Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
قراءة الفاتحة للمأموم
السؤال
هل يجوز أن أقرأ الفاتحة مع الإمام بحيث يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فأقول مثله، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وهكذا، أم أنه يقولها كاملة ثم أقول: آمين، ثم أبدأ في قراءتها؟
الجواب
المعلوم أن النبي ﵊ لم يُحفظ عنه سكتات في الصلاة إلا سكتة بعد تكبيرة الإحرام يقرأ فيها الأذكار، وسكتة قبل الركوع، أما سكتة بعد قراءة الفاتحة وقبل البدء فيما تيسر من الآيات، فلم يُحفظ عنه ذلك، بل عدّها شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية من البدع المنكرة في الصلاة.
فالأصل إذا فرغ الإمام من الفاتحة وبدأ بعد التأمين مباشرة بسورة، فلا وقت إذاً للمأموم أن يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها آية آية مع الإمام، لكنك ربما تقول: أنتظره وأسكت وأسمع الإمام فإذا فرغ قرأت الفاتحة، فلك أن تفعل ذلك، وقد تقرأ الفاتحة إذا كنت مسبوقاً وأتيت إلى الصلاة بعد فراغ الإمام من فاتحة الكتاب، فكل هذا جائز.
стр. 1752
حكم الصلاة عند مدافعة الأخبثين
السؤال
إذا توضأت فجاءني ريح فهل يجوز أن أحبسه حتى أصلي أم يجب أن أخرجه وأتوضأ من جديد؟
الجواب
هذا الريح يمكن حبسه أو لا يمكن حبسه إلا بجهد ومشقة ودفع عظيم يشغلني عن الخشوع في الصلاة، وأنتم تعلمون أن النبي ﵊ قال: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين) لكن المدافعة هذه تختلف ما بين القوة والضعف، ما بين دفع يسير ودفع يحتاج إلى مشقة عظيمة جداً، وينشغل المرء بذهنه وقلبه عن الصلاة أبداً، ويتمنى لو أن الإمام فرغ من صلاته، فحينئذ لا يجوز له أن يدخل في الصلاة وهو على هذه الحال، وإنما يذهب فيتوضأ ثم يصلي مع الإمام، وإن أدرك الصلاة فكان خيراً، وإن كانت الأخرى فله أجر الجماعة، وما خلّفه عن الجماعة إلا العذر، أما من كان بإمكانه أن يدخل في الصلاة مع شيء يسير من المدافعة فلا بأس بذلك، وإنما المنهي عنه المدافعة التي تشق على صاحبها.
стр. 1753
حكم الصلاة بحضرة الطعام
السؤال
لو حضر الطعام وكان المصلي جائعاً، ودخل الصلاة في حالته هذه فما الحكم؟
الجواب
الحديث يقول: (ولا صلاة بحضرة الطعام) أي: أنه لا بد أن يكون الطعام حاضراً وموجوداً، ولكن قد يكون الطعام موجوداً أمامك، ولكنك لا تريد أن تأكل منه، وقد تكون جائعاً لكن لا تريد أن تأكل منه ولا تشتهيه نفسك، لكنك مع هذا الجوع إن أكلت منه أكلت على مضض، ولولا الجوع ما أكلت.
وهناك إنسان ربما يكون شبعان لكن إذا وضع أمامه طعام جيد فتح شهيته، فإذا ذهب إلى الصلاة بهذا الوضع فإنه سينصرف عن الخشوع في الصلاة، فلا صلاة بحضرة الطعام.
أي: والطعام موجود وتتوق نفسك إليه، فإن كان الطعام غير موجود وأنت جائع فيجوز لك الصلاة في هذه الحالة؛ لأن الطعام غير موجود، وتشتهيه وتتوق إليه نفسك.
стр. 1754
بيان أن التوبة تجب ما قبلها
السؤال
هل لي من توبة فقد عصيت الله كثيراً وأريد أن أكون ملتزماً بديني؛ خوفاً من الله ؟
الجواب
نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياك على العمل الصالح والإيمان الصادق، وباب التوبة يا أخي الكريم! مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم.
هذه التوبة الخاصة بكل أحد، وباب التوبة العام مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، فباب التوبة مفتوح، ولا يؤيّسك ولا يقنّطك من رحمة الله أحد، فلا تسمع لأحد يحول بينك وبين التوبة، فباب التوبة مفتوح، والله تعالى لا يرد سائلاً له قط.
فإذا كنت من أصحاب المال فتصدق بمالك، وإذا كنت غير ذلك فأكثر من الصلاة والصيام والزكاة، وإذا كنت صاحب مال فحج واعتمر وأكثر من الصالحات.
وقبل كل ذلك يجب عليك أن تطلب العلم وتعرف الله، فأصل الثبات على الدين طلب العلم ومعرفة الله تعالى، فكلما عرفت الله تعالى كلما أحببته أكثر، والمعلوم أن المحب يطيع حبيبه، فطلب العلم مفتاح السعادة، وهو باب كل خير، وإذا تنكبت هذا الطريق فإنك ستعيش مع عامة الناس، وربما جرّتك الفتن وشياطين الإنس والجن إلى المعصية مرة أخرى، وخرجت عن حد الالتزام الذي من الله تعالى به عليك.
стр. 1755
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - إجلاء اليهود عن الحجاز ورد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم وجواز الأكل من طعام الغنيمة
أجلى الرسول ﷺ اليهود من المدينة وذلك لنقضهم العهد وإثارتهم للفتن ومحاربتهم للإسلام وأهله، فهم لا يرقبون في مؤمن إلَّاً ولا ذمة، ثم أوصى رسول الله ﷺ أمته من بعده بإجلائهم من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر ﵁ في خلافته من خيبر، وقد اختلفت أقوال العلماء في المراد بجزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وجمهور العلماء على أنها أرض الحجاز.
стр. 1756
باب إجلاء اليهود من الحجاز
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب العشرون من كتاب الجهاد: (باب: إجلاء اليهود من الحجاز).
الإجلاء: الطرد في مذلة ومهانة، والإجلاء بخلاف الانسحاب والخروج.
قوله: (باب إجلاء اليهود من الحجاز).
ليس اليهود فحسب، وإنما اليهود والنصارى وسائر ملل الكفر، وإنما أشار الحافظ النووي إلى ذكر اليهود للدلالة على أنهم شر أهل الكتاب، ومن باب أولى أن يكون غيرهم أشد جلاءً.
стр. 1757
شرح حديث أبي هريرة: (اعلموا أن الأرض لله ولرسوله وأني أريد أن أجليكم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه] وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري لُقّب بـ المقبري؛ لأن بيته كان بجوار البقيع، فكان في الذهاب والإياب يمر على المقابر.
[عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بينا نحن في المسجد)] و (بينما) كُتبت (بينا) لكن في النطق (بينما) كما أنه يكتب (ثنا) ولكنها تُنطق (حدثنا) كذلك (أنا) تُنطق (أخبرنا أو أنبأنا) وكذلك (نا) وتُنطق (أخبرنا).
قال: [(بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود -أي: لقتالهم- فخرجنا معه حتى جئناهم، فقام رسول الله ﷺ فناداهم فقال: يا معشر يهود! أسلموا تسلموا)] وهذا من الجناس اللفظي بين الكلمات: (أسلموا تسلموا) كما يقول الشاعر: سميته يحيى ليحيا، فالأول هو الاسم والثاني هو الرجاء (ليحيا).
وهنا قال: (أسلموا تسلموا) أي: تسلموا من القتال وتأمنوا من إراقة الدماء.
قال: [(فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم!)] أي: إذا كنت تريد أن نشهد بأنك قد بلّغت، فإنا نشهد بذلك ونُقر بذلك عينك [(فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك أريد)] هذا الذي أريد أن أنتزعه منكم أن تشهدوا لي أني قد بلغتكم؛ لأن الأنبياء ليس عليهم إلا البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] أما الهداية فهي بيد الله ، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، إذاً: الرسول ما عليه إلا البلاغ المبين، وما غير ذلك فهو لله .
قال: (أسلموا تسلموا، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم! فقال لهم رسول الله ﷺ : ذلك أريد.
فقال لهم الثالثة فقال: اعلموا أنما الأرض لله ورسوله -وهذا في قتاله مع بني النضير- وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه)] من استطاع منكم أن يبيع متاعه أو عقاره بشيء فليبعه ولا يتأخر؛ لأني أريد أن أجليكم عنها، ولا تأخذون معكم في الإجلاء إلا ما تحمله النوق، أما غير ذلك فلا.
قال: [(وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله)] أي: لا يمكن أن تأخذوا من الأرض شيئاً.
стр. 1758
شرح حديث عمر بن الخطاب في إجلاء اليهود من المدينة
قال: [وحدثني محمد بن رافع وإسحاق بن منصور -المعروف بـ الكوسج.
قال ابن رافع: حدثنا، وقال إسحاق بن منصور: أخبرنا- عبد الرزاق بن همام الصنعاني قال: أخبرنا ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي عن موسى بن عقبة -إمام المغازي- عن نافع الفقيه مولى عبد الله بن عمر عن مولاه وسيده ابن عمر ﵄: (أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ -أي: أنهم توافروا واتفقوا وتكاتفوا على قتال النبي ﷺ فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير -أي: أجلاهم عن المدينة كلها- وأقر قريظة ومنَّ عليهم)] أقر قريظة أن يمكثوا في مكانهم، ومنّ عليهم النبي ﵊.
بمعنى: أعطاهم عقد أمان، بمقابل وبشروط.
قال: [(حتى حاربت قريظة بعد ذلك)] يعني: نقضت العهد وخانت الميثاق والأمان الذي أعطاها النبي ﷺ ، فحاربوا النبي ﵊ ووضعوا أيديهم في أيدي المشركين، وظاهروا على النبي ﵊.
قال: [(فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين)] يعني: سباهم وأخذ الأموال، أما الرجال فقتلهم النبي ﵊، كل ذلك كان في المدينة.
قال: [(إلا أن بعضهم -أي: بعض بني قريظة من اليهود- لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا)] حينما لحقوا واعتذروا مما كان منهم وأسلموا أمنّهم النبي ﵊.
قال: [(وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم)].
أعطاهم النبي ﷺ ابتداءً عشرة أيام، ثم أعطاهم ثلاثة أيام بعد ذلك، أن يخرجوا من المدينة ولا يأخذوا معهم إلا ما تحمل إبلهم فقط، أما دون ذلك فلا، فوضعوا أثمن ما يحتفظون به في رحال هذه النوق، وخرجوا من المدينة مطرودين إلى الشام، وكان النبي ﵊ يمنعهم أن يأخذوا معهم دون ذلك، أو أكثر من ذلك، كما كان يمنعهم أن يأخذوا معهم السلاح، ومن باب أولى الأرض.
وهكذا كان النبي ﵊ يتعامل مع اليهود بمنتهى الشدة والحدة؛ لأن الله تعالى أخبره من فوق سبع سماوات أنه لا يصلح مع هؤلاء اليهود الأنجاس إلا هذه المعاملة، والمشركون في مكة كانوا أوفى من اليهود عهداً، وأعظم منهم ميثاقاً مع شركهم وكفرهم وضلالهم، فقد كانوا رجالاً عند كلمتهم، لا يخونون العهد والميثاق، بل يلتزمون به، ويعاتبون من نقض العهد والميثاق، أما اليهود فطريقهم الطويل يحكي غير هذا، ويقول: إنهم لم يوفوا بعهد أبداً، وكانوا يخفرون الذمم دوماً، أما أن يلتزموا كما التزم المشركون فلا، ولذلك لم يثبت في السنة المطهرة ولا في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أنه تهاون مع اليهود يوماً ما، وكان النبي ﷺ يتهاون أحياناً مع المشركين؛ لعلمه أنهم رجال، وأنهم عند العهد والميثاق، أما اليهود فالوضع كان يختلف عن ذلك تماماً؛ ولذلك حينما نقضوا مرة وثانية أمرهم النبي ﵊ أن يخرجوا من المدينة، فانصرفوا إلى قريتين للشام تسميان أريحا وتيما، أما أريحا فهي قريبة من بلاد مصر، وأما تيما فهي قريبة من بلاد سوريا أو دمشق، وكلاهما يطلق عليه أرض الشام.
قال: [(وأجلى رسول الله ﵊ يهود المدينة كلهم)] وهم بنو قينقاع، وهم قوم عبد الله بن سلام -الإسرائيلي الذي آمن وحسن إيمانه وإسلامه- ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة.
ولم يذكر عبد الله بن عمر بني النضير؛ لأنه كان أجلاهم من قبل، ولم يبق إلا بنو قينقاع وكذلك قريظة.
ومنهم من استقر بخيبر في طريقه إلى الشام، ولصق بأقرانه وأصوله في خيبر، ولذلك يصرّح كثير من زعماء اليهود وأمريكا في هذه الأيام بأن المدينة أرض يهودية، وذلك بعد أحداث (١١) سبتمبر التي غيّرت وجه الأرض هناك وهنا في بلاد المسلمين، حتى صارت كالتاريخ الهجري، فيقال: أحداث ما قبل الحادي عشر من سبتمبر وبعد الحادي عشر من سبتمبر، فصار هذا الحدث جللاً في تاريخ اليهود والنصارى في هذه البلاد المشئومة.
ولذلك بدأ اليهود والنصارى يدندنون، ويتكلمون -بقصد أو بغير قصد- عن بلادهم الأصيلة كما يقول النصارى في مصر: إن مصر بلد قبطي، ولبسوا السواد لذلك.
هؤلاء القساوسة والبطارقة يلبسون السواد حتى في أيام أعيادهم يلبسون السواد حزناً على ضياع مصر من أيديهم، وبغض النصارى لـ عمرو بن العاص في مصر أشد من بغضهم للنبي ﵊؛ لأنه هو الذي أذلهم وأخذ الأرض، وفتح البلاد وقلوب العباد رغماً عنهم.
هكذا يعتقدون في عمرو بن العاص.
[وحدثني أبو الطاهر قال:
стр. 1759
باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
الباب الحادي والعشرون: (باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب).
في الباب الأول قال: باب: إجلاء اليهود من الحجاز، وهنا قال: باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فهل المقصود بجزيرة العرب: الحجاز، أم أن جزيرة العرب أوسع وأشمل معنى لبلاد الحجاز، أو لبلدان أخرى غير بلاد الحجاز؟ هذا ما سنتعرف عليه.
[حدثني زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي قال: حدثنا الضحاك بن مخلد القطواني عن ابن جريج.
(ح) وحدثني محمد بن رافع -واللفظ له- حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي - أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرني عمر بن الخطاب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً)] أي: حتى لا أترك فيها إلا رجلاً مسلماً، أما غير ذلك فلا.
وقال ﵊ في حديث آخر: (لا يجتمع أهل دينين في جزيرة العرب أبداً) وقال: (لا يجتمع أهل ملتين شتى في جزيرة العرب).
[وحدثني زهير بن حرب حدثنا روح بن عبادة أخبرنا سفيان الثوري.
(ح) وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل -وهو ابن عبيد الله - كلاهما عن أبي الزبير بهذا الإسناد مثله].
стр. 1760
كلام النووي في أحاديث إجلاء اليهود من الحجاز وجزيرة العرب
قال الإمام النووي: (في هذا الحديث أن المعاهد والذمي إذا نقض العهد صار حربياً وجرت عليه أحكام أهل الحرب)؛ لأن النبي ﵊ أمّن ومنَّ على بني قريظة، ولكنهم نقضوا العهد، فأمره الله تعالى أن يخرج إليهم، فأمر أصحابه: أن اخرجوا إلى يهود، ولما ذهب إليهم ناداهم وقال: (اعلموا أن الأرض لله ورسوله).
هي لله تعالى يورثها من عباده من يشاء، وأن الله تعالى مالكها، وأن المسلم إذا ظاهر على أرض صارت ملكاً له.
وهذا الذي يرد به على النصارى إذ يقولون: إن مصر أرض قبطية، وكثير من الناس يتحرّج أن يكون له أصول قبطية، بل هو شرف عظيم جداً أن تفارق أباك الكافر؛ ولذلك حينما دخل عمرو بن العاص مصر كان أهلها في ذلك الزمان أقباطاً، -أي: نصارى- فمنهم من دخل في الإسلام ومنهم من لم يدخل، وأما من دخل فلا شك أن نسله مسلم إلى يومنا هذا، فربما يكون لك أصول نصرانية، أو أصول يهودية، أو أصل أتى من جزيرة العرب مع الفاتحين والغزاة، فأياً كان نسبك ونسلك فلا حرج عليك حينئذ، أما نحن فنقول: إن الأرض كانت قبطية، وبمجرد ظهور عمرو بن العاص عليها صارت أرضاً إسلامية لا حق لليهود ولا للنصارى ولا لساكني هذه الأرض فيها.
وهذه من مسائل الإجماع في قضايا الاعتقاد والجهاد: أن المسلم إذا ظاهر على أرض -أي: غلب أهلها في قتال وغزو خلف أمير- فلا شك أن هذه الأرض تصير ملكاً لله تعالى ورسوله، وهذه الملكية تنتقل إلى الولاة والأمراء المسلمين.
فلما يقول هؤلاء إن الأرض لهم.
فقولهم مجرد أمانٍ وهيهات أن تتحقق لهم هذه الأماني، فإن الأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده.
فإذا نقض صاحب العهد عهده أو صاحب الذمة ذمته وصاحب الأمان والمن ما أمن عليه صار حربياً، وجرت عليه أحكام أهل الحرب.
أي أن دمه صار هدراً حلالاً، وللإمام سبي من أراد منهم، وله المن على من أراد.
وفي هذا الحديث: (أنه إذا من عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنما ينفع المن فيما مضى لا فيما بقي أو في المستقبل، وكانت قريظة في أمان أعطاهم النبي ﵊ ومن عليهم بهذا، ثم حاربوا النبي ﵊ ونقضوا العهد، وظاهروا قريش -أي: تواطئوا واتفقوا مع قريش- على قتال النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦] إلى آخر الآية الأخرى).
والإمام النووي عليه رحمة الله تكلم فيما يتعلق بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب بكلام طويل، لكن على أية حال أقوى من هذا الكلام ما ذكره غيره كالحافظ ابن حجر.
وجاء في صحيح مسلم كذلك في كتاب المساقاة، قال الإمام: حدثنا محمد بن رافع وإسحاق بن منصور الكوسج قالا: عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر نفس الحديث ونفس الإسناد، أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز.
إذاً: لم يجل النبي ﵊ اليهود من أرض الحجاز تماماً، وإنما أخبر النبي ﵊ بضرورة إجلائهم، ويتمكن من ذلك عند نقض العهد والميثاق، فإنه إذا حصل شيء من ذلك في وقت ما فعلى إمام الزمان المعيّن إجلاءهم، فـ عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، ولما ظهر رسول الله ﷺ على خيبر أراد إخراج اليهود منها، والمعلوم أن خيبر أُخذت عنوة ولم تؤخذ صلحاً ولا سلماً، فأراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظُهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين مع أنها كانت لليهود، لكنها تنتقل إلى المسلمين فوراً بمجرد الغلبة والقهر لعدوهم، وقد سأل اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم بها على أن يكفوه عملها.
أي: أنهم يعملون فيها لصالح النبي ﵊ ولصالح المسلمين، ولهم نصف الثمر.
فقال لهم رسول الله ﷺ : (نقركم بها على ذلك ما شئنا).
أي: على هذا الشرط الذي اشترطتموه بشرط إخراجكم منها متى نشاء.
وفي هذا: جواز عقد المؤاجرة أو المساقاة المفتوح غير المحدد المدة، وهذا فيما يتعلق بكراء الأرض.
قال: (نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء).
وفي هذا دليل على أن مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب: إخراجهم من بعضها لا من جزيرة العرب كلها، وهذا البعض هو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز، فحينما أجلاهم إلى تيماء تبيّن أن المقصود بجزيرة العرب: الحجاز.
والإمام مالك في كتاب الموطأ في الباب ال
стр. 1761
أقوال العلماء في المراد بجزيرة العرب التي يتم إجلاء اليهود والنصارى منها
أرض العرب هي الحجاز كله.
ويقال: الحجاز هي مكة والمدينة واليمامة، واليمامة هي نجد الرياض.
قال: (وقال أبو عبيد: قال الأصمعي جزيرة العرب من أقصى عدن وما والاها، إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها، من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضاً.
إذاً: من جدة إلى الشام ومن اليمن إلى العراق طولاً وعرضاً هي جزيرة العرب.
وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، ومصر في المغرب وفي المشرق ما بين المدينة إلى منقطع السماوة).
فهل المقصود بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب من هذه البقعة العظيمة: من اليمن إلى العراق، ومن جدة إلى الشام؟ قال كثير من أهل العلم بأن هذه مجموع جزيرة العرب، لكن هل المراد بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب من هذه الأراضي كلها؟ أو من الحجاز فقط؟ مذهب جماهير العلماء أن المقصود بالإجلاء: الحجاز فقط.
والحجاز: هي مكة والمدينة واليمامة التي هي الرياض والمدن المجاورة والمحيطة بها، وإن اليهود الآن والنصارى يعيثون فساداً في الرياض، وأعظم من فسادهم فساد الأمريكان؛ لأن الأمريكان عند الإطلاق يعنون: النصارى، لكن الأمريكان فيهم نسبة ليست قليلة من اليهود، والذين أتوا إلى بلاد الحجاز في حرب صدام مع الكويت لم يكونوا نصارى فقط، بل قد جاء معهم يهود، واليهود لهم في كل مصيبة باع طويل، وهم السبب في هذه الحرب المفتعلة في بلاد العرب.
فإذا اتفقنا أن اليمامة من بلاد الحجاز وأن اليمامة المقصود بها: نجد والرياض، فإن اليهود يعيشون هناك، والذي يسافر إلى هناك يعلم أن اليهود ينتشرون رجالاً ونساء، والنساء يمشين في الشوارع عرايا كما لو كن في شوارع القاهرة مثلاً، أو في شوارع لبنان، فلاشك أن هذا مخالفة لهدي النبي ﵊ ولأوامره التي قضت بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب، والأصل أن يجلى اليهود والنصارى من بلاد الإسلام قاطبة لا من جزيرة العرب أو من بلاد الحجاز خاصة، لكن إن بقوا في بلاد الإسلام دون بلاد الحجاز، فإنما يكون بعهد وأمان وميثاق، وعليهم أن يلتزموا بذلك، فإن نقضوا ذلك صاروا أهل حرب لا أهل عهد ولا ميثاق ولا أهل ذمة.
وهذا هو حال اليهود والنصارى في بلاد المسلمين، أنهم في هذه الأيام أهل حرب وليسوا أبداً أهل ذمة، فقد خفرت ذمة النصارى وذمة اليهود في كل بلاد العالم بسبب إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فاليهود والنصارى نقضوا العهد بمحاربة الإرهاب، والمقصود بالإرهاب: الإسلام.
ولا يتصور -جدلاً- لو افترضنا أن فاعل هذه الأحداث بعض شباب من المسلمين أن يؤخذ جميع المسلمين بجريمة البعض، ويُقتل الأبرياء وتُشرد النساء وتُبقر بطون الحوامل؛ لشُبهة قامت لدى هذا الزعيم الذي يُسمى بوش، فلذلك فإنه لا بد من تكاتف المسلمين ووحدتهم لإجلاء الأمريكان من بلاد الإسلام، وتاريخ شعب أفغانستان مشرّف إلى أقصى حد في حماية الإسلام والدفاع عنه، وتثبيت وترسيخ عقيدة التوحيد في قلوب أبنائه، لكنه لا حظ له على مدار التاريخ مع حرصه الشديد جداً على ترسيخ الإسلام والتوحيد إلا أنه دائماً شعب يعاني الفقر والمرض والجوع، ومثل هؤلاء كانوا تبعاً للنبي ﵊، فإنه ما انتصر النبي ﵊ بالأغنياء ولا بالوجهاء، وإنما انتصر بالصعاليك والفقراء والعبيد والموالي.
стр. 1762
ما جاء من فدع يهود خيبر ليدي ابن عمر ورجليه، وإجلاء عمر لهم
أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الشروط في الباب الرابع عشر قال: إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجت.
قال: حدثنا أبو أحمد حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر.
أي: عذّبوه وضربوه وخلعوا كفه من ذراعه.
والفدع: هو الإصابة الشديدة في الكف أو في المفصل بين الكف والذراع.
قال: فلما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيباً ﵁ فقال: (إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم) أي: صالحهم، لهم النصف ولنا النصف (وقال: نقركم ما أقركم الله) وجعل الأمر مفتوحاً لم يضرب لهم مدة زمنية محددة، سنة سنتين عشرة عشرين، وإنما قال: (نقركم ما أقركم الله) أي: ما شاء الله لكم أن تقروا في هذا المكان، فإذا رأينا إخراجكم أخرجناكم.
قال: (وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك) أي: إلى سهمه الذي ضُرب له بعد فتح خيبر؛ ليرعى مصلحة أرضه.
قال: (فعُدي عليه من الليل) وفي هذا دليل على أن يهود خيبر هم الذين فدعوا يديه.
قال (فعُدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم).
أي: أنه لا يمكن أن يفعل بـ عبد الله بن عمر شيء من ذلك إلا أن يكون عدواً، وليس لنا في خيبر عدو إلا اليهود، فهذا حكم مبني على القرائن.
قال: (هم عدونا وتهمتنا).
يعني: نحن نتهمهم ولا نتهم غيرهم؛ لأنه ليس لنا عدو غيرهم.
قال: (وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك) أي: فلما استقر لدى عمر أن يجليهم من خيبر (أتاه أحد بني أبي الحقيق) عائلة أبي الحقيق كلها منافقة، ابتداء من أبي الحقيق وأبنائه وعمومته.
قال: (أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين!) وهذه مداهنة فإنه لم يأته ويقول له: يا أمير المؤمنين إلا لأنه مقر بأن هذا هو أمير المؤمنين.
قال: (قال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ ؟).
وهذا عندما يصير اليهودي والنصراني في موطن الذلة.
أخرجنا شريطاً سنة ١٩٨١م من كنيسة بالمنصورة ينصح فيها قسيس أبناء الكنيسة، فيقول لهم: إذا حكمك المسلم أطعه حيثما أمرك، وإذا حكمت المسلم فأذله حيث شئت.
وهذا هو وضع اليهود والنصارى، بل وضع أعداء المسلمين عموماً.
قال: (قال: يا أمير المؤمنين! أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟) وكأنه يقول له: هل أنت تبع لمحمد أم لا، فهو سيدك ورسولك؟ هو الذي أقرنا وجعلنا آمنين، وأعطانا العهد والميثاق أن نظل ونزرع الأرض، وأنتم لكم النصف ونحن لنا النصف، فلِم تخفر أنت ذمة رسولك؟ ويذكره عمر بالميثاق (فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ : كيف بك يا ابن أبي الحقيق! إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة) أي: بأن عمر يقول: أنت تذكرني بالعهد والميثاق الذي من النبي ﷺ معكم، فأنا سمعته بأذني -ولم أنس ذلك- يقول لك: سيأتي عليك يوم يا ابن أبي الحقيق! تخرج من خيبر على رحلك تعدو بك ليلة واثنتين وثلاثة.
قال: (فقال: كان ذلك هزيلة) أي: كان نبيكم ﷺ يمزح معنا، وقد صالحنا وعاملنا على أن لنا نصف الثمار فقط وليس نصف الأرض، على أن نزرعها ونكفيكم المؤونة.
فحينما بدأ يسب النبي ﷺ قال: عمر: (كذبت يا عدو الله!) أي: أنه لم يفعل ذلك النبي ﷺ هزيلة، (فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك).
قال الحافظ ابن حجر في قول عمر ﵁: (فعدي على عبد الله بن عمر من الليل): قال الخطابي: كأن اليهود سحروا عبد الله بن عمر فالتوت يداه ورجلاه، واليهود هؤلاء أهل سحر وأهل ربا، وأهل غدر، فجميع القبائح التي يمكن أن يتصف بها آدمي مصدرها اليهود، كأن اليهود سحروا عبد الله بن عمر فالتوت يداه ورجلاه.
هكذا قال الإمام الخطابي.
ويحتمل أن يكونوا ضربوه ويؤيده تقييده بالليل.
ووقع في رواية عند البخاري بلفظ: فلما كان زمان عمر غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه.
أي:
стр. 1763
أسباب إجلاء عمر ليهود خيبر
أيضاً: هناك سببان آخران لإجلاء عمر لليهود من خيبر: الأول: رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما زال عمر حتى وجد الثبت عن رسول الله ﷺ ، أي: أن عمر لم يجلهم حتى ثبت لديه يقيناً بغير شك أن النبي ﷺ قال: (لا يجتمع بجزيرة العرب دينان) فقال: من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له.
يعني: أعطه وأوفه حقه، وإلا فإني مجليكم فأجلاهم.
وهذا الحديث عند ابن أبي شيبة بسند صحيح.
الثاني: رواه عمر بن شبة -في كتابه العظيم: أخبار المدينة المنورة- من طريق عثمان بن محمد الأحمسي قال: لما كثر العيال -أي: الخدم والموالي والعبيد- في أيدي المسلمين، وقووا على العمل أجلى عمر ﵁ اليهود إلى الشام وقسم المال بين المسلمين إلى اليوم.
يعني: بعد فتح خيبر لم يكن هناك من يزرعها ولا من يستثمرها، فأقر النبي ﷺ اليهود فيها على اعتبار أن يكون له نصف الثمر ولهم النصف في مقابل الزرع والكلفة حتى لا تبور الأرض، لكن حينما زالت هذه العلة وكثر العبيد والموالي ومن دخلوا في الإسلام ممن يمكن أن يعمل في الأرض ويزرع، وله شيء من الثمر -قام عمر بن الخطاب وأجلى اليهود، ويُحتمل أن يكون كل من هذه الأشياء جزء علة في إخراجه، والإجلاء: هو الإخراج عن المال والوطن على وجه الإزعاج والكراهة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها، فقال: ابن أبي الحقيق: لا تخرجنا ودعنا كما أقرنا رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال له عمر: أتراه سقط علي، أي: أتراني نسيت قول رسول الله ﷺ : (كيف بك يا ابن أبي الحقيق! إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوماً ثم يوماً ثم يوماً) يعني: أخذتك ناحية الشام.
فقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية.
وفي هذا الحديث كما قال المهلب: دليل على أن العداوة توضح المطالبة بالجناية، كما طالب عمر اليهود بفدع ابنه عبد الله، ورجح ذلك بأن قال: ليس لنا عدو غيرهم، فعلق المطالبة بشاهد العداوة، وإنما لم يطلب القصاص؛ لأن هذا مبني على الظن، والظن اعتمد على قرينة، وهذه القرينة أفادت عند عمر وجوب الإجلاء مع غير ذلك من الأدلة؛ لأنه لا عدو لهم في هذا البلد إلا اليهود، ولم يطالب بالقصاص، لأنه ليس عنده يقين أن فلاناً من اليهود هو الذي فدع ولده، فقد فُدع ولده عبد الله وهو نائم في الليل، فلم يعرف أشخاصهم، ولكنه ﵁ طالب بالإجلاء.
وفيه: أن أفعال النبي ﷺ وأقواله محمولة على الحقيقة حتى يقوم دليل على المجاز.
стр. 1764
باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
الباب الرابع والعشرون: (باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح).
أي: حين حصل لهم الغنى بسبب الفتوح، فالجهاد باب عظيم للشباب، والذي لم يجد ما يتزوج سيجد بعد ذلك، والذي لم يجد ما يحج سيحج بعد ذلك.
فـ سعد بن أبي وقاص هو الذي قال: لقد رأيتني سادس ستة أو سابع سبعة مع النبي ﷺ ليس لنا طعام إلا ورق الشجر، ثم يصير الأمر معهم حتى يصير ملكاً من ملوك الدنيا، وهذا بسبب الجهاد.
قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى التجيبي قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: (لما قدم المهاجرون من مكة المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء -أي: خرجوا من أمولاهم وأهليهم وتجارتهم وكل شيء لله تعالى- وكان الأنصار أهل الأرض والعقار -أي: أهل زراعة وحرث وماشية، خلافاً لأهل مكة فإنهم أهل تجارة- فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام)].
وهذه هي النصرة التي لا يستطيع أن يعملها إلا رجل بمعنى الكلمة.
والحقيقة أنه ورد في تراجم كثير من أهل العلم أنهم إذا نزل بهم ضيف من أهل العلم يفعلون معه هذا، كما فعل عبد الرزاق الصنعاني مع أحمد بن حنبل حين نزل عليه في صنعاء، فقال له عبد الرزاق: إنا أهل حرث وزرع، وإننا نتكل على غنيمتنا -أي: على زرعنا وثمارنا- في موسمها -أي: إذا حُصدت- فلك نصفها.
قال أحمد: لو أخذت من غيرك لأخذت منك.
الشاهد أن عبد الرزاق عرض عليه نصف الثمار.
وهكذا الأنصار فعلوا مع المهاجرين، حتى ثبت عن أحدهم أنه قال: ولي زوجتان انظر إليهما أُطلّق أجملهما لتتزوجها.
وهذا أمر جائز، وليس فيه ما يتعلق بالتحليل أو التحريم.
قال أنس: (لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمئونة)] أي: أن المهاجرين يعملون مزارعين عند الأنصار.
قال: [(وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة وكان أخاً لـ أنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله ﷺ عذاقاً لها -جمع عذق وهي النخلة- فأعطاها رسول الله ﷺ أم أيمن مولاته أم أسامة بن زيد).
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم)] منائحهم: جمع منيحة.
وهي المنحة والعطية.
أي: ردوا ما كانوا قد أخذوا منهم؛ لأنهم غنموا مغانم عظيمة من خيبر فصاروا أغنياء.
قال: [(فرد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها -أي: نخلها- وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانهن من حائطه)].
والحائط: البستان؛ وذلك لأن النبي ﵊ حينما رجع إلى المدينة طلب من أم أيمن أن تعطي النخلة التي أعطاها لـ أم سليم فأبت ذلك ظناً منها أنها هبة من رسول الله ﷺ ، ولا يمكن الرجوع في الهبة، وكانت أم أيمن في منزلة أم النبي ﵊؛ لأنها الحاضنة والمربية له ﵊، فهي ظنّت أن النبي ﷺ أعطاها هذا على سبيل التملك الدائم.
قال ابن شهاب: [وكان من شأن أم أيمن أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لـ عبد الله بن عبد المطلب -أي: أنها كانت مولاة وخادمة لـ عبد الله والد النبي ﵊ وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول الله ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر].
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحامد بن عمر البكراوي ومحمد بن عبد الأعلى القيسي كلهم عن المعتمر، وهو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي عن أبيه عن أنس: (أن رجلاً كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه، حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه
стр. 1765
كلام النووي في أحاديث رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم
قال: (قال العلماء: لما قدم المهاجرون آثرهم الأنصار بمنائح من أشجارهم، فمنهم من قبلها منيحة محضة -أي: هبة وعطية بغير مقابل، وليس ديناً يستقر في الذمة- ومنهم من قبلها بشرط أن يعمل في الشجر والأرض وله نصف الثمار، ولم تطب نفسه أن يقبلها منيحة محضة؛ وهذا لشرف نفوسهم وكراهتهم أن يكونوا كلاً على غيرهم -أي: عالة على غيرهم- وكان هذا مساقاة أو في معنى المساقاة، فلما فُتحت عليهم خيبر استغنى المهاجرون بأنصبائهم فيها عن تلك المنائح، فردوها إلى الأنصار.
ففي هذا: فضيلة ظاهرة للأنصار في مواساتهم وإيثارهم لإخوانهم من المهاجرين، وما كانوا عليه من حب الإسلام وإكرام أهله، وأخلاقهم الجميلة، ونفوسهم الطاهرة، وقد شهد الله تعالى لهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]).
فهذه شهادة الله من فوق سبع سماوات للأنصار، أنهم يحبون من هاجر إليهم.
قال: قوله: وكان الأنصار أهل أرض وعقار، وزرع وحرث، والعقار هو في الغالب: النخل، أو كل ما له أصل.
وقيل: هو النخل خاصة.
وكانت -أي: أم أنس - أعطت رسول الله ﷺ عذاقاً لها، -أي: نخلاً لها- فأعطاها رسول الله ﷺ لـ أم أيمن.
وفي هذا دليل لما قدمنا عن العلماء أنه لم يكن كل ما أعطت الأنصار على المساقاة، بل كان فيه ما هو منيحة ومواساة بغير مقابل ولا ديناً مستقراً في الذمة، وهذا منه.
أم أنس بن مالك أم سليم حينما أعطت المنيحة والنخل للنبي ﷺ ما أرادت إرجاعه، وما استقر في ذمة النبي ﷺ كدين، وإنما فهم النبي ﷺ أن هذا منيحة محضة فأعطاها لـ أم أيمن، وهو محمول على أنها أعطته ﷺ ثمارها يفعل فيها ما شاء، من أكله بنفسه وعياله وضيفه، وإيثاره بذلك لمن شاء، ثم له أن يعطيها حتى لو كانت على سبيل الهدية، وفي هذا إبطال لما استقر في أذهان العامة أن الهدية لا تهدى ولا تباع، بل هي تهدى وتباع وتُرد، والراد للهدية يحمل المردود إليه، لكن ليس لمن أهدى أن يطالب بالهدية؛ فلهذا آثر النبي ﵊ أم أيمن، ولو كانت إباحة له خاصة لما أباحها لغيره؛ لأن المباح له بنفسه لا يجوز له أن يبيح ذلك الشيء لغيره، بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء، فإنه يتصرف فيه كيف شاء.
قال: (رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم)، في هذا دليل على أنها كانت منائح ثمار، دون تمليك للعين، فإنها لو كانت هبة لرقبة النخل لم يرجعوا فيها، وإنما هذا كان في الثمار فحسب؛ فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، أما قبل القبض يجوز).
والأحوط: إذا وجدت الموهوب يُباع فلا تشتر، وأنتم تعلمون أن عمر بن الخطاب وهب فرساً فوجده يباع في الأسواق، فأراد أن يشتريه فنهاه النبي ﵊، فإن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز، أما قبل القبض فيجوز.
قال: (وإنما كانت إباحة للثمار كما ذكرنا، والإباحة يجوز الرجوع فيها متى شاء الواهب، ومع هذا لم يرجعوا فيها حتى اتسعت الحال على المهاجرين بفتح خيبر، واستغنوا عنها فردوها على الأنصار فقبلوها -أي: الأنصار- وقد جاء في الحديث أن النبي ﵊ قال لهم ذلك).
قوله: (قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن التي هي أم أسامة بن زيد أنها كانت وصيفة لـ عبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة.
فهذا تصريح منه أنها حبشية).
وفي قصة أم أيمن أنها امتنعت من رد تلك المنائح التي عوضها عشرة أمثالها إنما فعلت هذا لأنها ظنت أنها هبة مؤبدة وتمليك لأصل الرقبة، وأراد النبي ﵊ استطابة قلبها في استرداد ذلك، فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها؛ لما لها من حق الحضانة والتربية عليه.
стр. 1766
باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب
الباب الخامس والعشرون: (باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب).
دار الحرب هي: الدار التي بينها وبين أهل الإسلام حرب.
[حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: (أصبت جراباً من شحم -والجراب: هو الوعاء من جلد- يوم خيبر -أي: من دهن- قال: فالتزمته فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً.
قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسماً).
حدثنا محمد بن بشار العبدي حدثنا بهز بن أسد العمي حدثنا شعبة حدثني حميد بن هلال قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (رُمي إلينا جراب فيه طعام وشحم يوم خيبر) والذي رماه هم اليهود؛ وذلك لأن المسلمين لم يكن لديهم شيء، فرُمي إليهم بجراب فيه طعام وشحم.
قال: (فوثبت لآخذه.
قال: فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فاستحييت منه).
وحدثناه محمد بن المثنى حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة بهذا الإسناد غير أنه قال: (جراب من شحم) ولم يذكر الطعام].
стр. 1767
كلام النووي في أحاديث باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب
стр. 1768
إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب
قال النووي: (وفي هذا الحديث إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب).
أي: إذا كانت الحرب في هذا الوقت دائرة بين المسلمين وبين أهل الكتاب، وقد جعت وأمامي طعام من غنيمة غنمناها من اليهود والنصارى، وأنا في ساحة القتال، فإنني آكل ولا حرج عليّ، وليس هذا من باب الغلول في شيء.
قال: (قال القاضي: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجاتهم -يعني: سد رمق- ويجوز بإذن الإمام وبغير إذن الإمام).
حتى وإن قال الإمام: لا تأكلوا؛ نأكل حاجتنا؛ لأننا سنهلك بغير طعام.
قال: (ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الإمام الزهري، وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيء إلى عمارة دار الإسلام).
أي: تأكل وتترك المتبقي مكانه، وهذا مذهب جماهير العلماء، كما أنني أنزل بساتين وثمار أهل الإسلام أو أهل الكفر على الطريق، فلا بأس أن آكل منه ولهم في ذلك أجر، ولا يجوز أن آخذ منه لأهل بيتي، كذلك حين تخرج من دار الحرب طعاماً إلى دار الإسلام لا يجوز، فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم.
قال: (وقال الأوزاعي: لا يلزمه رد ما خرج به من بلاد الحرب إلى بلاد الإسلام، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ولا في غيرها).
فهذا طعام، فإما أن يباع به أكلاً وشرباً على قدر الحاجة، وإما أنه من أصل الغنيمة، أما بيعه في دار الحرب للحربيين أو للمسلمين فإن ذلك لا يجوز، وهذا من مسائل الإجماع.
قال: (فإن بيع منه شيء لغير الغانمين كان بدله غنيمته، ويجوز أن يركب دوابهم -يجوز للمسلم أن يركب دواب أهل الكتاب- ويلبس ثيابهم، ويستعمل سلاحهم في حال الحرب بالإجماع، ولا يفتقر إلى إذن الإمام، أما الأوزاعي فإنه شرط إذنه).
وخالف جماهير العلماء في ذلك، كما خالف الزهري الجماهير في المسألة الأولى.
стр. 1769
حكم أكل ذبائح اليهود والنصارى
قال: (وفي هذا الحديث دليل على جواز أكل شحوم ذبائح اليهود) واليهود ليسوا كالنصارى، إذ إن النصارى يأكلون الموقوذة والمنطوحة، والمتردية، وأي نتن أو جيفة يأكله النصارى؛ لأنهم يتقربون إلى الله تعالى -بزعمهم- بهذه الأنتان والأوساخ، لكن اليهود رغم أنهم أخبث الخلق على الإطلاق، إلا أنهم لا يأكلون شيئاً إلا مذبوحاً، حتى في أمريكا تجد المصانع هناك والشركات حريصة كل الحرص على أن تضع على البضائع والمطعومات والمشروبات علامة صناعة يهودية، وكذا الدواء فوزارة الصحة تمر على المحلات فتأخذ عينة من الدواء فتقوم بتحليلها كل فترة من الفترات، فإذا وجدوا أن الأوصاف المذكورة لدى وزارة الصحة غير موجودة أو فيها خلل صارت مصيبة سوداء لا يمكن علاجها.
فهم على أية حال كفار، لكن يحترمون قوانينهم الأرضية، ونحن مسلمون، لكن لا نحترم الله ولا نحترم الرسول، ولا القرآن ولا الشريعة، وهم أيضاً يحترمون كفرهم، ونحن لا نحترم إيماننا ولا نحترم ديننا؛ وهذا سبب ذلنا وإهانتنا.
فاليهود لا يمكن أن يأكلوا ذبيحة إلا إذا كانت مذبوحة، وفوق هذا لابد أن يذبحوا بأنفسهم، وحرموا على أي مجازر أخرى أن تذكر اسم اليهود على منتجاتها ومصنوعاتها من اللحوم والشحوم وغير ذلك، إلا إذا كان هذا المصنع ملكاً لليهود أبداً.
وكان اليهود من قبل لا يتحرزون قط من ذبائح المسلمين، فكانوا يأكلونها بغير تردد، أما الآن لا يأكلونها مطلقاً؛ وذلك لعلمهم أن المسلمين تهاونوا في قضية الذبح على الشريعة الإسلامية، فهم على الأقل يأخذون هذا من باب الصحة لا من باب التدين، واليهود يختلفون معنا في ضوابط الذبح، فنحن نذبح من الحلق والأوداج وهم يذبحون من الرقبة، وذبحنا شرعي وذبحهم غير شرعي، لكن على أية حال هم يذبحون ولا يصعقون بالكهرباء، ولا يردونها من مكان عال ولا يقتلونها، أما النصارى فقد يجدون جيفة على سطح الأرض فيأكلونها؛ لأن النصارى في الغالب يميلون في عبادتهم إلى النجاسات والأنتان والأوساخ والأقذار، خلافاً لليهود.
قال: (وفي هذا الحديث دليل لجواز أكل شحوم ذبائح اليهود، وإن كانت شحومها محرمة عليهم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وجماهير العلماء).
واليهود لا يأكلون الخنزير، وإنما النصارى هم الذين يأكلون الخنزير، مع أن الله تعالى حرّم على النصارى الخنزير، أي: أنه ليس حلالاً.
قال: (قال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور في شحوم اليهود: لا كراهة فيها، وقال مالك: هي مكروهة.
وقال أشهب وابن القاسم المالكيان وبعض أصحاب أحمد: هي محرمة.
وحكي هذا أيضاً عن مالك واحتج الشافعي والجمهور بقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥].
أي: ذبائح أهل الكتاب).
ولا يقصد بالطعام الفاصوليا والبطاطس فهذا حلال حتى وإن كان في أرض مجوسية، فإنه حلال.
إذاً: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] يحمل معنى مقيداً عن مطلق الطعام وهو الذبائح، فإذا ذبح اليهود وذبح النصارى فذبيحة اليهودي وذبيحة النصراني قد أحلها الله تعالى لنا، أما ذبيحة تارك الصلاة فهي حرام، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] طعامهم حل لكم في كل وقت في الحرب وفي غير الحرب.
قال: (قال المفسرون: المراد به: الذبائح ولم يستثن منها شيئاً لا لحماً ولا شحماً ولا غيره.
وفي هذا الحديث: حل ذبائح أهل الكتاب وهو مُجمع عليه ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة).
فالشيعة لا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب، ولا شك أن هذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة.
قال: (ومذهبنا ومذهب الجمهور إباحتها سواء سموا الله تعالى عليها أم لا.
وقال قوم: لا يحل إلا أن يسموا الله تعالى، فأما إذا ذبحوا على اسم المسيح أو كنيسة ونحوها فلا تحل تلك الذبيحة عندنا) وهذا الذي يترجّح لدي، إذا ذبحوا باسم الصليب أو المسيح أو الكنيسة فإن هذا شرك بالله تعالى، أما اليهود الذين يعتقدون أن الله تعالى في السماء، والنصارى الذين يعتقدون أن الله تعالى في السماء، وأن عيسى هو نبي الله وكلمته وروح منه ألقاها إلى مريم، فإذا كان هذا معتقد اليهودي أو النصراني وذبح فإن ذبيحته حلال، ودون ذلك خرط القتاد.
قال: (وبهذا قال جماهير العلماء).
أما قوله: (فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فاستحييت منه) أي: حينما أُلقي إليه جراب من شحم أو لحم قال: فأخذته فاحتضنته مخافة أن يأخذه غيري.
قال: والله لا أعطي اليوم من هذا أحداً شيئاً.
ثم نظر بعد أن قال كلمته فإذا رسول الله ﵊ قد سمع الكلمة وابتسم لها، فهذه الابتسامة الرقيقة اللطيفة جعلت الحياء يذبح قائلها فقال: (فاستحييت منه).
والله
стр. 1770
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل
بين لنا الدين أن الأصل في الدماء الحرمة، ولكنه أجاز لنا قتال من نقض العهد، وإنزال أهل الحصن على حُكم حاكم عدل أهل للحكم، وقد نزل بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ ، فرد حكمهم إلى سعد بن معاذ، الذي حكم فيهم بحكم الله .
стр. 1771
باب جواز قتال من نقض العهد
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أما بعد، فمع الباب الثاني والعشرون: (باب: جواز قتال من نقض العهد).
وأنتم تعلمون أن من كان في عهد أو ذمة أو ميثاق يحرم قتله، قال ﵊: (من قتل ذمياً فليس مني).
وفي رواية: (فليس منا).
وقال ﵊: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة).
فالدماء الأصل فيها المنع والحرمة، فالإنسان ذاته يحرم عليه أن يقتل نفسه، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فهو يتردى من جبل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ولا يصح من المسلم أن يقول: أنا حر فيقتل نفسه، إنما هو عبد لله تعالى، لا يصدر إلا عن أمر الله وأمر رسوله ﵊.
هذا شأن الإنسان مع نفسه، وشأنه كذلك مع أهل العهد والذمة، ثم شأنه مع عامة الدماء، الحرمة الأكيدة؛ ولذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقال ﵊: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق).
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة جداً: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وقال ﵊: (من بدّل دينه فاقتلوه) أي: من بدّل دين الإسلام وارتد عنه فحكمه القتل، أما غير ذلك فلا، تحت هذا التبويب فنقول: لا يجوز قتال أهل العهد والذمة والميثاق من غير المسلمين.
لكن لو نقضوا العهد هل يجوز قتالهم؟
الجواب
نعم.
يجوز قتالهم؛ لأنهم نقضوا العهد، ولا يحل للمسلم أن يبدأ هو بنقض العهد؛ لأن الأصل في المسلمين الالتزام بالمواثيق والعهود.
قال: (وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم).
انظر إلى الألفاظ: (على حكم حاكم عدل أهل للحكم).
يعني: أن يكون من أهل الاجتهاد، فلا آتي برجل من الشارع لا علاقة له بالشرع ولا بالدين ولا يعرف شيئاً وأقول له: احكم بيننا.
فإنه ما أضاع الدين إلا هذه المجالس العرفية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، فالمجلس الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله لا شك أن حكمه مقدّم على أحكام القوانين الوضعية كلها، أما إذا حكم بالهوى والرأي فحكمه وحكم المحكمة سواء؛ لأن كلاهما حكم بغير ما أنزل الله.
أما إذا كان القاضي أو العمدة أو المُحكّم في قرية أو في مدينة أو في حي من الأحياء يحكم في هذه المجالس التي تسمى بالمجالس العرفية، فلا بأس بهذا القضاء إذا كان يستند إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول ﵊، لكن في الغالب أن هذه المجالس إنما تعتمد على الاجتهادات الشخصية والآراء الفرعية التي لا علاقة لها بدين الله تعالى.
فمن صفة الحاكم: أن يكون إنساناً عدلاً، والعدل في اصطلاح العلماء عموماً: هو من كان له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
وأنتم تعلمون أن الفسق يخرم العدالة، فالحاكم العدل يكون ملازماً للتقوى والمروءة ويتعفف عن المباح؛ لأن هذا المباح يستهجنه العرف في حق ذوي الهيئات.
فأنت من الممكن أن تأكل وتشرب في الشارع، لكن حينما يكون شيخاً كبيراً أو رئيس مجلس إدارة شركة ويمسك (سندويتش) ويأكل في الشارع فإن الناس يستغربون منه إذا رأوه يأكل في الشارع، فهو يتعفف عن هذا مع أنه مباح.
تصور أن شيخاً محترماً يشرب سيجارة -وهي محرمة- ويمشي في الشارع ويقابل آخر يشرب السيجارة، فالسيجارة من الملتحي أشد نكارة، والذي يُنكر عليه هو الحليق الذي يشرب الدخان فيقول له: يا شيخ! عيب عليك.
فعامة الناس يقسّمون الناس أقساماً، ويجعلون لكل قسم هيئته وحشمته، فلا ينبغي للإنسان أن يتنازل عن ذلك.
فلابد أن يكون الحاكم عدلاً أهلاً للحكم.
أي: مجتهداً.
أي: أنه حصّل أدوات الاجتهاد وأذن له الشرع أن يجتهد في إنزال الأحكام الشرعية منازلها الطبيعية.
стр. 1772
شرح حديث نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار] ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلاهما فرسا رهان في السن والعلم والتقوى والعبادة، فإذا قرأت ترجمة أحدهما فكأنما تقرأ ترجمة الاثنين إلا أنهما يختلفان في الاسم.
قال: [وألفاظهم متقاربة.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا غندر عن شعبة]، وغندر لقب له بمعنى: مشاغب في لغة الحجازيين، فـ محمد بن جعفر البصري كان يشغب على ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، فكان ابن جريج يقول له: اسكت يا غندر! فلقّب بـ غندر واشتهر بهذا اللقب.
[وقال الآخران: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم المدني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان المدني - قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ].
وهم يهود؛ لأن يهود المدينة كانوا ثلاث قبائل: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وحاربهم النبي ﷺ .
قال: [(نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ)] ومعنى نزل.
أي: قبلوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وسعد بن معاذ سيد الأوس.
قال: [(فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فأتاه على حمار)] وفي هذا: جواز ركوب الحمار، وهذا أمر يعرفه القاصي والداني، حتى أجهل الجهال يركبون الحمير بغير حرج ولا نكير، وكان للنبي ﵊ حمار يسمى (يعفور) فكان يركبه ويردف خلفه بعض أصحابه، كما أردف معاذ بن جبل وأردف أسامة بن زيد وأردف الحسن والحسين.
والإرداف: أن يأخذ المرء آخر خلفه لا أمامه، فالإرداف دائماً يكون في الخلف.
والحمار لا يؤكل لحمه.
لكن هب أن هذا الحمار عرق، فأصاب ثوبك بعرقه، فهل يتنجّس الثوب؟
الجواب
لا يتنجّس مع أنه غير مأكول اللحم، فعرقه لا يضر.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن عرق ما لا يؤكل لحمه ينجّس.
ومذهب جماهير العلماء: أن عرق غير مأكول اللحم لا ينجّس.
وهو الصواب.
والنبي ﵊ ركب الحمار من عرفات وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال أسامة بن زيد: (يا رسول الله! الصلاة.
قال: الصلاة أمامك) أي: في مزدلفة، ونزل من على حماره فصلى المغرب والعشاء.
قال: [(فلما دنا قريباً من المسجد)] أي: سعد بن معاذ لما اقترب من المسجد، والنبي ﷺ كان في بني قريظة، وبنو قريظة كانوا في عوالي المدينة، فالنبي ﵊ كان فيهم حين طلب سعد بن معاذ ليحكم فيهم، فقوله: (فلما دنا سعد من المسجد) المسجد عند الإطلاق يعني: المسجد النبوي، ولكن بعض أهل العلم حكوا أن لفظ: (من المسجد) وهم من الراوي، فذكره تصحيفاً أو باجتهاد منه، أو روى ذلك رواية بالمعنى؛ لأن سعداً كان في المسجد حينما أرسل إليه النبي ﷺ من عوالي المدينة وهو في بني قريظة.
والمقصود: أن النبي ﷺ اختص مكاناً في بني قريظة ليصلي فيه، فأسماه الراوي مسجداً؛ لأن المسجد في اللغة: هو كل أرض يُسجد عليها، والنبي ﷺ اختص مسجداً طيلة مدة بقائه في بني قريظة حتى يصلي فيه، وأعلم أصحابه أنه إذا حان وقت الصلاة اجتمعوا في هذا المكان، فسماه الراوي: مسجداً.
قال: [(فلما دنا قريباً من المسجد قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم، أو قال: قوموا إلى خيركم).
وفي هذا استحباب القيام لأهل الفضل ومن يشار إليهم بالبنان، ولا حرج في ذلك، وكثير من الناس يتحرّج من ذلك ويفهم القضية على غير وجهها، خاصة بعض طلاب العلم المبتدئين الذين علموا بقول النبي ﷺ حينما دخل على أصحابه فقاموا إليه فقال: (لا تفعلوا كما تفعل الأعاجم بملوكها) أي: لا تقوموا لي كما كانت الأعاجم تقوم لملوكها، فحملوا هذا النهي على عمومه المطلق، وقالوا: لا يجوز القيام لأحد قط مهما بلغ قدره وعلت منزلته.
وهذا فهم خاطئ؛ لأنه إذا أردت أن تخرج بحكم واحد من قضية اختلفت فيها ظواهر الروايات؛ فينبغي أن تجمع الروايات كلها في الباب الواحد، ثم تؤلّف بينها لتخرج بحكم موافق للصواب، وإلا فلا يحل لك أن تنظر في دليل واحد ثم تخرج بحكم، وتعتقد به مدة من الزمان وتعمل به، ثم تفاجأ بنص آخر يهدم هذا المعتقد، ويهدم هذا العمل الذي عملته منذ كذا وكذا، ولذلك عمل بعض السلف برواي
стр. 1773
شرح حديث مجيء جبريل إلى النبي ﷺ بعد غزوة الأحزاب وأمره بقتال بني قريظة
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمداني كلاهما عن ابن نمير] وابن نمير هو عبد الله وليس محمد بن عبد الله؛ لأن ابن نمير يُطلق على الوالد وعلى الولد، فالوالد عبد الله بن نمير والولد هو محمد بن عبد الله بن نمير وكلاهما يقال له: ابن نمير، فإذا كان في طبقة شيوخ مسلم فهو الولد محمد، وإذا كان في طبقة شيوخ شيوخ مسلم فهو الوالد عبد الله.
[قال ابن العلاء -أي: محمد بن العلاء الهمداني: حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه، وهو هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه -أي: عن عروة بن الزبير - عن عائشة]، عروة بن الزبير عائشة بالنسبة له خالته.
قال: [عن عائشة ﵂ قالت: (أصيب سعد يوم الخندق -أي: سعد بن معاذ الأوسي يوم الخندق- رماه رجل من قريش يقال له: ابن العرقة).
حِبّان بكسر الحاء رجل من قريش ابن امرأة يقال لها: العرقة.
والعرقة: هي المرأة الطيبة الرائحة، فكانت هذه المرأة تُكثر من الطيب، ولذلك لُقّبت بالعرقة.
وفي هذا: جواز أن يُنسب الرجل إلى أمه، وقد استقر في أذهان العامة أن الناس يُنادون بأسماء أمهاتهم يوم القيامة، وهو ليس كذلك.
والصواب: أن الرجل ينادى باسمه واسم أبيه.
أما جواز أن يُنسب الرجل إلى أمه، أو أن يُنادى ويُعرف بأمه، فهذا أمر يعرفه القاصي والداني، فـ ابن علية من المحدثين الكبار، وممن روى له البخاري ومسلم، وعليّة أمه، ولم ير المحدثون حرجاً في أن ينادوه ويسمونها فيقولون: حدثنا ابن عُليّة وأخبرنا ابن عُليّة؛ وذلك لأن نسبته إلى أمه صارت علماً عليه، فهم يقولون: حدثنا ابن عُليّة من باب التمييز له عن غيره ممن تسمى باسمه في نفس الطبقة؛ لأنهم لو قالوا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم فهناك في نفس الطبقة إسماعيل بن إبراهيم، فيقولون: ابن عُليّة تمييزاً، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الضبي.
وكان إسماعيل هذا يقول: من قال عني: ابن عُليّة لا أُجيزه على الصراط.
أي: أنه كان يكره ذلك، لكن كان العلماء يقولون: ابن عُليّة مع هذا التحذير الشديد، وليس من باب التعيير ولا التنابز بالألقاب، ولكن من باب التمييز له عن غيره، ومن باب النصيحة في الدين، فكانوا يفعلون ذلك.
أما الشافعي فكان يهرب من هذا وذاك ويقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال عنه: ابن عُليّة، أي: أنه لا يلقبه هو وإنما كان يسمع الناس يقولون عنه ذلك.
[قالت عائشة: (أُصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له: ابن العرقة، رماه في الأكحل -أي: أصابه في أكحل اليد، وهو العرق المتشعّب في اليد- فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد يعوده من قريب)] أي: أنه حينما أُصيب سعد في غزوة الخندق.
أقام النبي ﷺ خيمة له في مسجده حتى يتسنى للنبي ﷺ زيارته بين الحين والحين، ويكون قريباً منه، وأنتم تعلمون أن بيوت النبي كانت في مسجده ﵊، فكان يسهل عليه أن يزور الجرحى، وعلى رأس الجرحى سعد بن معاذ.
وفي هذا رسالة جديدة للمسجد وهو تطبيب المرضى ومداواة الجرحى، وغير ذلك مما هو أساس في رسالة المسجد في مجتمع الإسلام، فالمسجد ليس للصلاة فحسب، بل الصلاة هي أعظم نُسك يؤدى في المسجد ولأجلها بنيت المساجد، لكن كان الحبشة يلعبون في المسجد، والنبي ينظر إليهم ﵊، وعائشة تنظر إليهم وإلى لعبهم بغير نكير من الصحابة، ولا يحل لأحد أن يُنكر مع إقرار النبي ﷺ بذلك.
ورسالات المسجد قد صُنّفت فيها رسائل كثيرة، وأعظمها رسالة الشيخ جمال الدين القاسمي في مجلد كبير ذكر فيه رسالة المسجد في الإسلام، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع.
قال: [(فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح)]؛ وذلك لأن الحرب وضعت أوزارها وانتهت، فكل إنسان معه سلاح وهو راجع من الغزو من الطبيعي جداً أن يضع السلاح ويخلع لأمته ويغتسل، ويلبس ملابس أخرى.
قال: [(فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح فاغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام
стр. 1774
استجابة الله لدعاء سعد واستشهاده بسبب الجرح الذي أصابه
قال: [حدثنا أبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا ابن نمير عن هشام أخبرني أبي عن عائشة ﵂: أن سعداً قال وتحجّر كلمه للبرء] تحجّر.
أي: يبس وتماثل جرحه للشفاء.
والكلم: هو الجرح.
رجل مكلوم.
أي: مجروح أو مصاب، كالإنسان الذي عضّه الكلب، فأثر العض يسمى كلِب، ولذلك فالعيادات التي خُصصت لمعالجة عضات الكلاب والحيوانات تسمى عيادات (الكلِب).
والكلم: هو الجُرح.
ومن الأخطاء اللغوية أن تقول: جرح؛ لأن الجرح ضد التعديل.
فلما أقول: فلان هذا فاسق، فلان ضعيف، فلان ثقة أو لا بأس به، أو فلان كذّاب، فهذا يسمى جَرحاً، فأنا أجرح فلاناً، أي: أذكر فيه قولاً شديداً سيئاً؛ لأنه يناسب حالته ويناسب عدالته.
ولما أقول: حافظ، إمام، ثقة، أمير المؤمنين، فهذا يسمى تعديلاً.
أي: أني أقول فيه قولاً عدلاً.
قال: [وتحجّر كلمه للبرء]، والبرء هو: الشفاء، أي: تماثل جرح سعد بن معاذ للشفاء.
قال: [(فقال -أي: سعد بن معاذ - اللهم إنك تعلم أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه)].
أي: أنه يقول: يا رب! إنك لتعلم مني ومن سريرتي أنه ليس هناك عمل أحب إليّ من أن أُقاتل قوماً كذّبوا نبيك وأخرجوه من بلده.
ثم قال: [(اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها)] أي: فأيقظها مرة أخرى وأحيها ليكون شيهداً.
قال: [(فانفجرت من لبّته)].
اللبّة هي: النحر.
وفي رواية: (فانفجرت من ليلته).
قال القاضي عياض: وهو الصواب.
أي: بمجرد أن دعا سعد بن معاذ انفجرت.
قال: [(فانفجرت من لبّته فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم)] أي: دم سعد بن معاذ يسيل إليهم في الخيمة التي ضُربت في المسجد، فكان الدم يسيل منه وينهمر انهماراً ربما أفزع كل من رأى الدم من لبّته، هذا هو الأصل الذي ذكره الحافظ في الفتح.
فانفجر الدم أي: سال الدم.
قوله: (من لبّته) أي: من صفحة عنقه، كأنه أُصيب في عنقه ﵁ وكانت له خيمة في المسجد.
قال: [(فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قِبلِكم؟ فإذا سعد جرحه يغذ دماً)] يغذّ يعني: يسيل سيلاناً عظيماً، فمات منها ﵁.
وفي هذا أن الله تعالى استجاب له وجعل حتفه فيها؛ لأنه قال: فافجرها واجعل موتي فيها.
فإن قيل: ألا يتعارض دعاء سعد مع: (لا يتمنين أحدكم الموت)؟
الجواب
النبي ﵊ يقول: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)، فيدعو الإنسان على نفسه فيقول: يا رب! أهلكني، يا رب! خذني، يا رب! أمتني ونحن نسمع الجُهّال يقولون هذا، فنهى النبي ﷺ عن تمني الموت لمجرد نزول الضر والبأس بالعبد، لكن سعد بن معاذ تمنى الموت شهيداً، وأنتم تعلمون ما للشهيد من مناقب وفضائل، فهو تمنى الموت بعد بذل الجهد في الجهاد؛ ليموت ويلقى الله تعالى شهيداً.
وأنت نفسك الآن تتمنى لو أن الحرب تقوم في بلد من البلدان فتشارك فيها فتُقتل فتكون شهيداً، فهذا تمنٍ للموت، لكنه تمنٍ للموت في ساحة الوغى، في ساحة الجهاد والقتال، ولا بأس بتمني الموت هاهنا، أما تمني الموت المنهي عنه هو أن يتمنى المرء الموت لضر نزل به ولألم أو هم، فيقول: يا رب! لم يبق إلا الموت فأنا أريد أن أموت الآن.
وقوله: (فافجرها) فيه رأيان، والرأي الذي رجّحه الحافظ في الفتح: أي: فافجر الحرب بيننا وبينهم مرة أخرى حتى أشارك فيها وأموت.
أما النووي فقد رجّح أنه طلب أن يفجّر الله الجرح مرة أخرى بعد أن كان جفّ، فسال الدم من هذا الجرح -إما من الأكحل وإما من اللبة: صفحة العنق- حتى مات منها.
стр. 1775
شرح حديث عائشة في موت سعد بن معاذ
[وحدثنا علي بن الحسين بن سليمان الكوفي قال: حدثنا عبدة -وهو عبدة بن سليمان - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة غير أنه قال: (فانفجر من ليلته -أي: فانفجر الجرح من ليلته- فما زال يسيل حتى مات).
وزاد في الحديث قال: فذاك حين يقول الشاعر: ألا يا سعد سعد بني معاذ فما فعلت قريظة والنضير وفي رواية: لما فعلت قريظة والنضير.
قال: لعمرك إن سعد بني معاذ غداة تحملوا لهو الصبور] أي: أنه كان صبوراً جداً في القتال.
قال: [تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور] وهذا موطن الشاهد، فهذا الشاعر يلوم ويعاتب سعد بن معاذ، فأنت يا سعد من حلفائنا تحكم فينا بقتل المقاتلة وسبي الذراري والنساء؟ أي: أنك لم تفعل ما فعله عبد الله بن أُبي ابن سلول مع بني قينقاع، الذي ذهب ليشفع لهم عند النبي ﷺ ، وقد قبِل النبي ﷺ شفاعة عبد الله بن أُبي ابن سلول في بني قينقاع وعفا عنهم، وكان حليفاً لهم، أما أنت يا سعد! فلم تفعل معنا ونحن حلفاؤك كما فعل ابن سلول مع حلفائه من بني قينقاع، فقدرهم يغلي أي: بيوتهم عامرة بهم أحياء يمارسون حرياتهم، أما أنت فقد حكمت علينا بالقتل والسبي، وتركت قدورنا فارغة، فعبّر عن الخيام عن البيوت وأحياء بني قريظة بالقدور.
قال: [تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور وقد قال الكريم أبو حباب أقيموا قينقاع ولا تسيروا] وأبو حباب هي كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، وكأنه يقول: التزموا أماكنكم ولا تسيروا.
قال: [وقد كانوا ببلدتهم ثقالاً كما ثقلت بميطان الصخور] قال الإمام النووي: (وإنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفاءه، ويلومه على حكمه فيهم، ويذكّره بفعل عبد الله بن أُبي، ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع).
стр. 1776
باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
الباب الثالث والعشرون: (باب المبادرة بالغزو -المبادرة: المسارعة- وتقديم أهم الأمرين المتعارضين).
أي: لو كان عندي أمران متعارضان أُقدّم أهم الأمرين، ولذلك يقول العلماء: ليس بفقيه من فرّق بين الخير والشر، إنما الفقيه من عرف شر الشرين وخير الخيرين.
أما معرفة الخير من الشر فهو أمر معلوم لكل إنسان، ولذلك قال النبي ﵊: (الحلال بيّن والحرام بيّن) أي بيّن لكل الناس، من مِن الناس لا يعرف أن الزنا حرام، وأن القتل حرام، وشرب الخمر حرام، والسرقة حرام؟ كل الناس يعرفون ذلك، وكل الناس يعرفون أن الله أوجب الصلاة والصيام والزكاة والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه بيّن قال: (وبينهما -أي: بين الحلال والحرام- أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس) ومفهوم المخالفة أنه: يعلمهن قليل من الناس، وهم الذين قال الله عنهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أي: أهل العلم.
стр. 1777
شرح حديث ابن عمر في خروج المسلمين إلى بني قريظة
قال: [وحدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي قال: حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: (نادى فينا رسول الله ﷺ -أي: صاح فينا بصوت عال، وفي هذا جواز رفع الصوت بالعلم- يوم انصرف عن الأحزاب -أي: منصرفه من غزوة الأحزاب- أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة)].
وفي حديث آخر: (فلما رجع النبي ﷺ من غزوة الأحزاب وضع سلاحه واغتسل فقال جبريل: يا محمد! أوضعت السلاح؟ قال: نعم.
قال: أما والله ما وضعنا السلاح اذهب إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ منادياً في قومه: أن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) وفي رواية: (لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة).
قال: [(فتخوّف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة)] أي: صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة، مع أن النبي ﷺ قال: لا تصلوا إلا في بني قريظة.
قال: [(وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ ] أي: حتى لو خرج الوقت ودخل علينا المغرب لا نصلي العصر إلا في بني قريظة كما أمرنا ﵊.
[(وإن فاتنا الوقت قال -أي عبد الله بن عمر - فما عنّف واحداً من الفريقين)] أي: فلما أُخبر ﵊ أن قوماً من أصحابه صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة، وأن قوماً لم يصلوا العصر حتى دخل وقت المغرب ما عنّف واحداً من الفريقين؛ وذلك لأن كليهما مجتهد.
стр. 1778
اختلاف العلماء في كون الخلاف داخلاً تحت تعدد الحق
اختلف العلماء في الخلاف: هل الخلاف حق وباطل، أم أن الحق متعدد؟ والمسألة محل نزاع مبحوث في كتب أدب العلم، وقد استوعبه بحثاً الحافظ الكبير ابن عبد البر في كتاب (جامع بيان العلم وفضله)، وذكر هذين الرأيين وأتى بأدلة لكل رأي، ورجّح أن الخلاف إذا كان مبناه على الدليل فهو راجح ومرجوح، وإذا كان مبناه على غير الدليل فهو خطأ وصواب، أو حق وباطل.
أي أننا حينما نختلف في مسألة شرعية، فأنت تأتي عليها بأدلة من الكتاب والسنة، وأنا لا آتي عليها إلا بالرأي والهوى والمزاج والعقل، فالحق مع الكتاب والسنة، وما دام الحق معك فالباطل معي.
لكن هذا الخلاف الذي وقع بين الصحابة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فيه رأيان: الرأي الأول: من قال: النبي ﵊ أراد بهذا الأمر البشارة، فاجتهدوا وأولوا.
قالوا: فنحن مستقرٌ عندنا أنه لا يحل لواحد من المسلمين أن يترك صلاة حتى يخرج وقتها، فمعنى كلام النبي ﵊: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) التبشير بأن النصر سيكون قبل دخول المغرب، وأنكم يا معشر الصحابة! ستصلون في بني قريظة، فهو لم يرد ظاهر الأمر.
إذاً هؤلاء اجتهدوا اجتهاداً يسمح به النص، وعندهم فيه حق.
الرأي الثاني: الذين اجتهدوا كذلك في النص، وقالوا: إن النبي ﷺ أمرنا بذلك ولا يأمر عن هوى، إنما يأمر بوحي السماء، وقد أمرنا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة، ولا نصليه إلا في بني قريظة حتى لو خرج الوقت، فالذي يتحمل هذه المسئولية هو النبي ﵊؛ لأنه هو الذي أمر بذلك: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] منه .
فحينئذ أخذ بعض أصحابه بظاهر النص والتزموا ترك الصلاة حتى فتحت على أيديهم ديار بني قريظة.
فلما اجتهدوا في هذا وذاك علم النبي ﷺ أنهم ما فعلوا ذلك عن هوى ولا عن رأي غير معتبر، وإنما فعلوا ذلك عن اجتهاد، فأقر كل واحد على اجتهاده، وما عنّف واحداً من الفريقين، فلم يقل للذي صلى: لم صليت وقد أمرتك ألا تصلي إلا في بني قريظة؟ ولم يقل للذي أخر: لم أخّرت وأنت تعلم أن تأخير الصلاة عن وقتها حرام وإثم عظيم، ربما يؤدي إلى كفر صاحبه، والخروج به من الملة.
ولكنه لم يعنّف هذا ولا ذاك؛ لأنه علم أن هذه الأفعال ما صدرت إلا عن اجتهاد؛ ولذلك قال ﵊: (إذا اجتهد الحاكم -أي: المجتهد- فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد).
وفي هذا: جواز الاجتهاد لكن لمن ملك أداة الاجتهاد، ويخرج من ذلك الذي لا يملك أداة الاجتهاد.
ألم يقل النبي ﷺ (لكل مجتهد)؟ وأهل الاجتهاد هم أهل الحل والعقد في الأمة، والأثبات من أهل العلم، وأما اجتهاد من هم دون هؤلاء فغير معتبر.
стр. 1779
الجمع بين حديثي: (لا تصلوا الظهر) و (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)
في رواية: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة)، ولكن أشهر الروايات (لا تصلوا العصر) وهي رواية الجمهور.
قال الإمام النووي: لنعتبر أن كلا الروايتين صحيحة، رواية: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة).
ورواية: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)؛ لأنه يمكن الجمع بين الروايتين، والجمع بينهما أولى من رد أحدهما، فإن قلت: إن إحدى الروايتين صحيحة والأخرى باطلة -فأنا في هذه الحالة سأرد هذه الرواية، ولا أعمل بها مطلقاً- فلا شك أن إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وهذه قاعدة أصولية.
قال الإمام النووي: (فيُحمل قوله ﵊: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة) أن هذا الأمر وجّه إلى مقدمة الجيش الذي سبق في أول الأمر، وحينما اجتمعت مؤخرة الجيش في وقت متأخر -أي: قرب صلاة العصر- قال لهم النبي ﷺ : (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة).
فهم قد صلوا الظهر في المدينة، أما الذي خرج قبل صلاة الظهر -أي: في مقدمة الجيش- فقال لهم النبي ﵊: (لا تصلوا الظهر إلا في بني قريظة)).
ويقول: (وأما اختلاف الصحابة ﵃ في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها وتأخيرها، فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم).
صلوا أو لا تصلوا.
ووجه التعارض أنه قال: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) والذي يعارضه هو الذي استقر عندهم قولاً وعملاً أنهم يصلون الصلاة لوقتها، وأن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، فالسنة العملية بيّنت ذلك، فهذا تعارض عندهم فيما استقر عندهم وعملوا به عشر سنوات أو قريباً من ذلك، وبين قوله ﵊: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) فلما تعارضت الأدلة عندهم اجتهدوا، بأن الصلاة مأمور بها في الوقت مع أن المفهوم من قول النبي ﷺ : (لا يصلين أحد الظهر -أو العصر- إلا في بني قريظة)، المبادرة بالذهاب إليهم.
أي: كما تقول أنت لابنك: لا يزال هناك وقت إلى أن يؤذن المغرب تقريباً نصف ساعة، فلابد أن تصل إلى الشيخ الذي تحفظ عنده القرآن وتصلي عنده المغرب، فانتبه أن تتأخر، وحينما تصل هناك اتصل بي أو أنا أتصل بك، وسأكلم الشيخ بنفسي، أو اجعل الشيخ يتصل بي ويكلمني.
فأنا في هذه الحالة ما أردت أن ابني لو أدركه المغرب في الطريق لا يصلي إلى أن يدخل وقت العشاء، وإنما أردت المبادرة والمسارعة إلى الذهاب للشيخ.
قال: (أراد بذلك المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يُشتغل عنه بشيء).
أي: لا يُشتغل عن مجاهدة ومقاتلة بني قريظة بشيء، إلا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير.
(فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظراً إلى المعنى لا إلى اللفظ).
وفي هذا الحديث دلالة لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاة المعنى، وهذا مذهب جماهير العلماء خلافاً للظاهرية الذين يأخذون بظاهر النص.
وفي هذا الحديث أنه لا يُعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده، إذا بذل وسعه في الاجتهاد.
يعني: إذا أدى ما عليه حتى وإن أخطأ فلا يلام، المهم أنه بذل الوسع واستفرغ الجهد، وكان أهلاً لهذا الاجتهاد، فحينئذ لو أخطأ لا يلام؛ لأنه قد أدى ما عليه، وإذا كان الله تعالى يؤجره على اجتهاده فكيف تعنّفه أنت على النتيجة التي وصل إليها؟ وقد يستدل بهذا الحديث طائفة على أن كل مجتهد مصيب، وطائفة أخرى تقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين.
يعني: ليس هناك تصريح أن النبي ﷺ قال لهؤلاء: أنتم عندكم حق.
وقال لهؤلاء: عندكم حق.
وإنما سكت ولم يعنّف.
والأئمة يقولون في قضية الإجماع السكوتي الذي هو محل نزاع بين أهل العلم الأصوليين: هل يُنسب لساكت قول أم لا؟ الشافعي يقول: لا يُنسب لساكت قول.
أما النبي ﵊ فيختلف عن بقية الأمة؛ لأن سكوتي أنا عن الباطل يبقيه باطلاً كما هو، لكن النبي ﷺ لا يسكت على باطل قط، بل لا يحل له أن يسكت على باطل قط؛ ولذلك قال العلماء في تعريف السنة: هي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.
فإذا قال النبي ﷺ : كذا فهذا سنة.
وإذا فعل النبي ﷺ شيئاً كان سنة.
إذا رأى شيئاً أو سمع بشيء ولم يُنكره كان كما لو كان هو الذي فعل، أو هو الذي قال؛ لأنه لو كان باطلاً لوجب على النبي ﷺ وجوباً شرعياً أن ينكره على الفور والتو.
فلو فعل صحابي شيئاً بحضرة النبي ﵊، ولم يُنكر عليه النبي ﷺ نُسب هذا الفعل إلى النبي ﵊؛ وذلك لأن الحجة ليست في فعل الصاحب، وإنما في إقرار النبي ﷺ لفعل صاحبه، والنبي ﵊ عصمه ربه في تلقي الوحي عن الله، وفي تبليغ الوحي إلى الناس، والسنة التقريرية من الوحي المبلّغ.
وكذلك من سنته: أوصافه عليه الصلاة
стр. 1780
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه
بعد أن استقر أمر الدعوة بصلح الحديبية، وتوطدت أركان الإسلام في الجزيرة العربية، قام الرسول ﷺ بإرسال الرسائل إلى خارج الجزيرة، إلى ملوك فارس والروم يدعوهم إلى الإسلام، ومن هؤلاء الملوك عظيم الروم هرقل الذي عرف أن محمداً هو النبي المنتظر في آخر الزمان، إلا أن حبه للملك والرياسة منعه من قبول الحق والإذعان، وبقي على الضلالة والطغيان، حتى أذهب الله ملكه، وأورث الأرض عباده الصالحين.
стр. 1781
باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب السادس والعشرون من كتاب الجهاد والسير (باب كتاب النبي ﷺ على هرقل يدعوه إلى الإسلام).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه - وابن أبي عمر - محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني -نزيل مكة- ومحمد بن رافع وعبد بن حميد -واللفظ لـ ابن رافع - قال ابن رافع وابن أبي عمر: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن الزهري - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة - ابن مسعود المسعودي الهذلي عن ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه -أي: من فمه إلى فمه مشافهة- قال -أي: أبو سفيان: (انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ] وهذه المدة هي المعروفة بصلح الحديبية بين النبي ﷺ وبين كفار قريش، وكانت مدتها عشر سنوات عقدت في آخر العام السادس الهجري، ولكن المشركين نقضوا عهدهم مع النبي ﵊، فغزاهم وفتح مكة في العام الثامن من الهجرة، فهذه هي المدة التي كانت بين النبي ﵊ وبين كفار قريش.
стр. 1782
انطلاق أبي سفيان إلى الشام ولقاؤه برسول رسول الله إلى هرقل الروم
يقول أبو سفيان: (انطلقت في المدة التي كانت بيني)؛ لأن المدة في الغالب كانت معقودة بين قريش متمثلة في صورة أبي سفيان، وبين المؤمنين متمثلة في صورة النبي ﵊.
قال: [(انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ، فبينما أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل -يعني: عظيم الروم- قال: وكان دحية الكلبي جاء به)].
وهو دحية بن خليفة الكلبي من كبار أصحاب النبي ﵊، جاء بهذا الكتاب إلى هرقل.
قال: [(فدفعه إلى عظيم بصرى)] أي: لم يدفعه إلى هرقل مباشرة وإنما دفعه إلى أمير بصرى، وبصرى: قرية بين المدينة والشام.
دفع دحية الكلبي هذا الكتاب إلى عظيم بصرى؛ ليدفعه بدوره إلى هرقل، وعظيم بصرى هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وبصرى هي المعروفة بحوران.
قال: [(فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم)] أي: هل هاهنا في بلاد الشام رجل من قوم ذاك الرجل الذي خرج في مكة ويزعم أنه نبي؟ أجابوه: نعم.
ولا بد أن يكون في الشام أحد من مكة، لكنه طلب مطلباً أخص من ذلك أن يكون هذا الموجود من أقارب ذلك الرجل الذي يزعم أنه نبي ﵊، وفي رواية: أن هرقل قال: قلّبوا الشام ظهراً إلى بطن وائتوني بقريب لذاك الذي يزعم أنه نبي، ففعلوا فوجدوا أبا سفيان.
قال: [(فدعيت في نفر من قريش)]، وفي رواية: أن هؤلاء النفر كانوا ثلاثين رجلاً وخرج بهم أبو سفيان إلى الشام في تجارة.
قال: [(فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: قلت: أنا فأجلسوني بين يديه -أي: بين يدي هرقل - وأجلسوا أصحابي خلفي)] أجلسوا بقية الثلاثين أو الثلاثين الذين كانوا في هذا الركب مع أبي سفيان للتجارة خلف أبي سفيان، أما أبو سفيان نفسه فجلس مستقبلاً هرقل وبين يديه.
وهذه مجالس الملوك في الغالب، أن الوجيه إذا دخل على ملك من ملوك الدنيا أجلسه بين يديه، وأجلس أصحابه من بعده ومن دونه.
وهناك حكمة استخدمها هرقل في وضع هؤلاء خلف أبي سفيان؛ قال للترجمان الذي كان بينه وبين أبي سفيان: إني سائل هذا الرجل فإن كذب علي فأخبر هؤلاء أن يكذبوه، وإنكم لتعلمون أن أبا سفيان كان شريفاً عظيماً مرموقاً في الجاهلية وبين قومه، وإذا كان للرجل في قومه هذه المهابة وهذه المكانة فيصعب على أتباعه وقومه أن يكذّبوه وجهاً لوجه؛ ولذلك أجلسهم خلفه حتى إذا كذب كذبوه، ويسهل عليهم تكذيبه ولو بالإشارة؛ لأنه إن أجلسهم في مقابلة أبي سفيان ربما منعهم الحياء أو الخوف والمهابة أن يكذّبوه إذا كذب، فهذه الجلسة التي اختارها هرقل بحكمته وفطنته وذكائه فلا يبعد أن يكذّب هؤلاء القوم أبا سفيان إذا كذب.
قال: [(فدعا بترجمانه)] وكلمة ترجمان بفتح التاء أفصح من تُرجمان بضمها.
стр. 1783
موقف أبي سفيان بين يدي هرقل ملك الروم يسأله عن النبي ﷺ
قال: [(فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه.
قال: فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت) يقسم بالله أبو سفيان لولا أنه يؤثر عليه الكذب -أي: يتناقل العرب أن أبا سفيان كذب في يوم من الأيام مع شركه وكفره وعبادته للأصنام؛ فكان يستقبح الكذب إما بشرع من قبلنا وإما بالعرف والعادة، وما كان عليه بعض العرب من مكارم الأخلاق، وأن الكذب كان عندهم مستهجن ومستقبح؛ ولذلك تمنى أبو سفيان أن يكذب في هذا الموطن؛ لأن رأس مال أبي سفيان محاربة هذا النبي، ولذلك حينما سأله هرقل: هل يكذب هذا النبي؟ قال: لا، ثم رجع، فقال: إنه ساحر كذاب، فلم يلتفت إليها هرقل.
وفي رواية: أن هرقل قال: لا أريد شتمه.
فقال أبو سفيان: (وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت).
وفي رواية: (فوالله لولا الحياء من أن يؤثر علي كذباً لكذبت عنه).
قال: [(ثم قال لترجمانه: سله: كيف حسبه فيكم؟ -والحسب: هو النسب- قال: قلت: هو فينا ذو حسب)] وأبو سفيان ذو حسب، وأنتم تعلمون أن أبا سفيان يلتقي مع الجد الرابع للنبي ﵊ عبد مناف، فـ أبو سفيان إذا نفى نسب النبي ﷺ فكأنه نفاه عن نفسه.
قال: [(هو فينا ذو حسب.
قال: فهل كان من آبائه ملك؟) هل كان محمد هذا منحدر من سلالة فيها ملك؟ قال: (قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ -أي: قبل أن يزعم أنه نبي مرسل- قلت: لا)].
قال: [(ومن يتبعه: أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟)] ومعنى الأشراف هنا: أصحاب الكبر والوجاهة والنخوة.
فقال: [(قلت: بل ضعفاؤهم)] وهذا لا يعني: أن يكون هذا الكلام خرج مخرج الغالب؛ لأنه كان من أفضل أشراف العرب أتباع النبي ﵊ كـ أبي بكر وعمر.
قال: [(أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا.
بل يزيدون قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟)] أي: كرهاً وبغضاً في الدين؛ لأنه ربما يخرج من الدين أحد مكرهاً، فينطق بكلمة الردة وهو مكره، وهو لا يخرج في حقيقة الأمر، لكن في الظاهر أمام الناس أنه قد خرج، وربما يخرج الرجل من الدين ليس من باب السخط والكره لهذا الدين وإنما لمصلحة ينالها، أو لمال يقصده كـ عبيد الله بن جحش، ما ترك الدين إلا لحظ من حظوظ الدنيا.
قال: [(قلت: لا.
قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً -أي: مداولة مرة لنا ومرة علينا- يصيب منا ونصيب منه.
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا.
ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها)].
أي: لكن لا بد أن تعلم يا هرقل أننا الآن في مدة وعهد وأمان، ولا ندري ماذا يصنع فيها ربما يغدر، كأنه أراد أن يقول: ربما يغدر؛ لأن هرقل ضيّق عليه الخناق جداً، فما سأله إلا أسئلة صريحة واضحة لا تحتمل إلا نوعاً واحداً من الجواب إما سلباً وإما إيجاباً، فإنه ترك السلب مخافة أن يؤثر عنه الكذب، وأجاب بإجابات صريحة كلها في صالح النبي ﵊، إلا هذه الثغرة: هل يغدر؟ قال: لا، وربما يغدر؛ لأننا في مدة بيننا وبينه، والعهد لم ينته فربما يغدر، والله تعالى عاقبهم بأنهم هم الذين غدروا ولم يغدر النبي ﵊، فلما غدروا صاروا محاربين، فحاربهم النبي ﵊ وفتح مكة في العام الثامن من الهجرة.
قال: [(فوالله ما أمكنني من كلمة أُدخل فيها شيئاً غير هذه)] أي: ما ترك لي ثغرة أبداً أتنقّص فيها محمداً أو أسبّه أو أغلبه إلا هذا السؤال.
وهذا يدل على ذكاء وفطنة وحكمة هرقل فقد كان ذكياً.
стр. 1784
تعليق هرقل على إجابات أبي سفيان
قال: [(فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا.
قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تُبعث في أحساب قومها)] أي: في أشرف الأقوام، وما أرسل الله تعالى رسولاً ولا نبياً إلا أرسله في أشرف أهل زمانه، وأنتم تعلمون أن قريشاً أشرف العرب في الجاهلية والإسلام إلى يومنا هذا، ومنهم النبي ﵊، بل هو خيار من خيار، وبنو عبد المطلب أشرف قوم في قريش ومنهم النبي ﵊.
قال: [(وسألتك هل كان في آبائه ملك؟ -وفي رواية: هل كان في آبائه من ملك؟ -وفي قراءة: من ملِك- فزعمت أن لا.
فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه)] فهذا في صالح النبي ﵊، لو كان أحد من آبائه ملكاً فربما قامت الشبهة أن هذا الرجل ما خرج بالذي خرج به إلا لطلب ملك آبائه، ولكنك تزعم الآن أنه ليس من آبائه ملك، فانتفت عنه هذه الشبهة.
قال: [(وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم -ثم يقرر هرقل حقيقة عظيمة- قال: وهم أتباع الرسل)] أي الضعفاء؛ لأن الأغنياء دائماً يأنفون أن يكونوا أتباعاً لرجل يظنون أنه من مستواهم وهم من مستواه، فكيف يكونون في يوم من الأيام تبعاً له، فالغني يأنف والكبير يأنف والشريف يأنف، ولا يأنف الضعيف المسكين المتذلل الخاضع أن يكون تابعاً لغيره؛ ولذلك تجدون أن أصبر الناس على طلب العلم هم الفقراء؛ ولذلك كان مالك ﵀ إذا استشاره أحد للقضاء يقول: لا تتول القضاء حتى تتم العلم؛ لأنك إن عزلت عن القضاء لا ترجع إلى مجلس العلم؛ لأنه صار شريفاً بالقضاء.
ومن المستحيل أنه بعد أن كان قاضياً يجلس أمام مالك، وهكذا شأن الأغنياء، ونسمع كثيراً -خاصة من العرب- اليوم من يقول: لِم العلم إذاً؟ لأجل المال نحن أصحاب مال.
إذاً: لا قيمة للعلم، كثير من العرب يقيسون طلب العلم بهذا القياس، فإن إبليس لا يخطر على باله قياس العلم على المصالح الدنيوية بهذا الشكل.
قال: [(قلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا)] لأنهم كانوا ينادونه في الجاهلية قبل الإسلام: محمد الصادق.
قال: [(فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله)] وهذا قياس أولوي: أنت تزعم أنه لم يكن يكذب في حديث الناس، أي أنه حينما كان يتكلم معكم لم يكن يكذب، واشتهر عنه الصدق في القول ونقل الأخبار، فإذا كان هذا على هذا النحو معكم وبينكم فسيدع الكذب على الله من باب أولى.
أي: يستحيل أن يكون صادقاً مع الناس وكاذبا ًمع ربه.
قال: [(وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ -أي: كرهاً وبغضاً في هذا الدين- فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب)] وكذلك الإيمان لا يمكن أن يخرج من القلب إذا تذوق القلب حلاوة الإيمان، إذا خالط بشاشة الإيمان انشراح الصدر تمكّنت منه ولا يمكن أن تخرج منه.
قال: (وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب).
وفي رواية: (إذا خالطت بشاشته القلوب).
قال: [(وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ -أي: أتباع هذا الرجل- فزعمت أنهم يزيدون)] وهذا بيان عملي على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن المؤمنين دائماً في زيادة، فهو مؤمن لأنه دائماً يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فبدأ الإيمان نظرياً قولاً فحسب، فلما نزلت التكاليف والأعمال كانت ركناً من أركان الإيمان؛ ولذلك من مات في مكة قبل العمل مات على كمال الإيمان وتمامه؛ لأنه لم يكلف إلا ما قد بُلّغ، وبعد نزول التكاليف لا يمكن أن يُنسب كمال الإيمان وتمامه إلى أحد من المسلمين إلا أن يأتي بهذه الأعمال، فكلما ازداد المرء عملاً في الإيمان والإسلام ازداد به إيماناً.
قال: [(وكذلك الإيمان -أي: يزيد- حتى يتم)] أي: حتى يكمل ويكون تماماً، ولذلك بعد أن نزلت العقائد والتكاليف والأحكام والحلال والحرام والحدود والآداب والأخلاق وغير ذلك -قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] أي: تمت وكملت وصارت في قمة الكمال والتمام.
فلو قيل: لِم لم تنزل هذه الآية في مكة في الزمن الأول، وإنما نزلت في مكة في عرفات في حجة الوداع، أي: في أواخر عهد النبوة عند كمال الشريعة وتمام الإيمان؟
الجواب
لأن الدين لم يكمل ولم يتم بعد.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] أي على هذا النحو بعد كماله وتمامه.
قال: [(وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى -لي
стр. 1785
شهادة هرقل بأن محمداً هو نبي آخر الزمان وتعظيمه له
قال: [(إن يكن ما تقول فيه حقاً)] أي: إن كان يا أبا سفيان! ما قد أجبت به عن صاحبك [فإنه نبي]؛ لأن هذه رسالة الأنبياء، وهذه الأسئلة التي طرحتها عليك وأجبت عنها إنها لعلامات في نبي آخر الزمان، وإنا نعلم ذلك ونعلم أنه نبي، ولكننا ما كنا ندري أنه منكم.
أي: أن هذه الكتب التي بين أيدينا علمنا منها أمارات وعلامات لنبي آخر الزمان، وهذا يدل على أن هرقل كان عالماً من علماء أهل الكتاب، مع أنه لم يكن من بني إسرائيل ولا يهودياً ولا نصرانياً، ولكنه دخل النصرانية بعد التبديل والتحريف، ومع هذا خاطبه النبي ﵊: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤] فالمرء وإن خالف الكتاب الذي بين يديه أو الكتاب الذي هو تابع له إلا أنه ينسب إليه مع هذا التقصير والتفريط والمخالفة، فأهل الكتاب هم أهل الكتاب، ولا يزالون أهل كتاب إلى قيام الساعة وإن بدلوا وحرفوا وعصوا الكتب التي يزعمون أنها كتبهم.
قال: [(إن يكن ما تقول فيه حقاً فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج -أي: عندي علم من الكتب السابقة أنه خارج- ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه)] أي: أذهب إليه وأنتهي إليه بأمان وسلام وبغير قتل.
قال: [(لأحببت لقاءه)]، وفي رواية البخاري: (لتجشمت لقاءه).
والتجشم: هو الكلفة وتحمل المشقة وبذل الجهد في الوصول إلى الغرض.
قال: [(ولو أعلم أني أخلص إليه)] أي: أنتهي إليه وأذهب إليه في أمان ولو بمشقة لتجشمت لقاءه.
قال: [(ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه)] أي ولو خلصت إليه لغسّلت قدميه، وهذا تبجيل واحترام للنبي ﵊.
قال: [(وليبلغن ملكه ما تحت قدمي)] أي: أن هذا الملك لا بد أن يصل إلى إيليا وإلى القدس والشام كلها؛ لأننا نجد في الكتب السابقة أن ملك نبي آخر الزمان سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وهذه البشارات بشّر بها النبي ﵊.
стр. 1786
قراءة هرقل لرسالة رسول الله
قال أبو سفيان: [(ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه)] أي: طلب هرقل كتاب النبي ﷺ فقرأه على هؤلاء الناس جميعاً.
قال: [(فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم)] طبعاً هذا كلام على خلاف ما يقوله النصارى: باسم الأب والابن والروح القدس، والنبي ﷺ لم يكن يقول ذلك وإنما قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
وفي هذا: استحباب أن تبدأ الرسائل والمكاتبات بين الخلق بهذه البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال: [(من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم)] ولا شك أن الرسالة صفة للنبي ﵊، فهو موصوف بالرسالة، فما زاد وما بالغ في شأن نفسه.
قال: (من محمد) وهذا تواضع النبوة وأدبها، ثم أخبره بصفته قال: أنا رسول الله ﷺ .
قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) ولم يقل: ملك الروم، وذلك لأنه بمجرد أن أرسل الله تعالى رسولنا زالت في الحقيقة كل مملكة وكل ملك، فلا يكون ملكاً شرعياً ولا مملكة شرعية؛ لأن الإسلام لا يعترف بها، وكل أرض هي مغنم للإسلام والمسلمين، فإذا دخلوها صارت ملكاً لهم، ولا يجوز لأهلها أن يزعموا أنها أرض لهم، فبمجرد فتحها انتقلت ملكيتها إلى الإسلام والمسلمين، فقال: (من محمد رسول الله إلى هرقل) ولم يقل: ملك الروم؛ لعدم مشروعية ملكه ومملكته، وإنما قال: (عظيم الروم) لأن هذا يوافق الحقيقة فهو فعلاً عظيم من عظماء الروم وكبير من كبرائهم ورئيس من رؤسائهم، وربما قال النبي ﷺ ذلك تأليفاً لقلبه.
قال: [(سلام على من اتبع الهدى)] ولم يقل: السلام عليكم؛ لأنه ﵊ نهانا أن نبدأ المشركين بالسلام، وإذا قابلناهم في الطريق قال: (فاضطروهم إلى أضيقها).
أي: حافة الطريق.
المسلم يمشي في وسط الطريق، وذلك حينما تكون دولة إسلامية لها عز وسيادة وريادة فالمسلم يمشي في وسط الطريق، والكافر يمشي على حافة الطريق، فإذا كان الأمر كذلك (فاضطروهم إلى أضيقها)، بل الكافر حينما يجد إسلاماً صحيحاً فهو في نفسه يذهب إلى أضيق الطريق.
فقوله ﷺ : (سلام على من اتبع الهدى)؛ لأنه في الحقيقة لم يسلم؛ وكأنه يقول: فإن كنت متبعاً للهدى فسلام عليك وإلا فلا سلام ولا كلام، فهذا من باب الخبر وليس من باب إلقاء السلام.
ومن قبل قسّمنا المكاتبات والرسائل إلى أقسام: المقدمة.
الغرض.
الخاتمة.
فالمقدمة: فيها البسملة والصلاة على النبي ﵊، ثم يذكر من أرسل ومن أُرسل إليه، كما قال النبي ﵊ هنا: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)].
قال جمهور العلماء: يستحب أن يبدأ المرسل بذكر اسمه أولاً: من فلان إلى فلان، فلا يقول: إلى فلان من فلان، فيذكر نفسه أولاً ثم يذكر المرسل إليه، يقول: من فلان إلى فلان.
ويستحب أن يشاطره الأدب، أي: أنه لا يقول: من فلان الفلاني العالم الفاضل الشيخ إلى محمد بن عبد الله! فإن المرسل إليه أول ما يبادئ الرسالة ويستطلع هذه الكلمات الطيبة ينشرح صدره للرسالة بمجرد قراءته العنوان، إلا أن تكون الرسالة في مظروف فتقول مباشرة: إلى فلان.
قال: [(فإني أدعوك بدعاية الإسلام)] أي: بدعوة الإسلام.
وفي رواية: (بداعية الإسلام) وداعية الإسلام هي كلمة التوحيد.
أي: إني أُطالبك بتوحيد الله ونبذ الكفر والشرك.
قال: [(أسلم تسلم)] استخدم السلم في أمرين متقابلين أسلم يا هرقل! تسلم من الإثم، وإن أسلمت يا هرقل! سلمت من الحرب والقتل والسبي والتشريد وأخذ الأموال والأرض.
(أسلم تسلم) من كل أذى ومن كل مكروه، كما يقول الشاعر: سميته (يحيى ليحيا).
أي: أنه سماه يحيى ليعيش.
فهذا من الجناس اللذيذ.
قال: [(أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين)] المرة الأولى أنه كان تابعاً لعيسى ﵇ ولا شك أنه مأجور على تبعيته لعيسى، ولو أنه ترك شريعة عيسى وآمن بمحمد ﵊ مع إيمانه بعيسى واتبع شريعة محمد ﵊ لكان له الأجر مرتين: أنه آمن بعيسى وآمن بمحمد ﵊.
فالتفسير الأول لقوله: (وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين) مرة لإيمانك بعيسى ومرة لإيمانك بمحمد ﵊.
والتفسير الثاني: (يؤتك الله أجرك مرتين) أي: أجرك أنت باعتبارك رئيساً وزعيماً عظيماً في قومك، ويؤتيك أجر من أسلم بإسلامك: (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً).
قال: [(وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)] وفي رواية عند
стр. 1787
رواية البخاري لسياق رسالة رسول الله إلى هرقل
ساق الإمام البخاري هذا الحديث ولكن فيه زيادة.
قال: (قال ابن الناطور) وابن الناطور -لقب معناه: حارس البستان، ولعلها كلمة فارسية- (وكان صاحب إيليا).
أي: أن ابن الناطور كان أميراً على بيت المقدس، وكان صديقاً حميماً لـ هرقل، فـ هرقل كان زعيم الروم على حمص، والحارث بن أبي شمر كان على حوران، وابن الناطور كان على القدس، وكان ابن الناطور أسقفاً على نصارى الشام -أي: زعيماً وسيداً- يحدث: أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوماً خبيث النفس -أي: مهموماً مغموماً.
وإيليا: كلمة عبرية معناها: بيت الله، فذهب هرقل من حمص إلى بيت المقدس ليزور ابن الناطور، فنام ثم قام من النوم خبيث النفس.
قال: (أصبح يوماً خبيث النفس) وهذا خبر عن حال الغير، وهل يجوز إنسان أن يقول عن نفسه: خبثت نفسي؟ أو إذا سألته تقول: ما لك؟ يقول: خبيث النفس أو يقول المسلم: أنا نفسي خبيثة؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: (لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي).
قال: فقال بعض بطارقته: (قد استنكرنا هيئتك).
قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء -أي: أنه كان منجّماً يعرف الأخبار عن طريق النجوم.
فقال لهم حين قالوا له: قد استنكرنا هيئتك.
قال: (إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر).
وفي رواية: (مُلك الختان قد ظهر).
وهذا يدل على أن العرب في الجاهلية قبل الإسلام كانوا يختتنون.
أي: أن الختان ليست عادة فرعونية.
قال: (إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟).
أي: أنه يريد أن يعرف من على وجه الأرض يختتن؟ قال: (قالوا: ليس يختتن إلا اليهود).
وكأنهم يقولون له: النصارى لا يختتنون، إنما اليهود من عادتهم الختان.
قالوا: (فلا يهمنك شأنهم).
أي: يا هرقل! لا يهمك، وهذه هي بطانة السوء التي تستدرجه.
قالوا: لا تخف.
الذين يختتنون على وجه الأرض كلها اليهود.
قالوا: (واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود).
وكأن هذه نصيحة يقولون له فيها: ابعث رسائل للولاة والأمراء والملوك من الباطن أن يتتبعوا رعاياهم فإن وجدوا يهودياً قتلوه.
قال: (فبينما هم على أمرهم) أي: وهم يتداولون الكلام.
قال: (أُتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان) والملك هو الحارث بن أبي شمر الغساني أرسل برجل يخبر عن رسول الله ﷺ .
قال: (فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا: أمختتن هو أم لا؟).
وحينما أتى شخص من مكة لحق به ملك غسان، وأرسله إلى حمص عند هرقل، فدخل عليه فقال هرقل: أريد أن أنظر أصحاب مكة: هل هم يختتنون أم لا؟ قال: (فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن).
إذاً: الملك والرئاسة والنبوة الجديدة هذه أتت من جزيرة العرب.
قال: (وسأله عن العرب: أهم يختتنون؟ قال: نعم.
فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان اسمه ضغاطر، وكان نظيره في العلم) أي وكان ينظر في النجوم.
قال: (وسار هرقل إلى حمص) وحمص فتحها أبو عبيدة بن الجراح.
قال: (فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي).
أي: أن هرقل أرسل رسالة لـ ضغاطر وقال له: قد رأيت بعد نظري في النجوم أن نبي هذه الأمة العربي قد ظهر، فما رأيك: هل توافقني على ذلك أم لا؟ قال: ثم انطلق، وفي أثناء سيره إلى وجهته أتاه كتاب ضغاطر، وقد نظر في النجوم مثله فوافقه على أن ملك هذه الأمة قد ظهر، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص).
والدسكرة: هو القصر العظيم وحوله بيوت قد فتحت أبوابها في دهليز هذا القصر.
قال: دعا هرقل الناس جميعاً العظماء وغير العظماء في هذه الدسكرة وكان بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش -أي: كالبهائم- إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان -أي: أيس من إيمانهم بهذا النبي وفقد الأمل- قال: ردوهم علي.
وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم).
وهو في حقيقة الأمر كان يدعوهم إلى الإسلام، فلو أن هؤلاء وافقوه لكان هو أول من أسلم، لكنه حينما رأى نفرتهم وحيصتهم خاف على نفسه وعلى ملكه وعلى حياته.
وفعل ضغاطر في روميا نفس الذي فعله هرقل في الشام، فحاصوا عليه حيصة عظ
стр. 1788
موقف النبي ﷺ من جواب هرقل
أرسل هرقل رسالة سرية إلى النبي ﷺ يقول له فيها: إني مسلم، فلما قرأ النبي ﷺ رسالة هرقل قال: (كذب).
وفي رواية: (كذب هرقل.
إنه كافر) فيجب علينا أن نصدق النبي ﵊، ثم يأتي الدليل العملي بعد ذلك أن الذي حارب المسلمين في غزوة مؤتة هو هرقل.
إذاً: أراد أن يخدع النبي ﵊، ولكن كيف يُخدع من يأتيه الوحي من السماء؟ ولذلك حينما أراد أن يخدعه نفى النبي ﵊ هذه الشبهة من قلوب أصحابه، وأخبرهم أنه باق على كفره.
قال لهم: (كذب هرقل.
هو كافر).
فمع هذا الكلام المعسول لكنه يبقى كافراً، ولا يمنع كونه كافراً أن يكون كلامه طيباً ومؤدباً، أو أن يكون عنده خلة وشملة من خلال وشمائل الخير، كإطعام الطعام وإلقاء السلام والبر والصلة والصدق في الحديث.
стр. 1789
معنى قول أبي سفيان: (إنه ليخافه بنو الأصفر)
أما قول أبي سفيان: إنه ليخافه بنو الأصفر.
قيل: بنو الأصفر هم الروم، يقول ابن الأنباري: سموا ببني الأصفر؛ لأن جيشاً من الحبشة غلب على بلادهم -أي: على الروم، وهؤلاء الروم بيض- فوقع رجال الحبشة على نساء الروم فأتى الولد بين السواد والبياض أي: أصفر، فلُقّبوا بعد ذلك ببني الأصفر.
أما أبو إسحاق بن إبراهيم الحربي فقال: كلام ابن الأنباري هذا مردود ومرفوض، وإنما هم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
قال القاضي عياض: وهذا أشبه من قول ابن الأنباري.
أي: أن هذا أقوى وأصح من قول ابن الأنباري.
стр. 1790
كلام النووي على رسالة النبي ﷺ إلى هرقل
следующие страницы →