← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

قراءة هرقل لرسالة رسول الله قال أبو سفيان: [(ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه)] أي: طلب هرقل كتاب النبي ﷺ فقرأه على هؤلاء الناس جميعاً. قال: [(فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم)] طبعاً هذا كلام على خلاف ما يقوله النصارى: باسم الأب والابن والروح القدس، والنبي ﷺ لم يكن يقول ذلك وإنما قال: بسم الله الرحمن الرحيم. وفي هذا: استحباب أن تبدأ الرسائل والمكاتبات بين الخلق بهذه البسملة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال: [(من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم)] ولا شك أن الرسالة صفة للنبي ﵊، فهو موصوف بالرسالة، فما زاد وما بالغ في شأن نفسه. قال: (من محمد) وهذا تواضع النبوة وأدبها، ثم أخبره بصفته قال: أنا رسول الله ﷺ . قال: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم) ولم يقل: ملك الروم، وذلك لأنه بمجرد أن أرسل الله تعالى رسولنا زالت في الحقيقة كل مملكة وكل ملك، فلا يكون ملكاً شرعياً ولا مملكة شرعية؛ لأن الإسلام لا يعترف بها، وكل أرض هي مغنم للإسلام والمسلمين، فإذا دخلوها صارت ملكاً لهم، ولا يجوز لأهلها أن يزعموا أنها أرض لهم، فبمجرد فتحها انتقلت ملكيتها إلى الإسلام والمسلمين، فقال: (من محمد رسول الله إلى هرقل) ولم يقل: ملك الروم؛ لعدم مشروعية ملكه ومملكته، وإنما قال: (عظيم الروم) لأن هذا يوافق الحقيقة فهو فعلاً عظيم من عظماء الروم وكبير من كبرائهم ورئيس من رؤسائهم، وربما قال النبي ﷺ ذلك تأليفاً لقلبه. قال: [(سلام على من اتبع الهدى)] ولم يقل: السلام عليكم؛ لأنه ﵊ نهانا أن نبدأ المشركين بالسلام، وإذا قابلناهم في الطريق قال: (فاضطروهم إلى أضيقها). أي: حافة الطريق. المسلم يمشي في وسط الطريق، وذلك حينما تكون دولة إسلامية لها عز وسيادة وريادة فالمسلم يمشي في وسط الطريق، والكافر يمشي على حافة الطريق، فإذا كان الأمر كذلك (فاضطروهم إلى أضيقها)، بل الكافر حينما يجد إسلاماً صحيحاً فهو في نفسه يذهب إلى أضيق الطريق. فقوله ﷺ : (سلام على من اتبع الهدى)؛ لأنه في الحقيقة لم يسلم؛ وكأنه يقول: فإن كنت متبعاً للهدى فسلام عليك وإلا فلا سلام ولا كلام، فهذا من باب الخبر وليس من باب إلقاء السلام. ومن قبل قسّمنا المكاتبات والرسائل إلى أقسام: المقدمة. الغرض. الخاتمة. فالمقدمة: فيها البسملة والصلاة على النبي ﵊، ثم يذكر من أرسل ومن أُرسل إليه، كما قال النبي ﵊ هنا: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)]. قال جمهور العلماء: يستحب أن يبدأ المرسل بذكر اسمه أولاً: من فلان إلى فلان، فلا يقول: إلى فلان من فلان، فيذكر نفسه أولاً ثم يذكر المرسل إليه، يقول: من فلان إلى فلان. ويستحب أن يشاطره الأدب، أي: أنه لا يقول: من فلان الفلاني العالم الفاضل الشيخ إلى محمد بن عبد الله! فإن المرسل إليه أول ما يبادئ الرسالة ويستطلع هذه الكلمات الطيبة ينشرح صدره للرسالة بمجرد قراءته العنوان، إلا أن تكون الرسالة في مظروف فتقول مباشرة: إلى فلان. قال: [(فإني أدعوك بدعاية الإسلام)] أي: بدعوة الإسلام. وفي رواية: (بداعية الإسلام) وداعية الإسلام هي كلمة التوحيد. أي: إني أُطالبك بتوحيد الله ونبذ الكفر والشرك. قال: [(أسلم تسلم)] استخدم السلم في أمرين متقابلين أسلم يا هرقل! تسلم من الإثم، وإن أسلمت يا هرقل! سلمت من الحرب والقتل والسبي والتشريد وأخذ الأموال والأرض. (أسلم تسلم) من كل أذى ومن كل مكروه، كما يقول الشاعر: سميته (يحيى ليحيا). أي: أنه سماه يحيى ليعيش. فهذا من الجناس اللذيذ. قال: [(أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين)] المرة الأولى أنه كان تابعاً لعيسى ﵇ ولا شك أنه مأجور على تبعيته لعيسى، ولو أنه ترك شريعة عيسى وآمن بمحمد ﵊ مع إيمانه بعيسى واتبع شريعة محمد ﵊ لكان له الأجر مرتين: أنه آمن بعيسى وآمن بمحمد ﵊. فالتفسير الأول لقوله: (وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين) مرة لإيمانك بعيسى ومرة لإيمانك بمحمد ﵊. والتفسير الثاني: (يؤتك الله أجرك مرتين) أي: أجرك أنت باعتبارك رئيساً وزعيماً عظيماً في قومك، ويؤتيك أجر من أسلم بإسلامك: (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً). قال: [(وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)] وفي رواية عند

стр. 1787

رواية البخاري لسياق رسالة رسول الله إلى هرقل ساق الإمام البخاري هذا الحديث ولكن فيه زيادة. قال: (قال ابن الناطور) وابن الناطور -لقب معناه: حارس البستان، ولعلها كلمة فارسية- (وكان صاحب إيليا). أي: أن ابن الناطور كان أميراً على بيت المقدس، وكان صديقاً حميماً لـ هرقل، فـ هرقل كان زعيم الروم على حمص، والحارث بن أبي شمر كان على حوران، وابن الناطور كان على القدس، وكان ابن الناطور أسقفاً على نصارى الشام -أي: زعيماً وسيداً- يحدث: أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوماً خبيث النفس -أي: مهموماً مغموماً. وإيليا: كلمة عبرية معناها: بيت الله، فذهب هرقل من حمص إلى بيت المقدس ليزور ابن الناطور، فنام ثم قام من النوم خبيث النفس. قال: (أصبح يوماً خبيث النفس) وهذا خبر عن حال الغير، وهل يجوز إنسان أن يقول عن نفسه: خبثت نفسي؟ أو إذا سألته تقول: ما لك؟ يقول: خبيث النفس أو يقول المسلم: أنا نفسي خبيثة؟ الجواب لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: (لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي). قال: فقال بعض بطارقته: (قد استنكرنا هيئتك). قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء -أي: أنه كان منجّماً يعرف الأخبار عن طريق النجوم. فقال لهم حين قالوا له: قد استنكرنا هيئتك. قال: (إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر). وفي رواية: (مُلك الختان قد ظهر). وهذا يدل على أن العرب في الجاهلية قبل الإسلام كانوا يختتنون. أي: أن الختان ليست عادة فرعونية. قال: (إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟). أي: أنه يريد أن يعرف من على وجه الأرض يختتن؟ قال: (قالوا: ليس يختتن إلا اليهود). وكأنهم يقولون له: النصارى لا يختتنون، إنما اليهود من عادتهم الختان. قالوا: (فلا يهمنك شأنهم). أي: يا هرقل! لا يهمك، وهذه هي بطانة السوء التي تستدرجه. قالوا: لا تخف. الذين يختتنون على وجه الأرض كلها اليهود. قالوا: (واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود). وكأن هذه نصيحة يقولون له فيها: ابعث رسائل للولاة والأمراء والملوك من الباطن أن يتتبعوا رعاياهم فإن وجدوا يهودياً قتلوه. قال: (فبينما هم على أمرهم) أي: وهم يتداولون الكلام. قال: (أُتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان) والملك هو الحارث بن أبي شمر الغساني أرسل برجل يخبر عن رسول الله ﷺ . قال: (فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا: أمختتن هو أم لا؟). وحينما أتى شخص من مكة لحق به ملك غسان، وأرسله إلى حمص عند هرقل، فدخل عليه فقال هرقل: أريد أن أنظر أصحاب مكة: هل هم يختتنون أم لا؟ قال: (فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن). إذاً: الملك والرئاسة والنبوة الجديدة هذه أتت من جزيرة العرب. قال: (وسأله عن العرب: أهم يختتنون؟ قال: نعم. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان اسمه ضغاطر، وكان نظيره في العلم) أي وكان ينظر في النجوم. قال: (وسار هرقل إلى حمص) وحمص فتحها أبو عبيدة بن الجراح. قال: (فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وأنه نبي). أي: أن هرقل أرسل رسالة لـ ضغاطر وقال له: قد رأيت بعد نظري في النجوم أن نبي هذه الأمة العربي قد ظهر، فما رأيك: هل توافقني على ذلك أم لا؟ قال: ثم انطلق، وفي أثناء سيره إلى وجهته أتاه كتاب ضغاطر، وقد نظر في النجوم مثله فوافقه على أن ملك هذه الأمة قد ظهر، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص). والدسكرة: هو القصر العظيم وحوله بيوت قد فتحت أبوابها في دهليز هذا القصر. قال: دعا هرقل الناس جميعاً العظماء وغير العظماء في هذه الدسكرة وكان بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش -أي: كالبهائم- إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان -أي: أيس من إيمانهم بهذا النبي وفقد الأمل- قال: ردوهم علي. وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم). وهو في حقيقة الأمر كان يدعوهم إلى الإسلام، فلو أن هؤلاء وافقوه لكان هو أول من أسلم، لكنه حينما رأى نفرتهم وحيصتهم خاف على نفسه وعلى ملكه وعلى حياته. وفعل ضغاطر في روميا نفس الذي فعله هرقل في الشام، فحاصوا عليه حيصة عظ

стр. 1788

موقف النبي ﷺ من جواب هرقل أرسل هرقل رسالة سرية إلى النبي ﷺ يقول له فيها: إني مسلم، فلما قرأ النبي ﷺ رسالة هرقل قال: (كذب). وفي رواية: (كذب هرقل. إنه كافر) فيجب علينا أن نصدق النبي ﵊، ثم يأتي الدليل العملي بعد ذلك أن الذي حارب المسلمين في غزوة مؤتة هو هرقل. إذاً: أراد أن يخدع النبي ﵊، ولكن كيف يُخدع من يأتيه الوحي من السماء؟ ولذلك حينما أراد أن يخدعه نفى النبي ﵊ هذه الشبهة من قلوب أصحابه، وأخبرهم أنه باق على كفره. قال لهم: (كذب هرقل. هو كافر). فمع هذا الكلام المعسول لكنه يبقى كافراً، ولا يمنع كونه كافراً أن يكون كلامه طيباً ومؤدباً، أو أن يكون عنده خلة وشملة من خلال وشمائل الخير، كإطعام الطعام وإلقاء السلام والبر والصلة والصدق في الحديث.

стр. 1789

معنى قول أبي سفيان: (إنه ليخافه بنو الأصفر) أما قول أبي سفيان: إنه ليخافه بنو الأصفر. قيل: بنو الأصفر هم الروم، يقول ابن الأنباري: سموا ببني الأصفر؛ لأن جيشاً من الحبشة غلب على بلادهم -أي: على الروم، وهؤلاء الروم بيض- فوقع رجال الحبشة على نساء الروم فأتى الولد بين السواد والبياض أي: أصفر، فلُقّبوا بعد ذلك ببني الأصفر. أما أبو إسحاق بن إبراهيم الحربي فقال: كلام ابن الأنباري هذا مردود ومرفوض، وإنما هم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇. قال القاضي عياض: وهذا أشبه من قول ابن الأنباري. أي: أن هذا أقوى وأصح من قول ابن الأنباري.

стр. 1790

كلام النووي على رسالة النبي ﷺ إلى هرقل

стр. 1791

دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم الإمام النووي عليه رحمة الله يذكر فوئد وفرائد لهذا الحديث، منها: (دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم). أي: أن النبي ﷺ أرسل رسالة إلى هرقل وقال له: (أسلم تسلم). وهذه دعوة إلى الإسلام قبل القتال، وهذا الدعاء واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب -أي: دعوتهم مستحبة- وهذا مذهب الشافعية، وقد ذكرنا هذا في أول كتاب الجهاد.

стр. 1792

وجوب العمل بخبر الواحد ومن الفوائد: (وجوب العمل بخبر الواحد). فأنتم تعلمون أن دحية الكلبي أخذ هذا الكتاب، وذهب من مكة إلى هرقل في الشام، وهرقل علم أن خبر الواحد يحتج به في العقائد والإسلام، فـ هرقل يعتقد وجوب العمل بخبر الواحد، والمعتزلة المنسوبون إلى الإسلام لا يعتقدون ذلك. قال الإمام النووي: ومن فوائد هذا الحديث: (وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة، وهذا إجماع من يُعتد به، أن خبر الواحد يجب الاحتجاج به في العقائد والأحكام على السواء). ولذلك هرقل لم يقل له: لا يا دحية! نحن لن نقبل منك هذا الكلام؛ لأنك واحد وخبرك خبر واحد، وإنما أقرّه واحترمه. وفي بعض الروايات: أن هرقل حينما قرأ رسالة النبي ﵊ طبّقها ووضعها على رأسه، ثم وضعها في صندوق من ذهب، وظل هذا الصندوق يتوارثه الأجيال.

стр. 1793

استحباب تصدير الكتاب باسم الله قال: (ومنها: استحباب تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافراً). ومنها: قوله ﷺ في الحديث الآخر: (كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم) أي: أقطع ناقص ومبتور، وهذا الحديث عند جماهير المحدثين ضعيف. والمراد بالحمد لله: ذكر الله تعالى.

стр. 1794

جواز السفر بالآية والآيتين إلى أرض العدو ومنها: (أنه يجوز أن يسافر إلى أرض العدو بالآية والآيتين). بل يجوز السفر إلى أرض الكفر بالقرآن كله ما لم يكن هناك حرب بين الدولتين يخشى منها أن يصيب هؤلاء من القرآن الكريم. أي: حينما يكون هناك حرب مع دولة كافرة فليس لأهل الإسلام أن يدخلوها بالقرآن الكريم مكتوباً. ومنها: (أنه يجوز للمحدث والكافر مس آية أو آيات يسيرة مع غير القرآن). أي: ضمن كتاب.

стр. 1795

التوقي في المكاتبة واستعمال الورع ومنها: (أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه) فيقول: من زيد إلى عمرو، وهذه مسألة مختلف فيها. قال أكثر العلماء: يستحب أن يبدأ بنفسه. ومنها: (التوقي في المكاتبة، واستعمال الورع فيها، فلا يُفرط ولا يفرّط). لا يظل يثني ويطري ويمدح ويغالي في ذلك سواء في نفسه أو في غيره، ولهذا قال النبي ﵊: (إلى هرقل عظيم الروم) فلم يقل: ملك الروم؛ لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه رسول الله ﷺ ، أول ولاه من أذن له رسول الله ﷺ بشرط، وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما تنفذه الضرورة، ولم يقل: إلى هرقل فقط، وإنما قال: عظيم الروم؛ تأليفاً لقلبه، وامتثالاً لقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]. ومنها: استحباب البلاغة والإيجاز: (أسلم تسلم). وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1796

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - كُتب النبي ﷺ لملوك الكفار يدعوهم - قصة النجاشي بعد أن وضعت الحرب أوزارها بين النبي ﷺ وقريش إثر صلح الحديبية، بدأ النبي بمراسلة ملوك وأمراء البلاد المحيطة بالجزيرة ودعوتهم إلى الإسلام، وقد بعث النبي ﷺ كتباً إلى الملوك والأكاسرة في عهده، ولم يؤمن منهم إلا النجاشي ملك الحبشة، والذي كان له مناقب كثيرة، منها إيواء المهاجرين من مكة إليه، وتجهيز أم حبيبة ﵂ للنبي ﷺ ، وقد صلى عليه النبي ﷺ عند وفاته صلاة الغائب ولم يصلها على أحد غيره.

стр. 1797

باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب السابع والعشرون من كتاب الجهاد والسير: (باب كُتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني يوسف بن حماد المعنى حدثنا عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بن دعامة البصري عن أنس ﵁: (أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ]. أي: أن هذا النجاشي ليس هو النجاشي الذي آمن بالنبي ﵊، وصلى عليه النبي ﷺ حينما توفي صلاة الغائب. قال: [وحدثناه محمد بن عبد الله الرزي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة قال: حدثنا أنس]. في الإسناد الأول قتادة عن أنس. وفي الإسناد الثاني: عن قتادة حدثنا أنس وقتادة مدلّس، فإذا قال: حدثنا انتفت عنه شبهة التدليس. قال: [عن النبي ﷺ بمثله. ولم يقل: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ]. أي: أن الإسناد الأول من طريق عبد الأعلى عن سعيد. والإسناد الثاني من طريق عبد الوهاب عن سعيد. ففي طريق عبد الأعلى: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﵊. أما في طريق عبد الوهاب بن عطاء ليس فيه هذه الزيادة. قال: [وحدثنيه نصر بن علي الجهضمي أخبرني أبي حدثني خالد بن قيس عن قتادة عن أنس ولم يذكر: (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ ].

стр. 1798

كلام النووي على أحاديث باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار قال النووي: (قوله: (أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي ﷺ . أما كسرى وكَسرى: لقب لكل ملك من ملوك الفُرس). والفُرس: هي إيران وما حولها. وهذه الممالك الفارسية كلها تقع تحت مملكة كسرى، فكسرى لقب، وآخر كسرى لفارس من زعماء الدين هو الخميني، وكان رجال الدين في تلك البلاد يطلقون أحياناً على الخميني: آية الله. وأحياناً يقولون: كسرى فارس. قال: (وأما قيصر: فهو لقب لكل من ملك الروم). أي: الشامية إلى روما. قال: (والنجاشي: لقب لكل من ملك الحبشة. وخاقان: لقب لكل من ملك الترك. وفرعون: لقب لكل من ملك القبط. والعزيز: لقب لكل من ملك مصر. وتُبّع: لقب لكل من ملك حمير).

стр. 1799

جواز مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الإسلام قال: (وفي هذا الحديث جواز مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الإسلام). وفي الحقيقة أنا فكّرت في هذا مراراً وتكراراً بعد أحداث (١١) سبتمبر، قلت: إذا كانت القلوب بين يدي الله يقلبها كيف يشاء، يجعل من يشاء سعيداً، ويجعل من يشاء شقياً، يجعل من يشاء مؤمناً، ويجعل من يشاء كافراً، والمرء لا يملك قلبه، فما المانع أن نُذكّر هؤلاء الطغاة الجبابرة أمثال بوش وشارون ذاك الكلب اليهودي؟ ما المانع أن نذكرهم بالله تعالى؟ فلو كان هناك مانع لكان أولى الناس بهذا المانع نبينا ﵊ الذي كتب إلى جبابرة الأرض حينذاك يدعوهم إلى الإسلام، فكتب إلى كسرى وإلى قيصر، فلا مانع حينئذ أن ينشط بعض الدعاة الذين لهم صلة بالإنترنت ويكتبون مراسلات، بل قد كتب بعض الدعاة وأهل العلم في هذا الزمان رسالة إلى بوش يدعوه فيها إلى الإسلام، وهو الشيخ سفر الحوالي حفظه الله.

стр. 1800

جواز العمل بالخبر الواحد قال النووي: (في هذا الحديث: جواز مكاتبة الكفار ودعاؤهم إلى الإسلام، والعمل بالكتاب، وبالخبر الواحد). قوله: (والعمل بالكتاب) أي: اعتبار أن هذا الكتاب حجة وإن كان خبراً واحداً. ولا تزال الأمة تعمل بخبر الواحد في العقيدة والأحكام والآداب والأخلاق والمعاملات حتى ظهر المعتزلة ومن بعدهم من الفلاسفة، فأخذ الفلاسفة بمذهب المعتزلة، واستفادت المعتزلة من مذهب الفلاسفة بعد الترجمة في زمن الرشيد، فخرجوا عن الأمة ببدعة عظيمة كادت تهدم أكثر من نصف الدين، وأكثر من ثلاثة أرباع عقيدة التوحيد، وهذا مبني على قولهم المنكر: إن خبر الواحد لا يُحتج به في العقيدة. وبعضهم يقول: لا يُحتج به لا في العقيدة ولا في الأحكام. والذين يقولون ذلك إذا وافق النص أهواءهم احتجوا به حتى وإن كان نصاً ضعيفاً أجمع المحدثون على ضعفه، فتجدهم حين الحاجة إلى هذا النص يحتجّون به. والأدلة على أن خبر الواحد حجة كثيرة في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي ﷺ ، منها: أن النبي ﵊ أرسل معاذاً إلى اليمن، كما أنه أرسل الرسل إلى شتى بقاع الأرض في ذلك الزمان يدعو الملوك إلى الإسلام، فأرسل واحداً إلى اليمن، وأرسل إلى الشام، وكلهم كانوا أفراداً. ولم يقل النبي ﵊ حينما أرسل معاذاً إلى اليمن: اذهب إلى اليمن لعلهم يقبلون منك وإن كنت فرداً. وإنما أرسله وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب. فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). وهذه عقيدة، فلو كان النبي ﷺ يعلم أن خبر الواحد لا يحتج به في العقيدة لأرسل جمعاً من الصحابة يبلغ حد التواتر إلى أهل اليمن. وكذلك أهل اليمن يعلمون أن خبر الواحد إذا صح وجب العمل به والصيرورة إليه؛ ولذلك لم ينكروا على معاذ أنه أتى فرداً، وإنما قبلوا منه وعملوا بمقتضى خبره في العقائد والأحكام؛ لأنه دلهم على العقيدة أولاً، فلما استجابوا لذلك ودخلوا في الإسلام -أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من فرائض الإسلام، مع أن هذا خبر واحد، وكذلك أرسل علياً بعد ذلك. وأبو موسى الأشعري ذهب إلى أهل الكوفة، وعبد الله بن مسعود ذهب من قبله إلى أهل الكوفة، وغير هؤلاء ممن بعثهم النبي ﵊ إلى الولاة والأمصار أفراداً ووحداناً، بغير نكير لا ممن أرسلهم ولا ممن استقبلهم. فهذا يدل على أن خبر الواحد معمول به بلا خلاف بين سلف الأمة. أما الأدلة على ذلك تفصيلاً فمحلها كثير من الكتب.

стр. 1801

نبذة عن حياة النجاشي ﵀ قال سفيان الثوري عليه رحمة الله: عند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمة. فبعد أن افتقدنا سير السلف منذ أكثر من سنتين، نعيش في هذه الليلة مع النجاشي رضي الله تعالى عنه ورحمه.

стр. 1802

تسمية النجاشي وعده في الصحابة النبي ﵊ كتب كتباً إلى الجبابرة وملوك الأرض، فكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، لكنه ليس النجاشي الذي صلى عليه النبي ﵊؛ وذلك لأننا اتفقنا على أن النجاشي لقب يُطلق على كل من ملك الحبشة، أما النجاشي الذي صلى عليه النبي ﵊ اسمه أصحمة، ومعنى أصحمة باللغة العربية: عطية. فهو اسم جميل وممدوح، وهو معدود في الصحابة ﵃، وأنا لا أدري كيف عُد في الصحابة؟ ولم أجد جواباً مقنعاً لعداده في الصحابة، فإن تعريف الصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. فنقول: إن أصحمة نجاشي الحبشة آمن بالنبي ﵊، ومات على الإيمان في حياة النبي ﷺ ولم يتخلل ذلك ردة. بل: قيل رُفع سريره -أي: نعشه- إلى النبي ﷺ فرآه وهو في المدينة في سنة (٩هـ) فقال النبي ﵊: (إن أخاكم توفي اليوم فقوموا، فصفّهم النبي ﵊ وصلى على النجاشي). فهو يرى سريره والصحابة لا يرونه. قيل: إن النبي ﷺ رأى سريره -أي نعش النجاشي- فقام فصف أصحابه وصلى عليه صلاة الغائب؛ وذلك لأن الصحابة الذين هاجروا الهجرة الأولى والثانية إلى أرض الحبشة كانوا يرحلون من الحبشة إلى المدينة أفواجاً وجماعات وأفراداً، وكان آخر من قدم من مهاجرة الحبشة من أصحاب النبي ﵊ جعفر بن أبي طالب، وذلك في غزوة خيبر في سنة (٧ هـ). ومات النجاشي على أصح الأقوال في العام التاسع من الهجرة، فصلى عليه النبي ﵊. فكيف يقال حينئذ: إنه من أصحاب النبي ﵊ وهو لم يلق النبي ﵊. والصاحب: هو من لقي. وهذا أول شرط، والنجاشي قطعاً لم يلق النبي ﵊؛ فكيف يُعد صاحباً؟ ربما يكون ذلك للموقف المحمود جداً، فإنه لم يقف أحد من أهل الأرض في ذلك الزمان هذا الموقف المشرّف جداً تجاه النبي ﷺ وأصحابه الكرام، فقد أكرمهم وأعزهم وشرّفهم وأمّنهم في بلاده وأنفق عليهم، وزوّج أم حبيبة للنبي ﷺ ، ودفع مهرها كاملاً، فمناقبه كثيرة لا تكاد تُحصى، فربما استثنى النبي ﵊ ذلك الرجل من شروط وأركان الصحبة بسبب ذلك، لكن أنا على أية حال لم يتبيّن لي وجه صحبته. قال الذهبي: معدود في الصحابة ﵃، وكان ممن حسن إسلامه ولم يهاجر -أي: لم يترك الحبشة- ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه. قوله: (هو تابعي من وجه) لأنه رأى الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة، وأكرمهم وأعزهم كما قلنا، ونحن نعلم أن التابعي: هو من لقي الصحابة، وقد لقي النجاشي الصحابة، فهو تابعي على هذا النحو اصطلاحاً لا غبار على ذلك، لكن كيف يكون صاحباً. قال الذهبي: فهو تابعي من وجه صاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي ﷺ ، فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، ولم يثبت أنه ﵊ صلى على غائب سواه.

стр. 1803

قصة رجوع ملك الحبشة إلى النجاشي كما رواها عروة قصت أم سلمة قصة النجاشي، إذ قال لـ عمرو بن العاص: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي، وأنتم تعلمون أن عمرو بن العاص كان في ذلك الوقت مشركاً ولم يكن قد آمن بعد، فلما ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ليدفع الهدايا للنجاشي كي يرد هؤلاء المؤمنين، ويطردهم من بلده، ويسفّه أحلامهم، ويرد عليهم دعوتهم علم النجاشي أنهم كذبة وأنهم فجرة، وأن الحق مع أصحاب محمد ﵊، فأمر سعاته وولاته أن يدفعوا تلك الهدايا لـ عمرو بن العاص فلا حاجة للنجاشي إليها، ثم قال: فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فأُطيع الناس فيه. قال عروة -وهو الراوي لهذا الحديث- للزهري: قال: أتدري يا زهري! ما هذا؟ قال: لا. قال: إن عائشة ﵂ حدثتني أن أباه كان ملك قومه. أي: أبو النجاشي هذا كان ملك الحبشة، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلاً، فأهل الحبشة قالوا: لو أن أبا النجاشي توفي لم يكن له من عقبه إلا ولد واحد، وماذا نفعل إذا مات هذا الولد بعد أن صار ملكاً؟ فالأولى لنا أن نؤمّن الحبشة بملوكها مدة طويلة من الزمان، فأرادوا نقل الملك من أبي النجاشي إلى أخيه الذي له من الولد اثنا عشر ولداً، حتى إذا مات انتقل الملك مباشرة إلى أولاده، فماذا صنعوا؟ تآمروا على قتل والد النجاشي، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملّكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه اثني عشر ولداً فتوارثوا ملكه من بعده فبقيت الحبشة بعده دهراً؛ فعدوا على أب النجاشي -أي: فوثبوا عليه- فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك مدة من الزمان ونشأ النجاشي مع عمه -أي: أن النجاشي الذي صلى عليه النبي ﵊ نشأ في ملك عمه- وكان لبيباً حازماً من الرجال، فغلب على أمر عمه -أي: قرّبه جداً هذا العم وأدناه منه لذكائه وفطنته- ونزل من عمه بكل منزل، فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالت بينها: والله إنا لنتخوف أن يملّكه -أي: يترك أولاده ويملّك ابن أخيه، إذاً: لا نكون قد صنعنا شيئاً- ولئن ملكه علينا ليقتلنا جميعاً؛ وذلك لأننا قد قتلنا أباه، فذهبوا إلى عمه فقالوا له: إما أن تقتل هذا الفتى وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفنا على أنفسنا منه. قال: ويلكم قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجوه من بلادكم -ارتكاب أخف الضررين وهو النفي- قال: فخرجوا به فباعوه من رجل تاجر بستمائة درهم، ثم قذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان المساء من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحاب الخريف على الحبشة، فخرج عمه يستمطر تحتها -أي: يطلب المطر- فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هم حمقى ليس في ولد من أولاده خير -كلهم بلد مجانين صرعى، فكيف يملكون مجنوناً عليهم- فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره الذي بعتموه غدوة، لا سبيل لكم إلا أن تذهبوا فتأتون به مرة أخرى وتملّكوه أمركم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه -أي: إذا كنتم حريصين على البلد ومصلحة البلد فملكوا النجاشي- فخرجوا في طلبه حتى أدركوه، فأخذوه من التاجر ثم جاءوا به، فعقدوا عليه تاجه، وأجلسوه على سرير الملك وملكوه. قال: فجاءهم التاجر: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمهم ذلك. -أي: أنهم أخذوا منه النجاشي ولم يعطوه ما قد أخذوه منه- فقالوا: لا نعطيك شيئاً. قال: إذا: والله لأكلمنه. قالوا: فدونك -كأنهم يقولون له: اذهب فكلمه بما تريد- فجاءه فجلس بين يديه فقال: أيها الملك! ابتعت غلاماً -وانظر إلى أدب التاجر فلم يقل له: أنت عبدي وأنا اشتريتك- قال: أيها الملك! ابتعت غلاماً من قوم في السوق بستمائة درهم، فأسلموه إلي وأخذوا دراهمي، حتى إذا صرت بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه أو ليسلّمن غلامه في يديه فليذهبن به حيث شاء! قالوا: بل نعطيه دراهمه. قالت أم سلمة: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي. قال ذلك لأن هذا الملك هو ملك النجاشي وليس ملك ابن عمه، بل هو ملك أبيه ينتقل إليه، فلما حاولوا زحزحة الملك إلى العم بقتل أخيه انتقل الملك بعد ذلك إلى الأولاد، ولكن الأولاد لم يصلح منهم أحد لهذه المهمة؛ فاضطر أهل الحبشة إلى إرجاع الملك إلى النجاشي. هل حاباهم بشيء؟ هل دفع لله رشوة أن رد عليه ملكه؟ حاشى؛ ولذلك قال لـ عمرو بن العاص: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. وكان ذلك أول ما عرف من صلابته في دينه وعدله في حكمه. هذا كان أول موقف من مواقف النجاشي، أنه صاحب عدل وصلابة وقوة في الحق، حتى وإن كان ذلك على حساب ملكه. ثم قالت

стр. 1804

حديث أم سلمة في قصة النجاشي مع وفد قريش روى الإمام أحمد في المسند من حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين. أي: تواطئوا واتفقوا أن يجعلوا في أثر هؤلاء الصحابة رجلين صلبين قويين صاحبي حجة ولسان وبيان، حتى يفضحا هؤلاء المهاجرة عند النجاشي. قالت: فلما فعلوا أهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم. أي: الخضار أو البقول أو غير ذلك مما يُطهى ويُطبخ. قالت: فجمعوا له أدماً كثيراً. أي: أنواعاً متعددة من الغذاء. قالت: ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص السهمي وأمّروهما أمرهم. أي: أرسلوا سرية عليها عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص. وقالوا لهما -أي: قريش قالت لـ عبد الله بن أبي ربيعة ولـ عمرو بن العاص - ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تُكلموا النجاشي فيهم. يستميلون بطانة السوء أولاً بالهدية، ثم يرجون عندهم نوالاً ومساعدة، حتى إذا اشتُريت ذمم البطارقة يسهل عليهم أن يضغطوا على النجاشي. ثم قالت قريش لهما: ثم قدموا له هداياه. أي: بعد أن يأخذوا البطارقة الهدايا، قدّموا الهدايا إلى النجاشي، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم. وإلى ذلك الوقت لا يزال النجاشي لم يتكلم مع هؤلاء الصحابة، ولكنه علم بخبرهم. قالت: فخرج عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، وقال له: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. أي: أن دوركم أيها البطارقة! حينما ندخل على الملك ونطلب منه أن يسلمنا هؤلاء الذين أتوا بدين مبتدع جديد هو مساعدتنا، وتقولون له: ادفع إليهم هؤلاء بغير أن يدخلوا عليك وبغير أن تتحدث معهم ولا تكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عيناً -أي: أخبر بهم، وأعلم بما عابوا عليهم- فقالوا لهم: نعم. ثم إنهما قربا هدايا النجاشي فقبِلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك! إنه قد صبا -أي: أوى إليك- وإلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم. قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو من أن يسمع النجاشي كلامهم -أي: أنهم كانوا في غاية الحذر أن يسمع النجاشي كلام هؤلاء المهاجرة؛ وذلك لأنهم يعرفون أن الحق أبلج، وله نور وضياء وسلطان في القلب- فقالت بطارقته من حوله: صدقوا أيها الملك! وانظروا إلى الكذّابين المنافقين وكأنهم يقولون: سلم لهم هؤلاء الناس ولا تسمع منهم، كل هذا لأجل الهدايا التي أخذوها من قبل، وهناك من يبيع دينه بفلس، وآخر لا يفرّط في أدنى شعيرة من دينه ولو كان الثمن الدنيا وما فيها، والناس مذاهب. قالت: فقالت بطارقته من حوله: صدقهما أيها الملك! فأسلمهم إليهما. فغضب النجاشي غضباً شديداً، ثم قال: لا ها الله إذاً: لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قوماً جاوروني. أي: لا أكيد بقوم جاوروني، ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا: ماذا نقول للرجل إذا جئناه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﵊. أي: أن هذا لا يحتاج إلى تفكير منا في الذي نقول له؛ لأنا لا نعلم ما هي أسئلته المحددة. قالت: فقال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﵊ كائناً في ذلك ما كان. وهذا لقوة إيمانهم. فما هي النتيجة؟ هل يقتلنا؟ إذاً: يقتلنا، فلن نقول إلا الحق، وإذا أراد طردنا من الحبشة فليطردنا ومع ذلك لا نقول إلا الحق. قالت: فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله -أي: الصحف- سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت أم سلمة: وكان الذي يكلمه جعفر بن أبي طالب. فقال له: أيها الملك! إنا كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ون

стр. 1805

رواية جعفر بن أبي طالب لقصة هجرته مع أصحابه إلى الحبشة وهجرته إلى المدينة عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي، فقالوا له ونحن عنده: قد جاء إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا. قال: لا. حتى أسمع كلامهم. فأمر النجاشي منادياً فنادى: من آذى أحداً منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: يكفيكم؟ أي: أتكفيكم الأربعة الدراهم؟ قال جعفر: قلنا: لا. فأضعفها. أي: جعلها ثمانية دراهم. قال: (فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة، وهاجر، وقتل الذي كنا حدثناك عنهم -أي: في غزوة بدر- وقد أردنا الرحيل إليه. فزودنا. قال: نعم. فحملنا -أي: على البعير والخيل والحمير- وزودنا وأعطانا، ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا رسولي معك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فقل له: يستغفر لي. قال: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله ﷺ ، فاعتنقني وقال: ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أو بقدوم جعفر؟). لأنه كان قد أتى من غزوة خيبر، فوافق الرجوع قدوم جعفر من الحبشة، فقال النبي ﷺ : (ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أو بقدوم جعفر؟ ثم جلس، فقام رسول النجاشي فقال: هو ذا جعفر) أي: يا رسول الله! هذا جعفر الذي كان عندنا. قال: (فسله ما صنع به صاحبنا -أي: النجاشي- فقلت: نعم -أي: قد ذكرت للنبي ﷺ ما صنع صاحبكم بنا- قال: فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: اللهم اغفر للنجاشي اللهم اغفر للنجاشي اللهم اغفر للنجاشي فقال المسلمون: آمين، فقلت للرسول: انطلق. فأخبر صاحبك ما قد رأيت). وعن عمير بن إسحاق أن جعفراً قال: (يا رسول الله! ائذن لي حتى أصير إلى أرض أعبد الله فيها، فأذن له فأتى النجاشي).

стр. 1806

رواية عمرو بن العاص لقصة النجاشي معه ومع من هاجر إليه حدثنا عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفراً آمن بها هو وأصحابه حسدته، فأتيت النجاشي فقلت: إن بأرضك رجلاً ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أبداً لا أنا ولا أحد من أصحابي. أي: إذا لم تقتله فلن ترانا أبداً ولا واحداً منا، ولا أي طعام يأتي من ناحيتنا، وهذا يدل على أن الحبشة فقيرة، وكان أحب شيء للنجاشي أن يأتيه من مكة الأدم والطعام، فكأنهم فقراء. قال: اذهب إليه فادعه. قلت: إنه لا يجيء معي، فأرسل معي رسولاً، فأتيناه وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم. قال له: أجب. قال: فلما أتينا الباب ناديت: ائذن لـ عمرو بن العاص، ونادى جعفر: ائذن لحزب الله. أي: أن عمرو بن العاص يطرق باب النجاشي وهو يقول: ائذن لـ عمرو بن العاص بالدخول، وجعفر لم يقل: ائذن لـ جعفر، وإنما قال: ائذن لحزب الله، فانظر إلى الاستعلاء بكلمة الإيمان والتوحيد، وأعظم نداء ينادي به العبد أمة الدعوة بدمه وبماله. وهذه هي محل البيعة ومحل السلعة التي ساوم الله ﵎ عليها عباده الصالحين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فهذا محل البيعة. فقال: فنادى جعفر: ائذن لحزب الله، فسمع صوته فأذن له قبلي.

стр. 1807

رواية أبي بردة عن أبي موسى قصة عمرو بن العاص مع نجاشي الحبشة عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا عمراً وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية، فقدما عليه وأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو: إن أناساً من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فقال: في أرضي؟ قال: نعم. فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد. أنا خطيبكم اليوم)؛ لأنه آنس من نفسه رشداً. قال: لا يتكلم أحد مع النجاشي، فأنا الذي أتولى الرد. قال: (فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس عظيم، وعمرو عن يمينه وعمارة عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس سماطين -أي: في وجهه- وقد قال له عمرو: إنهم لا يسجدون لك) وهذه الخدعة الثالثة. أي: كما دخلنا وسجدنا لك فهؤلاء لن يسجدوا لك. قال: (إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين: أن اسجدوا) أي: حينما تدخلون على النجاشي اسجدوا له. قال: (قلنا: لا نسجد إلا لله ، فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نسجد إلا لله. قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسولاً وهو الذي بشّر به عيسى ﵇ فقال: يأتي من بعدي اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نُشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فأُعجب النجاشي من قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك! إنهم يخالفونك في ابن مريم). حينما فشل في هذه تدارك نفسه بسرعة فقال له: هم يخالفونك في عقيدتهم في ابن مريم. قال: (فقال النجاشي لـ جعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال جعفر: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. فتناول النجاشي عوداً من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان! ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه. مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك) أي: لو أنه يترك البلاد والملك لاستولوا عليه البطارقة. قال: (ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبِّل نعله. امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو رجلاً قصيراً، وكان عمارة رجلاً جميلاً، وكانا أقبلا في البحر إلى النجاشي، فشرب مع عمرو وامرأته). -أي: عمارة - الخمر، قال: فلما شربوا من الخمر قال عمارة لـ عمرو: مر امرأتك فلتقبلني. قال عمرو لـ عمارة: ألا تستحي. فأخذ عمارة عمراً يرمي به في البحر، فجعل عمرو يناشده الله حتى تركه، فحقد عليه عمرو. وظل يكتمها عمرو بن العاص إلى أن فشلا بين يدي النجاشي، وكان عمارة رجلاً جميلاً ووضيئاً، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلّفك عمارة في أهلك، فدعا بـ عمارة فنفخ في إحليله فصار مع الوحش. لكن سبقت هذه القصة خدعة، وهذه الخدعة هي مكر عمرو بـ عمارة. قال: يا عمارة! إنك رجل جميل، فاذهب إلى امرأة النجاشي، فتحدث عندها إذا خرج زوجها، فإن ذلك عون لنا في حاجتنا. فخرج عمارة إلى بيت النجاشي، وذهب عمرو إلى موطن الملك وقال للنجاشي: إن عمارة رجل جميل. إذا خرجت خلّفك في أهلك، وإذا شئت فأرسل إلى بيتك الآن فإنه في بيتك ومع أهلك، فأرسل النجاشي رسولاً إلى بيته، فوجد أن عمارة يتكلم مع امرأته، فصدق النجاشي الخدعة، فأتى به فنفخ في إحليله، وألقاه في البرية مع الوحوش. قال: ثم ألقوه في جزيرة من جزائر البحر فجن واستوحش مع الوحش. أي: صار شبيهاً بالوحوش.

стр. 1808

رواية عائشة في تثبيت النجاشي ملكه في الحبشة عن عائشة قالت: لمّا مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور، فأما عمارة فإنه بقي إلى خلافة عمر بن الخطاب مع الوحوش، فدُل عليه أخوه، فسار إليه وتحيّن وقت وروده الماء، فلما رأى أخاه فر فوثب وأمسكه، فبقي يصيح: أرسلني أرسلني يا أخي! فلم يرسله فخارت قوته من الخوف ومات في الحال. فعداده في المجانين الذين يبعثون على ما كانوا عليه قبل ذهاب العقل، فيُبعث هذا الرجل على الكفر والعداوة لرسول الله ﷺ . نسأل الله تعالى المغفرة والسلامة. قالت: واجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: فارقت ديننا. أي: أنه لم يبق بين رسل قريش من الكافرين وبين النجاشي شيء، واستقر الأمر لدى النجاشي أن هؤلاء أصحاب الحق ودخل النجاشي في الإسلام. فقامت حرب جديدة بين النجاشي وبين أهل الحبشة. قالوا له: فارقت ديننا. قالت: وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفناً، وقال: اركبوا فإن هزمت فامضوا وإن ظفرت فاثبتوا. أرأيتم الموقف الرائع جداً. ولو أني كنت مكان النجاشي لقلت لهم: ألست أنا الذي ضيّعت نفسي من أجلكم؟ إذاً: فقفوا بجانبي حتى وإن تقطعت إرباً كما وقفت بجانبكم! ولكنه صنع لهم سفناً وأركبهم البحر، وزودهم بالطعام والشراب الكافي، وقال لهم: حرب بيني وبين قومي لا علاقة لكم بها، فانتظروني في البحر فإن أنا ظفرت بهم فاثبتوا في الأرض، وإن هزمت فانطلقوا إلى بلادكم آمنين. قالت: ثم عمد إلى كتاب فكتب فيها: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. هذه الكلمات التي كتبها النجاشي، وإنه واجب على من آمن أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أما قوله: وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه وغير ذلك فهذا من باب المستحبات لا من باب الواجبات، وأنتم تعلمون أن النجاشي كان نصرانياً؛ فأراد أن يبيّن مسألة مهمة في اعتقاده أن عيسى كان عبداً لله وليس ابناً لله. قالت: ثم جعله في قباءة وخرج إلى الحبشة، وصفوا له -أي: التقى الصفان- فقال: يا معشر الحبشة! فانظروا إلى هذا الذكاء، فإنه لم يقاتلهم فجميعهم قد خرج عليه؛ فمن سيقاتل؟ فقال: يا معشر الحبشة! ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم أي: خرجتم علي؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون فيه؟ قالوا: هو ابن الله. فقال بعد أن وضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئاً. فهو حينما أمّن أصحاب النبي ﵊ في البحر أتى بورقة وقال أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وروح منه وكلمته ألقاها إلى مريم، وقام بإطباق الورقة وجعلها في قباءة ولم يسلمها لـ جعفر، وخرج على الحبشة وقال لهم: فما تقولون أنتم؟ قالوا: نقول: إنه ابن الله، فوضع يده على القباءة وقال: والله ما فارقت ما هو كائن. أي: أنه يقول مثل هذا، فهم فهموا أنه موافق بذلك، ولكنه يشير إلى الورقة التي بداخل القباءة. وهذا ذكاء من الملك، ولكن منهم من كان ذكياً في الخير ومنهم من كان ذكياً في الشر. فقال لهم: فما تقولون أنتم؟ قالوا: هو ابن الله؟ قال: والله وأنا لا أعدو هذا. وفي هذا جواز استخدام المعاريض، والنجاة من القتل حتى وإن كان هذا بالحلف الكاذب؛ لأن الحرب خدعة، فقال بعد أن وضع يده على قبائه: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئاً، وإنما عنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا عنه ظناً منهم أنه وافقهم أنه ابن الله، واستقر له الملك، ولم يدخل في حرب مع هؤلاء، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له.

стр. 1809

تجهيز النجاشي أم حبيبة للنبي ﷺ ومن محاسن النجاشي كذلك: أن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية أم المؤمنين أسلمت مع زوجها عبيد الله بن جحش في مكة وهاجرا إلى الحبشة، فولدت له حبيبة ربيبة النبي ﷺ ، ثم إنه أدركه الشقاء فأعجبه دين النصرانية فتنصّر بعد أن كان مسلماً، فلم ينشب أن مات بالحبشة وهو نصراني مرتد، فلما وفّت العدة أي حينما وفّت العدة بتركه لها بعث رسول الله ﷺ يخطبها فأجابت، فنهض في ذلك النجاشي وشهد زواجها بالنبي ﷺ ، وأعطاها الصداق عن النبي ﵊ من عنده أربعمائة دينار ذهباً، فحصل لها شيء لم يحصل لغيرها من أمهات المؤمنين، ثم جهّزها النجاشي، وكان عمرها حينما قدمت المدينة بضعاً وثلاثين سنة. وعن أم حبيبة: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي، وأن رسول الله ﷺ تزوجها بالحبشة، زوجه إياها النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي. قال ابن سعد في سيرته: عن أم حبيبة قالت: رأيت في النوم كأن عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة وأشوهها ففزعت فإذا هو يقول حين أصبحت يا أم حبيبة! إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد فقد رجعت إليها. قالت: فأخبرته بالرؤيا، فلم يحفل بها -أي لم يعبأ بها- وأكب على الخمر حتى مات، فأريت في النوم كأن آتياً يقول لي: يا أم المؤمنين! ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني. وهي لم تكن بعد أماً للمؤمنين، ولكنها رأت في الرؤيا رجلاً يقول لها: يا أم المؤمنين! فما دامت ستصبح أم المؤمنين فالنبي ﷺ سيتزوجها. قالت: فما هو إلا أن قد انقضت عدتي، فما شعرت إلا ورسول النجاشي على بابي يستأذن، فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه -أي: العطر- فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لكِ: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجك. فقلت: بشركِ الله بخير. قالت: يقول الملك: وكلي من يزوجك. فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته. وأعطت أم حبيبة أبرهة سوارين من فضة، وخواتيم كانت في أصابع رجليها، وخدمتين كانتا في رجليها. فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين، فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام. وهذا الكلام يحتج به ويقال من باب السنن في عقد النكاح. قال: الحمد لله الملك القدوس السلام، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى ﵇. ثم خطب خالد بن سعيد وزوجها وقبض أربعمائة دينار، ثم دعا بطعام فأكلوا. قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـ أبرهة. أي: خمسين ديناراً ذهباً، والدينار بحوالي مائتي جنيه. أي: عشرة آلاف جنيه. إذاً: فهذا مهر كبير جداً، ولكنه ليس كبيراً على أم المؤمنين. قالت: فلما وصل إلي المال عزلت خمسين ديناراً لـ أبرهة، فأبت أبرهة، وأخرجت حقاً فيه كل ما أعطيتها فردته عليّ. وقالت: عزم عليّ الملك ألا أرزأكِ شيئاً. أي: أنقصكِ من مالكِ شيئاً. ثم تقول أبرهة لأم المؤمنين: أنا لي عندكِ طلب واحد، وهو أن تقرئي رسول الله ﷺ مني السلام، ثم جاءتني من عند نساء الملك بعود وعنبر وزباد كثير. فقيل: بنى بها رسول الله ﷺ سنة (٦هـ). وقال خليفة: دخل بها سنة (٧هـ)، ولما توفي قال النبي ﵊ للناس: (إن أخاً لكم قد مات بأرض الحبشة، فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفاً ثم صلى عليه) فنقل بعض العلماء أن ذلك كان في شهر رجب سنة (٩هـ). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 1810

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - غزوة حنين لقد ابتلى الله المؤمنين في غزوة حنين بلاء عظيماً، ليبين لهم أن النصر ليس متوقفاً على قوة العدة وكثرة العدد، وإنما هو بنصر الله وتوفيقه وتأييده، فدارت الدائرة على المؤمنين أول الأمر، فلما استوعبوا الدرس وعادوا إلى ربهم وأيقنوا بأن النصر من الله أظهر الله عباده المؤمنين على عدوهم ونصر جنده وشفى صدور قوم مؤمنين.

стр. 1811

باب في غزوة حنين إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. مع الباب الثامن والعشرين من كتاب الجهاد والسير: (غزوة حنين). قال النووي: (باب في غزوة حنين، أو هوازن أو أوطاس)، فكل هذه المصطلحات تُطلق على هذه الغزوة. فالسبب في تسمية هذه الغزوة بغزوة (هوازن): أن هوازن من سكان الطائف، عز عليهم ما قد فتح الله على نبينا ﵊ من فتح وانتصارات، فقامت بقيادة مالك بن عوف، وجمعوا جموعهم لمقاتلة النبي ﷺ ، ورده إلى الخسارة بعد هذه الانتصارات التي حققها، فنزلوا في واد يسمى بوادي (أوطاس) بين مكة والطائف، في مكان يسمى حنين، وتفرقوا في الشعاب واختبئوا، ونزل النبي ﵊ باثني عشر ألفاً من أصحابه عشرة آلاف من المدينة وألفين من مسلمة الفتح، نزلوا في هذا الوادي ولم يكن لهم علم بسبق هوازن إلى هذا الوادي، وكانوا قد دخلوا قرابة الصبح، ولا يزال يخلط الظلام بضياء النهار، فقامت عليهم هوازن في تلك البقعة من الأرض، وخرجوا عليهم من الشعاب على حين غرّة، فانقضوا عليهم انقضاضة واحدة، فتفرّق أصحاب النبي ﷺ هنا وهناك كأنهم اعتقدوا أنهم قد غُلبوا، ولكن النبي ﵊ ثبت في هذا الموطن ثباتاً عظيماً مما كان سبباً في رباطة جأش أصحابه حينما نادى عليهم: يا أهل الأنصار! يا أهل الأنصار! يا أهل الخزرج! وغير ذلك من النداءات التي ناداها النبي ﵊، فاجتمعوا حوله، ولم يجتمع حول النبي ﵊ حينئذ إلا مائتان من أصحابه ﵊ من المهاجرين والأنصار، وعلى أيدي هؤلاء تم انتصاره ﵊ في تلك الغزوة.

стр. 1812

شرح حديث العباس بن عبد المطلب في قتال حنين قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثني أبو الطاهر - أحمد بن عمرو بن سرح قال: أخبرنا ابن وهب حدثني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب -أي: ابن عم النبي ﵊ قال: قال عباس: (شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -وهو ابن عم النبي ﷺ رسول الله ﷺ فلم نفارقه)]. وفي هذا من الود وعطف الأقارب بعضهم على بعض عند الشدائد، وذب بعضهم عن بعض ما فيه. قال العباس بن عبد المطلب: (لزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة) وقيل: ابن نعامة، والصواب: الأول فروة بن نفاثة وكان مشركاً، واختلف أهل العلم في بيان ما إذا كان أسلم أم لا؟ ولكن النبي ﵊ قبِل منه الهدية وكان مشركاً، ثم وقع النزاع بعد ذلك هل أسلم أم لا؟ وهذه البغلة البيضاء التي تسمى (الشهباء)، وأحياناً تسمى (دلدل)، أما الحمار الذي كان يركبه ﵊ فهو يعفور، ولم يكن للنبي ﷺ بغلة سوى هذه البغلة. قال: [(فلما التقى المسلمون والكفار -أي: في غزوة حنين- ولى المسلمون)] أي: ولوا الأدبار، وأنتم تعلمون أن تولية الدبر إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة من أكبر الكبائر. قال: [(ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض على بغلته قِبل الكفار)] أي: ينهزها أن تسرع السير والعدو باتجاه الكفار، فإدبار أصحابه وتوليهم لم يكن فيه باعث له ﵊ أن يهرب هو كذلك من الميدان، وإنما زاده ذلك إصراراً على ملاقاة العدو ومقابلة الكفار ﷺ . قال العباس: [(وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة ألا تسرع)] كأن النبي ﷺ ينهزها، لتسرع ويخشى العباس من سرعة عدوها وجريانها أن تنكفئ برسول الله ﵊، فكان يأخذ بلجامها ويكفكفها مخافة أن تقع بالنبي ﵊. قال: [(وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﵊، فقال رسول الله ﷺ : أي عباس! ناد أصحاب السمرة -وسمرة: اسم الشجرة التي بايع تحتها أصحاب بيعة الرضوان- فقال العباس وكان رجلاً صيّتاً)] أي: له صوت جهوري عال ومرتفع، إذا نادى أسمع. وقيل: إنه كان بينه وبين رعاة إبله وغنمه اثنا عشر ميلاً، وكان إذا صعد على تبة أو جبل صغير ونادى على الرعاة على مدار اثني عشر ميلاً سمعوا نداءه ولبوه. قال: [(فقال عباس -وكان رجلاً صيتاً- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها)] أي أنهم حينما سمعوا صوتي أنادي عليهم أتوا مسرعين كما تُسرع قطيع البقر إذا غابت عنها أولادها، كأنه يعبّر عن شدة جريان هؤلاء، وسرعة عودهم إلى النبي ﵊، فكلهم هرع وبادر الرجوع والقدوم على النبي ﷺ ، حتى لكأنهم قد اختلط بعضهم ببعض. قال: [(فقالوا: يا لبيك! يا لبيك!)] لبيك أي: إجابة بعد إجابة، وسماع بعد سماع، واستجابة بعد استجابة. قال: [(فاقتتلوا والكفار)] أي: فاقتتل النبي ﵊ ومعه أصحاب السمرة -أصحاب بيعة الرضوان- مع الكافرين. قال: [(والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار)] كأن النبي ﵊ كان يركّز جداً على أن تكون المقاتلة معه من الأنصار. قال: [(ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج!)] فكانت معظم النداءات للأنصار على جهة الخصوص. قال: [(فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها، كأن عنقه اشرأبت مرتفعة إلى قتال هؤلاء الكافرين، فقال رسول الله ﷺ : هذا حين حمي الوطيس)]. فأول من قال: حين حمي الوطيس هو نبينا ﵊. قال: [(ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً)] أي: قوت

стр. 1813

شرح روايات أخرى لحديث العباس في قتال حنين قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعاً عن عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد الصنعاني - عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، غير أنه قال: فروة بن نعامة الجذامي -والصواب: أنه ابن نفاثة الجذامي - وقال: (انهزموا ورب الكعبة -أي: ولم يقل: ورب محمد، وإنما قال- انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة) وزاد في الحديث: (حتى هزمهم الله)]، وهذا إثبات الهزيمة لأهل الكفر في غزوة حنين، وبيان أن كافة النصر كان للنبي ﵊ والأصحاب الكرام. قال العباس: [(وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته)] يعني: يجري خلفهم، وهم قد ولوا الدبر. قال: [وحدثناه ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة- حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: كنت مع النبي ﷺ يوم حنين، وساق الحديث بمثل الحديث السابق، غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم.

стр. 1814

شرح حديث البراء بن عازب في قتال حنين قال: [حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو خيثمة، وهذا أبو خيثمة ليس هو زهير بن حرب؛ لأن أبا خيثمة زهير بن حرب يروي عنه مسلم مباشرة، أما أبو خيثمة الذي فوق ذلك بطبقتين فهو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي، كوفي نزل الجزيرة، وهو ثقة ثبت، غير أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي كان بآخرة. قال: [أخبرنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق] وهو أبو إسحاق السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، ثقة ومكثر وعابد، لكنه اختلط في آخر حياته. وكنا من قبل تكلمنا تقريباً عن أحكام المختلطين وأحكام الاختلاط، وقلنا: إن الراوي إما أن يكون ثقة في ذاكرته وحفظه، وإما أن يكون ثقة في كتابه، فإما أن يكون قد اعتمد في تحصيل العلم وبثّه على ذاكرته وحفظ صدره، وإما أن يكون قد اعتمد على كتابه وقلمه، وهذا ما يسميه أهل الحديث بالضبط، فيسمون الأول بضبط الصدر، ويسمون الثاني بضبط الكتاب، ولضبط الكتاب شروط، ولضبط الصدر شروط. أما شروط ضبط الكتاب فهي: الشرط الأول: أن يكتب خلف الشيخ، أو يكتب خلف المستملي الذي يقرؤه في حضرة الشيخ. الشرط الثاني: أن يعرض ما كتبه على الشيخ، فيقره الشيخ بصحة ما كتب، فإن اعتذر الشيخ عن معارضة الكتاب أو مقابلته انتقلنا إل الشرط الثالث. الشرط الثالث: أن يراجع ويقابل هذه النسخة على المستملي الذي يقرأ على الشيخ، أو على أقرانه الذين كانوا قد سمعوا منه في مجلس التحديث. الشرط الرابع: أن يحافظ على الكتاب من التلف والحرق والغرق وغير ذلك من سائر أسباب التلف، حتى يتسنى له التحديث من هذا الكتاب. الشرط الخامس: إذا حدّث من الكتاب فإنه ممنوع عليه أن يحدّث من حفظه، ولا يعتمد على ذاكرته إلا أن يكون ممن يعتمد عليه في ضبط صدره وكتابه. وهناك مذاهب لأهل العلم: أن ضبط الصدر أحياناً يكون ضبط صدر وضبط كتاب، كالإمام الدارقطني مثلاً كان من أئمة الحفظ، ومع هذا كان يكتب، وتعجّب منه بعض أصحابه ذات يوم. قالوا: أتكتب؟ إن الذي يكتب لا يدرك الحفظ خلف الشيخ، وكان قد كتب خلف الشيخ في مجلس واحد (١٨) حديثاً، وكان الواحد منهم إذا كتب ذهب إلى بيته ليحفظ ما كان قد كتبه خلف الشيخ، فقال الدارقطني لأصحابه وأقرانه: إن شئتم حدثتكم من كتابي، وإن شئتم حدثتكم من حفظي، فلما تحدوه أن يكون قد حفظ ما قد كتب كرر عليهم الأحاديث مرتبة، ولم يخالف في حرف واحد، فهذا كان قد جمع بين ضبط الصدر وضبط الكتاب. لكننا نقول بالشروط الأولى لمن اعتمد على الكتاب فحسب. أما ضبط الصدر فشرطه: أن يكون قادراً على الإتيان بالمعلومة أو بالرواية، أو بالراوي سنداً أو متناً في أي وقت طُلب منه ذلك. أحياناً تلحق الآفة ضبط الصدر وضبط الكتاب، فيمكن للكتاب أن يغرق أو يُحرق أو يتلف، أو يقع عليه سائل يزيله ويمسحه من الصحيفة أبداً، وربما هذا الراوي لم يتقن ما في هذا الكتاب، وربما ذهب ليحدث بما علق في ذهنه، فصار يركّب أسانيد لمتون، ويُلحق متوناً بأسانيد ليست لها، أو ربما يروي عن راو حديثاً معيناً، والحقيقة أن هذا الحديث عن راو آخر، فهو لم يكذب، ولكنه غلب على ظنه أنه قد أتقن حفظ هذا الحديث، فحدّث به على ما غلب على ظنه، وإذا بالحقيقة تخالف ذلك. وإن المحدثين والرواة عنه إذا أدركوا شيئاً من ذلك امتنع بعضهم أن يحدث عنه بعد ضياع الكتاب أو حرقه أو غرقه أو غير ذلك، فلو أنهم امتنعوا عن الرواية عنه فتكون أحاديثهم عن هذا الراوي صحيحة؛ لأنهم لم يرووا عنه إلا في حال إتقانه وضبطه للكتاب، فلما وقع به الاختلاط أمسكوا عن الرواية عنه، وأما من حدّث عنه بعد الاختلاط فروايته مردودة قولاً واحداً. وأما من حدث عنه قبل الاختلاط وبعد الاختلاط ولم يُعلم في هذه الرواية بعينها أكانت هذه الرواية قبل الاختلاط أم بعده؟ فالأمر في ذلك محل اجتهاد المحدثين، فإن كان لهم شواهد ومتابعات أخرى تدل على أن هذه الرواية قد وافق فيها هذا الراوي المختلط غيره من الثقات فيستأنس بهذه الراوية وإلا فلا. وكثير من الحُكام والولاة والسلاطين وأبناء الرواة، حينما وقع الاختلاط حبسوا هؤلاء الرواة ومنعوهم من الرواية، وليس إهانة لهم بل تكريماً وأي تكريم، إذ تبقى روايتهم بغير خدش، فهذا الراوي حينما اختلط منعناه من الرواية. لتكون أحاديثه كلها التي رواها وحدث بها أحاديث صحيحة، فهذا من باب التكريم له لا من باب الإهانة، وهذا تماماً كما يسميه العلماء (الحجر على السفيه)، حينما اختل عقله منعوه بعد ذلك من التصرفات ولم يلزموه بتصرف من تصرفاته. فهذا الراوي وهو أبو خيثمة زهير بن معاوية بن حديج الجعفي روى عن أبي إسحاق السبيعي بعد أن اختلط أبو إسحاق، ونحن اتفقنا أن الراوي إذا روى عن الراوي الآخر أو عن شيخه بعد الاختلاط فروايته مردودة، فما

стр. 1815

شرح حديث البراء: (كنا والله إذا احمر البأس نتقي به) قال: [حدثنا أحمد بن جناب المصيصي حدثنا عيسى بن يونس] وعيسى، هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي يحدث أحياناً عن جده وأحياناً بينه وبين جده واسطة كـ زكريا، وهو زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي أبو يحيى الكوفي، وهو ثقة إمام جليل، ولكنه كذلك سمع من أبي إسحاق بعد اختلاطه. [قال أبو إسحاق: (جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟! فقال: أشهد على نبي الله ﷺ ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحُسّر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل -أي: بسهام من نبل- كأنها رجل من جراد)] الرجل بمعنى: القطعة. هذا في لغة العرب، يقال: رجل من جراد أي: قطعة من جراد. قال: [(فانكشفوا -أي: فانهزم هؤلاء- فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزل نصرك). قال البراء: (كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ﵊] الضمير يعود على النبي ﵊، وقوله: (كنا والله إذا احمر البأس) أي: اشتد الكرب في القتال، وقوله: (نتقي برسول الله ﷺ أي: نحتمي به. قال: [(وإن الشجاع منا للذي يحاذي به)] أي: أن أشجع من كان منا كان يذهب فيتقي بالنبي ﵊.

стр. 1816

طرق وروايات لحديث البراء في قتال حنين [وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهما فرسا رهان- واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس] وشعبة بن الحجاج العتكي سمع من أبي إسحاق هنا قبل الاختلاط. قال: [سمعت البراء وسأله رجل من قيس: (أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا)] أي: بعد أن صففنا تحت قيادة النبي ﷺ وحملنا على هوازن؛ انكشفوا وولوا هم مدبرين، لكن هذا كان في آخر المعركة بعد أن أصابت هوازن من هؤلاء الشبان. قال: [(فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام)] وهذا هو نفس الموقف في غزوة أحد، حينما غلب على ظنهم أنهم قد غلبوا وأن هؤلاء قد فروا بغير رجعة انقضوا على الغنائم يأخذوها، فاستقبلهم أهل هوازن بالسهام. قال: [(ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وأبو بكر بن خلاد -وهو محمد بن خلاد الباهلي أبو بكر البصري، ثقة- قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري قال: حدثني أبو إسحاق عن البراء قال: قال له رجل: يا أبا عمارة! فذكر الحديث، وهو أقل من حديثهم، وهؤلاء أتم حديثاً].

стр. 1817

حديث سلمة بن الأكوع في غزوة حنين قال: [وحدثنا زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي -وهو سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ حنيناً، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية -أي: مكاناً عالياً مرتفعاً- فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني -اختبأ مني- فما دريت ما صنع -هل مات أم لا؟ - ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى -أي أنهم لفوا من مكان آخر، وصعدوا على ثنية أخرى- فالتقوا هم وصحابة النبي ﷺ ، فولى صحابة النبي ﷺ ، وأرجع منهزماً)] وكأنه عز عليه أن يرجع إلى النبي ﷺ وهو مهزوم ﵁. قال: [(وعليَّ بردتان متزراً بإحداهما مرتدياً بالأخرى، فاستطلق إزاري -أي: انطلق مني- فجمعتهما جميعاً)] أي: ولفهما على بدنه حفاظاً على عورته. قال: [(ومررت على رسول الله ﷺ منهزماً -أي: حال كوني منهزماً- وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : لقد رأى ابن الأكوع فزعاً)] أي: إني لأرى في ابن الأكوع الفزع مما قد نزل به. قال: [(فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض)] في الرواية الأولى: (من حصيات)، وفي هذه الرواية: (من تراب). قال: [(ثم استقبل به وجوههم -أي: وجوه الكفار- فقال: شاهت الوجوه -أي: قُبّحت قبحها الله فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين)] قبضة واحدة تملأ عيون جميع الجيش، وهذه معجزة. قال: [(فولوا مدبرين فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين)]. هذه غزوة من أعظم وأعجب غزوات النبي ﷺ التي شارك فيها وقادها حتى تم للمسلمين النصر وتقسيم الغنائم. وكما قلنا: كان المسلمون بقيادة النبي ﵊، وكان الكفار بقيادة مالك بن عوف سيد هوازن، وكانت هذه الغزوة في سنة (٨هـ) في شهر شوال، وكان المسلمون مع النبي ﵊ اثني عشر ألفاً، عشرة آلاف منهم قدموا من المدينة، وهم الذين فتح الله تعالى بهم مكة، وألفان من مسلمة الفتح. أي: من حديثي العهد بالإسلام.

стр. 1818

أقوال أهل العلم في حكم الاستعانة بذوات المشركين أو سلاحهم في هذه الغزوة استعار النبي ﷺ من صفوان بن أمية السلاح، إذا لم يكن مع المسلمين سلاح كافٍ، فاستعار النبي ﵊ من صفوان بن أمية السلاح وكان لا يزال على الشرك. وفي هذا وقفة لأهل العلم: صفوان بن أمية قال للنبي ﷺ حينما استقرضه السلاح قال: (يا محمد أنهبة؟! -أي: أنك تأخذ السلاح وتنكر؟ - فقال النبي ﵊: بل عارية مؤداة). فهذا هو أدب النبوة، استعارة ترجع إلى صاحبها مرة أخرى، لكن الموقف الذي وقفه أهل العلم هنا هو: مدى الاستعانة بالمشركين بسلاحهم أو بذواتهم، وهل هناك فرق بين هذا وذاك؟ الجواب نعم. هناك فرق، فالاستعانة بسلاح المشرك محل اتفاق بين أهل العلم إذا دعت الضرورة إلى ذلك، والحاجة ماسة أن أستعين بسلاح المشرك دون المشرك فهو أمر جائز، وعلى ذلك درجت الأمم كلها المؤمنة والكافرة، وإن لم يخطر ببالهم حكم هذه المسألة في الشرع، إلا أننا لا زلنا نشتري السلاح من هنا وهناك من بلاد الكفر، وشراء السلاح من بلاد الإسلام أولى من بلاد الكفر، لكن الشاهد هنا: لو احتجنا إلى سلاح من بلاد الكفر، هل يحل لنا أن نشتري منهم، أو أن نستعيره؟ الجواب نعم. باتفاق، فلا يأت آت ويقول: لا يجوز لمسلم أن يشتري سلاحاً أو أن يستعيره من كافر، فإن قال ذلك فقد خالف الإجماع. أما الاستعانة بذوات المشركين ومعهم السلاح، فمحل نظر بين أهل العلم على مذاهب شتى: المذهب الأول: الجواز، ودليلهم في ذلك: أن النبي ﵊ حينما أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة استعان بمشرك ليدله على الطريق. المذهب الثاني: عدم الجواز وهم جماهير العلماء. ودليلهم في ذلك: أن رجلاً عرض نفسه للقتال مع النبي ﵊ من المشركين ضد المشركين مع المؤمنين، فقال النبي ﷺ : (هل أسلمت؟ قال: لا. قال: ارجع فإنا لا نستعين بمشرك) وهذا الذي يترجّح لدي في هذه القضية. المذهب الثالث: جواز الاستعانة بالمشرك بشروط، وهو المذهب الراجح، فانظر إلى هذه الشروط، وأنزل هذه الشروط على واقع المسلمين اليوم. الشرط الأول: أن يكون المشرك ذليلاً عند المسلمين. أي: لا يكون صاحب شوكة ولا نجدة ولا نصرة كما اتخذ النبي ﵊ هذا المشرك ليدله على الطريق فقط، لكن لا علاقة له بأصل الهجرة، فما هو إلا دليل يدل في مقابل مال لا يُخشى منه إلحاق أي أذى بالنبي ﷺ وصاحبه، فهذا الرجل كان في موطن الذل وموطن الضعف، فلا يخشى منه أن يفتك بالنبي ﷺ وصاحبه. الشرط الثاني: أن يكون المسلم قوياً منصوراً صاحب الغلبة. الشرط الثالث: أن يكون في قدرة المسلم الاستغناء عن الكافر متى تسنى له ذلك، على ألا يرد عليه المشرك قوله. أي أن أمريكا تخرج من البلد، لا بد أن يخرجوا، أما أن يأتوا ويبنوا المستوطنات ويحفروا آبار البترول، فحينئذ لا يجوز مطلقاً ما فعله المسلمون اليوم، هؤلاء المترفون المنعّمون، الذين لا قِبل لهم بحرب الكافرين مع ضعف الكافرين وهوانهم على الله ، إلا أنه حينما شابههم المسلمون في الترف والتنعّم رفع الله تعالى عليهم هؤلاء المشركين. وغير ذلك من الشروط التي تبحث في محلها، ليس هذا أوانها.

стр. 1819

حكم اتخاذ الجواسيس في الحرب وبيان شجاعة النبي ﷺ أرسل النبي ﷺ في غزوة حنين عبد الله بن أبي حدرد عيناً وجاسوساً على هوازن وحنين، ليرى عدتهم وعتادهم وقوتهم وغير ذلك من حالهم، فيخبر النبي ﷺ بذلك؛ فيستعد النبي ﷺ بقوة أعظم من قوتهم، وفي هذا جواز اتخاذ العيون والجواسيس في الحرب، والحرب خدعة وإن كان ثمن ذلك أن يقول الجاسوس في النبي ﷺ أو في الأمير من بعده قولاً عظيماً للنجاة بنفسه، والحفاظ على المهمة التي أرسل من خلالها. أما الجرأة في الحرب والشجاعة، فلقد ضرب النبي ﵊ المثل الأعلى في الشجاعة حتى كان يحتمي به كبار أصحابه إذا حمي الوطيس واشتد الحرب، وكلمة: (حمي الوطيس) كناية عن شدة الحرب.

стр. 1820

حكم خروج النساء في القتال خرجت أم سليم وهي أم أنس بن مالك وزوج أبي طلحة الأنصاري مع النبي ﵊ في غزوة حنين، وكانت تملك خنجراً، فرآها النبي ﵊ ومعها الخنجر قال: (ما هذا يا أم سليم؟! قالت: خنجر يا رسول الله! قال: وماذا تصنعين به؟ قالت: إذا اقترب مني مشرك بقرت بطنه، فابتسم النبي ﵊ وابتسامته إقرار لها. لكن المبحث في هذه القضية هل يجوز خروج النساء للقتال؟ الأصل أن النساء لا جهاد عليهن، وجهادهن الحج والعمرة. قالت عائشة: (أفلا نجاهد؟ قال: عليكن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) أما إذا خرجت المرأة لمداواة الجرحى وصنع الطعام وغير ذلك من الأعمال التي تتناسب مع طبيعة النساء فلا بأس بذلك، ولأجل ذلك خرجت أم سليم ولم تخرج مقاتلة، وإنما خرجت في سرية الخدمة: خدمة طبية، خدمة طعام وشراب وثياب وغير ذلك، فقد خرجت لأجل هذه المهمة، وهذا جائز باتفاق، ولم يخالف في ذلك أحد، بشرط أن يؤمن عليهن الفتنة، ويغلب على الظن عدم تناول الكفار لهن، وإلا فلا يجوز خروج النساء مطلقاً ولا حتى لتلك المهمة. ولكن تبقى حالة واحدة وهو وجوب أن تخرج المرأة للقتال في حالة جهاد الدفع، فيجوز لكل من لا يجوز له القتال أو يجب عليه أن يخرج للقتال، وجهاد الدفع أن يأتي العدو إلى بيتك أو بلدك أو قريتك فيداهمك فيها، فيجب على كل من قدر على القتال أن يخرج حتى الأطفال والصبيان والنساء؛ لأن الجهاد حينئذ فرض عين على كل مكلف قادر، والمرأة في جهاد الطلب تخرج بمحرمها، أما في جهاد الدفع فلا يلزم أن تخرج بمحرم ولا يلزمها إذن الوالدين.

стр. 1821

كلام النووي في أحاديث غزوة حنين إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. مع الباب الثامن والعشرين من كتاب الجهاد والسير: (غزوة حنين). قال النووي: (باب في غزوة حنين، أو هوازن أو أوطاس)، فكل هذه المصطلحات تُطلق على هذه الغزوة. فالسبب في تسمية هذه الغزوة بغزوة (هوازن): أن هوازن من سكان الطائف، عز عليهم ما قد فتح الله على نبينا ﵊ من فتح وانتصارات، فقامت بقيادة مالك بن عوف، وجمعوا جموعهم لمقاتلة النبي ﷺ ، ورده إلى الخسارة بعد هذه الانتصارات التي حققها، فنزلوا في واد يسمى بوادي (أوطاس) بين مكة والطائف، في مكان يسمى حنين، وتفرقوا في الشعاب واختبئوا، ونزل النبي ﵊ باثني عشر ألفاً من أصحابه عشرة آلاف من المدينة وألفين من مسلمة الفتح، نزلوا في هذا الوادي ولم يكن لهم علم بسبق هوازن إلى هذا الوادي، وكانوا قد دخلوا قرابة الصبح، ولا يزال يخلط الظلام بضياء النهار، فقامت عليهم هوازن في تلك البقعة من الأرض، وخرجوا عليهم من الشعاب على حين غرّة، فانقضوا عليهم انقضاضة واحدة، فتفرّق أصحاب النبي ﷺ هنا وهناك كأنهم اعتقدوا أنهم قد غُلبوا، ولكن النبي ﵊ ثبت في هذا الموطن ثباتاً عظيماً مما كان سبباً في رباطة جأش أصحابه حينما نادى عليهم: يا أهل الأنصار! يا أهل الأنصار! يا أهل الخزرج! وغير ذلك من النداءات التي ناداها النبي ﵊، فاجتمعوا حوله، ولم يجتمع حول النبي ﵊ حينئذ إلا مائتان من أصحابه ﵊ من المهاجرين والأنصار، وعلى أيدي هؤلاء تم انتصاره ﵊ في تلك الغزوة.

стр. 1822

حكم قبول هدية المشرك قال الإمام النووي: (اختلف العلماء في إسلام فروة بن نعامة أو ابن نفاثة على الصحيح. قال القاضي: قال الطبري: أسلم وعمّر عمراً طويلاً. وقال غيره: لم يسلم، وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك أيلة، واسمه يحنة بن روبة. فإن قيل: ففي هذا الحديث قبوله ﷺ هدية الكافر). لو قلنا بأنه لم يسلم لزمنا القول بأنه ﵊ قبِل الهدية من الكافر، وهذا ليس جائزاً. قال: (وفي الحديث الآخر: قال ﵊: (هدايا العمال غلول) مع حديث ابن اللتبية) ﵁ حينما أرسله النبي ﵊ ليأتي بالصدقات؟ فكان يهدى إليه خلافاً لأموال الصدقات، فلما أتى إلى النبي ﵊ قال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي، فغضب النبي ﵊ وصعد المنبر ثم قال: (إن أحدكم إذا أرسلته أتاني فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي، هلا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر ماذا يُهدى إليه؟). وفي رواية: (فينظر هل يهدى إليه أم لا؟). وبلا شك أنه لو جلس في بيت أبيه أو أمه ما أُهدي إليه. إذاً: هذه الهدايا التي دخلت عنده أو أتته ما أتت إلا بسبب العمل، وهو يسميها هدية، وهي في الحقيقة غلول، وإن كان أصل الغلول الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها على الغانمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]. وحينما شهد أصحاب النبي ﵊ لمولى من مواليه حينما قُتل في القتال: أنه من أهل الجنة، قال: (والله إني لأرى النار تشتعل عليه بسبب الشملة التي غلها). فهذا أمر عظيم جداً؛ ولذلك قال النبي ﵊: (هدايا العمال غلول) أي: كالأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، فحينما أخذ النبي ﵊ الهدية من فروة بن نفاثة قامت الشبهة لدى البعض، كيف يقبلها النبي ﵊ مع أنه قال: (هدايا العمال غلول)؟ وفي الحديث الآخر: أنه ﵊ رد بعض هدايا المشركين وقال: (إنا لا نقبل زبد المشركين)، فكيف نجمع بين هذه الأحاديث؟ قال بعض العلماء: إن هذه الأحاديث التي تمنع قبول هدية المشرك ناسخة للأحاديث المجيزة لقبول هدية المشرك. وقال الجمهور: لا نسخ في هذه الأحاديث؛ لأنكم تعلمون أن السبب الرئيسي في ادعاء النسخ هو معرفة التاريخ. فقالوا: بل سبب القبول: أن النبي ﵊ مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال، فالغنائم تطلق على المكاسب العسكرية أو المكاسب المادية جراء القتال، أما ما أخذه المسلمون بغير قتال فهو فيء وليس غنيمة، والفيء صاحبه النبي ﵊. قالوا: فهذا المشرك حينما أهدى النبي ﷺ بغلة أهداها بغير قتال، فهي فيء مخصوص للنبي ﵊ بخلاف غيره، فقبل النبي ﵊ هذه البغلة منه لعلة أخرى وليس لعلة الفيء، هذه العلة هي طمعه ﵊ في إسلامه وتأليفه لمصلحة يرجوها للمسلمين، مع أن النبي ﷺ كافأه بذلك، وأعطاه هدية مكافئة لذلك تأليفاً لقلبه، وطمعاً في إسلامه، وهذا لا شك غرض شرعي، حتى بين المسلمين فالرسول ﷺ يقول: (تهادوا تحابوا). وفي مفهوم المخالفة: أن رد الهدية له أثر سلبي في القلب؛ ولأجل ذلك قبل النبي ﷺ من هذا المشرك الهدية، وكافأه ولم يكن في قبولها مصلحة؛ لأن الهدية توجب المحبة والمودة. أي: إذا كنتم تخافون أن الهدية هذه التي أخذها من المشرك تعمل عملها في قلب النبي ﷺ فيميل إلى هذا المهدي المشرك بالمودة والحب؛ فهذا ممنوع عن النبي ﵊، بل مستحيل أن يقع في قلب النبي ﵊. قال: (وأما غير النبي ﵊ من العمال والولاة، فلا يحل له قبولها لنفسه) البتة، فإن أخذها كانت من حق بيت المال أي: من حق المسلمين عامة. هذا إن أخذها والأصل ألا يأخذها، لكنه إن أخذها ودفعها إلى بيت مال المسلمين فلا حرج عليه، فإن أخذها لنفسه فلا تحل له، فهذا القول هو قول جماهير العلماء، وهو القول الراجح. قال: (فإن قبلها كانت فيئاً للمسلمين فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة. قال القاضي: وهذا القول قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن حبيب وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم. وقال آخرون -وهو المذهب الثالث- هي للإمام خاصة دون غيره). وقد سبق التفصيل: وأن للإمام أن يقبلها نيابة عن المسلمين على أن يضعها

стр. 1823

شجاعة النبي ﷺ وإقدامه قال: (قوله: (ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء) قال العلماء: ركوبه ﵊ البغلة في مواطن الحرب، وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضاً يكون معتمداً) أي: يكون بارزاً للناس؛ لأن الذي يركب يكون في أعلى الناس، فركوب الدابة شجاعة. قد يقول قائل: من التواضع أن ينزل عن الدابة، حتى يكون في غبراء الناس. أقول: لكن الشجاعة في موطن الشدة أولى من التواضع، والكبر في هذا الموطن أولى من التواضع، كان أبو دجانة يمشي في القتال بين الصفين مختالاً، فقال النبي ﵊: (إن هذه المشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع) يستعلي بإيمانه على هذا الواقع الباطل الذي يعيشه، يستعلي بإيمانه على أهل الكفر والشرك، فلا يمشي ذليلاً خاضعاً، بل يستعلي بإيمانه في موقف يستدعي الاستعلاء، فالنبي ﵊ ترك موطن التواضع هنا ولم ينزل عن الدابة، بل كان راكباً دابته ليظهر للناس، وكأنه يقول للمشركين: أنا لا أخاف منكم، فأنا باد لكم وظاهر أمامكم، ولم يكن أحد من أصحابه قد بدا بدوه وظهر ظهوره للمشركين أكثر من بدوه ﵊، فهذا منتهى الجرأة والشجاعة في القتال والإقدام وترك الإدبار منه ﷺ . (والفائدة الثانية: حتى يرجع المسلمون إليه في مسائلهم، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه)، وأنه لا يزال موجوداً وحياً ﵊. (وإنما فعل هذا عمداً وإلا فقد كانت له ﵊ أفراس معروفة. ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته ﵊: تقدمه يركض -أي: يسرع العدو- خلف المشركين، وقد فر الناس عنه. وفي الرواية الأخرى: أنه نزل إلى الأرض حين غشوه. وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر). ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠] فالصبر والتقوى من أعظم عدة النصر في ساحة القتال. (وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلاً على الأرض من المسلمين، وقد أخبرت الصحابة ﵃ بشجاعته في جميع المواطن). فضد الشجاعة هو الجبن، والنبي ﵊ موصوف بكل كمال بشري في جميع الصفات، وهذا من عقائد المسلمين، لم يكن هناك موطن خسة للنبي فيه أدنى نصيب، بل ضرب المثل الأعلى في جميع صفات الكمال البشري، من شجاعة وأدب ورفعة وكرم ضيافة وحسن خلق وحسن عشرة وغيرها، فربما يكون في الأمة من اتصف بالشجاعة وعنده خلل في بقية الصفات، وربما اتصف أحد بالحلم والصبر، ولكن عنده خلل في الصفات الأخرى، وربما اتصف أحد بالعلم، ولكنه أرعن وأهوج وغير ذلك من صفات السلب والنقص. أي: أنك لا تجد إنساناً إلا وقد برز في خصلة أو خصلتين أو ثلاث خصال، ولكن عنده عجز في بقية الصفات، أما الذي حاز الكمال البشري في ذروته وكماله وتمامه في جميع الصفات هو نبينا ﵊، فما كانت هناك خصلة من خصال الخير إلا قد برز فيها بروزاً لم يلحقه أحد ممن سبقه ولا ممن لحقه إلى قيام الساعة، وهذا هو نبينا ﵊. قال: (وفي صحيح مسلم: إن الشجاع منا الذي يحاذي به، وإنهم كانوا يتقون به). أي أن أشجع واحد في أصحابه في هذا الموطن كان يقتدي بالنبي ﵊، وحينما سمع أهل المدينة جلبة صوت عظيم جداً قاموا ينظرون إلى مصدر الصوت ما هو؟ فإذا بهم يخرجون خارج المدينة إلى ناحية الصوت، وفي حال خروجهم من المدينة إذا بالنبي ﵊ راجع من مصدر الصوت وهو يقول لهم: (لم تراعوا لم تراعوا) ذهب ﷺ بمفرده ولم ينتظر أبا بكر ولا عمر ولم ينتظر أحداً، بل ذهب ورجع بنفسه ﵊، فهذا يدل على شجاعته ﵊.

стр. 1824

استجابة أهل بيعة الرضوان لنداء رسول الله يوم حنين قال: (قوله: (يا عباس! ناد أصحاب السمرة) أصحاب بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. قوله: (فقال عباس وكان رجلاً صيتاً، فوالله لكأن عطفتهم) والعطفة: الجلبة، أي: كما لو كان جيش على قمة جبل ونزل في الوادي، بلا شك أنه سيكون لهم جلبة وصوت وهمهمة وغير ذلك، فهؤلاء حينما سمعوا صوت العباس: هلموا إلى رسول الله أتوا جرياً وهم يقولون: (يا لبيك! يا لبيك!). قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن). قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥] فرحوا وقالوا: لن نُغلب اليوم من قلة، بخلاف يوم بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: متذللين خاضعين عاجزين. وفي تفسير آخر: ((أَذِلَّةٌ)) يعني: قلة في مقابلة يوم حنين كانوا كثرة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، هم اثنا عشر ألف مقاتل فقالوا: من الذي يستطيع أن يغلبنا؟ مع أن النبي ﵊ يقول: (ولن يُهزم اثنا عشر ألفاً من قلة) إذاً: فبماذا يهزمون؟ بسبب آخر غير الكثرة هذه، وهو الذي سمعتموه الآن: منافقين، ومشركين، وفي قلوبهم مرض، وغير مخلصين، وناس خرجت من أجل الغنيمة فقط، لكن اثنا عشر ألف مقاتل مخلص ما خرجوا إلا لله تعالى فقط، فمن الذي يستطيع غلبتهم؟ لا أحد يستطيع أبداً. ومن الذي استطاع غلبة إخواننا في طالبان؟ فهم لم يُغلبوا، ولكن ما أصابهم الذي أصابهم إلا بسبب المنافقين. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] ونحن عرفنا من الذي ولى مدبراً يوم حنين، ولم يثبت إلا بضع مئات من أصحابه ﵊. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] حينما ولوا مدبرين بعد ذلك أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦] وهؤلاء هم جنود السماء ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٦ - ٢٧].

стр. 1825

معنى قوله: (هذا حين حمي الوطيس) أما قوله: (هذا حين حمي الوطيس) أول قائل له هو نبينا ﵊، وصار مثلاً بعد ذلك لاشتداد الأمر، وليس لازماً أن يكون للحرب فقط. قيل: الوطيس: هو شيء شبه التنور الفرن. وقيل: هو التنور نفسه. وقيل: هي حجارة مدورة يحمى عليها حتى تصير كالجمر فلا يطيقها أحد، ولا يستطيع أحد أن يطأها. وقيل: الوطيس: هو الضرب في الحرب. وقيل: هو الحرب الذي يطيس الناس. أي: يدق الناس دقاً. وهذا من فصيح كلامه ﵊ وبديعه.
следующие страницы →