Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
حمل معاوية بن أبي سفيان لسلمة بن الأكوع على دابته بعد الرجوع من خيبر
كان سلمة بن الأكوع خادماً لـ طلحة بن عبيد الله، وأنتم تعلمون أن طلحة هذا من المبشرين، وسلمة بن الأكوع يكفيه ما فعل في الحديبية، وما فعل مع غطفان، وبني لحيان، ومع اليهود في خيبر، فهو مجهود لا تقوم به الآن أمة كاملة؛ لذلك أحب النبي ﵊ أن يكرمه، وكان هناك أماكن على مشارف المدينة لعلية القوم، وكان النبي ﷺ حينما يأتيه ضيوف يجعلهم في هذه الأماكن؛ فقال لرجل من أصحابه - وهو معاوية بن أبي سفيان -: (خذ سلمة وأنزله في عوالي المدينة)، وأنتم تعلمون أن معاوية هو الشريف ابن الشريف، فيركب سلمة من أمام المسجد النبوي على ظهر الجمل؛ ويأمر معاوية أن يفزّع الجمل ليقوم، وظل معاوية يسوق الجمل لـ سلمة حتى تضررت قدماه من الحر، فقال: يا سلمة! احملني خلفك، فلم يرد عليه، فلما اشتد عليه الوجع قال: يا سلمة! ناولني نعلك.
قال سلمة: إنما يكفيك ظل البعير، فمشى معاوية في ظل البعير حتى بلّغه مراده.
ومع مرور الأيام أصبح معاوية أميراً للمؤمنين ﵁ وعن أبيه، ويدخل عليه سلمة بن الأكوع حافياً، لكن معاوية كان حليماً وكان سموحاً -قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]- ونزل معاوية واصطحبه حتى أجلسه على سريره، فهؤلاء هم الرجال الذين ربّاهم النبي ﵊، ينزل معاوية بنفسه ابتغاء وجه الله قال: يا ابن الأكوع! أترى سريري أفضل أم بعيرك؟ فضحكا وانتهى الموقف على ذلك.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1927
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم) - غزوة النساء مع الرجال - عدد غزوات النبي
لقد شرع الله تعالى لهذه الأمة حمل السلاح للذب عن جناب الدين، ولتبليغ الدعوة ونشرها في أرجاء المعمورة، وقد حمل هذا العبء مع رسول الله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، لا فرق في ذلك بين رجل أو امرأة أو طفل، والشريعة لم تغفل جهد أحد من المسلمين في هذا السبيل مهما قل هذا المجهود، بل قررت لكل واحد منهم ما يناسبه من الغنيمة.
стр. 1928
باب قول الله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحدث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب السادس والأربعون من كتاب الجهاد (باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح:٢٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك: (أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا -أي: نزلوا- على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين)] ثمانون مشركاً نزلوا من جبل التنعيم، وهو في مدخل مكة، وكانوا متسلحين، نزلوا على رسول الله ﷺ يريدون قتله هو ومن معه.
قال: [(يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه)].
أي: يتحينون غفلة منه ﵊ لينقضوا عليه وعلى أصحابه.
قال: [(فأخذهم سلماً أو سلَماً)] أي: صلحاً، أي: فاصطلح معهم، عندما غلبت قوة النبي ﷺ وأصحابه قوة هؤلاء المشركين، فآثر المشركون السلم والصلح، فانتهزوا فرصة عرض الصلح عليهم فقبلوه، وفي لفظ: (فأخذهم سَلَماً) أي: أسرى.
فإما أن تُنطق سلِماً أو سَلَماً يعني: صلحاً أو أسرى.
قال: [(فأخذهم سلماً أو سلِماً فاستحياهم، فأنزل الله : ((وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ)) [الفتح:٢٤]-أي: أيدي المشركين عنكم- ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]).
قال الإمام النووي: (فأخذهم سلماً) ضبطت بوجهين إما بفتح السين واللام، أي: سَلَماً، والثاني: بإسكان اللام مع كسر السين أي: سلْماً، وفتحها الحميدي ومعناه: الصلح.
قال القاضي في المشارق: هكذا ضبطه الأكثرون.
وفي الشرح: أن الرواية الأولى أظهر وأولى ومعناها: أسرهم.
والسَلَم هو الأسر.
وجزم الخطابي بفتح اللام والسين، قال: والمراد به الاستسلام والانقياد والإذعان، كقول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء:٩٠] أي: الانقياد والاستسلام والإذعان والخضوع، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع.
قال ابن الأثير: هذا هو الأشبه بالقصة، أي: أن النبي ﷺ أخذهم أسرى، فإنهم لم يؤخذوا صلحاً، وإنما أخذوا قهراً وأسلموا أنفسهم عجزاً.
قال: وللقول الآخر -أي: سِلْماً- وجه، وهو أنه لما لم يجر معهم قتال بل عجزوا عن دفعهم والنجاة منهم رضوا بالأسر، فكأنهم قد صولحوا على ذلك).
стр. 1929
باب غزوة النساء مع الرجال
الباب السابع والأربعون: (باب غزوة النساء مع الرجال).
يعني: هل يجوز أن تغزو النساء مع الرجال؟
стр. 1930
شرح حديث أم سليم في خروجها مع النبي للغزو
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: (أن أم سليم) -وهي أم أنس بن مالك وزوج أبي طلحة الأنصاري - اتخذت يوم حنين خنجراً -وقيل: خِنجراً.
إما بكسر الخاء أو بفتحها- فكان معها، فرآها أبو طلحة -أي: زوجها- فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خِنجر.
فقال لها رسول الله ﷺ : ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته.
إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه -أي: شققت به بطنه- فجعل رسول الله ﷺ يضحك.
قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا -أي من وراءنا- من الطلقاء)] وهم الذين أسلموا في فتح مكة، وكان في دينهم رقة وضعف، فتصورت أم سليم أن هؤلاء قد نافقوا، فحكمت عليهم بالقتل؛ لأنهم منافقون، ولكن النبي ﵊ بيّن لها أنهم في غنى عن هذا، حتى عن قتال هؤلاء دون النبي ﷺ ، وليسوا كما تزعمين يا أم سليم، بل هم مسلمون لكن في دينهم رقة وضعف.
قالت: [(يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء، انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم! إن الله قد كفى وأحسن).
وحدثنيه محمد بن حاتم حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي - حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك في قصة أم سليم عن النبي ﷺ مثل حديث ثابت].
قال الإمام النووي في قولها: (اقتل من بعدنا من الطلقاء) قال: (سموا بذلك -أي: الطلقاء- لأن النبي ﷺ من عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم وغيره.
[حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله ﷺ يغزو بـ
أم سليم -أي: أنها كانت تخرج معه في غزواته- ونسوة من الأنصار معه إذا غزا -ليس بـ
أم سليم وحدها- فيسقين الماء ويداوين الجرحى)].
إذاً: مهمة النساء في الغزو ليس القتال، وإنما مهمتهن: سقي الماء، ومداواة الجرحى، وطبخ الطعام، وغير ذلك من مهام النساء
стр. 1931
شرح حديث أنس في رؤية أبي طلحة لخدم ساقي عائشة في غزوة أحد
قال: [حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري حدثنا عبد الوارث -وهو ابن سعيد البصري - حدثنا عبد العزيز -وهو ابن صهيب البصري تلميذ أنس - عن أنس قال: (لما كان يوم أحد انهزم ناس -أي: من أصحاب النبي ﷺ من الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوّب عليه بحجفة)] أي: مترس عليه بترس ليقيه سلاح العدو، أي: أنه قد اتخذ سلاحاً وترساً ليحمي نفسه ضد العدو.
قال: [(وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع، وكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً.
قال: فكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل)] أي: يمر معه الجعبة مليئة بالنبال.
قال: [فيقول النبي ﵊: (انثرها لـ أبي طلحة)] أي: أخرجها من جعابها وناولها لـ أبي طلحة؛ لأنه أرمى الناس.
قال: [(ويشرف نبي الله ﷺ ينظر إلى القوم)] أي: يخرج من خبائه وينظر إلى المشركين، فيخاف عليه أبو طلحة إذا نظر وأشرف وخرج من خبائه أن يراه المشركون فيوجّهوا إليه سهامهم.
[فيقول أبو طلحة: (يا نبي الله! بأبي أنت وأمي -أي: فداك أبي وأمي- لا تشرف -أي لا تتطلع إلى القوم- لا يصبك سهم من سهامهم)] أي: حتى لا يصيبك سهم من سهامهم.
قال: [(نحري دون نحرك)] أي: رقبتي دون رقبتك.
كأنه أراد أن يقول: يا رسول الله أنا أموت دونك وأُنحر ولا تُنحر، أُقتل ولا تُقتل، دعني أنا أواجه العدو، أما أنت فامكث واثبت في خبائك، لا تطّلع على القوم حتى لا يروك فيوجهوا إليك سهامهم فيقتلوك.
نحري دون نحرك يا رسول الله! وفي هذا منقبة عظيمة جداً لـ أبي طلحة الأنصاري الذي يقول: (بأبي أنت وأمي) يفدّيه بأبيه وأمه، كما يقول له: (نحري دون نحرك) أي: أنا أُقتل ولا تُقتل، أُصاب بكل أذى ولا تُصاب أنت بأدنى أذى.
قال: [(ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم) -وعائشة هي أم المؤمنين، وأم سليم هي زوج أبي طلحة - وإنهما لمشمرتان) أي: مشمرتان الساعد أو الذراع؛ لأن التشمير لا يقال إلا لهذين، إما الساعد وإما الذراع.
قال: [(أرى خدم سوقهما -أي موضع الخلخال، وهو الذي يوضع في أسفل الساق- تنقلان القرب على متونهما -أي: يحملان الماء فينقلانه من مكان إلى مكان على ظهورهما- ثم تفرغانه في أفواههم -أي: في أفواه القوم يسقيان الجرحى- ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثاً من النعاس)].
وهذا يدل على شدة الجهد وأنهم واصلوا الليل بالنهار في القتال، ولم يكن هناك وقت للراحة أبداً فضلاً عن النوم والنعاس؛ مما جعل السيف يسقط من فرط الجهد ومن قلة النوم من يدي أبي طلحة مرتين أو ثلاثاً لقلة النوم.
стр. 1932
الرد على شبهة الاحتجاج بهذا الحديث على جواز النظر إلى غير المحارم من النساء
هنا شبهة يستخدمها كثير من الناس، يقولون: النظر إلى غير المحارم من النساء جائز، بدليل أن أبا طلحة نظر إلى خدم سوق عائشة ﵂، وهي أم المؤمنين، أي: أم أبي طلحة في المنزلة والمكانة وزيادة، وأمه في التحريم الأبدي، فلا يحل لأحد من الناس أن يتزوج بإحدى زوجات النبي وإن طلقها ﵊، فهي أم في التعظيم والتبجيل والاحترام والنكاح، وليست أماً في بقية المسائل، ولذلك إذا ماتت أم من أمهات المؤمنين فلا يحل لأحد أن يرثها إلا ورثتها.
فيقولون: هذا الحديث ظاهر في الدلالة على جواز النظر إلى ساق المرأة أو إلى ذراع المرأة، وهذا نظر وإن كانت هناك نصوص محرّمة إلا أن هذا النص يبيح النظر إليها، فهذا التحريم إما أن يصرف تماماً فلا يكون حراماً، وإما أن يكون النظر مكروهاً؛ وذلك لأن آيات التحريم لا تقع فيها أحاديث جواز النظر إلى عائشة ﵂، وإلى إحدى نساء النبي ﵊، وإلى تلك المرأة سفعاء الخدين، وغير ذلك من النصوص.
يقول الإمام النووي: (وأما السوق: فجمع ساق، وهذه الرواية للخدم لم يكن فيها نهي -أي: هذا الموضع من المرأة لم ينزل فيه النهي لأول وهلة- لأن هذا كان يوم أحد قبل أمر النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن).
إذاً: تدفع هذه الشبهة من وجهين: الوجه الأول: أن هذا كان قبل تحريم النظر، وقبل نزول آيات الحجاب.
ولأنه لم يذكر هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد كما لم يثبت أنه داوم عليها، فهو قبل آيات التحريم -وإن سلّمنا جدلاً أنه بعد آيات التحريم- فهذا نظر الفجأة الذي سأل عنه علي بن أبي طالب ﵁: (يا رسول الله! أرأيت لو نظرت إلى المرأة نظر الفجأة قال: اصرف بصرك فإن الأولى لك والثانية عليك).
فهذا أبو طلحة نظر إلى قدم عائشة ﵁ وهي أمه قبل آيات التحريم، وكانت هذه النظرة من نظرات الفجأة، ولم يدم النظرة إليها، وإنما وقع بصره عليها ثم انصرف، فلا حجة بعد هذه التبريرات لمن تمسك بطرف هذا النص بجواز النظر إلى المرأة الأجنبية.
والعجيب أن بعض المذيعات كن يقدمن برنامجاً، وقد استضفن فيه بعض علماء مشايخ الأزهر، فحينما أنكر المسلمون على هذا الشيخ كيف تجلس مع امرأة متبرجة تنظر إليها وتنظر إليك؟ أجاب هذا الشيخ بهذا الحديث، وبلا شك أنه إذا أجاب بهذا الحديث وكان المعترض عليه جاهلاً بهذا الحديث أو بتأويل هذا الحديث لا شك أنه سيسكت، بل قد سكّت بالفعل، وكان هذا في مسجد عام كبير، يقال له: (مسجد النور) في (العباسية)، والآلاف يسمعون؛ مما جعل الناقد حين سماع هذا الحديث يسكت، فكان في سكوته فتنة عظيمة للمستمعين عظيماً؛ لأن الحديث صحيح، وهو ظاهر في الجواز، وهذا فرق كبير جداً بين من ينتهج في فهم النصوص منهج السلف ومنهج الخلف، أما الذي ينتهج نهج الخلف فلا يضره أن يسمع الحديث من فلان أو علان بفهمه هو، ولكن الرجل الذي يحرص أن يفهم دينه على مذهب السلف لا بد أن يرجع إلى النص ويعلم ماذا قال فيه السلف، فبعد سماعنا لهذا النص ومعرفتنا بتأويله، وأن ذلك كان قبل التحريم، ولو سلّمنا أنه بعد التحريم فهو محمول على الفجأة، وكل منهما جائز مباح، وفي ذلك عصمة لنا، ودائماً كلام السلف ﵃ عصمة لهم ولمن بعدهم.
стр. 1933
باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب
الباب الثامن والأربعون: (النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يُسهم).
ومعنى يرضخ: يأخذن أخذاً من الغنيمة بغير تحديد ولا تعيين، لا تأخذ سهماً ولا سهمين ولا أكثر من ذلك ولا أقل، وإنما تأخذ جزافاً ويعطى لها بغير حساب وغير عد؛ لأنها ليست مقاتلة، وليس للمرأة أن تقاتل إلا في أضيق الحدود وفي ظروف معينة، وذلك إذا تعيّن عليها القتال، أما دون ذلك فلا، لكن لها أن تداوي الجرحى، وأن تعد الطعام، وأن تسقي الماء وغير ذلك من الأعمال التي تناسب المرأة، فالمرأة إذا شاركت في الغزو رضخ لها الإمام ولا يسهم لها سهماً، ونهى النبي ﷺ عن قتل صبيان أهل الحرب.
стр. 1934
شرح حديث كتاب ابن عباس إلى نجدة الحروري
قال: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب -وهو المعروف بـ القعنبي - حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد -وهو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ عن أبيه عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس].
ونجدة هو نجدة الحروري من زعماء الخوارج، وكان ابن عباس يبغضه أشد البغض لبدعته، ولكن نجدة [كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه].
أي: أن ابن عباس كان يكره نجدة لبدعته وهي كونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ولكن حينما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه فاضطر إلى إجابته، وقال: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه، أي: لولا أني إذا تركت الكتابة أصير كاتماً للعلم مستحقاً لوعيد كاتمه لما كتبت إليه.
ثم أمر ابن عباس يزيد بن هرمز أن يكتب فأملاه ابن عباس وكتب خلفه يزيد.
[كتب إليه نجدة أما بعد: فأخبرني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: (كتبت تسألني هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ قد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة -أي: يعطين شيئاً كالهدية أو المنحة أو الهبة ليس سهماً؛ لأنه كان يغزو بهن لمداواة الجرحى وليس للقتال- قال: وأما بسهم فلم يضرب لهن.
وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان -أي: يا نجدة! لا تقتل الصبيان لأن النبي ﷺ لم يكن يقتل الصبيان- قال: وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه -أي: أنه ربما يكون رجل لحيته في وجهه، ولكنه لا يعرف مصلحته، فيذهب فيتصرف في ماله فيضر نفسه- ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم -أي: إذا بلغ الرشد وعلم مصلحته فقد ذهب عنه اليتم- وكتبت تسألني عن الخمس: لمن هو؟ وإنا -أي: أهل البيت بني هاشم وبني المطلب- كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذلك)].
والمقصود بالخمس هنا: خمس الخمس الذي هو للنبي ﷺ وأهل بيته، فـ ابن عباس يقول: كنا نحن نعتقد أن هذا السهم لنا، لكن بني أمية أبوا علينا ذلك وقالوا: ليس لكم ذلك، إنما هو للفقراء والمساكين وابن السبيل.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال.
بمثل حديث سليمان بن بلال غير أن في حديث حاتم: وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان].
حينما سأله هل كان يقتل الصبيان؟ قال: لم يكن رسول الله يقتل الصبيان.
[فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل].
فهنا ابن عباس يعرف أن نجدة هذا لا دين له ولا خلق، وإنه يقع من النصوص على مواطن الشبه، فـ ابن عباس يوقفه ويقطع عليه الطريق؛ لأنه لو قال له: إن رسول الله لم يكن يقتل الصبيان سيقول له: ولكن الخضر قتل الصبي الصغير.
إذاً: يجوز قتل الصبيان الصغار، فـ ابن عباس لم يمكّنه من هذه وسد عليه الباب.
[وزاد إسحاق في حديثه عن حاتم: وتميز المؤمن].
أي: وتميّز المؤمن من الكافر باعتبار ما سيكون.
أي: تميّز أنت يا نجدة! المؤمن من الكافر بعد البلوغ مع أنه صبي لم يبلغ بعد، فهو يريد أن يقول له: إذا كان لديك علم لدنّي تعلم به أن هذا الصبي إذا بلغ سيكون مؤمناً، وذاك إذا بلغ سيكون كافراً فاقتل الكافر ودع المؤمن، وهذا تعجيز فمن أين له ذلك؟ الله تعالى علم الخضر فيما يتعلق بالصبي الذي قتله، وليس لـ نجدة أن يتعلم ما تعلمه الخضر، فكأنه يعجزه.
قال: [فتقتل الكافر وتدع المؤمن].
قال: [حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري -أي: سعيد بن أبي سعيد - عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري -وحروراء اسم مكان- إلى ابن عباس يسأله
стр. 1935
كلام النووي في أحاديث الرضخ للنساء من الغنيمة والنهي عن قتل صبيان الكفار
стр. 1936
بيان أنه يرضخ للنساء من الغنيمة ولا يسهم لهن
الإمام النووي عليه رحمة الله يقول في قوله: (كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن) (وفيه: حضور النساء الغزو.
أي: فيه جواز أن تخرج المرأة للغزو وتداوي الجرحى على أن يعطين من الغنيمة عطية تسمى الرضخ وليست سهماً.
وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي وجماهير العلماء.
أما الأوزاعي فقال: تستحق السهم إن كانت تقاتل أو تداوي الجرحى.
وقال مالك: لا رضخ لها فضلاً عن السهم -أي: لا سهم ولا رضخ- ولا شك أن هذا الحديث الصحيح الصريح، يرد على مالك وعلى الأوزاعي).
ويبقى عندنا أن مذهب الجمهور -وهو المؤيد بالدليل- أن المرأة لها أن تغزو مع الرجال، فتكون في مؤخرة الرحال تداوي الجرى وتطببهم وتصنع الطعام، وما يكون من طبيعة النساء على أن يرضخ لها ولا يسهم.
وهذا هو المذهب الراجح.
стр. 1937
بيان أن العبد يرضخ له من الغنيمة ولا يسهم
أما قوله: (وسألت عن المرأة والعبد) هل يسهم لهما؟ أو هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس أي: إذا حضروا الحرب، فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم؟ في هذا الكلام فائدة: أن العبد يُرضخ له كذلك ولا يسهم له.
إذاً: المرأة والعبد يرضخ لهما ولا يسهم، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء.
وقال مالك: لا رضخ للعبد.
إذاً: مالك منع الرضخ للعبد وللمرأة، أما الحسن وابن سيرين والنخعي والحكم قالوا: إن قاتل -أي: العبد- أسهم له.
والحديث كذلك يرد عليهم.
أي: يُرضخ لهما.
стр. 1938
النهي عن قتل الصبيان إذا حضرت الحرب
قال: (وأما قوله: (إن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان).
فيه: النهي عن قتل صبيان أهل الحرب، وهو حرام إذا لم يقاتلوا).
صبيان المشركين والكفرة قتلهم حرام، إلا أن يقاتل الصبية فلا يكونوا صبية حينئذ، وإنما يكونوا محاربين مقاتلين فيجوز قتلهم.
والاستثناء الثاني: أنه إذا لم يكن يمكن الوصول إلى المقاتلين المحاربين إلا بقتل الصبيان والنساء فيقتلون تبعاً لا أصلاً، كما أنهم يقتلون في الثغر والتترس، فإذا تترس المشركون في مكان أو بشيء واتخذوا الأطفال ستاراً لهم، ولا يمكن الوصول إلى المقاتلين المحاربين إلا بقتل الصبيان فلا بأس حينئذ بقتلهم.
إذاً: الحرام تعمد قتل الصبيان والنساء والخدم ابتداءً.
стр. 1939
أحكام اليتيم إذا بلغ سن الرشد
قوله: (وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم).
أي: فإذا بلغ رشداً علم به مصلحته في الأخذ والعطاء، في البيع والشراء، في التعاملات والتصرفات، فإن هذا دليل على بلوغه الرشد وذهاب اليتم، والسن مختلف فيه.
قال: (ومعنى هذا: متى ينقضي حكم اليتم ويستقل اليتيم بالتصرف في ماله؟) طبعاً في قانون الأحوال الشخصية المصري ينقضي يتم اليتيم بواحد وعشرين سنة، وهذا أوفق في صحة التصرفات، وأما نفس اليتم فينقضي بالبلوغ، والنبي ﵊ يقول: (لا يتم بعد الحلم) أي: بعد بلوغ الصبي سن الحلم يذهب عنه اسم اليتم، ويبقى حكم اليتم حتى يبلغ الرشد.
إذاً: هناك فرق بين سن البلوغ وسن الرشد، فسن البلوغ أن تظهر عليه علامات البلوغ من نبات الشعر في الوجه أو في العانة أو في الإبط، أو ظهور الثدي عند البنت، أو ابتداء الشهوة لدى الولد أو البنت، كل هذه علامات تدل على البلوغ.
أما الرشد فيبقى عنه بضعة أعوام بعد سن البلوغ، فقد يبلغ في العاشرة أو في الحادية عشرة أو في الثانية عشرة، ولكنك لا تجيز تصرفه حتى يبلغ العشرين أو زيادة أو أقل.
قال: (وأما نفس اليتم فينقضي بالبلوغ، وقد ثبت أن النبي ﵊ قال: (لا يتم بعد الحلم).
وفي هذا دليل للشافعي ومالك وجماهير العلماء: أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ ولا بعلو السن -هذا حكم اليتم، أما اسم اليتم فيزول عنه بمجرد البلوغ- بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان، وصار رشيداً يتصرف في ماله، ويجب تسليمه إليه وإن كان غير ضابط له، وأما الكبير إذا طرأ تبذيره -أي: بعد سن خمسة وعشرين، إذا كان إنساناً مسرفاً جداً ومبذّراً سفيهاً لا يضبط تصرفاته- فمذهب مالك وجماهير العلماء وجوب الحجر عليه لا لليتم وإنما للسفه؛ لأنه كبير.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر.
وقال ابن القصار: الصحيح الأول وكأنه إجماع).
أي: الكبير الذي بلغ سن الرشد ولكنه سفيه في تصرفاته يحجر عليه لا من باب اليتم ولكن من باب السفه.
والله أعلم.
стр. 1940
بيان مصارف الخمس من المغنم
قال: (قوله: (وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك).
معناه: خمس خمس الغنيمة الذي جعله الله تعالى لذوي القربى، وقد اختلف العلماء فيه، فقال الشافعي مثل قول ابن عباس، وهو أن خمس الخمس من الفيء والغنيمة يكون لذوي القربى، وهم عند الشافعي والأكثرين: بنو هاشم وبنو المطلب).
وهذا هو الراجح.
قال: (وقوله: (ولكن أبى علينا قومنا ذاك) أي: رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا، بل يصرفونه في مصالح العامة، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية).
стр. 1941
النهي عن قتل الصبيان في الحرب
قال: (أما قوله: فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علمه الخضر من الصبي الذي قتل.
معناه: أن الصبيان لا يحل قتلهم، ولا يحل لك أن تتعلق بقصة الخضر وقتله صبياً؛ فإن الخضر ما قتله إلا بأمر الله؛ ولذلك قال الله تعالى حاكياً عن الخضر: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]) فإن كنت أنت تعلم من صبي ذلك فاقتله، (ومعلوم أنه لا علم له بذلك، فلا يجوز له القتل).
стр. 1942
باب عدد غزوات النبي ﷺ
الباب التاسع والأربعون: (باب عدد غزوات النبي ﷺ .
أي: كم غزوة غزاها النبي ﵊.
والغزوة تختلف عن السرية.
السرية هي سرية صغيرة أو مناورة أو استطلاع أو شيء من هذا.
إنما الغزوة بمعنى: الجيش الذي يكون على رأسه النبي ﵊ أو الإمام، فهذه الغزوة عند الإطلاق.
فكم غزوة غزاها النبي ﵊؟ لك أن تتصور أن غزوات النبي ﵊ كلها كانت خلال ثمان سنوات؛ لأن أول غزوة غزاها هي غزوة بدر وكانت في العام الثاني من الهجرة، وهو ﵊ مات في العام العاشر.
قال: [عن أبي إسحاق أن عبد الله بن يزيد خرج يستسقي بالناس فصلى ركعتين ثم استسقى.
قال: (فلقيت زيد بن أرقم -وقال- ليس بيني وبينه غير رجل -أو بيني وبينه رجل- قال: فقلت له: كم غزا رسول الله ﷺ ؟ قال: تسع عشرة غزوة.
فقلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة غزوة -فاتته غزوتان- قال: فقلت: فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العُسير أو العُشير)]، والراجح: أنها غزوة ذات العُشير بالمعجمة وليس بالمهملة، وهي سرية كانت قبل بدر، ولكن سماها غزوة من باب المجاز؛ لأنها تقوم بنفس مقام الغزوة الكبرى، فسماها غزوة وليست كذلك.
والعشير: هي من أرض مذحج.
[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير -وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي - عن أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم سمعه منه: (أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج غيرها وهي حجة الوداع)].
سُميت الوداع؛ لأن النبي ﷺ ودّع فيها أصحابه قال: (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).
قال الصحابة فيما بينهم قبل موت النبي ﷺ : هذه حجة الوداع.
أي: التي فيها ودّع النبي ﷺ أصحابه وأمته، وفارق بعدها الدنيا ﷺ .
والنبي ﵊ حج على ملة إبراهيم ﵇ على الحنفية السمحاء قبل البعثة مرتين، وحج بعد البعث مرة واحدة.
[وحدثنا زهير بن حرب حدثنا روح بن عبادة حدثنا زكريا أخبرنا أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: (غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة)].
إذاً: عد زيد بن أرقم يتوافق مع عد جابر بن عبد الله الأنصاري.
والفارق بين زيد بن أرقم وجابر: أن زيداً سئل: كم غزا النبي ﷺ ؟ قال: تسع عشرة.
وجابر قال: غزوت معه تسع عشرة.
وهذا يعني: أن جابراً حضر جميع الغزوات مع النبي ﵊، لكن بعد ذلك [قال جابر: لم أشهد بدراً ولا أحداً]، إذاً: حضر مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة، ولكنه لم يشهد بدراً ولا أحداً.
إذاً: يكون عدد الغزوات واحداً وعشرين غزوة.
هل نفى جابر الغزوات بعد ذلك؟ هل أتى رجل وقال: لم يغز النبي ﷺ إلا واحداً وعشرين غزوة؟ لو قال ذلك لكانت هذه صيغة اختصاص لم يغز إلا هذا العدد، ولكن جابر يقول: غزوت مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة ولم أحضر بدراً ولا أحداً، ولم ينف جابر أنه غزا أكثر من ذلك، فهو يقول: أنا حضرت تسعة عشر غزوة، لكن للأسف لم أحضر بدراً ولا أحداً، وهذا لا ينفي أنه لم يحضر غير بدر ولا أحد، لكن حينما كانت هاتان الغزوتان هما أعظم غزوات النبي ﵊ فهو يتحسّر أنه لم يحضرهما، وحضر بعد ذلك تسع عشرة غزوة، لا ينفي أن تكون فاتته غزوة أو غزوتين أو ثلاثاً أو أربعاً.
قال: [منعني أبي -أي: من بدر وأحد- فلما قُتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط].
هذا الكلام الأخير يفيد الحصر عند جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ لم يغز إلا واحداً وعشرين غزوة، حضر منها تسع عشرة وتخلف عن غزوتين.
زيد بن أرقم يقول: الغزوات تسع عشرة غزوة.
إذاً: كل منهما أخبر بما عنده من علِم.
[وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب (ح) وحدثنا سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو تميلة -كنية جميلة جداً، وهي اسم لـ يحيى بن واضح الأنصاري المروزي - قالا جميعاً: حدثنا حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة بن ا
стр. 1943
باب غزوة ذات الرقاع
الباب الخمسون: (باب غزوة ذات الرقاع).
قال: [حدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الأشعري ومحمد بن العلاء الهمذاني -واللفظ لـ أبي عامر - قال: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن بريد بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر -إذاً: فهذه تسمى سرية- بيننا بعير نعتقبه)] أي: نتعاقب عليه وكل منا يركبه فترة.
وفي هذا: جواز هذا الصنيع ما دامت الدابة مطيقة وغير متضررة.
قال: [(فنقبت قدماي -أي: دميت أو تشققت وكلّت -وسقطت أظفاري) ولك أن تتصور شدة الجهد الذي بذله أصحاب النبي ﵊، حتى نقبت وتشققت أقدامهم من المشي في الصحراء الحارة الرمضاء.
قال: [(فكنا نلف على أرجلنا الخرق -وهم هؤلاء الذين نصر الله تعالى بهم الدين- فسميت غزوة ذات الرقاع)] وهذا أقوى الأسباب في تسميتها بذات الرقاع، كان معهم رقع من الجلد أو خرق القماش لفوا بها أرجلهم؛ ولذلك سميت الغزوة بغزوة ذات الرقاع.
قال: [(لما كنا نعصّب على أرجلنا من الخرق.
قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك).
وقال: ليتني لم أحدث بهذا، من باب ستر العمل الصالح وعدم إفشائه؛ حتى يكون بين العبد وبين ربه.
قال: (كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه) قال أبو أسامة: وزادني غير بريد والله يجزي به].
قال الإمام النووي: (في هذا استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يكابده العبد من المشاق في طاعة الله تعالى، ولا يظهر شيئاً من ذلك إلا لمصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء، والتنبيه على الاقتداء به فيه ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل ما وجد للسلف من الإخبار بذلك).
أي أنهم كانوا يعملون الأعمال الصالحة ثم يفشونها؛ حتى يقتدي بهم من بعدهم، لا من باب المفاخرة أو الرياء والسمعة.
стр. 1944
باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر
الباب الأخير في كتاب الجهاد وهو (باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر).
قال: (باب كراهة) ولم يقل: باب تحريم، كما أنه لم يقل: باب جواز، وإنما أخذ الكراهة من نصين: نص يجيز مطلقاً، ونص يمنع مطلقاً، والذي اعتمد على المنع المطلق قال بالتحريم، والذي اعتمد على النص المجيز مطلقاً قال بالجواز، والمذهب الراجح هو التفصيل والوسط بين المذهبين، وسنتعرض لهما.
[حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وحدثنيه أبو الطاهر -واللفظ له- حدثنا عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبدالله بن نيار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ : أنها قالت: (خرج رسول الله ﷺ قِبل بدر -أي: ناحية بدر- فلما كان بحرة الوبرة -وهو اسم موضع على بعد أربعة أميال من المدينة- أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة)] أي: قوة وشجاعة في الحرب، وكان الصحابة يعلمون ذلك منه، غير أنه كان مشركاً وكافراً.
قال: [(ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه)] أي: ظنوا أنه قد أسلم وأدرك النبي ﷺ ليقاتل معه.
قال: [(فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك)] أنا جئت لكي أقاتل معك ويكون لي شيء من الغنيمة، أي: أن هذا الرجل أتى مقاتلاً لأجل الغنيمة، طبعاً هذا ليس له حسبة ولا نية صالحة؛ لأنه كافر.
[قال: (قال له رسول الله ﷺ : تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا)] أرأيتم مثل هذه الجرأة؟ لم يقل: أنا مؤمن بالله ولكن لست مؤمناً بك أنت، كالمشركين في مكة قالوا: نحن نؤمن بالله لكن لا نؤمن أنك رسول من عند الله، أما هذا فقد نفى الكل، فأنا لست مؤمناً بالله ولا مؤمناً بك.
قال: [(تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: فارجع فلن أستعين بمشرك.
قالت عائشة: ثم مضى -أي: ثم انصرف النبي ﵊ تجاه بدر- حتى إذا كنا بالشجرة -أي عند شجرة في مكان- أدركه الرجل مرة أخرى فقال له كما قال أول مرة: جئتك لأتبعك على أن أصيب معك، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: فارجع فلن أستعين بمشرك.
ثم رجع فأدركه بالبيداء -مكان صحراء عند بدر- فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم.
فقال له رسول الله ﷺ : فانطلق)].
أي: ادخل في وسط الجيش وقاتل.
وفي هذا الحديث فوائد ينبغي الوقوف عندها.
стр. 1945
حكم الاستعانة بالكافر في الحرب
من فوائد هذا الحديث: أن هذا الرجل حينما أقر بالإيمان وأذن له النبي ﷺ في الجهاد دون تربية سابقة وإعداد للقتال كان استثناءً؛ لأن الرجل أتى وقد التقى الجيشان -جيش الإيمان وجيش الكفر- وهذا الرجل أعلن الإيمان في اللحظة التي يعقبها القتال، فيسأل: هل أنت مؤمن؟ قال: نعم.
أنا مؤمن.
فيقول له: ادخل دون صلاة ولا صيام ولا زكاة.
ولا أي معلم من معالم الإيمان غير أنه نطق بالشهادتين.
لكن الجيش الذي خرج به النبي ﵊ من المدينة كان جيشاً متربياً على الإيمان، فالأصل أن التربية قبل الجهاد، فالذي يزعم أن الجهاد يعقبه التربية هذا زعم غلط، وهو مخالف لسيرة النبي ﵊ وسيرة أصحابه، فالجهاد يحتاج إلى إعداد إيماني متين؛ ولذلك الأمة لا يمكن أن تجاهد كلها إنما يجاهد منها فئة مخلصة مؤمنة هم أتباع الرسل، وهم أتباع الرسول ﵊، الذين يستشرفون بعد عشرات السنين في العلم والصلاة والزكاة والصيام وقيام الليل والتدريب على التقوى والإيمان، هؤلاء هم الذين يثبتون حين اللقاء، أما الذين لم يتربوا وقد دعوا إلى القتال لا نية لهم ولا يعرفون معنى الراية؛ لأنهم ليسوا تحتها ابتداء ولا أصلاً، ولا يحمونها؛ ولذلك هم يعدون القتال مع العدو مهلكة للدماء، ومهلكة للأموال وللأنفس، وخراب للاقتصاد، وضياع للبلاد وهكذا نسمع في كل يوم أنهم يقولون هذا، أنهم يقولون: لِم نقاتل وبعد القتال نصطلح؟ فلماذا لا نصطلح من البداية قبل القتال.
ثم يقولون: نقاتل لماذا؟ إنما نحمي بلادنا، فلا علاقة لنا بفلسطين ولا بالشيشان ولا بأفغانستان هؤلاء لم يفهموا شيئاً في دين الله ، ولا علاقة لهم به؛ لأن علاقتهم بالله منقطعة أصلاً، وعلاقتهم بالدين وبالأحكام الشرعية منقطعة ابتداء، فهم قد حجب الله تعالى عنهم نور الإيمان، ويتكلمون بالكلام النجس النتن الذي يتعلمونه في سياساتهم، أما دين الله فهم أبعد الناس عنه، فكيف يقاتلون إذاً؟ كما أنهم ربوا شعوبهم وربوا هذه الأمة على هذه الأخلاق الفاسدة والعقائد الباطلة، فصارت هناك أجيال تربت على الزنا والخنا وشرب الخمر والميوعة وغير ذلك، فيقولون: نقاتل بمن؟ نعم فعندكم حق، لا قاعدة معكم تسندكم في هذا القتال؛ لأنكم ربيتم الأمة كلها على الفساد وعلى الباطل حتى إذا احتجتموهم في موطن الهلاك والضيق لم تجدوا واحداً.
وهذا ثمرة الأعمال، فحينما ربيتموهم على الفساد لا ينفعوكم عند الحاجة أبداً.
والعجيب أنهم يخافون من رفع راية الجهاد وتسليم الراية إلى المجاهدين حقاً مخافة على أنفسهم، فهم يفهمون هذه القضية جيداً، ويفهمون أن ثلة قليلة من المؤمنين أوقفت أعظم دولة كافرة في العالم على أظافرها، وألحقوا بهم مضرات لا قبل لهم بها، فيقولون: فما بالهم لو تفرغوا لنا! كل هذا مخافة على الكراسي والأموال وغير ذلك؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فالأصل التربية قبل الجهاد، فالذي يقول: الجهاد قبل التربية مخطئ، ولو أنه استند إلى مثل هذا النص فنقول له: هذا استثناء وليس أصلاً، بدليل أن الجيش نفسه الذي خرج به النبي ﷺ لم يخرج به لأول وهلة، بمجرد أنه آمن، وإنما حينما آمن رباه في مكة ثلاثة عشر عاماً، حتى كان الإيمان في قلوبهم كالجبال الرواسي، وازدادوا بالأنصار في المدينة فصاروا جيشاً تتزلزل أمامه الجبال الرواسي، فلا تترك هذا كله وهو الأصل وتتمسك بالاستثناءات، لك أن تتصور أن النبي ﷺ وضعه في المكان المناسب، هل النبي ﷺ سيضعه في مكان أبي بكر أو في مكان عمر؟ بل لا بد أن يرجع إلى الخلف، فأنت حينما تذهب لأي جيش من الجيوش يقبلك على مضض؛ لأنك لست مدرباً ولا مهيأً، ولا تعرف طبيعة الأرض ولا تعرف طبيعة الحرب في هذا المكان بالذات؛ لأن كل أرض لها طبيعة، حتى لاعب الكرة يقول: الأرض تلعب مع أصحابها.
إذاً: فلا بد أن يقاتل من عرف طبيعة الأرض، ولا شك أن النبي ﷺ قد وضعه في المكان المناسب.
ولذلك جاء في الحديث الآخر: أن النبي ﵊ استعان بـ صفوان بن أمية قبل إسلامه ﵁، طلب من النبي ﷺ أن يقاتل فأذن له النبي ﷺ أن يقاتل؛ وذلك لأن صفوان بن أمية كان متعاطفاً مع النبي ﷺ حتى قبل الإسلام، وكان محباً للنبي ﷺ ومحباً للإسلام، ومسالماً للنبي ﵊ ومن معه، كما أن أبا طالب والد علي رغم كفره إلا أنه كان متعاطفاً مع ابن أخيه، وكان يذب عنه ويدافع عنه، فهذا كافر ولكنه مسالم، بخلاف الكافر المحارب.
والمصيبة أنك حينما تدخل شركات مسلمة تجد المصنّعين مسلمين، ولكنك تجده ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، ولا علاقة لهم بالإسلام، فهم لا يصلون ولا يصومون ولا يؤدون زكاة ولا شيئاً من الدين أبداً، وربما تجد صاحب الشركة النصراني يؤ
стр. 1946
شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مراجعة في كتاب الجهاد والسير
الجهاد هو ذروة سنام الدين، وحامي حياض الملة المحمدية، وناشر دعوتها في أقطار المعمورة، وعلى ما في القتال من سفك للدماء، وإزهاق للأرواح، والذي ظاهره العذاب، إلا أنه في شريعة الإسلام باب من أبواب الرحمة؛ لما يحمله بين طياته من أهداف وآداب، أهداف لإنقاذ البشرية من ظلمات الكفر والشرك، وآداب في التعامل مع أعداء الدين من المقاتلين وغيرهم.
стр. 1947
باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فقد كنا انقطعنا عن مواصلة السير في كتاب الجهاد والسير بعد أن تعرضنا له في محاضرتين أو ثلاث، فأقول: يحسن بنا أن نراجع مراجعة سريعة كتاب الجهاد من أوله حتى يتصل حبل الفكر، ونتذكر ما كان قد مضى.
الباب الأول: (باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير تقدم الإعلام بالإغارة).
لأنهم قد سبقتهم دعوة الإسلام ابتداءً، وهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من جوز الإغارة مطلقاً، ومنهم من منعها مطلقاً، والصواب -وهو الرأي الثالث- أن من بلغتهم دعوة الإسلام فالإغارة عليهم جائزة، ومن لم تبلغهم دعوة الإسلام فالإغارة عليهم ممنوعة إلا بعد إعلامهم بدعوة الإسلام، في هذا الباب حديث ابن عون أنه قال: [كتبت إلى نافع وهو مولى عبد الله بن عمر أسأله عن الدعاء قبل القتال، أي: عن دعوة الناس قبل قتالهم.
قال: فكتب إلي: (إنما كان ذلك في أول الإسلام.
قد أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارون -أي: وهم غارون في بيوتهم لا يعلمون عن قتاله ﵊ شيئاً- وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث)].
стр. 1948
باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث
والباب الثاني: (باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها).
أي: باب: وجوب تأمير الإمام العام الأمراء على البعوث والسرايا، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها.
فيه حديث سليمان بن بريدة عن أبيه [قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً)] أوصاه في نفسه وفيمن معه من المسلمين خيراً وأوصاه بتقوى الله.
[ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا)] والغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها.
أي: بغير إذن الإمام.
قال: [(ولا تغدروا ولا تمثلوا)] أي: لا تقطعوا الجثث بعد موتها، فإذا مات انتهى أمره، وليست هناك حاجة ولا ضرورة إلى التمثيل بجثته أو تقطيعها.
قال: [(ولا تقتلوا وليداً)] أي: ولا تقتلوا صبياً أو طفلاً صغيراً.
قال: [(وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ثم ادعهم إلى الإسلام -ادعهم أن يدخلوا في هذا الدين- فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم -أي: لا تقاتلهم- ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)] أي: من بلد الكفر إلى المدينة المنورة.
قال: [(وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين)] لأن الأعراب والبدو لهم أحكام في الشرع تخصهم خاصة في نتاج الجهاد.
قال: [(يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء)] وهذا هو حكم البدو الذين لم يشاركوا في القتال.
قال: [(ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)].
إذاً: المرحلة الأولى: ادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فاقبل منهم الجزية، فإن أبوا فقاتلهم.
وهذه المراحل الثلاث مراحل جهاد الطلب؛ لأنه لا يتصور أبداً في جهاد الدفع أن يفرض المسلمون على العدو أن يدخلوا في الإسلام، خاصة وأن العدو قد أتاهم من بلاده ليقاتل المسلمين في بلادهم، وما سمي جهاد الدفع بهذا الاسم إلا لأنك تدفع العدو إذا أغار عليك، ولكن النبي ﵊ جوز للمسلمين أن يغيروا على بلاد الكفر ويخيروهم بين ثلاث: الإسلام، أو دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، أو القتال.
فقال: [(فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم)] أي فإن أبوا أن يدفعوا الجزية فاستعن بالله وقاتلهم.
قال: [(وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم -أي: إن ترجعوا عن هذه الذمة أو تخطئوا فيها- خير لكم وأهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تُنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري: أتُصيب حكم الله فيهم أم لا)].
стр. 1949
باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير
والباب الثالث: في الأمر بالتيسير وترك التنفير، وليعلم العالم أن الجهاد في سبيل الله مبني على التيسير والتبشير، وترك التنفير والتعسير، وهذا باب اعتراضي في أثناء أبواب الجهاد؛ ليدل على أن الجهاد باب عظيم جداً من أبواب رحمة الله تعالى بخلقه.
стр. 1950
باب تحريم الغدر
في الباب الرابع يتكلم عن بيان تحريم الغدر، وفيه: حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود وحديث أنس وحديث أبي سعيد الخدري.
وهذه الأحاديث كلها بمعنى واحد، فحديث عبد الله بن عمر يقول: [سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين -أي: يوم القيامة- يُرفع لكل غادر لواء عند استه -أي: عند مؤخرته- ويقال على الملأ وعلى رءوس الأشهاد: هذه غدرة فلان ابن فلان)] وفي رواية بزيادة يقول فيها: (ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة) ليس هناك غدر أعظم من غدر إمام لعامة، وإمام العامة هو صاحب الولاية العامة كرئيس دولة، أو محافظ، أو وزير، أو غير ذلك ممن تولى الإمارة العامة والرئاسة العامة، وكان في يده نوع من أنواع الولاية العامة لا الولاية الخاصة، فإذا غدر هذا فلا شك أنه أعظم غدراً؛ لأنه يغش الأمة بأسرها حينئذ.
وما ضيع إخواننا المجاهدين في أفغانستان إلا غدر أئمة العامة، فهؤلاء المنافقون يتظاهرون بالإسلام ابتداء وهم يبطنون النفاق ويبطنون اعتقادهم مذهب الشيوعية، كما أن منهم أصحاب مصالح ووجاهة وكراسي، وتصبو أعينهم إلى رئاسات يركنون من أجلها إلى الغرب تارة وإلى الشرق تارة أخرى، فلو أن الجاهل سكت لقل الخلاف، ولو أن الله تعالى نجى المجاهدين المخلصين الموحدين من غدر الغادرين في هذه البلاد لكانت الحرب قد وضعت أوزارها منذ زمن بعيد، ولكن شاء الله أن يسلط هؤلاء على أولئك حتى يبتليهم ويختبرهم؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، وهذه سنة كونية في الكون، وقد كان النبي ﵊ أول من ابتلي بذلك.
أنتم تعلمون أن صفوف المنافقين في المدينة كثيرة، وقد نخروا في عظام الإسلام في صدره الأول، والنبي ﵊ عرفهم، ولكنه تركهم لحكمة عظيمة مخافة أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وليسوا أصحابه في الحقيقة، وإنما هم كفار منافقون.
стр. 1951
باب جواز الخداع في الحرب
بعد أن تكلم الإمام عن حرمة الغدر بين أن الغدر في الحرب جائز، حتى لا يُعمم هذا الحكم الأول وأن الغدر كله ممنوع، وإنما الخدعة في الحرب نوع من أنواع الغدر وهي جائزة، فقال: (باب: جواز الخداع في الحرب، أما في غير الحرب فلا).
وقال ﵊: (الحرب خدعة).
وأنتم تعلمون أن الخداع في الحرب ربما يكون نوعاً من الكذب، أو ربما يستلزم الكذب، وحينما أرسل النبي ﵊ في إثر أبي الحقيق أو غيره من المشركين والمنافقين لقتلهم قال من تولى المهمة: يا رسول الله! ائذن لي، أي: أن أقول فيك قولاً لا أعتقده، فأذن له النبي ﷺ .
وقد ثبت في الحديث أن الكذب حرام إلا في ثلاث مواطن: الكذب على العدو -أي: في الحرب- والكذب على الزوجة، وكذلك الكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وقد صحت بذلك الأدلة.
стр. 1952
باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء
الباب السادس: (باب: كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء).
فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: [(لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا)] أي: لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا.
[وعن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن أبي أوفى المصري: أنه كتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية وهم شر فرق الخوارج: (يخبره أن رسول الله ﷺ كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم)] أي: أنه ينتظر حتى تزول الشمس أي: بعد الظهيرة [(فقال النبي ﵊: يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا)].
وكثير من الإخوة يتمنى لقاء العدو أياً كان نوع هذا العدو، فإذا لقيه خار ولم يصبر؛ لمخالفته سنة النبي ﵊، فالأصل أن الإنسان يسأل ربه العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، فإذا ما اضطر إلى الوجود في أرض البلاء في يوم من الأيام فليطلب من الله تعالى الصبر على هذا البلاء، أما قضية الفتوة فإنها لا تصح في هذا الموقف أبداً، فأنت منهي أن تتمنى لقاء العدو، أما إذا فُرض العداء عليك فالرجولة والشهامة والإيمان أن تصبر في هذا الموقف.
قال: [(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)] أي: أن السيوف سبب لدخول الجنة، وهذا يعني: الشهادة في سبيل الله، وأنتم تعلمون أن الشهيد من أهل الجنة.
قال: [(ثم قام النبي ﷺ وقال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)].
ولذلك يُسن الدعاء ويستحب استحباباً أكيداً في وقت القتال والمنازلة.
стр. 1953
باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب
الباب الثامن: (باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب).
أي: باب تحريم قتل نساء الكفار وأطفال الكفار في الحرب، والمقصود: باب: تحريم قصد قتلهم، لكنهم يُقتلون تبعاً، فإذا كان لا يمكن قتل العدو المراد قتله إلا من خلال قتل النساء والصبيان فلا بأس بذلك؛ لأن المسلم لا يقصد قتل الأطفال والنساء ابتداء، وإنما يقصد قتل العدو المعادي المحارب، فلما لم يمكن قتله إلا بقتل من معه من النساء والأطفال فهم منهم، أي: يأخذون أحكامهم.
فعن عبد الله [: (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﷺ مقتولة فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان)].
وفي رواية: (نهى عن قتل النساء والصبيان).
стр. 1954
باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد
الباب التاسع يبين الاستثناء من الباب الأول باب: النهي عن قتل النساء والصبيان، فيبين جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد.
في البيات أي: في الإغارة عليهم وهم غارون؛ لأن ذلك لا يمكن أبداً أن يميز السيف أو السهم أو الطائرة أو الدبابة، بينما إذا كان هذا طفلاً وذاك رجلاً محارباً، فالسهم ينطلق فيأخذ كل من كان في طريقه، فأنا ما ضربت السهم لقتل النساء والأطفال، وإنما أطلقته لقتل المحارب الذي يحاربني، فأصاب طفلاً أو امرأة فلا بأس في هذه الحالة، وهذه حالة لا يشملها النهي الأول.
فعن الصعب بن جثامة قال: [(سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين؟ -أي: عن أطفال المشركين- يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم)].
أي: يشتركون معهم في الحكم؛ لأنك ما تعمدت قتل هؤلاء وإنما تعمدت قتل الرجال المحاربين.
وفي رواية: (هم من آبائهم).
стр. 1955
باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها
عن عبد الله بن عمر ﵄: [(أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع -أي: حرق بعضاً وقطع بعضاً آخر- وهي البويرة)] بستان عظيم جداً لبني النضير في عوالي المدينة، في قرية على مشارف المدينة، وهي الآن من داخل المدينة، تسمى البويرة.
وقال الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر:٥] واللينة: هي أنواع الثمر كلها إلا العجوة.
قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥].
وقال حسان بن ثابت عن تقطيعه نخل بني النضير وهذا البستان كان لسراة أو غناة اليهود في ذلك الزمان.
قال: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير أي: أنه هان عليهم ذلك، وحرق النبي ﵊ نخل بني النضير، مع أن الأصل المنع، لكن هذا نوع من أنواع الإثخان في العدو بتحريق نخيله وقطع ثماره وغير ذلك.
стр. 1956
باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة
الباب الحادي عشر: (باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة).
وكانت الغنائم محرمة على كل نبي سبق إلا على نبينا ﵊ وعلى أمته كذلك، فهي حلال للنبي ﵊ ولأمته معه ومن بعده ﷺ .
فهذا أبو هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ يقول: [(غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن)] أي: أنه عقد على امرأة، ولم يبن بها؛ لأن هذا الرجل مشغول بامرأته وبيته ونكاحه، ومشغول بيوم لقائه بهذه المرأة، وهذا يبين أن المشغول لا يصلح في الغالب في الجهاد، وإنما الجهاد يحتاج إلى تفريغ وقت وجهد وبذل للنفس والمال، وهذه أحكام تجري مجرى الغالب، وإلا فهناك من يتزوج الثانية والثالثة والرابعة ويترك هؤلاء جميعاً ويذهب للجهاد في سبيل الله، فهذا يُحفظ ولا يقاس عليه، أما الغالب فهو أن من ملك بضع امرأة فإنه لا يتفرغ للجهاد؛ ولذلك حينما روى النبي ﷺ هذا الكلام عن الأنبياء السابقين لم يُعقب عليهم بالخطأ، وإنما رواه وسكت عنه.
قال: [(ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها)] أي: أن واحداً بنى بيتاً ولم يسقفه بعد، فهو مشغول جداً بإتمام هذا البناء ورفعه.
قال: [(ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات -أي: حوامل- وهو منتظر ولادها)] وهذا عند العرب له قيمة عظيمة جداً، وتتعلق به قلوبهم.
قال: [(فغزا هذا النبي فأدنى للقرية حين صلاة العصر)] أي: اقترب من القرية التي يريد أن يقاتل أهلها وقت صلاة العصر.
قال: [(أو قريباً من ذلك فقال للشمس: أنتِ مأمورة وأنا مأمور.
اللهم احبسها علي شيئاً فحُبست عليه حتى فتح الله عليه)] هذه الجزئية في الحديث غصة في حلوق من يزعمون أنهم أصحاب العقول النيرة، ويقولون: الشمس آية من آيات الله، لا تُحبس لأحد قط، ونحن نخالفهم في ذلك، وقد صح الحديث أن النبي طلب من ربه أن يحبس الشمس عليه شيئاً حتى يستطيع مواصلة القتال قبل دخول الليل؛ لأن العرب قبل دخول الليل كانوا يكفون عن القتال ولا يقاتلون في الليل، وإنما يقاتلون في النهار ويستريحون في أول الليل، ويسيرون في آخر الليل، فلما قارب فتح هذه القرية قبيل المغرب طلب هذا النبي من ربه أن يحبس الشمس في مكانها بغير نقصان أو نزول أو غروب حتى يفتح عليه القرية، فحبس الله تعالى له الشمس، وهذه آية وعلامة من علامات نبوة ذاك النبي.
قال: [(فجمعوا ما غنموا -أي: من هذه القرية- فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه)] وكانت هذه علامة قبول هذا العمل من النبي ومن أمته قبل نبينا ﵊، كانوا إذا غنموا غنيمة معينة جمعوها ولم يستثنوا منها شيئاً، فتنزل من السماء نار فتأكل هذه الغنائم، وأكل النار لهذه الغنائم دليل على قبول الله تعالى لهذا العمل، فجمع هذا النبي تلك الغنائم من هذه القرية، فنزلت النار ولم تأكل وأبت أن تطعم هذه الغنائم، فأدرك النبي العلة: [(فقال: فيكم غلول)] أي: لا بد أن أحدكم غل، وأخذ من الغنائم، ولا نقول قبل توزيعها؛ لأنه لا توزيع لها، إنما التوزيع في شريعتنا.
فقال: (فيكم غلول) أنتم يا معشر المجاهدين معي قد غل أحدكم، أو غلت إحدى القبائل أو الأقوام المجاهدين معي، ولذلك أبت النار أن تأكل الغنيمة.
فقال: [(فليبايعني من كل قبيلة رجل)] كل قبيلة تندب رجلاً منها فليبايعني، ويضع يده في يدي.
قال: [(فبايعوه فلصقت يد رجل بيده)] وهذا علامة على أن الغلول في قومه، ولا يلزم أن يكون هو الذي غل.
فقال: [(فيكم الغلول.
فلتبايعني قبيلتك)] أي: واحداً واحداً [(فبايعته فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة)] أي: لصقت يد هذا النبي بيد رجلين أو ثلاثة [(فقال: فيكم الغلول.
أنتم غللتم)] أي: أنتم الذين أخذتم من الغنيمة.
قال: [(فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب.
قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد -أي: في ناحية من الأرض- فأقبلت النار فأكلته)].
الشاهد من هذا الحديث: قوله ﵊: [(فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا)].
فالغنائم كانت حراماً على كل أمة سبقت هذه الأمة المباركة، وأحلها الله لنبيه محمد ﵊ ولأمته، ولذلك قال النبي ﵊: (أُحلت لنا خمس) وذكر من بينها الغنائم.
стр. 1957
باب الأنفال
الباب الثاني عشر: باب الأنفال.
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال:٤١] إلى آخر الآيات، فمحل النفل قيل: هو أصل الغنيمة.
أي: أن كل الغنيمة التي يغنمها المسلمون من حربهم مع الكافرين.
أي: كل ما يغنمه المسلمون من الكفار أنفال.
والرأي الثاني: أن النفل هو أربعة أخماس الغنيمة.
والرأي الثالث وهو الصواب: أن الأنفال هي خمس الخمس، أو أن الأنفال الخمس الباقية.
فيُجعل أنصبة المجاهدين من الأربعة أخماس، والخمس الخامس هو الأنفال، ويجعل توزيعه أو تفريقه أو عدم تفريقه للإمام، والتنفيل ثابت بالإجماع، ويكون التنفيل لمن صنع في الحرب صنيعاً غير عادي، أي: أنه بذل مجهوداً خارقاً جداً، فبلا شك أن هذا يحتاج إلى مزيد عناية وعطية أكثر من الجيش، فإن رأى الإمام أن يعطيه أعطاه فضلاً عن سهمه في الأربعة أخماس.
أي: أنه يأخذ سهمه الطبيعي أولاً، ثم ينفل من الخمس الخامس، فهذه هي الأنفال، ولا تكون إلا بإذن الإمام، وتكون في كل غنيمة إلى قيام الساعة، فالأنفال هي العطايا من الغنيمة -كما قلنا- غير السهم المستحب.
عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: (أخذ أبي من الخمس سيفاً فأتى به النبي ﷺ فقال: هب لي هذا، فأبى النبي ﷺ أن يهب له السيف، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١]) أي: لا يفرض على الإمام شيء في أن يهب فلاناً أو لا يهب آخر.
ولذلك قال سعد: (نزلت في أربع آيات: أصبت سيفاً فأتى به النبي ﷺ أصبت سيفاً في غزوة من الغزوات، ولكنه أُعجب به جداً فأراد أن يأخذه إما من الغنيمة أو من الأنفال إما من أصل الغنيمة أربعة أخماس أو من الأنفال، وإذا كان هذا أو ذاك فلا بد أن يأذن الإمام وإلا صار غلولاً؛ ولذلك أتى ليستأذن النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ له: (ضعه -لا تأخذه- ثم قام فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته، ثم قام فقال: يا رسول الله! نفلنيه -أعطنيه من باب النافلة- فقال: ضعه، فقام فقال: يا رسول الله! نفلنيه -عدة مرات- أأجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : ضعه من حيث أخذته، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١])].
[وعن ابن عمر قال: (بعث النبي ﷺ سرية وأنا فيهم قِبل نجد -ونجد الآن هي الرياض وما حولها من المدن- فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً)] أي: أن أسهمهم من أصل الغنيمة لكل واحد اثنا عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً.
قال: [(ونُفلوا بعيراً بعيراً)] أي: من الخمس الخامس أعطاهم النبي ﷺ فوق سهمهم -الذي هو اثنا عشر بعيراً- لكل واحد بعيراً بعيراً.
إذاً: فهم أخذوا اثني عشر بعيراً وهذا سهم القتال، وأخذوا فوق ذلك بعيراً بعيراً من الأنفال.
стр. 1958
باب استحقاق القاتل سلب القتيل
الباب الثالث عشر: (باب: استحقاق القاتل سلب القتيل).
هو في الحقيقة ليس من باب الوجوب، وإنما من باب النافلة للتشجيع، والنبي ﵊ قال: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، ولو أن سلب القتيل واجب رده أو دفعه إلى قاتله لما كان هناك غنائم ولما بقي للجيش غنائم، وإنما هذا من باب الاستحباب والنافلة؛ حتى يبذل المجاهدون أقصى ما في وسعهم من إثخان العدو.
[عن عمر بن كثير عن أبي محمد الأنصاري واقتص الحديث]، والحديث سيأتي معنا وهو: [عن أبي قتادة قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه -وهذا كلام أبي قتادة - فضربته على حبل عاتقه، وأقبل علي فضمني ضمة شممت منها رائحة الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني -أي: تركني- فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله -أي: شيء من الهزيمة قد لحق الناس- ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله ﷺ فقال: من قتل قتيلاً له عليه بينة)] وهذا محل نزاع بين أهل العلم: هل يلزم إقامة البينة على أن فلاناً قتل فلاناً أم لا يلزم؟ الراجح من أقوال أهل العلم وهو ظاهر النصوص: أن البينة لازمة: (من قتل قتيلاً له عليه بينة) وهذا شرط، وإلا فلو كانت البينة غير لازمة لادعى أناس دماء أناس وأموالهم، أي: لو لم تكن البينة لازمة في مثل هذه الأمور لادعى أقوام أنهم قتلوا وسلبوا.
قال: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه).
والسلب هو: المتاع من خيل أو إبل أو عدة أو عتاد أو ذهب أو غير ذلك أي: كل ما تركه القتيل.
هذا يسمى السلب.
قال: (فقمت فقلت: من يشهد لي؟) أبو قتادة يقول: هل فيكم أحد يشهد لي أني قتلت فلاناً؟ قال: [(فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال مثل ذلك فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت فقال النبي ﷺ : ما لك يا أبا قتادة؟! فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله! -هو الذي قتل فلاناً من الكفار- سلب ذلك القتيل عندي)] أي: هذا الذي قتله [أبو قتادة سلبه عندي، وأنا رأيت أبا قتادة يقتله (فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله)] يحلف أبو بكر أنه لا يمكن أحد أن يأخذ شيئاً إلا ببينة.
قال: [(إذاً: لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال له رسول الله ﷺ : صدق.
فأعطه إياه)] أي: صدق أبو قتادة والشاهد الذي شهد له.
فأعطه سلبه، وكان أبو بكر الصديق يريد أن يمنعه ذلك السلب ويقول: يعمد أحدكم إلى أسد من أسد الله فلا يأخذ شيئاً، ثم هو يدعي أنه قتل فلاناً أو فلاناً، ولكن النبي ﷺ صدق الخبر في قتل أبي قتادة لذلك الكافر بوحي السماء.
قال أبو قتادة: ([فأعطاني -أي: السلب- قال: فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً في بني سلمة)] أي: بستاناً عظيماً في بني سلمة.
قال: [(وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام)] أي: اغتنمته في الإسلام.
[وعن عبد الرحمن بن عوف: أنه قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما -أي: صغار في السن- تمنيت لو كنت بين أضلع منهما)].
وكأن عبد الرحمن يقول: تمنيت لو كنت بين اثنين من الكبار، ولكني نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين صغيرين.
قال: [(فغمزني أحدهما فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم.
وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ] هذا طفل يغار على عرض النبي ﵊، وأمتنا الآن لا تغار على دين ولا شرع ولا رسالة ولا وحي ولا نبوة ولا أي شيء، أمة جديرة بأن تُسحق لولا أن الله كتب لها البقاء.
قال: [(أُخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده -أي: لا أفارقه ولا أفارق شخصه- حتى يموت الأعجل منا)] أي: حتى يُقضى بالموت على من كُتب له أن يموت أولاً.
قال عبد الرحمن بن عوف: [(فتعجبت لذلك)] أي: من هذا الطفل الصغير الذي عنده هذه الغيرة وهذه الحمية على رسول الله ﷺ .
قال: [(فغمزني الآخر -أي: الذي عن شماله- فقال مثلها.
قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس -أي: يصول ويجول، ويذهب
стр. 1959
باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسرى
الباب الرابع عشر: (باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسرى).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي - حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة وهو ابن سلمة بن الأكوع قال: حدثني أبي قال: (غزونا فزارة وعلينا أبو بكر -أي: كان أمير الجيش أبا بكر - أمره رسول الله ﷺ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة -الساعة في لغة العرب تطلق على بعض الوقت- أمرنا أبو بكر فعرسنا)] والتعريس: هو النزول آخر الليل للراحة، وليس للمبيت ولا للإقامة.
قال: (ثم شن الغارة) أي: بعد هذا التعريس شن الغارة، ومعنى شن: فرق الناس.
أي فرق أبو بكر الناس هنا وهناك، حتى يهيج العدو ويجعلهم في حيرة من أمرهم من يقاتلون، فإنه إذا تفرق الجيش هنا وهناك فإن العدو يحار: يُقاتل من ويدع من؟ وهذا من باب إشغال العدو، أو من باب فقدانه السيطرة على مواقع القتال والضرب، وهذه خطة عسكرية.
نسأل الله أن ينبه إليها إخواننا في أفغانستان وغيرها.
قال: [(ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس -أي: جمع من الناس من فزارة- فيهم الذراري -أي: فيهم الأطفال الصغار- فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا)] وهذه خطة ظريفة: قوم من فزارة من الكفار أرادوا أن يلجئوا إلى الجبل؛ ليحتموا به، وذلك حينما رأوا الجنود تفرقوا هنا وهناك، قال: وخشيت أن أضربهم بسهم فيصيب الذراري، أي: أنه احترز بقدر الإمكان أن يصيب الأطفال وهذا هو الأصل، لكن إذا لم يكن قتل الكبار إلا بقتل الأطفال جاز، وأنتم تعلمون ذلك.
قال: [(فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم -أمامهم- وقفوا، فجئت بهم جميعاً أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع -أي: نطع: قطعة من الجلد- من أدم.
قال: مع ابنة لها من أحسن العرب)] أي: امرأة جميلة.
وانظر إلى قوله: (معهم ابنة لها من أحسن العرب) وهذا يدل على جواز أسر العرب؛ لأن بعض أهل العلم قال: لا يجوز أسر العرب، وإنما يجوز أسر غير العرب من العجم وغيرهم.
قال: [(فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها)]، وفي هذا رد على من يزعم أن النفل للرسول ﷺ فحسب، فقد نفله أبو بكر هذه المرأة الجميلة.
قال: [(فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوباً)] أي: وما كشفت لهذه البنت ثوباً، وهذا كناية عما يُستقبح ذكره إذا كان اللفظ يؤدي الغرض، وهكذا ألفاظ القرآن وألفاظ السنة رائعة أيما روعة في طرح هذه المسائل المستقذرة المستقبحة بأسلوب عربي أصيل مبين لا يثير الغرائز، فلو أن واحداً كُلف بكتابة قصة -ولتكن قصة يوسف ﵇ لربما كتب قصة أثارت غرائز كل من قرأها أو جُل من قرأها، ولكنك تقرأ بالليل والنهار سورة يوسف ﵇ فلا تتحرك فيك كوامن الغريزة أبداً؛ لأنه كلام اللطيف الخبير ، وهذا الرجل سلمة بن الأكوع عبر بهذا.
قال: (وما كشفت لها ثوباً) كناية عن أنه لم يجامعها؛ لأنه بمجرد أن ينفله الإمام إياها حل له جماعها.
فقال: [(فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: يا سلمة! هب لي المرأة -أي: اعطها لي من باب الهبة- فقلت: يا رسول الله! والله لقد أعجبتني)] أي: أنها أعجبتني جداً، فكيف أعطيها لك؟ قال: [(وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة! هب لي المرأة لله أبوك)] كأنه يقول: لله درك، وهذا من كلام العرب يُطلق للتدليل والمؤانسة.
فكأنه يقول له: يغفر الله لأبيك! أعطني هذه المرأة على سبيل الهبة.
[(فقلت: هي لك يا رسول الله!)] فانظروا إلى عدم ضن الصحابة ﵃ بأغلى ما يملكون للنبي ﵊، فهذه المرأة من أجمل بنات العرب، ومن يملكها منا لا يفرط فيها، وما ينزل بالمسلمين هو منهم ومن أنفسهم، فنحن نضن على الله تعالى بأموالنا وأنفسنا، والواحد منا يحب الدينار أكثر من حبه لله ورسوله، فإنه عند المحك الطبيعي الذي يحتك بحياتك تأبى أن تتحاكم للإسلام، أما في وقت السلام والإسلام لا يمس حياتك تزعم أنك تقبل الإسلام بكل نواحيه وجوانبه، فإذا ما مس الإسلام شيئاً من حياتك تبرمت وتنكرت وربما جحدت، أما سلمة فقال: [(هي لك يا رسول الله! فوالله ما كشفت لها ثوباً -إكراماً للنبي ﵊ فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة، ففدى بها ناساً من المسلمين)].
انظروا! فالنبي ﷺ لم ي
стр. 1960
باب حكم الفيء
الباب الخامس عشر: (باب حكم الفيء).
وفي الحقيقة لا بد أن نفرق بين الفيء والغنيمة.
أما الغنيمة فهي: ما غنمه الجيش بعد قتال، استمر بينهم وبين المشركين قتال حتى كُتب لأهل الإسلام النصر وأخذ الغنائم.
هذه الغنائم تُقسم خمسة أخماس، أربعة أخماس هي أسهم المجاهدين رجالاً وركباناً، أما الراجل الذي يمشي على رجليه له سهم، وأما الراكب فله سهمان.
والخمس الخامس هو الأنفال، ويُقسم على النحو الذي ذكرناه آنفاً.
أما الفيء فهو: ما أفاء الله تعالى على المسلمين من غير قتال، ويُجعل للإمام، فخمس الأنفال للإمام يجعله حيث شاء، وكذلك الفيء كله للإمام يفرقه حيث يشاء ويمنعه ممن شاء؛ لأن هذا فيء لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، إما أن تُفتح بصلح أو معاهدة أو اتفاق أو غير ذلك، لكن إذا كانت البلد تُفتح عنوة -أي: بالقتال- فيكون أمرها في الغنيمة.
قال المصنف ﵀: [حدثنا أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومحمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ .
فذكر أحاديث منها هذا الحديث وهو: (أيما قرية دخلتموها وأقمتم فيها -أي: فتحت لكم صلحاً- فإنما طعامكم وشرابكم وأسهمكم فيه.
وأيما قرية عصت الله ورسوله -أي: أبت فقوتلت- فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم)].
أي: باقي هذه الغنائم لكم بعد ذلك، وكأنه يفرق بين قرية فُتحت سلماً وصلحاً وبين قرية فتحت عنوة، أما القرية التي فتحت صلحاً وسلماً بغير قتال فحكم الداخل منها حكم الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر:٧] ومن بعده الأئمة والولاة والسلاطين، إذا فُتحت لهم قرية صلحاً أو سلماً فهي للإمام يفرقها حيث شاء، كما لو كان يفعل ذلك في باب الأنفال، وأما إذا فُتحت عنوة فإن لله ولرسوله من هذه الغنائم الخمس يفرقها الإمام أنفالاً ينفل به من شاء، ويمنعه ممن شاء، ويستحب أن يُعطي كل قتيل سلبه من الأنفال، أما الأربعة أخماس الباقية فإنها للجند الذين قاتلوا.
[وحدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه واللفظ لـ ابن أبي شيبة - قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا].
ولا يزال العلماء يفرقون بين اللفظين على اعتبار أن (حدثنا) لا تستخدم إلا في السماع الصريح، أما (أخبرنا) فتستخدم في السماع وفي الإجازة.
[قال الآخرون: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار المكي عن الزهري عن مالك بن أوس] وهو مالك بن أوس بن الحدثان وبعضهم أسقط الزهري وأخطأ في ذلك.
[قال مالك بن أوس: عن عمر قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله) وبنو النضير أنتم تعلمون أنهم كانوا يسكنون عوالي المدينة، وبنو النضير هم الذين أرادوا أن يقتلوا النبي ﵊ بحجر من على السطح.
قال: [(كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب)].
الإيجاف: الإسراع.
أي: أنه لم يشتد المسلمون لقتال بني النضير، وإنما فتحها الله تعالى سلماً.
قال: [(فكانت للنبي ﷺ خاصة)] لم يقل: كان خمسها.
وإنما قال: فكانت؛ وذلك لأنها أتت إلى المسلمين عن طريق الفيء وليس عن طريق الغنيمة.
قال: [(فكان النبي ﷺ يُنفق على أهله نفقة سنة)] أي: يحجز لنسائه ومواليه ما يكفيهم لمدة عام، وهذا جائز خاصة في وقت ليس فيه استغلال ولا قحط ولا جدب وإلا فلا يحل ذلك في أوقات الشدة، كمن يذهب إلى السوق فيشتري طعاماً يكفي لمدة سنة أو سنتين أو أقل من ذلك أو أكثر، وهو يعلم أن المسلمين يمرون بجدب وقحط وجوع، فلا يحل له ذلك، بل ينبغي أن يموت مع من يموت وأن يعيش مع من عاشوا.
نعم.
يشاركهم آلامهم وأحزانهم، أما أن يحرص على نجاته وإن كان في ذلك هلاك الآخرين فلا، ليس هذا من أخلاق الإسلام.
ولذلك ضرب المثل الرائع في ذلك عمر بن الخطاب ناهيك عن النبي ﵊؛ لأن النبي ﷺ هو المثل الأعلى في كل شيء، ولو أنك فتشت في سيرته وحياته لوجدت أنموذجاً حياً نقياً طيباً مباركاً له في كل مجالات الحياة، أما عمر فهو الذي حرم نفسه من أن يأكل حتى يشبع أطفال المسلمين، وأن ينام حتى يشبع أطفال المسلمين، وما كان نومه إلا خفقات فإذا حُدث في ذلك قال: إن
стр. 1961
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - أحكام النذر
النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، فمن نذر نذر طاعة فقد أوجب على نفسه هذه الطاعة، وأما من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ومن شروط النذر أن يكون الناذر مكلفاً عاقلاً بالغاً مختاراً، ومتى ما فقد شرط من هذه الشروط لم يلزمه الإتيان به.
стр. 1962
تعريف النذر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: النذر في اللغة: هو الإيجاب.
وبين هذا التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي وجه عظيم من أوجه الشبه، وهو: أن المرء يوجب على نفسه ما لا يوجبه الله عليه.
وهو في اصطلاح الفقهاء: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم بأصل الشرع.
وقوله: (مكلف) احتراز من غير المكلف، وغير المكلف هو الصبي الذي لم يبلغ، والمجنون غير العاقل، فلو أن مجنوناً ألزم نفسه بنذر لم يلزمه الوفاء؛ لأنه ليس مكلفاً، كما أن الصبي الذي لم يبلغ لو نذر لله نذراً مشروطاً أو مطلقاً وتحقق شرطه فإنه لا يلزمه الوفاء بالنذر؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
وكذلك لو أكره عبد مكلف عاقل على النذر لله لم يلزمه الوفاء؛ لأن الإكراه في أصح أقوال أهل العلم لا يقع به التكليف.
فلو أن صاحب السلطة حبس رجلاً في زنزانة وحمله على أن يطلق امرأته وإلا فعل به كيت وكيت وكيت، وهو قادر على تنفيذ تهديده لم يقع طلاقه، أما إن كان لا يملك ولا يقدر على إيقاع التهديد فلا، فشرط الإكراه أن يملك المكرِه تنفيذ ما هدد إيقاعه بالمكرَه، فلو أن مكرهاً أكره على النذر لم يلزمه الوفاء.
فالنذر في الشرع: هو إلزام مكلف عاقل مختار على نفسه لله ما لم يوجبه الشرع ابتداء عليه، كأن يقول المكلف العاقل البالغ المختار: يا رب! لو أني نجحت في الجامعة فسأذبح لله شاة، فهذا نذر مشروط بالنجاح، وهو لم يكن يلزمه لو لم ينذر، فالنذر هو: إلزام المكلف العاقل البالغ المختار نفسه ما لم يلزمه الشرع ابتداءً.
وهناك ارتباط وثيق بين المعنى اللغوي للنذر وبين المعنى الاصطلاحي، فالنذر في اللغة هو: الإيجاب، وفي الاصطلاح هو: إيجاب العبد المكلف البالغ العاقل المختار على نفسه ما لم يكن واجباً عليه ابتداء لله تعالى.
فهناك شبه قوي بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
стр. 1963
شروط النذر
شروط النذر: أن يكون الناذر محلاً للتكليف، بمعنى: أن يكون بالغاً عاقلاً، فنذر المجنون كأن لم يكن؛ لأنه ليس من أهل التكليف، لقوله ﵊ (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم -أي: يبلغ سن الحلم وهو سن التكليف- وعن النائم حتى يستيقظ).
стр. 1964
حكم نذر الكافر
ويصح النذر من كافر بإجماع أهل العلم بشروط ستأتي، والدليل على ذلك: (أن عمر بن الخطاب ﵁ نذر في الجاهلية قبل إسلامه أن يعتكف ليلة، فلما أسلم قبل الوفاء بالنذر أخبر النبي ﵊ بما كان منه، فقال ﵊: أوف بنذرك).
فالنذر بإجماع أهل العلم يصح من الكافر، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
стр. 1965
حكم النذر وأدلته
أدلة النذر من الكتاب والسنة والإجماع: فأما الأدلة من الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧].
فإنه تعالى لما تكلم عن أهل الإيمان مدحهم بأنهم يوفون بالنذر.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠].
إلى غيرها من الآيات التي تبين أن أدلة الكتاب تشهد بوجوب الوفاء بالنذر.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة جداً، وأحاديث النذر منها ما هو متفق عليه بين الشيخين، ومنها ما هو من انفرادات مسلم، ومنها ما هو من انفرادات البخاري كذلك، وهناك عند أصحاب السنن والمسانيد ما ليس في الصحيحين، وكل هذه الأحاديث تشهد بمشروعية النذر.
وقد انعقد إجماع أهل العلم على أن النذر مشروع.
واختلفوا هل هو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه؟ والراجح من أقوال أهل العلم أنه واجب في جانب العمل والفعل والأداء، وهذا الحكم حكم عام؛ لأن النذر أقسام، ولكل قسم حكم يخصه، ولكن جمهور أهل العلم على أن النذر من جهة الشرع مكروه، ومن جهة العمل واجب إذا كان مطلقاً أو مشروطاً وتحقق الشرط.
وأما من جهة التكليف الشرعي والحكم الفقهي للنذر فإنه مكروه؛ لأنه لا يغير من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل، يعني: أنه معاملة لله بالحد الأدنى، فكأنك تقول: اعمل لي حتى أعمل لك، ومفهوم المخالفة: إذا لم تفعل لي فلن أفعل لك، مثل قولك: إذا نجحتني فسأذبح لك خروفاً، وإذا لم تنجحني فلن أذبح، وهذا بلا شك معاملة لله بالحد الأدنى من الطاعة والعبادة، وهذا الخروف الذي هو محل النذر أو شرط النذر لا يغير في المقدور ولا في القدر فيما يتعلق بنجاح هذا أو رسوبه شيئاً؛ لأن هذا النجاح أو الرسوب قد كتب في اللوح المحفوظ، فالنذر لا يغير شيئاً؛ ولذلك يفضل أن يتقرب العبد إلى مولاه وسيده بما استطاع من طاعة مالية أو زمانية أو ما يمكن أن يتقرب به بغير شرط؛ لأن هذا الشرط لا يغير شيئاً في المكتوب، وما دام أنه لا يغير شيئاً في المكتوب فلا تشرط على ربك.
следующие страницы →