← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

مراجعة علي الأمر المعروف ومبايعته لأبي بكر قال: [(فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته)] وفي هذا إثبات أن علي بن أبي طالب لم يكن قد بايع أبا بكر لمدة ستة أشهر بعد موت النبي ﵊، كما أنه لا يلزمه البيعة، وذلك لأن البيعة لا تلزم جميع الناس، وعلي من الناس، وإن فرضنا أنه من خاصة الناس وأنه كان عضواً في مجلس الحل والعقد، فهل يلزم أن يبايع جميع أهل الحل والعقد أم يكفي أغلبية المجلس؟ الجواب يكفي أغلبية المجلس. إذاً: علي ﵁ لم يخالف في تركه البيعة لـ أبي بكر، كما أنه لم يثبت عليه أنه ذم أبا بكر، أو تكلم في عدم مشروعية بيعته أو خلافته أو غير ذلك. لكن علياً كان غاضباً من أبي بكر؛ لأنه كان يتصور أنه لا يقطع في أمر دونه، وأنه حينما يموت النبي ﷺ ، ويجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة يدعونه، وهذه على أية حال قلوب بشر، وهو لم يخطئ في ذلك، كما أن عمر ﵁ لم يكن يعلم باجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة أثناء موت النبي ﵊، وإنما ذهب إليهم بقدر الله، وطار الخبر إلى أبي بكر بخلاف المهاجرة والأنصار في الإمارة والخلافة من بعده ﵊، فذهب إليهم ليحل القضية، فلما علم بذلك عمر طار إليهم، ثم قضى بما قضى من حجج لديه، بأن أولى الناس المهاجرون، وأولى المهاجرين هو أبو بكر الصديق بدليل كذا وكذا وكذا وذكر من القرآن والسنة ما يؤيد قوله وهو القول الصحيح في هذه القضية. وبالتالي أجمع العلماء على صحة إمامة أبي بكر وأنه أولى الناس بعد النبي ﵊، لكن علي بن أبي طالب كان مشغولاً بتجهيز النبي ﵊ وتغسيله وتكفينه فتركوه لذلك، ثم إن المصلحة راجحة في عقد الخلافة لآحاد الناس؛ حتى لا يختلفوا بعد ذلك فيمن يصلي على النبي؟ ومن يكفّن النبي؟ ومن يدفن النبي؟ ومن يتولى أمر النبي في الفيء وغيره؟ فالمصلحة راجحة، فرأى أبو بكر وعمر تقديم إثبات الخلافة لـ أبي بكر على تجهيزه ﵊، وعلى انتظارهم لمشورة علي أو عثمان أو غيرهما، فانشغلوا بهذا، وكان علي مشغولاً بتجهيز النبي ﵊، فالقضايا كلها كأنها لبس أو سوء فهم، وليست قضية خلافية جوهرية بين الصحابة ﵃. قال: (وكان لـ علي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته)]. قال: ليس هناك وجه لاستنكار الناس إلا لأنني لم أبايع أبا بكر إلى الآن؛ وذلك لأنني لست من عامة الناس، فأنا إنسان مرموق ومن أعلام الصحابة. قال: [(ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا)]. ولو كان أبا بكر في حالة غضب من علي فلن يأتيه وإن أُرسلت إليه أكثر من رسالة، أو لقال: إذا كنت تريدني فائتني أنت، وهذا نظامنا نحن. قال: [فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا، ولا يأتنا معك أحد]، وهنا يقصد عمر مع أن أمر الميراث لم يكن له أي اتصال بـ عمر، وكان هذا الكلام في خلافة أبي بكر، وأبو بكر هو رجل الدولة المتصرّف في كل شيء، فما هي علاقة عمر بهذا الأمر؟ لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد. قال: [(فائتنا ولا يأتنا معك أحد؛ كراهية محضر عمر بن الخطاب)] أي: لا تصطحبه معك. قال: (فقال عمر لـ أبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك). وأنتم تعلمون لباقة علي وفصاحته وبلاغته، فيمكن أن يمسك أبا بكر ويعظه حتى يبكي أبو بكر فيرق له، ويعطيه ما يريد، ويمكن أن يطالبه علي بن أبي طالب بشيء من خاصة أبي بكر، فيحمل الحياء أبا بكر على دفعه إليه، ويستحي أن يدافع عن نفسه، ويتمنى لو أن الغير قد تكلم عنه، حتى عمر ﵁ لو أن له حقاً يستحيي أن يطلبه ولا يرضى، وتأبى عليه كرامته أن يطالب به، لكن لو أن لغيره الحق لطالب به، فالإنسان يطالب لغيره بعلم وجرأة؛ لأنه لا يطلب لنفسه فهو غير متهم. إذاً: أبو بكر الصديق قال: أنا سأذهب لـ علي بن أبي طالب، وعمر قال له: لا تذهب بمفردك ولا بد أن آتي معك، حتى إذا كلمك في شيء أدفع عنك وأذود عنك وأتكلم؛ لأن حياءك سيمنعك من الرد على

стр. 1717

طرق أخرى لرواية حديث مبايعة علي لأبي بكر ومنع الميراث بعد النبي ﷺ [حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد -قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا- عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ وساق الحديث بمثل حديث عقيل عن الزهري غير أنه قال: ثم قام علي فعظّم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت، فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الأمر المعروف]. وفي الطريق الذي يلي ذلك طريق عروة: [أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: (أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة). قال: وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة؛ فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ]. وهنا تبيّن لنا شفافية أبي بكر إلى هذا الحد، فإنه يعتقد أنه لو خالف نصاً واحداً من النصوص الشرعية يزيغ قلبه ولا يهتدي. قال: [فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله ﷺ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه]. وكأنه يقول: إن خيبر وفدك هي أراض لا أبيعها، ولا أعطيكم منها شيئاً أبداً إلا ما أتى إلى النبي ﷺ على سبيل الهبة من المال فخذوه، وهذه الهبات التي كانت تأتيه من المدينة، أما السهم في خيبر والفيء في فدك فلا والله لا أعطيكم منه شيئاً؛ لأنه كان لمن يأتيه ﵊ في أمر، أو تنزل به نازلة أو مصيبة، فكان النبي ﷺ يجعل ذلك في هذه الأبواب المشروعة، وهذا عمل الإمام وليس عمل الأفراد، أما عموم الصدقات -أي: الهبات- التي كانت تأتيه من هنا ومن هناك، من المدينة ومن غيرها والهدايا فهي لكم، افعلوا فيها ما شئتم. قال: [وأمرهما إلى من ولي الأمر]. أي: أمر فدك وأمر سهم خيبر إلى من ولي الأمر. وهذا يدل على أن الخمس ليس خاصاً به ﵊، وإنما هو لكل إمام إلى قيام الساعة. قال: [فهما على ذلك إلى اليوم]، أي: هما على ذلك إلى يوم القيامة. [حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يقتسم ورثتي ديناراً)] أي: لا يرث ورثتي مني ديناراً، وهذا بلا شك تنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان الدينار ممنوعاً فمن باب أولى ما فوق الدينار. قال: [(ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة)]. قوله: (ما تركت) أي: من الفيء، بعد نفقة أهل بيتي وخدمي وعمّالي فهو صدقة، أي: لا يقع تحت الميراث. [وحدثنا ابن أبي خلف حدثنا زكريا بن عدي أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: (لا نورث. ما تركنا صدقة).

стр. 1718

كلام النووي في أحاديث: (لا نورث، ما تركنا صدقة) قال الإمام في بعض فوائد هذه النصوص التي ذكرناها: (الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورّثون: أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك). أي: لأن المورث إذا كبر في السن تمنى بعض الورثة موته، ولو تمنى أحد موت النبي لهلك ودخل النار. وهذا باب من أبواب بغض النبي ﷺ ، ومن أبغض النبي كفر بالله، فبغض النبي كفر ﵊؛ ولذلك أنتم تعلمون من حديث ابن شماسة المهري عند مسلم أنه قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت فبكى طويلاً، ثم حوّل وجهه ناحية الجدار، فقال له ابنه: يا أبتاه! أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ قال: يا بني! إن أفضل ما نعد -أي: للقاء الله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإني كنت على أطباق ثلاث -أي: على أحوال ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أبغض إلي من رسول الله ﷺ ولا أحب إلي أني استمكنت منه فقتلته، ولو أني مت على تلك الحال لدخلت النار). ففي هذا تصريح بأن من أبغض النبي وتمنى موته كفر بالله ودخل النار، ولكن هذا كان من عمرو قبل إسلامه. ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة. قال: (فلما شرح الله صدري للإسلام أتيت النبي ﵊ فقلت: يا رسول الله! ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي قال: ما لك يا عمرو؟! قلت: يا رسول الله! أريد أن أشترط قال: تشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي. قال: يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ أما علمت أن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله؟ قال عمرو: ولقد كان رسول الله ﷺ أحب الناس إلي، ولو أن أحداً سألني أن أصفه ما أطقت ذلك؛ لأني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً وتعظيماً له ﷺ . والطبق الثالث قال: (ثم ولينا من هذا الأمر شيئاً ولا ندري ما الله فاعل معنا فيه، فإذا أنا مت فلا تتبعوني بنائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً، وامكثوا عند قبري قدر ما أن تنحر جزور ويقسم لحمها، كي أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) انتهى الحديث. فالشاهد منه: الطبق الأول، وهو: أن من أبغض النبي وتمنى موته وقتله هلك ودخل النار فهذه الحكمة من عدم توريث الأنبياء؛ لأنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك؛ ولئلا يُظن بهم الرغبة في الدنيا لوارثه فيهلك الظان وينفر الناس عنه. وأنتم تعلمون أن الأنبياء ما بعثوا لتحصيل الدنيا وإنما بعثوا لتحصيل الآخرة، وأما كون عمر حلف ألا يدخل عليهم أبو بكر وحده، فحنّثه أبو بكر ودخل وحده ولم يأخذ معه عمر، مع أنه قال: والله لا تدخل عليهم وحدك أي: أنني سآتي معك، فحنثه أبو بكر في هذا. ففي هذا: دليل عن أن إبرار القسم إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن احتماله بلا مشقة، ولا تكون فيه مفسدة، وعلى هذا يُحمل الأمر بإبرار القسم، فمن حق المسلم على المسلم إبرار القسم، وإبرار القسم هذا إذا كان أمراً ميسوراً لي ولم يكن فيه مفسدة، لكن عندما يكون أمراً يشق علي أو فيه مفسدة فلا يلزم إبرار القسم، كما أنه لا يلزم الكفارة على الذي أقسم. وفي هذا الحديث من الفوائد: بيان صحة خلافة أبي بكر وانعقاد الإجماع عليها. ولا تلزم عمر الكفارة؛ لأن هذا واجب على المقسم عليه وليس على الذي أقسم، فلا يلزمه الكفارة، ولا يجوز كذلك للمقسم عليه أن يحنّث الحالف إلا بعذر، أما إذا قال الإنسان: والله لأفعلن كذا ثم لم يفعل لزمته الكفارة. فلا يلزم عمر الكفارة؛ لأن الوجوب على أبي بكر وليس على عمر، لكن إذا كان قد حلف على شيء أنه سيفعله، فإذا لم يفعله ولم يكن هناك عذر فبلا شك أن الكفارة واجبة عليه، أما إذا قام العذر أو ترجّح لديه وجه آخر كما قال ﵊: (من حلف على شيء فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير) فحينئذ يلزم الحالف -وليس المحلوف عليه- الكفارة. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1719

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كيفية تقسيم الغنيمة بين الحاضرين كانت غزوة بدر فرقاناً، أنعم الله فيها على نبيه وأصحابه بالنصر المؤزر على صناديد الكفر من أهل مكة، وأمدهم بالملائكة تقاتل معهم وتقذف الرعب في قلوب المشركين، حتى قتل في هذه المعركة جل مشيخة قريش، وعلى رأسهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، ومن رجع منهم رجع يجر أذيال الخيبة والخسران والحسرة على من خلَّفهم وراءه في القليب.

стр. 1720

باب كيفية تقسيم الغنائم بين الحاضرين الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب السابع عشر: (باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين). أي: بين الغانمين أو المجاهدين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل -الجحدري- فضيل بن حسين كلاهما عن سليم -وهو سليم بن أخضر - قال يحيى: أخبرنا سليم بن أخضر عن عبيد الله بن عمر -وهو العمري - قال: حدثنا نافع -وهو نافع الفقيه المدني مولى عبد الله بن عمر - عن مولاه عبد الله بن عمر: (أن رسول الله ﷺ قسم في النفل: للفرس سهمين، وللرجل سهماً)]. وأنتم تعلمون أن النفل ليس محلاً للقسمة، وإنما النفل للنبي ﵊ ينفله من يشاء كيف شاء، أو للإمام ينفله كيف شاء ومتى شاء، ويحرم منه من شاء، ولكن النبي ﵊ أراد بهذا النفل: الغنيمة. وسماها تجوزاً نفلاً؛ لأنها في اللغة: نفل. والنفل في اللغة هو الزيادة والعطية. وقوله: (للرجل) رجل: مفرد رجال، بخلاف الراجل، فهو الذي يمشي على رجليه وهو مفرد راجلون أو رجال: (رجالاً وركبانا). [حدثناه ابن نمير قال: حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بهذا الإسناد مثله ولم يذكر: (في النفل)]. أي: (قسم النبي ﵊ للفرس سهمين وللرجل سهماً) هذه رواية الجماهير. وهناك رواية أخرى يقول في بعضها: (للفرس سهمين وللراجل سهم) أي: الذي يمشي على رجليه يأخذ سهماً، والذي يركب فرساً يأخذ سهمين: (سهم له وسهم لفرسه). وفي بعضها: (للفارس سهمين). والمراد بالنفل هنا كما قلنا: الغنيمة، وأطلق عليها اسم النفل؛ لكونها تسمى نفلاً لغة، فإن النفل في اللغة: الزيادة والعطية، وهذه عطية من الله تعالى، وزيادة لهذه الأمة على ما كانت الأمم من قبل، فإن إباحة الغنائم من خصائص أمة الإسلام، ولم تكن حلالاً للأمم السابقة.

стр. 1721

أقوال العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة اختلف العلماء في سهم الفارس والراجل من الغنيمة. هذا أمر محل نزاع بين الجمهور وبين الأحناف. أما الجمهور فقالوا: يكون للراجل سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه وسهم له هذا مذهب الجمهور. وممن قال بهذا: ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون. فمذهب الجمهور: الذي يركب خيلاً له سهم، ولخيله سهمان، فتكون عنده هنا ثلاثة أسهم. أما الذي شارك في الجهاد على رجليه -الراجل- فله سهم واحد. إذاً: سواء كان راجلاً أو راكباً فله سهم، أما الفرس فله سهمان. وأما الأحناف وبالذات أبو حنيفة قال: للفارس سهمان فقط: سهم له وسهم لفرسه. قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد. أي: كأن أبا حنيفة تفرد بهذا. وهو في الحقيقة لم يتفرّد؛ لأن ذلك قد روي عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري. أما حجة الجمهور فهذا الحديث، وهو صريح على رواية من روى: (للفرس سهمين، وللرجل سهماً) بغير ألف في الرجل. يعني: لم يقل: للراجل. ومن روى: (وللراجل) فروايته محتملة، فيتعين حملها على موافقة الأولى جمعاً بين الروايتين. فالمذهب الراجح في القضية وهو مذهب الجمهور: أن من شارك في الجهاد بفرسه يأخذ ثلاثة أسهم: واحداً لنفسه، واثنين لفرسه. أما من شارك في الجهاد بغير فرس -أي: على رجليه- فله سهم واحد. وأما مذهب الأحناف فمذهب مرجوح إن لم يكن ضعيفاً، وقد جاء عن غير واحد من السلف (أن رسول الله ﷺ سهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه). هذه الرواية صريحة أن للفارس سهماً وللفرس سهمين. ومثله من رواية ابن عباس وأبي عمرة الأنصاري ﵃: (ولو حضر بأفراس -جمع فرس- لم يسهم إلا لفرس واحد). أي: لو يأتي بخمسة من الخيل أو ثلاثة أو عشرة أو أقل أو أكثر، وأراد أن يأخذ لكل فرس من هذا الخيل سهمين يمنع من ذلك. وهذا مذهب الجمهور، فلا يسهم له إلا لفرس واحد. والقائل بهذا المذهب: الحسن ومالك وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن ﵃. أما الأوزاعي والثوري والليث وأبو يوسف ﵃ قالوا: يسهم لفرسين. ويروى مثله أيضاً عن الحسن ومكحول ويحيى الأنصاري وابن وهب وغيره من المالكيين. قالوا: ولم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئاً روي عن سليمان بن موسى: أنه يُسهم لما هو أكثر من ذلك. لكن الأصل: أن من شارك في الجهاد بأفراس فمذهب الجمهور أنه لا يُسهم إلا لفرس واحد. وغير الجمهور قالوا: يُسهم لفرسين دون بقية الأفرس، فلو أنه شارك بعشرة لا يُسهم إلا للاثنين، وفي الحقيقة ليس هناك دليل على منع إعطاء الأسهم لما هو أكثر من واحد؛ لأن النبي ﵊ قال: (للفارس سهم وللفرس سهمان) والمعلوم أن الفارس صاحب الأفرس لا يجاهد إلا على فرس واحد. والمعلوم أن بقية الأفرس لا قيمة لها حتى يستخدمها مجاهدون آخرون، ولو أنها تركت في الجهاد بغير قتال أو بغير فارس فإنها لا تنفع ولا تشفع حينئذ، فلا بد أن يوجهها وأن يركبها فارس مجاهد. فتبيّن لو أن واحداً أتى إلى الجهاد راجلاً واستخدم فرس غيره: هل يُسهم له أو لا يُسهم؟ الذي يترجّح لدي أن هذا الفرس يُسهم له سهمان، لكن من يأخذ هذا السهم؟ هل صاحبه الذي يأخذه، أم الفارس الذي ركبه؟ هذه المسألة محل نزاع بين العلماء.

стр. 1722

باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم الباب الثامن عشر: (باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم). الغنائم مباحة على هذه الأمة حرام على غيرها. قال: [حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن المبارك -وهو عبد الله بن المبارك - عن عكرمة بن عمار حدثني سماك الحنفي -وهو سماك بن الوليد الحنفي - قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر]. أراد أن يتكلم فقطعه إسناد آخر، ثم ينضم بداية الحديث وطرفه الأول مع طرفه الثاني. قال: [(ح) وحدثنا زهير بن حرب -واللفظ له- قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي] وقوله: (واللفظ له) أي: لـ زهير؛ ليدل على أن السياق الآتي إنما هو سياق زهير بن حرب وليس سياق هناد بن السري، وهنا معنا إسنادان لـ مسلم أحدهما من طريق هناد والآخر من طريق زهير، فهذا السياق الذي في هذا الحديث إنما هو سياق زهير بن حرب. قال: [حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو زميل -وهو سماك بن الوليد الحنفي - قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف)] والحقيقة أنهم كانوا أكثر من ألف، فقد كانوا ألفاً وثلاثمائة تقريباً، والمسلمون كانوا ثلاثمائة فقط أو ثلاثمائة وبضعة عشر، فنظر النبي ﵊ إلى المشركين وكانوا كثرة في العدد نسبة إلى عدد المسلمين. قال: [(وهم ألف -أي: تقريباً- وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة -أي: تحول واستدار ناحية القبلة- ثم مد يديه فجعل يهتف بربه)]. يهتف: يستغيث ويدعو ويصيح ويرفع صوته. قوله: (استقبل نبي الله القبلة، ثم مد يديه وجعل يهتف بربه) هذا من آداب الدعاء: أن يستقبل القبلة وأن يرفع يديه. والحافظ السيوطي له كتاب عظيم جداً في بابه اسمه: (فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين بالدعاء). وهذا من الآداب وليس من الأحكام؛ ولذلك العلماء يعتبرون أن في باب المتواتر المعنوي: رفع الأيدي في الدعاء، وأنها فطرة فطر الناس عليها، من أراد أن يدعو حتى وإن كان أجهل الناس ولا علم له بالكتاب ولا بالسنة يرفع يديه، حتى الأم أو الجدة التي لم تطلب علماً أول ما تريد أن تدعو ترفع يديها، فهذه فطرة وليست كما قيل: السماء قبلة الدعاء. فهذا كلام غير صحيح. نعم. الله تعالى في السماء، لكن بعض أهل العلم نسب كلام آحاد الناس إلى النبي ﷺ ، وليست هذه النسبة بصحيحة. قال: [(فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه -جعل يهتف أي: ينادي ويصيح- ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني -أي: آتني ما وعدتني- اللهم إن تهلك هذه العصابة -أي: هذه الجماعة من الناس ومن الجنود والصحابة- اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك -وفي رواية: كفاك مناشدتك ربك- فإنه سينجز لك ما وعدك؛ فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]-أي: متتابعين- فأمده الله بالملائكة. قال أبو زميل - سماك الحنفي - فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد -أي: يعدو ويسرع المشي- في أثر رجل من المشركين أمامه -أي: خلف رجل من المشركين- إذ سمع ضربة بالسوط فوقه -أي: فوق العدو- وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر الرجل -أي: المسلم- إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه -أي: جذع أو شُق أنفه- وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت. ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام)]. والنبي ﷺ استشار أبا بكر وعمر فحسب، وهذ

стр. 1723

كلام النووي في حديث الإمداد بالملائكة يوم بدر الباب الثامن عشر: (باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم). الغنائم مباحة على هذه الأمة حرام على غيرها. قال: [حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن المبارك -وهو عبد الله بن المبارك - عن عكرمة بن عمار حدثني سماك الحنفي -وهو سماك بن الوليد الحنفي - قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر]. أراد أن يتكلم فقطعه إسناد آخر، ثم ينضم بداية الحديث وطرفه الأول مع طرفه الثاني. قال: [(ح) وحدثنا زهير بن حرب -واللفظ له- قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي] وقوله: (واللفظ له) أي: لـ زهير؛ ليدل على أن السياق الآتي إنما هو سياق زهير بن حرب وليس سياق هناد بن السري، وهنا معنا إسنادان لـ مسلم أحدهما من طريق هناد والآخر من طريق زهير، فهذا السياق الذي في هذا الحديث إنما هو سياق زهير بن حرب. قال: [حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو زميل -وهو سماك بن الوليد الحنفي - قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف)] والحقيقة أنهم كانوا أكثر من ألف، فقد كانوا ألفاً وثلاثمائة تقريباً، والمسلمون كانوا ثلاثمائة فقط أو ثلاثمائة وبضعة عشر، فنظر النبي ﵊ إلى المشركين وكانوا كثرة في العدد نسبة إلى عدد المسلمين. قال: [(وهم ألف -أي: تقريباً- وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة -أي: تحول واستدار ناحية القبلة- ثم مد يديه فجعل يهتف بربه)]. يهتف: يستغيث ويدعو ويصيح ويرفع صوته. قوله: (استقبل نبي الله القبلة، ثم مد يديه وجعل يهتف بربه) هذا من آداب الدعاء: أن يستقبل القبلة وأن يرفع يديه. والحافظ السيوطي له كتاب عظيم جداً في بابه اسمه: (فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين بالدعاء). وهذا من الآداب وليس من الأحكام؛ ولذلك العلماء يعتبرون أن في باب المتواتر المعنوي: رفع الأيدي في الدعاء، وأنها فطرة فطر الناس عليها، من أراد أن يدعو حتى وإن كان أجهل الناس ولا علم له بالكتاب ولا بالسنة يرفع يديه، حتى الأم أو الجدة التي لم تطلب علماً أول ما تريد أن تدعو ترفع يديها، فهذه فطرة وليست كما قيل: السماء قبلة الدعاء. فهذا كلام غير صحيح. نعم. الله تعالى في السماء، لكن بعض أهل العلم نسب كلام آحاد الناس إلى النبي ﷺ ، وليست هذه النسبة بصحيحة. قال: [(فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه -جعل يهتف أي: ينادي ويصيح- ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني -أي: آتني ما وعدتني- اللهم إن تهلك هذه العصابة -أي: هذه الجماعة من الناس ومن الجنود والصحابة- اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كذاك مناشدتك ربك -وفي رواية: كفاك مناشدتك ربك- فإنه سينجز لك ما وعدك؛ فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]-أي: متتابعين- فأمده الله بالملائكة. قال أبو زميل - سماك الحنفي - فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد -أي: يعدو ويسرع المشي- في أثر رجل من المشركين أمامه -أي: خلف رجل من المشركين- إذ سمع ضربة بالسوط فوقه -أي: فوق العدو- وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر الرجل -أي: المسلم- إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه -أي: جذع أو شُق أنفه- وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت. ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام)]. والنبي ﷺ استشار أبا بكر وعمر فحسب، وهذ

стр. 1724

معنى قوله: (لما كان يوم بدر) قال النووي ﵀: (اعلم أن بدراً هو موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهو ماء معروف، وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة، بينها وبين مكة -أي: في طريق مكة- قال ابن قتيبة: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدراً، فسميت باسمه. قال أبو اليقظان: كانت لرجل من بني غفار. وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، في السنة الثانية من الهجرة). وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أن يوم بدر كان يوماً حاراً.

стр. 1725

استحباب استقبال القبلة في الدعاء أما قوله: (فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني). (يهتف) فمعناه: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء. وفي هذا الحديث: استحباب استقبال القبلة في الدعاء ورفع اليدين فيه.

стр. 1726

خلاف العلماء في مواطن رفع اليدين في الدعاء ولكن هل هو في هذا الموطن فحسب أم في كل المواطن؟ بعض أهل العلم قال: لا تُرفع الأيدي إلى السماء، ولا يستقبل القبلة إلا في المواطن التي صح فيها استقبال القبلة ورفع الأيدي في الدعاء. وجماهير الفقهاء يقولون: يستحب رفع الأيدي في الدعاء واستقبال القبلة في كل دعاء، واعتبروه من المتواتر المعنوي، ولا أقصد قنوت الفجر، فالأصل ألا يقنت في الفجر، وإنما يُقنت في جميع الصلوات في النوازل، وهذه هي السنة التي استقر عليها كلام المحققين. فأنت بطبيعة الحال إذا كنت في الصلاة فإنك ستكون مستقبلاً القبلة، فترفع يديك، وهذا المسنون والوارد عن النبي ﵊ أنه كان يرفع يديه شهراً كاملاً في صلاته يدعو على رعل وذكوان، وكان يرفع يديه في صلاة الاستسقاء، وكان يرفع يديه إذا زار البقيع، إلا في يوم الجمعة، فإنه لم يثبت عنه ﵊ أنه كان يرفع يديه، وإنما كان يرفع السبابة إذا دعا ﵊، أما المأموم فلا يرفع لا يديه ولا السبابة، بل قد ورد عند ابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق في المصنف كذلك: أن بعض السلف كـ عطاء والسدي وقتادة وغير واحد: كان إذا رأى رجلاً من الناس رفع أصبعه أو رفع يديه كان يخفضها يزجره زجراً. بمعنى: يضربها له أو يخبطها يزجره عن ذلك، فإذا كان هذا ثابتاً عن بعض السلف بغير نكير ولا مخالفة فيكون بلا شك أن: السنة ترك رفع المأمومين أيديهم خلف الإمام. ويسن للإمام إذا دعا أن يرفع السبابة ولا يرفع يده وهذا في أثناء الجمعة.

стр. 1727

حكم رفع الصوت بالدعاء وفي هذا الحديث: أنه لا بأس برفع الصوت في الدعاء، إذا كان الأمر يحتمل ذلك أو يتطلب رفع الصوت، وإلا فالأصل في الدعاء خفض الصوت؛ ولذلك النبي ﷺ رأى أصحاباً له يدعون الله تعالى بصوت عالٍ؛ فقال: (أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً). أربعوا أي: أمهلوا على أنفسكم، ولا ترفعوا أصواتكم بهذه الطريقة فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً. قوله: (اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فالعصابة بمعنى: الجماعة.

стр. 1728

الحكمة من مبالغة النبي ﷺ في مناشدة ربه النصر يوم بدر وقوله: (كذاك مناشدتك ربك) والنشيد: هو رفع الصوت. وفي رواية: (حسبك مناشدتك ربك) وكلها بمعنى واحد. أي: بمعنى: كفاك دعاء لربك، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك. قال: (العلماء: هذه المناشدة إنما فعلها النبي ﷺ ليراه أصحابه بتلك الحال من الذل والخضوع لله ، فيتواضعون ويذلون ويخضعون، فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه، مع: أن الدعاء عبادة مستقلة). كما قال ﵊: (الدعاء هو العبادة). فالدعاء عبادة مستقلة سواء كان للداعي حاجة أو لم يكن له حاجة، فالدعاء عبادة مستقلة. قال: (وقد كان وعده الله إحدى الطائفتين: إما العير، وإما الجيش). أي: عير التجارة، وأنتم تعلمون أن قافلة المشركين كانت قادمة من الشام، فتلقاها النبي ﵊ عند ماء بدر، والمعلوم أن العير قد مضت ولم يدركهم النبي ﷺ وهم ذهاب، وإنما أدركهم وهم رجوع وإياب، فلم يبق إلا الجيش لأن العير قد انتهت، وقد باعوا تجاراتهم بالشام، وفي حين قدومهم ورجوعهم رجعوا بجيش، أما العير فقد انتهت ومضى أمرها، فهناك اعتقاد جازم ويقين قوي بأن النبي ﷺ سينتصر في هذه الغزوة؛ لأن الله وعده إحدى الطائفتين، فواحدة ذهبت ولم يبق إلا الثانية، فلا بد أن الله تعالى منجز له ما وعده، فلِم الدعاء إذاً؟ الجواب لأنه عبادة. قال: (وقد كان وعد الله تعالى إحدى الطائفتين إما العير وإما الجيش، وكانت العير قد ذهبت وفاتت، فكان على ثقة من حصول الأخرى، وهي أنه يتمكن من رقاب المشركين، ولكن سأل تعجيل ذلك وتنجيزه من غير أذى يلحق المسلمين).

стр. 1729

استجابة الله لدعاء نبيه وإمداده بالملائكة أما قوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] أي: سأعينكم أيها المؤمنين بألف من الملائكة متتابعين. أما قول هذا الأنصاري: أنه سمع في السماء صوتاً يقول: (أقدم حيزوم). قال: (الحيزوم) أو (الحيزون) على روايتين: اسم فرس الملك، كأن هذا الملك نزل من السماء وهو راكب فرساً، وهذا الفرس اسمه (حيزوم) بالميم أو (حيزون) بالنون، وكأن الملك يدفع الفرس دفعاً ويستعجله ويتعجّله ويقول له: أقدم وتقدم ليضرب عنق هذا المشرك، فهذا الصوت سمعه الأنصاري ولم ير مصدر الصوت. (أقدم حيزوم): كلام سمعه من الملك، وحيزوم: اسم فرس. ولكن هل للفرس الذي كان يركبه الملك سهمين، وكذلك الملك هل له سهم؟ الجواب لا يأخذ شيئاً لا هو ولا فرسه. ولو أسميت فرسك (حيزوماً) أو (حيزوناً) فلا بأس بذلك، ولو أسميت ناقتك العضباء لكان أولى؛ لأن هذه ناقة النبي ﵊. قال: (وحيزوم اسم فرس الملك، كأنه قال له يناديه: يا حيزوم! أقدم). من الإقدام. قال: (وهي كلمة زجر للفرس معلومة في كلام العرب)، والملك إنما نادى على الفرس بنداء يفهمه السامع، كأنها بشارة لهذا الأنصاري نحن معك، مدد من السماء قد جاء. قال: (فإذا هو قد خُطم أنفه) الخطم هو: الأثر على الأنف. أي: كأنه كسّر له أنفه.

стр. 1730

حكم الإسلام في مفاداة الأسرى من الكفار قوله: (فقال عمر: (هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها) جمع صنديد، وهم العتاة في الكفر؛ لأن الكفر له أهل، وأهله أئمة كبار، كالإسلام والإيمان بالضبط، فالإسلام والإيمان له عامة المؤمنين وله خاصة المؤمنين من أهل العلم وأئمته، وأئمة العلم، فكذلك الكفر والشرك له عامة الأتباع وله صناديده وأئمته: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢] فسمى الله تعالى كبار الكافرين أئمة ومن لهم مشورة وغير ذلك. قال: (فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر). أي: أحب ذلك واستحسنه، وهو من الهوى: المحبة. (ولم يهو ما قلت) أي: ولم يهو النبي ﷺ ما قال عمر ﵁. وأما قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]. أي: يكثر القتل والقهر في العدو. وهذا أولى. لكن بلا شك قضية الأولى وعدم الأولى متعلقة بتوابع أخرى موجودة في كتب الفقه المطولة، كالمغني والمجموع وغير ذلك. أي: لو كان هناك إمام يقاتل الكفار بجيش المسلمين، فأُسر من المسلمين ألف، وأُسر من الكافرين ألف، فماذا نعمل؟ هل نقتل الأسرى أم نبدّلهم؟ الجواب نبدّل الأسرى بلا شك؛ لأن حذاء المسلم المجاهد أغلى من رقاب جميع الكافرين، والنبي ﵊ يقول: (لا يُقتل مؤمن بكافر). فإذا كان عند الكافرين ما يوازي عدد ما عندي لهم من أسرى، أو أقل مما عندي فأنا أفدي عشرة من المسلمين بمائة من الكافرين ولا حرج. وفي هذا بيان آخر: هل الأسرى الذين عندي من أئمة الكفر وأصحاب المشورة. أي: أصحاب الخطط العسكرية التكتيكية الذين يتوقف هزيمة الكفار ونصر الكفّار عليهم أم لا؟ الجواب لا بد أن هناك اعتبارات أخرى كثيرة، لكن لو أن عامة المأسورين من المسلمين وعامة الأسرى عندي من عامة المشركين فلا بأس بالبدل حينئذ. أما إذا كان عندي من الأسرى ما ليس عندهم، كأن لم يأخذوا مني أسرى، وأنا قد أخذت منهم، فالأولى بلا نزاع -وهو الذي يوافق نص الآية- قتل هؤلاء إلا أن يسلموا، ولو حتى أسلموا في القتل.

стр. 1731

حكم من نطق بالشهادة من الكفار أثناء المعركة يسأل كثير من الناس حينما كانت الحرب على أشدها وتدور رحاها بين الروس والشيشان يقولون: نحن أول ما نأسر رجلاً أو قائداً من قواد الروس ينطق بالشهادتين، فماذا نفعل؟ هل نعتبر هذه الشهادة أم نردها ونقتله؟ الجواب نعتبر ذلك ولا نقتله بغير خلاف، فقد تقول: قال ذلك تعوذاً، وهكذا كان ظن أسامة بن زيد ﵁، حينما تمكّن من رقبة رجل قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقتله، فلما صار الخبر إلى النبي ﵊ قال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً -يريد أن يهرب من السيف- قال: أشققت عن صدره يا أسامة؟!) وظل النبي ﷺ يردد هذا لـ أسامة حتى قال أسامة: يا ليتني! ما أسلمت إلا اليوم، ولم يثبت أن النبي ﵊ اقتص من أسامة؛ لأن أسامة كان متأولاً ولم يكن قاتلاً عمداً بغير تأويل، وإنما غلب على ظنه أنه باق على كفره، وما قال هذا الذي قاله إلا هروباً من القتل، ولم يكن اجتمع في قلبه حقيقة الإيمان، ولكن النبي ﷺ عامل الناس على أصل ظاهرهم، وحينئذ هذا حكم الله الذي يكون إلى يوم القيامة، فلو أن أحداً من جند الكفر نطق بكلمة الإسلام والإيمان في أثناء القتال فلا بد من رفع السيف عن رقبته فوراً وترك قتاله، وله ما لنا وعليه ما علينا، وإذا وقع الشك في قلوبنا مما يمكن أن يكون قال ذلك تعوذاً فلا بأس برقابته، أو وضعه في أماكن أخرى في صفوف المؤخرة من القتال، ومراقبته ومراقبة أحواله وحركاته، والتزامه بأحكام الشرع وغير ذلك، فلا يصح إلا الصحيح، والصحيح هو الذي جاء به الشرع.

стр. 1732

باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه الباب التاسع عشر: (باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه). أي: باب: جواز ربط الأسير، وجواز حبس الأسير، والمن عليه بإطلاق سراحه. وهذا هو المعنى المتبادر الأول من كلمة المن، بخلاف العطية، فالعطية في باب الصدقات عند الإطلاق، كما قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣]، وقال ﵊: (ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب) والمنان الذي يعطي الإنسان عطية ويمن عليه: أنا يوم كذا أعطيتك كذا، ويوم كذا أعطيتك كذا. والمن في القرآن كذلك بمعنى: الطير. قال تعالى: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، والسلوى: هي الحلوى وهو طعام بني إسرائيل الذي أعطاهم الله تعالى إياه. قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد -وهو المقبري - أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبل نجد)] والخيل: هي السرية، عبّر هنا بالخيل عن السرية، ونجد هي المعروفة الآن بالرياض والمدن المجاورة لها. قال: [(فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة -واليمامة من بلاد نجد- فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟!)] تصور أن مسئولاً كبيراً يؤتى من خلفه ويُربط في عمود من أعمدة المسجد، فهذا موقف عز عظيم جداً، ولم يأت هو ليهاجمهم فأسروه، ولكنهم هم الذين ذهبوا وأتوا به، فأمر النبي ﷺ بربطه في سارية المسجد -أي: في العمود- وبعد كل فترة يمر عليه فيقول: [(ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي يا محمد! خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر)] هو مشرك، ولكنه كلام موزون جداً؛ ولذلك لم يحز السيادة في العرب إلا من كان أهلاً لها. قال: يا محمد أنا بخير، إن أردت أن تمن عليّ بفكاك الأسر فستجدني لك شاكراً، وإن قتلتني فأنا عظيم في قومي صاحب دم، ولا يمكن لمن ورائي أن يفرطوا في دمي. وهذا يدل على أن لديه عزاً مع أنه مشرك. يقول له: فأنت لو قتلتني لن يتركوك قومي، فكأنه يريد أن يقول هذا، وهذا أرجح الأقوال في معنى ذلك. وهناك أقوال أخرى سنتعرف عليها. قال: [(وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : أطلقوا ثمامة)] حتى تعلم أننا لن نقتلك ولا نريد منك المال، لكي تعرف أننا أفضل منك، وهذا من عليه. قال: [(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد -أي: بستان قريب من المسجد النبوي- فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)]. أرأيتم هذا الكلام الجميل! فهو خشي أن ينطق بهذا وهو في الأسر حتى لا يقولوا: إن هذا مجرد خوف، وما أسلم إلا فراراً من القتل! فالسيد يظل سيداً طيلة عمره، والسيد لا يصلح أن يكون عبداً في أخلاقه وأدبه، فهذا الرجل أبى أن يُسلم في حال الأسر، حتى لا يقال: إن الحامل له على الدخول في الإسلام الخوف والرعب. وأيضاً يرد بقوة فيقول: فأنت لو قتلتني فلن يتركوك قومي، فاغتسل ثم دخل المسجد فنطق بالشهادتين ثم قال: [(يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي)] وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. قال: [(والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة)] أي قد كنت أتيت لأجل العمرة، وهذا يدل على أن الحج والعمرة نسك قديم منذ زمن إبراهيم ﵇. وقيل: منذ زمن آدم ﵇، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ حج مرتين قبل البعثة على ملة إبراهيم ﵇، فالمشركون كانوا يحجون ويعتمرون إلى البيت. قال: [(وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟)] أي: بماذا تشير علي؟ هل تأمرني بالذهاب إلى العمرة؟ وهذا أدب شديد؛ لأنه علم أنه بجوار النبي ﷺ ليس سيداً، بل هو مؤتمر بأوامره منته عما نهاه عنه. قال: فماذا ترى يا رسول الله؟! قال: [(فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل:

стр. 1733

كلام الإمام النووي في حديث إسلام ثمامة الباب التاسع عشر: (باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه). أي: باب: جواز ربط الأسير، وجواز حبس الأسير، والمن عليه بإطلاق سراحه. وهذا هو المعنى المتبادر الأول من كلمة المن، بخلاف العطية، فالعطية في باب الصدقات عند الإطلاق، كما قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣]، وقال ﵊: (ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب) والمنان الذي يعطي الإنسان عطية ويمن عليه: أنا يوم كذا أعطيتك كذا، ويوم كذا أعطيتك كذا. والمن في القرآن كذلك بمعنى: الطير. قال تعالى: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة:٥٧]، والسلوى: هي الحلوى وهو طعام بني إسرائيل الذي أعطاهم الله تعالى إياه. قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد -وهو المقبري - أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبل نجد)] والخيل: هي السرية، عبّر هنا بالخيل عن السرية، ونجد هي المعروفة الآن بالرياض والمدن المجاورة لها. قال: [(فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة -واليمامة من بلاد نجد- فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟!)] تصور أن مسئولاً كبيراً يؤتى من خلفه ويُربط في عمود من أعمدة المسجد، فهذا موقف عز عظيم جداً، ولم يأت هو ليهاجمهم فأسروه، ولكنهم هم الذين ذهبوا وأتوا به، فأمر النبي ﷺ بربطه في سارية المسجد -أي: في العمود- وبعد كل فترة يمر عليه فيقول: [(ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي يا محمد! خير إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر)] هو مشرك، ولكنه كلام موزون جداً؛ ولذلك لم يحز السيادة في العرب إلا من كان أهلاً لها. قال: يا محمد أنا بخير، إن أردت أن تمن عليّ بفكاك الأسر فستجدني لك شاكراً، وإن قتلتني فأنا عظيم في قومي صاحب دم، ولا يمكن لمن ورائي أن يفرطوا في دمي. وهذا يدل على أن لديه عزاً مع أنه مشرك. يقول له: فأنت لو قتلتني لن يتركوك قومي، فكأنه يريد أن يقول هذا، وهذا أرجح الأقوال في معنى ذلك. وهناك أقوال أخرى سنتعرف عليها. قال: [(وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟! فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : أطلقوا ثمامة)] حتى تعلم أننا لن نقتلك ولا نريد منك المال، لكي تعرف أننا أفضل منك، وهذا من عليه. قال: [(فانطلق إلى نخل قريب من المسجد -أي: بستان قريب من المسجد النبوي- فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)]. أرأيتم هذا الكلام الجميل! فهو خشي أن ينطق بهذا وهو في الأسر حتى لا يقولوا: إن هذا مجرد خوف، وما أسلم إلا فراراً من القتل! فالسيد يظل سيداً طيلة عمره، والسيد لا يصلح أن يكون عبداً في أخلاقه وأدبه، فهذا الرجل أبى أن يُسلم في حال الأسر، حتى لا يقال: إن الحامل له على الدخول في الإسلام الخوف والرعب. وأيضاً يرد بقوة فيقول: فأنت لو قتلتني فلن يتركوك قومي، فاغتسل ثم دخل المسجد فنطق بالشهادتين ثم قال: [(يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي)] وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. قال: [(والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة)] أي قد كنت أتيت لأجل العمرة، وهذا يدل على أن الحج والعمرة نسك قديم منذ زمن إبراهيم ﵇. وقيل: منذ زمن آدم ﵇، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ حج مرتين قبل البعثة على ملة إبراهيم ﵇، فالمشركون كانوا يحجون ويعتمرون إلى البيت. قال: [(وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟)] أي: بماذا تشير علي؟ هل تأمرني بالذهاب إلى العمرة؟ وهذا أدب شديد؛ لأنه علم أنه بجوار النبي ﷺ ليس سيداً، بل هو مؤتمر بأوامره منته عما نهاه عنه. قال: فماذا ترى يا رسول الله؟! قال: [(فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل:

стр. 1734

حكم دخول الكافر المسجد يقول النووي ﵀: (في هذا الحديث جواز ربط الأسير وحبسه، وجواز إدخال المسجد الكافر). أي: جواز إدخال الكافر في المسجد. (ومذهب الشافعي جوازه بإذن مسلم، سواء كان الكافر كتابياً أو غيره). أي: أن مذهب الشافعي يقول: الكافر يدخل المسجد، لكن لا يدخله إلا بإذن مسلم، وباتفاق أهل العلم أن حمامات المساجد ليست من المساجد، وكذلك الأماكن الملحقة بالمسجد ليست من المسجد، فلا بأس أن يدخلها الكافر، ولا بأس بدخوله المسجد أيضاً، فالمسألة محل نزاع وخلاف بين أهل العلم، لكن الراجح: جواز دخوله، فلو أنه لا يمكن وصوله إلى الحمام إلا بالدخول من المسجد فلا بأس بذلك، لكن مذهب المالكية يقول: لا يجوز. نقول: لو كان لا يجوز مطلقاً فلِم أدخل النبي ﷺ ثمامة في المسجد وربطه؟ ألم تعلم أن الأعراب كانوا يأتون فيربطون إبلهم خارج المسجد ويدخلون؟ كذلك الرجل الذي بال في المسجد. وفي رواية البخاري: أنه أتى فربط بعيره في المسجد. وفي رواية: خارج المسجد ودخل فبال، أي: بمجرد أن دخل بال. فالنبي ﷺ كان بإمكانه أن يربط هذا الكافر أو المشرك خارج المسجد، ولعله في يوم من الأيام تصيبه كلمة. أي لو أن نصرانياً دخل الحمامات فبلا شك أنه سيستغرق وقتاً في الدخول والخروج وقضاء الحاجة، وربما سمع كلمة فكانت فيها هدايته، فلا بأس بذلك. وعلى أية حال فأصل القول بالجواز هو هذا الحديث، أن النبي ﷺ ربط ثمامة في المسجد، وكان بإمكانه أن يربطه في أي مكان آخر ولو في بيت أحد من أصحابه، أو أن يؤدبه بأي طريقة شاء لو كان دخول الكافر المسجد لا يصح بكل حال. ثم لا يقال: إن فلاناً يدخل ويخرج ويدخل ويخرج، فإن ثمامة بن أثال مكث ثلاثة أيام في المسجد، وليس مروراً ولا عبوراً، وإنما مكث وإقامة. ومذهب الشافعي: جوازه بإذن مسلم. وأتى الشافعي بهذا الشرط من أن النبي ﷺ هو الذي أمر بربطه في المسجد، والأمر بمعنى الإذن. قال: (وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك: لا يجوز). أي: لا يجوز دخول الكافر المسجد. قال: (وقال أبو حنيفة ﵁: يجوز لكتابي دون غيره). يجوز لكتابي أي: ليهودي أو نصراني ولا يجوز للمشرك. وثمامة كان مشركاً ولم يكن كتابياً. قال: (ودليلنا على الجميع هذا الحديث) فكأن الإمام النووي يقول: وكل هذه الأقوال غير صحيحة، والصحيح: الجواز، ودليلنا على الجواز هذا الحديث، فإما أن يرد الجميع هذا الحديث، أو أن يقبلوه. ولا يحل لهم أن يردوه؛ لأنه ثابت فلا يبقى لهم إلا القول بمقتضى هذا الحديث وهو جواز الدخول. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨] فهو خاص بالحرم، ونحن نقول: لا يجوز إدخاله الحرم. أي: أن الحرم المكي له خاصية تختلف في بعض الأحكام عن بقية المساجد.

стр. 1735

معنى قوله: (إن تقتل تقتل ذا دم) قال: (قوله: (إن تقتل تقتل ذا دم) -أي: صاحب دم- اختلفوا في معناه، فقال القاضي عياض في المشارق وأشار إليه في شرح مسلم: معناه: إن تقتل تقتل صاحب دم لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره. أي: لرياسته وفضيلته). أي: إذا أردت قتلي يا محمد! فاقتلني فلست خائفاً، ولكن لا بد أن تعلم أن ورائي رجالاً يثأرون لدمي، ويأخذون بدمي ولا يدعونه هدراً، فإني رئيس ولي فضيلة في قومي. قال: (وحذف هذا المفهوم من النص؛ لأنه مفهوم في عرف العرب وفي عرف المتكلم والسامع. وقال آخرون: معناه: تقتل من عليه دم ومطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله). يريد أن يقول: أنا مطلوب دمي. أي: شيء جيد أنك أسرتني، فإذا قتلتني فأنت تريحني؛ لأن هناك أناساً خلفك قتلت لهم قتيلاً وهم يطلبون دم قتيلهم، ولو أدركوني لقتلوني، فأنا في كل الأحوال سأُقتل إذاً: فاقتلني. قال: (وفي رواية عند أبي داود (وإن تقتل تقتل ذا ذم -وليس ذا دم- أي: ذا ذمام وحرية في قومه، ومن إذا عقد ذمة وفى بها. قال القاضي: (هذه الرواية ضعيفة؛ لأنها تقلب المعنى). وأرجح الأقوال أنها مصحفة، فإن من له حرمة لا يستوجب القتل. قال: (ويقول القاضي: ويمكن أن تكون صحيحة على معنى التفسير الأول، أي: يقتل رجلاً جليلاً يحتفل قاتله بقتله، بخلاف ما إذا قتل ضعيفاً مهيناً فإنه لا فضيلة في قتله ولا يدرك به قاتله ثأره). أي: يمكن أن تكون هذه الرواية صحيحة: (إن تقتل تقتل ذا ذم) بالذال على معنى: أنه صاحب شرف في قومه، فلو كان ضعيفاً هزيلاً لا قيمة له، فلا فضيلة في قتله، إنما الفضيلة في قتل الشريف؛ ولذلك في الحروب الآن يُقتل أناس كثيرون بالمئات والآلاف، وربما لم نعرف لهم أسماء ولا أنساب ولا بلاد ولا أهل ولا جيران وغير ذلك، لكن لو قُتل عظيم شريف يُشار إليه بالبنان لكان قتله ذا شأن. ولذلك فنحن نفرح حين يُقتل صنديد كبير من صناديد الكفر أو يؤسر، خلاف فرحنا بأسر ألف واحد، فأسر ألف واحد لا يساوون أسر كبير من كبرائهم.

стр. 1736

جواز المن على الأسير قوله ﵊: (أطلقوا ثمامة). فيه: جواز المن على الأسير، والجواز لا يعني وجوب المن على الأسير، والمن: هو إطلاق سراحه بغير قتل ولا فداء. فهل هذا جائز في الشرع؟ نعم. هو جائز، لكن ذلك يرجع إلى الإمام، فالإمام هو الذي يملك ذلك، وهذا مذهب الجمهور ومنهم الشافعية.

стр. 1737

حكم اغتسال المشرك إذا أراد الدخول في الإسلام قال: (قوله: (فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل)، قال الشافعية: إذا أراد الكافر الإسلام بادر به ولا يؤخره للاغتسال). وهذه المسألة محل نزاع. هل الغسل يلزم أولاً لمن أراد أن يدخل في الإسلام ويترك الكفر، أو ينطق بالشهادة أولاً ثم يغتسل بعد النطق؟ الجواب ينطق بالشهادة أولاً، ولكن الرواية التي بين أيدينا تقول: أنه انطلق إلى نخل فاغتسل، وأتى إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله. أي: أنه اغتسل أولاً وكان بين الغسل وبين النطق بالشهادة وقت، عندما أتى من هذا النخل ودخل المسجد فشهد الشهادتين. والمضمون: أنه ربما يكون نطق بالشهادة قبل الاغتسال، أو بعد الاغتسال مباشرة، ثم جددها بين يدي النبي ﵊. قال: (ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، بل يبادر به ثم يغتسل). فلو أن إنساناً أراد أن يسلم الآن فنقول له: اذهب إلى الحمامات اغتسل ثم ائتنا، فلما ذهب إلى الحمامات مات، فالذي يتحمل إثم الرجل هو الرجل الذي أفتاه. قال: (ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، بل يبادر بالنطق بالشهادتين ثم يغتسل. ومذهبنا: أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في الشرك). أي: إن أسلم في حال كونه جنباً، فالاغتسال واجب سواء كان اغتسل منها أم لا. قال: (وقال بعض أصحابنا: إن كان اغتسل أجزأه وإلا وجب). أي: بعض الشافعية يقولون: إن اغتسل من الجنابة أجزأه هذا الغسل وإن كان قبل النطق بالشهادة، وإلا صار واجباً عليه بعد النطق بها. إن هذا الأمر أصله الدخول في الإسلام، وأنه يجب ما كان قبله، لكنه لا يجب الجنابة، وإنما يلزمه إذا لم يكن قد اغتسل منها قبل الإسلام، فبعض أهل العلم قالوا: يجزئه هذا الاغتسال ولا يلزمه الغسل بعد النطق ولا قبله. ومنهم من قال: إذا كان على جنابة اغتسل منها أو لم يغتسل منها قبل النطق لزمه الاغتسال بعد النطق بالشهادة، وإن كان عليه جنابة وأسلم قبل الاغتسال فيلزمه قولاً واحداً أن يغتسل بعد النطق بشهادة الإسلام. قال: (وقال بعض أصحابنا: إن كان قد غسل أجزأه وإلا وجب. وقال بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه، ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب). لكن في الحقيقة الجنابة ليست ذنباً، والذي يُجب ويُغفر هو الذنوب، وأعظم الذنوب الكفر والشرك، فهذا الكلام لا يستقيم. قال: (وضعّفوا هذا بالوضوء فإنه يلزمه بالإجماع، ولا يقال: يسقط أثر الحدث بالإسلام، هذا كله إذا كان أجنب في الكفر، أما إذا لم يجنب أصلاً ثم أسلم فالغسل مستحب له إذا بلغ الحلم)، والذي يجنب هو الذي بلغ؛ لأن الجنابة والمني أحد علامات البلوغ، بل أعظم علامات البلوغ. هب أن رجلاً أسلم قبل البلوغ هل يجب عليه الغسل؟ الجواب لا يجب، بل يستحب له الغسل. وهذا مذهب الجماهير. أما أحمد فقال: يجب عليه الغسل كما لو كان بالغاً. أما النخل الذي انطلق إليه ثمامة فهو ماء قليل منبعث من الأرض. وقيل: ماء جار.

стр. 1738

تأليف النبي لثمامة بسؤاله: (ماذا عندك يا ثمامة ؟) قال: (قوله: (ما عندك يا ثمامة؟!) وكرر ذلك ثلاثة أيام، هذا من تأليف القلوب -فالنبي ﵊ يؤلّف قلب ثمامة - وهذا فيه ملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير). كما أرسل النبي ﵊ إلى هرقل فقال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) وهذا من باب التأليف. قد يقول قائل: وهل يجوز أن يكون هذا من باب التوبيخ؟ الجواب نعم يجوز أن نوبّخهم، وتعلمون أن هارون الرشيد كتب رسالة وقال: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب على رسالتك ما ترى لا ما تسمع، وسأرسل إليك جيشاً أوله عندك وآخره عندي؛ لأنه موقف عزّة. أما موقف النبي ﷺ فهو موقف تألف يؤلف قلبه، وهو قادر على العزة، والعزة حينما يكون العدو بعيداً عني وأنا أناقشه بلغة التهديد، لكن في هذا الوقت العدو بين يدي فلماذا أهدده؟ فمن الممكن أن أمسكه وأقتله، فلا قيمة للتهديد حينئذ، فهو بين يدي ضعيف لا حيلة له! فأنا في هذه الحالة ألاطفه بالشمائل والمكارم، فطالما يكون الذي آذاك وخانك وغشّك بعيداً عنك، وأنت تقول: سوف أعمل به كذا وكذا، وسوف أنتقم، ولكن إذا أتاك إلى البيت، هل ستقول له: سأنتقم وأعمل بك كذا وكذا وكذا، وسوف أغشك وأخدعك كما خدعتني، أم أنك ستقول: عفا الله عما سلف، ونفتح صفحة جديدة؟ فكذلك النبي ﷺ فعل معه.

стр. 1739

أمر النبي لثمامة بأداء عمرته وما فيه من إغاظة المشركين قال: (وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي ﵊ وأمره أن يعتمر) يعني: بشره بما حصل له من الخير العظيم بسبب الإسلام، وأن ما أنت فيه الآن لا يمكن أن يعدله ما كنت عليه آنفاً من إرادة الخير بإدراك العمرة، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأما أمره له بالعمرة فاستحباب، حتى لا يأخذ أحد بأن العمرة واجبة، وحمل الأمر هنا على أنه أمر استحباب. والمسألة محل نزاع بين أهل العلم: هل العمرة مستحبة أم واجبة؟ فالجمهور: على استحبابها، وغيرهم على وجوبها أخذاً من هذا الحديث، ومن قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ)) وعطف عليه العمرة، والمعلوم أن الحج فرض. ولكن الجمهور ردوا على من قال بظاهر هذه الآية من وجوب العمرة. قالوا: المقصود من قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: إذا تلبستم بهما، فصار إتمامها واجباً. أي: إذا تلبست بنافلة صار إتمامها واجباً إلا ما خرج بالنص، كقوله ﵊: (الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر) ولم يرد هذا التخيير في عبادة من نوافل العبادات غير الصيام، فتبيّن أن من دخل في صلاة نافلة وجب عليه إتمامها ولا يجب عليه إنشاؤها. مثلاً: سنة العشاء أو سنة المغرب إذا لم أصلها فإنه ذهب عني أجرها ولا يجب عليّ أداؤها، لكني لو أحرمت بها وجب عليّ إتمامها. فكذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] التأويل الأول: إذا لبّثتم بالحج والعمرة وأحرمتم بهما وجب إتمامهما. هذا معنى الآية. والمعنى الثاني: أي أخلصوا العبادة لله تعالى في الحج والعمرة؛ لأنه قال: لله، فليس ظاهر الآية عطف العمرة على الحج في الوجوب، وهذا الذي رد به الجمهور على من قال بأن العمرة واجبة. فالأمر بالعمرة استحباب؛ لأن العمرة مستحبة في كل وقت لا سيما من هذا الشريف المطاع إذا أسلم، وجاء مراغماً لأهل مكة. قال: (فطاف وسعى وأظهر إسلامه وأغاظهم بذلك). وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1740

الأسئلة

стр. 1741

حكم سب الدين السؤال ما هي كفارة سب الدين، وما هو الحال إن كان جاهلاً؟ الجواب إذا قصد بسبه دين الله يكفر جاهلاً كان أو عالماً، إلا ما كان من تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: لو سب الدين بمعنى: أنه يسب الأخلاق لا يقصد دين الله الذي نزل من السماء فهو لا يكفر بذلك، وإنما يأثم ويعزّر.

стр. 1742

حكم وليمة الزواج السؤال هل الوليمة في الزواج واجبة أم مستحبة؟ وهل وقتها الأصلي بعد الدخول أم يجوز قبله؟ وهل يجب فيها اللحم؟ الجواب لا. هي مستحبة، وبعض أهل العلم أوجبها، ووقتها يبدأ بعد صبيحة البناء، ولا يجب فيها اللحم، فالنبي ﵊ أولم على إحدى نسائه بغير لحم، وما كان يأمر إلا القادرين، كما أمر عبد الرحمن بن عوف قال: (أولم ولو بشاة).

стр. 1743

حكم الاتكاء على اليد اليسرى السؤال هل يوجد نهي عن الاتكاء على اليد اليسرى في المسجد؟ الجواب ورد في المسجد وفي غير المسجد، والنهي عند أبي داود.

стр. 1744

أحكام المسح على الجوارب السؤال نرجو التفصيل في شرح المسح على الجورب؟ الجواب المسح على الجورب جائز، فقد كان النبي ﵊ يمسح على الخفاف، والتساخين. وهي الجوارب. وكل ما يُطلق عليه جورب جاز عليه المسح، وإن كان رقيقاً وإن كان صفيفاً، وإن كان مخرّقاً أو غير مخرّق، لكن في النفس من الشرابات الشفافة شيء. وهناك شروط قاسية جداً نجدها في كتب الفقه القديمة أنه لا بد أن يكون الشراب قوياً جداً ومتيناً جداً ويصلح للمشي عليه (٥) كيلو متر أو (١٠) كيلو متر بغير أن يتأثر بذلك، ولو وضعنا الماء عليه يجري. لماذا هل هو جلد؟ هو مجرد شراب، فإن وضعت عليه نقطة ماء حتى وإن كان سمكه كالبطانية لا يجري. وقد يقرأ قارئ أحياناً شروطاً لبعض أهل العلم في المسح على الخفّين، أو يسمع أن بعض أهل العلم يقولون: لا بد من شروط في الجورب، ويبدأ يسرد الشروط، وإذا أردت أن تطبق هذه الشروط على الجوارب مهما كان حجمها لا يمكن أن تنطبق، فيعتقد المرء أن هذه الجوارب التي يتكلم عنها الفقهاء لا يصنعها إلا حداد أو نجار.

стр. 1745

حكم الاعتكاف في غير المسجد السؤال هل يجوز الاعتكاف في شقة مبنية فوق المسجد؟ الجواب لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فلا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد، والاعتكاف جائز في كل أيام السنة، ولكن لا يجوز الاعتكاف مطلقاً إلا في المسجد.

стр. 1746

حكم رفع الأيدي في قنوت الوتر، وعند دعاء الخطيب يوم الجمعة السؤال هل ترفع الأيدي في قنوت الوتر، وحين دعاء الخطيب يوم الجمعة؟ الجواب قلنا فيما يتعلق بدعاء الخطيب: لا ترفع الأيدي، وإنما ترفع في قنوت الوتر، والله تعالى أعلم.

стр. 1747

معنى الألفاظ الآتية: (علماني) و (شيوعي) و (ملحد) السؤال وما معنى علماني وشيوعي وملحد؟ الجواب علماني وشيوعي وملحد هذه كلها أسماء لمعنى واحد وهو الكفر.

стр. 1748

جريان الأجر وعدم انقطاعه لمن ابتكر شيئاً يخدم به المسلمين السؤال أعمل في المنظفات الصناعية، وأعطاني الله موهبة الابتكار، واخترعت أشياء تباع بأسعار غالية، وعملتها بيدي بأسعار رخيصة جداً، وبعض الناس يريد أن أعلّمه المهنة، فهل إن علّمته يكتب لي مع كل ما عمل وربح حسنات أم مرة واحدة -الأولى- فقط، وهل يجوز لي أن آخذ منه مبلغاً نظير التعليم؟ الجواب لك أن تفعل معه ما تشاء، فتأخذ منه نظير التعليم، وإن أخذت منه هذا المبلغ فإن شاء الله لا ينقطع أجرك ما دمت قد يسرت على المسلمين ورفعت عنهم الغلاء بهذه الاختراعات، وجزاك الله خيراً.

стр. 1749

حكم الصلاة على من مات وهو تارك للصلاة السؤال هل تجوز الصلاة على إنسان كان تاركاً للصلاة، ومات من المخدرات، وهل يجوز اتباع جنازته؟ الجواب الذي يترجّح لدي أن تارك الصلاة لا يصلى عليه؛ لأنه مات على الكفر.

стр. 1750

حكم قراءة المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية السؤال هل يجوز ترك قراءة الفاتحة وراء الإمام في الصلاة الجهرية أم لا؟ الجواب قراءة الفاتحة واجبة في أرجح أقوال أهل العلم.

стр. 1751

قراءة الفاتحة للمأموم السؤال هل يجوز أن أقرأ الفاتحة مع الإمام بحيث يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فأقول مثله، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وهكذا، أم أنه يقولها كاملة ثم أقول: آمين، ثم أبدأ في قراءتها؟ الجواب المعلوم أن النبي ﵊ لم يُحفظ عنه سكتات في الصلاة إلا سكتة بعد تكبيرة الإحرام يقرأ فيها الأذكار، وسكتة قبل الركوع، أما سكتة بعد قراءة الفاتحة وقبل البدء فيما تيسر من الآيات، فلم يُحفظ عنه ذلك، بل عدّها شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية من البدع المنكرة في الصلاة. فالأصل إذا فرغ الإمام من الفاتحة وبدأ بعد التأمين مباشرة بسورة، فلا وقت إذاً للمأموم أن يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها آية آية مع الإمام، لكنك ربما تقول: أنتظره وأسكت وأسمع الإمام فإذا فرغ قرأت الفاتحة، فلك أن تفعل ذلك، وقد تقرأ الفاتحة إذا كنت مسبوقاً وأتيت إلى الصلاة بعد فراغ الإمام من فاتحة الكتاب، فكل هذا جائز.

стр. 1752

حكم الصلاة عند مدافعة الأخبثين السؤال إذا توضأت فجاءني ريح فهل يجوز أن أحبسه حتى أصلي أم يجب أن أخرجه وأتوضأ من جديد؟ الجواب هذا الريح يمكن حبسه أو لا يمكن حبسه إلا بجهد ومشقة ودفع عظيم يشغلني عن الخشوع في الصلاة، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ قال: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين) لكن المدافعة هذه تختلف ما بين القوة والضعف، ما بين دفع يسير ودفع يحتاج إلى مشقة عظيمة جداً، وينشغل المرء بذهنه وقلبه عن الصلاة أبداً، ويتمنى لو أن الإمام فرغ من صلاته، فحينئذ لا يجوز له أن يدخل في الصلاة وهو على هذه الحال، وإنما يذهب فيتوضأ ثم يصلي مع الإمام، وإن أدرك الصلاة فكان خيراً، وإن كانت الأخرى فله أجر الجماعة، وما خلّفه عن الجماعة إلا العذر، أما من كان بإمكانه أن يدخل في الصلاة مع شيء يسير من المدافعة فلا بأس بذلك، وإنما المنهي عنه المدافعة التي تشق على صاحبها.

стр. 1753

حكم الصلاة بحضرة الطعام السؤال لو حضر الطعام وكان المصلي جائعاً، ودخل الصلاة في حالته هذه فما الحكم؟ الجواب الحديث يقول: (ولا صلاة بحضرة الطعام) أي: أنه لا بد أن يكون الطعام حاضراً وموجوداً، ولكن قد يكون الطعام موجوداً أمامك، ولكنك لا تريد أن تأكل منه، وقد تكون جائعاً لكن لا تريد أن تأكل منه ولا تشتهيه نفسك، لكنك مع هذا الجوع إن أكلت منه أكلت على مضض، ولولا الجوع ما أكلت. وهناك إنسان ربما يكون شبعان لكن إذا وضع أمامه طعام جيد فتح شهيته، فإذا ذهب إلى الصلاة بهذا الوضع فإنه سينصرف عن الخشوع في الصلاة، فلا صلاة بحضرة الطعام. أي: والطعام موجود وتتوق نفسك إليه، فإن كان الطعام غير موجود وأنت جائع فيجوز لك الصلاة في هذه الحالة؛ لأن الطعام غير موجود، وتشتهيه وتتوق إليه نفسك.

стр. 1754

بيان أن التوبة تجب ما قبلها السؤال هل لي من توبة فقد عصيت الله كثيراً وأريد أن أكون ملتزماً بديني؛ خوفاً من الله ؟ الجواب نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياك على العمل الصالح والإيمان الصادق، وباب التوبة يا أخي الكريم! مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم. هذه التوبة الخاصة بكل أحد، وباب التوبة العام مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فباب التوبة مفتوح، ولا يؤيّسك ولا يقنّطك من رحمة الله أحد، فلا تسمع لأحد يحول بينك وبين التوبة، فباب التوبة مفتوح، والله تعالى لا يرد سائلاً له قط. فإذا كنت من أصحاب المال فتصدق بمالك، وإذا كنت غير ذلك فأكثر من الصلاة والصيام والزكاة، وإذا كنت صاحب مال فحج واعتمر وأكثر من الصالحات. وقبل كل ذلك يجب عليك أن تطلب العلم وتعرف الله، فأصل الثبات على الدين طلب العلم ومعرفة الله تعالى، فكلما عرفت الله تعالى كلما أحببته أكثر، والمعلوم أن المحب يطيع حبيبه، فطلب العلم مفتاح السعادة، وهو باب كل خير، وإذا تنكبت هذا الطريق فإنك ستعيش مع عامة الناس، وربما جرّتك الفتن وشياطين الإنس والجن إلى المعصية مرة أخرى، وخرجت عن حد الالتزام الذي من الله تعالى به عليك.

стр. 1755

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - إجلاء اليهود عن الحجاز ورد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم وجواز الأكل من طعام الغنيمة أجلى الرسول ﷺ اليهود من المدينة وذلك لنقضهم العهد وإثارتهم للفتن ومحاربتهم للإسلام وأهله، فهم لا يرقبون في مؤمن إلَّاً ولا ذمة، ثم أوصى رسول الله ﷺ أمته من بعده بإجلائهم من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر ﵁ في خلافته من خيبر، وقد اختلفت أقوال العلماء في المراد بجزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وجمهور العلماء على أنها أرض الحجاز.
следующие страницы →