Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
كلام النووي في أحاديث غزوة حنين
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
مع الباب الثامن والعشرين من كتاب الجهاد والسير: (غزوة حنين).
قال النووي: (باب في غزوة حنين، أو هوازن أو أوطاس)، فكل هذه المصطلحات تُطلق على هذه الغزوة.
فالسبب في تسمية هذه الغزوة بغزوة (هوازن): أن هوازن من سكان الطائف، عز عليهم ما قد فتح الله على نبينا ﵊ من فتح وانتصارات، فقامت بقيادة مالك بن عوف، وجمعوا جموعهم لمقاتلة النبي ﷺ ، ورده إلى الخسارة بعد هذه الانتصارات التي حققها، فنزلوا في واد يسمى بوادي (أوطاس) بين مكة والطائف، في مكان يسمى حنين، وتفرقوا في الشعاب واختبئوا، ونزل النبي ﵊ باثني عشر ألفاً من أصحابه عشرة آلاف من المدينة وألفين من مسلمة الفتح، نزلوا في هذا الوادي ولم يكن لهم علم بسبق هوازن إلى هذا الوادي، وكانوا قد دخلوا قرابة الصبح، ولا يزال يخلط الظلام بضياء النهار، فقامت عليهم هوازن في تلك البقعة من الأرض، وخرجوا عليهم من الشعاب على حين غرّة، فانقضوا عليهم انقضاضة واحدة، فتفرّق أصحاب النبي ﷺ هنا وهناك كأنهم اعتقدوا أنهم قد غُلبوا، ولكن النبي ﵊ ثبت في هذا الموطن ثباتاً عظيماً مما كان سبباً في رباطة جأش أصحابه حينما نادى عليهم: يا أهل الأنصار! يا أهل الأنصار! يا أهل الخزرج! وغير ذلك من النداءات التي ناداها النبي ﵊، فاجتمعوا حوله، ولم يجتمع حول النبي ﵊ حينئذ إلا مائتان من أصحابه ﵊ من المهاجرين والأنصار، وعلى أيدي هؤلاء تم انتصاره ﵊ في تلك الغزوة.
стр. 1822
حكم قبول هدية المشرك
قال الإمام النووي: (اختلف العلماء في إسلام فروة بن نعامة أو ابن نفاثة على الصحيح.
قال القاضي: قال الطبري: أسلم وعمّر عمراً طويلاً.
وقال غيره: لم يسلم، وفي صحيح البخاري أن الذي أهداها له ملك أيلة، واسمه يحنة بن روبة.
فإن قيل: ففي هذا الحديث قبوله ﷺ هدية الكافر).
لو قلنا بأنه لم يسلم لزمنا القول بأنه ﵊ قبِل الهدية من الكافر، وهذا ليس جائزاً.
قال: (وفي الحديث الآخر: قال ﵊: (هدايا العمال غلول) مع حديث ابن اللتبية) ﵁ حينما أرسله النبي ﵊ ليأتي بالصدقات؟ فكان يهدى إليه خلافاً لأموال الصدقات، فلما أتى إلى النبي ﵊ قال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي، فغضب النبي ﵊ وصعد المنبر ثم قال: (إن أحدكم إذا أرسلته أتاني فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي، هلا جلس في بيت أبيه أو أمه فينظر ماذا يُهدى إليه؟).
وفي رواية: (فينظر هل يهدى إليه أم لا؟).
وبلا شك أنه لو جلس في بيت أبيه أو أمه ما أُهدي إليه.
إذاً: هذه الهدايا التي دخلت عنده أو أتته ما أتت إلا بسبب العمل، وهو يسميها هدية، وهي في الحقيقة غلول، وإن كان أصل الغلول الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها على الغانمين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].
وحينما شهد أصحاب النبي ﵊ لمولى من مواليه حينما قُتل في القتال: أنه من أهل الجنة، قال: (والله إني لأرى النار تشتعل عليه بسبب الشملة التي غلها).
فهذا أمر عظيم جداً؛ ولذلك قال النبي ﵊: (هدايا العمال غلول) أي: كالأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، فحينما أخذ النبي ﵊ الهدية من فروة بن نفاثة قامت الشبهة لدى البعض، كيف يقبلها النبي ﵊ مع أنه قال: (هدايا العمال غلول)؟ وفي الحديث الآخر: أنه ﵊ رد بعض هدايا المشركين وقال: (إنا لا نقبل زبد المشركين)، فكيف نجمع بين هذه الأحاديث؟ قال بعض العلماء: إن هذه الأحاديث التي تمنع قبول هدية المشرك ناسخة للأحاديث المجيزة لقبول هدية المشرك.
وقال الجمهور: لا نسخ في هذه الأحاديث؛ لأنكم تعلمون أن السبب الرئيسي في ادعاء النسخ هو معرفة التاريخ.
فقالوا: بل سبب القبول: أن النبي ﵊ مخصوص بالفيء الحاصل بلا قتال، فالغنائم تطلق على المكاسب العسكرية أو المكاسب المادية جراء القتال، أما ما أخذه المسلمون بغير قتال فهو فيء وليس غنيمة، والفيء صاحبه النبي ﵊.
قالوا: فهذا المشرك حينما أهدى النبي ﷺ بغلة أهداها بغير قتال، فهي فيء مخصوص للنبي ﵊ بخلاف غيره، فقبل النبي ﵊ هذه البغلة منه لعلة أخرى وليس لعلة الفيء، هذه العلة هي طمعه ﵊ في إسلامه وتأليفه لمصلحة يرجوها للمسلمين، مع أن النبي ﷺ كافأه بذلك، وأعطاه هدية مكافئة لذلك تأليفاً لقلبه، وطمعاً في إسلامه، وهذا لا شك غرض شرعي، حتى بين المسلمين فالرسول ﷺ يقول: (تهادوا تحابوا).
وفي مفهوم المخالفة: أن رد الهدية له أثر سلبي في القلب؛ ولأجل ذلك قبل النبي ﷺ من هذا المشرك الهدية، وكافأه ولم يكن في قبولها مصلحة؛ لأن الهدية توجب المحبة والمودة.
أي: إذا كنتم تخافون أن الهدية هذه التي أخذها من المشرك تعمل عملها في قلب النبي ﷺ فيميل إلى هذا المهدي المشرك بالمودة والحب؛ فهذا ممنوع عن النبي ﵊، بل مستحيل أن يقع في قلب النبي ﵊.
قال: (وأما غير النبي ﵊ من العمال والولاة، فلا يحل له قبولها لنفسه) البتة، فإن أخذها كانت من حق بيت المال أي: من حق المسلمين عامة.
هذا إن أخذها والأصل ألا يأخذها، لكنه إن أخذها ودفعها إلى بيت مال المسلمين فلا حرج عليه، فإن أخذها لنفسه فلا تحل له، فهذا القول هو قول جماهير العلماء، وهو القول الراجح.
قال: (فإن قبلها كانت فيئاً للمسلمين فإنه لم يهدها إليه إلا لكونه إمامهم، وإن كانت من قوم هو محاصرهم فهي غنيمة.
قال القاضي: وهذا القول قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن القاسم وابن حبيب وحكاه ابن حبيب عمن لقيه من أهل العلم.
وقال آخرون -وهو المذهب الثالث- هي للإمام خاصة دون غيره).
وقد سبق التفصيل: وأن للإمام أن يقبلها نيابة عن المسلمين على أن يضعها
стр. 1823
شجاعة النبي ﷺ وإقدامه
قال: (قوله: (ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء) قال العلماء: ركوبه ﵊ البغلة في مواطن الحرب، وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضاً يكون معتمداً) أي: يكون بارزاً للناس؛ لأن الذي يركب يكون في أعلى الناس، فركوب الدابة شجاعة.
قد يقول قائل: من التواضع أن ينزل عن الدابة، حتى يكون في غبراء الناس.
أقول: لكن الشجاعة في موطن الشدة أولى من التواضع، والكبر في هذا الموطن أولى من التواضع، كان أبو دجانة يمشي في القتال بين الصفين مختالاً، فقال النبي ﵊: (إن هذه المشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع) يستعلي بإيمانه على هذا الواقع الباطل الذي يعيشه، يستعلي بإيمانه على أهل الكفر والشرك، فلا يمشي ذليلاً خاضعاً، بل يستعلي بإيمانه في موقف يستدعي الاستعلاء، فالنبي ﵊ ترك موطن التواضع هنا ولم ينزل عن الدابة، بل كان راكباً دابته ليظهر للناس، وكأنه يقول للمشركين: أنا لا أخاف منكم، فأنا باد لكم وظاهر أمامكم، ولم يكن أحد من أصحابه قد بدا بدوه وظهر ظهوره للمشركين أكثر من بدوه ﵊، فهذا منتهى الجرأة والشجاعة في القتال والإقدام وترك الإدبار منه ﷺ .
(والفائدة الثانية: حتى يرجع المسلمون إليه في مسائلهم، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه)، وأنه لا يزال موجوداً وحياً ﵊.
(وإنما فعل هذا عمداً وإلا فقد كانت له ﵊ أفراس معروفة.
ومما ذكره في هذا الحديث من شجاعته ﵊: تقدمه يركض -أي: يسرع العدو- خلف المشركين، وقد فر الناس عنه.
وفي الرواية الأخرى: أنه نزل إلى الأرض حين غشوه.
وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر).
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠] فالصبر والتقوى من أعظم عدة النصر في ساحة القتال.
(وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلاً على الأرض من المسلمين، وقد أخبرت الصحابة ﵃ بشجاعته في جميع المواطن).
فضد الشجاعة هو الجبن، والنبي ﵊ موصوف بكل كمال بشري في جميع الصفات، وهذا من عقائد المسلمين، لم يكن هناك موطن خسة للنبي فيه أدنى نصيب، بل ضرب المثل الأعلى في جميع صفات الكمال البشري، من شجاعة وأدب ورفعة وكرم ضيافة وحسن خلق وحسن عشرة وغيرها، فربما يكون في الأمة من اتصف بالشجاعة وعنده خلل في بقية الصفات، وربما اتصف أحد بالحلم والصبر، ولكن عنده خلل في الصفات الأخرى، وربما اتصف أحد بالعلم، ولكنه أرعن وأهوج وغير ذلك من صفات السلب والنقص.
أي: أنك لا تجد إنساناً إلا وقد برز في خصلة أو خصلتين أو ثلاث خصال، ولكن عنده عجز في بقية الصفات، أما الذي حاز الكمال البشري في ذروته وكماله وتمامه في جميع الصفات هو نبينا ﵊، فما كانت هناك خصلة من خصال الخير إلا قد برز فيها بروزاً لم يلحقه أحد ممن سبقه ولا ممن لحقه إلى قيام الساعة، وهذا هو نبينا ﵊.
قال: (وفي صحيح مسلم: إن الشجاع منا الذي يحاذي به، وإنهم كانوا يتقون به).
أي أن أشجع واحد في أصحابه في هذا الموطن كان يقتدي بالنبي ﵊، وحينما سمع أهل المدينة جلبة صوت عظيم جداً قاموا ينظرون إلى مصدر الصوت ما هو؟ فإذا بهم يخرجون خارج المدينة إلى ناحية الصوت، وفي حال خروجهم من المدينة إذا بالنبي ﵊ راجع من مصدر الصوت وهو يقول لهم: (لم تراعوا لم تراعوا) ذهب ﷺ بمفرده ولم ينتظر أبا بكر ولا عمر ولم ينتظر أحداً، بل ذهب ورجع بنفسه ﵊، فهذا يدل على شجاعته ﵊.
стр. 1824
استجابة أهل بيعة الرضوان لنداء رسول الله يوم حنين
قال: (قوله: (يا عباس! ناد أصحاب السمرة) أصحاب بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
قوله: (فقال عباس وكان رجلاً صيتاً، فوالله لكأن عطفتهم) والعطفة: الجلبة، أي: كما لو كان جيش على قمة جبل ونزل في الوادي، بلا شك أنه سيكون لهم جلبة وصوت وهمهمة وغير ذلك، فهؤلاء حينما سمعوا صوت العباس: هلموا إلى رسول الله أتوا جرياً وهم يقولون: (يا لبيك! يا لبيك!).
قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله تعالى سكينته على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن).
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥] فرحوا وقالوا: لن نُغلب اليوم من قلة، بخلاف يوم بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] أي: متذللين خاضعين عاجزين.
وفي تفسير آخر: ((أَذِلَّةٌ)) يعني: قلة في مقابلة يوم حنين كانوا كثرة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، هم اثنا عشر ألف مقاتل فقالوا: من الذي يستطيع أن يغلبنا؟ مع أن النبي ﵊ يقول: (ولن يُهزم اثنا عشر ألفاً من قلة) إذاً: فبماذا يهزمون؟ بسبب آخر غير الكثرة هذه، وهو الذي سمعتموه الآن: منافقين، ومشركين، وفي قلوبهم مرض، وغير مخلصين، وناس خرجت من أجل الغنيمة فقط، لكن اثنا عشر ألف مقاتل مخلص ما خرجوا إلا لله تعالى فقط، فمن الذي يستطيع غلبتهم؟ لا أحد يستطيع أبداً.
ومن الذي استطاع غلبة إخواننا في طالبان؟ فهم لم يُغلبوا، ولكن ما أصابهم الذي أصابهم إلا بسبب المنافقين.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] ونحن عرفنا من الذي ولى مدبراً يوم حنين، ولم يثبت إلا بضع مئات من أصحابه ﵊.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] حينما ولوا مدبرين بعد ذلك أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦] وهؤلاء هم جنود السماء ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٦ - ٢٧].
стр. 1825
معنى قوله: (هذا حين حمي الوطيس)
أما قوله: (هذا حين حمي الوطيس) أول قائل له هو نبينا ﵊، وصار مثلاً بعد ذلك لاشتداد الأمر، وليس لازماً أن يكون للحرب فقط.
قيل: الوطيس: هو شيء شبه التنور الفرن.
وقيل: هو التنور نفسه.
وقيل: هي حجارة مدورة يحمى عليها حتى تصير كالجمر فلا يطيقها أحد، ولا يستطيع أحد أن يطأها.
وقيل: الوطيس: هو الضرب في الحرب.
وقيل: هو الحرب الذي يطيس الناس.
أي: يدق الناس دقاً.
وهذا من فصيح كلامه ﵊ وبديعه.
стр. 1826
معجزات النبي ﷺ يوم حنين
قوله: (فرماهم بحصيات).
وفي رواية: (بتراب).
فقيل: بتعدد الرمي، فمرة رماهم بحصى، ومرة رماهم بتراب.
وقيل: بل أخذ كفاً من الأرض قد اختلط الحصى فيه بالتراب.
قال: (فما زلت أرى حدهم كليلاً).
أي: ضعيفاً.
أما رميه لهم ورشقه لعيونهم وأبصارهم بالتراب والحصى حتى ولوا جميعاً مدبرين ففيه معجزات لنبينا ﵊.
المعجزة الأولى فعلية، والأخرى خبرية، فإنه ﷺ أخبرنا بهزيمتهم، وقال: (انهزموا ورب الكعبة) أو: (انهزموا ورب محمد) فهذا خبر منه ﵊ أنهم قد انهزموا.
ورماهم بالحصيات فولوا مدبرين، وفي آخر الباب أنه قال: شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة، وهذا أيضاً فيه معجزتان: خبرية، وفعلية، ويحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب، فرمى بذا مرة وبذا مرة.
ويحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وتراب فرمى بها جميعاً.
стр. 1827
تأدب البراء مع رسول الله ﷺ يوم سئل عن فرارهم يوم حنين
قال: (قوله: (يا أبا عمارة! فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ، لكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حُسّراً ليس عليهم سلاح).
هذا الجواب الذي أجاب به البراء ﵁ من بديع الأدب ونوادره؛ لأن تقدير الكلام: (فررتم كلكم) فيقتضي أن النبي ﷺ وافقهم في ذلك، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله ﷺ ، ولكن جماعة من الصحابة جرى لهم كذا وكذا).
وقوله: (أخفاؤهم) الأخفاء: جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون.
ومعناه: ما سبق من خروج من خرج معهم من أهل مكة، ومن انضاف إليهم ممن لم يستعد للقتال، وإنما خرج إلى الغنيمة من النساء والصبيان ومن في قلبه مرض، فشبهه بغثاء السيل، ليس معهم سلاح ولا هم مستعدون لذلك، فرشقهم العدو رشقاً فاضطروا إلى الفرار، ولكن رسول الله ﵊ لم يفر.
стр. 1828
استحباب الدعاء عند قيام الحرب
قوله: (فنزل النبي ﷺ واستنصر).
أي دعا ربه أن ينصره هو وأصحابه.
قال النووي: (في هذا: استحباب الدعاء عند قيام الحرب).
وفي صحيح مسلم والبخاري من حديث أنس (أن النبي ﵊ نزل يوم حنين -أي: من على بغلته- فرفع يديه إلى السماء ودعا بدعاءين فصل بينهما فصلاً) أي: أنه دعا مرتين، وبينهما فصل.
قال في هذا الفصل: (أنا عبد الله ورسوله) ليثبت الذل في هذا الموطن، مع أنه كان أذل الناس لربه وأعبد الناس لربه، ولكن هذا الموطن يحتاج إلى بيان الذل والخضوع أكثر من غيره خاصة مع ما قد علمه النبي ﷺ من بعض من خرج معه أنهم أعجبتهم قوتهم وكثرتهم، فأراد النبي ﷺ أن يبيّن لهم في هذا الموطن أن النصر لا يأتي إلا بالذل والعبودية لله، فالتزم النبي ﷺ ذلك وأجراه على نفسه حتى يقتدي به أصحابه ﵊.
стр. 1829
نفي صفة الشعر عن النبي ﷺ
قوله: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)).
فهذا في ظاهره يا إخواني! أنه شعر، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩].
قوله: ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)) أي: وما خلقناه شاعراً.
وأيضاً: لا ينبغي لهذا النبي أن يقول الشعر.
والظاهر أن هذا شعر: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) فلا شك أن بين الآية وبين قول النبي ﷺ هذا تعارض في الظاهر؟ قال الأئمة في رد هذه الشبهة: (أنكر بعض الناس كون الرجز شعراً).
وهذا من الرجز: (أنا النبي لا كذب) والرجز هو الذي يقال في الحرب ولتحفيز الناس على القتال وغير ذلك، أو هو الذي يقال في محافل الناس، فأنكر كثير من العلماء أن يكون الرجز شعراً، فقالوا: الرجز شيء، والشعر شيء آخر، فالنبي ﷺ قال رجزاً ولم يقل شعراً.
قالوا: وهذا مذهب الأخفش، واحتج به على فساد مذهب الخليل في أنه قال: الرجز شعر.
وأجابوا عن هذا بأن الشعر هو ما قُصد إليه، والشعر له علامات وشروط، الشعر هو أن يقصد قائله أن يقول شعراً، واعتمد الإنسان أن يوقعه موزوناً مقفى يقصد به القافية.
إذاً: فالشعر له علامات: أن يكون موزوناً، وأن يلتزم فيه الشاعر القافية، فاتحاد القافية شرط في الشعر، والوزن على بحر من البحور المعروفة هذا الشرط الثاني.
والثالث: أن يقصد الشاعر أن يقول شعراً.
ويقع في ألفاظ العامة كثير من الألفاظ الموزونة، ولا يقول أحد: إنها شعر، ولا إن قائل هذا الكلام شاعر.
يعني: أحياناً أنت تفاجأ بأنك على المنبر فتقول كلاماً موزوناً، وقد التزمت بحراً من البحور، وأنت نفسك لا تعرف البحر، لكن صاحب البحور عندما يسمع يعلم أن هذا الكلام يوافق البحر الفلاني، فيسألك: أنت شاعر؟ تقول: لا والله ولا عمري قلت الشعر، فيقول لك: أنت كنت قلت كذا وهذا في البحر الفلاني.
تقول: لا أعرف بحراً ولا غير ذلك، وإنما أتى ذلك عرضاً.
فهل كل من قال كلاماً موزوناً على بحر من البحور يعد شاعراً؟ إنسان ليس شاعراً ولا يعرف أصول الشعر، لكنه قصد أن يقول شعراً، هل يعد بهذا القصد فقط شاعراً؟ وآخر قال كلاماً التزم فيه القافية لكنه ليس كلاماً موزوناً وما قصد به الشعر، هل يعد شاعراً؟
الجواب
لا.
إذاً: الشعر له أصول ثلاثة: القصد، والتوجه، أن يكون موزوناً، أن يكون متحد القافية، وإذا اختل شرط من هذه الشروط فلا يكون شعراً ولا يكون قائله شاعراً، فعندما نأتي نطبّق الشروط هذه على النبي ﵊ سنجدها كلها مختلة، فلم يقصد بها القافية، ولم يقصد أن يكون موزوناً، وما قصد أن يقول شعراً، فلا يكون النبي ﷺ حينئذ شاعراً.
والقافية هي اتحاد الحرف في آخر الأبيات كالنونية مثلاً، فعندما تأتي لتنظر نونية ابن القيم تجد كل أبياتها ملتزمة حرفاً واحداً، هل ابن القيم قصد ذلك؟ نعم.
قصد ذلك.
الكلام هذا موزون؟ نعم.
الكلام موزون، وتجد ابن القيم أنه قال شعراً.
إذاً: فهو شاعر.
وابن الأكوع لم يكن شاعراً، لكنه قال في هذه الغزوة أيضاً: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع أتت على لسانه ولكنه ليس شاعراً، مع أنه كلام موزون ومقفى، لكنه لم يقصد الشعر.
وكثير من كلام الله توفر فيه إما الوزن وإما القافية، ولكن هل نقول عن الله أنه شاعر؟ معاذ الله! فإذا كنا ننفي هذا عن الرسول ﷺ ، فهو من باب أولى أن يكون منفياً عن الله ، ففي قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وفي قوله تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣] شيء من ذلك، لكن لا يمكن أن يقال: إن هذا شعر.
стр. 1830
معنى قوله: (أنا ابن عبد المطلب)
المبحث الثاني: أن النبي ﵊ نهى عن الفخر بالأحساب والأنساب، وأثبت أن هذا من فعل الجاهلية، قال النبي ﵊: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة).
والحديث عند مسلم من حديث أنس.
فهنا النبي ﵊ قد افتخر بجده عبد المطلب في الظاهر: (أنا ابن عبد المطلب) فكيف ينهى عن الفخر ويفتخر هو؟
الجواب
إن النبي ﵊ هو ابن عبد الله بن عبد المطلب، لكن عبد الله مات شاباً قبل أن يكون له وزن في قومه وعشيرته، حتى كاد يُنسى، وكانت العرب قبل الإسلام تنادي محمداً ﵊ بأنه محمد ابن عبد المطلب، فخاطبهم النبي ﵊ بما كانوا ينادونه به قبل الإسلام: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وهذا ليس من باب الفخر، ولكنه من باب نسبة الرجل بما اشتهر به، فاشتهر بجده أو بأمه أو بلقبه أو كنيته أو قبيلته أو بلده أو عمله، فيسن حينئذ أن يُنسب الرجل إلى ما يعلم به حتى لا يختلط بغيره.
فلو قال: أنا محمد بن عبد الله فربما يكون في أصحاب الذين يقاتلون معه أنه محمد بن عبد الله، لكنه خاطبهم بما كانوا يعرفون آنفاً، أنه محمد بن عبد المطلب: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) فليس هذا على سبيل الفخر، وإنما خاطبهم بما كانوا ينادونه به.
стр. 1831
حكم التسمي بـ (عبد المطلب)
المسألة الثالثة: هل المطلب من أسماء الله تعالى؟ لا.
ليس من أسماء الله تعالى، فلِم قال النبي ﷺ : (أنا ابن عبد المطلب) مع أنه يعلم أن المطلب ليس من أسماء الله تعالى؟
الجواب
إن النبي ﷺ لم يقل ذلك إلا ليقرر واقعاً، هذا الواقع لا دخل للنبي ﷺ فيه؛ لأن عبد المطلب هذا جده، وقد تسمى بهذا الاسم قبل ميلاد النبي ﵊، بل إن عبد المطلب لم يسم نفسه، بل سماه قومه أو أبوه أو أمه، فلا دخل للنبي ﷺ في اختيار هذا الاسم، بل فُرض عليه أنه هو ابن عبد المطلب.
هذا أمر.
الأمر الثاني: أن العلماء قالوا: لا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب إلا النبي ﵊، فهذا مخصوص به ومفروض عليه.
стр. 1832
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - غزوة الطائف - غزوة بدر - فتح مكة
غزا النبي ﷺ لنشر دين الله غزوات عدة، منها غزوة بدر والطائف وفتح مكة، وفي كل غزوة من هذه الغزوات من العبر والعظات والفوائد ما يسطر به الصفحات، ويؤلف فيه المصنفات، فقد جعل الله نبيه ﷺ أسوة لعباده المؤمنين، في حله وترحاله، وفي مقامه وقتاله.
стр. 1833
باب غزوة الطائف
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب التاسع والعشرون: (باب غزوة الطائف).
стр. 1834
شرح حديث عبد الله بن عمرو في حصار الطائف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير جميعاً عن سفيان -هؤلاء جميعاً يروون عن سفيان بن عيينة - قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو -إذا حدّث سفيان بن عيينة عن عمرو فهو عمرو بن دينار المكي - عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله بن عمرو بن العاص].
وقيل: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أي: أن بعض الروايات أثبتت أن صاحب الرواية هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وبعضها -كما عند البخاري - أن راوي الحديث هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وبعض الروايات جمعت على سبيل الشك والجزم أنهما اثنان: عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والأمر فيها يسير، وهذا ما يسميه العلماء بالعلة غير القادحة، فيستوي عندي أن يكون هذا الراوي هو عبد الله بن عمر أو هو عبد الله بن عمرو، حتى لو قال الراوي من التابعين: حدثنا رجل من أصحاب النبي ﵊ ولم يسمه أصلاً، لكنه ذكر صفته وقال: هو أحد أصحاب النبي ﵊، فهذه من العلل غير القادحة.
أما العلل القادحة: أن يضطرب الراوي في من سمع منه: هل هو فلان أم فلان، ويكون أحدهما ضعيفاً والآخر ثقة.
فلو قال الراوي: حدثنا سفيان فقلنا: من سفيان؟ اختلفنا هل هو ابن عيينة أم هو الثوري لا يضر هذا، وكلاهما ثقة، فهذا من العلل غير القادحة، لكن لو كان أحدهما ضعيفاً والآخر ثقة لكان هذا هو الإشكال.
[عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئاً)] أي: حاصرهم ولم يحصل قتال، وإنما الذي حصل مجرد محاصرة خارجية لسور المدينة لأهل الطائف، لكن النبي ﵊ [فقال: (إنا قافلون إن شاء الله -أي: لا نقاتل، بل سنرجع بغير قتال- قال أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟)] استعظموا جداً أن يأتوا من المدينة إلى الطائف ليفتحوها، فتم لهم الحصار وهو نوع من الغلبة والنصر والتمكين، ثم يرجعون بغير قتال! فقالوا: كيف هذا يا رسول الله؟! نرجع ولا نقاتل هؤلاء ولا نفتتحها؟! قال: [(فقال لهم رسول الله ﷺ : اغدوا على القتال)] يعني: في الصباح وبعد صلاة الفجر إذا كانت لكم نية في القتال فقاتلوا، وظني أن النبي ﵊ قال ذلك كالمنكّل بأصحابه؛ لكونهم خالفوه في أمره: (إنا قافلون إن شاء الله) أو: (إنا قافلون غداً) يعني: غداً سنرجع إلى بلادنا بغير قتال، ولكنه قال: إن شاء الله، فعلّق الأمر على مشيئة الله، وربما غر هؤلاء تلك المشيئة فقالوا: (نرجع ولم نفتتحه يا رسول الله؟! قال: اغدوا على القتال) أي: في الصباح قاتلوا هؤلاء، وإنما فعل ذلك النبي ﵊ لعلمه بقوة القتال لأهل هذه القرية، أو بقوة عدتهم وزيادة عددهم وغير ذلك.
وهذا يذكرني تماماً بنهيه ﵊ عن الوصال في الصيام، قالوا: (يا رسول الله! إنك تواصل، فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) فلما أُخبر أن بعض أصحابه واصل أمرهم بالوصال، وليس ذلك من باب التشريع ولكن من باب التنكيل والتأديب لأصحابه ﵃ وصلى الله على نبينا محمد، فلما واصلوا ثلاثة أيام كادوا يقعون من شدة الجوع والإعياء والتعب، وما أنقذهم من ذلك المأزق إلا دخول العيد، وصيامه حرام، فقال لهم ﵊: (لو طالت بكم الأيام -أي: أيام رمضان- لواصلت بكم) كالمنكّل لهم والمؤدب لهم.
وبعضهم يقول: هذا رسول الله الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو ليس في حاجة إلى العبادة، وهو أول من تنشق عنه الأرض، ولا يدخل أحد الجنة إلا من بعده، وغير ذلك من مناقبه وشمائله ﵊.
وكان هناك ثلاثة تقالّوا عبادته: أما أحدهما فيقول: أنا أصوم ولا أفطر.
والثاني يقول: أنا لا أتزوج النساء.
والثالث يقول: أنا أقوم الليل ولا أرقد.
فقال النبي ﷺ : (ألستم القائلين كذا وكذا؟ قالوا: نعم.
يا رسول الله! قال: أما إني أتقاكم وأخشاكم له، ولكني أقوم وأرقد، وأتزوج النساء، وأصوم وأُفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
قوله ﵊: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له).
أي: أنا أعلمكم بالله، وكلما ازداد المرء علماً ازداد لله عبادة وطاعة، فهو يصحح لهم ﵊ خطأً في أذهانهم، فهم تصوروا أنه ما دام هو أتقى الناس وأخشى
стр. 1835
وجوب طاعة الأمير وعدم مخالفته
في هذا الحديث: وجوب سماع أمر الأمير وعدم مخالفته، فإذا كان الشخص قد تأمر على سرية أو كتيبة أو جيش فلا شك أنه ما تأمر من فراغ، وإنما تأمّر لأنه أعلم الناس بخطط الحرب، وأعلم الناس بما ينفع قومه ويضر بهم، والخلاف والتنازع في الرأي يؤدي إلى الفشل: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] أي: تضعف قوتكم، فحينئذ يجب على كل من كان تحت راية أمير أن يسمع له وأن يطيع ما دام السمع والطاعة في طاعة الله ؛ لأنه لا طاعة إلا في المعروف، ولا طاعة في المعصية؛ ولذلك تأمر أمير على سرية أرسله النبي ﵊ فيها، فأجج ناراً وأمرهم أن يقذفوا أنفسهم فيها.
قالوا: منها فررنا، أي: نحن قد فررنا من النار بإيماننا ودخولنا في الإسلام، فكيف تأمرنا بأن ندخل النار؟ فما أطاعوه في ذلك، وكان ظن هذا الصاحب أنه مطاع في كل أمر يأمر به، فلما رجع إلى المدينة أخبر النبي ﵊ بذلك، وأخبره أصحابه بذلك، فقال النبي ﷺ لهؤلاء الجند: (لو أطعتموه ما خرجتم منها أبداً) لو أطعتموه في هذا الأمر -لأنه أمر في معصية الله- ما خرجتم منها أبداً، فالحمد لله أنهم لم يمتثلوا أمره لأنه معصية، ولا يُعذّب بالنار إلا رب النار كما أخبر النبي ﵊.
لكن إذا كان أمر الأمير محل اجتهاد كأن يقول: نمشي من هذه الطريق أو من هذه الطريق؟ فاختلف أهل الشورى وأهل الحل والعقد الوجهاء في الجيش أو السرية، فبعضهم يقول: نمشي يمنة والبعض يقول: نمشي يسرة، ولكن الأمير اختار طريق الميمنة، فوجب على الجميع أن يسمعوا له ويطيعوا حتى الذين قالوا: نمشي على الميسرة، فالخلاف يكون في الرأي لا في العمل، كما أنه لا يفسد القلوب على الأمير، وإذا كان الأمر محل اجتهاد فليس اجتهاد الناس أو عامة الناس أو غبراؤهم أولى من اجتهاد الأمير، فاجتهاده يفصل النزاع؛ ولذلك سن النبي ﵊ الإمارة في السفر فقال: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمّروا أحدكم) لِم؟ حتى يفصل النزاع حين وجود النزاع.
فإن قيل: نأكل أو لا نأكل؟ البعض يقول: نأكل.
والبعض الآخر يقول: لا نأكل.
فالأمير يقول: نأكل إذا نزلنا في المكان الفلاني، فرأي الأمير يرفع الخلاف ويمحو النزاع.
أو يقال: نمشي من هنا أم من هاهنا؟ نبيت أو لا نبيت؟ نسير أو نقف؟ نستريح أو نستمر؟ وغير ذلك من المسائل التي تعترض المسافرين.
فحينئذ أمر الأمير فيها يفصل النزاع، ولا يحل لمخالف له أن يقول: أنت وشأنك أنا باق هنا، إذا أردت أن تطعم فاطعم أما أنا فلا أطعم وهكذا، لا يحل لأحد أن يخالف أميره في شيء مما جعل الشرع له الإمارة فيه.
وإذا كان الأمير يرى أن الخير للمسلمين في قيام الصلح مع أعدائهم، فلا يحل لأحد أن ينازع الأمير في ذلك؛ لأنه صاحب دين، ويجر المصلحة والنفع للمسلمين، وإذا رأى أن المصلحة للمسلمين هي القتال والجهاد فلا يحل لأحد أن يتخلف عنه إلا لعذر شرعي، وهذا باب عظيم يسمى بعلم السياسة الشرعية، أو بمسائل الإمامة.
стр. 1836
باب غزوة بدر
الباب الثلاثون: (باب غزوة بدر).
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار البصري - قال: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت وثابت هو ابن أسلم البناني - عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة الأنصاري فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها -يعني: لو أمرتنا أن نخيض الخيل البحر لفعلنا ذلك- ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا.
قال: فندب رسول الله ﷺ الناس -أي: حثهم على القتال- فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش -أي: الذين ذهبوا ليتحسسوا وجود الماء.
روايا: جمع راوية.
وهو الذي يذهب ليستقي للناس- وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه -أي: فأخذه المسلمون- فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي علم بـ أبي سفيان -أي: أنا لا أعرف عنه شيئاً- ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه) أي: ضربه أصحاب النبي ﵊ (فقال: نعم.
أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بـ أبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف)] أي: سلّم من صلاته بعد أن أتمها بسرعة وعجلة.
وفي هذا جواز -بل استحباب- تعجيل الصلاة إذا نادى عليك مناد ذو هيئة، كالأم والأب، أو صاحب عذر كمريض يستغيث أو غريق أو إمام أو أمير أو سلطان أو عالم جليل، كل هؤلاء أصحاب هيئات ووجاهات، فإذا نادى عليك أحدهم وهو لا يعلم أنك في صلاة فعجّل بها إذا كانت نافلة؛ ولذلك نادى النبي ﵊ على أبي بن كعب وهو يصلي فاستمر في صلاته، فلما سلّم من صلاته أتى وقال: (لبيك يا رسول الله! قال: ما منعك أن تُجيبني إذ دعوتك؟ قال: يا رسول الله! كنت أصلي.
قال: أما قرأت قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]؟ أما قرأت هذا يا أبي؟) فكان من كان يصلي نافلة من أصحابه ﵊ ورسول الله يناديه يقطع الصلاة استجابة وتلبية لأمر النبي ﵊، لكن هذا الحكم منسوخ بموت النبي ﵊، ويبقى استحبابه لأهل الوجاهات والهيئات كما ذكرنا آنفاً بتعجيل الصلاة لا بقطعها.
فقال النبي ﵊ بعد أن انصرف من صلاته: [(والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم)] أي: أنتم تقولون له: ماذا تعرف عن أبي سفيان؟ فيقول: أنا لا أعرف عنه شيئاً، ولكن أعرف عن فلان وفلان وفلان، فتضربونه حتى يأتي لكم بخبر أبي سفيان، وفي الحقيقة هو لا يعلم خبر أبي سفيان.
وهذه معجزة للنبي ﵊ أنه أخبر عن صدقه وهو لم يكن معه.
فقال: (تضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم).
وكأن النبي ﵊ ينعى على أصحابه ضرب المتهم، وأنه متهم حتى تثبت إدانته؛ لأن الأصل في الشرع أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته، فالإنسان بريء وليس متهماً، أما سلوك سبيل الضغط والتعذيب والكهربة والسحب والجر على الأرض والرمال وغير ذلك حتى يتكلم بشيء لم يعلمه أو لا علاقة له به أو غير ذلك فهذا مذهب المجرمين لا مذهب الموحدين؛ ولذلك نعى النبي ﵊ على أصحابه أنهم ضربوا هذا الغلام الأسود المشرك الذي جعله قومه عيناً وجاسوساً على المسلمين، نعى عليهم أنهم ضربوه، لأنه صادق فيما يُخبرهم، فهو لا يعلم شيئاً عن أبي سفيان، ولكنه من شدة التعذيب والضرب يقول لهم: نعم.
أنا أعلم خبر أبي سفيان فيخبرهم بخبر أو بخبرين فيتركونه، فأخبر النبي ﷺ أن الذي حمله على الكذب تعذيبهم له.
قال أنس: [فقال رسول الله ﷺ : (هذا مصرع فلان) هنا سيموت فلان، وهنا سيموت فلان، أي: من صناديد الشرك والكفر.
قال: [(هذا مصرع فلان، ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا قال: فما أماط -أي: فما تباعد- أحدهم عن موضع
стр. 1837
سبب غزوة بدر
كان هذا في غزوة بدر، وأنتم تعلمون أن غزوة بدر هذه غيّرت وجه التاريخ، بالضبط كأحداث سبتمبر، إذ أصبح لأوروبا وأمريكا تاريخاً في هذا الوقت كالتاريخ الهجري لنا، فنحن لنا أيام وهي الأيام الهجرية والشهور العربية، فكذلك هؤلاء صار لهم تاريخ مشرّف جداً وهو (١١) سبتمبر، فيقال: أحداث ما قبل (١١) سبتمبر، وأحداث ما بعد (١١) سبتمبر، وهذا شيء طيب أن يكون لهم تاريخ، ونحن لا نكره أن يكون لهم تاريخ، فأعظم حدث بعد هجرة النبي ﵊ في الإسلام عامة هو غزوة بدر، وأنتم تعلمون أن الصحابة ﵃ إنما حُملوا حملاً على الهجرة من مكة، فكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم الهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم ذهب فلان وفلان من صناديد الشرك والكفر في مكة لمقابلة النجاشي والتحريش بينه وبين هؤلاء المهاجرين، وتم رجوع بعضهم إلى مكة، وبعضهم صبر هناك حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فقدم من الحبشة إلى المدينة، والهجرة تمت بعد (١٣) سنة من مكة إلى المدينة، وكانت أعظم حدث عرفه التاريخ، وكانت هجرته ﵊ نصراً وأي نصر، ورفعاً للراية، وإسماعاً للعالم بالدعوة الجديدة وبنبي آخر الزمان، وأنتم تعلمون أن الذين هاجروا إلى الحبشة أو إلى المدينة قبل النبي ﷺ ، وبعد النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ تركوا أموالهم وديارهم وأهليهم، ومنهم من ترك أولاده، كل ذلك في سبيل الله .
ومنهم من مُنع من الهجرة إلا أن يخرج من مكة ليس معه شيء إلا زاد الطريق، فلما كان ثمن ذلك الجنة باعوا كل شيء في سبيل الجنة؛ ولذلك بشّرهم النبي ﵊ بربح البيع.
فلما سمع النبي ﵊ في العام الثاني من الهجرة بأن عير قريش قادمة من الشام إلى مكة وهي محملة بالخيرات والأموال وغير ذلك أراد أن يخرج إليهم ليعوّض ما قد أخذوه من أصحابه في مكة، فما خرج لقتال ولا لجهاد ولا لثأر، وإنما خرج ليأخذ مال القافلة ومال العير، وهو شيء مما قد تركوه لهم في مكة، وهذا حق.
كان أبو سفيان في ذلك الوقت مشركاً، وكان زعيماً لهذه القافلة، وقد علم بمقدم النبي ﵊ وأصحابه الكرام، فحاول بشتى الطرق الخلاص بالقافلة مع العبيد والإماء من طريق جانبي فرعي إلى مكة، وأخبر أهل مكة وصناديد الشرك والكفر فيها بأن محمداً يعترض القافلة، فقام صناديد الكفر في مكة بتجهيز جيش بلغ الألف وزيادة، وقاموا قومة رجل واحد قادمين إلى المدينة لملاقاة أبي سفيان في معسكر واحد لحرب النبي ﵊، ولم يكن مع النبي ﷺ إلا (٣١٤) شخصاً، واحتدم القتال عند بئر بدر على تفصيلات ليس هذا وقتها.
وإنما وقع القتال بين الطائفتين، والنبي ﵊ قام يدعو ربه ويستغيثه بالليل، وكان ذلك في ليلة الجمعة، وكان القتال في صبيحة الجمعة، حتى أشفق عليه أبو بكر الصديق ﵁، وسقط عنه رداؤه من على كتفه الشريف إلى الأرض، فأخذه أبو بكر ووضعه على كتف النبي ﷺ وقال: رفقاً بك يا رسول الله! فوالله لينجزن الله لك ما وعدك، فأنزل الله ﵎ ملائكته على النبي ﷺ وأصحابه، وقاتلوا دونه قتالاً عنيفاً حتى كان عدد الأسرى من المشركين سبعين نفساً، والقتلى مثلهم، واستشهد من جيش المسلمين أربعة عشر شهيداً فقط، ورجع الثلاثمائة، وقد أُخذ القتلى من قريش وأُلقوا في قليب بدر، وهي حفرة عظيمة جداً، فوقف النبي ﷺ على رءوسهم وهو يقول: (يا أهل بدر! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإنا وجدنا ما وعد ربنا حقاً؟) يا فلان ابن فلان! هل وجدت ما وعد ربك حقاً؟ ويا فلان ابن فلان هل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ فقال عمر ﵁: (يا رسول الله! أتحدث قوماً قد ماتوا؟ وإنهم لا يسمعون) وهذا أمر يدل على استقرار عدم سماع الأموات لدى الصحابة، ولكن النبي ﷺ بيّن أن هؤلاء لهم خاصة فقال: (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) ففي هذا إثبات أن أهل القليب كانوا يسمعون النبي ﵊، لكن هذا سماع خاص، والأصل أن الميت لا يسمع شيئاً، إلا مواضع معيّنة استثناها الشرع، منها أنه يسمع قرع نعال من شيعوه.
وهذا نوع من أنواع الإسماع.
وهذا مخصوص بهذا الموطن دون غيره من بقية المواطن، فما أثبت الشرع كتاباً وسنة أن الميت يسمع في موطن معيّن، فهو لا يتجاوز هذا الموطن سماعاً، وإلا فالأصل أنه لا يسمع.
стр. 1838
جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له
في هذا الحديث: جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له وإن كان أسيراً، ونحن نتكلم عن الأحكام الشرعية التي تخصنا نحن، لا نتكلم ونقول: هل يجوز للكفار أن يضربوا أسرى المسلمين؟ فهل هم ملتزمون بالشرع حتى نقول: إنه يجوز أو لا يجوز؟ فنحن نتكلم عن شرعنا نحن والأحكام التي تحكمنا: هل يجوز لنا ضرب الأسير الكافر الذي لا عهد له؟ نعم.
يجوز ضربه.
стр. 1839
معجزات النبي ﷺ في غزوة بدر
وفي هذا الحديث معجزتان من أعلام النبوة: إحداهما: إخباره ﵊ بمصرع جبابرتهم، فلم ينفلت واحد منهم، فالنبي ﷺ قال: فلان سيموت هنا، وفلان يموت هنا، وفلان يموت هنا، فإذا بنفس الأشخاص يموتون في نفس الأماكن، وهذه معجزة ظاهرة للنبي ﵊.
الثانية: إخباره بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يصدق إذا تركوه ويكذب إذا ضربوه.
стр. 1840
باب فتح مكة
الباب الحادي والثلاثون: (باب فتح مكة).
стр. 1841
شرح حديث أبي هريرة في فتح مكة
[حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت بن أسلم البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان -وفدت وفود يعني: أتت الأفواج والسرايا والرهط إلى معاوية، ومعاوية كان مقيماً بالشام- فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام].
وفي هذا جواز المناوبة في الخدمة إذا كانت قافلة مسافرة، فلهم أن يوزعوا أنفسهم: فلاناً للطبخ، وفلاناً للغسل، وفلاناً لبري الأقلام، وفلاناً لصقل السيوف وغير ذلك، فلا بأس بهذا وهو من السنة، فليس هناك واحد يقول: أنا آكل فقط، فهذا بلا شك سيبقى على غيره ثقلاً وعبئاً.
قال: [فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله].
يعني: أبو هريرة كان أكرم هؤلاء، مع أنكم تعلمون أنه كان من الصحابة الفقراء جداً، وكان من أهل الصفة، لكن الواحد يجود بالموجود فقط، فكان أبو هريرة أكثر الناس دعوة لهم إلى الطعام.
قال عبد الله بن رباح: [فقلت: ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رحلي؟] فهو يكلم نفسه، ألا يوجد مرة من المرات أسبق أبا هريرة في هذا الخير؟ قال: [فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة فقال: سبقتني؟ قلت: نعم.
فدعوتهم فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟! ثم ذكر فتح مكة فقال: (أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين)].
والمجنّبة: الميمنة أو الميسرة.
والخميس: اسم للجيش؛ لأن له ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلب، هناك نظام حتى في القتال، فالإسلام دين النظام، فلا أقول: الذي يريد أن يقاتل يخرج ليقاتل، فهناك نظام، فالمقدمة تقاتل، ويبقى هناك ميمنة وميسرة، ثم إذا هزمت -عياذاً بالله- يتقدم فوج آخر، ويكون بين العدو وبين المجاهد مسافة تسمح بإبطال القذائف: كيلوان، ثلاثة كيلو، خمسة كيلو، عشرة كيلو؛ حتى إذا قذف قذيفة تقع ويبطل مفعولها قبل أن تصل إليك، وتكون أنت في هذا الوقت قد استنفذت قوة عدوك.
قال: [(فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالداً - ابن الوليد - على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسّر) والحسّر: هم الراجلة الذين لا دروع معهم ويمشون على أرجلهم.
قال: [(فأخذوا بطن الوادي)] أي: فمشى هؤلاء الراجلة في بطن الوادي، فهناك جبلان وواد، فجعل الميمنة على الجبل الأيمن والميسرة على الجبل الأيسر، والمقدمة في نهاية هذا الوادي، والقلب في وسط الوادي، وفي مؤخرة الوادي هؤلاء الحُسّر الذين نسميهم نحن المشاة؛ لأنهم لا يركبون، وإنما يمشون على الأرض.
قال: [(ورسول الله ﷺ في كتيبة)] والكتيبة لا بد أن يكون فيها الرئيس، فلا تكون هناك كتيبة إلا إذا كان فيها قائد الجيش الكبير، وأنتم تعلمون أن كل فوج لا بد أن يكون له قائد، لكن لا يقال: كتيبة إلا إذا كان فيها قائد الجيش، ولو راجعت المغازي والسير فإنك لن تجد كتيبة إلا وفيها الرسول ﵊، فإذا لم يكن فيها الرسول ﷺ كان اسمها سرية، والسرية لها قائد، والميمنة سرية، والميسرة سرية، والمقدمة سرية، والقلب سرية، والمؤخرة سرية، وقد عيّن النبي ﷺ على كل سرية قائداً، فالجيش كله الذي يقوده النبي ﷺ اسمه كتيبة.
قال: [(فنظر فرآني فقال: أبو هريرة؟ قلت: لبيك)] وفي هذا استحباب أن يقول المنادى للمنادي: (لبيك).
قال: [(قلت: لبيك يا رسول الله! فقال: لا يأتيني إلا أنصاري)].
زاد غير شيبان فقال: (اهتف لي بالأنصار) يعني: نادهم بصوت عال.
قال: [(فأطافوا به)] يعني: أتوا بسرعة جداً حتى كانوا حول النبي ﵊.
قال: [(ووبشت قريش أوباشاً لها وأتباعاً)] يعني جمعت وضمّت من كل صنف من العجم والعرب والأسود والأبيض أناساً لا يقاتلون لغاية إلا المال، ونحن نسميهم في هذا الوقت الجيوش المرتزقة، جيوش مستعدة للقتال في أي مكان وفي أي دولة، تقاتل مسلمين أو تقاتل كفاراً.
قال: [(فقالوا: نقدم هؤلاء)] صناديد الكفر والشرك قالوا: نحن ندفع بهؤلاء في المقدمة، ودائماً الجيوش إذا أرادت الخلاص من أحد تقدمه إلى خط النار.
قالوا: [(فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سُئلنا)] أي: وإن قتلوا جميعاً وهجم علينا جيش المسلمين وسألونا شيئاً أعطيناهم، في الوقت الذي يكون قد تخلصوا فيه من الأوباش.
قال: [(فقال ر
стр. 1842
روايات وطرق أخرى لحديث باب غزوة فتح مكة
قال: [وحدثنيه عبد الله بن هاشم حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي - حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد.
وزاد في الحديث (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصداً)] أي: اقتلوهم قتلاً.
[وقال في الحديث: (قالوا: قلنا ذاك يا رسول الله؟! قال: فما اسمي إذاً؟ كلا.
إني عبد الله ورسوله)].
قال: [حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا يحيى بن حسان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي، فجاءوا إلى المنزل ولم يُدرك طعامنا.
أي: أن الطعام لم يكن جاهزاً بعد.
قال: فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يُدرك طعامنا.
فقال: (كنا مع رسول الله ﵊ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح على البياذقة -والبياذقة: هي الراجلة الذين لا دروع معهم- وبطن الوادي -أي: الراجلة الذين يمشون في بطن الوادي- فقال: يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار، فدعوتهم فجاءوا يهرولون فقال: يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم.
قال: انظروا.
إذا لقيتموهم غداً أن تحصدوهم حصداً، وأخفى بيده -أي: جعلها في الأرض إشارة على ألا يُبقوا منهم أحداً- ووضع يمينه على شماله وقال: موعدكم الصفا.
قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه)] أي: لم يرفع أحد رأسه إلا وقطعوه.
فقوله: (فما أشرف) أي: فما برز لهم أحد للقتال إلا قتلوه.
قال: [(وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أُبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم.
قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.
فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ .
قال: قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته.
ألا فما اسمي إذاً؟!)] يريد أن يقول لهم أنا عبد الله ورسوله، أنا لست كآحاد الناس، يأخذ الميثاق ويغدر، ويعطي العهد ويغدر، فأنا عبد الله ورسوله.
قال: [(أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم.
قالوا: والله ما قلنا إلا ضناً بالله ورسوله.
قال: فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم)].
стр. 1843
معجزة كسره ﷺ للأصنام بطرف قوسه
يقول الإمام النووي في قوله ﵊: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١] وهو يضرب الأصنام، فكان يضربها بقوس، فحينما كان ﵊ يضرب الأصنام التي هي من صخور وحجارة قوية جداً لا تنكسر: (وإنما كانت تلك معجزة أخرى للنبي ﵊، إذا كان يضرب الصنم بطرف قوسه فيخر الصنم تراباً في الأرض).
أي: أن هذا الحجر يفقد خواصه التي خلقه الله عليها بأمره سبحانه، فيكون رماداً في الأرض.
الإمام النووي يقول: وهذا الفعل -الذي هو ضرب الصنم بالقوس- إذلال للأصنام ولعابديها، وإظهار لكونها لا تضر ولا تنفع ولا تدفع عن نفسها، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] أي: أن الصنم هذا لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضراً ولا نفعاً لدرجة أن الذبابة لو أخذت من على فم هذا الصنم شيئاً ما استطاع هذا الصنم أن يرد ما أخذ منه.
وفي هذا: استحباب قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١].
وقد اختلف أهل العلم: هل فُتحت مكة عنوة أم فُتحت سلماً؟ والصواب: أنها فُتحت عنوة.
стр. 1844
استحباب اشتراك المسافرين في الأكل
قال: (أما قول أبي هريرة: وفدنا إلى معاوية ﵁ وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه فكانت نوبتي).
فيه: دليل على استحباب اشتراك المسافرين في الأكل، واستعمالهم مكارم الأخلاق، وليس هذا من باب المعارضة حتى يشترط فيه المساواة في الطعام.
أي: أن هذه مسائل يسمونها الغبن اليسير.
فإذا أردنا مثلاً أن نأكل فكل منا سيدفع مبلغاً متساوياً مع الآخر، لكن في النهاية لا يمكن أن كل واحد سيأكل مثل الآخر، بل هناك من يأكل كثيراً وهناك من يأكل قليلاً وليس كل الناس يشبعون على درجة واحدة من الطعام؛ ولذلك في هذه المسائل تقوى الله أعظم زاد.
قال: (وليس هذا من باب المعاوضة حتى يشترط فيه المساواة في الطعام، وألا يأكل بعضهم أكثر من بعض، بل هو من باب المروءات ومكارم الأخلاق، وهو بمعنى الإباحة، فيجوز وإن تفاضل الطعام؛ لأن الناس يتعافون فيما بينهم في مثل هذا) فليس هذا من باب الربا ولا من باب الحرام، بل هي من باب مكارم الأخلاق.
ولذلك الإمام النووي يقول: فيجوز وإن تفاضل الطعام واختلفت أنواعه، ويجوز وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، لكن يستحب أن يكون شأنهم إيثار بعضهم بعضاً.
стр. 1845
استحباب الاجتماع على الطعام
قال: (وفي هذا الحديث كذلك: استحباب الاجتماع على الطعام وجواز دعائهم إليه قبل إدراكه، واستحباب حديثهم في حال الاجتماع بما فيه بيان أحوال الرسول ﷺ وأصحابه وغزواتهم ونحوها، مما تنشط النفوس لسماعه، وكذلك غيرها من الحروب ونحوها مما لا إثم فيه، ولا يتولد منه في العادة ضر في دين ولا دنيا ولا أذى لأحد؛ لتنقطع بذلك مدة الانتظار ولا يضجروا، ولئلا يشتغل بعضهم مع بعض في غيبة أو نميمة أو نحوها من الكلام المذموم).
стр. 1846
استحباب طلب الحديث من أهل الفضل والصلاح
قال: (وفي هذا الحديث: يستحب إذا كان في الجمع رجل مشهور بالفضل أو العلم أو الصلاح أن يُطلب منه الحديث، فإن لم يطلبوا استحب له الابتداء بالحديث، كما كان النبي ﵊ يبتديهم بالتحديث من غير طلب منهم.
وأما قوله ﵊: (موعدكم الصفا).
يعني: أنه قال هذا لـ خالد ومن معه الذين أخذوا أسفل بطن الوادي، وأخذ هو ﷺ ومن معه أعلى مكة، والنبي ﷺ حينما دخل مكة دخلها من العوالي، ولذلك فالشارع الذي دخله إلى الآن اسمه شارع المعلاة وهو أعلى مكة، دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها، أما خالد ومن معه فقد دخلوا مكة من الوادي، أي: من أسفلها.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1847
الأسئلة
стр. 1848
حكم كشف المرأة المسلمة على أخيها أو أبيها أو خالها الكافر
السؤال
كنت نصرانية، والحمد لله أسلمت، فهل يجوز لي أن أتكشّف على محارمي مثل أبي وأخي وخالي، أم هم أجانب بالنسبة لي؟
الجواب
نسأل الله تعالى أن يثبّتك على الإيمان والإسلام! هذه المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتكشّف على الكافرين والكافرات إلا فيما يتعلق بالوجه والكفين، أما ما دون ذلك فلا، فالمسلمة لا تكشف شيئاً من بدنها على الكافرين والكافرات إلا الوجه والكفّين.
стр. 1849
حكم التقاط مال في الشارع
السؤال
إذا وجدت مالاً في الشارع فهل ألتقطه أم لا؟
الجواب
لك أن تلتقطه ولك ألا تلتقطه، فإذا التقطته وكان مالاً ذا قيمة في العرف فعرّفه سنة، بشرط ألا يكون من المتلوفات، كأن تجد مثلاً كرتون تفاح أو طماطم أو بيض فهذا لا تعرفه؛ لأنه من المتلوفات.
стр. 1850
حكم متابعة المأموم لإمامه في القنوت لصلاة الفجر، وحكم الصور الفوتوغرافية
السؤال
إذا لم يقنت المأموم خلف الإمام في صلاة الفجر هل يأثم؟ وهل ورد حديث بتخصيص صلاة الفجر بالقنوت؟ وما حكم الدين في الصور الفوتوغرافية؟
الجواب
الصور الفوتوغرافية في الحقيقة وقع فيها نزاع، بل مجرد التصوير وقع فيه النزاع: هل هو حرام أم حلال؟ والذي أعتقده الحرمة إلا ما توقفت مصالح الناس وحياة الناس عليها، كالمصالح التي تحتاج إلى صور للبطاقات الشخصية وغير ذلك مما لا تسير حياة الناس إلا به.
أما القنوت فلم يقل بجوازه في صلاة الفجر إلا الإمام الشافعي، وقد أخطأ في ذلك واعتمد على حديث منكر لـ أنس بن مالك أنه قال: لا يزال النبي ﷺ يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا.
وإجماع المحدثين أن هذا حديث منكر، ولو صح هذا الحديث لحل الإشكال، والصواب في القنوت: أنه مسنون إذا نزلت نازلة وفي الصلوات الخمس، وليس في صلاة واحدة.
لكن بيت القصيد في هذا السؤال للسائل أنه يقول: هل يلزمني إذا صلّيت خلف إمام يقنت في صلاة الفجر أن أدعو معه وأقنت معه، أم لا أرفع يدي ولا أقنت؟ في الحقيقة أنا أعتقد أنه يلزمك أن تتابع الإمام في القنوت وإن كنت مخالفاً له في الأصل؛ لأن هذه مسألة محل نزاع بين أهل العلم، وتركك للقنوت مع هذا الإمام قد يحدث فتنة بين المصلين، ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.
стр. 1851
حكم العمل في شركات يهودية أو نصرانية
السؤال
إني أعمل في شركة لتركيب الأبواب، وعرضت علي شركة بيبسي عرضاً، فهل هذا فيه شيء تجاه الشرع، ونرجو توضيح المقاطعة: هل هي في الشراء أم في البيع؟
الجواب
نحن ندعو الناس جميعاً إلى مقاطعة جميع السلع والمنتجات اليهودية والنصرانية، ولأجل ذلك كان المؤتمر السابق الذي حضرتموه، لكن نفرّق بين المقاطعة بالشراء وإرباح هؤلاء من أموالنا، وبين التكسّب لنا من ورائهم، فبلا شك الموظف الذي يعمل في شركة بيبسي أنا أقول له: اشتغل فيها، فهو يأخذ (٥٠٠) جنيه أو (٨٠٠) جنيه أو (١٠٠٠) جنيه في الشهر، لكن إذا قال: أشتري زجاجة بيبسي فأقول له: لا تشتر.
صورة أخرى: أنت ذهبت عند فلان ضيفاً، فقدّم لك البيبسي مفتوحاً، هل تشرب أم لا تشرب؟ فهذا قد اشترى بالفعل وانتهى فاشرب، ونحن دعونا إلى المقاطعة ليس من باب أن التعامل معهم حرام، أو أن البيبسي حرام، وإنما من باب التأديب ومقابلتهم بالمثل، ومن باب إلحاق الخسارة بهم، وليس من باب أن هذا حرام أبداً.
стр. 1852
حكم أخذ أهل المقتول زيادة فوق الدية التي حددها الشرع
السؤال
سمعتكم تحكون قصة رئيس مباحث مدينة مصر الذي عذّب شابين حتى مات أحدهما، وأُصيب الآخر إصابات قاسية جداً، وأصيب ببعض التشوهات الدائمة، وتم إيقاف الضابط ومعاونيه، وأمرت النيابة بحبسه أربعين يوماً على ذمة التحقيق بتهمة ضرب أفضى إلى موت وتعذيب بريئين، وذلك بفضل الله ثم بجهود أهل الخير،
و
السؤال
أن الضابط يعرض التعويض على أهل القتيل والآخر بمبلغ ضخم مقداره مليون جنيه، وكذلك تسهيلات في أمور كثيرة مقابل التنازل عن القضية، فهل يعتبر هذا دية شرعية حيث إنهم فقراء جداً، أم لا يجوز أخذ التعويض ويستمر في القضاء؟
الجواب
يا أخي الكريم! النبي ﵊ حدد الدية، والله تعالى شرع لنا أخذ الدية، فلأهل هؤلاء القتيل أن يأخذوا الدية، والدية أنفع لهم، بل ترك الدية أنفع وأنفع.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧].
والإسلام يخيّرني بين القصاص والدية والعفو، وهذه من خصائص الإسلام؛ لأن الدية عند اليهودية إلزام وعلى القاتل أن يدفع، وعلى ولي القتيل أن يأخذ، فليس هناك تنازل في اليهودية، فالله هو الذي ألزمهم بهذا الأخذ والعطاء على الطرفين، والنصرانية ألزمهم الله تعالى بالعفو، لكن نحن جعلنا في خيار: إما القصاص، وإما الدية، وإما العفو، وهذا من رحمة الله بنا، وقد رفع الله عنا الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة.
فهذا الرجل لو عفا تماماً لكان أولى، لكن أنا لا أنصحه بالعفو هنا؛ لأنه قال في السؤال: أنا فقير، فله أن ينتفع بالدية ولا يتعداها، والدية هي (١٠٠) بعير للرجل الحر المسلم، ولو قلنا: البعير بـ (٣٠٠٠) جنيه، فحينئذ تكون الدية ثلاثمائة ألف جنيه، وما دام هذا الضابط عرض مليون جنيه فأنت خذ نصف المليون للذي مات، وللذي أُصيب بتشوهات خطيرة، فالذي مات يأخذ ورثته ثلاثمائة ألف جنيه وهذه ديته الشرعية، والثاني يأخذ بقية المبلغ، أما أن تأخذ مليون جنيه فأين تذهب من الله؟ وأنا أتصور أن العفو في هذه القضايا يأتي بثمار طيبة جداً، وما ترك أحد شيئاً لله إلا عوّضه الله خيراً منه، لكن إذا كنت في حاجة فهو حقك الذي فرضه الله تعالى لك، إن شئت فخذ وإن شئت فدع، لكن لا تأخذ هذا المليون المعروض؛ لأن نصف هذا المبلغ ليس لك، إلا إذا قهرك وضغط عليك أن تأخذه بطيب نفس منه فهنيئاً مريئاً.
стр. 1853
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب إزالة الأصنام من حول الكعبة - لايقتل قرشي صبراً بعد الفتح - صلح الحديبية
لقد أعز الله هذا الدين، ودخل الناس فيه أفواجاً بعد فتح مكة، وأزال النبي ﷺ كل الأصنام التي كانت حول الكعبة، وقد كان فتح مكة ثمرة لصلح الحديبية الذي كره الصحابة بنوده أول الأمر؛ ظناً منهم أنها مجحفة في حق المسلمين، وقد أخبر النبي ﷺ أن قريشاً لن تعود إلى الكفر بعد أن أسلمت إلى يوم القيامة، وهذا من معجزاته ﷺ .
стр. 1854
باب إزالة الأصنام من حول الكعبة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب الثاني والثلاثون من كتاب الجهاد والسير: (باب إزالة الأصنام من حول الكعبة) وهذا في مقام الخبر، كأن الإمام النووي عليه رحمة الله أراد أن يخبر أن النبي ﵊ حينما دخل مكة فاتحاً أزال الأصنام من حول الكعبة، فهو يخبرنا بما جرى حقيقة وفعلاً، لكن هذا الحكم ينسحب على المنكر بعد ذلك، فمن تمكن من إزالة المنكر بغير منكر أعظم منه وجب عليه تغيير المنكر.
стр. 1855
شرح حديث ابن عباس في دخول النبي ﷺ مكة وتكسير الأصنام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو بن الناقد وابن أبي عمر -واللفظ لـ ابن أبي شيبة - قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح - عبد الله بن يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم- عن مجاهد -وهو مجاهد بن جبر المكي من كبار تلاميذ ابن عباس - عن أبي معمر -وهو رواية تابعي عن تابعي، وأبو معمر هو عبد الله بن سخبرة الكوفي الأزدي - عن عبد الله بن مسعود قال: (دخل النبي ﷺ مكة -أي: يوم الفتح- وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً)]، وفي رواية: (صنماً).
حول الكعبة (٣٦٠) نصباً أو صنماً، أي: بعدد أيام السنة، لا أدري هل كانوا يعبدون هذه الأصنام كلها في وقت واحد وفي كل يوم، أو أنهم كانوا يعبدون في كل يوم صنماً آخر يختلف عن صنم الأمس، ويختلف عن صنم الغد، بل كان لكل مشرك في مكة أربعة أصنام يعبدها: الصنم الأول في الحرم، والثلاثة الأصنام الباقية في بيته، كان إذا دخل بيته وقبل أن يخرج من بيته يسجد لها ويعبدها ويدعوها من دون الله ، بل إذا أراد أن يسافر انتخب وأقرع بين هذه الآلهة الثلاثة، فاصطحب من خرجت عليه القرعة في سفره حتى لا يُحرم من الشرك في هذه الرحلة.
قال: [(دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود كان بيده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩]) زاد ابن أبي عمر: يوم الفتح].
يعني: دخل مكة يوم الفتح.
قال: [وحدثناه حسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني - أخبرنا الثوري عن ابن أبي نجيح] فكأن السفيانين رويا عن ابن أبي نجيح، في الرواية الأولى سفيان بن عيينة وفي الرواية الثانية سفيان الثوري.
[بهذا الإسناد إلى قوله: ﴿زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] ولم يذكر الآية الأخرى، وقال بدل (نصباً): صنماً].
أنتم تعلمون أن أعظم أوجه الشرك عبادة الأصنام من دون الله ، ولذلك الذي صنعه إخواننا في طالبان من تكسير ذاك الصنم (بوذا) كان من أعظم الأعمال التي قاموا بها، بل هي من أعلى مظاهر التوحيد التي قدّمتها حكومة طالبان للعالم كله، أنهم كفوا أهل الشرك عن شركهم خاصة في بلادهم التي هي تحت سلطانهم.
إذاً: هم قوم لهم الإمارة ولهم الرياسة في هذه البقعة من الأرض، ويأتي الناس من هنا وهناك ليشركوا بالله تعالى على أرض هؤلاء الموحدين، فكان من أوجب الواجبات الشرعية عليهم أن يتخلصوا من هذه الشركيات، كما أنهم تخلصوا من تلك القبور التي كانت تعبد من دون الله ، كما أنهم كذلك قاموا بحرق جميع حقول المخدرات والحشيش والأفيون وغير ذلك، فكلها مظاهر تدل على أن هؤلاء كانوا على النهج السديد القويم.
فالذي يغلب على ظني أنه لا يحب هؤلاء إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافق أو جاهل.
يعني: أقل أحواله أنه جاهل بأحوال هؤلاء، أما إذا كان عالماً بأنهم كانوا قائمين على الحق وهو مع هذا يُبغضهم فلا أقل من كونه منافقاً.
ولذلك قال النبي ﵊: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار) فهذا الحب والبُغض اللذان هما من علامات الإيمان أو النفاق للأنصار إنما مرده إلى حب الأنصار؛ لأنهم نصروا الله ورسوله، فإذا كان هؤلاء في أفغانستان قد نصروا الله تعالى ورسوله، وعملوا بالشرع بالليل والنهار، وأفنوا حياتهم في سبيل إعلاء كلمة التوحيد فإن مبغضهم منافق.
стр. 1856
باب لا يقتل قرشي صبراً بعد الفتح
الباب الثالث والثلاثون: (لا يُقتل قرشي صبراً بعد الفتح).
معنى الصبر: الحبس على الأكل والشرب حتى الموت، وكذلك أن يُقيّد ويُكبّل من يديه من خلف ظهره ويُطعن، هذا أيضاً قتل صبر، وقتل الصبر أنواع كثيرة.
فلا يُقتل قرشي صبراً بعد الفتح.
أي: بعد فتح مكة.
стр. 1857
شرح حديث: (لا يقتل قرشي صبراً)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر ووكيع عن زكريا عن الشعبي -والشعبي هو عامر بن شراحيل قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وكان من أوثق الناس- قال: أخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه -أي: مطيع بن الأسود قيل: العدوي وقيل العذري المدني، وعبد الله بن مطيع له رؤية للنبي ﵊، أما أبوه فمن أصحابه ﵊ ولا خلاف في ذلك، أسلم يوم الفتح، فهو من مسلمة الفتح، وكان اسمه العاص فسماه النبي ﷺ مطيع؛ لأن الطائع ضد العاص، والأصل أن العرب يقولون: العاصي ولكن المحدثين يقولون: العاص.
أي: أن المحدثين يقولون عمرو بن العاص، أما اللغويون فيقولون: عمرو بن العاصي، وغير ذلك من الأسماء فالمحدثون يحذفون الياء واللغويون يثبتون الياء.
فحينما كان في لسان العرب اسمه: العاصي وأسلم سماه النبي ﵊ مطيعاً.
فالذي زكاه هو النبي ﵊، وكان النبي ﵊ يغيّر الأسماء القبيحة إلى أسماء حسنة، كما أراد أن يغير اسم حزن؛ لأن الحزن بمعنى: الصعب الشديد.
قال ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل.
قال: لا.
أنا حزن، السهل يرتقى -يعني: دعني كما أنا حزن - وهو جد سعيد بن المسيب، فـ سعيد بن المسيب بن حزن أبوه وجده صحابيان، وسعيد من كبار التابعين، ومن أئمة الدين، ومن علماء المدينة المنورة.
قال سعيد: لا زلنا نشعر بالحزونة.
أي: بالحدة والشدة والغلظة، مع أن أهل المدينة لا يتصفون بذلك؛ وذلك لأن جده رد على النبي ﵊ اسم سهل، فلو قبِله لكانت فيه السهولة وفي أولاده.
قال: [سمعت النبي ﷺ يقول يوم فتح مكة: (لا يُقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم -أي: بعد فتح مكة- إلى يوم القيامة)].
فهذه شهادة من النبي ﵊ لقريش -وهم من أهل مكة- أنهم لا يُقتلون صبراً إلى قيام الساعة.
قال: [حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي -وهو عبد الله بن نمير - حدثنا زكريا بهذا الإسناد.
وزاد: قال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع].
أي: ممن كان اسمه في قريش العاص، العاص بن فلان والعاص بن فلان، والعاص بن فلان وكانوا أكثر من عشرين، لم يسلم منهم يوم الفتح إلا هذا الذي سماه النبي ﷺ مطيعاً.
ومعنى (لا يُقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة): الإعلام بأن قريشاً يسلمون كلهم.
وهذه من معجزاته ﵊، وإخباره بالغيب، ودليل ساطع من دلائل نبوته ﵊.
فقوله: (لا يقتل قرشي صبراً) ليس نفياً بأن يقتل القرشي صبراً، وإنما هذا إخبار أن قريشاً كلهم سيسلمون، وفعلاً لم يبق أحد من قريش على الكفر والشرك، فهذا إعلام منه ﵊ بأن قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتد أحد منهم كما ارتد غيرهم بعده ممن حورب وقتل صبراً.
وليس المراد: أنهم لا يقتلون ظلماً صبراً، فقد جرى على قريش أكثر من معركة قُتلوا فيها صبراً.
وإنما معناه: أن كل قريش يدخلون في دين الإسلام.
стр. 1858
معنى قوله: (ولم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع)
قال: [(ولم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع) كان اسمه العاصي، فسماه النبي ﷺ مطيعاً].
قال النووي: (قال القاضي عياض: العصاة هنا: جمع العاص، وهو من أسماء الأشخاص لا من الصفات، مثل العاص بن وائل السهمي والعاص بن هشام أبو البختري والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية والعاص بن هشام المخزومي والعاص بن منبه بن الحجاج، لم يسلم أحد من هؤلاء سوى العاص بن الأسود العذري، فغيّر النبي ﷺ اسمه وسماه مطيعاً، وقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم كلهم بحمد الله تعالى، ولكن بعد ذلك، وقد ترك النبي ﵊ أبا جندل بن سهيل بن عمرو على اسمه، وهو ممن أسلم واسمه أيضاً العاص، فإذا صح هذا فيُحتمل أن هذا لمّا غلبت عليه كنيته وجُهِل اسمه؛ لأن كنيته أبو جندل وكان معروفاً ومشهوراً بذلك، إذ كان اسمه العاص؛ ولذلك لم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود والله أعلم).
стр. 1859
باب صلح الحديبية في الحديبية
الباب الرابع والثلاثون: (باب صلح الحديبية في الحديبية).
منهم من يقول: في الحديبيّة.
ومنهم من يسهّل فيقول: الحديبية بغير التشديد، كالجعْرانة والجعرّانة.
قال: باب: (صلح الحديبية في الحديبية)، أي: أن الصلح تم في الحديبية وليس في داخل مكة.
والحديبية: مكان يبعد عن مكة بعض الأميال أو الفراسخ.
стр. 1860
شرح حديث البراء بن عازب في صلح الحديبية
[حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي -وهو معاذ العنبري - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق -وهو السبيعي - قال: سمعت البراء بن عازب يقول: (كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية)].
أي: أن الذي كان يكتب حينذاك وثيقة الصلح بين المسلمين والكافرين هو علي بن أبي طالب، وهذا يدل على أن علياً كان كاتباً ولم يكن أمياً.
قال: [(فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله)] أي: ما صالح عليه رسول الله ﷺ .
قال: [(فقالوا: لا تكتب: رسولُ الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك)] أي: إذا أردت أن تكتب فاكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله؛ لأننا لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فكيف تحتج علينا بصفة لا نؤمن بها، ولا بد أن نتناقش بلغة نتفق عليها.
قال: [(فقال النبي ﵊ لـ علي: امحه)] أي: امح كلمة: رسول الله، واكتب: محمد بن عبد الله.
قال: [(فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه)] وليس هذا من باب الرد على النبي ﷺ ، بل هذا من باب الأدب الزائد مع النبي ﵊، وأحياناً يكون الشيء في نظر العرف يتنافى مع الأدب، وهو في حقيقته عين الأدب، كما كان السلف يفعل بعضهم مع بعض، فغير واحد من علماء السلف كان يتعامل مع شيخه بالليل أنه يمشي أمامه وبالنهار يمشي خلفه، فلما سُئل عن ذلك؟ قال: أخشى أن تدركه حفرة فيقع فيها، أما بالنهار فالطريق مكشوفة فهو يمشي أولاً، ولا شك أن الولد إذا مشى أمام والده أو التلميذ مشى أمام شيخه يدل هذا على سوء الأدب، ولكنه ليس من سوء أدب عند التحقيق إذا دعت إلى ذلك الضرورة، والأصل أن يتقدم الشيخ وأن يتقدم الوالد، والسلطان، وأصحاب الوجاهات، ويكون الأتباع من ورائهم.
قال: [(فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه)] وفي رواية: (ما أنا بالذي أمحوه).
قال: [(فمحاه النبي ﷺ بيده.
قال: وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً)] الذي اشترط هذا الشرط هم المشركون، ودخول مكة يكون في العام المقبل؛ لأن الرواية هذه مختصرة جداً.
حصل الاتفاق بين المشركين وبين النبي ﵊، وكان كاتب النبي ﷺ في هذا الاتفاق هو علي بن أبي طالب، والذي ناب عن قريش هو سهيل بن عمرو، وكان هذا الصلح له ثلاثة شروط: الشرط الأول: ألا يدخلوا مكة من هذا العام ويدخلوها من العام المقبل، ويمكثوا بها ثلاثة أيام فحسب، ولا يأتوا معهم من السلاح والكراع إلا الشيء اليسير.
الشرط الثاني: أن يرد المسلمون من أتاهم من المشركين مسلماً.
الشرط الثالث: ألا تُلزم قريش برد من أتاها مرتداً.
أي: أن الذي يأتي إلى قريش من طرف محمد يقبلونه، ولا يلزمون برده، أما الذي يأتي مسلماً من قريش إلى محمد ﵊ فلا يقبل، بل يجب على المسلمين رده.
قال: [(وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح)] أي: الأجربة اليسيرة التي يوضع فيها السهم والرمح، أي: أنها أشياء لا تصلح للقتال إلا شيئاً يسيراً.
[قلت -أي: قال شعبة - لـ أبي إسحاق: وما جلبان السلاح؟ قال: القراب وما فيه] أي: الجراب الذي يوضع فيه السيف.
وإنما اشترطوا هذا لوجهين: الوجه الأول: ألا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين.
أي: لتقول قريش: أن محمداً دخل بغير سلاح؛ لأنه لو دخل بسلاح فإنه سيدخل في صورة الداخل الفاتح المنتصر، فهم لا يريدون ذلك.
والثاني: أنه إن عُرض فتنة يكون هناك صعوبة في الاستعداد بالسلاح، أي: لا يجد سلاحاً يدافع به عن نفسه، ومع هذا رضي النبي ﵊ بهذا.
[حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب يقول: (لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي كتاباً بينهم.
قال: فكتب: محمد رسول الله) ثم ذكر بنحو حديث معاذ غير أنه لم يذكر في الحديث: (هذا ما كاتب عليه)].
следующие страницы →