعالى ضعفنا وحاجتنا -خاصة في أول الرسالة المحمدية- إلى المال، فأحل الله تعالى لهذه الأمة الغنائم، قال: (فُضّلت على الأنبياء بخمس.
منها: وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحد من الأنبياء قبلي).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊: (غزا نبي من الأنبياء -قيل: هو يوشع بن نون ﵇ فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن) يقول لهم: أنا ذاهب لأحارب، فالذي يريد أن يأتي معي فليأت، ولكن بشرط ألا يكون فيكم من عقد على امرأة ولم يبن بها بعد؛ لأنه سيكون مشغولاً بحبيبة القلب، فهذا لا يصلح للجهاد، ولا بد للمجاهد أن يفرغ القلب تماماً لله .
قال: (وهو يريد أن يبن بها، ولمّا يبن) أي: أنه لم يبن بعد ولكنه سيبني في المستقبل، فـ (لمّا) لنفي الماضي وجواز تحقق المستقبل.
(ولا آخر قد بنى بنياناً ولمّا يرفع سقفها)؛ لأن هذا الذي يبني بيتاً يتمنى لو أنه بلغ بهذا البيت التمام والكمال، فهو سيكون مشغولاً بذلك، وهذا لا يصلح للجهاد قال: (ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات) والخلفات: هي الحوامل من الغنم والبقر وغير ذلك.
قال: (وهو منتظر ولادها) وهذا رأس مال العرب.
(قال: فغزا بمن معه، فأدنى للقرية حين صلاة العصر) أي أنه اقترب من القرية التي يريد القتال معها عند صلاة العصر.
قال: (أو قريباً من ذلك، فقال للشمس) فهل هذه الشمس عاقلة وتسمع، وتؤمر فتأتمر بالأمر؟ قال الله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] جعل الله لها إدراكاً ففهمت الأمر وأجابت، ولكل نبي معجزات، فقال هذا النبي للشمس: (أنتِ مأمورة وأنا مأمور) وانظروا إلى هذا الخطاب الجميل جداً بين النبي وبين آية من آيات الله وهي الشمس.
أي: أنتِ مسخّرة وأنا مسخّر، كلانا عبد الله .
قال هذا النبي: (اللهم احبسها علي شيئاً).
وهذا الحديث غصة في حلوق كثير ممن يُنسبون إلى العلم، فهم يقولون: هذا العلم من الخرافات مع أنه في الصحيحين، كيف يحبس الله الشمس بدعوة رجل؟ نقول هذا: الرجل في نفسه آية من آيات الله، ونبي من الأنبياء.
قال: (فحبست عليه حتى فتح الله عليه)؛ وقد يكون ذلك إما لأنهم ما كانوا يحاربون إذا دخل الليل، أو أن ذلك محمول على أنه خشي فوات صلاة العصر، فدعا الله أن يحبس عليه الشمس.
أي: يوقفها ويثبتها فلا تتحرك ولا تغيب حتى يفتح الله عليه هذه القرية.
قال: (ففعل).
قال: (فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه) أي: جمع الغنائم، ثم رفعها في قمة جبل لتنزل النار فتأكلها، فنزلت النار فلم تأكلها ولم تطعمها، وهذه علامة من علامات رد القربان، فمن المؤكد أن هناك شيء؛ لأن علامة قبول القربان والطاعة أن تأكل النار هذه الغنائم.
فقال هذا النبي للجيش: (فيكم غلول) أي: أنه لا بد أن أحدكم غل وأخذ من الغنيمة وسرق، فقال: (فيكم غلول.
فليبايعني من كل قبيلة رجل -يبايعني يعني: يصافحني- فبايعوه فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول.
فلتبايعني قبيلتك.
فبايعته قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب.
قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد -أي: ألحقوه ببقية الغنائم على مكان مرتفع- قال: فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا -هذا الشاهد- ذلك بأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا).
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1698
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - الأنفال واستحقاق القاتل سلب القتيل
أحل الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ولأمته من بعده الغنائم والأنفال، وجعل حظ المقاتلة من هذه الغنائم الحظ الأوفر؛ لما يقدمونه في سبيل الله من دماء وفداء، وكان النبي ﷺ في بعض غزواته ينفل المقاتلة زيادة على حقهم في الغنيمة، وجعل لمن قتل قتيلاً سلبه كاملاً.
стр. 1699
باب الأنفال
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: مع الباب الثاني عشر من كتاب الجهاد، وهو: (باب الأنفال).
стр. 1700
تعريف الأنفال
والأنفال: محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من قال: الأنفال هي الغنائم عموماً ومطلقاً.
أي: أن الأنفال: هي الغنائم التي يكسبها المسلمون من الكفار في حروبهم وجهادهم.
أو هي الفيء الذي يأخذه المسلمون سلماً من أعدائهم بغير حرب.
وقيل: الأنفال هي: الغنائم بعد تقسيمها.
وتقسيم الغنائم يكون أربعة أخماس، وخمس للرسول ﵊، فقالوا: الأنفال هي هذا الخمس الذي يأخذه النبي ﷺ يفيء به على من يشاء من العباد، ومن الجند خاصة.
وقيل غير ذلك فيما يتعلق بالأنفال.
стр. 1701
الأحاديث الواردة في باب الأنفال
[وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا أبو عوانة -وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري - عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رحمه الله تعالى ورضي عن أبيه- عن أبيه قال: (أخذ أبي من الخمس سيفاً)]؛ أي: أخذ من حظ النبي ﷺ من الخمس.
ولم يقل: أخذ من الغنائم، ومصعب بن سعد يتكلم عن أبيه ويقول: [(أخذ أبي من الخمس سيفاً، فأتى به النبي ﷺ فقال: هب لي هذا)]؛ أي: اجعل هذا السيف هبة لي.
وهذا يدل على أن سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يعلم أن هذا السيف إنما خرج في خمسه ﵊، وهو خاص به ﵊؛ ولذلك طلب منه أن يجعله له هبة.
قال: [(فأبى)] أي: رفض أن يُعطي سعداً هذا السيف هبة، كيف لا وهو مالك لذلك، فالنبي ﵊ حكم فيما يملك.
أي: في الخمس الخاص به [(فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١])].
[حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وابن بشار.
اسمه محمد، كلاهما بصري في سن واحدة كانا كفرسي رهان في العلم والعبادة، حتى إنهما ماتا في سنة واحدة- واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر أي: مشاغب- حدثنا شعبة بن الحجاج العتكي] إمام البصرة، إمام الجرح والتعديل، وسيد العلل في زمانه، ومحمد بن جعفر ربيبه، تزوج شعبة بأم محمد بن جعفر حينما مات أبوه.
[عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (نزلت فيّ أربع آيات)] سعد بن أبي وقاص ﵁ يبيّن أن الله تعالى أنزل فيه أربع آيات.
قال: [(أصبت سيفاً فأتى به النبي ﷺ ] أي: أنه أخذ سيفاً من الخمس، فجاء به إلى النبي ﷺ [(فقال: يا رسول الله! نفلنيه)] أي: أعطنيه نافلة -أي: بغير حق- ليس هذا حظ سعد في الغنيمة، وإنما هذا فوق حظه في الغنيمة؛ ولذلك طلب من النبي ﵊ أن يجعله له نافلة [(فقال: نفّلنيه، فقال النبي ﵊: ضعه -أي: اترك السيف- ثم قام فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته.
ثم قام فقال: نفلينه يا رسول الله! فقال: ضعه، فقام فقال: يا رسول الله! نفلينه! أأُجعل كمن لا غناء له؟)] والغناء بمعنى: الكفاية.
أي: أتجعلني يا رسول الله كغيري؟ فـ سعد ﵁ يرى أن له ميزة على غيره، فقد كان فارساً مجاهداً شجاعا ًقوياً مقداماً، وغيره ربما لا يكون كذلك، فضلاً عن قرابة سعد من النبي ﵊، فـ سعد خال للنبي ﵊، وأنتم تعلمون أن النبي ﷺ في غزوة أحد قال: (ارم سعد فداك أبي وأمي) ولما سُر النبي ﵊ بشجاعة سعد قال: (هذا سعد خالي فليرني أحدكم خاله) يفاخر ﵊ بخاله سعد بن أبي وقاص.
قال: [(فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته.
قال: فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١])].
هناك أربع آيات نزلت في سعد بن أبي وقاص: هذه الآية، وآية في بر الوالدين، وآية في تحريم الخمر، وقول الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢].
والحديث عند مسلم بزيادة -أي: بإثبات هذه الثلاث- في مناقب سعد بن أبي وقاص.
[حدثنا يحيى بن يحيى -أي التميمي - قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (بعث النبي ﷺ سرية وأنا فيهم قِبَل نجد -ونجد الآن تمثّل منطقة الرياض وما حولها- فغنموا إبلاً كثيرة)] أي: كان من آثار هذه السرية ودخولهم مع المشركين أن غنموا بعد نصرهم على عدوهم إبلاً كثيرة.
قال: [(فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونُفّلوا بعيراً بعيراً)].
أي: أنه كان سهم كل واحد من السرية اثني عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً، أما الأنفال فواحد لكل فارس.
إذاً: السهم من أصل الغنيمة: لكل واحد اثنا عش
стр. 1702
باب استحقاق القاتل سلب القتيل
الباب الثالث عشر: (باب استحقاق القاتل سلب القتيل).
(باب استحقاق القاتل) أي: في الجهاد (سلب القتيل) أي: من الكفار.
هذا في الجهاد في سبيل الله بين المؤمنين والكافرين، أن المؤمن إذا قتل الكافر فما تركه الكافر هو سلب للمؤمن، كالفرس والذهب والفضة وغير ذلك.
стр. 1703
شرح حديث أبي قتادة: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)
[حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا هشيم بن بشير عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد الأنصاري] وهو نافع بن عباس الأ قرع المدني مولى عقيلة الغفارية قيل: هو مولى أبي قتادة، لكنه في الحقيقة ليس مولى له، وإنما قيل له: مولى؛ لأنه أصلاً مولى، لكن ليس لـ أبي قتادة وإنما لـ عقيلة الغفارية، لكن الغالب في الرواية يقولون: حدثنا أبو محمد الأنصاري مولى أبي قتادة.
قيل له: مولى أبي قتادة؛ وذلك لكثرة ملازمته لـ أبي قتادة، لكنه مولى لـ عقيلة الغفارية.
قال: [عن أبي محمد الأنصاري وكان جليساً لـ أبي قتادة قال: قال أبو قتادة.
واقتص الحديث].
[وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال.
وساق الحديث].
وفي هذين السندين نكتتان: النكتة الأولى: اجتماع ثلاثة من التابعين يحيى بن سعيد الأنصاري وعمر بن كثير وأبو محمد، يروي بعضهم عن بعض.
النكتة الثانية: ليس من عادة مسلم ﵀ أن يذكر: وساق الحديث، واقتص الحديث، وذكر الحديث، إلا لحديث قد سبق، أما حديث سيأتي فليس من عادته، وهذا ما يسميه العلماء بالتلوين.
أقول: قال النبي ﷺ كذا وكذا وكذا.
حدثني بهذا فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يذكره.
وهذا على غير العادة، فالمألوف أن الإسناد هو الأول ويعقبه المتن، أما المتن ويعقبه الإسناد فهذا نادر جداً على غير العادة، لكنه صحيح.
فالإمام مسلم ﵀ ذكر الإسناد، ثم ذكر إسناداً آخر لنفس الحديث الذي سيأتي بعد الإسناد الثالث، فقوله: وساق الحديث أي: وساق الحديث الذي سيأتي بعد، ولذلك اغتر بعض أهل العلم فتصوروا أن قوله: وساق الحديث -أي: المتقدم- وليس كذلك، وإنما ساق الحديث الذي سيأتي معنا.
قال: [حدثنا أبو الطاهر وحرملة -واللفظ له- أخبرنا عبد الله بن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: حدثني يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين -أي: في غزوة حنين- فلما التقينا كانت للمسلمين جولة)] أي: انهزام وضعف، ولم يقل: كان للنبي ﷺ جولة؛ لأن إجماع أهل العلم منعقد على حُرمة قول: انهزم النبي ﵊؛ لأن النبي ﷺ لا يُهزم، ولا تُكتب له الهزيمة، إنما تقع الهزيمة في بعض جيشه، لا على يده ﵊، فكان لبعض المسلمين في نواحي الجيش جولة وضعف وانهزام، وليس ذلك في جانب النبي ﵊، ولا يُنسب لنبي قط خسيسة حتى وإن كانت اجتماعية، فإنه حرام وصف الأنبياء بالعمل الخسيس.
فنحن نقرأ أن في كتب السنة أن من الأنبياء من كان نجاراً كزكريا ﵇، ومنهم من كان حداداً كداود ﵇، ومنهم من كان يرعى الغنم، بل جُل الأنبياء رعوا الغنم، لكن راعي الغنم في زماننا هذا مهنة غير محترمة، والحدادة كذلك، والنجارة كذلك، فقد تعارف الناس على أن أصحاب هذه المهن لا وزن لهم ولا شأن، مع احترامنا الشديد لكل مسلم موحّد، فالنبي ﵊ رعى الغنم، فيحرم على المسلم في هذا الزمان أن يقول: النبي ﷺ كان راعياً للغنم -على سبيل الامتهان- فإنه لا يُنسب لنبي قط خسة وإن كانت في أصلها شرفاً، فما دام العرف قد تعارف على أن هذا العمل خسيس، فلا يُنسب إلى النبي ﵊، ولا يُذكر أنه كان كذلك إلا من باب سرد سيرته ﵊، أنه كان يفعل ذلك؛ ولذلك كتب السيوطي والسخاوي وغير واحد من أهل العلم يدافعون عن جناب النبوة ﷺ .
قال: [(فلما التقينا كانت للمسلمين جولة.
قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين)] أي: قد أوقعه وتمكّن منه، أو جلس فوق صدره ليقتله.
قال: [(فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه -أي: بين رقبته والكتف- وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت)] أي: أنه كان لا يزال على قيد الحياة، وكان صاحب قوة وفتوة فقام من على هذا المسلم لينظر من ضربه، فإذا به أبو قتادة
стр. 1704
شرح حديث قتل معاذ ومعوذ ابني عفراء لأبي جهل وأخذ معاذ بن عمرو بن الجموح سلبه
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده -أي عبد الرحمن بن عوف - أنه قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار)] قيل هما: معاذ ومعوذ ابنا عفراء.
قال: [(فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما -يعني صغار في السن- تمنيت لو كنت بين أضلع منهما)].
عبد الرحمن بن عوف نظر إلى نفسه واقفاً في الصف، فوجد على يمينه طفلاً صغيراً وعلى يساره طفلاً صغيراً، قال: يا ليتني كنت واقفاً بين اثنين كبيرين فارسين.
قال: [(فغمزني أحدهما فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قال: فقلت: نعم.
وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: أخبُرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا)] أي: حتى يموت الذي قدّر الله له الموت قبل صاحبه.
قال: [(فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس)] لم أنشب.
أي: لم ألبث، بمجرد ما انتهيت من الحديث مع الولدين، فإذا بـ أبي جهل يصول ويجول ويتحرك ويذهب ويجيء في وسط الناس.
قال: [(فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه)] أي: هذا هو أبو جهل، فأروني ماذا أنتم فاعلون فيه.
قال: [(فابتدراه -أي- فأعجلاه- فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟)].
والمغزى من معرفة القاتل: إعطاؤه السلب.
قال: [(فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلت)] كل منهما يقول: أنا الذي قتلت يا رسول الله! فقال: [(هل مسحتما سيفيكما من الدم؟ قالا: لا.
فنظر النبي ﷺ في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لـ معاذ بن عمرو بن الجموح)].
معاذ بن عمرو بن الجموح هو الذي يأخذ السلب، مع أن النبي ﷺ قال لهذين: كلاكما قتله، ولاشك أن هذا أمر مشكل؛ ولذلك اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث.
فقال الشافعية: اشترك هذان الرجلان في جراحته فقط، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح أثخنه أولاً فاستحق السلب.
أثخنه أي: قتله.
فقتل بسبب ضرب معاذ بن عمرو بن الجموح، أما معاذ ومعوذ ابنا العفراء فكل واحد منهما أصاب بدنه بسيفه، لكن هذه الإصابة لم تكن سبباً في القتل، إنما الذي قتل على الحقيقة هو معاذ بن عمرو بن الجموح.
وإنما قال النبي ﵊: (كلاكما قتله) تطييباً لقلبيهما بحيث إن كل واحد منهما له مشاركة في قتله، والقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان، وإخراجه عن كونه ممتنعاً إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح؛ فلهذا قضى له بالسلب.
قال: (وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما، فعلم أن ابن الجموح أثخنه، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب، فلم يكن له حق في السلب.
هذا مذهب الشافعية.
وقال الإمام مالك: إنما أعطاه لأحدهما لأن الإمام مخير في السلب يعطيه من يشاء).
وقد سبق الرد على هذا المذهب.
فهذه الرواية أثبتت أن المشارك معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن العفراء.
ورواية أخرى تقول: انطلق معاذ ومعوذ ابنا عفراء، فقضى النبي ﷺ بالسلب لـ ابن الجموح.
على خلاف.
стр. 1705
شرح حديث عوف بن مالك الأشجعي في استحقاق القاتل سلب من قتل ولو كان كثيراً
[وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال: (قتل رجل من حمير رجلاً من العدو، فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره فقال النبي ﷺ لـ خالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله! قال: ادفعه إليه)] وانظروا إلى هذا العدل، فهذه التصرفات كانت أيضاً موجودة في الصحابة.
قال: (ادفعه إليه) أي: أنه أمر خالد أن يدفع السلب مع كثرته للقاتل.
قال: [(فمر خالد بـ عوف فجر بردائه)] أي: مع رجوع خالد بن الوليد من المحاكمة النبوية وصدور القرار فيها مر خالد بـ عوف، فقام عوف بجر ردائه، وقال له: ألم أقل لك بأن تعطه لي.
أي: أنك لا تفعل حتى أشتكي بك إلى النبي ﷺ أم ماذا؟ قال: [(فمر خالد بـ عوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟)] كأنه قال له قبل هذا هل تعطيني السلب؟ قال: لا أعطيه.
قال: إذا لم تعطه فسأذهب وآخذه عن طريق النبي ﷺ ، فحينما رفع عوف الأمر إلى النبي ﵊ قضى النبي ﷺ بذلك له، فشد عوف رداء خالد وقال له: [(هل أنجزت لك ما قلت لك من رسول الله؟ فلما سمع النبي ﵊ عوف بن مالك يعاتب خالداً غضب لـ خالد قال له: لا تعطه يا خالد! لا تعطه يا خالد!)] أي: بعد أن قال له: أعطه.
قال له: لا تعطه.
وليس هذا تراجعاً من النبي ﵊، وإنما هو تأديب للجيش ولأمته وتعليمهم طاعة الوالي، فأراد النبي ﷺ أن يبيّن للجيش وللمسلمين أن الأمير له كلمته، وله اجتهاده، وأن اجتهاده معمول به في الناس لا يُراجع فيه، إنما يُستشار فقط في مشروعيته وفي أحقيته، وإذا أخطأ الأمير فقد اجتهد وله أجره، ولا يُلام على ذلك.
فقال النبي ﷺ : [(لا تعطه يا خالد! لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أمرائي؟)] ألا تريدون أن تتركوا الأمراء في أن يتصرفوا كما يريدون أم لا؟ فمن حق الأمير أن يجتهد، ومن حق الأمير أن يفعل ما يشاء إلا في معصية الله تعالى! قال: (إنما مثلكم ومثلهم -أي: مثلكم يا عامة الناس! ومثل الأمراء- كمثل رجل استُرعي إبلاً أو غنماً فرعاها، ثم تحين سقيها -أي: ذهب ليسقيها- فأوردها حوضاً فشرعت فيه -أي: فبدأت تشرب من الماء- فشربت صفوه وتركت كدره -أي: وتركت الماء المعكّر الذي خالطه التراب- فصفوه لكم وكدره عليهم)] صفوه لكم يا معشر الناس، وكدره على الأمراء.
أي أن أمير الجيش بعد أن تضع الحرب أوزارها، ويكتب الله النصر لجيش المسلمين يقوم بجمع الغنائم الهائلة كلها ويقسمها خمسة أخماس وهذا العمل ليس هيناً، ثم ينظر الأمير في الجند من مات ومن بقي منهم، فيوزّع على الفارس سهمه، وعلى الفرس سهمه، وأنتم تعلمون أن الفارس له سهمان، والفرس له سهم.
ثم الخمس الخامس -وهو الأنفال- يجتهد فيه الإمام فينفل من شاء ويمنع من شاء، وهذا مجهود عظيم جداً، فأنت باعتبارك جندياً وفرداً في الجيش ما الذي تعمله بعد أن يُكتب لك النصر؟ تذهب للنوم في خيمتك إلى أن يأتوا ويعطوك سهمك من الغنيمة، وسهمك من الأنفال، وهذا السهم لم يصل إليك إلا بعد عناء ومشقة، والذي عانى هو الأمير.
إذاً: الأمير هو الذي يتولى ويكون له الكدر والتعب والمشقة وأنت لك الصفو.
أي: أنك لك خيرها، وإذا كان فيها شر فهو على الأمير، فهو الذي يتكبّد المشاق والمتاعب.
وهذا معنى قوله ﵊: (فصفوه لكم وكدره عليهم) أي: على الأمراء.
وقال ﵊ في حديث عوف أيضاً: [(خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة -ومؤتة قرية بالشام- ورافقني مددي من اليمن)] مددي أي: بعض مدد الجيش.
قال: [وساق الحديث غير أنه قال عوف: فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته].
стр. 1706
شرح حديث سلمة بن الأكوع في أن سلب الجاسوس لمن قتله
قال: [وعن إياس بن سلمة -وهو ابن سلمة بن الأكوع - قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينما نحن نتضحى -أي: نتغدى وقت الضحى- مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقاً من حقبه)] والطلق: العقال من جلد، والحقب هو: الوعاء من جلد يُجعل في مؤخرة حقو البعير، أي: كأن هذا الرجل انتزع عقالاً من جلد من حقيبة كانت في مؤخرة البعير.
قال: [(فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر)] أي: نحن جيش ضعيف، من الهزال والضعف والفقر وقلة الطعام وغير ذلك، والظهر هو المركوب من الفرس والإبل.
أي: جيش فقير وهزيل.
قال: [(وبعضنا مشاة)] أي: بعضنا يمشي على قدمه ليس له ظهر يركبه.
قال: [(إذ خرج يشتد)] أي: هذا الرجل الذي أتى على جمل أحمر فرح بما نزل بجيش المسلمين من ضعف وهزال وفقر وقلة طعام وقلة ظهر، فخرج يعدو ويشتد ويُسرع المشي.
قال: [(فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره -أي: غمزه حتى قام- فاشتد به الجمل -أي: أنه صار يعدو ويجري به الجمل في الصحراء- فاتبّعه رجل -من المسلمين- على ناقة ورقاء)] والناقة الورقاء هي: الناقة التي فيها بياض مخلوط بسواد.
قال سلمة: [(وخرجت أشتد -أي: خرج وراءه يشتد ويعدو- فكنت عند ورك الناقة)] أي: أدركت الرجل حتى كنت عند رجلها في المؤخرة.
قال: [(ثم تقدمت أكثر من ذلك حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته -أي: جعلت الجمل يقعد- فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي -أي: أخرجت سيفي من غمده- فضربت رأس الرجل فندر)] أي: فسقط ميتاً؛ لأن هذا كان جاسوساً من جواسيس الأعداء.
قال: [(ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه -أي: سلبه- فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع هو الذي قتله قال: له سلبه أجمع)]، فيه شيء من السجع غير المتكلّف ولا المقصود؛ لأن تكلّف السجع في الكلام مكروه.
وفي هذا الحديث: جواز قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين.
وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله.
وأما الجاسوس المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله.
وجماهير العلماء قالوا: لا ينتقض عهده بذلك، والأول أحب إلى قلبي.
وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يُخمّس.
أي: أن سلبه هذا لا يدخل في عموم الغنائم، فكل من قتل يأخذ سلب القتيل، والباقي يُخمّس.
وفيه: استحباب مجانسة الكلام إذ لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة والله أعلم.
والله تعالى يتقبّل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1707
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب حكم الفيء
لقد خص الله هذه الأمة من بين سائر الأمم بأن أحل لها الغنائم رحمة ورفقاً بها، والغنيمة هي ما حصل عليه المسلمون من متاع وسبي وأموال العدو بعد جهاد وكر وفر، وقد بين الهل تعالى مصارف الغنيمة ووجوهها وجعل لنبيه ﷺ خمسها، ثم إنه سبحانه أباح لنبيه ﷺ الفيء، وهو ما حصل عليه المسلمون من العدو من غير قتال، فجعله خاصاً بالإمام يجعله حيث يشاء من المصارف الشرعية.
стр. 1708
باب حكم الفيء
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فقد تكلمنا في الدرس الماضي في الفرق بين الفيء والغنيمة، أما الفيء: فإنه ما حصّله المسلمون بغير حرب ولا قتال، ومن غير أن يدركوه بخيل ولا ركاب، والفيء خاص بالإمام ينفقه حيث شاء في المصارف الشرعية.
وأما الغنيمة: فللنبي ﷺ خمسها، وأربعة أخماسها يوزّع على الغانمين، أو على المحاربين المقاتلين؛ دليل ذلك: قوله ﵊: [(أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها)] أي: أن حقكم من العطايا موجود في هذه القرية وهو الفيء الذي حُصّل دون قتال.
قال: [(وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم)] أي: أن الخمس لله ورسوله، ثم أربعة أخماسها لكم أيها المقاتلون! وفي الحديث الثاني: قال مسلم -وإن كنا قد ذكرناه من قبل: [عن مالك بن أوس بن الحدثان قال عمر ﵁: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله)].
معنى أفاء الله على رسوله أي: أخذها صلحاً وبغير قتال.
قال: [(مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب -أي: لم يقاتلوا عليه- فكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة)] أي: يحتجز لأهله من هذا الفيء ما يكفيهم لمدة عام، وإن كان الواقع يقول: إن النبي ﵊ ما احتجز طعاماً قط يكفيه لبضعة أيام وإنما كان ينفق منه، وهذا يدل على جواز الادخار لأهل البيت، كما يدل على استحباب الإنفاق من هذا المال المدخر؛ لأنه ﵊ كان ينفق منه، وكان يدعو الله تعالى أن يجعل رزق آل محمد قوتاً.
أي: على قدر قوت يومهم.
قال: [(وما بقي يجعله في الكراع -الخيل- والسلاح عدة في سبيل الله ].
أي: أنه كان يستعد من هذا الفيء للجهاد في سبيل الله، وأنتم تعلمون أن أحد مصارف الزكاة والصدقات العامة والخاصة هو سبيل الله، وسبيل الله عند الإطلاق هو الجهاد في سبيل الله تعالى.
قال: [وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي حدثنا جويرية] وهو ابن أسماء الضبعي، فـ جويرية اسم رجل، وأبوه اسمه أسماء اسم رجل كذلك، فهو جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري [عن مالك -أي: الإمام- عن الزهري: أن مالك بن أوس حدثه قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار -أي: حين طلعت الشمس وأشرقت، وكأنه يقول: أتيته وضوحاً- قال: فوجدته في بيته جالساً على سرير مفضياً إلى رماله].
الرمال: هو ما ينسج من جريد النخل أو سعف النخل؛ ليضطجع عليه صاحبه، لكن في الغالب أن هذا الرمال يوضع عليه كساء أو شيء من قطن، أو شيء ناعم ليّن حتى ينعم الجالس بجلسته.
قال: [مفضياً إلى رماله، متكئاً على وسادة من أدم -الوسادة: المخدة.
من أدم: أي من جلد محشوة- فقال لي: يا مال!] وهو ترخيم مالك، والترخيم مستحب، وكان النبي ﵊ أول من رخّم عائشة ﵂، فكان يقول لها: يا عائش! ولا يقول لها يا عائشة! وهذا من باب الدلال والترخيم الذي يفيد الود والقرب بين المرخِّم والمرخَّم.
قال: [يا مال! إنه قد دف أهل أبيات من قومك]، أي قد أتانا أهل بيوت من قومك سراعاً.
وقيل: بطئاء؛ لأن كلمة دف من ألفاظ الأضداد، فهي تستخدم استخدامات عكسية، فكلمة دف عند قوم من العرب بمعنى: أسرع.
وعند آخرين بمعنى: أبطأ.
أي: قد أتونا على استحياء ليطلبوا عطايا.
وعند تفسير آخر: قد أتونا مسرعين ليطلبوا عطايا.
قال: [وقد أمرت فيهم برضخ].
وهذا قول عمر أي: يا مالك! قد أتانا أناس من قومك يطلبون العطايا، وأمرنا لهم برضخ.
أي: بعطية قليلة.
قال: [فخذه فاقسمه بينهم].
وكان مالك سيداً في قومه.
[قال مالك: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟] تقدير الكلام: لو أمرت أن يقسّم المال فيهم غيري لكان أحسن.
قال: [خذه يا مال! -أي: أنت الذي تقسّمه- قال: فجاء يرفا]، وفي رواية: يرفأ، ولعلها كلمة فارسية ليست عربية، وهي اسم للحاجب والخادم، وفي الغالب أن العرب كانوا إذا استخدموا كلمة ليست عربية في موطنها المعروف في ذلك الوقت يستخدمون كلمات فارسية، فقوله: فجاء يرفأ.
أي:
стр. 1709
موقف المسلم من اختلاف العلماء والأقران
ابتداء نقول: إن كلام الأقران إذا لم يمكن توجيهه وتأويله يطوى ولا يروى، ولا تعلق عليه أحكام، ولا يجوز لمن أتى بعد هؤلاء الأقران أن يعتمد سب زيد في عمرو، ولا سب عمرو في زيد؛ لأنهما أقران، كما أني وفلان من أقران نختلف ونتصالح، ولا يجوز لأحد ممن يسمعنا أن يتعلق بخصومتي بفلان من أقراني، ولا بخصومة غريمي معي، ولا يجوز لأحد من طلبة العلم، أو ممن يستفيد من كلامي وكلام قريني أن يتكئ على خصومة بيني وبين فلان أو علّان.
وهذا خطأ في أصل منهج التربية لدى الشباب، أنه إذا اختلف الشيخ الفلاني مع قرينه أو العالم الفلاني مع قرينه، فإنهم يتحيزون ويتميزون وتدب المشاكل والخلافات بين الأتباع التي يمكن أن يتطاير شررها هنا وهناك، ويعظم الأمر ويفحش ولا يكون له بعد انتشاره حلاً، فالأدب الذي علمه النبي ﵊ لأصحابه وعلّمه الصحابة لمن بعدهم: أن كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى.
ويقول عبد الله بن عباس ﵄: إن الغيرة بين أهل العلم أشد من الغيرة بين التيوس في زروبها.
أي: أن الذي يبعثهم على الكلام في بعضهم البعض هو الغيرة، وكم من إنسان من سلف الأمة ومن عظماء العلماء تكلم في أقرانه، أو تكلم فيمن سبقه، وإن كان هذا لا نوافق عليه والأصل عدمه، وهناك نماذج طيبة مشرقة في أهل العلم، لم يتكلموا في أحد، وإنما تكلم فيهم، وبلا شك أن الأصل والأولى: أن يتصدق المرء بعرضه على من انتهك عرضه، فلا أقل من أنه رد الظلم بظلم، أو رد الإساءة بإساءة، والبادئ أظلم وإن كانت الأولى أحسن وأفضل.
فالشاهد من هذا الكلام كله: أن أبناء الصحوة لا علاقة لهم بما يدور بين الكبار، فلعلهم معذورون، ولعلهم متأولون، ولعلهم مخطئون، فلا علاقة للشباب بما وقع بين الكبار، كما أنه يجب على الكبار كذلك إذا كان هناك شيء من الإحن والفتن بينهم أن يخفوها عن الطلاب وجوباً شرعياً، فإن بدا شيء بغير قصد فلا يجوز استغلال هذا الشيء الذي بدا من هذه القضايا.
стр. 1710
تأويل قوله: (اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر)
قال: [اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن]، بلا شك أن علي بن أبي طالب ليس فيه شيء من هذا كله، وكل سبة من هذه السباب لها مدلول في اللغة وفي الاصطلاح، فالكاذب هو: من تكلم بالكلام على غير حقيقته وعلى غير أصله المشروع، سواء كان في ذلك متعمداً أو جاهلاً أو ناسياً، فيُحمل الكذب على هذه المعاني في اللغة ابتداء، ثم الشرعي أو الاصطلاحي.
ولا شك أن علي بن أبي طالب مبرأ من هذا كله، وإلا فكيف يكون كذلك وهو المبشّر بالجنة؟! ويحمل هذا كذلك على ما يعتقد العباس ﵁؛ لأن كل واحد قد اختلف مع الآخر، ويغلب على ظنه أنه على الحق وأن الآخر على الباطل، وإلا فلا يحل لأحد أن يختلف مع أخيه وهو يعلم أن أخاه على الحق المبين، خاصة إذا كان هذا الخلاف واقعاً بين أصحاب النبي ﵊، فهذا العباس يعتقد أن الحق معه وأن علياً على الباطل في الخصومة المرفوعة بين يدي أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه.
ولكنه تجاوز في طرح قضيته بهذه الألفاظ.
ثم لو انسدت جميع الأبواب أمامنا في تأويل هذه السباب فإننا نقول: إن الصحابة ﵃ وقع بينهم شيء من هذا وزيادة على هذا، ولا علاقة لنا بذلك كله، فالذي دار بينهم يطوى ولا يروى، ونعتقد أن لهم من الفضل والسبق والعلم والجهاد والهجرة وغير ذلك ما يكفّر جبالاً من الذنوب.
فهذه الألفاظ نحن نقرأها فقط من باب أنها مروية ومأثورة، ولكننا لا نتوقف عندها، بل نحسّن الظن بجميع أصحاب النبي ﷺ ، ونستغفر لهم مما بدر منهم ومما لم يصدر عنهم.
стр. 1711
بيان خصومة العباس مع علي بن أبي طالب والعلة في منع الخلفاء لهم من أخذ ميراث النبي
قال: [فقال القوم -أي: عبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وعثمان: أجل يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وأرحهم].
وكأن الخصومة كانت قديمة، وهذه الخصومة باختصار شديد: أن العباس كان يريد أن يأخذ ميراث النبي ﵊، وأن فاطمة كانت تريد أن تأخذ ميراثها من أبيها، والنبي ﵊ قال: (نحن لا نورث -أي: معشر الأنبياء- ما تركنا صدقة) وخاصة أن النبي ﷺ مات وترك بنتاً وعماً، فإن الميراث يكون مناصفة؛ فلو مات ميت وترك عماً وترك ابنة فللبنت النصف وللعم النصف، فكان العباس يريد أن يأخذ نصف الفيء الذي تركه النبي ﵊، وفاطمة تريد أن تأخذ النصف، وكانا لا يريدان أن يأخذاه على سبيل الميراث؛ لأنهم جميعاً أقروا بسماعهم قوله ﵊: أنه لا يورث وإنما تركه صدقة، فكانوا يعلمون ذلك وأقروا به، لكنهم كانوا يريدون أن يقوموا في هذا الفيء مقام النبي ﷺ ، فخشي أبو بكر الصديق ﵁ أن يتقادم الزمان ويظنوه ميراثاً، وخشي من بعده عمر ومن بعده عثمان حتى علي بن أبي طالب ﵁ خشي من ذلك حينما انتقل إليه الفيء، فكان لا يعد هذا الفيء ميراثاً، وإنما كان ينفق منه على اعتبار أنه حظ أهل البيت من الفيء، ويجب أن يُنفق في المصارف المشروعة.
فمطالبة العباس عمه ومطالبة علي بن أبي طالب بحق امرأته بنت النبي ﵊ لم يكن من باب الميراث، ولكن الخلفاء حينما غلب على ظنهم أنه يمكن أن يقول الناس: إن فاطمة ورثت مع وجود النص، وإن العباس ورث مع وجود النص منعوا ذلك؛ لأن العباس كان يطالب بشطر الفيء، وفاطمة تطالب بشطر الفيء، وهذا يوافق تقسيم الميراث مناصفة بين العم وبين البنت، فخشي من إدخال هذا في ذاك، فمنع الخلفاء الراشدون أن تأخذ فاطمة شيئاً حتى وإن كان على سبيل حقها في الفيء؛ لأنه يناسب تماماً حقها في الميراث ولا ميراث لها، فـ أبو بكر الصديق أغلق الباب أمامها؛ حتى لا يقول الناس: إن فاطمة ورثت، وإن أبا بكر تأثّر بذلك أو خضع في ذلك، وأراد أن يداري بنت النبي ﵊ مع وجود النص، ومع أنه السامع لهذا النص من النبي ﵊؛ فمنع ذلك، ثم منعه عمر، ثم منعه عثمان ومنعه علي بن أبي طالب كذلك، وذلك حين صار هذا الفيء في يد علي في إمارته وخلافته منعه آل البيت ومنعه فاطمة ﵂، فليس في ذلك خطأ من أبي بكر ولا ممن أتى بعده.
стр. 1712
قضاء عمر بين علي والعباس في شأن فدك وخيبر
أما القوم فقالوا: أجل يا أمير المؤمنين! إن هؤلاء قد اختلفوا وطال خلافهم، فاقض بينهم وأرحهم.
[فقال مالك بن أوس: يُخيّل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك].
أي أن عبد الرحمن بن عوف وسعد والزبير وغيرهم يخيّل إلى مالك بن أوس أنهم سبقوا العباس وعلي إلى مجلس أمير المؤمنين عمر؛ حتى يُطلعوا عمر بن الخطاب على أصل القضية، وأنهم قد أمروا العباس وعلياً أن يأتياه بعد قليل من دخولهم على أمير المؤمنين.
[فقال عمر: اتئدا.
أي: أبطئا وانتظرا فسأقضي بينكم.
فقال: أنشدكم بالله! -أي: أستحلفكم بالله- الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)؟] أي: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وإنما الذي تركناه صدقة.
أنشدكم بالله! أبلغكم أن النبي ﷺ قال هذا؟ [قال: قالوا: نعم].
أي: قال القوم الذين حضروا دون العباس وعلي، وهذا الكلام موجه للصحابة الذين دخلوا أولاً.
قال: [ثم أقبل عمر على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض].
فالقاضي إذا أراد القضاء في أمر ذكَّر الشهود بالله تعالى، وبعظمته وجبروته وكبريائه، وأنه يقصم ظهورهم إن كذبوا وخانوا وغدروا وغشوا، وهذا أصل من أصول القضاء، أن القاضي يذكّر الناس ويذكّر المتخاصمين والشهود بالله تعالى حتى لا يكذبوا ويؤثروا الدنيا على الآخرة.
فقال: [أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة)؟ قالا: نعم].
أي: أن العباس يعلم ذلك، ويعلم أنه لا ميراث له، وعلي يعلم أنه لا ميراث لابنة النبي ﵊ وهي فاطمة التي كانت تحته.
قال: [قالا: نعم.
فقال عمر: إن الله جل وعز كان خص رسوله ﷺ بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره].
وهذا هو الشاهد من الحديث في حكم الفيء.
فـ عمر يقول لهم: الذي قد استقر في الأذهان وأجمعت عليه الصحابة ﵃ أن الله تعالى خص نبيه بخاصة ليست لغيره، وهذه الخاصة هي أن جعل مال الفيء تحت تصرفه ﵊ يتصرف فيه كيف يشاء؛ لأنه لم يُبذل فيه جهد من المسلمين، ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، فهذا خاص به ﵊.
[قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧] قال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير].
وكأنه يقول: يا علي! ويا عباس! أما قسّم النبي ﷺ بينكم أموال بني النضير؟ قالا: نعم.
وقال: هل استأثر بأموال بني النضير أحداً دونكم؟ قالا: لا، إنما قسّمه فينا، ولم يعط أحداً شيئاً؛ لأنه ليس لأحد حق في هذا المال، لأن أموال بني النضير -وهم يهود المدينة- إنما أخذه النبي ﷺ صلحاً وفيئاً بغير قتال.
قال: [فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم -أي ما قدّم عليكم أحداً- ولا أخذها دونكم].
أي: لم يستأثر بها هو دونكم يا أهل بيت النبي ﵊.
قال: [حتى بقي هذا المال -أي: حتى بقي منه ما بقي- فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال].
أي: ثم يدخل ما بقي عن حاجتكما وحاجة أهل بيته في بيت مال المسلمين.
فقوله: (أسوة المال) أي: بيت المال.
[ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك؟] أي: أتعلمون أن النبي ﷺ أعطاكم أموال بني النضير ولم يعط أحداً غيركم؟ [قالوا: نعم.
ثم نشد عباساً وعلياً بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.
قال: فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ .
فجئتما.
تطلب ميراثك من ابن أخيك -يا عباس - ويطلب هذا - علي بن أبي طالب - ميراث امرأته من أبيها؟] أي: مع علمكم بهذا قد أتيتم تطلبان ميراثكما من النبي ﵊؟ [قال: فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ : (ما نورث.
ما تركنا صدقة) فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً] مع أنهما لم يصرّحا بذلك، أي: أن العباس
стр. 1713
تأويلات مطالبة علي والعباس بمال الفيء مع علمهما بأنه صدقة وليس ميراثاً
قد يقول قائل: بما أنهما يعلمان قول النبي ﷺ : (لا نورث -أي: معشر الأنبياء- ما تركنا صدقة) فلِم كانا يصران على ذلك أولاً، ووقعت الخصومة والشحناء والنفرة بينهما بسبب هذا المال؟
الجواب
تأويلات متعددة: إما أنهما كانا يطلبان هذا المال -مال الفيء- للتوزيع كما ذكرنا، وليس لاستعمالهم الخاص.
وهذا قول راجح.
وقول آخر: أنهم تأولوا حديث النبي ﵊: لا نورث من المال الذي هو ذو بال أيضاً الفيء، ولا يمنع هذا أن نرث ما دون ذلك أي: من أثاث ومتاع وغير ذلك مما تركه ﵊ في بيوته.
هكذا تأولوا، وهذا وجه من وجوه التأويل؛ لأنه لا يتصور قط أن الصحابة ﵁ يظهر لهم الحديث عياناً بغير تأويل ثم هو يخالفونه، فالصحابة لم يكونوا كذلك، بل كانوا وقّافين عند حدود النص الشرعي.
يذكر أن السفاح خطب أول خطبة قام بها، فقام إليه رجل وقد علّق المصحف في صدره، فقال: أنشدك الله يا إمام! إلا ما حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف.
قال السفاح: ومن خصمك؟ قال: أبو بكر في منعه فدك، وهي أرض كانت لليهود أفاء الله بها على نبيه بغير قتال ولا حرب.
قال: أظلمك؟ قال: نعم.
-وهذا كان من أهل بيته ﵊ ومن أولاد علي بن أبي طالب - قال: فمن بعده؟ قال: عمر.
قال: أظلمك؟ قال: نعم.
قال: فمن بعده عثمان؟ قال: نعم.
قال: أظلمك؟ قال: نعم.
قال: فمن بعده علي؟ قال: نعم.
قال: أظلمك؟ فسكت الرجل؛ لأنه لا يجرؤ أن يصف الإمام بالظلم وإلا انهدم أصل مذهبه، وهو نصرة علي على أبي بكر وعمر وعثمان.
والإمام عند الشيعة معصوم لا يخطئ، أي: أن الشيعة عندهم أن النبي ﷺ يخطئ ولكن الإمام لا يخطئ؛ لأنهم يعتقدون -كما نعتقد نحن- أن الوحي يأتي إلى الأنبياء ولا يأتي إلى الأئمة، فلا حاجة إلى عصمة الأنبياء؛ لأن الأنبياء يأتيهم الوحي ولا يتصرفون إلا بوحي، فما قيمة العصمة إذاً؟ أما الإمام فلا بد أن يكون معصوماً؛ لأن خطأه يدمّر الأمة كلها، فيلزم أن يكون الإمام معصوماً حتى تقتدي به الأمة من بعد النبي ﷺ وهو علي بن أبي طالب؛ ولذلك قال له: فمن بعد هؤلاء الثلاثة علي؟ قال له: نعم.
قال له: أظلمك؟ فـ السفاح رغم أنه سفّاح يعتقد أن علي بن أبي طالب لم يأخذ هذا الفيء لنفسه، وإنما حينما أخذه أنفقه في المصارف الشرعية التي يُنفق فيها الفيء، فإذا كان علي بن أبي طالب أنفق مال الفيء في وجوه البر ولم يستأثر لنفسه بشيء، ولم يأخذ منه ولا فاطمة شيئاً.
فماذا تقول في ذلك؟ فإذا كان هذا ظلماً فأيكما أعلم بذلك: أنت أم علي بن أبي طالب؟ بلا شك أن علي بن أبي طالب أعلم بهذه الأحكام.
فإذا كان علي قد غُلب في زمن أبي بكر ثم في زمن عمر ثم في زمن عثمان فحينما كانت الخلافة في يديه والمال تحت يديه، فلِم لم يأخذه إذاً؟ وما ذلك إلا لأنه يعتقد أنه لا حق له في هذا المال.
فالذي يأتي بعد ذلك ويقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان قد ظلموا علياً، فهذا قول من أعظم الباطل على الخلفاء الراشدين وأشد الضلال.
فلما سكت الرجل أغلظ له السفاح القول.
ولذلك فالاعتذار عن علي والعباس ﵄ أنهما ترددا إلى الخليفتين مع قوله ﵊: (لا نورث، ما تركناه صدقة) وتقرير عمر ﵁ أنهما يعلمان ذلك، فأمثل ما فيه ما قاله بعض العلماء: أنهما طلبا أن يقسّماها بينهما نصفين ينفقان بها على حسب ما ينفق الإمام بها لو وليها بنفسه، فكره عمر ﵁ أن يوقع عليها اسم القسمة؛ لأنها شبيهة بالميراث؛ ولئلا يُظن لذلك مع تطاول الأزمان أنها ميراث وأنهما ورثاه، لا سيما أن قسمة الميراث بين البنت والعم نصفان، فيلتبس ذلك، ويُظن أنهم تملكوا ذلك.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد -قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا- عبد الرزاق بن همام الصنعاني أخبرنا معمر بن راشد البصري اليمني عن الزهري المدني عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فقال: إنه قد حضر أهل أبيات من قومك بنحو حديث مالك الإمام، غير أنه فيه: فكان ينفق على أهله منه سنة، وربما قال معمر: يحبس قوت أهله منه س
стр. 1714
باب قول النبي ﷺ : (لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)
الباب السادس عشر، وهو باب يحتاج الباب السابق إلى ضمه إليه: (باب: قول النبي ﷺ : (لا نورث ما تركنا فهو صدقة)).
[حدثنا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: إن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن من النبي ﷺ .
قالت عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله ﷺ : (لا نورث.
ما تركنا فهو صدقة)؟ حدثني محمد بن رافع أخبرنا حجين حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة: أنها أخبرته: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر)]؛ لأن خيبر فُتحت عنوة وليس صلحاً، فكان حظه ﵊ من الغنيمة الخمس.
وقد سبق أن قلنا قبل هذا: أن من الفروق بين الغنيمة والفيء: أن الفيء كله تحت تصرف النبي ﵊، وأن الغنيمة له منها الخمس فقط، أما تخميس الخمس فهو مذهب الشافعي، وليس له من يؤيده لا قبله ولا بعده.
قالت: [(مما أفاء الله على نبيه ﷺ بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال)].
أي أنه ليس من حقكم إلا أن تأكلوا وتشربوا فقط، أما أن تأخذوه فلا؛ لأنه ليس ميراثاً، إنما تأكلون وتطعمون ما شئتم، وبقية هذا يدخل في بيت المال، أما غير ذلك فلا.
قال: [(وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها)].
إنَّ الصديق ﵁ رغم ظهور المصلحة، إلا أنه كان حريصاً ألا يحيد قيد أنملة عمّا كان عليه النبي ﵊، فقد قيل له في جمع المصحف فأبى مع أن المصلحة ظاهرة في جمع المصحف.
وحجته: كيف أفعل شيئاً لم يفعله النبي ﵊، فكان وقّافاً عند حدود الشرع.
فقال: [(وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك)].
وجدت بمعنى: غضبت، من الوجد لا من الإيجاد.
قال: [(فهجرته)].
وربما تكون هذه من نوع الهجرة المشروعة.
وقد يكون المعنى: لم تكلمه في أمر الميراث بعد ذلك، فإنه لم يثبت قط أن أبا بكر سلّم عليها فلم ترد عليه.
وهذا هو المقصود بالهجرة عند الإطلاق، لكن لم يثبت هذا، ولم يثبت أنها خرجت من تحت إمرته، أو خرجت عليه بالسيف أو بالقول أو بالفعل.
وهذا على أية حال مباح، فأنا إن غضبت منك قليلاً فمن الممكن أن أهجرك، بمعنى: أنني لا أهتم بلقائك ولا أزورك، وإن زرتني وجب عليّ استقبالك، وإن سلّمت عليّ وجب عليّ رد السلام، لكن الأمر أو الحاجز بين أبي بكر وفاطمة أنهما لم يحدث بينهما لقاء، وما زار أحد منهما أخاه، وبالتالي فلم يكن هناك ما يؤذي أبا بكر، ولا يؤذي فاطمة غير ما قد منع أبو بكر الصديق ﵁ من أخذ المال الفيء إلى فاطمة.
قال: [(فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت)].
والمحمول في هذا الكلام: فلم تكلمه في أمر الفيء حتى توفيت.
قال: [(وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر)] وقيل: تسعة.
وقيل: ثمانية.
وقيل: سبعة.
وقيل: أربعة.
وقيل: شهران.
وأرجح الأقوال: أنها عاشت بعد النبي ﵊ ستة أشهر.
стр. 1715
الأعذار المبينة لما حصل بين علي وأبي بكر من سوء فهم
قال: [(فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر] وإعلام الإمام بمن مات أمر مستحب وليس بواجب، فإذا ترك الإنسان المستحب فلا يلام عليه، وفي هذا جواز الدفن ليلاً وإن كان الدفن بالنهار أولى وأفضل، لكن على أية حال هو جائز.
ونحن نرى في هذا الوقت أن مريضاً لو قيل له: بماذا توصي؟ يقول: أوصي بألا يصلي عليّ فلان ولا يشيّع جنازتي؛ لأني غضبان منه.
نقول: وهل إذا كنت غضباناً منه توصي بهذا؟ إذاً: هذا وضع طبيعي في البشر، فـ علي بن أبي طالب قال: ما دام فاطمة ماتت وهي غضبانة من أبي بكر وكانت قد هجرته، فأنا أيضاً غضبان لغضب فاطمة، إذاً ندفن فاطمة ليلاً قبل أن يصل الخبر لـ أبي بكر فيأتي، وهذا يشعر بأن الخلاف الموجود بين فاطمة وبين أبي بكر لا يمنع أبا بكر من المشاركة في دفن فاطمة، فإنه كان قلبه نقياً.
قال: [(وكان لـ علي من الناس وجهة حياة فاطمة)].
أي: أنه كان علي بن أبي طالب من أهل بيته ﵊، فهو ابن عم النبي ﵊، لكن على أية حال كانت حياة فاطمة كصمام الأمان لـ علي بن أبي طالب، وكان الناس يوادون علي بن أبي طالب لمكانة ابنة النبي ﵊، وبلا شك أن البنت في المنزلة أولى من ابن العم، فهكذا كان لـ علي بن أبي طالب وجهة ومنزلة سامية عند الناس طالما فاطمة كانت حية.
قال: [(وكان لـ علي من الناس وجهة حياة فاطمة -أي في حياة فاطمة - فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس)] أي: أنه لم يتغير الناس إلا بعد وفاة فاطمة ﵂.
стр. 1716
مراجعة علي الأمر المعروف ومبايعته لأبي بكر
قال: [(فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته)] وفي هذا إثبات أن علي بن أبي طالب لم يكن قد بايع أبا بكر لمدة ستة أشهر بعد موت النبي ﵊، كما أنه لا يلزمه البيعة، وذلك لأن البيعة لا تلزم جميع الناس، وعلي من الناس، وإن فرضنا أنه من خاصة الناس وأنه كان عضواً في مجلس الحل والعقد، فهل يلزم أن يبايع جميع أهل الحل والعقد أم يكفي أغلبية المجلس؟
الجواب
يكفي أغلبية المجلس.
إذاً: علي ﵁ لم يخالف في تركه البيعة لـ أبي بكر، كما أنه لم يثبت عليه أنه ذم أبا بكر، أو تكلم في عدم مشروعية بيعته أو خلافته أو غير ذلك.
لكن علياً كان غاضباً من أبي بكر؛ لأنه كان يتصور أنه لا يقطع في أمر دونه، وأنه حينما يموت النبي ﷺ ، ويجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة يدعونه، وهذه على أية حال قلوب بشر، وهو لم يخطئ في ذلك، كما أن عمر ﵁ لم يكن يعلم باجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة أثناء موت النبي ﵊، وإنما ذهب إليهم بقدر الله، وطار الخبر إلى أبي بكر بخلاف المهاجرة والأنصار في الإمارة والخلافة من بعده ﵊، فذهب إليهم ليحل القضية، فلما علم بذلك عمر طار إليهم، ثم قضى بما قضى من حجج لديه، بأن أولى الناس المهاجرون، وأولى المهاجرين هو أبو بكر الصديق بدليل كذا وكذا وكذا وذكر من القرآن والسنة ما يؤيد قوله وهو القول الصحيح في هذه القضية.
وبالتالي أجمع العلماء على صحة إمامة أبي بكر وأنه أولى الناس بعد النبي ﵊، لكن علي بن أبي طالب كان مشغولاً بتجهيز النبي ﵊ وتغسيله وتكفينه فتركوه لذلك، ثم إن المصلحة راجحة في عقد الخلافة لآحاد الناس؛ حتى لا يختلفوا بعد ذلك فيمن يصلي على النبي؟ ومن يكفّن النبي؟ ومن يدفن النبي؟ ومن يتولى أمر النبي في الفيء وغيره؟ فالمصلحة راجحة، فرأى أبو بكر وعمر تقديم إثبات الخلافة لـ أبي بكر على تجهيزه ﵊، وعلى انتظارهم لمشورة علي أو عثمان أو غيرهما، فانشغلوا بهذا، وكان علي مشغولاً بتجهيز النبي ﵊، فالقضايا كلها كأنها لبس أو سوء فهم، وليست قضية خلافية جوهرية بين الصحابة ﵃.
قال: (وكان لـ علي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته)].
قال: ليس هناك وجه لاستنكار الناس إلا لأنني لم أبايع أبا بكر إلى الآن؛ وذلك لأنني لست من عامة الناس، فأنا إنسان مرموق ومن أعلام الصحابة.
قال: [(ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا)].
ولو كان أبا بكر في حالة غضب من علي فلن يأتيه وإن أُرسلت إليه أكثر من رسالة، أو لقال: إذا كنت تريدني فائتني أنت، وهذا نظامنا نحن.
قال: [فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا، ولا يأتنا معك أحد]، وهنا يقصد عمر مع أن أمر الميراث لم يكن له أي اتصال بـ عمر، وكان هذا الكلام في خلافة أبي بكر، وأبو بكر هو رجل الدولة المتصرّف في كل شيء، فما هي علاقة عمر بهذا الأمر؟ لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد.
قال: [(فائتنا ولا يأتنا معك أحد؛ كراهية محضر عمر بن الخطاب)] أي: لا تصطحبه معك.
قال: (فقال عمر لـ أبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك).
وأنتم تعلمون لباقة علي وفصاحته وبلاغته، فيمكن أن يمسك أبا بكر ويعظه حتى يبكي أبو بكر فيرق له، ويعطيه ما يريد، ويمكن أن يطالبه علي بن أبي طالب بشيء من خاصة أبي بكر، فيحمل الحياء أبا بكر على دفعه إليه، ويستحي أن يدافع عن نفسه، ويتمنى لو أن الغير قد تكلم عنه، حتى عمر ﵁ لو أن له حقاً يستحيي أن يطلبه ولا يرضى، وتأبى عليه كرامته أن يطالب به، لكن لو أن لغيره الحق لطالب به، فالإنسان يطالب لغيره بعلم وجرأة؛ لأنه لا يطلب لنفسه فهو غير متهم.
إذاً: أبو بكر الصديق قال: أنا سأذهب لـ علي بن أبي طالب، وعمر قال له: لا تذهب بمفردك ولا بد أن آتي معك، حتى إذا كلمك في شيء أدفع عنك وأذود عنك وأتكلم؛ لأن حياءك سيمنعك من الرد على
стр. 1717
طرق أخرى لرواية حديث مبايعة علي لأبي بكر ومنع الميراث بعد النبي ﷺ
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد -قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا- عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ وساق الحديث بمثل حديث عقيل عن الزهري غير أنه قال: ثم قام علي فعظّم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت، فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الأمر المعروف].
وفي الطريق الذي يلي ذلك طريق عروة: [أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة).
قال: وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة؛ فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ].
وهنا تبيّن لنا شفافية أبي بكر إلى هذا الحد، فإنه يعتقد أنه لو خالف نصاً واحداً من النصوص الشرعية يزيغ قلبه ولا يهتدي.
قال: [فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه].
وكأنه يقول: إن خيبر وفدك هي أراض لا أبيعها، ولا أعطيكم منها شيئاً أبداً إلا ما أتى إلى النبي ﷺ على سبيل الهبة من المال فخذوه، وهذه الهبات التي كانت تأتيه من المدينة، أما السهم في خيبر والفيء في فدك فلا والله لا أعطيكم منه شيئاً؛ لأنه كان لمن يأتيه ﵊ في أمر، أو تنزل به نازلة أو مصيبة، فكان النبي ﷺ يجعل ذلك في هذه الأبواب المشروعة، وهذا عمل الإمام وليس عمل الأفراد، أما عموم الصدقات -أي: الهبات- التي كانت تأتيه من هنا ومن هناك، من المدينة ومن غيرها والهدايا فهي لكم، افعلوا فيها ما شئتم.
قال: [وأمرهما إلى من ولي الأمر].
أي: أمر فدك وأمر سهم خيبر إلى من ولي الأمر.
وهذا يدل على أن الخمس ليس خاصاً به ﵊، وإنما هو لكل إمام إلى قيام الساعة.
قال: [فهما على ذلك إلى اليوم]، أي: هما على ذلك إلى يوم القيامة.
[حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقتسم ورثتي ديناراً)] أي: لا يرث ورثتي مني ديناراً، وهذا بلا شك تنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان الدينار ممنوعاً فمن باب أولى ما فوق الدينار.
قال: [(ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة)].
قوله: (ما تركت) أي: من الفيء، بعد نفقة أهل بيتي وخدمي وعمّالي فهو صدقة، أي: لا يقع تحت الميراث.
[وحدثنا ابن أبي خلف حدثنا زكريا بن عدي أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: (لا نورث.
ما تركنا صدقة).
стр. 1718
كلام النووي في أحاديث: (لا نورث، ما تركنا صدقة)
قال الإمام في بعض فوائد هذه النصوص التي ذكرناها: (الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورّثون: أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك).
أي: لأن المورث إذا كبر في السن تمنى بعض الورثة موته، ولو تمنى أحد موت النبي لهلك ودخل النار.
وهذا باب من أبواب بغض النبي ﷺ ، ومن أبغض النبي كفر بالله، فبغض النبي كفر ﵊؛ ولذلك أنتم تعلمون من حديث ابن شماسة المهري عند مسلم أنه قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً، ثم حوّل وجهه ناحية الجدار، فقال له ابنه: يا أبتاه! أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ قال: يا بني! إن أفضل ما نعد -أي: للقاء الله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإني كنت على أطباق ثلاث -أي: على أحوال ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أبغض إلي من رسول الله ﷺ ولا أحب إلي أني استمكنت منه فقتلته، ولو أني مت على تلك الحال لدخلت النار).
ففي هذا تصريح بأن من أبغض النبي وتمنى موته كفر بالله ودخل النار، ولكن هذا كان من عمرو قبل إسلامه.
ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة.
قال: (فلما شرح الله صدري للإسلام أتيت النبي ﵊ فقلت: يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي قال: ما لك يا عمرو؟! قلت: يا رسول الله! أريد أن أشترط قال: تشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي.
قال: يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله؟ قال عمرو: ولقد كان رسول الله ﷺ أحب الناس إلي، ولو أن أحداً سألني أن أصفه ما أطقت ذلك؛ لأني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً وتعظيماً له ﷺ .
والطبق الثالث قال: (ثم ولينا من هذا الأمر شيئاً ولا ندري ما الله فاعل معنا فيه، فإذا أنا مت فلا تتبعوني بنائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، وامكثوا عند قبري قدر ما أن تنحر جزور ويقسم لحمها، كي أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) انتهى الحديث.
فالشاهد منه: الطبق الأول، وهو: أن من أبغض النبي وتمنى موته وقتله هلك ودخل النار فهذه الحكمة من عدم توريث الأنبياء؛ لأنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك؛ ولئلا يُظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثه فيهلك الظان وينفر الناس عنه.
وأنتم تعلمون أن الأنبياء ما بعثوا لتحصيل الدنيا وإنما بعثوا لتحصيل الآخرة، وأما كون عمر حلف ألا يدخل عليهم أبو بكر وحده، فحنّثه أبو بكر ودخل وحده ولم يأخذ معه عمر، مع أنه قال: والله لا تدخل عليهم وحدك أي: أنني سآتي معك، فحنثه أبو بكر في هذا.
ففي هذا: دليل عن أن إبرار القسم إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن احتماله بلا مشقة، ولا تكون فيه مفسدة، وعلى هذا يُحمل الأمر بإبرار القسم، فمن حق المسلم على المسلم إبرار القسم، وإبرار القسم هذا إذا كان أمراً ميسوراً لي ولم يكن فيه مفسدة، لكن عندما يكون أمراً يشق علي أو فيه مفسدة فلا يلزم إبرار القسم، كما أنه لا يلزم الكفارة على الذي أقسم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: بيان صحة خلافة أبي بكر وانعقاد الإجماع عليها.
ولا تلزم عمر الكفارة؛ لأن هذا واجب على المقسم عليه وليس على الذي أقسم، فلا يلزمه الكفارة، ولا يجوز كذلك للمقسم عليه أن يحنّث الحالف إلا بعذر، أما إذا قال الإنسان: والله لأفعلن كذا ثم لم يفعل لزمته الكفارة.
فلا يلزم عمر الكفارة؛ لأن الوجوب على أبي بكر وليس على عمر، لكن إذا كان قد حلف على شيء أنه سيفعله، فإذا لم يفعله ولم يكن هناك عذر فبلا شك أن الكفارة واجبة عليه، أما إذا قام العذر أو ترجّح لديه وجه آخر كما قال ﵊: (من حلف على شيء فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير) فحينئذ يلزم الحالف -وليس المحلوف عليه- الكفارة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1719
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كيفية تقسيم الغنيمة بين الحاضرين
كانت غزوة بدر فرقاناً، أنعم الله فيها على نبيه وأصحابه بالنصر المؤزر على صناديد الكفر من أهل مكة، وأمدهم بالملائكة تقاتل معهم وتقذف الرعب في قلوب المشركين، حتى قتل في هذه المعركة جل مشيخة قريش، وعلى رأسهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، ومن رجع منهم رجع يجر أذيال الخيبة والخسران والحسرة على من خلَّفهم وراءه في القليب.
стр. 1720
باب كيفية تقسيم الغنائم بين الحاضرين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب السابع عشر: (باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين).
أي: بين الغانمين أو المجاهدين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل -الجحدري- فضيل بن حسين كلاهما عن سليم -وهو سليم بن أخضر - قال يحيى: أخبرنا سليم بن أخضر عن عبيد الله بن عمر -وهو العمري - قال: حدثنا نافع -وهو نافع الفقيه المدني مولى عبد الله بن عمر - عن مولاه عبد الله بن عمر: (أن رسول الله ﷺ قسم في النفل: للفرس سهمين، وللرجل سهماً)].
وأنتم تعلمون أن النفل ليس محلاً للقسمة، وإنما النفل للنبي ﵊ ينفله من يشاء كيف شاء، أو للإمام ينفله كيف شاء ومتى شاء، ويحرم منه من شاء، ولكن النبي ﵊ أراد بهذا النفل: الغنيمة.
وسماها تجوزاً نفلاً؛ لأنها في اللغة: نفل.
والنفل في اللغة هو الزيادة والعطية.
وقوله: (للرجل) رجل: مفرد رجال، بخلاف الراجل، فهو الذي يمشي على رجليه وهو مفرد راجلون أو رجال: (رجالاً وركبانا).
[حدثناه ابن نمير قال: حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بهذا الإسناد مثله ولم يذكر: (في النفل)].
أي: (قسم النبي ﵊ للفرس سهمين وللرجل سهماً) هذه رواية الجماهير.
وهناك رواية أخرى يقول في بعضها: (للفرس سهمين وللراجل سهم) أي: الذي يمشي على رجليه يأخذ سهماً، والذي يركب فرساً يأخذ سهمين: (سهم له وسهم لفرسه).
وفي بعضها: (للفارس سهمين).
والمراد بالنفل هنا كما قلنا: الغنيمة، وأطلق عليها اسم النفل؛ لكونها تسمى نفلاً لغة، فإن النفل في اللغة: الزيادة والعطية، وهذه عطية من الله تعالى، وزيادة لهذه الأمة على ما كانت الأمم من قبل، فإن إباحة الغنائم من خصائص أمة الإسلام، ولم تكن حلالاً للأمم السابقة.
следующие страницы →