Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
اتخاذ الأسباب ليس قادحاً في التوكل
قال: (وفي هذا الحديث: استحباب لبس البيضة والدروع على الرأس والصدر، وهو من أسباب التحصن في الحرب، وأنه ليس بقادح في التوكل).
وهذا الأمر خالفت فيه الصوفية أيضاً.
فالصوفية يقولون: إن الأخذ بالأسباب يتنافى مع التوكل.
أرأيتم البلوى؟ لو كان أخذ الأسباب يتنافى مع التوكل لما أخذ النبي ﷺ -وهو أحب الخلق إلى الله- بسبب واحد، ولما أمرنا أن نتوكل على الله حق توكله، فحينئذ يرزقنا ولا نتخذ الأسباب، إن التوكل على الله بغير اتخاذ الأسباب إنما هو تواكل وضعف وفساد في الاعتقاد، فالواجب عليك أن تأخذ الأسباب ولا تعتمد عليها، بل تعتمد على الله .
والعلماء يقولون: الاعتماد على الأسباب شرك بالله.
وترك الأسباب قدح في التوحيد.
مثال ذلك: إذا تزوجت فقد التمست أسباب تحصيل الولد، وليس من اللازم أن ترزق الولد، ولكن في المقابل لا يقول أحد: إذا كان الله قدر لي الولد فإنه سيرزقني الولد بغير زوجة! كما أنك لو كنت جائعاً لا تأكل.
فقد يزعم شخص التوكل في أمر حبله طويل، وإن كان حبله قصيراً فإنه لا يستطيع، كالجماعة الكرماوية الذين يلبسون عمائم خضراء وكوفيات خضراء ويخضبون لحاهم بالأخضر.
فهؤلاء شغلهم الشاغل أنه لا يوجد شيء اسمه أسباب؛ ولذلك يتركون العمل فتراهم لا يعملون.
قيل لي ذات مرة: نريدك أن تناقش شخصاً، فذهبت لأناقشه، أقسم بالله العظيم حينما رأيت والده كأنني رأيت شيطاناً لا إنسياً، فجلست مع والده أكثر من ساعتين انتظاراً لخروج ولده من غرفته التي أغلق بابها عليه، فقلت لأبيه: دعني أكسر الباب وأدخل عليه قال: لا.
هو سيخرج بنفسه.
فإذا به خرج وقال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد أن أعرف مذهبك فإذا وجدت أنه حق اتبعته.
فهش وبش وقال لي: كنت في الغرفة وقد تأخرت عليك، وما أخرني عنك -والله- إلا جبريل.
فقلت له: جبريل ينزل عليك؟ قال: نعم.
قلت له: هذا عدو اليهود من الملائكة.
قال: أنت يهودي؟ قلت: لا.
أنا مسلم والحمد لله.
فقال: أنت مسلم على ملة محمد أم على ملة الرجل الصالح؟ قلت: أنا مسلم على ملة الرجل الصالح محمد ﷺ .
فقال: إما هذا وإما ذاك.
قلت: ومن الرجل الصالح؟ قال: إذا دخلت في ديني عرفت هذا الرجل.
فقلت: ومن الرجل الصالح؟ قال: رجل من السويس، لا يمكن الوصول إليه إلا إذا آمنت بمبادئه.
وصار يعدد المبادئ، منها وأعظمها: ترك الأسباب؛ لأنه يتنافى مع التوكل.
وهذا الشاهد من القصة كلها، فالقصة طويلة ولا أريد أن أضيع وقتكم، لكن هذه الكرماوية، وأشهد بالله أنهم خرجوا من الملة بما يقولون ويعتقدون أن جبريل ينزل عليهم، والحقيقة أن الذي ينزل عليهم هو الشيطان وليس جبريل، فقد انقطع نزول جبريل بالوحي على محمد ﵊ بعد موته.
فالصوفية منهم من يقول بهذا المذهب ويعتقد أن اتخاذ الأسباب يقدح في التوكل، فترى الواحد منهم يهيم على وجهه في الصحراء ويسافر المفاوز والجبال بغير أن يتخذ له زاداً أو طعاماً وشراباً.
لماذا؟ يقول: لأن هذا يتنافى مع التوكل.
وطبعاً هذا كلام فاسد في غاية الفساد، ولو أنك في الحقيقة تقول: إن اتخاذ الأسباب يتنافى مع التوكل، فلا تتزوج واطلب الولد بغير زواج، واطلب الشبع والري بغير طعام ولا شراب، فإن هذه الاعتقادات الفاسدة جعلت جماعة الكرماوية يسطون على المحلات، ويسرقون محلات الذهب ومحلات الطعام والشراب وغير ذلك.
حضرنا ذات مرة في بيت محمد الكرماوي الكبير زعيم الكرماوية، ولم نكن نعرف أنه هو الرجل الصالح، وهو سويسي ومن سكان شبرا، والمشهور أن شبرا من أماكن الفتن.
أقول: لم أعرف ماذا قالوا بعد حضرة طويلة، وكان هذا سنة (١٩٨٢م)، فقمت وقلت له: يا شيخ محمد! وما هو الدليل على هذا؟ ولم أفق إلا في الشارع من ضربهم لي.
فقلت: هل من المعقول أن النبي الجديد يعامل الناس الذين يريدون أن يتبعوه بهذه المعاملة؟ فهذا سيصبح ديناً فاسداً، فالنبي ﵊ لم يكن يضرب أحداً ولم يكن يؤذي أحداً، بل كان يواسي كل من أتاه ﵊.
فالأصل أن المرء يفر من مواطن البدع كما يفر من الأسد، لكننا ما عرفنا أن هذا أصل من أصول أهل السنة إلا حينما قرأنا في أصول أهل السنة، لـ ابن بطة واللالكائي، وأصول السنة للإمام أحمد وولده عبد الله، والخلال وغير ذلك من الكتب العظيمة جداً التي صنفت في أصول السنة.
стр. 1892
إثبات أن المداواة ومعالجة الجراح لا تنافي التوكل
قوله: (يسكب عليها بالمجن) أي: يصب عليها بالترس.
والترس: هو الإناء الذي يوضع فيه الماء.
وفي هذا الحديث: إثبات المداواة، ومعالجة الجراح، وأن ذلك لا يقدح في التوكل؛ لأن النبي ﷺ فعله مع قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]
стр. 1893
شرح حديث أنس (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم)
قال: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: (أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه)] شج أي: قطع الجلد، ولو كان كسر لقال: كسر عظم رأسه.
قال: [(فجعل يسلت الدم عنه -أي: يزيل الدم عن الجرح- ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته؟)] قد يكون هذا موجهاً إلى أصحابه الذين تخلوا عنه، أو غفلوا عن حراسته في هذه الحرب حتى نزل به ما نزل، فيكون هذا من باب التقريع والزجر لهم، ولفت الأنظار ألا يبرحوه.
ومذهب الجماهير: أن هذا تقريع لقريش الذين شجوا رأسه وكسروا رباعيته ﵊، وأنه منهم أو أنه ابن لهم، باعتبار الأمر الأول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) أي: النبي الذي خرج منهم وهو ابنهم.
قال: [(وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])].
стр. 1894
شرح حديث ابن مسعود: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)
قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن شقيق -وهو أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي - عن عبد الله قال: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)].
وهذا يدل على مزيد شفقته ﵊ على قومه.
هل منا أحد يقول ذلك؟ لو أن أباك المسلم ضربك وشجك وكسر رباعيتك فإنك ستدعو عليه مع أنه أبوك ومع أنه مسلم، فانظر إلى النبي ﷺ إذ قال لهؤلاء المشركين يدعو لهم: [(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)] وهذا منتهى الشفقة والرحمة والرأفة، وهو ينضح الدم عن جبينه.
قال: (وفي هذا: بيان ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا يوم أحد).
стр. 1895
باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ
الباب الثامن والثلاثون: (باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ .
أي: أن الله تعالى اشتد غضبه على من قتله نبي من الأنبياء.
قال: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فذكر أحاديث منها: قال رسول الله ﷺ : (اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته- وقال النبي ﵊: اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ].
التقييد بأن هذا القتل كان في سبيل الله احترازاً ممن قتله رسول الله في حد أو قصاص؛ لأن هذا ليس محلاً لغضب الله، بل هو محل سعة رحمة الله ، فالذي ارتكب ما يوجب الحد أو القصاص فأقيم عليه الحد غفر له ذنبه، ومغفرة الذنب تتنافى مع غضب الله .
فقوله: (لقد اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله) احتراز ممن قتله رسول الله في حد أو قصاص، وإنما شدة الغضب على من قتله النبي ﷺ يكون قتله في سبيل الله.
أي: في ساحة القتال؛ وذلك لأن هذا المقتول الذي قتل بيد الرسول ﷺ كان حريصاً على قتل الرسول ﵊؛ ولذلك اشتد غضب الله عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 1896
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - ما لقي النبي ﷺ من أذى الكفار والمنافقين - قتل أبي جهل - قتل كعب بن الأشرف
أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وكان أشد الخلق بلاء سيد ولد آدم محمداً ﷺ ، فقد لاقى من أذى المشركين والمنافقين ما تعجز عن حمله الجبال، ومع ذلك صبر عليهم وأخذهم بالعفو والصفح رجاء أن يخرج من ظهورهم من ينصر الله به دينه ويعلي كلمته، وأما من سبق في علم الله موتهم على الكفر من صناديد الكفر فقد جعل الله قتلهم عبرة للمعتبرين، وآية للمتفكرين.
стр. 1897
باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
هذا الباب التاسع والثلاثون من كتاب الجهاد والسير: (باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين).
стр. 1898
شرح حديث ابن مسعود في وضع المشركين لسلا الجزور على ظهر النبي ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي قال: حدثنا عبد الرحيم -يعني: ابن سليمان - عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون الأودي عن ابن مسعود ﵄ قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه.
قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر -أي: ابن مسعود - لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة بنت النبي ﷺ ، فجاءت وهي جويرية -تصغير جارية- فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته.
ثم قال: اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه)].
جاء في رواية أخرى عند البخاري: أن هذا السابع هو عمارة بن الوليد.
قال: (فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق لقد رأيت الذين سماهم النبي ﷺ صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -أي: البئر الذي حُفر لهم- قليب بدر).
[قال أبو إسحاق: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث].
أي: أن ذكر الوليد بن عقبة خطأ من الراوي في هذا الحديث؛ وذلك لأن الوليد بن عقبة كان في ذلك الوقت لا يزال طفلاً رضيعاً صغيراً.
وصوابه: الوليد بن عتبة وليس ابن عقبة، وإنما تصحّف على الراوي أو أخطأ في سماعه فقال: الوليد بن عقبة وهو ابن عتبة بالتاء لا بالقاف.
حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -وهما فرسا رهان في العلم والفضل والعبادة، بل وفي سنة الولادة وسنة الوفاة، ولدا جميعاً وماتا جميعاً، فما يستطيع أحد أن يميّز بينهما -واللفظ لـ ابن المثنى - قالا: حدثنا محمد بن جعفر] وهو محمد بن جعفر البصري إمام كبير من أئمة البصرة وهو ربيب شعبة بن الحجاج العتكي البصري، كان شعبة بعد وفاة جعفر تزوج أمه فتربى محمد في حجره فرضع منه العلم، وكان فيه نوع من الشغب والحدة؛ ولذلك كان إذا دخل مكة وحضر مجلس ابن جريج يشغب عليه، فكلما تكلم ابن جريج في مسألة يقول له: من أين لك هذه؟ وما دليلها؟ وهل سمعت من فلان؟ أو أنك تدلّس في هذه؟ وابن جريج كان مدلّساً معروفاً، وهو الذي قال له: اسكت يا غندر! وكان أهل مكة يسمّون المشاغب (غندر)، فهو محمد بن جعفر المشهور باللقب أكثر منه بالاسم.
أي: إذا قلنا: حدثنا غندر فهو محمد بن جعفر.
قال: [حدثنا شعبة قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: (بينما رسول الله ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش، إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور)].
وولد عقبة بن أبي معيط اسمه الوليد، كان سكّيراً جلد في الخمر مراراً، وكان مسلماً، وهو الذي صلى بالناس الفجر في زمن بني أمية، فقالوا له: صليت الصبح أربعاً.
قال: إن شئتم لزدتكم.
والإمام الذهبي عليه رحمة الله يترجم له في سير أعلام النبلاء، وذكر أنه كان فاسقاً، وبلا شك أن شرب الخمر كبيرة، ومن ارتكب الكبيرة فقد فسق بها، سواء كان صحابياً أو غيره، وقد حُد مراراً في الخمر.
قال: [(إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور، فقذفه على ظهر رسول الله ﷺ ، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك.
فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش -أي: بهذا الجمع من قريش- أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، و
стр. 1899
كلام النووي في شرح حديث عبد الله بن مسعود في أذية المشركين لرسول الله وهو ساجد
عقبة بن أبي معيط هو الذي أتى بسلا جزور.
السلا: هي تلك اللفافة التي يكون فيها الولد، وهي عند جميع الحيوانات تسمى السلا، وعند المرأة تسمى المشيمة.
والمشيمة معروفة، فقال: إن بني فلان قد ذبحوا جزوراً لهم بالأمس -والجزور هو البعير أو الجمل- فاذهب يا عقبة! وائتنا بسلا هذا الجزور، فضعوه بنتنه ونجاسته ودمه وقيحه على ظهر محمد وبين كتفيه وهو ساجد لربه عند الكعبة.
انظروا إلى أي مدى تعرّض النبي ﷺ للأذى! بلا شك أن الأمة كلها لو كانت في هذا الموقف بدلاً من محمد ﵊ لكان هذا أخف وطئاً من أن يكون هذا النتن على ظهر نبينا محمد ﵊.
ويُرد بهذا النص على من قال: إن النبي ﷺ لم يتعرّض لأذى كما تتعرض أمته الآن.
فقد سنّ النبي ﵊ لنا تحمّل هذا الأذى والصبر عليه، فكان أوّل من أوذي في هذه الأمة، سُب وشُتم ولُعن وأُوذي في أهله وفي نسائه وفي خاصة نفسه، وطرد من أحب البلاد والبقاع إليه إلى غيرها من البلدان، وأُوذي في أصحابه، فأمر بتهجيرهم إلى الحبشة هجرة أولى ثم ثانية، ثم أوذي في أصحابه فأمرهم بالهجرة إلى المدينة فسبقوه إليها، ثم هاجر هو ﵊، وترك هو وأصحابه الأهل والأموال والأولاد كل ذلك ليبيعوا أنفسهم لله تعالى وأرواحهم وأموالهم؛ لأنهم يعلمون أن المقابل لذلك هي تلك السلعة الغالية الجنة.
стр. 1900
أجوبة العلماء على إشكال استمرار النبي في الصلاة وسلا الجزور على ظهره
قال: (وفي هذا الحديث إشكال، فإنه يقال: كيف استمر النبي ﵊ في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟).
فهذا السلا به قيح وصديد ودم، والدم نجس؛ فكيف استمر النبي ﷺ في صلاته مع وجود النجاسة على ظهره؟ هل يصح من إنسان أن يصلي وهو يعلم أن بثوبه نجاسة، أو بالأرض التي يسجد عليها نجاسة؟ الجواب لا.
والطهارة شرط في صحة الصلاة.
فكيف استمر النبي ﷺ في صلاته مع وجود هذه النجاسة على ظهره؟ أجاب العلماء بأجوبة منها: (إجابة القاضي عياض: بأن هذا ليس بنجس.
قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلا من ذلك وإنما النجس الدم).
فأول
الجواب
أن الفرث والدم ليسا بنجسين، إذا وضعت على جسمك بدناً من الأبدان تشعر برطوبة له، وكذلك الفرث الذي هو ما دون الدم ليس عند القاضي عياض بنجس.
(وهذا الجواب يصح على مذهب الإمام مالك ومن وافقه: أن روث ما يؤكل لحمه طاهر).
أي: أن هذا على مذهب المالكية يستقيم؛ لأنهم يعتقدون أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومن باب أولى ما فوق ذلك.
(أما مذهب الشافعية والأحناف: أن هذا نجس، وهذا الجواب الذي ذكره القاضي عندهم ضعيف أو باطل، وعندهم جواب آخر؛ لأن هذا السلا يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم في الغالب والدم نجس، ولأنه ذبيحة عُبّاد الأوثان فهو نجس من وجه آخر).
إذاً: هذا السلا أو تلك المشيمة تجاوزاً لا يمكن أن تخلو من شيء من الدم، والدم نجس حتى عند المالكية، فهذا وجه.
الوجه الثاني: أن هذه الذبيحة ذبيحة عُبّاد الأصنام والأوثان وهي حرام باتفاق ونجسة.
أي: هي حرام لنجاستها، وكذلك اللحم وجميع أجزاء الجزور، ولا تؤكل ذبيحة المشرك قط، وإنما أحل الله لنا ذبيحة أهل الكتاب: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥].
فحينئذ ذبيحة أهل الكتاب حلال لنا، لكن بشرط أن تكون ذبيحة، فإذا قتلوها أوقدوها أو صعقوها أو خنقوها فإنها لا تحل لنا حتى وإن كانت من قبل مسلم؛ لأنها ليست ذبيحة حينئذ.
(وأما الجواب المرضي -عند جماهير العلماء- أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحاباً للأصل، والأصل الطهارة).
مثال ذلك: واحد أتى وأنا أصلي ووضع عليّ شيئاً، فما يدريني ما الذي وضع عليّ، فلعله كذا ولعله كذا؟ إذاً: لا يمكن إلا أن أستصحب الأصل، والأصل الطهارة حتى أتيقن النجاسة.
فالنبي لم يعلم ﵊ ما الذي وضع على ظهره.
قال: (وما ندري هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها على الصحيح عندنا، أم غيرها فلا تجب)؟ ولنا أن نتصور أن هذه الحادثة تمت في أول العهد المكي قبل أن تُفرض الصلاة، فلا يمكن أن نقول إلا أن هذه الصلاة التي كان يصليها النبي ﷺ نافلة، أو لعله كان ساجداً سجوداً لا علاقة له بالصلاة، وإنما من باب مطلق العبادة، ولا يلزم أن يكون السجود دائماً داخل صلاة، فلعله كان ساجداً ولم يكن مصلياً، ولعله كان يصلي نافلة، أما كون هذه الصلاة فرضاً فهذا أمر بعيد غير متصور.
وإن كان فرضاً وجبت الإعادة فالوقت واسع، وما يدرينا أنه أعاد في بيته إذا كان ذلك فرضاً؟ فإن قيل: يبعد أنه لم يكن يشعر بما وضع على ظهره وكان لا بد أن يشعر به.
قلنا: وإن أحس به فإنه لم يتحقق ﵊ من نجاسته.
أما قول عبد الله بن مسعود: (فلما سجد وضعه عقبة بين كتفيه قال: فاستضحكوا) أي: أنهم لم يضحكوا، والألف والسين والتاء إذا دخلت على الفعل دلّت على الطلب، فقولك: (ضحكوا) أي: غلبهم الضحك.
واستضحكوا: طلبوا الضحك تكلفاً؛ ولذلك قال: وجعل بعضهم يميل على بعض، وهذا فعل الفُسّاق والمُجّان والتائهين أنهم لا يريدون أن يضحكوا ولم يغلبهم الضحك، ولكنهم تكلّفوا الضحك حتى مال بعضهم على بعض كما يصنع شباب المجون والفسق.
قال: (وأنا قائم أنظر) تصور أن ابن مسعود ﵁ سادس ستة في الإسلام من الأوائل ومن السابقين، يرى هذا المنظر ثم لا يملك أن يدفع الأذى عن نبي الله ﷺ ، وهذا أمر يكاد يقتل ابن مسعود.
قال: وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن رسول الله.
أي: لو كانت لي قوة أو عشيرة تمنعني من هؤلاء المجرمين المشركين عُبّاد الأوثان والأصنام لكنت طرحت ذلك عن كتف النبي ﵊؛ ولكن لم يطرحه لأنه يعلم أنه لو طرحه لربما قاموا عليه وعلى صاحبه فقتلوهما، فلم يطرحه خوفاً من إلحاق الأذى وإعلان الحرب على النبي ﵊ ومن معه.
هذا الذي جعلني أرجّح أن الصلاة التي كان يصليها النبي ﵊ لم تكن فرضاً؛ لأن الصلاة لم تفرض إلا في أواخر العهد المكي وقُبيل الهجرة مباشرة، أما في أوائل العهد المكي فالمسلمون كانوا قلة خلافاً لأواخر العهد المكي، فلو كان هذا في أواخر العهد المكي لكانت بعض الق
стр. 1901
استجابة الله دعوة نبيه في ملأ قريش
فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته بالدعاء يدعو على هؤلاء، وكان إذا دعا كرر دعاءه ثلاثاً إلحاحاً بالطلب، وكان يقول: (اللهم عليك بقريش) أي: أهلكهم كما أهلكت الذين من قبلهم، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك.
وهذا يدل دلالة قوية على أنهم كانوا يعتقدون أنه نبي، وأنه مُجاب الدعوة، وإلا لكان ازدادت سخريتهم وازداد ضحكهم، والنبي ﷺ مجاب الدعوة، فذهب عنهم من فرط روعهم وشدة خوفهم من قبول دعوته، ثم قال: (اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة -والصواب كما قلنا: ابن عتبة - وعقبة بن أبي معيط).
فقال: (فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب قليب بدر).
في هذا القول بيان لإحدى معجزاته ﵊، أي أنه دعا على هؤلاء بالاسم، ولكنهم ماتوا في العام الثاني من الهجرة، وكان الدعاء بمكة شيئاً من الاغترار؛ لأن النبي ﷺ لا يلزم من قبول دعوته أن تجاب على التو والفور، بل ربما يدعو في أول نبوته وتكون الإجابة في آخر نبوته.
وكثير من الإخوة يقولون: نحن دعونا للمجاهدين كثيراً ولكننا لا نجد أثراً، وندعو في كل وقت، ومللنا أن يقول لنا الدعاة: إن واجبكم الدعاء.
يستهينون بهذا، والنبي ﵊ يقول: (دعاء المسلم بين ثلاث: فإما أن يجاب -أي: يجاب لك فوراً- وإما أن يُدفع عنك من البلاء مثله، وإما أن يُدخّر لك يوم القيامة) فما يدريك أنه لم يُقبل دعاؤك؟ فهو قُبل ولكنه قُبل في أحد هذه الثلاث، ولا يلزم أن ترى أثر الدعوة فوراً، بل ربما يكون الله تعالى قد قدّر لك بلاء، وقدّر لك الدعاء، فكان سبباً في رفع البلاء وأنت لا تدري! وربما يكون الله تعالى قدّر لك حادثاً خارج هذا المسجد وأنت قادم إليه، وبحسن دعائك وشدة حرارته وإلحاحك على الله رفع عنك هذا الحادث وأنت لا تدري، أو يدّخر لك ذلك إلى يوم القيامة فيجازيك ويكافئك به؛ ولذلك أنكر النبي ﷺ على من يقول: لقد دعوت فلم يستجب لي حتى يدع الدعاء، قال النبي ﵊: (يستجاب لأحدكم مالم يعجل الإجابة فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي، فيدع الدعاء) هذا بلا شك مخالف لأحكام وآداب الدعاء.
فالنبي ﵊ مُجاب الدعوة وهذه إحدى معجزاته ﵊.
قال: (وإنما وضعوا في القليب تحقيراً لهم؛ ولئلا يتأذى الناس برائحتهم، وليس هو دفناً).
فالحربي إذا قُتل لا يُدفن؛ لأن الدفن من أعظم مظاهر التكريم، فالكافر الحربي لا يُكرَّم، وإنما يلقى على المزابل كما تلقى الجيف والأنتان، لا يكفّن ولا يُدفن ولا يُحترم لا حياً ولا ميتاً، ولكنه يُدفن في حالة واحدة إذا كان يمكن أن يتأذى به الأحياء، يُدفن ليس لذاته وإنما لغيره، وليس هذا من باب الإكرام له، بل من باب الإكرام للأحياء.
قال الشافعية: (بل يُترك في الصحراء -أي: الحربي الميت- إلا أن يتأذى به الأحياء.
قال القاضي عياض: اعترض بعضهم على هذا الحديث في قوله: (رأيتهم صرعى ببدر).
ومعلوم أن أهل السير قالوا: إن عمارة بن الوليد وهو أحد السبعة كان عند النجاشي).
وهو السابع الذي نسيه الراوي، فأنتم تعلمون قصة عمارة بن الوليد حينما ذهب مع عمرو بن العاص إلى النجاشي ليؤلّبا النجاشي على من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكان رجلاً جميلاً ذا وجاهة، فلما خدع عمرو بن العاص خدعه عمرو بن العاص عند النجاشي.
стр. 1902
شرح حديث عائشة في أشد يوم أتى على النبي ﷺ وما لقي فيه من الأذى
[وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح وحرملة بن يحيى وعمرو بن سواد العامري قالوا: حدثنا ابن وهب -كل هؤلاء الرواة مصريون، وهذا شرف عظيم جداً- قال: أخبرني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب حدثني عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته: أنها قالت لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟)] فقد كان يوم أحد يوماً شديداً وعصيباً جداً، فهي تسأله وتقول له: هل كان هناك يوم في حياتك أشد من يوم أحد؟ قال: [(لقد لقيت من قومكِ وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب -اسم مكان بجوار مكة- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇ فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟)] أي: إن شئت فعلت.
والأخشبان: هما جبلان في مكة: أبو قبيس والجبل المقابل له.
[فقال له رسول الله ﷺ : (بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)].
هذا مظهر عظيم جداً من مظاهر رحمته ﵊ ورأفته بقومه: (بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً).
فأهل مكة فعلوا بالنبي ﷺ مثلما فُعل به بالطائف، وأهل الطائف أهل خير وإيمان وصلاح وبر وعبادة، وهم أهل مدح عند من يعرفهم.
فلو كان النبي ﵊ استجاب لدعوة ملك الجبال حينذاك في أن يجعل الطائف رأساً على عقِب؟ وأهل مكة الآن لو كانوا على كفرهم وشركهم وأن النبي ﷺ استجاب لملك الجبال هل كان يأمن أحدنا أن يعتمر أو يحج؟ أبداً ما كان يأمن أحدنا أن يعتمر أو يحج.
فهذه نظرة لآلاف السنين نظرها النبي ﵊، فلم يكن ينظر تحت قدمه وإنما كان همّه تحقيق العبودية الكاملة التامة لله ؛ انتظاراً لقومه وعشيرته ولأهل الكفر والإلحاد في شرق الأرض وغربها، وصبره عليهم حتى يدخلوا في الإيمان.
فلو كنا نحن مكان النبي ﵊ لكنا اخترنا لأول وهلة إهلاك هؤلاء جميعاً، وهذا الفارق بيننا وبين النبي ﵊، أن نظرته أعمق من نظرة أمته كلها، وأن صبره وحلمه وعفوه وصفحه قد بلغ فيه مبلغ الكمال والتمام البشري، بل هو الذي حقق الكمال في كل مكارم الأخلاق، وربما حقق الواحد من الأمة مكارم الأخلاق في خصلة من خصال الأخلاق، أو في ثنتين أو في ثلاث، لكن لم يُكمل أحد من الأمة الكمال والتمام في مكارم الأخلاق كلها إلا نبينا ﵊.
قال: (بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً).
стр. 1903
شرح حديث إصابة النبي ﷺ في إصبعه في غزوة من الغزوات
[حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما عن أبي عوانة -وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري - قال يحيى: أخبرنا أبو عوانة].
وأبو عوانة هذا كان عبداً عند يزيد بن الأسود، فأتى سائل فسأل يزيد بن الأسود أن يعطيه نوالاً فمنعه يزيد.
فقال: أتمنعني؟ والله لأكيدن لك، ثم انطلق فانطلق خلفه أبو عوانة فأعطاه نوالاً حتى يبعد عن سيده، وهذا من منتهى الإخلاص في الولاية، فقال: من أنت؟ قال: أنا أبو عوانة مولى يزيد.
قال: والله لأنصرنك ولأنفعنّك، وفي موسم الحج حج هذا السائل، وحين نزول الناس من عرفة إلى مزدلفة وقف هذا السائل يقول كلما مر فوج: أيها الناس! اذهبوا فهنئوا يزيد بن الأسود، فإنه قد أعتق أبا عوانة، فلما تكاثر الناس على يزيد قال: يا أبا عوانة! ماذا أصنع؟ اذهب فأنت حر لوجه الله.
أرأيتم المكيدة؟! [أخبرنا أبو عوانة عن الأسود بن قيس عن جندب بن سفيان قال: (دميت إصبع رسول الله ﷺ ] أي: أُصيبت بجُرح -بضم الجيم- وأما بفتحها فهو مقابل التعديل.
فحينما أقول: فلان ضعيف.
فهذا هو الجَرح بفتح الجيم، ولكن حينما أقول: فلان أُصيب في أصبعه.
بمعنى: جُرح.
فالجَرح شيء معنوي، والجُرح شيء محسوس.
قال: [(جُرح النبي ﵊ في أصبعه في بعض تلك المشاهد فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت)].
وكأنه يريد أن يقول لها: هين جداً أن الواحد يُجرح في سبيل الله.
(هل أنت إلا إصبع دميتِ): أي: جُرحت وسال منكِ الدم، لكن هذا في سبيل الله وهو هيّن.
قال: (وفي سبيل الله ما لقيتِ) وفي رواية: (هل أنتِ إصبع دميتْ وفي سبيل الله ما لقيتْ) فهذا كأنه شعر، لكن العلماء مختلفون في الرجز: هل هو شعر أو لا؟ فقوله: (هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ).
رجز باتفاق، كما قال النبي ﷺ في غزوة الخندق: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة).
فإذا كنا قد اتفقنا أن هذا رجز، فهل الرجز من الشعر أم لا؟ بعض أهل العلم قالوا: الرجز شعر.
وجمهور العلماء يقولون: الرجز ليس شعراً، ولا يلزم فيه قواعد الشعر.
فإذا قلنا: إن الرجز ليس شعراً فيلزمنا أن نقول: النبي ﷺ ليس شاعراً، ولا يمكن أن يكون شاعراً بالرجز؛ لأنه ليس شعراً، وأسوأ الفروض أن الرجز شعر، فينبغي أن ندافع عن النبي ﵊ الذي أثبت ربه بأنه ليس شاعراً فكيف قال الشعر؟ أنتم تعلمون أن النبي ﷺ كان أحياناً ينطق بالبيت من الشعر فيصححه له أبو بكر، وهذا يدل على أنه ليس يحسن الشعر ﵊.
وبالتالي نقول: إن الشعر المذموم هو الشعر المتكلّف المقصود.
أي: الذي قصده صاحبه وشاعره الذي توفرت فيه أركانه وقواعده، وليس بيت من أبياته ﵊ قط توفرت فيه هذه الشروط، وإذا توفّرت فينتفي منها قصد الشعر، فلا يكون شاعراً قط ﵊ وما قرظ الشعر، ولو كان من صناعته ذلك لكان بإمكانه أن يقرظ ملايين الأبيات، فلما لم يكن منه ذلك دل على أنه لا يحسن هذا الباب، فليس شاعراً ﵊.
[وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويه - جميعاً عن - ابن عيينة وهو سفيان - عن الأسود بن قيس بهذا الإسناد وقال: (كان رسول الله ﷺ في غار فنُكبت إصبعه)].
نُكبت أي: جُرحت، لكنه كان في غار هل دخل عليه أحد الغار؟ والرواية السابقة تقول: كان في بعض مشاهده، أو كان في بعض تلك المشاهد فجرحت إصبعه فقال: (هل أنتِ إلا إصبع دميتِ وفي سبيل الله ما لقيتِ) فكيف نوفّق بين الروايتين، وأنه كان في بعض المشاهد؟ الجمع: أن الغار يُطلق على الجيش، والجمع من المقاتلين، فقوله: كان رسول الله ﷺ في غار.
أي: كان في جيش وجمع من أصحابه المجاهدين في بعض المشاهد، فجُرحت إصبعه ﵊.
стр. 1904
شرح حديث سبب نزول سورة الضحى
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس أنه سمع جندباً يقول: (أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ -أي: تأخر بنزول الوحي- فقال المشركون: قد وُدِّع -أي: قد استغنى عنه صاحبه جبريل، قلاه وابتعد عنه وتخلى عنه- فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]).
((مَا وَدَّعَكَ)) رد على زعم المشركين أن جبريل ودّع محمداً وتخلى عنه، حيث قالوا: هذا الذي يزعم أن جبريل ينزل عليه فلِم لم ينزل عليه منذ فترة من الزمان؟ وقال المشركون: إن رب محمد قد أبغض محمداً وقلاه وأبعده.
فأقسم الله تعالى بعد أن أقسم على ذلك بآيتين من آياته بالضحى -النهار- وبالليل، أقسم بآيتين عظيمتين من مخلوقاته، والله تعالى أمرنا عند القسم أن نُقسم به وبأسمائه وصفاته وما دون ذلك شرك، ولكن الله تعالى إذا أراد أن يُقسم أقسم بالعظيم من مخلوقاته، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، وقال: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢]، وقال: ﴿وَالضُّحَى [الضحى:١]، وقال: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [الشمس:١]، ﴿وَنَفْسٍ﴾ [الشمس:٧] وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى.
فإذا أراد أن يؤكد شيئاً أو يبيّن أهمية شيء يُقسم بالعظيم من مخلوقاته، فأقسم الله تعالى هنا رداً على المشركين بـ: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى:١ - ٣] يا محمد! كما يفتري هؤلاء المشركون ﴿وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] ولم يقل: وما قلاك.
والسياق يقول: ما ودعك وما قلاك، ولكن الله تعالى قال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] لينفي أدنى البغض وأدنى البُعد، فلا يكون هناك شيء قط من البُغض.
واللغة دائماً إذا كان فيها زيادة مبنى تدل على زيادة المعنى.
فقد تقول: ما جاءنا من بشير، فما الفارق بينها وبين قولك: ما جاءنا بشير؟
الجواب
اللغويون يقولون: من حرف جر زائد، إذا كان هذا من جهة الإعراب فمسلّم، وإذا كان من جهة المعنى فغير مسلّم؛ لأنه ما جاءنا من بشير أي ما جاءنا من بشير قط، وهذا نفي لجنس البشير، فقوله: (وما جاءنا بشير) لا تنفي أن يكون قد جاءهم بشيران وثلاثة وأربعة، كما تقول بالضبط ما جاءنا من ضيف.
وتقول: ما جاءنا ضيف، بل قد جاءنا اثنان وثلاثة وأربعة وضيوف، لكن (ما جاءنا من ضيف) نفي لجنس الضيافة.
فهناك فرق بين هذه الكلمات بعضها مع بعض.
قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع -واللفظ له- قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان يقول: (اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً -أي: مرض النبي ﵊ فترك قيام الليل ليلتين أو ثلاثاً- فجاءته امرأة فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث.
قال: فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]).
قال ابن عباس: ((مَا وَدَّعَكَ)) أي: ما قطعك منذ أرسلك.
وما قلى.
أي: ما أبغضك.
وسمى الوداع وداعاً؛ لأنه فراق.
وقوله: ما ودّعك هو بالتشديد خلافاً لمن قرأ: (ما ودعك) بالتسهيل.
[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار قالوا جميعاً: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني الملائي حدثنا سفيان كلاهما عن الأسود بن قيس بهذا الإسناد نحو حديثهما].
стр. 1905
باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين
الباب الأربعون: (في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين).
الأول كان صبره على أذى المشركين، وهنا صبره على أذى المنافقين.
والمشركون في مكة، والمنافقون في المدينة، أي: أنه كان في حرب بين أهله وقومه، وفي دار هجرته ﵊.
والإخوة يتصورون أن الذي ينزل بالأمة الآن أمر لا يمكن الصبر عليه ولا يمكن أن نطيقه، ولا بد أن نتحرك وننظر ماذا نفعل، فهذه سنة الله تعالى في الخلق.
ألم تعلموا أن الغلام قال للراهب: لقد كان من أمري أني واجهت دابة حبست الناس.
فقلت: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، فرماها بحجر فقتلها.
فقال الراهب لهذا الغلام: إنك اليوم أفضل مني، وإنك ستُبتلى.
ولا بد أن نقف عند هذا، وهذا يدل على سنة الله تعالى الكونية في أهل الإيمان، فالبلاء دائماً ينزل بهم حتى يطهّرهم الله تعالى تماماً، فهؤلاء أهل الإيمان لهم معاص وذنوب، وإن كانت من نوع آخر غير الأنواع التي يقع فيها الفُسّاق والمُجّان المعلنون بمعاصيهم وذنوبهم، فنحن جميعاً عندنا ذنوب، ولكن الله حيي ستير يحب الحياء والستر.
стр. 1906
شرح حديث أسامة بن زيد في صبره ﷺ على أذى ابن سلول
قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمد بن رافع وعبد بن حميد -واللفظ لـ ابن رافع قال ابن رافع: حدثنا وقال الآخران: أخبرنا- عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة: أن أسامة بن زيد أخبره: (أن النبي ﷺ ركب حماراً)] وهذا يدل على تواضعه ﵊، بخلاف ركوب الفرس، فالذي يركب فرساً أو بغلاً ليس كالذي يركب حماراً.
قال: [(ركب حماراً عليه إكاف)] والإكاف: البردعة.
والدثار: هو الملاصق للبدن، سواء كان اللابس آدمياً أو حيواناً، فالذي يلاصق البدن من الثوب اسمه الدثار؛ ولذلك قال النبي ﷺ للأنصار: (أنتم مني معشر الأنصار كالدثار) أي: أنكم ألصق الناس بقلبي وأحب الناس إليّ.
وفي رواية قال: (الناس شعار والأنصار دثار)؛ لأن الشعار بعيدة عن البدن، والملاصق للبدن اسمه الدثار، وما فوق الدثار يسمى إكافاً بالنسبة للحمار، وبالنسبة للآدمي يسمى الشعار، فالإكاف للحمار يساوي الشعار للآدمي.
قال: [(تحته قطيفة فدكية -نسبة إلى قرية تسمى فدك بجوار المدينة- وأردف وراءه أسامة)] أي: أسامة بن زيد وهو مولاه، والنبي ﵊ قد أردف كثيراً من أصحابه كباراً وصغاراً، أردف معاذاً، وأردف حذيفة، وأردف أسامة بن زيد، وأردف أباه زيداً، وأردف قثم بن العباس، وأردف الفضل، وأردف علياً، وأردف كثيراً من أصحابه ﵊.
ولا يقال للرجل: رديفاً.
فالرديف ليس له قيمة ولا معنى، لكن الرديف في لغة الشرع: هو من ركب خلف الصدر.
أي: حينما تجد واحداً يركب خلفي على الحمار فهذا رديفي، ولو أني أخذته أمامي فهذا لا يصبح رديفاً، كصدر المجالس، إذ لا يتصدر المجالس إلا أصحاب الوجاهات والشهرة، أما غيرهم فهم في غبراء الناس وفي وسط الناس، فكذلك الرديف هو الذي يركب في الخلف، والذي يركب الأمام هو الصدر.
قال: [(وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج -أي: أن سعد بن عبادة هذا خزرجي- وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أُبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا).
وعجاجة الدابة: التراب الذي يتناثر حين تضرب الدابة بحافرها الأرض، فـ عبد الله بن أُبي حينما دخل عليه النبي ﵊ وأصابه شيء من غبار الدابة قام بوضع يده على أنفه وقال: لا تغبّروا علينا، ارجع من حيث أتيت.
قال: [(فسلّم عليهم النبي ﷺ ].
وفي هذا جواز السلام على مجلس فيه أخلاط، وتكون نية المسلّم إلقاء السلام على المسلم.
أو يقول: السلام على من اتبع الهدى.
قال: [(ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن)].
هذه طريقة الدعوة إلى الله السلام أولاً، ثم دعوتهم إلى الإسلام، وقراءة شيء من الوحي عليهم.
قال: [(فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء! لا أحسن من هذا)] كأنه أراد أن يقول: الأحسن من هذا أن ترجع من حيث أتيت، وربما يكون التقدير: لأحسن من هذا، أي: لو قلت كلاماً غير ذلك لكان أحسن، فيكون المعنى: إما أن ترجع وهذا أحسن، وإما أن تحوّل الموضوع وتتكلّم في شيء آخر.
ثم قال: [(إن كان حقاً ما تقول فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه)] إذا كنت تعتقد أنك صاحب حق، فاقعد مكانك والذي يأتيك من جهتنا ادعه كيفما تريد.
قال: [(فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نُحب ذلك.
قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي ﷺ يخفّضهم -أي: يهدئهم ويسكتهم- ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال: أي سعد! -أي: بمعنى: (يا)، وهو حرف نداء (يا سعد) - ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي قال: كذا وكذا)] أي أنه قال: الأحسن لك أن ترجع إلى رحلك وتدعو من جاءك من عندنا ولا تغشنا في مجالسنا.
[قال سعد بن عبادة: (اعف عنه يا رسول الله! واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك)] أنت تعلم أن الله أعطاك النبوة وأعطاك الرسالة، وهذا أشرف شيء يمكن أن ي
стр. 1907
شرح حديث أنس في ذهاب النبي ﷺ وبعض الصحابة إلى عبد الله بن أبي
قال: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى القيسي حدثنا المعتمر -وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي - عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ قال: (قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أُبي؟ قال: فانطلق إليه).
وهذه وقفة تربوية الناس يقولوا للنبي ﵊: لو تذهب إلى عبد الله بن أبي! ومن يكون عبد الله بن أبي هذا حتى يذهب النبي ﷺ إليه؟ فهو يأتي -وهو أقل من ذلك- للنبي ﵊.
أليس الوضيع يذهب إلى الشريف؟ فعندما يذهب الوضيع للشريف فإنه يزداد بذلك شرفاً، ويرتفع عنه شيء من وضاعته، لكن لو ذهب الشريف إلى الوضيع فهذا شرف عظيم جداً للوضيع وليس فيه أدنى شرف للشريف، اللهم إلا التواضع.
لكن انظروا إلى هذا القول قال: (فانطلق) ولم يقل: (فذهب إليه)، كأن النبي ﷺ أحب أن يذهب، فانطلق مسرعاً إليه.
ولو أن هناك أخاً متخاصماً مع أخيه، فالنبي ﷺ يقول: (خيرهما الذي يبدأ بالسلام) فقد يقول واحد منهما: اذهب وقل له بأن يكون هو أخير مني ويأتيني إلى هنا! والله يا إخواني! ما هو إلا نوع من أنواع الجاهلية أن تسمع كلام الله وكلام الرسول ﷺ ثم تُعرض عنه نصاً ومعنى، فينبغي أن تُسارع في تطبيق كلام الله تعالى وكلام الرسول ﷺ على نفسك، وهذا باب عظيم من أبواب تأديب النفس وتهذيبها، إذا سمعت كلام الله وكلام الرسول ﷺ قل: سمعاً وطاعة.
فإذا أمرني الله بهذا والرسول ﷺ أمرنا به فيجب أن أنسى نفسي وأهضم نفسي تماماً، فمن أنا حتى أقول: لا.
هو الذي يأتيني؟! إذاً: هو سيأتيك فهو خير منك؛ لأنه سمع كلام الله وكلام الرسول ﷺ ، وما فعل ذلك إلا طلباً للخيرية، فكل منكما أولى؛ ولذلك النبي ﷺ بيّن فقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فيلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا -فهذا الإعراض من الشيطان- وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) هذا من الرحمن ﵎، حرب بين الخير والشر، بين الطاعة والمعصية.
أكبر من ذلك: أن اثنين يكونان من أصحاب الوجاهة ولنفرض أنهما من الدعاة، هذا عند العامة من الدعاة والعلماء، وذاك عند العامة من الدعاة والعلماء، ولو قلت لواحد منهما: اذهب إليه وناقشه في مسائل الخلاف، يقول لك: أنا أذهب إليه؟ هذا مستحيل ولا يمكن أن أذهب إليه! قال: [(فانطلق إليه وركب حماراً وانطلق المسلمون)] أي: جمهرة من الصحابة مع النبي ﵊ يذهبون إلى بيت عبد الله بن أُبي قال: [(وهي أرض سبخة -المدينة- فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني)] وانظر إلى هذا الجفاء! تصور بعد كل التواضع والحرص يقول له: ابعد عني.
قال: [(إليك عني! فوالله لقد آذاني نتن حمارك)].
وهذا شيء يجعل الشخص يفقد شعوره؛ ولذلك قال رجل من الأنصار: [(والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك.
قال: فغضب لـ عبد الله رجل من قومه.
قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه.
قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال)].
هل هذه عصبية جاهلية أم شرعية؟ في حق الصحابة عصبية شرعية، يقاتلون ويدافعون عن النبي ﵊، فهذا واجب عليهم شرعاً.
قال: [(فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩])].
стр. 1908
باب قتل أبي جهل
الباب الحادي والأربعون: (باب: قتل أبي جهل).
قال: [حدثنا علي بن حجر السعدي أخبرنا إسماعيل بن علية حدثنا سليمان -وهو ابن طرخان التيمي - حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود)] وهذا كان في غزوة بدر، فـ أبو جهل قُتل في غزوة بدر، فالنبي ﵊ علم أنه قُتل، وكان يعلم قبل الغزوة أنه سيُقتل وسيُقتل في هذا المكان بالذات، كما مر بنا أنه أشار إلى مواطن القوم فما برحوها.
أي: مواطن قتلهم فما برحوها.
قال: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟) عرف أنه قد مات، ولكنه يريد أن يجعل ذلك أمراً عاماً يتحدث به الناس إعلامياً، فيذهب أحد ليراه ثم يقول: يا رسول الله! إنه مات في المكان الفلاني، فيسمع جميع الناس أن أبا جهل قد خلّص الله المسلمين من شره.
قال: [(فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء - معاذ ومعوذ - حتى برك) أي: سقط.
وفي رواية: (حتى برد).
وبرد بمعنى: مات.
وفي الحقيقة أن معاذاً ومعوذاً قد ضرباه أولاً حتى أثخناه في دمائه، ولكن الذي جز رأسه هو ابن مسعود.
قال: [(فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك.
قال: فأخذ بلحيته فقال: آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قال: قتله قومه؟).
قال: وقال أبو مجلز: (قال أبو جهل: فلو غير أكّار قتلني)].
الأكّار: الفلاح والمزارع؛ لأن الذي قتله أنصارياً وليس مكياً، فلما علم أبو جهل أن اللذين قتلاه طفلان صغيران قال: لو أن الذي قتلني من علية القوم لكان هذا أشرف لي؛ لأنه أنصاري وأنتم تعلمون أن عمل الأنصار الزراعة، وعمل أهل مكة التجارة، فهو كان يتمنى لو أن تاجراً كبيراً مشهوراً هو الذي يقتله وليس فلاحاً من الأنصار.
فقال: [(فلو غير أكّار قتلني؟)] وهكذا ختم الله له بالوضاعة.
أي: أنه عاش وضيعاً ومات وضيعاً.
стр. 1909
باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود
الباب الثاني والأربعون: (باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود).
كان يهودياً ولم يُسلم، وكان بينه وبين النبي ﷺ عهد أمان وميثاق.
والعهد هو: ألا يُعين كعب أحداً على النبي ﵊، ولا يقاتل النبي ﷺ مع أحد ممن أراده.
فهذا هو العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين كعب بن الأشرف.
стр. 1910
بيان أن الغدر صفة ملازمة لليهود عبر الدهور
اليهود في كل زمان ومكان أغدر خلق الله، لا يعرفون أماناً ولا ميثاقاً قط.
وهذا هو تاريخ اليهود منذ موسى ﵇ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، فهم لا يلتزمون، لكنهم أحسن من يتكلم عن السلام والأمان، واحترام العهود والمواثيق، ومؤتمر جنيف، ومؤتمر بكّين وغيرها من المؤتمرات، لكن لا يمكن عملياً أن يلتزموا بهذا، وتاريخهم الأسود معروف، والأمة تمر به الآن.
يضرب اليهود عرض الحائط بأقوى القرارات لأقوى الدول؛ لأنهم يعلمون حقيقة أنهم أصحاب تأثير قوي في قرارات أمريكا، بل هم الذين يسيّرون العالم الآن، وربما يسأل السائل نفسه: كيف يتحكم اليهود وهم قلة في أمريكا التي هي أعظم دولة في العالم؟ الحقيقة أن من ملك قوته ملك قراره، فاليهود أكبر قوة اقتصادية في العالم كله، وهم الذين يتحكمون في اقتصاد أمريكا، وبالتالي لا بد أنهم يتحكمون في قرارات أمريكا.
اليهود نسبة وجودهم في أمريكا (٦ %) من عدد السكان، وعدد السكان (٢٥٠) مليون نسمة، عدد كراسي اليهود في المجالس النيابية كلها في أمريكا (٢٠ - ٢٢ %)، فعندما يكون عددهم (٦ %) معناه: أن عدد النصارى في أمريكا لا يقل عن (٩٠ %) أو قل: (٨٠ %) وبقية الديانات تمثّل الفارق بين هذا وذاك، فالطبيعي أن يكون للنصارى مقاعد في المجالس النيابية يمثّل (٨٠ %)، لكن عدد الكراسي (٢٤) كرسياً في مجلس الأمن، فعندما يكون لليهود ٢٠% من (٢٤) كرسياً، فسيكون مقاعد اليهود حينئذ كثيرة، وهذا يدل على تحكمهم في القرارات وفي السياسة كلها.
شارون كلب اليهود إذا ذهب إلى كلب أمريكا يحل في نيويورك حتى يأتي كلب أمريكا من أي مكان ومن أي ولاية إلى المكان الذي ينزل فيه رئيس وزراء إسرائيل دائماً، فرئيس وزراء إسرائيل له مكان معلوم في نيويورك ينزل إليه، فيأتيه رئيس أمريكا أياً كان هذا الرئيس.
وقد حدث في عدة زيارات أن شارون لم يأذن لـ بوش بالدخول عليه، ورجع بوش يجر أذيال الخيبة والعار، رجل يأتي من فلسطين إلى أمريكا، فيدخل عليه رئيس أعظم دولة في العالم فلا يأذن له؟ هذا يدل على أنه يضع نعله فوق هامته وفوق رأسه.
أما ادعاء أمريكا الآن أنها دولة سلام فقد بان للعالم كله أن هذه كذبة، وأهل العلم كانوا يعلمون منذ أن تعلّموا العلم أن اليهود كذبة، وخونة وأصحاب غدر، كما شهد بذلك حبرهم في زمن النبوة عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بُهت.
هذه شهادة حبر من أحبارهم، وهذه الشهادة تساوي ملايين؛ لأنها شهادة خبير بهم، بل كان منهم، ولكن الله تعالى نجّاه بحسن إسلامه، فشارون اليهود في زمن النبوة كعب بن الأشرف.
стр. 1911
شرح حديث جابر بن عبد الله في قتل محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف
قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري كلاهما عن ابن عيينة قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابراً يقول: قال رسول الله ﷺ : (من لـ كعب بن الأشرف؟ -أي: من منكم مستعد لقتل كعب بن الأشرف - فإنه قد آذى الله ورسوله -العلة أنه آذى الله ورسوله- فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله! أتحب أن أقتله؟ قال: نعم.
أُحب أن أقتله، قال: ائذن لي فلأقل)] أي: اسمح لي يا رسول الله! فهذا لزوم العمل، اسمح لي بأن أتكلّم فيك، وفي الشريعة التي أنت أتيت بها، وسأتكلم في نفسي أيضاً، أي: أقول كلاماً ظاهره عليك؛ لأنه لا يمكن إتمام الحيلة إلا بهذا، فقال النبي ﵊: [(قل.
فأتاه محمد بن مسلمة فقال له وذكر ما بينهما وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة)] أي: أن محمداً أتى ليأخذ أموالنا.
قال: [(وقد عنّانا)] أي: أتعبنا وأرهقنا.
قال: [(إنه رجل أراد صدقة، وقد عنّانا، فلما سمعه -أي: كعب بن الأشرف - قال: وأيضاً والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن)] فـ محمد بن مسلمة لم يكن يرضى أبداً لنفسه بما رضيته الأمة لنفسها الآن، فالأمة في هذا الوقت ثلة من الأطفال، أما هو فيقول: نحن اتبعناه وأظهرنا اتباعه، وسرنا معه بعض السير قال: [(إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره.
قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً.
قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد.
قال: ترهنني نساءكم.
قال: أنت أجمل العرب! أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم.
قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر.
ولكن نرهنك اللأمة -يعني السلاح- قال: فنعم.
وواعده أن يأتيه بـ الحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر.
قال: فجاءوا فدعوه ليلاً فنزل إليهم.
قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم.
قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائله! إن الكريم إذا دعي إلى طعنة ليلاً لأجاب.
قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم.
قال: فلما نزل نزل وهو متوشح.
فقالوا: نجد منك ريح الطيب.
قال: نعم.
تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب.
قال: فتأذن لي أن أشم منه.
قال: نعم.
فشم.
فتناول فشم.
ثم قال: أتأذن لي أن أعود.
قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم.
قال: فقتلوه].
стр. 1912
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - غزوة ذي قرد - قصة سلمة بن الأكوع
كانت حياة النبي ﷺ عامرة بالجهاد، حافلة بالغزوات، فقد شرع الله لهذه الأمة الجهاد لتبليغ الدعوة والدفاع عن حرمة الأمة وحياض الدين، ومن الغزوات التي خلدتها كتب السير غزوة ذي قرد، والتي كان أحد أبطالها العظام ورجالاتها المسمين سلمة بن الأكوع، الذي ضرب أروع مثال في الاستبسال والفداء، دفاعاً عن دين الله .
стр. 1913
باب غزوة ذي قرد
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الباب الخامس والأربعون من كتاب الجهاد: (باب: غزوة ذي قرد وغيرها).
وذي قرد: اسم لموضع يبتعد عن المدينة مسافة يوم.
أي: للسائر على قدميه أو الراكب على دابة بطيئة السير.
فقوله: (باب: غزوة ذي قرد) أي: باب ذكر ما حدث في تلك الغزوة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم -وهو ابن إسماعيل - عن يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة بن الأكوع ﵁ يقول: (خرجت قبل أن يؤذن بالأولى)] أي: قبل أن يؤذن لصلاة الظهر؛ لأنها أول صلاة صلاها النبي ﵊.
قال: [(وكانت لقاح رسول الله ﷺ ] اللقاح: جمع لقحة، وهي: حديثة العهد بالولادة، أي: ذات اللبن.
قال: [(وكانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لـ عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: أُخذت لقاح رسول الله ﷺ ، فقلت من أخذها؟ قال: غطفان)] وغطفان هي موضع لقرار اليهود وسكنهم.
قال: [(فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه!)] أي: أنه كان ينادي ثلاث مرات ويقول: يا صباحاه! قال: [(فأسمعت ما بين لابتي المدينة)] أي: ما بين جبلي المدينة، والمدينة معلوم أنها بين جبلين، فصرخ سلمة وكان قوياً جداً ثلاث مرات ينادي على كل من أصبح من المسلمين في المدينة أن يجتمع: يا صباحاه! أي: اجتمعوا يا من أصبح عليكم الصباح! قال: [(ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد)] أي: انطلق مسرعاً باتجاه الموضع الذي أُخذت فيه لقاح النبي ﷺ .
قال: [(وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي)] أي: غطفان حينما أصبح عندهم سلمة بن الأكوع وجدهم يسقون في أول النهار.
قال: [(فجعلت أرميهم بنبلي وكنت رامياً)].
نعم.
سلمة بن الأكوع معدود في الرماة من أصحاب النبي ﷺ .
قال: [(وأقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع)].
يقول العلماء: فيه جواز قول مثل هذا الكلام في القتال، وتعريف الإنسان بنفسه إذا كان شجاعاً ليرعب خصمه.
أي: إذا كان هذا الإنسان معروفاً بالشجاعة والقوة والإقدام وعدم الإحجام، فلا بأس أن يذكر اسمه لبث الرعب في قلوب الأعداء؛ ولذلك قال لهم: أنا ابن الأكوع، لكن ما قصة واليوم يوم الرضّع؟ قالوا: معناه: اليوم يوم هلاك اللئام.
أي: اليوم أرسلني الله تعالى إليكم لأهلككم فأنتم رضع أي: لئام، من قولهم: لئيم راضع.
أي: رضع اللؤم وهو في بطن أمه.
وقيل: لأنه يمص حلمة الشاة والناقة لئلا يسمع الضيفان صوت الحلاب فيقصدونه، وكان البخيل الشحيح من العرب إذا أراد أن يحلب الناقة وضع ثديها في فمه ورضعها، حتى لا يسمع السائل أو الضيف صوت الحلاب فيضطر آسفاً أن يقدم له شيئاً من اللبن.
فيقال: هذا أشد اللؤم وأخبثه.
فقال: أنتم يا غطفان! مشهور عندكم هذا، أنكم إذا أردتم حلب الشياه أو النوق مصصتم اللبن من الثدي مصاً حتى لا تقدموا شيئاً للضيفان أو للسائلين.
وقيل: لأنه يرضع طرف الخلال الذي يخلل به أسنانه.
أي: إذا حلب وضعه في فمه يرضعه رضاعاً، ويمص ما يتعلق به من فضلات الطعام، وفيه أيضاً إشارة إلى الشح والبخل.
وقيل معناه: اليوم يُعرف من رضع كريمة فأنجبته، أو لئيمة فهجنته.
وقيل معناه: اليوم يُعرف من أرضعته الحرب من صغره، وتدرب بها وعُرف بها.
كأنه يتحداهم بشجاعتهم ويقول: أنا ابن الأكوع وبيني وبينكم هذا اليوم إما أنا وإما أنتم.
فقال: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضّع قوله: [(فأرتجز -أي: من الرجز شيئاً أكثر من ذلك- حتى استنقذت اللقاح منهم)]، حتى أخذ اللقاح من غطفان.
قال: [(واستلبت منهم ثلاثين بردة -والبردة: هي العباءة- وجاء النبي ﷺ والناس فقلت: يا نبي الله! إني قد حميت القوم الماء -أي: إني قد منعت القوم أن يشربوا من الماء- وهم عطاش فابعث إليهم الساعة)] أي: إذا شئت أن تبعث إليهم فابعث، فقال: (يا ابن الأكوع! ملكت فأسجح)] أي: تمكنت منهم فاعف.
انظروا إلى رحمة النبي ﵊ حتى لهؤلاء اليهود.
يقول: [(يا ابن الأكوع! ملكت فأسجح)].
ورجل ساجح وامرأة سجحاء أي: معروف بالحلم والصفح والعفو عند المقدرة.
قال: [(ثم رجعنا ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة)].
أي: أركبني خلفه على الداب
стр. 1914
معجزة سقي من كان مع رسول الله من بئر في الحديبية
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه الإمام الكبير- أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه -أي: وهذا السياق سياق الدارمي - أخبرنا أبو علي الحنفي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة -أي: ابن عمار - حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي سلمة بن الأكوع قال: (قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ] يحكي القصة باستفاضة، والذي يحكيها باستفاضة هو الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
[يقول سلمة بن الأكوع (قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ] أي: قدموا من المدينة حتى وصلوا إلى الحديبية وهو موضع قبيل مكة، والمعروف مكانه بصلح الحديبية.
قال: [(ونحن أربع عشرة مائة)] أي: ألف وأربعمائة رجل.
وقيل: ألف وثلاثمائة وقيل: ألف وخمسمائة، والراجح وهو مذهب جمهور العلماء والرواة: أنه ألف وأربعمائة شخص.
قال: [(وعليها خمسون شاة لا ترويها)] أي: مع هذا الوفد العظيم جداً خمسون شاة فقط، ولاشك أن هذه الشياه لا تكفي هذا العدد ولا ترويهم.
قال: (فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية) والركية هو: البئر.
وجبا أي: حافة.
فقعد النبي ﷺ على حافة البئر، وربما كان المقصود: أن ماء الحديبية لا تروي تلك الشياه، فهذا الماء إما أن يكون قليلاً لا يكفي لري هذه الشياه، وإما أن تكون هذه الشياه المقصود: أنها إذا حُلبت لا تروي هذا العدد الكثير.
قال: [(فقعد رسول الله ﷺ على جبا الركية، فإما دعا وإما بسق فيها)] أي: في بئر الحديبية قعد على حافتها، إما دعا وبرّك في الماء، وإما بسق وبصق وبزق بمعنى واحد، الثلاثة بمعنى التفل.
فقال: [(فجاشت فسقينا واستقينا)] أي: فاض البئر بالماء وامتلأ.
وهذا فيه إثبات معجزة محسوسة للنبي ﵊، أنه ببصاقه اجتمع هذا الماء الكثير في هذا المكان حتى شرب الجميع وسقوا الشياه.
стр. 1915
بيعة الصحابة لرسول الله ﷺ في أصل الشجرة وبيعة سلمة خاصة
قال: [(ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة)] أي: عند جذع الشجرة، جلس عندها وطلبنا لنبايعه.
قال: [(فبايعته أول الناس -كنت أول من بايع- ثم بايع وبايع)] أي: ثم بايع فلان وفلان وفلان، وهكذا.
قال: [(حتى إذا كان في وسط من الناس قال: بايع يا سلمة! قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس قال: وأيضاً)] أي: وبايع أيضاً الآن.
قال: (ورآني رسول الله ﷺ عزلاً) وهي الرواية الفصيحة.
يقال: فلان عزل وفلان عزب، ويمكن فلان أعزل.
أي: لا سلاح معه، وفلان أعزب أي: لا زوجة له.
لكن الفصحى: فلان عزل، وفلان عزب.
قال: [(ورآني رسول الله ﷺ عزلاً -يعني: ليس معه سلاح- فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة -هما شبيهتان بالترس- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة -وهذه المرة الثالثة- قلت: يا رسول الله! قد بايعتك في أول الناس وفي أوسط الناس قال: وأيضاً -يعني: تبايعني الثالثة- فبايعته الثالثة.
ثم قال لي: يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ -يعني: أين الترس الذي أعطيتك إياه؟ - قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلاً)] أي: عامر بن الأكوع وهو أخوه، بعض الروايات أثبتت أنه أخوه، وبعض الروايات أثبتت أنه عمه، فـ الحافظ يجمع بين الروايتين بأنه عمه وأخوه في الرضاعة.
قال: [(لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها)] مع أن هذا ترس النبي ﵊ ولا يمكن لأحد أن يفرّط فيه، ومع هذا أعطاه سلمة لعمه عامر.
قال: [(فضحك رسول الله ﷺ وقال: إنك كالذي قال الأول -أي: أنت كالذي قال في أول الزمان- اللهم أبغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي)].
ولكني أرى هنا أن النبي ﷺ ضحك، والضحك إقرار، فكأنه أقره على إهداء الهدية، وهذا يصحح قول العامة: إن الهدية لا تهدى ولا تباع، فالهدية تهدى وتُباع، وبمجرد أن استقرت في ذمة المهدى إليه صارت ملكاً له، وللمالك أن يتصرف فيما يملك بأي وجه من أوجه التصرف الحلال، ومنها البيع والهدية.
стр. 1916
صلح الحديبية وما أعقبه من خفر المشركين لذمتهم
قال: [(ثم إن المشركين راسلونا الصلح)] أي: أرسلوا إلينا طلباً في الصلح.
قال: [(حتى مشى بعضنا في بعض)] يعني: اصطلحنا بالفعل واختلط بعضنا ببعض فقد اتفقوا معنا على العهد والميثاق والصلح المشروط، أن يأمن كل منا صاحبه وألا يغدر أحد منا بصاحبه وغير ذلك.
وتاريخ الإسلام لم يثبت قط أن أحداً من المسلمين أو من خلفاء الإسلام غدر في عهده وميثاقه بأهل الكتاب ولا بالمشركين، وإنما الغدر كان دائماً في اليهود، فهم قوم غُدر.
قال: [(ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، وكنت تبيعاً لـ طلحة بن عبيد الله -تبيعاً أي: خادماً- أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه)] (أحسّه) أي: أمسح ظهر الفرس بالمحسة، والتي يسميها الفلاحون الآن المجسّة، وهي: شيء مثل الحديد يمسح بها ظهر الفرس.
قال: [(وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله)] أعظم الأعمال الهجرة إلى الله تعالى ورسوله.
قال: [(فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض -أي: في صلح الحديبية- أتيت شجرة فكسحت شوكها)] أي: مسحت ما تحتها من شوك ثم نمت تحتها.
قال: [(فاضطجعت في أصلها.
قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ -أي: يتناولونه بالسب أو الشتم أو التنقّص وهم مشركون- فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى)]، وقد يكون هذا السب والشتم في أصل عقد الصلح ناقضاً للصلح، وربما لا يكون كذلك، وربما سب المسلمون المشركين وشتموهم، وليس هذا بغدر ولا نقض للعهد والميثاق.
قال: [(فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا)] هم أيضاً علّقوا أسلحتهم في الشجرة وناموا تحتها.
قال: [(فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قُتل ابن زنيم -وهو أحد أصحاب النبي ﷺ قال: فاخترطت سيفي -أي: سللته وأخرجته من غمده- ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود)] (شددت) أي: أتيتهم وفزّعتهم حتى قاموا.
قال: (فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً في يدي) (ضغثاً) أي: حزمة، أخذ سلاح الأربعة ووضعه في يد واحدة وفي يده الأخرى سلاحه، وكان هذا شيئاً عجيباً، فـ سلمة بن الأكوع بايع النبي ﷺ ثلاث مرات، فلما نزل الكوفة بعد موت النبي ﵊ قال أهل الكوفة: يا سلمة! ناولنا يدك التي بايعت بها رسول الله ﷺ نقبلها.
قال الراوي: فناولني يده فوضعتها في يدي فإذا بها كخف البعير، وليس بعظيم أن يأخذ سلاح الأربعة ويضعه في يد واحدة، هذا علي بن أبي طالب خلع باب حصن في غزوة خيبر اتخذه اليهود ليتحصنوا به ضد المسلمين، ووضعه في يده اليسرى، واتخذه درعاً في أثناء القتال، أي: يتفادى الأسهم بباب الحصن بيده اليسرى ويضرب بيده اليمنى، أي: أن هؤلاء كأنهم خلقوا ثم ماتوا، ولا يمكن أن يكرر هذا مرة أخرى، لكن -الحمد لله- الأمة فيها خير كثير بإذن الله تعالى.
قال [(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً في يدي -أي: حزمة- ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﵊ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه -أي: ضربت عنقه- قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ .
قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات -وهم قوم من قريش، كانت أمهم تسمى عبلة بنت عبيد - يقال له: مكرز، يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف -أي: فرس مجهّز عليه سرجه- في سبعين من المشركين)] أي: أنه جاء بـ مكرز ومعه كذلك سبعون آخرون.
قال: [(فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: دعوهم)].
وكلمة (دعوهم) تُغضب الصحابة، خاصة خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب، وكذلك سلمة بن الأكوع لا يمكن أن ينسى أن هؤلاء الأربعة شتموا النبي ﵊ فكيف يدعونهم؟ قال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) أي: خلوا سبيلهم وليعلموا أنهم نقضوا العهد أولاً وآخراً، فهم الذين نقضوا العهد مرتين، مرة في أول العهد ومرة في آخر العهد، فسبّوا وشتموا ثم غدروا أكثر من ذلك.
قال: [(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤].
قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة)]، وفي رحلة العودة إلى المدينة سيتعامل النبي ﷺ فيها مرة أخرى مع اليهود.
قال: [(فنزلنا منزلاً -وهم في طريق عودت
стр. 1917
قصة سلمة بن الأكوع مع عبد الرحمن الفزاري الذي أغار على ظهر النبي ﷺ
قال: [(ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلامه ﷺ ] أي: بعث بناقته أو ببعيره أو بحماره ودابته التي كان يركبها، بعث بها إلى المدينة مع غلامه رباح.
قال: [(وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة)]؛ لأنه كان تبيعاً عنده، أي: خادماً عند طلحة بن عبيد الله.
قال: [(أنديه مع الظهر)]، أي: أسقيه الماء ثم أورده على المرعى، ثم أرجعه الماء، ثم أسقيه، ثم أعلفه وغير ذلك، وفي رواية: (أبديه) وهي رواية ضعيفة، ومعناه: جعلته في البادية.
قال: [(أنديه مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ] عبد الرحمن الفزاري -وهو من أهل المدينة- قد أغار على رباح وأخذ منه الدابة التي كان يستظهرها النبي ﵊.
قال: [(فاستاقه أجمع -فأخذه كله من رباح - وقتل راعيه قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله)] خذ الفرس هذا وأعطه لـ طلحة بن عبيد الله، ودعني مع عبد الرحمن الفزاري هذا لأنظر هل يأخذ هذا الظهر وهذا القطيع أم سأرجع به مرة أخرى، كأن رباح لم يُقتل وإنما الذي قُتل هو الراعي.
قال: [(وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه -أي: على ظهره- قال: ثم قمت على أكمة -أي: على جبل مرتفع صغير- فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثاً: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فألحق رجلاً منهم فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه)] أي: أنه كلما أدرك واحداً منهم ناوله بالنبل أو بالسهم حتى يقضي عليه وعلى رحله.
قال: [(قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم)] وفي رواية: (أردّيهم) من الردى أي: الهلاك، أي فلا زلت أدرك القوم وأعقر خيولهم وأفراسهم.
[(فإذا رجع إليَّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه)] أي: أن الجيش كله يجري أمام سلمة بن الأكوع، يركبون البغال والحمير والنوق وغير ذلك، ومعهم كل الأسلحة، وهم مستعدون للحرب وما قدموا إلا للحرب، وسلمة بن الأكوع ليس معه إلا سهمه ويمشي على قدميه، رجل واحد في الأمة هذه إمكانيته.
قال: [(حتى تضايق بهم الجبل والطريق)] كأنه أراد أن يقول: دخلوا في جحر من الجبل، فانظر إلى واحد يؤثر في جيش من المشركين إلى هذا الحد.
قال: [(حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل -صعد على قمته- فجعلت أرديهم بالحجارة)].
إذاً: الحجارة التي يستخدمها المجاهدون في فلسطين لها أصل، استخدمها أخوهم سلمة بن الأكوع ﵁.
قال: [(فجعلت أردّيهم بالحجارة)] أي: كلما ألقى حجراً فأصاب واحداً أرداه قتيلاً.
قال: [(فما زلت كذلك أتبعهم، حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلّفته وراء ظهري)] أي: حتى أصبحت الغنيمة كلها وراء ظهره متمكناً من إرجاع الظهر إلى النبي ﷺ .
قال: [(وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم)].
لم يكتف بأنه أخذ ما سلب من غلام النبي ﷺ ، بل تبعهم بعد ذلك بالضرب والرمي.
قال: [(حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً، يستخفون)] أي: أنهم تركوا الذي معهم من متاع وإبل وسلاح وغير ذلك كي يستطيعوا أن يجروا.
قال: [(ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً -أي: أعلاماً- من الحجارة)] حتى إذا رجع لا يفوته شيء من لم الغنائم.
قال: [(يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى إذا أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان ابن فلان البدري الفزاري)] أي: من بدر -وليس ممن شهد بدراً- الفزاري، وربما يكون المقصود: هو عبد الرحمن الفزاري الذي قتل غلام النبي ﷺ .
قال: [(فجلسوا يتضحون -أي: يتغدون في وقت الضحى- وجلست على رأس قرن)] وهو الجبل الصغير، ولك أن تتصور أنهم يجلسون على الوادي ليتغدوا، وهذا يجلس على رأس جبل صغير كالصقر ينظر إليهم.
قال: [(قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح)] أي: أن هذا الذي تستهين به لقينا منه البرح -والبرح: هو الشدة، وأذاقنا المر من الأمس إلى اليوم، [(والله ما فارقنا منذ غلس)] أي: من
стр. 1918
استشهاد عامر بن الأكوع يوم خيبر وقتل علي بن أبي طالب لمرحب اليهودي
قال: [(فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر)] انظروا إلى هذا الجهد الجهيد الذي مر به الصحابة، ومع ذلك لم يخذلوا النبي ﷺ ، والأمة الآن خذلت رسولها أيما خذلان، ولو أن أحدنا كان مع الصحابة في ذلك الزمان لما استطاع أن يمشي معهم من مكة إلى المدينة.
قال: [(ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ .
قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله ﷺ : من هذا؟ -أي: من الذي يرتجز هذا الكلام الطيب- قال: أنا عامر بن الأكوع.
قال: غفر لك ربك)] وهذا الكلام يحمل معنيين: إما دعاء، وإما أنك ستموت شهيداً مغفوراً لك، وإذا قيل هذا الدعاء في القتال فيعني: أن هذا سيُقتل، كالمرأة التي أتت إلى عمر وقالت: يا أمير المؤمنين! إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل.
قال: ما أحسنه.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين! إنها تشكوه ولا تمدحه، فقال: حيث إذ فهمتها فاقض بينهما أنت، وهذا كلام ظاهره المدح، لكن له معنى آخر.
وهذا قال له ﵊: [(قد غفر لك ربك.
قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا بـ عامر؟)].
فهم عمر أن النبي ﷺ يُخبر عن مقتل عامر، فقال له: يا رسول الله! دعنا نستمتع به في القتال وفي الرجز.
قال: [(فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه)].
أي: أنه يقلب سيفه في ضوء الشمس؛ لأنهم دخلوا خيبر غداة، ولذلك حينما خرج الراعي بالإبل والبقر والغنم ورأى الجيش قال: محمد والخميس، أي: وصل محمد وجيشه، وسمي الجيش خميساً لأنه يتكون من خمسة أجزاء: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، ومؤخرة، وبطن أو قلب.
قال: [محمد والخميس، وكان ذلك غدوة أي: بعد صلاة الفجر.
قال: (فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب).
وشاكي السلاح أي: تام القوة، أي: سلاحي في يدي في غاية القوة، لا يستطيع أحداً أن يغلبني.
قال: (قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب قال: وبرز له عمي عامر، فقال: قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر)].
أي: يركب غمرات الحرب ولا يحجم عنها ويرتكب شدائدها، ويلقي بنفسه فيها.
قال: [(فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له -أي: يضربه في أسفله- فرجع سيفه على نفسه -رجع سيف عامر على عامر - فقطع أكحله فكانت فيها نفسه)].
فظن بعض الصحابة الذين رأوا هذا المنظر أن عامراً قتل نفسه، لم يصبر على الطعنة أو الضربة التي ضربه فيها مرحب فقتل نفسه، وظنوا أنه شبيه بمن قال النبي ﷺ عنه ذات غزوة، حينما قال الصحابة: (إنا نرى فلاناً من أهل الجنة يقاتل في الجيش كأنه جيش لوحده.
قال: وأنا أراه من أهل النار، قال: ففزع القوم) كل من أُعجب بقتال هذا الرجل وإقدامه فزع حينما سمع النبي ﷺ يقول: (وأنا أراه من أهل النار.
قال رجل: فتتبعته كلما عدا عدوت، وكلما وقف وقفت، حتى أصابه سهم فلم يصبر عليه، فوضع ذبابة سيفه في بطنه واتكأ عليه فخرج من ظهره فمات)] فهو الذي قتل نفسه؛ فظنوا أن عامراً كهذا الرجل، وكان هذا الرجل الذي قتل نفسه من المنافقين، أما عامر فقد دعا النبي ﷺ له.
قال: (قد غفر لك ربك).
قال سلمة: [(فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر -أي: لأنه قتل نفسه بزعمهم- فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ قال رسول الله: من قال ذلك؟ قال: قلت: ناس من أصحابك.
قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين)]، والكذب عند أهل السنة هو الكلام الذي لم يوافق الحقيقة سواء تعمده صاحبه أو لم يتعمده خلافاً للكذب عند المعتزلة، فإن الكذب عندهم هو ما تعمده صاحبه.
قال: [(ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد)] أي: مصاب برمد في عينيه.
قال: [(لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله)].
عمر بن الخطاب ﵁ في هذه الغزوة يقول: ما تطلعت قط
стр. 1919
فوائد حديث قصة سلمة بن الأكوع
стр. 1920
ذكر معجزات النبي ﷺ في هذه الغزوة
قال النووي: (واعلم أن في هذا الحديث أنواعاً من العلم -أي: أنواعاً من الفوائد- سوى ما سبق التنبيه عليه).
قال: (منها أربع معجزات لرسول الله ﷺ : إحداها: تكثير ماء الحديبية.
والثانية: إبراء عين علي ﵁.
والثالثة: الإخبار بأنه يفتح الله على يديه.
أي: على يدي علي بن أبي طالب: (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه).
وقد جاء التصريح به في رواية غير مسلم هذه.
والرابعة: إخباره ﷺ بأنهم يقرون في غطفان، وكان كذلك).
هذه أربع معجزات له ﷺ .
стр. 1921
جواز الصلح مع العدو
قال: (ومنها: جواز الصلح مع العدو) إذا دعت مصلحة المسلمين إلى ذلك، وإذا لم تكن هناك مصلحة فلا صلح معهم، وللصلح مع اليهود أو مع الأعداء عموماً شروط كثيرة ليست هي التي ينعق بها هؤلاء أصحاب الطاقيات الحمراء ليل نهار، فهؤلاء يفتون بفتاوى مدفوعة الثمن مقدماً.
стр. 1922
جواز بعث الطلائع في أول الجيش
قال: (ومنها: بعث الطلائع)؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث رباحاً وكان معه سلمة بن الأكوع، فهذه كانت طليعة الجيش.
(ومنها: جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض، وفضيلة الشجاعة والقوة.
ومنها: مناقب سلمة بن الأكوع وأبي قتادة والأخرم الأسدي ﵃ أجمعين).
стр. 1923
جواز الثناء على من فعل جميلاً إذا أمن الفتنة
ومنها: (جواز الثناء على من فعل جميلاً في وجهه، واستحباب ذلك ما لم تخش عليه الفتنة)، وكم مدح النبي ﷺ أناساً في وجوههم، وكم منع النبي ﷺ من المدح، فتبين أن الفيصل بين هذا وذاك أمن الفتنة أو خوفها، فإذا كان مأمون الفتنة ويصدّق ويُخشى عليه الفتنة والاغترار بهذا المدح فيحرم مدحه في وجهه، أما إذا كان في مأمن من ذلك فيستحب مدحه.
стр. 1924
جواز عقر خيل العدو في الحرب واستحباب الرجز
قال: (ومنها: جواز عقر خيل العدو في القتال، واستحباب الرجز في الحرب، وجواز قول الرامي والطاعن والضارب: خذها وأنا فلان ابن فلان، بشرط أن يكون شجاعاً قوياً ذا مهابة في قلب العدو).
стр. 1925
جواز الأكل من الغنيمة قبل توزيعها
قال: (ومنها: جواز الأكل من الغنيمة قبل توزيعها)، وأخذنا هذا من ذبيحة بلال، ولا يقال عن الغنائم بعد التوزيع: غنائم، وإنما يقال: أسهم، أما قبل توزيع الغنيمة فهي غنيمة.
قال: (وفيه جواز الأكل من الغنيمة -أي: قبل التوزيع- والأكل عام فالجيش كله سيأكل، واستحباب التنفيل من الغنيمة لمن صنع صنيعاً جميلاً في الحرب، وهل هناك أجمل مما صنعه سلمة؟)
стр. 1926
حمل معاوية بن أبي سفيان لسلمة بن الأكوع على دابته بعد الرجوع من خيبر
كان سلمة بن الأكوع خادماً لـ طلحة بن عبيد الله، وأنتم تعلمون أن طلحة هذا من المبشرين، وسلمة بن الأكوع يكفيه ما فعل في الحديبية، وما فعل مع غطفان، وبني لحيان، ومع اليهود في خيبر، فهو مجهود لا تقوم به الآن أمة كاملة؛ لذلك أحب النبي ﵊ أن يكرمه، وكان هناك أماكن على مشارف المدينة لعلية القوم، وكان النبي ﷺ حينما يأتيه ضيوف يجعلهم في هذه الأماكن؛ فقال لرجل من أصحابه - وهو معاوية بن أبي سفيان -: (خذ سلمة وأنزله في عوالي المدينة)، وأنتم تعلمون أن معاوية هو الشريف ابن الشريف، فيركب سلمة من أمام المسجد النبوي على ظهر الجمل؛ ويأمر معاوية أن يفزّع الجمل ليقوم، وظل معاوية يسوق الجمل لـ سلمة حتى تضررت قدماه من الحر، فقال: يا سلمة! احملني خلفك، فلم يرد عليه، فلما اشتد عليه الوجع قال: يا سلمة! ناولني نعلك.
قال سلمة: إنما يكفيك ظل البعير، فمشى معاوية في ظل البعير حتى بلّغه مراده.
ومع مرور الأيام أصبح معاوية أميراً للمؤمنين ﵁ وعن أبيه، ويدخل عليه سلمة بن الأكوع حافياً، لكن معاوية كان حليماً وكان سموحاً -قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]- ونزل معاوية واصطحبه حتى أجلسه على سريره، فهؤلاء هم الرجال الذين ربّاهم النبي ﵊، ينزل معاوية بنفسه ابتغاء وجه الله قال: يا ابن الأكوع! أترى سريري أفضل أم بعيرك؟ فضحكا وانتهى الموقف على ذلك.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1927
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم) - غزوة النساء مع الرجال - عدد غزوات النبي
لقد شرع الله تعالى لهذه الأمة حمل السلاح للذب عن جناب الدين، ولتبليغ الدعوة ونشرها في أرجاء المعمورة، وقد حمل هذا العبء مع رسول الله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لا فرق في ذلك بين رجل أو امرأة أو طفل، والشريعة لم تغفل جهد أحد من المسلمين في هذا السبيل مهما قل هذا المجهود، بل قررت لكل واحد منهم ما يناسبه من الغنيمة.
стр. 1928
باب قول الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحدث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب السادس والأربعون من كتاب الجهاد (باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح:٢٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك: (أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا -أي: نزلوا- على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين)] ثمانون مشركاً نزلوا من جبل التنعيم، وهو في مدخل مكة، وكانوا متسلحين، نزلوا على رسول الله ﷺ يريدون قتله هو ومن معه.
قال: [(يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه)].
أي: يتحينون غفلة منه ﵊ لينقضوا عليه وعلى أصحابه.
قال: [(فأخذهم سلماً أو سلَماً)] أي: صلحاً، أي: فاصطلح معهم، عندما غلبت قوة النبي ﷺ وأصحابه قوة هؤلاء المشركين، فآثر المشركون السلم والصلح، فانتهزوا فرصة عرض الصلح عليهم فقبلوه، وفي لفظ: (فأخذهم سَلَماً) أي: أسرى.
فإما أن تُنطق سلِماً أو سَلَماً يعني: صلحاً أو أسرى.
قال: [(فأخذهم سلماً أو سلِماً فاستحياهم، فأنزل الله : ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)) [الفتح:٢٤]-أي: أيدي المشركين عنكم- ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]).
قال الإمام النووي: (فأخذهم سلماً) ضبطت بوجهين إما بفتح السين واللام، أي: سَلَماً، والثاني: بإسكان اللام مع كسر السين أي: سلْماً، وفتحها الحميدي ومعناه: الصلح.
قال القاضي في المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون.
وفي الشرح: أن الرواية الأولى أظهر وأولى ومعناها: أسرهم.
والسَلَم هو الأسر.
وجزم الخطابي بفتح اللام والسين، قال: والمراد به الاستسلام والانقياد والإذعان، كقول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء:٩٠] أي: الانقياد والاستسلام والإذعان والخضوع، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع.
قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصة، أي: أن النبي ﷺ أخذهم أسرى، فإنهم لم يؤخذوا صلحاً، وإنما أخذوا قهراً وأسلموا أنفسهم عجزاً.
قال: وللقول الآخر -أي: سِلْماً- وجه، وهو أنه لما لم يجر معهم قتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم رضوا بالأسر، فكأنهم قد صولحوا على ذلك).
стр. 1929
باب غزوة النساء مع الرجال
الباب السابع والأربعون: (باب غزوة النساء مع الرجال).
يعني: هل يجوز أن تغزو النساء مع الرجال؟
стр. 1930
شرح حديث أم سليم في خروجها مع النبي للغزو
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: (أن أم سليم) -وهي أم أنس بن مالك وزوج أبي طلحة الأنصاري - اتخذت يوم حنين خنجراً -وقيل: خِنجراً.
إما بكسر الخاء أو بفتحها- فكان معها، فرآها أبو طلحة -أي: زوجها- فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خِنجر.
فقال لها رسول الله ﷺ : ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته.
إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه -أي: شققت به بطنه- فجعل رسول الله ﷺ يضحك.
قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا -أي من وراءنا- من الطلقاء)] وهم الذين أسلموا في فتح مكة، وكان في دينهم رقة وضعف، فتصورت أم سليم أن هؤلاء قد نافقوا، فحكمت عليهم بالقتل؛ لأنهم منافقون، ولكن النبي ﵊ بيّن لها أنهم في غنى عن هذا، حتى عن قتال هؤلاء دون النبي ﷺ ، وليسوا كما تزعمين يا أم سليم، بل هم مسلمون لكن في دينهم رقة وضعف.
قالت: [(يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم! إن الله قد كفى وأحسن).
وحدثنيه محمد بن حاتم حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي - حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك في قصة أم سليم عن النبي ﷺ مثل حديث ثابت].
قال الإمام النووي في قولها: (اقتل من بعدنا من الطلقاء) قال: (سموا بذلك -أي: الطلقاء- لأن النبي ﷺ من عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم وغيره.
[حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يغزو بـ
أم سليم -أي: أنها كانت تخرج معه في غزواته- ونسوة من الأنصار معه إذا غزا -ليس بـ
أم سليم وحدها- فيسقين الماء ويداوين الجرحى)].
إذاً: مهمة النساء في الغزو ليس القتال، وإنما مهمتهن: سقي الماء، ومداواة الجرحى، وطبخ الطعام، وغير ذلك من مهام النساء
следующие страницы →