← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

باب لا يقتل قرشي صبراً بعد الفتح الباب الثالث والثلاثون: (لا يُقتل قرشي صبراً بعد الفتح). معنى الصبر: الحبس على الأكل والشرب حتى الموت، وكذلك أن يُقيّد ويُكبّل من يديه من خلف ظهره ويُطعن، هذا أيضاً قتل صبر، وقتل الصبر أنواع كثيرة. فلا يُقتل قرشي صبراً بعد الفتح. أي: بعد فتح مكة.

стр. 1857

شرح حديث: (لا يقتل قرشي صبراً) قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر ووكيع عن زكريا عن الشعبي -والشعبي هو عامر بن شراحيل قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وكان من أوثق الناس- قال: أخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه -أي: مطيع بن الأسود قيل: العدوي وقيل العذري المدني، وعبد الله بن مطيع له رؤية للنبي ﵊، أما أبوه فمن أصحابه ﵊ ولا خلاف في ذلك، أسلم يوم الفتح، فهو من مسلمة الفتح، وكان اسمه العاص فسماه النبي ﷺ مطيع؛ لأن الطائع ضد العاص، والأصل أن العرب يقولون: العاصي ولكن المحدثين يقولون: العاص. أي: أن المحدثين يقولون عمرو بن العاص، أما اللغويون فيقولون: عمرو بن العاصي، وغير ذلك من الأسماء فالمحدثون يحذفون الياء واللغويون يثبتون الياء. فحينما كان في لسان العرب اسمه: العاصي وأسلم سماه النبي ﵊ مطيعاً. فالذي زكاه هو النبي ﵊، وكان النبي ﵊ يغيّر الأسماء القبيحة إلى أسماء حسنة، كما أراد أن يغير اسم حزن؛ لأن الحزن بمعنى: الصعب الشديد. قال ما اسمك؟ قال: حزن، قال: بل أنت سهل. قال: لا. أنا حزن، السهل يرتقى -يعني: دعني كما أنا حزن - وهو جد سعيد بن المسيب، فـ سعيد بن المسيب بن حزن أبوه وجده صحابيان، وسعيد من كبار التابعين، ومن أئمة الدين، ومن علماء المدينة المنورة. قال سعيد: لا زلنا نشعر بالحزونة. أي: بالحدة والشدة والغلظة، مع أن أهل المدينة لا يتصفون بذلك؛ وذلك لأن جده رد على النبي ﵊ اسم سهل، فلو قبِله لكانت فيه السهولة وفي أولاده. قال: [سمعت النبي ﷺ يقول يوم فتح مكة: (لا يُقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم -أي: بعد فتح مكة- إلى يوم القيامة)]. فهذه شهادة من النبي ﵊ لقريش -وهم من أهل مكة- أنهم لا يُقتلون صبراً إلى قيام الساعة. قال: [حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي -وهو عبد الله بن نمير - حدثنا زكريا بهذا الإسناد. وزاد: قال: ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع]. أي: ممن كان اسمه في قريش العاص، العاص بن فلان والعاص بن فلان، والعاص بن فلان وكانوا أكثر من عشرين، لم يسلم منهم يوم الفتح إلا هذا الذي سماه النبي ﷺ مطيعاً. ومعنى (لا يُقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة): الإعلام بأن قريشاً يسلمون كلهم. وهذه من معجزاته ﵊، وإخباره بالغيب، ودليل ساطع من دلائل نبوته ﵊. فقوله: (لا يقتل قرشي صبراً) ليس نفياً بأن يقتل القرشي صبراً، وإنما هذا إخبار أن قريشاً كلهم سيسلمون، وفعلاً لم يبق أحد من قريش على الكفر والشرك، فهذا إعلام منه ﵊ بأن قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتد أحد منهم كما ارتد غيرهم بعده ممن حورب وقتل صبراً. وليس المراد: أنهم لا يقتلون ظلماً صبراً، فقد جرى على قريش أكثر من معركة قُتلوا فيها صبراً. وإنما معناه: أن كل قريش يدخلون في دين الإسلام.

стр. 1858

معنى قوله: (ولم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع) قال: [(ولم يكن أسلم من عصاة قريش غير مطيع) كان اسمه العاصي، فسماه النبي ﷺ مطيعاً]. قال النووي: (قال القاضي عياض: العصاة هنا: جمع العاص، وهو من أسماء الأشخاص لا من الصفات، مثل العاص بن وائل السهمي والعاص بن هشام أبو البختري والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية والعاص بن هشام المخزومي والعاص بن منبه بن الحجاج، لم يسلم أحد من هؤلاء سوى العاص بن الأسود العذري، فغيّر النبي ﷺ اسمه وسماه مطيعاً، وقد أسلم عصاة قريش وعتاتهم كلهم بحمد الله تعالى، ولكن بعد ذلك، وقد ترك النبي ﵊ أبا جندل بن سهيل بن عمرو على اسمه، وهو ممن أسلم واسمه أيضاً العاص، فإذا صح هذا فيُحتمل أن هذا لمّا غلبت عليه كنيته وجُهِل اسمه؛ لأن كنيته أبو جندل وكان معروفاً ومشهوراً بذلك، إذ كان اسمه العاص؛ ولذلك لم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود والله أعلم).

стр. 1859

باب صلح الحديبية في الحديبية الباب الرابع والثلاثون: (باب صلح الحديبية في الحديبية). منهم من يقول: في الحديبيّة. ومنهم من يسهّل فيقول: الحديبية بغير التشديد، كالجعْرانة والجعرّانة. قال: باب: (صلح الحديبية في الحديبية)، أي: أن الصلح تم في الحديبية وليس في داخل مكة. والحديبية: مكان يبعد عن مكة بعض الأميال أو الفراسخ.

стр. 1860

شرح حديث البراء بن عازب في صلح الحديبية [حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي -وهو معاذ العنبري - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق -وهو السبيعي - قال: سمعت البراء بن عازب يقول: (كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية)]. أي: أن الذي كان يكتب حينذاك وثيقة الصلح بين المسلمين والكافرين هو علي بن أبي طالب، وهذا يدل على أن علياً كان كاتباً ولم يكن أمياً. قال: [(فكتب: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله)] أي: ما صالح عليه رسول الله ﷺ . قال: [(فقالوا: لا تكتب: رسولُ الله، فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك)] أي: إذا أردت أن تكتب فاكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد الله؛ لأننا لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فكيف تحتج علينا بصفة لا نؤمن بها، ولا بد أن نتناقش بلغة نتفق عليها. قال: [(فقال النبي ﵊ لـ علي: امحه)] أي: امح كلمة: رسول الله، واكتب: محمد بن عبد الله. قال: [(فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه)] وليس هذا من باب الرد على النبي ﷺ ، بل هذا من باب الأدب الزائد مع النبي ﵊، وأحياناً يكون الشيء في نظر العرف يتنافى مع الأدب، وهو في حقيقته عين الأدب، كما كان السلف يفعل بعضهم مع بعض، فغير واحد من علماء السلف كان يتعامل مع شيخه بالليل أنه يمشي أمامه وبالنهار يمشي خلفه، فلما سُئل عن ذلك؟ قال: أخشى أن تدركه حفرة فيقع فيها، أما بالنهار فالطريق مكشوفة فهو يمشي أولاً، ولا شك أن الولد إذا مشى أمام والده أو التلميذ مشى أمام شيخه يدل هذا على سوء الأدب، ولكنه ليس من سوء أدب عند التحقيق إذا دعت إلى ذلك الضرورة، والأصل أن يتقدم الشيخ وأن يتقدم الوالد، والسلطان، وأصحاب الوجاهات، ويكون الأتباع من ورائهم. قال: [(فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه)] وفي رواية: (ما أنا بالذي أمحوه). قال: [(فمحاه النبي ﷺ بيده. قال: وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً)] الذي اشترط هذا الشرط هم المشركون، ودخول مكة يكون في العام المقبل؛ لأن الرواية هذه مختصرة جداً. حصل الاتفاق بين المشركين وبين النبي ﵊، وكان كاتب النبي ﷺ في هذا الاتفاق هو علي بن أبي طالب، والذي ناب عن قريش هو سهيل بن عمرو، وكان هذا الصلح له ثلاثة شروط: الشرط الأول: ألا يدخلوا مكة من هذا العام ويدخلوها من العام المقبل، ويمكثوا بها ثلاثة أيام فحسب، ولا يأتوا معهم من السلاح والكراع إلا الشيء اليسير. الشرط الثاني: أن يرد المسلمون من أتاهم من المشركين مسلماً. الشرط الثالث: ألا تُلزم قريش برد من أتاها مرتداً. أي: أن الذي يأتي إلى قريش من طرف محمد يقبلونه، ولا يلزمون برده، أما الذي يأتي مسلماً من قريش إلى محمد ﵊ فلا يقبل، بل يجب على المسلمين رده. قال: [(وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً، ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح)] أي: الأجربة اليسيرة التي يوضع فيها السهم والرمح، أي: أنها أشياء لا تصلح للقتال إلا شيئاً يسيراً. [قلت -أي: قال شعبة - لـ أبي إسحاق: وما جلبان السلاح؟ قال: القراب وما فيه] أي: الجراب الذي يوضع فيه السيف. وإنما اشترطوا هذا لوجهين: الوجه الأول: ألا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين. أي: لتقول قريش: أن محمداً دخل بغير سلاح؛ لأنه لو دخل بسلاح فإنه سيدخل في صورة الداخل الفاتح المنتصر، فهم لا يريدون ذلك. والثاني: أنه إن عُرض فتنة يكون هناك صعوبة في الاستعداد بالسلاح، أي: لا يجد سلاحاً يدافع به عن نفسه، ومع هذا رضي النبي ﵊ بهذا. [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب يقول: (لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي كتاباً بينهم. قال: فكتب: محمد رسول الله) ثم ذكر بنحو حديث معاذ غير أنه لم يذكر في الحديث: (هذا ما كاتب عليه)].

стр. 1861

شرح رواية أخرى لحديث البراء في صلح الحديبية [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه - وأحمد بن جناب المصيصي. جميعاً عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي -واللفظ لـ إسحاق - قال: أخبرنا عيسى بن يونس أخبرنا زكريا عن أبي إسحاق عن البراء. قال: (لما أحصر النبي ﷺ عند البيت -أي: قريباً من مكة- صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثاً، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف وقرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحداً يمكث بها ممن كان معه. قال لـ علي: اكتب الشرط بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)] قاضى بمعنى: فاصل. من المفاصلة والمنازعة والاستقرار على شرط معيّن. قال: [(فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك -وفي رواية: بايعناك- ولكن اكتب محمد بن عبد الله)] لأن هذا هو الاسم الذي نعرفك به ولا ننكرك، أما رسول الله فنحن ننكر ذلك. قال: [(فأمر علياً أن يمحاها، فقال علي: لا والله لا أمحاها. فقال النبي ﵊: أرني مكانها)] وهذا يدل على أنه ﵊ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب. قال: [(فأراه مكانها فمحاها، وكتب: ابن عبد الله)] أي: وكتب علي مكان رسول الله ابن عبد الله، فتصير الجملة: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. قال: [(فأقام بها ثلاثة أيام -وهذا يعني: أنه أقام بها من العام المقبل- فلما أن كان يوم الثالث قالوا لـ علي: هذا آخر يوم من شرط صاحبك)]. إن النبي ﵊ عازم على الوفاء بالعهد، وسيخرج من آخر اليوم، ولكنهم احتاطوا لأنفسهم، فنبّهوا علياً في أول النهار: [(هذا آخر يوم من شرط صاحبك فأمره فليخرج. فأخبره بذلك فقال: نعم)] أي: هذا شرط بيننا من العام الماضي أننا لو أتينا مكة في هذا العام لا نمكث بها إلا ثلاثة أيام وأنا أذكر هذا الشرط، وبالتالي أمر النبي ﷺ أصحابه أن يخرجوا من مكة وخرج أمامهم، دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها ﵊. [وقال ابن جناب في روايته مكان تابعناك: (بايعناك)].

стр. 1862

شرح حديث أنس بن مالك في صلح الحديبية قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار - حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت -وهو ابن أسلم البناني - عن أنس: (أن قريشاً صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل بن عمرو)]. أي: الذي كان يتزعَم قريش في ذلك الوقت هو سهيل بن عمرو. قال: [(فقال النبي ﵊ لعلي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب: باسمك اللهم)] حتى نخرج من الخلاف. واليهود في المدينة كانوا يعظّمون اسم الرحمن، أما المشركون في مكة فما كانوا يعرفون الرحمن ولا الرحيم، إنما كانوا يعرفون (باسم الله) أو (باسمك اللهم)؛ ولذلك حينما دخل النبي ﵊ المدينة وسمع به عبد الله بن سلام أتاه وقال: (يا محمد! إني سائلك ثلاثة أسئلة لا يعرفها إلا نبي أو رجل أو رجلان) أي: فإن أجبت فأنت نبي. فكان السؤال الأول هو: (ما أول طعام أهل الجنة؟) والسؤال الثاني: (ما أول أشراط الساعة؟) والسؤال الثالث: (كيف ينزع الولد؟) فقال النبي ﵊: (أما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما أول أشراط الساعة فنار تخرج من اليمن تحشر الناس إلى الشام، وإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه) أي: إذا سبق في الإنزال والقذف ماء الرجل ماء المرأة وافق الولد لأبيه، أي: في الذكورة أو في الشبه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها. أي: في الأنوثة أو في الشبه. قال: (أشهد أنك نبي، وقال: يا عبد الله بن سلام! أرأيت ما قد أجبتك لم يكن لي به علم، فلما سألتني نزل جبريل فأخبرني. قال: أو الذي ينزل عليك من السماء هو جبريل يا رسول الله؟! قال: نعم. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة) فاليهود كانوا يعادون جبريل، فلما أسلم عبد الله قال: (يا رسول الله! ادع اليهود وسلهم عني قبل أن تخبرهم بإسلامي، فدعاهم النبي ﵊ وقال: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: هو سيدنا وابن سيدنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، وعالمنا وابن عالمنا وصاروا يمدحونه، فخرج عليهم عبد الله بن سلام من خلف الخباء قال: فإني آمنت بالله ورسوله. قالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا، وحقيرنا وابن حقيرنا). فاليهود أقذر خلق الله في كل زمان ومكان. كان عمر بن الخطاب ﵁ له أرض في عوالي المدينة، وذات يوم ذهب إلى أرضه فطمِع فيه يهود بني النضير. قالوا: يا عمر! لو كان ينزل على صاحبك غير جبريل لاتبعناه، فاذهب إليه واجعله يغيّر جبريل أو ينظر غيره من الملائكة. قال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ يعني: بماذا أحلف لكم حتى تصدقوني؟ قالوا: الرحمن؛ لأنهم يطمعون في الجنة، والرحمن من الرحمة. فلما قالوا: الرحمن قال: والرحمن. والشاهد: أن اليهود كانوا يعظّمون الرحمن، والله تعالى يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]. قال: [فقال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم؟ ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: النبي ﵊: اكتب: من محمد رسول الله. قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي ﵊: اكتب: من محمد بن عبد الله. فاشترطوا على النبي ﵊ أن من جاء منكم لم نرده عليكم -أي: الذي يأتينا من طرفك يا محمد! لا نرده- ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله! أنكتب هذا؟ فقال: نعم. إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله)] أي: من يريد أن يكفر فليكفر، وهذا موقف عظيم جداً من مواقف التربية على الإيمان والعقيدة، فالذي يريد أن يخرج من المسلمين ليتنصر أو يصبح يهودياً فلا مرحباً به، فليذهب حيث شاء: (أبعده الله) وهذا دعاء عليه، وهل بعد أن يترك دينه ويرتد على عقبيه ويختار الكفر على الإيمان بعد عن الله؟ فلو كان بين أيدينا لأقمنا عليه حد الردة: (من بدّل دينه فاقتلوه) أما إذا غافل المسلمين وخرج من بينهم إلى بلاد الكفر فأبعده الله ، والحدود لا يقيمها إلا الحاكم. ثم في الصحيح أن خباب بن الأرت أتى النبي ﷺ -وكان ذلك في مكة قبل الهجرة، وقد نزل به وبأصحابه من المشركين أذى كثيراً- فقال

стр. 1863

شرح حديث شقيق بن سلمة وذكره خطبة سهل بن حنيف في صفين قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا ابن نمير -وتقاربا في اللفظ- حدثنا أبي حدثنا عبد العزيز بن سياه قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل -وهو شقيق بن سلمة - قال: (قام سهل بن حنيف يوم صفّين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم)]. سهل بن حنيف كان من الذين قاتلوا يوم صفّين، وكانت الحرب بين الخوارج وبين علي بن أبي طالب، وكان سهل بن حنيف في جانب علي بن أبي طالب، وكان أصحاب معاوية حينما أحسّوا بالخطر رفعوا المصاحف على أسنة الرماح، وبعض ممن كان مع علي بن أبي طالب: قال: كيف نقاتل قوماً رفعوا كتاب الله. ولكن علي بن أبي طالب كان فطناً فعلِم أن هذه خدعة، فاضطر إلى التحكيم والصلح وكان أصحابه يرفضون الصلح، فقام سهل بن حنيف خطيباً فيهم وقال: (أيها الناس! اتهموا أنفسكم) أي: أنه ينبغي أن تعتقدوا أنكم أخطأتم، ويجب أن تكونوا تبعاً لإمامكم علي بن أبي طالب؛ لأنه أعرف الناس وأفهمهم وأفظنهم، وإذا اختار الإمام خيرة فلا يجوز لأحد ممن كان معه أن يرى شيئاً آخر، وإن رأى شيئاً آخر فلا ينبغي أن يخالف في العمل إمامه؛ لأننا كنا في صلح الحديبية ننكر على النبي ﵊ تلك الشروط التي وافق عليها في صلح الحديبية، ثم تبيّن لنا بعد ذلك أن الخير كل الخير فيما وافق النبي ﵊ عليه. قال: [(أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه سلم وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: نعم. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا)] أي: بما أنك توافقني في أننا على الحق وهم على الباطل، وقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فلماذا اخترت هذا الدون ووافقت على هذه الشروط؟ يا رسول الله دنية ونحن لا يمكن أن نوافق عليها، والدنية: هو الشيء الدوني الهابط النازل. قال: [(فقال: يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً. قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظاً، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟)] يعني: لماذا نرجع إلى المدينة والحرب لم نعتمر أو نقاتلهم. قال: [(فقال: يا ابن الخطاب! إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً)] فكانت موافقة أبي بكر تمام الموافقة لكلام النبي ﷺ دليل قوي على أن أبا بكر كان ملهماً، كما يدل ذلك على المنزلة السامية لـ أبي بكر، فإن عمر لم يذهب إلى غير أبي بكر إلا لاعتقاده أن أبا بكر هو الرجل الأول بعد النبي ﵊. وهذه إشارة عظيمة جداً لمشروعية استخلاف أبي بكر، كما أن إمامة أبي بكر ثابتة بالنص الصريح الصحيح، وهناك نصوص أخرى تُفهم منها إشارات إلى إمامة أبي بكر بعد النبي ﵊. قال: [(فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح)] أي: أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] والفتح المبين: هو فتح مكة، وهذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، والله تعالى أعلم. قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح:١] ولم يقل: إنا سنفتح، خاطبه بأسلوب الماضي للدلالة على تحقق ما سيأتي في المستقبل مع أنه لم يتم الفتح بعد، ولكنه سيتم. قال: [(فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه)] عندما نزلت الآيات هذه من أول سورة الفتح بعث النبي ﷺ إلى عمر ﴿فقال: يا رسول الله! أوفتح هو؟)] أي: هل من المعقول أنه يعقب هذه الشروط خير وفتح [(قال: نعم. فطابت نفسه ورجع)] طابت نفس عمر ورجع عن قوله الذي كان يقول.

стр. 1864

قصة أبي جندل وأبي بصير وهروبهما من قريش قال: [حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ومحمد بن عبد الله بن نمير. قالا: حدثنا أبو معاوية وهو محمد بن خازم ضرير عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن شقيق - أبي وائل - قال: سمعت سهل بن حنيف يقول بصفين: (أيها الناس! اتهموا رأيكم. والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته)] أي: ليت النبي ﷺ جعل لنا حرية الاختيار نقبل أو نرد، ولو كان كذلك لكنت أول من رد هذا. قال: [(ووالله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا)] أي: القتال الواقع بينكم وبين أهل الشام. إن يوم أبي جندل ﵁ كان يوماً عجيباً جداً؛ وذلك لما حصل في أثناء كتابة وثيقة الصلح التي بين المشركين وبين النبي ﵊، كان فيها: من أتاكم منا يا محمد! لا تقبلوه بل يجب عليكم رده. ذكر البخاري أن أبا جندل كان أسلم ونزل من طريق سفلي حتى هبط إلى المسلمين في الحديبية، وكان أبو جندل في معسكر الشرك أثناء كتابة الصحيفة، فقال سهيل بن عمرو: يا محمد! هذا أول شرط معك قد أتاك أبو جندل مسلماً منا إذاً: وجب عليك رده، فقال النبي ﷺ : لم نكتب الصحيفة بعد. وذلك أنه لم يتم الختم عليها، ولا تتم الصحيفة إلا بالأختام، والنبي ﷺ كان له ختم. قال: إذاً والله لا أُعاهدك أبداً على شيء. وسهيل بن عمرو والد أبي جندل، فقال النبي ﵊: ردوا عليه ولده، فقام أبو جندل يضرب الأرض ويقول: كيف تردونني إلى المشركين وقد أتيتكم مسلماً؟ فقال النبي ﷺ : ردوه إلى قومه. فردّوه إلى قومه، وحينما وثق النبي ﵊ الصحيفة رجع إلى المدينة، فأتاه أبو بصير من مكة مسلماً، وكان في إثره اثنان من زعماء قريش من المشركين، فقالا: يا محمد! قد أتاك منا أبو بصير وإنه ليلزمك أن ترده إلينا حسب الاتفاق الذي بيننا وبينك، فقال النبي ﵊ لـ أبي بصير: (اذهب معهم لا نقبلك. قال: سمعاً وطاعة لرسول الله) والحديث في البخاري. فمشى معهما أبو بصير حتى نزلوا ذا الحليفة وهو ميقات أهل المدينة، فقال أبو بصير لأحدهما: ما أجمل سيفك! قال: نعم. ما أجمله وأحده، لقد قتلت به فلاناً وفلاناً وفلاناً وصار يعدد شمائل هذا السيف. فقال: أرني أنظر إليه، فدفعه إليه فقام إليه أبو بصير فقتله، فلما رأى الثاني ما كان من أبي بصير ولى هارباً إلى المدينة، فلما رآه النبي ﷺ قال: (لقد ذعر فلان) أي: أصابه الفزع، وكأن شيئاً قد حصل، فأخبر النبي ﷺ بقتل أبي بصير صاحبه. ولم يرجع أبو بصير إلى المدينة، بل اختبأ في الطريق المؤدي ما بين مكة والشام، وذاع أمره وانتشر صيته في الأرض، فعلم أهل مكة أن أبا بصير في الطريق، فلحق به أبو جندل، وأنتم تعملون أن قتال الكهوف والجبال ليس له حل، وكان كل من أسلم من قريش لحق بـ أبي جندل وأبي بصير؛ حتى كونوا جيشاً عظيماً، وكلما مرت قافلة لأهل مكة ذاهبة إلى الشام أو قادمة من الشام إلى مكة خرجوا إليها وقتلوا من فيها، وأخذوا ما معهم من إبل وزاد وطعام وشراب. إذاً: الشرط الذي تضايق منه عمر كان شرطاً جميلاً جداً، ولكنكم فعلاً قوم تستعجلون!! قال: [وحدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة عن مالك بن مغول عن أبي حَصين] وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي ثقة ثبت سني، وكانت كلمة سني عند السلف تُطلق على الرجل الداعية إلى مذهب السلف في الاعتقاد خلافاً للشيعة. قال: [قال: عن أبي حَصين عن أبي وائل قال: سمعت سهل بن حنيف بصفين يقول: (اتهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ . ما فتحنا منه في خصم إلا انفجر علينا منه خصم)] أي أنه كلما أصلحنا من أمركم شيئاً ظهر شيء آخر. قال: [وحدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: (

стр. 1865

ما يستفاد من أحاديث صلح الحديبية من أحكام

стр. 1866

حكم مصالحة الكفار في هذه الأحاديث دليل على جواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة، كحقن دماء المسلمين، وإعادة ترتيب الصفوف، والاستعداد بالسلاح والكراع والطعام وغير ذلك لملاقاة الأعداء، فهذه مصالحة على هدنة من الوقت والزمن لإعادة الترتيب. كما أنه يجوز مصالحة الكفار إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وهذا محل إجماع لم يخالف فيه أحد، لكنهم اختلفوا في المدة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١]، فمنهم من قال: أقصاها عشر سنوات، ومنهم من قال: خمس. وسبع، وثلاث، وسنة. وأرجح الأقوال قول مالك حيث قال: مرد ذلك إلى الإمام، ويراعي في ذلك مصلحة المسلمين، لا حد لذلك، بل يجوز ذلك -قل أم كثر- بحسب رأي الإمام.

стр. 1867

معنى قول عمر: (ففيم نعطي الدنية في ديننا) أما قول عمر بن الخطاب ﵁: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ فإنه لم يكن هذا الكلام من عمر شكاً بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار بظهور الإسلام، كما عُرف من خلقه ﵁ وقوته في نصرة الدين وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر ﵁ لـ عمر بمثل جواب النبي ﵊ فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله وبارع علمه وزيادة عرفانه، ورسوخه في كل ذلك، وزيادته فيه كله على غيره ﵁.

стр. 1868

إعلام الإمام كبار أصحابه بما يقع من الأمور المهمة وفي هذا الحديث كذلك إعلام الإمام والعالم كبار أصحابه بما يقع له من الأمور المهمة، والبعث إليهم لإعلامهم بذلك؛ ولذلك النبي ﵊ حينما نزلت عليه الآيات التي تبشّره بهذا النصر أرسل إلى عمر، وأراد أن يُقدّم المعذرة بين يديه ﵊، وإلا كان بإمكانه أن يقول له: ما كان الأمر إلا شورى. فالأمر شورى وليس ديمقراطية، فالديمقراطية ليست مذهباً شرعياً وإسلامياً، بل هو مذهب كفري؛ لأنها تعني: أن الحكم لغير الله؛ فتعريف الديمقراطية: حكم الشعب بالشعب، أي الناس هم الذين يحكمون بعضهم البعض، والله ليس له علاقة بالناس، فأين الحاكمية لله ؟ إذاً: كلمة الديمقراطية تعني: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، والدين في المساجد، وكان من قبل يقولون لنا: إن الدين النصراني داخل الكنيسة، فهو ليس له علاقة بالحياة، والآن تريد النصرانية الصليبية العالمية قتال الإسلام، وهذا دليل على كذبهم. وأراد النبي ﵊ بذلك تصبير الناس على الصلح، وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، فإنه يرجى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وهذا الحديث من المعجزات.

стр. 1869

ثمرات وفوائد صلح الحديبية قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي ﵊ كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بهذه الشريعة مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلط المشركون بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون من المدينة إلى مكة، وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبي ﵊ مفصلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، أي: في السنة التي كانت بين صلح الحديبية وبين فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا جميعاً، لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش عن بكرة أبيها في يوم الفتح أسلم جميع هؤلاء البوادي، فنزل قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على النبي محمد.

стр. 1870

الأسئلة

стр. 1871

حكم رفع المصاحف على أسنة السيوف، والخوض فيما وقع بين الصحابة السؤال من رفع المصاحف على أسنة السيوف هل يكفر؟ الجواب رفع المصاحف على أسنّة السيوف والرماح ليس كفراً ولا خطيئة، وإنما فعلوا ذلك إعلاماً منهم أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى كتاب الله، ولا يجوز لك يا أخي المسلم! أن تخوض في هذه الفتنة، فمثلك كمثل رجل يحرص أن يعرف كيف يصلي وكيف يصوم، ومنهج سلف الأمة أننا لا نخوض فيما وقع بين الصحابة ﵃، ونحسّن الظن بهم جميعاً، وأن ما وقع بينهم لم يكن إلا عن اجتهاد.

стр. 1872

حكم الأكل من المال الحرام إذا ترتب على ذلك مضرة السؤال أعمل طبيباً وقد دخلت الجيش، والقوم في ذلك المكان يأخذون الأدوية من المخزن ويعطونه لمستودعات الطعام، ويأخذون كميات كبيرة من اللحوم وغيرها، ومن لم يأكل منه يُهان ويُحبس في المكان، ويُعامل معاملة سيئة، فهل آكل منه وأتصدق بقيمة ما أكلت، أم ماذا أفعل؟ الجواب أحسنت المخرج، إذا ترتب على ذلك مضرة عظيمة لك فكل وتصدّق بثمنه، ولا بأس أن تكون هذه الصدقة في وسط الجند، أي: في نفس المكان.

стр. 1873

بيان أقل المهر وأكثره السؤال أنا لا أستطيع أن أشتري إلا حجرة نوم فقط وشقة، ولا أستطيع أن أشتري ذهباً، فهل حديث النبي ﵊ (التمس ولو خاتماً من حديد) يوجب علي أن أشتري خاتماً على سبيل الهدية؟ الجواب على أية حال الصداق ليس لأكثره حد، وأقله ما تعارف عليه العرف أنه مال، بل من صحابيات النبي ﵊ من قبِلت أن تتزوج على نعل. أترضين من نفسكِ بنعل؟ قالت: بلى، أنا أقبل أن يكون صداقي هو النعل. والحقيقة لا يزال الخير في الأمة، ولي أخ تزوج وقدّم الصداق كتاب فتح الباري.

стр. 1874

الحكم على حديث: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) السؤال ما مدى صحة قول الرسول ﵊: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)؟ الجواب حديث صحيح.

стр. 1875

حكم الصلاة خلف إمام يلحن في قراءته لحناً خفياً السؤال ما حكم الصلاة خلف إمام يقرأ بلحن خفي، مع أنه رجل نحسبه على خير؟ الجواب الصلاة صحيحة، إذا كان يلحن لحناً خفياً لا يعرفه إلا أهل التخصص فلا بأس بذلك، في الغنة والمد والإخفاء والإدغام وغير ذلك، أما إذا كان يلحن لحناً جلياً يقلب المعاني رأساً على عقب، فهذا لا تصح الصلاة خلفه.

стр. 1876

حكم من أذن وخرج ليدعو أي شخص ليصلي معه السؤال كنت أؤذن في مسجد لا يأتي فيه أحد وكنت أخرج بعد الأذان لكي أدعو أي شخص أجده ليصلي معي، فهل دخلت في حكم حديث النهي؟ الجواب لا، فأنت خرجت تطلب وتريد من يصلي معك جماعة، فأنت خرجت بنية الدخول مرة أخرى، وهذا لا يدخل في حديث النهي.

стр. 1877

حكم الدخول في المناقصات وبيع الرجل ما ليس عنده السؤال هل يجوز الدخول في المناقصات التي تعينها بعض الجهات الحكومية أو المحافظة أو البلدية، وإن كان هذا الرجل الذي يريد ذلك ليس عنده هذه الأشياء المطلوبة، ولكن بعد إرساء المناقصة عليه سيقوم بشراء هذه الأصناف من السوق؟ الجواب لا يجوز له ذلك؛ لأن هذا الرجل الذي رست عليه المناقصة يبيع ما ليس عنده، وقد نهى النبي ﵊ أن يبيع الرجل ما ليس عنده، ونهاه أن يبيع الشيء حتى ينقله إلى رحله، فالذي يبيع أشياء ليست عنده فالبيع ليس صحيحاً، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1878

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - وجوب الوفاء بالعهد - الأحزاب - أُحد الوفاء بالعهد من الصفات التي حث عليها الإسلام، ولا فرق في أن يكون المعاهد صديقاً أو عدواً، مسالماً أو محارباً، بل هو في العداوة والحرب أولى لما في ذلك من إظهار لأخلاق الإسلام، وبيان رفضه لأخلاق الغدر والخيانة ومحاربته لها.

стр. 1879

باب الوفاء بالعهد إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب الخامس والثلاثون من كتاب الجهاد والسير: (باب الوفاء بالعهد). أي: باب وجوب الوفاء بالعهد.

стр. 1880

شرح حديث: (انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة] وهو أخو عثمان وأخو القاسم. هم ثلاثة، وأبو بكر، أوثقهم وأعدلهم وأعلمهم وهو صاحب الكتاب العظيم المعروف بمصنف ابن أبي شيبة. قال: [حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة - عن الوليد بن جميع حدثنا أبو الطفيل - عامر بن واثلة بن الأسقع - آخر من مات من الصحابة على الإطلاق- قال: حدثنا حذيفة بن اليمان -اليمان لقب، أما أبوه فاسمه حسل أو حسيل - قال حذيفة: (ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة)] حينما أراد أن يخرج من مكة هو وأبوه اعترضهم كفار مكة. قالوا: ما تريدون إلا أن تلحقوا بمحمد لتقاتلونا معه. قالوا: ما نريد محمداً إنما نريد أن ندخل المدينة. قال: [(فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه)] أي: إذا كنتم صادقين فيما تزعمون أنكم تريدون المدينة، ولا تريدون أن تلحقوا بمحمد وجيشه ﵊ فأعطونا العهد والميثاق على ألا تقاتلونا مع محمد ﵊. قال: [(فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: انصرفا. نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)]. قوله: (انصرفا) أي: لا تشاركانا في قتال قريش، وفاء لهم بعهدهم والتزاماً بميثاقهم، مع أنهم كفار ومشركون إلا أننا أعطينا العهد والميثاق ألا نقاتل، فيجب الوفاء والالتزام بهذا العهد، وهذا يدل على حرمة نقض العهد بغير مبرر. أما إذا نقض صاحب العهد معنا عهده فنحن لا نطالب باحترام العهد، بل نحن في حل من العهد، فإذا عاهد اليهود المسلمين أو النصارى المسلمين أو الكفار عموماً المسلمين في دار الحرب أو في دار السلم على قطع القتال وإعطاء الأمان مدة معينة من الزمان أو مدة غير معينة؛ فحينئذ يجب على الطرفين احترام العهد والميثاق، والأصل في المسلم ألا يغدر وألا يغش؛ فإن غدر العدو فهل يلزمنا نحن بعد ذلك الغدر؟ الجواب لا، فنحن لا نغدر في كل الأحوال، وإنما الذي يأتي منا بعد نقض العهد هو الرجوع إلى الأصل الأول قبل العهد، حتى لا يقال حينما غدر اليهود فغدر المسلمون، فلا يسمى رد فعل المسلمين على غدر اليهود بغدر، وإنما بمجرد وقوع الغدر تحلل الطرفان من الميثاق والعهد، فرجع المسلمون إلى الأصل الأول قبل العهد والميثاق، فحينئذ لا يقال لرد فعل المسلمين على اليهود بعد نقض عهدهم: (قد غدروا)؛ لأن المسلم لا يغدر في كل الأحوال؛ ولذلك قال النبي ﵊: (انصرفا) أي: يا حذيفة أنت وأبوك انصرفا. لا تقاتلا معنا؛ لأنكم أعطيتم العهد والميثاق. ثم قال علة ذلك: (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم). أي: نفي لهم بعهدهم من قبلك أنت وأبيك، أما نحن فنستعين الله تعالى عليهم، وكان هذا الكلام في غزوة بدر.

стр. 1881

كلام النووي على حديث حذيفة وأبيه في معاهدة كفار قريش

стр. 1882

حكم الكذب في الحرب قال العلماء في هذا الحديث: (جواز الكذب في الحرب) لأن الحرب خدعة، إذ إن حذيفة قال كلاماً لم يرد حقيقته. أنتم تريدون أن تلحقوا بمحمد؟ قالوا: ما نريد محمداً إنما نريد المدينة، وهم في حقيقة الأمر ما أرادوا إلا محمداً ﵊، ولو كان محمداً في الحبشة أو في الشام أو في مصر لذهبوا إليه دون قصد البلد، وإنما قصدوه هو وقصدوا اللحاق به. فلما قالوا: ما نريد محمداً. فهذا في حقيقة الأمر كذب، لكنه من الكذب المباح؛ لأن الكذب أحياناً يكون مباحاً، والغيبة أحياناً تكون مباحة، كغيبة الفاسق المعلن فسقه فغيبته حينئذ ليست حراماً، بل أحياناً تكون واجبة، فلو أن امرأة سارت في طريق فيه قاطع طريق لقلنا لها: لا تسلكي هذا الطريق؛ لأن به فلان بن فلان وهو قاطع طريق. وهذا في حقيقة الأمر غيبة، ولكنه حينما سلك هذا المسلك الدنيء وهو قطع الطريق، وأعلن هذه المعصية ونتج عنها إيذاء أقوام قد سبقوا ومروا بهذا الطريق؛ فلا بأس حينئذ من إعلان فسقه دون أن يكون ذلك في وجهه. وكذلك تجوز الغيبة فيما يتعلق بالمصلحة العامة للمسلمين، وهو ما يسميه العلماء بالجرح والتعديل، تقول: فلان ضعيف. فلان منكر. فلان وضاع سراق. فلان يسرق الحديث، فلان لا يساوي شيئاً في الرواية وغير ذلك كل هذا من باب الغيبة، لكنها من الغيبة الجائزة حفاظاً على المصلحة العامة وعبادة المسلمين إلى قيام الساعة، ولولا جواز الغيبة في هذا الباب لاختلط الحابل بالنابل واختلط الصحيح بالضعيف، وما استطاع أحد أن يميّز ما كان من الدين أصلاً وما كان عليه دخيلاً، فأجاز العلماء بالإجماع الغيبة فيما يتعلق بإثبات العدالة من نفسها، وكذلك الكذب فالنبي ﵊ يقول: (الحرب خدعة) فلو لم يكن إلا الكذب جاز. والأولى من الكذب التعريض كما قال السلف: (إن في المعاريض مندوحة عن الكذب). ولا يصار إلى المعاريض إلا في أضيق الحدود، حتى لا يكون دين المرء كله معاريض، إذا علم عن إنسان أنه يستخدم المعاريض دائماً فلا شك أنه تسقط هيبته وتسقط الثقة بكلامه؛ وذلك لأنني مضطر أمام سماع كلام هذا الشخص الذي علم عنه استخدام المعاريض دائماً أن أسيء به الظن وأن أغربل كلامه غربلة: لعله يقصد كذا، ولعله يقصد كذا، ولعله يقصد كذا. أما المعاريض فالأصل فيها ألا تستخدم إلا في أضيق نطاق، وكذلك الكذب يجوز لدفع وقوع الظلم، وإن كان بعض أهل العلم قال: بل الصدق منجاة. فلو أنه دخل علي رجل مذعور مفزوع من ظالم أو طاغية يريد أن أستره في بيتي، فأتاني ذلك الظالم المعتدي الغاشم وقال: أعندك فلان؟ أفلان هنا؟ جاز لي أن أقول: ليس هنا. وهذا في حقيقته كذب، لكنه لدفع المضرة الأعظم وهي إهراق دم امرئ مسلم بغير حق. وثبت عن أحمد بن حنبل أنه عرض في فتنة خلق القرآن حينما دخل عنده رجل ممن كان على مذهبه وهو مذهب أهل السنة والجماعة ممن يقول بأن القرآن كلام الله ليس مخلوقاً، فلما تبعه أعوان السلطان في ذلك الزمان وكان المعتزلة ممن يقولون بخلاف قول أحمد ﵀ فطرقوا عليه الباب. قالوا: أعندك فلان؟ فأشار الإمام أحمد بسبابته في باطن كفه اليسرى وقال: فلان ليس هنا. وهذا من باب المعاريض. أي: ليس في كفه أو في يده. وهذا استخدام للمعاريض للخروج قدر الإمكان من الكذب الصريح، لكن لو لم يكن من مخرج إلا الكذب في هذه المواطن لجاز الكذب؛ لأن الحرب خدعة كما قال النبي ﵊. وكذلك الكذب في الصلح بين المتخاصمين، كل من الخصمين يقول في صاحبه ما لو بلغه لاشتد حنقه وغضبه عليه، ولكنك تسمع من هذا الخصم كلاماً في صاحبه فتذهب وتقول: لقد قال فيك صاحبك أجمل كلام وأطيب كلام، وهو يبجلك ويحترمك ويحبك ويثني عليك الخير كله وغير ذلك. وعند تكرار ذلك يرق القلب، مع أن صاحبه ما قال شيئاً من ذلك، وهذا كذب صريح، لكن حينما كانت المصلحة منه أعظم من المفسدة لجأ الشرع إليها وأباح الكذب فيها. وكذلك الكذب على الزوجة لدوام العشرة وإلف الحياة، تقول لها: أنت جميلة، وما رأيت أجمل منك. وهي في حقيقة الأمر دميمة. كذلك تقول لها: ما أحلى طعامك! وما أحلى نظامك! وهي في الحقيقة لا تعرف طريق النظام ألبتة ولا تصنع شيئاً، وتقدم لك طعاماً لو وضع أمام القطط والفئران لا يأكلونه، ومع هذا أنت لا تمل أن تثني على هذا الطعام، ولو صنعت لك المرأة أحلى طعام هي وأنت والناس جميعاً يشهدون بأنه أحلى طعام، ولكنك قلت من باب الافتراء: طعامكِ هذا ليس بجيد، لما نسيت ذلك ما بقيت. فأنت تعلم أن المرأة دائماً تحب أن تنتقد الرجل، فإذا كان هذا معلوماً لديك فلماذا تغضب طالما أنك تعرف أن الأصل عندها أن الناس يغشونك ويخدعونك إذا اشتريت منهم شيئاً؟

стр. 1883

أحكام الوفاء بالعهد مع الكفار قال: (وفيه: وجوب الوفاء بالعهد) وإن كان هذا العهد مع الكفار، قد يلتزم المسلم مع نصراني مثلاً في العمل أو مع جاره في السكن بعهد وميثاق وإن كان شفوياً؛ لأن المسلم يقف عند كلامه، وآخر شيء يفكر المسلم فيه أن يرتبط بميثاق مكتوب؛ لأن اللسان هو الذي يربطك، فـ حذيفة وأبوه لم يكتبوا عهداً مع المشركين، وإنما هو عهد وميثاق باللسان. كثير منا يلتزم مع النصارى بشرط معين، ثم يكون هو الناقض له، وقد دعينا في أكثر من حادثة للأسف الشديد فوجدنا أن الأخ هو الذي نقض العهد، وهذا دين الله فإما أن تلتزم ابتداء وتوفي بما التزمت به؛ لأن هذا هو دين الله، وإما ألا تلتزم من الأصل حتى لا تلام بعد ذلك، ويلام من معك من المسلمين، ويقال: إنكم تخفرون ذمة الله وتخفرون ذمة الرسول ﵊، ولا توفون بعهد ولا ميثاق. فيحسب هذا على دينكم، والدين منه براء، فإما أن تلتزم بما التزمت به من عهد وميثاق بالأداء والمنع والترك وإما ألا تلتزم أصلاً فيكون الأمر أهون. قال: (وقد اختلف العلماء في الأسير يعاهد الكفار ألا يهرب منهم). أي ربما يأسر الكفار منا أسيراً، ويقولون له: أنت مسلم؟ يقول: نعم. فيقولون: أنت تلتزم بكلمتك، ودينكم يأمركم بذلك؟ يقول: نعم. فيقولون: إذاً: نتركك في الشارع هذا ونقول لك: لا تتحرك من هذا الشارع، وإذا تحركت للضرورة فارجع لنفسك مرة أخرى، فلن نقيدك بالقيود ونسلسلك بالأغلال ونغلق عليك الأبواب لأنك مسلم، فالتزم بعهدك وميثاقك. فهل لو تم هذا بين الأسير المسلم وبين كفار الحرب يلزم المسلم الوفاء به، أم يجوز له الهرب؟ قال: (فقال الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون: لا يلزمه ذلك؛ والحجة لأننا في حالة حرب والحرب خدعة، فمتى أمكنه الهرب هرب. وقال مالك: يلزمه الوفاء بهذا العهد. واتفقوا على أنه لو أكرهوه فحلف ألا يهرب لا يمين عليه؛ لأن هذا يمين المكره. وأما قضية حذيفة وأبوه فإن الكفار استحلفوهما ألا يقاتلا مع النبي ﷺ في غزوة بدر فحسب، فأمرهما النبي ﵊ بالوفاء، وليس هذا من باب الإيجاب). أي: أن النبي ﷺ أمرهما أن يفيا للمشركين بعهدهم وميثاقهم، وهو ليس على سبيل الوجوب؛ لأنه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه؛ لأن هذا يتعارض مع وجوب طاعة الإمام، ولزومه في القتال، ولكن أراد النبي ﵊ ألا يشاع عن أصحابه أنهم ينقضون العهد. وأنتم تعلمون أن المنافق مرتد، وأن الردة حكمها القتل: (من بدل دينه فاقتلوه). والنبي ﵊ كان يعلم المنافقين بأعيانهم وذواتهم وأسمائهم، ومع هذا ما قتلهم حتى لا يشاع عنه أن محمداً يقتل أصحابه، فحينئذ يكون هذا باباً من أبواب الصد عن سبيل الله ؛ ولذلك الإسلام يحترم كلام الناس في كثير من الأحيان، وإذا كان كلام الناس يتعارض مع المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، فلا بد أنه كلام معتبر، فقد قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! مكني من فلان فلأقتلنه). وفي رواية: (فلأضربن عنقه، فقال رسول الله ﷺ : يا عمر! أتريد أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه؟). ولو أشيع ذلك في الناس لخاف الكل من الدخول في الإسلام؛ لأنه ربما دخل في الإسلام فارتكب ما يوجب الكفر أو ارتكب ما يوجب القتل فقتله محمد ﵊، فحينئذ يخشى الناس ويفكرون ألف مرة قبل الدخول في الإسلام؛ لأنهم قادمون على القتل وليسوا قادمين على الإسلام. وقال النبي ﵊: (يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم)؛ وذلك لأن النبي ﵊ لو نقض الكعبة وبناها على القواعد الأولى لإبراهيم ﵇ لقال المشركون واليهود والنصارى: انظروا إلى محمد هدم البيت المعظم، كما يقال: ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة. ولا بد أن يتأثر بهذه الفرية بعض الناس، فيكون هذا باباً من أبواب الصد عن سبيل دخول هؤلاء في دين الله ، فترك النبي ﷺ ذلك حتى لا يصد الناس عن الإسلام. وكذلك قال لـ حذيفة وأبيه: التزما الوفاء بعهد قريش ولا تقاتلا معنا في بدر؛ لأنكما أعطيتماهم العهد والميثاق، ولو خفرتما هذا العهد والميثاق لقال الناس: إن محمداً وأصحابه ينقضون العهود والمواثيق. وفي هذا إسقاط لمنزلة النبي ﵊ في قلوب العرب، وفي قلوب المشركين الذين كانوا يدعونه قبل الإسلام بالصادق المصدوق.

стр. 1884

باب غزوة الأحزاب الباب السادس والثلاثون: (باب غزوة الأحزاب). غزوة الأحزاب في مذهب جماهير العلماء كانت في العام الخامس من الهجرة. وقيل: بل كانت في العام الرابع. قال ذلك مالك ووافقه على ذلك الإمام البخاري، فأورد في صحيحه في كتاب السير والمغازي: أن غزوة الأحزاب كانت في العام الرابع من الهجرة. وهذا كلام يخالف كلام جماهير العلماء، بل قد انفرد به ثلاثة فقط من أئمة العلم، أما جماهير العلماء فاتفقت كلمتهم على أن غزوة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة، وهي المعروفة بغزوة الخندق. وفي المدينة جبل يسمى جبل سَلع أو سِلع، وأنتم تعلمون أن اليهود كان يسكنون المدينة، وهم: يهود بني النضير، ويهود بني قينقاع، ويهود بني قريظة، وكان بينهم وبين النبي ﵊ عهد وميثاق، فلما خفر بنو النضير عهدهم وميثاقهم أمهلهم النبي ﵊ ثلاثة أيام حتى يخرجوا من المدينة، ولا يخرجون إلا بما تحمله إبلهم وأما فوق ذلك فلا، فأجلاهم النبي ﷺ عن المدينة تماماً، ونزلوا في جهة الشام عند خيبر وما بعدها من البلدان، وأما بنو قريظة فالتزموا بعهدهم مع النبي ﵊، ولكن بني النضير لما أُجلوا عن المدينة ذهبوا إلى قريش في مكة، وألبوا المشركين على النبي ﵊، وأعطوا العهود والمواثيق لقريش أنهم سيجتمعون معهم لقتال محمد ﵊، فلما أقنعوا قريشاً وصناديد الشرك في مكة بقتال محمد ﵊ اتفقوا على ذلك، فانطلق يهود بني النضير إلى غطفان وأقنعوهم بأن الحرب قادمة، وأن محمداً وأصحابه على وشك الانتهاء والإزالة من على وجه الأرض. والشاهد من ذلك: أن غطفان اقتنعت بهذه الخطة، فانضم صوت غطفان إلى قريش وبني النضير، ثم انطلق اليهود إلى بني فزارة ثم بني مرة؛ فأقنعوهم بالخطة وتحزب الأحزاب لقتال النبي ﵊، ولم يبق أمام بني النضير إلا إقناع بني قريظة عن طريق سيدهم كعب بن أسد القرظي فلا زال يهود بني النضير بـ كعب بن أسد حتى أقنعوه بالاشتراك في الحرب على أن يكون يهود بني النضير والأحزاب يقاتلون من خارج المدينة، ويقاتل بنو قريظة في الجبهة الداخلية، فأرسل النبي ﵊ سعد بن معاذ ليأتيه بخبر هؤلاء. وفي هذا: جواز استخدام الجواسيس والعيون لمعرفة أخبار العدو، وكان الأحزاب عشرة آلاف، والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما نزل النبي ﷺ منزله قال له سلمان الفارسي: (يا رسول الله! أهذا منزل أنزلكه الله ، أم هو الرأي والمشورة؟ قال: بل هو الرأي والمشورة. قال: ليس هذا بمنزل. اذهب بنا إلى مكان كذا، نحفر لهم خندقاً ونجعل الجبل -أي: جبل سلع- في ظهرنا) فاستحسن النبي ﷺ الفكرة وكانت جديدة على العرب؛ لأن أمر حفر الخنادق ليس من شأن العرب، بل هو من شأن العجم، وسلمان فارسي من بلاد فارس، فاستحسن النبي ﷺ الفكرة ونزل على مشورة سلمان. وفي هذا: استخدام الشورى، وأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. اشترك النبي ﵊ مع أصحابه في حفر الخندق اشتراكاً فعلياً، حتى غطى التراب صدره وبطنه وشعره، وكان النبي ﵊ كثير الشعر، وحينما ضرب أحد أصحابه بفأسه حجراً استعصى عليه الحجر، ولم يجد من يشكو له صعوبة الحجر إلا النبي ﵊، فقال النبي ﷺ : أنا آتيك، وأخذ فأسه وضرب الحجر ضربة ثم نظر فيه وقال: (إني لأرى سواري كسرى وقيصر). في هذا الموقف العصيب يبشرهم النبي ﵊ بأن ملك كسرى وقيصر سيئول إلى المسلمين. يقول جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: (لقد نزل بنا من الجوع ما الله به عليم، وإني لأنظر إلى بطن النبي ﷺ قد غطاها التراب، قد التصق لحمه بعظمه من شدة الجوع حتى إنه ربط الحجر على بطنه، فقلت: يا رسول الله! ائذن لي. فأذن لي فذهبت إلى امرأتي وقلت لها: هل عندكم من طعام؟ قالت: عندنا عجين لم نعجنه بعد، وعندنا عنز قائمة. فقال: اذبحي العنز واعجني العجين، ثم لحقت بالنبي ﵊ فقال: أين كنت؟ قلت: آمر امرأتي أن تذبح العنز وأن تعجن العجين. قال: أعجنته؟ قلت: بعد يا رسول الله! -أي: لم تفعل- قال: اذهب إليها وائتني بعجينها، فذهبت فأتيت بالعجين، فبرك عليه النبي ﷺ فلا زالت تخبز منه حتى أكل منه الجيش كله، وأما اللحم فوضع في القدر حتى طهي فبرك عليه النبي ﵊ حتى أكل منه الناس جميعاً وبقي اللحم كما هو). وهذه معجزة ظاهرة للنبي ﵊، وكانوا ثلاثة آلاف رجل. وكان النبي ﵊ يحفر مع أصحابه، وأصحابه يقولون ويرتجزون: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما

стр. 1885

شرح حديث حذيفة بن اليمان في غزوة الأحزاب قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم جميعاً عن جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي - قال زهير: حدثنا جرير عن الأعمش سليمان بن مهران عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟)] وهذا ما نحدث به أنفسنا الآن. فالواحد منا حينما يسمع عن غزوة الأحزاب، وما نزل بالنبي ﷺ وأصحابه من البلاء يتمنى لو أنه كان معهم، وهو في الحقيقة لو كان معهم لكان أول المخذولين، وربما يكون سبب الهزيمة. هل كنت تستطيع على فعل مثل هذا؟ لو علم الله فيك خيراً لجعلك من أهل القرن الأول وجعلك من أصحاب نبيه ﷺ . قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد أن أطهرهم قلباً هو قلب محمد ﵊ فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد أن قلوب أصحابه أطهر القلوب فاصطفاهم لصحبته، فهم أعظم الناس عبادة، وأقل الناس تكلفاً، وأكثر الناس علماً إلى غيرها من الأوصاف التي ذكرها عبد الله بن مسعود ﵁. سمع حذيفة رجلاً يقول: لو أني مع النبي محمد ﷺ لكنت فعلت كذا وكذا وكذا، وكنت سأنصره نصراً مؤزراً. قال حذيفة: أنت كنت تفعل شيئاً من ذلك؟ وكأنه يريد أن يقول له: هل أنت متصور أنك لو كنت مع النبي ﷺ لكنت أشد بلاءً وأكثر تحملاً من أصحابه؟ لا والله لا يكون، فالصحابة ﵃ قد بذلوا المهج، بذلوا النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل نصرة النبي ﵊ وتعزيره وتأييده، وفي سبيل رفع راية التوحيد، وقد خدموا دينهم أعظم خدمة، قدموا فيه الولد والوالد والمال، وقدموا فيه كل شيء، كان كل واحد منهم إذا تعارض دينه أو ما يملك من المال والأهل والنفس والولد مع الدين قدم الدين، وهذا فارق جوهري بيننا وبين أصحاب النبي ﵊. قال حذيفة: (أنت كنت تفعل ذلك؟). وهنا الإمام مسلم ما أراد أن يذكر الغزوة بجميع تفاصيلها، ولكنه أراد أن يذكر مشهداً واحداً من مشاهد البطولة والشهامة والإيمان لأصحابه ﵊. قال حذيفة: (لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر) والقر هو: البرد. وهذا يدل على أن هذه الغزوة كانت في الشتاء. قال: [(لقد أخذتنا ريح شديدة وقر، فقال النبي ﵊: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟)]. أي: هل هناك عين؟ والعين يجعلها اللغويون من ألفاظ الاشتراك، أي أن لها معانٍ متعددة، ويفهم معناها المراد من السياق، فعندما تقول: شربت من العين، فالعين هنا: عين مائية. وعندما تقول: نظرت بالعين فالعين هنا العين المبصرة. وعندما تقول: أرسلت عيناً ليأتيني بالأخبار. فالعين هنا المقصود به: الجاسوس وهكذا فالعين من الألفاظ المشتركة التي لها معانٍ متعددة، ويفهم المعنى المراد من السياق. قال النبي ﷺ : [(ألا رجل يأتيني بخبر القوم؟)] أليس فيكم أحد مستعد لأن يذهب ويتجسس على العدو، ويأتيني بالأخبار؟ قال: (فلم يجبه أحد)]؛ وذلك لوجود البرد والرياح الشديدة والظلام. قال: [(فسكتنا)] طبعاً يسكتون على مضض، فهم يريدون هذه الدرجة لكن ليس باستطاعتهم دفع الثمن، فالرياح شديدة جداً والبرد شديد كذلك. قال: [(فلم يجبه منا أحد. ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا. فلم يجبه منا أحد، فقال: قم يا حذيفة!)]. فهل يسع حذيفة أن يقول: اعذرني يا رسول الله! وابعث محمد بن مسلمة أو ابعث المغيرة بن شعبة، أو أبو بكر هو خير الناس فابعثه؟ لا. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] حينئذ يحرم على أحد أن يرد على النبي ﷺ حياً أو ميتاً، يحرم عليك أن ترد على سنته، أو تؤولها على غير ما يحتمله النص، أو تلحد في أسماء الله تعالى وصفاته، أو تصرف كلام النبي ﷺ عن مراده كما يفعله الملاحدة الآن والمجرمون والعلمانيون. ما سمعنا الشافعي قال لـ أحمد بن حنبل: أتحداك، أو أحمد قال للشافعي: أتحداك. أو إماماً قال لإمام: أتحداك.

стр. 1886

باب غزوة أحد

стр. 1887

شرح حديث أنس: (ما أنصفنا أصحابنا) قال: [حدثنا هداب بن خالد الأزدي -وهداب: لقب، والاسم: هدبة، وقيل: هدبة لقب، واسمه: هداب - قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت البناني] وعلي بن زيد هو علي بن زيد جدعان وهو راوٍ ضعيف، والإمام مسلم لم يرو عنه فحسب، بل جعل ثابت البناني متابعاً له، فقال: حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت البناني. إذاً: علي بن زيد وثابت البناني في طبقة واحدة. ستقول: فكيف يروي مسلم عن الضعفاء؟ أقول: هو لم يعتمد على رواية الضعيف بل اعتمد على رواية الثقة وهو ثابت البناني. هب أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن ثابت البناني عن أنس، فهنا سيكون صحيحاً. إذاً: زيادة علي بن زيد لا تؤثر؛ فاعتبر أن علياً ليس في السند. [عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش)]. أي: أن المشركين استفردوا بالنبي ﵊ ولم يكن معه في ناحيته إلا سبعة من الأنصار، واثنان من المهاجرين. قال: [(فلما رهقوه)] أي: غشوه. وقيل: كلمة رهقوه لا تقال إلا في الشر؛ لأن كلمة أدركوه تقال في الخير والشر، تقول: أدركت فلاناً لأقتله، كما تقول: أدركت فلاناً لأكرمه. لكن قولك: (رهقت فلاناً). أي: أرهقته وأدركته لأوجعه ضرباً. فقال: (فلما رهقوه) أي: تمكنوا منه وكادوا يقتلونه، قال النبي ﵊: [(من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟)]. ولذلك بادر واحد من الأنصار السبعة ﵃ إلى الدفاع عن النبي ﷺ ، فإذا كان الثمن هو الجنة فنعم الثمن هو، ولو كان ذلك في مقابل النفس والمال. قال: [(فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل -أي: حتى قتله المشركون- ثم رهقوه ثانية فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة)] وهذه منقبة عظيمة جداً للأنصار، فالنبي ﵊ تمنى لو أنه كان أنصارياً، والمعلوم أن المهاجرين أفضل من الأنصار بنص القرآن الكريم، وأن القرآن أثنى على المهاجرين أولاً ثم ثنى بالثناء على الأنصار، وهذا لا ينفي أن الأنصار لهم المنزلة السامية والمكانة الرفيعة المرموقة في الإسلام وعند الله ؛ ولذلك جعل النبي ﵊ حب الأنصار دليلاً وعلامة وآية وأمارة على الإيمان. قال: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق). ولما وزع النبي ﷺ غنائم بعض الغزوات على المهاجرين تارة وعلى المشركين الذين أسلموا تارة وغير ذلك، ولم يعط الأنصار شيئاً، تكلم الأنصار فيما بينهم: إن محمداً ﷺ أعطى قومه ولم يعطنا، فقال النبي ﷺ يطيب خاطر الأنصار ويبين مكانتهم في الإسلام: (يا معشر الأنصار! ألستم قلتم كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالدينار والدرهم وترجعون أنتم برسول الله ﷺ ؟). قال أنس [: (فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه -أي: للقرشيين-: ما أَنصَفْنا أصحابَنا)] أي: أنه حيث دفعناهم واحداً تلو الآخر حتى قتلوا جميعاً، وكان ينبغي أن يدخل المهاجرون بين الأنصار؛ فقال: (ما أنصفنا أصحابنا) حيث اندفعوا جميعاً. أي: كان ينبغي أن تدفعوا بأنفسكم في القتال والدفاع، ولا تنتظروا حتى يقتل آخر أنصاري. وفي رواية: قال: (ما أنصفنا أصحابنا) أي: أصحابنا الذين تخلوا عنا، لا يقصد الأنصار، وإنما يقصد من فر وترك النبي ﷺ .

стр. 1888

شرح حديث سهل بن سعد في ذكر جرح رسول الله ﷺ يوم أحد قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم - أبو حازم هو سلمة بن دينار - عن أبيه أنه: (سمع سهل بن سعد الساعدي يسأل عن جرح رسول الله ﷺ يوم أحد؟ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته)]. والرباعية: هو السن سواء كان في الفك العلوي أو السفلي قبل الناب وبعد القاطعين. قال: [(وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه -وفي رواية: وكسرت البيضة- على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم)] فهذا طب قديم وهو أحسن من الطب الحديث. أي: أنها ظلت تغسل الجرح، وكلما غسلته زاد نزيفاً، فأتت بقطعة حصير ثم أحرقتها حتى صارت رماداً، فوضعتها على الجرح، فوقف الدم. وهذا بقدرة الله. قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب -يعني: ابن عبد الرحمن القاري - عن أبي حازم: (أنه سمع سهل بن سعد، وهو يسأل عن جرح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أَمَ والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ، ومن كان يسكب الماء)] فالذي كان يغسل جرحه فاطمة، والذي كان يسكب الماء هو علي بن أبي طالب. قال: [(وبماذا دووي جرحه؟)] دووي بقطعة الحصير. [ثم ذكر نحو حديث عبد العزيز غير أنه زاد: (وجرح وجهه وقال (مكان هشمت): كسرت)]. قال: [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا عمرو بن سواد العامري أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث المصري عن سعيد بن أبي هلال المصري. وحدثني محمد بن سهل التميمي حدثني ابن أبي مريم حدثنا محمد -يعني: ابن مطرف - كلهم عن أبي حازم عن سهل بن سعد بهذا الحديث عن النبي ﵊. في حديث ابن أبي هلال: (أصيب وجهه ﵊، وفي حديث ابن مطرف: (جرح وجهه)].

стр. 1889

كلام النووي في شرح أحاديث غزوة أحد

стр. 1890

وقوع الابتلاء بالأنبياء وبيان الحكمة من ذلك قال الإمام: (وفي هذا -أي الحديث- وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر). هل هناك أشرف من النبي ﵊؟ لا أحد، ومع هذا نزل به وحل به في غزواته من البلاء ما لا يمكن لأحدنا أن يطيقه وهو نبي الله وهو حبيب الله، ولن يضيعه الله، ومع هذا نزل به ما قد سمعتم، حتى لا يقال: إذا كان هؤلاء مؤمنين حقاً وعلى حق فلم فعل الله بهم كذا وكذا؟ فهذه سنة الله تعالى في الخلق، (وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل). والنبي ﵊ في الأمور البشرية مثله مثل غيره بل زيادة، أليس هو الذي قال: (إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)؟ أي: حينما تنزل بي الحمى والمرض تنزل بي الآلام مضاعفة كما لو كان اثنان منكما قد نزل بهم الضر، وهو نبي الله بمنطق العصر أو بمنطق أهل الدنيا، أو بمنطق من لا علم له بالسنن الكونية. قد يقول قائل: إذا كان هذا هو النبي حقاً فإنه لا يمرض ولا ينزل به البلاء. فاستمراراً لهذه الغفلة نقول: إذا كان هو النبي حقاً فكان لزاماً عليه أن يجلس في بيته وأن يدعو ربه، فإن دعاء الأنبياء مستجاب، ولكن النبي ﵊ كان يشارك في الصفوف المقدمة بقتال العدو حتى يسن ذلك لأمته، وكان بإمكانه أن يجلس في برج من عاج، ولكنه لم يفعل ذلك؛ ليكون قدوة لكل من تولى إمرة الإسلام والمسلمين من بعده، ولكن الأمة خالفت فوقعت فيما وقعت فيه. قال: (وفي هذا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم ويتأسوا بهم. قال القاضي عياض: وليعلم الناس أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر، ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات، وتلبيس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم). فالنصارى زعموا أن عيسى إله. ومنهم من زعم أنه ابن الله لما رأوا على يدي عيسى ﵇ من المعجزات وخوارق العادات، فقالوا: هذا لا يمكن أن يتم على يد بشر، هذا لا بد أنه إله، أو أنه ابن الله، والله أراد أن يكرم ولده. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. فأراد النبي ﵊ أن يبين لهم وأراد الله تعالى أن يبين لهذه الأمة أن النبي ﷺ مثلكم في بشريته كما أنكم بشر، فينزل به المرض والابتلاء، وينال منه العدو، وينال من العدو، والحرب سجال ينال منا وننال منه وغير ذلك، فالنبي ﷺ في هذا كغيره من الناس. وفي مجموع هذا كله دلالة على أن النبي ﷺ بشر، فأنتم تعلمون: إلى الآن أن بعض غلاة الصوفية يعدون النبي ﷺ إلهاً. بل منهم من يقول: هو أول خلق الله. ونسمع هذا كثيراً في إذاعة القرآن الكريم التي ما أنشئت إلا لنشر التصوف في الأمة، يقولون: يا أول خلق الله! ويا نور عرش الله! فهل النبي ﷺ هو نور عرش الله؟ ويعتمدون على الحديث الموضوع حديث جابر: أول ما خلقت نور نبيك يا جابر! وهذا حديث موضوع مكذوب لا قيمة له، فنحن نسمع الناس في هذا الوقت يقولون: يا أول خلق الله! ويا نور عرش الله! فما هو الفرق بين هذا القول وبين قول النصارى: عيسى ابن الله؟ هذا ضلال وذاك ضلال. وقد قال النبي ﵊: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب. قال: اكتب كل شيء إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة). وهذا نص صريح أن أول المخلوقات هو القلم. وهناك خلاف: هل القلم أول المخلوقات أم العرش؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧]. على أية حال ليس هذا أوان البحث في هذه المسألة، ولكنا أردنا أن نبين أنه قد لُبس على بعض المسلمين في أوصاف للنبي ﵊، فذكروا أوصافاً ليست له لا في الكتاب ولا في السنة. فليتق الله أقوام يجعلون للرسول ما هو خاص لله، ويجعلون لمن دون الرسول ﷺ ما هو خاص بالرسول ﷺ ، ولكل ذي حق حقه!!

стр. 1891

اتخاذ الأسباب ليس قادحاً في التوكل قال: (وفي هذا الحديث: استحباب لبس البيضة والدروع على الرأس والصدر، وهو من أسباب التحصن في الحرب، وأنه ليس بقادح في التوكل). وهذا الأمر خالفت فيه الصوفية أيضاً. فالصوفية يقولون: إن الأخذ بالأسباب يتنافى مع التوكل. أرأيتم البلوى؟ لو كان أخذ الأسباب يتنافى مع التوكل لما أخذ النبي ﷺ -وهو أحب الخلق إلى الله- بسبب واحد، ولما أمرنا أن نتوكل على الله حق توكله، فحينئذ يرزقنا ولا نتخذ الأسباب، إن التوكل على الله بغير اتخاذ الأسباب إنما هو تواكل وضعف وفساد في الاعتقاد، فالواجب عليك أن تأخذ الأسباب ولا تعتمد عليها، بل تعتمد على الله . والعلماء يقولون: الاعتماد على الأسباب شرك بالله. وترك الأسباب قدح في التوحيد. مثال ذلك: إذا تزوجت فقد التمست أسباب تحصيل الولد، وليس من اللازم أن ترزق الولد، ولكن في المقابل لا يقول أحد: إذا كان الله قدر لي الولد فإنه سيرزقني الولد بغير زوجة! كما أنك لو كنت جائعاً لا تأكل. فقد يزعم شخص التوكل في أمر حبله طويل، وإن كان حبله قصيراً فإنه لا يستطيع، كالجماعة الكرماوية الذين يلبسون عمائم خضراء وكوفيات خضراء ويخضبون لحاهم بالأخضر. فهؤلاء شغلهم الشاغل أنه لا يوجد شيء اسمه أسباب؛ ولذلك يتركون العمل فتراهم لا يعملون. قيل لي ذات مرة: نريدك أن تناقش شخصاً، فذهبت لأناقشه، أقسم بالله العظيم حينما رأيت والده كأنني رأيت شيطاناً لا إنسياً، فجلست مع والده أكثر من ساعتين انتظاراً لخروج ولده من غرفته التي أغلق بابها عليه، فقلت لأبيه: دعني أكسر الباب وأدخل عليه قال: لا. هو سيخرج بنفسه. فإذا به خرج وقال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد أن أعرف مذهبك فإذا وجدت أنه حق اتبعته. فهش وبش وقال لي: كنت في الغرفة وقد تأخرت عليك، وما أخرني عنك -والله- إلا جبريل. فقلت له: جبريل ينزل عليك؟ قال: نعم. قلت له: هذا عدو اليهود من الملائكة. قال: أنت يهودي؟ قلت: لا. أنا مسلم والحمد لله. فقال: أنت مسلم على ملة محمد أم على ملة الرجل الصالح؟ قلت: أنا مسلم على ملة الرجل الصالح محمد ﷺ . فقال: إما هذا وإما ذاك. قلت: ومن الرجل الصالح؟ قال: إذا دخلت في ديني عرفت هذا الرجل. فقلت: ومن الرجل الصالح؟ قال: رجل من السويس، لا يمكن الوصول إليه إلا إذا آمنت بمبادئه. وصار يعدد المبادئ، منها وأعظمها: ترك الأسباب؛ لأنه يتنافى مع التوكل. وهذا الشاهد من القصة كلها، فالقصة طويلة ولا أريد أن أضيع وقتكم، لكن هذه الكرماوية، وأشهد بالله أنهم خرجوا من الملة بما يقولون ويعتقدون أن جبريل ينزل عليهم، والحقيقة أن الذي ينزل عليهم هو الشيطان وليس جبريل، فقد انقطع نزول جبريل بالوحي على محمد ﵊ بعد موته. فالصوفية منهم من يقول بهذا المذهب ويعتقد أن اتخاذ الأسباب يقدح في التوكل، فترى الواحد منهم يهيم على وجهه في الصحراء ويسافر المفاوز والجبال بغير أن يتخذ له زاداً أو طعاماً وشراباً. لماذا؟ يقول: لأن هذا يتنافى مع التوكل. وطبعاً هذا كلام فاسد في غاية الفساد، ولو أنك في الحقيقة تقول: إن اتخاذ الأسباب يتنافى مع التوكل، فلا تتزوج واطلب الولد بغير زواج، واطلب الشبع والري بغير طعام ولا شراب، فإن هذه الاعتقادات الفاسدة جعلت جماعة الكرماوية يسطون على المحلات، ويسرقون محلات الذهب ومحلات الطعام والشراب وغير ذلك. حضرنا ذات مرة في بيت محمد الكرماوي الكبير زعيم الكرماوية، ولم نكن نعرف أنه هو الرجل الصالح، وهو سويسي ومن سكان شبرا، والمشهور أن شبرا من أماكن الفتن. أقول: لم أعرف ماذا قالوا بعد حضرة طويلة، وكان هذا سنة (١٩٨٢م)، فقمت وقلت له: يا شيخ محمد! وما هو الدليل على هذا؟ ولم أفق إلا في الشارع من ضربهم لي. فقلت: هل من المعقول أن النبي الجديد يعامل الناس الذين يريدون أن يتبعوه بهذه المعاملة؟ فهذا سيصبح ديناً فاسداً، فالنبي ﵊ لم يكن يضرب أحداً ولم يكن يؤذي أحداً، بل كان يواسي كل من أتاه ﵊. فالأصل أن المرء يفر من مواطن البدع كما يفر من الأسد، لكننا ما عرفنا أن هذا أصل من أصول أهل السنة إلا حينما قرأنا في أصول أهل السنة، لـ ابن بطة واللالكائي، وأصول السنة للإمام أحمد وولده عبد الله، والخلال وغير ذلك من الكتب العظيمة جداً التي صنفت في أصول السنة.

стр. 1892

إثبات أن المداواة ومعالجة الجراح لا تنافي التوكل قوله: (يسكب عليها بالمجن) أي: يصب عليها بالترس. والترس: هو الإناء الذي يوضع فيه الماء. وفي هذا الحديث: إثبات المداواة، ومعالجة الجراح، وأن ذلك لا يقدح في التوكل؛ لأن النبي ﷺ فعله مع قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]

стр. 1893

شرح حديث أنس (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) قال: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه)] شج أي: قطع الجلد، ولو كان كسر لقال: كسر عظم رأسه. قال: [(فجعل يسلت الدم عنه -أي: يزيل الدم عن الجرح- ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته؟)] قد يكون هذا موجهاً إلى أصحابه الذين تخلوا عنه، أو غفلوا عن حراسته في هذه الحرب حتى نزل به ما نزل، فيكون هذا من باب التقريع والزجر لهم، ولفت الأنظار ألا يبرحوه. ومذهب الجماهير: أن هذا تقريع لقريش الذين شجوا رأسه وكسروا رباعيته ﵊، وأنه منهم أو أنه ابن لهم، باعتبار الأمر الأول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) أي: النبي الذي خرج منهم وهو ابنهم. قال: [(وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])].

стр. 1894

شرح حديث ابن مسعود: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن شقيق -وهو أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي - عن عبد الله قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)]. وهذا يدل على مزيد شفقته ﵊ على قومه. هل منا أحد يقول ذلك؟ لو أن أباك المسلم ضربك وشجك وكسر رباعيتك فإنك ستدعو عليه مع أنه أبوك ومع أنه مسلم، فانظر إلى النبي ﷺ إذ قال لهؤلاء المشركين يدعو لهم: [(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)] وهذا منتهى الشفقة والرحمة والرأفة، وهو ينضح الدم عن جبينه. قال: (وفي هذا: بيان ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا يوم أحد).

стр. 1895

باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ الباب الثامن والثلاثون: (باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ . أي: أن الله تعالى اشتد غضبه على من قتله نبي من الأنبياء. قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته- وقال النبي ﵊: اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ]. التقييد بأن هذا القتل كان في سبيل الله احترازاً ممن قتله رسول الله في حد أو قصاص؛ لأن هذا ليس محلاً لغضب الله، بل هو محل سعة رحمة الله ، فالذي ارتكب ما يوجب الحد أو القصاص فأقيم عليه الحد غفر له ذنبه، ومغفرة الذنب تتنافى مع غضب الله . فقوله: (لقد اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله) احتراز ممن قتله رسول الله في حد أو قصاص، وإنما شدة الغضب على من قتله النبي ﷺ يكون قتله في سبيل الله. أي: في ساحة القتال؛ وذلك لأن هذا المقتول الذي قتل بيد الرسول ﷺ كان حريصاً على قتل الرسول ﵊؛ ولذلك اشتد غضب الله عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
следующие страницы →