Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - أحكام النذر
النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، فمن نذر نذر طاعة فقد أوجب على نفسه هذه الطاعة، وأما من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، ومن شروط النذر أن يكون الناذر مكلفاً عاقلاً بالغاً مختاراً، ومتى ما فقد شرط من هذه الشروط لم يلزمه الإتيان به.
стр. 1962
تعريف النذر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: النذر في اللغة: هو الإيجاب.
وبين هذا التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي وجه عظيم من أوجه الشبه، وهو: أن المرء يوجب على نفسه ما لا يوجبه الله عليه.
وهو في اصطلاح الفقهاء: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئاً غير لازم بأصل الشرع.
وقوله: (مكلف) احتراز من غير المكلف، وغير المكلف هو الصبي الذي لم يبلغ، والمجنون غير العاقل، فلو أن مجنوناً ألزم نفسه بنذر لم يلزمه الوفاء؛ لأنه ليس مكلفاً، كما أن الصبي الذي لم يبلغ لو نذر لله نذراً مشروطاً أو مطلقاً وتحقق شرطه فإنه لا يلزمه الوفاء بالنذر؛ لأنه ليس من أهل التكليف.
وكذلك لو أكره عبد مكلف عاقل على النذر لله لم يلزمه الوفاء؛ لأن الإكراه في أصح أقوال أهل العلم لا يقع به التكليف.
فلو أن صاحب السلطة حبس رجلاً في زنزانة وحمله على أن يطلق امرأته وإلا فعل به كيت وكيت وكيت، وهو قادر على تنفيذ تهديده لم يقع طلاقه، أما إن كان لا يملك ولا يقدر على إيقاع التهديد فلا، فشرط الإكراه أن يملك المكرِه تنفيذ ما هدد إيقاعه بالمكرَه، فلو أن مكرهاً أكره على النذر لم يلزمه الوفاء.
فالنذر في الشرع: هو إلزام مكلف عاقل مختار على نفسه لله ما لم يوجبه الشرع ابتداء عليه، كأن يقول المكلف العاقل البالغ المختار: يا رب! لو أني نجحت في الجامعة فسأذبح لله شاة، فهذا نذر مشروط بالنجاح، وهو لم يكن يلزمه لو لم ينذر، فالنذر هو: إلزام المكلف العاقل البالغ المختار نفسه ما لم يلزمه الشرع ابتداءً.
وهناك ارتباط وثيق بين المعنى اللغوي للنذر وبين المعنى الاصطلاحي، فالنذر في اللغة هو: الإيجاب، وفي الاصطلاح هو: إيجاب العبد المكلف البالغ العاقل المختار على نفسه ما لم يكن واجباً عليه ابتداء لله تعالى.
فهناك شبه قوي بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
стр. 1963
شروط النذر
شروط النذر: أن يكون الناذر محلاً للتكليف، بمعنى: أن يكون بالغاً عاقلاً، فنذر المجنون كأن لم يكن؛ لأنه ليس من أهل التكليف، لقوله ﵊ (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم -أي: يبلغ سن الحلم وهو سن التكليف- وعن النائم حتى يستيقظ).
стр. 1964
حكم نذر الكافر
ويصح النذر من كافر بإجماع أهل العلم بشروط ستأتي، والدليل على ذلك: (أن عمر بن الخطاب ﵁ نذر في الجاهلية قبل إسلامه أن يعتكف ليلة، فلما أسلم قبل الوفاء بالنذر أخبر النبي ﵊ بما كان منه، فقال ﵊: أوف بنذرك).
فالنذر بإجماع أهل العلم يصح من الكافر، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
стр. 1965
حكم النذر وأدلته
أدلة النذر من الكتاب والسنة والإجماع: فأما الأدلة من الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧].
فإنه تعالى لما تكلم عن أهل الإيمان مدحهم بأنهم يوفون بالنذر.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠].
إلى غيرها من الآيات التي تبين أن أدلة الكتاب تشهد بوجوب الوفاء بالنذر.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة جداً، وأحاديث النذر منها ما هو متفق عليه بين الشيخين، ومنها ما هو من انفرادات مسلم، ومنها ما هو من انفرادات البخاري كذلك، وهناك عند أصحاب السنن والمسانيد ما ليس في الصحيحين، وكل هذه الأحاديث تشهد بمشروعية النذر.
وقد انعقد إجماع أهل العلم على أن النذر مشروع.
واختلفوا هل هو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه؟ والراجح من أقوال أهل العلم أنه واجب في جانب العمل والفعل والأداء، وهذا الحكم حكم عام؛ لأن النذر أقسام، ولكل قسم حكم يخصه، ولكن جمهور أهل العلم على أن النذر من جهة الشرع مكروه، ومن جهة العمل واجب إذا كان مطلقاً أو مشروطاً وتحقق الشرط.
وأما من جهة التكليف الشرعي والحكم الفقهي للنذر فإنه مكروه؛ لأنه لا يغير من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل، يعني: أنه معاملة لله بالحد الأدنى، فكأنك تقول: اعمل لي حتى أعمل لك، ومفهوم المخالفة: إذا لم تفعل لي فلن أفعل لك، مثل قولك: إذا نجحتني فسأذبح لك خروفاً، وإذا لم تنجحني فلن أذبح، وهذا بلا شك معاملة لله بالحد الأدنى من الطاعة والعبادة، وهذا الخروف الذي هو محل النذر أو شرط النذر لا يغير في المقدور ولا في القدر فيما يتعلق بنجاح هذا أو رسوبه شيئاً؛ لأن هذا النجاح أو الرسوب قد كتب في اللوح المحفوظ، فالنذر لا يغير شيئاً؛ ولذلك يفضل أن يتقرب العبد إلى مولاه وسيده بما استطاع من طاعة مالية أو زمانية أو ما يمكن أن يتقرب به بغير شرط؛ لأن هذا الشرط لا يغير شيئاً في المكتوب، وما دام أنه لا يغير شيئاً في المكتوب فلا تشرط على ربك.
стр. 1966
أقسام النذر
أقسام النذر خمسة على الصحيح، وهي: أولاً: النذر المطلق، ومعنى المطلق: الذي لم يقيد بقيد، ولم يشرط بشرط، مثل أن يقول: لله عليَّ نذر ولم يسم هذا النذر، فيلزمه كفارة يمين.
يعني: عند العجز عن أداء النذر المطلق يلزمه أن يكفر كفارة يمين.
الثاني: نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق نذره بشرط بقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب، فيخير بين فعله أو كفارة يمين، والراجح في ذلك: أنه يكفر في هذا القسم كفارة يمين.
الثالث: النذر المباح، كلبس الثوب أو ركوب الدابة، وحكم هذا النوع كالثاني تماماً، يعني: فيه كفارة يمين، وقال بعضهم: ليس فيه كفارة.
وإن كان نذره مكروهاً استحب له أن يكفر ولا يفعله.
والنذر إما أن يكون في طاعة أو أن يكون في معصية، كما قال ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه).
فهذا في الحلال الصرف، وذاك في الحرام الصرف.
وأما إذا نذر في طاعة أو في حلال نذراً مطلقاً، أو مقيداً بقيد أو مشروطاً بشرط فيلتزمه عند تحقق الشرط، لأنه إذا تحقق الشرط تحقق المشروط كما قال العلماء.
وأما إذا نذر في معصية كأن يقول: يا رب! لك علي إن نجحت في الامتحان أو أنجبت امرأتي أو كذا وكذا أن أشرب الخمر، فيطلب من ربه منة وفضلاً، ويشترط أنه إذا تحقق هذا تقرب إليه بمعصيته، أو يقول: رب! لأن أطعمتني كذا لأشربن الخمر، أو لأسرقن جاري، فهذا النذر لا يلزمه الوفاء به، ويجب عليه كفارة يمين، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم أن الناذر في المكروه لا يلزمه الوفاء، وإنما تلزمه الكفارة.
الرابع: نذر المعصية كشرب الخمر وصوم يوم الحيض، كأن تقول المرأة: لو أن الله شفاني لأصومن في أيام حيضي، أو أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق، أو يوم الفطر، وهذه الأيام صومها حرام على الرجل والمرأة، وسواء كانت المرأة طاهرة أو حائضة فيحرم الصيام في هذه الأيام، ولا يحل للناذر أن يصومها، ويجب عليه الكفارة.
الخامس: نذر التبرر، وهو مأخوذ من البر والطاعة، فلو أن أحداً نذر أن يطيع الله تعالى براً وطاعة وتقوى لله لزمه ذلك، وسواء كان هذا النذر نذراً مطلقاً، أي: لم يقيد بقيد، أو معلقاً على شرط، ولا يلزمه الوفاء بالنذر في النذر المعلق إلا بتحقق الشرط الذي علق عليه النذر، كقوله: إن شفى الله مريضي أو سلم أو وصل قريبي الغائب فلله علي أن أصلي لله ركعتين، فلا يلزمه الوفاء بصلاة ركعتين إلا بتحقق الشرط، وإذا لم يشف المريض فلا يلزمه أن يأتي بالركعتين على جهة النذر، فإذا وجد الشرط لزمه الوفاء بنذره، إلا إذا نذر الصدقة بماله كله، كأن يقول: لو أن الله تعالى وفَّق ولدي في امتحان هذا العام فلله علي أن أتصدق بجميع مالي، فمذهب الجمهور: أنه لا يلزمه التصدق بكل المال وإنما بثلثه، لورود بعض النصوص في ذلك وإن كان فيها ضعف، وقياساً على حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ في الوصية، وقد مر بنا.
стр. 1967
حكم التتابع لمن نذر صيام شهر
ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع، والتتابع هو أن يأتي بالشهر كاملاً من غير أن يفرق بين بعضه البعض إلا تفريقاً حرمه الشرع، فلو قال شخص: لله علي أن أصوم شهراً، فعلى مذهب الحنابلة الذين قالوا بوجوب التتابع لا يحل قطع هذا الشهر إلا بدخول أيام حرم الشرع صيامها كيوم العيد، أو أيام التشريق، أو أيام حيض المرأة، وكذلك يقطع بدخول رمضان؛ لأن رمضان يستوعب بعبادة أخرى من نفس العبادة، فلا يمكن لأحد أن يقول: لله علي أن أصوم شهر رمضان؛ لأن رمضان ليس محلاً للنذر بالصيام؛ لأنه محل صيام الفرض، وهو لا يسع عبادة مماثلة فيه، فلا يمكن أن يأتي شخص ويقول: نويت أن أصوم رمضان هذا العام ثلاث مرات أو أربعاً؛ لأنه لا يمكن صيامه إلا مرة واحدة.
стр. 1968
حكم نذر صيام أحد أيام رمضان بنية الفرض والنافلة
ولو نذر شخص صيام يوم الإثنين من رمضان بنية صيام رمضان وبنية صيام النافلة التي كان يصومها طوال السنة فلا يقبل منه إلا صيام الفرض فقط؛ لأن هذه العبادة قد استوعبت الوقت كله، فلا تحل عبادة مماثلة معها في نفس اليوم.
стр. 1969
حكم نذر الوصال في الصيام
وكذلك لا يصح نذر الوصال؛ لأن الوصال بالنسبة لنا مكروه، والوصال: هو أن يصل يومين أو ثلاثة بلياليهن من غير طعام ولا شراب، والنبي ﷺ نهى عن الوصال، فقالوا: يا رسول الله! (إنك تواصل، فقال: إنني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).
стр. 1970
حكم نذر صيام الليل
ونذر صيام الليل مكروه، والمكروه حكمه: عدم الوفاء به مع إخراج الكفارة.
والكفارة في النذر كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام.
стр. 1971
حكم التتابع لمن نذر صياماً
قال: (ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع، وإن نذر أياماً معدودة لم يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية)، أي: إلا إذا شرط على نفسه التتابع، أو نوى التتابع في نفسه، فمن نذر أن يصوم شهراً يلزمه التتابع إلا إذا نوى أو شرط عدم التتابع لفظاً في حال نذره، وأما إذا لم يشرط أو لم ينو التتابع حال نذره فإنه يلزمه على الراجح التتابع، وإذا نوى أن يصوم شهراً وبدأ من أول الشهر العربي فإنه ينتهي مع الشهر العربي، فيصوم الشهر سواء كان تسعة وعشرين أو ثلاثين.
стр. 1972
حكم النذر للأموات
النذر للأموات: جاء في كتب الأحناف: أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء تقرباً إليهم، كأن يقول: يا سيدي فلان! إن ردت ضالتي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا وكذا فهو بالإجماع باطل وحرام.
وهذا نذر معصية، ونذر المعصية لا يلزم الوفاء به، ويجب على الناذر كفارة يمين وتوبة، أي: أن يتوب من هذه المعصية؛ لأنها كبيرة من الكبائر، وهذا النذر له تعلق بالإيمان والشرك، فالتوبة فيه والاستغفار آكد وألزم مما لو نذر نذراً مكروهاً؛ لأن هذا محرم بالإجماع.
والأدلة على ذلك: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يتقرب إلى أحد، وإنما القربى كلها لله ، وهذا يتقرب إلى مخلوق، وهذا باب عظيم من أبواب الشرك، ولو أن أحداً نذر أن يشرك بالله لم يحل له ذلك.
وفي سنة (١٩٨١م) في أحد المؤتمرات أتت امرأة إلى أحد العلماء الحاضرين في هذا المؤتمر -وأنا حاضر- وفي يدها طفل، فقالت: يا شيخ! أنا كنت أعتبر تحقيق أمر معين مستحيل، فتجرأت وقلت: لو أن الله تعالى قضى لي كذا لألقين ولدي هذا في النار، فوقع الأمر، وكان موجود بجانب الشيخ حوالي خمسة وعشرين أو ثلاثين رجل أمن دولة وعسكري وأمن مركزي، فقال لها: ألقيه في وسط هؤلاء، وهذا ذكاء شديد جداً من الشيخ، وإن كان في جانب الفقه لا يصح، ولكنه طرفة، فنذر المعصية حرام.
وجاء عند ابن الجوزي في أحد كتبه أن امرأة نذرت الزنا لو حصل لها ما تريد، فاستفتت ابن الجوزي في ذلك، وكان الواجب عليه أن يقول لها: يحرم عليك الوفاء بما نذرت؛ لأن هذا النذر في معصية، ولكنه أفتاها فتيا أخرى، وهو وإن كان فقيهاً إلا أنه جانبه الصواب في هذه الإجابة، فأفتاها بأن تظهر خصلة من شعرها؛ لأن المرأة إذا خرجت من بيتها متعطرة أو كاشفة شعرها فهي كذا وكذا، يعني: زانية، كما في رواية الترمذي، وهذا الجواب غير سليم، لكنه بيان لحقيقة الكثير من النساء، فالمرأة إذا خرجت متعطرة استشرفها الشيطان، وإذا خرجت متزينة أو متبرجة أو كاشفة شعرها أو شيئاً مما حرمه الله تعالى فالأمر كما قال ﵊ في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره: (فهي كذا وكذا، يعني: زانية).
واختلف أهل العلم من الذي قال: (يعني: زانية)، هل هو الراوي، أم النبي ﵊؟ والراجح أنه الراوي، وهو أبو هريرة ﵁.
قال: النذر للأموات حرام؛ لأنه ينذر للمخلوق، وهو لا يجوز؛ لأنه عبادة، ولا تكون إلا لله .
الوجه الثاني من أوجه الحرمة: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.
الوجه الثالث: أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فاعتقاد ذلك كفر، والعياذ بالله.
وأنتم تعلمون أن عامة الصوفية أو جل الصوفية يعتقدون أن الكون يحاط بأقطاب وأوتاد يتصرفون في الكون، بل يرفعون السيد البدوي حتى على الحسين، فهم يقرون أن الحسين صحابي، وأنه من نسل النبي ﵊، ولكن سر السيد البدوي عظيم أكثر من الحسين، وهذا مشاهد، وهم يقولون هذا، حتى أن سخفاءهم وسفهاءهم صنفوا الكتب ليثبتوا الكرامات لأنفسهم، ويقولون: لقد ذهبنا إلى قبر الحسين وإلى قبر البدوي، فلما سلمنا على البدوي أخرج يده من تحت القبر فسلم علينا ثم ردها، وهؤلاء يخاطبون جهلاء أجهل منهم، وأغبياء وحمقى.
وشخص آخر يعبد الشعراني من دون الله ، ويقول: أقسم بالله العظيم أنني شققت بالأرض طريقاً من بيتي إلى قبر الشعراني، وكلما ضربت الأرض خرج بحر من الدم.
ولو قرأت في كتاب طبقات الشعراني فإنك تجد في كل ترجمة ممن يترجم لهم خزي وعار من زنا ولواط وسرقة وغش وخداع، وما من ترجمة في هذا الكتاب إلا وفيها عار وشنار، ويستحي المرء أن يقول: إن هذا الكتاب من كتب أهل الإسلام.
ولا شك أن من نذر لهؤلاء فإنه يلزمه الكفارة والتوبة إلى الله .
والتصوف في المغرب أعتى من التصوف في مصر، بل أصل الانحراف والضلال إنما أتى من بلاد المغرب على يد الفاطميين، فتجد أن الواحد منهم ينذر قربة للأحياء، ولو أنه أوصل إلى الحي قربة لله لصح نذره، فلو قال: يا رب! لك علي ذبح شاة وسلخها وتوزيع لحمها، أو إعطاء لحمها لفلان إن عافيتني، لكان جائزاً؛ لأنه نذر أن يتقرب إلى الله، لا إلى هذا الحي، ولكنهم في المغرب يجعلون الحي محلاً للنذر، أما جعل الميت محلاً للنذر فهذا هو عمل المصريين في موسم الحج، وكذلك الإيرانيين، فمن وجب عليه هدي المتمتع أو القارن أو الفداء لمن فرط في واجب من واجبات الحج فعليه دم، وهذا الدم فداء لمن فرط في واجب من واجبات الحج للمتمتع أو القارن، فيقول أحدهم: لن أذبحه هنا
стр. 1973
حكم أكل الناذر من نذره، وكيفية تقسيم الأضحية
والناذر لا يأكل من نذره شيئاً، ولا من تلزمه كفالته وعيالته.
والمضحي يقسم أضحيته ثلاثة أثلاث: لنفسه ثلث، وثلث هدايا، والثلث الثالث للفقراء.
والعقيقة هي: ما يذبح عن المولود يوم سابعه، فللغلام شاتان وللجارية شاة، والعبرة فيها إراقة الدم، ولذلك بعض أهل العلم يقول: ولأب الولد أن يأكل عقيقته كلها؛ لأنه أراق الدم بنية العقيقة، والعبرة بإراقة الدم؛ لأنها نسك من الأنساك، ولكن جمهور أهل العلم على ما قال أبو الطيب في كتاب التحفة: وقد جرى عمل أهل الإسلام على اجتماع الناس في مثل هذه المناسبات.
فإذا ولد لك مولود فلا تذبح خروفين وتضعهما في الثلاجة وتأكل من اللحم شهرين، وإن كان هذا العمل جائزاً؛ لأن العبرة بالمقصد الأدنى في هذا بإراقة الدم، وقد أريق.
стр. 1974
مسائل متفرقة في النذر
ولو أنه نذر أن يتصدق على أهل بلد معين، أو في مكان معين لزمه ذلك، ولو نذر أن يصلي في مسجد معين ركعتين لله لم يلزمه إذا كان في هذا المسجد قبر أو ضريح؛ لأن الصلاة في هذه المساجد لا تصح.
وإذا نذر أن يصلي في مسجد ليس فيه ضريح فعلى الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يلزمه ذلك، إلا أن ينذر أن يصلي في مسجد من المساجد الثلاثة ذات الشرف والفضل، وهي التي قال فيها ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)، أي: المسجد النبوي فيلزمه الوفاء بنذره في هذه الأماكن؛ لشرفها وفضلها، وزيادة ثواب الصلاة فيها على غيرها.
ومن نذر أن يطوف حول البدوي سبعاً أو سبعين لكان مشركاً، فالطواف لا يكون إلا حول الكعبة لمن استطاع، فإذا عجز عن الوفاء بالنذر في الطواف حول الكعبة أجزأه كفارة يمين.
ولو أن أحداً نذر لله أن يذبح شاة في مكان يعبد فيه صنم من دون الله ، كالأوثان أو الأصنام أو الصليب أو غير ذلك لم يلزمه ذلك؛ لأن هذا المكان مكان شركي، يعبد فيه الصليب من دون الله ، فالذبح في هذا المكان فيه شبهة التقرب إلى الصليب، لا إلى الله فإنه لا يلزمه الوفاء بالتزام المكان، ويلزمه أن يذبح في مكان آخر.
وفي السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أذبح كذا وكذا بمكان يذبح فيه أهل الجاهلية، فقال ﵊: لصنم؟ قالت: لا، قال: فأوف بنذرك).
وأهل الجاهلية كانوا يذبحون هناك؛ لصنم كانوا يعبدونه.
ويجوز للمسلم أن يذبح في نفس المكان الذي كان يذبح فيه الكافر؛ لأنه مكان مباح، يذبح فيه المسلم ويذبح فيه الكافر، وليس فيه أصنام ولا أوثان؛ فيجوز للمسلم أن يذبح فيه.
стр. 1975
باب الأمر بقضاء النذر
قال النووي: باب الأمر بقضاء النذر.
وهذا هو الباب الأول من كتاب النذر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح بن المهاجر -وهو المصري- قال: أخبرنا الليث -وهو ابن سعد المصري- وحدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا ليث عن ابن شهاب -وهو الزهري المدني- عن عبيد الله بن عبد الله -وهو ابن عتبة المسعودي - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (استفتى سعد بن عبادة ﵁ رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله ﷺ : فاقضه عنها)].
وأم سعد بن عبادة كان عليها نذر، وتوفيت قبل الوفاء بهذا النذر، والنذر ثلاثة أنواع، نذر بدني، ونذر مالي، ونذر بدني مالي، فالنذر البدني كالصلاة والصيام، والنذر المالي كالنذر بالتصدق بالمال، والنذر البدني المالي كالحج، ولم تبين الرواية نوع النذر الذي نذرته أم سعد بن عبادة، ولكن الإجابة كانت عامة، وإذا كان السؤال عاماً، أي: يقتضي العموم، والجواب بالإيجاب فإنه يدخل في هذا العموم كل أجزائه، وكذلك إذا كان الجواب عاماً في معرض جهالة أو سؤال مجهول، فقوله: (فاقضه)، هذا الضمير يعود على النذر، والجهالة في السؤال والجواب مع لفظ العموم في الجواب يدل على أن القضاء يشمل كل الأنواع، سواء كان النذر في المال، أو في البدن، أو في البدن والمال على السواء.
قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن ابن عيينة، وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي -وهو المصري- أخبرنا عبد الله بن وهب المصري، أخبرني يونس]، وهو الراوي الثالث مع مالك وابن عيينة، ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر -وهو الراوي الرابع، وهو ابن راشد المصري اليمني- وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل -وهو الراوي الخامس، وهو ابن داود التميمي الكوفي - كلهم عن الزهري عن الليث بن سعد بهذا الإسناد بمعنى الحديث].
стр. 1976
كلام النووي على حديث نذر أم سعد بن عبادة
قال النووي: باب الأمر بقضاء النذر.
وهذا هو الباب الأول من كتاب النذر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح بن المهاجر -وهو المصري- قال: أخبرنا الليث -وهو ابن سعد المصري- وحدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا ليث عن ابن شهاب -وهو الزهري المدني- عن عبيد الله بن عبد الله -وهو ابن عتبة المسعودي - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (استفتى سعد بن عبادة ﵁ رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله ﷺ : فاقضه عنها)].
وأم سعد بن عبادة كان عليها نذر، وتوفيت قبل الوفاء بهذا النذر، والنذر ثلاثة أنواع، نذر بدني، ونذر مالي، ونذر بدني مالي، فالنذر البدني كالصلاة والصيام، والنذر المالي كالنذر بالتصدق بالمال، والنذر البدني المالي كالحج، ولم تبين الرواية نوع النذر الذي نذرته أم سعد بن عبادة، ولكن الإجابة كانت عامة، وإذا كان السؤال عاماً، أي: يقتضي العموم، والجواب بالإيجاب فإنه يدخل في هذا العموم كل أجزائه، وكذلك إذا كان الجواب عاماً في معرض جهالة أو سؤال مجهول، فقوله: (فاقضه)، هذا الضمير يعود على النذر، والجهالة في السؤال والجواب مع لفظ العموم في الجواب يدل على أن القضاء يشمل كل الأنواع، سواء كان النذر في المال، أو في البدن، أو في البدن والمال على السواء.
قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن ابن عيينة، وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي -وهو المصري- أخبرنا عبد الله بن وهب المصري، أخبرني يونس]، وهو الراوي الثالث مع مالك وابن عيينة، ويونس هو ابن يزيد الأيلي.
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر -وهو الراوي الرابع، وهو ابن راشد المصري اليمني- وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل -وهو الراوي الخامس، وهو ابن داود التميمي الكوفي - كلهم عن الزهري عن الليث بن سعد بهذا الإسناد بمعنى الحديث].
стр. 1977
حكم الوفاء بالنذر إذا كان طاعة أو معصية أو مباحاً
قال النووي: (أجمع المسلمون على صحة النذر، ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة)، ودليله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه).
وهذا فعل أمر، ونذر الطاعة يخرج منه الحرام والمكروه، فهذا نذر حلال، ومحله الحلال من جهة الناذر والمنذور، كأن يكون المنذور ذبح شاة، فذبح الشاة حلال، بخلاف ما لو قال: لو أن الله تعالى شفى مريضي فله علي أن أذبح خنزيراً، فهذا لا يلزمه، فإما أن يكفر عن محل هذا النذر بذبح شاة مكان الخنزير؛ لأن الخنزير مثل الشاة، أو يكفر كفارة يمين.
قال: (أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزَم -الذي هو محل النذر- طاعة، وأما إذا نذر في معصية تتحقق له، أو تقرب إلى الله بمعصية وهي محل النذر فإنه لا يلزمه الوفاء، بل يلزمه الكفارة والتوبة.
فإن نذر معصية أو مباحاًَ، كدخول السوق مثلاً لم ينعقد نذره، ولا كفارة عليه عند مالك، وبه قال جمهور العلماء، وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين).
أي: أنه لو نذر نذراً لم يصادف محلاً فليس عليه شيء، فلو جاء شخص وقال: لله علي إن فعل بي كذا وكذا لأذبحن الشاة التي في بيتي، فلما ذهب إلى بيته وجد الشاة قد ماتت فهذا النذر لم يصادف محلاً؛ لأنه لما نذر ماتت الشاة دون أن يدري، ونذره وقع على شاة بعينها، وكان صادقاً في أن يتقرب بها إلى الله ، فلما أراد أن يوفي بالنذر وجد الشاة قد ماتت بغير إرادته، فلا يلزمه ذلك؛ لأن نذره انصب على شاة بعينها، بخلاف ما لو قال: لله علي إن فعل كذا لأتقربن إليه بشاة، فيجزئه أن يقدم شاة من بيته أو أي شاة غيرها.
قال: (فإذا نذر معصية أو مباحاً كدخول السوق لم ينعقد نذره)، أي: لم ينعقد نذره في جانب المعصية.
قال: (ولا كفارة عليه في نذر المباح).
وهذا عند الشافعية والجمهور، وأما الظاهرية والحنابلة فيقولون: في نذر المعصية ونذر المباح الذي لم يتمكن من فعله كفارة يمين.
وهذا أحوط.
стр. 1978
المبادرة بقضاء الحقوق الواجبة على الميت
وفي قوله ﵊ لـ سعد بن عبادة: (فاقضه عنها) دليل لقضاء الحقوق الواجبة على الميت على العموم: سواء كانت حقوقاً مالية، أو بدنية، أو مالية بدنية.
فأما الحقوق المالية فمجمع عليها، والحقوق التي يجب إخراجها من التركة قبل الميراث هي الديون، ودين الله تعالى أحق بالوفاء.
فلو نذر شخص في ماله نذراً فهذا حق لله يجب الوفاء به.
وأما الحقوق البدنية ففيها خلاف، كما تقدم في مواضع من هذا الكتاب، فلو أن ميتاً مات وعليه صيام النافلة فلا يلزم القضاء عنه على الراجح، ولو أن شخصاً صام الإثنين أو الخميس ثم ذهب لزيارة صاحبه وهو صائم فوجده يأكل أكلاً لذيذاً فجلس يأكل معه فقد قال النبي ﵊: (المتطوع أمير نفسه).
ثم إن الجمهور: على أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه متطوع، وهذا صيام تطوع ونافلة، والنبي ﵊ يقول: (المتطوع أمير نفسه)، يعني: هو الذي اختار الصيام لنفسه، فإذا كان يريد أن يواصل واصل، وإذا كان يريد أن يقطع الصيام قطعه، وجاء الحديث عند البخاري بلفظ: (إلا أن تطوع فهذا شيء لك).
ففرق بين الفرائض وبين التطوع، فمن جهة الوجوب والإلزام بعد الفرائض ليس عليك إلا أن تطوع، فهذا تطوع منك، والبعض يقول: المعنى: إلا أن تطوع فيجب عليك؛ لأنه قال: (هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع)، يعني التقدير: إلا أن تطوع فيجب عليك، فالقائلون بهذا الرأي قالوا: إلا أن يشرع في التطوع فيجب عليه، والقائلون بوجوب إعادة التطوع يشترطون التلبس والدخول في الطاعة.
وإذا أراد شخص أن يصلي سنة المغرب وهو متردد أيصلي أم لا؟ فإنه لا يأثم بذلك مع أن سنة المغرب سنة مؤكدة، فإذا عزم أن يصلي فقام وتوجه إلى القبلة ثم كبر، ولم يقرأ الفاتحة -لأنه يصلي سنة- لم تصح صلاته؛ لأنه بمجرد شروعه في النافلة قد أوجبها على نفسه من جهة العمل والإتمام، يعني: أوجب إتمامها وأداءها على نفسه، لا أنها في نفسها واجبة، ولكن وجوب الإتمام فيها كالفريضة.
ولو أن إنساناً ذهب ليحج حج نافلة قارناً فأهل من الميقات وساق الهدي معه ودخل مكة لم يجز له أن يتخلف متعمداً عن الوقوف بعرفات ويقول: أنا متنفل، بل يلزمه أداء الحج إلى آخره؛ لأنه قد تلبس به، وإن كان في أصله نافلة.
وفي المسألة مذاهب أخرى لا داعي لسردها، ولكن هذين أقوى المذاهب في المسألة.
قال: (ثم مذهب الشافعي وطائفة أن الحقوق المالية واجبة على الميت من زكاة وكفارة ونذر يجب قضاؤها، سواء أوصى بها أم لا).
وهذا مشروط بأن يترك مالاً يكفي للوفاء بهذا، وسواء أوصى بذلك أم لا؛ لأن هذا حق لله عليه، وحقوق الله مقدمة على حقوق العباد فيما يتعلق باستخراجها من التركة قبل توزيع الميراث، فإذا كان عليه زكاة مال وقد وجبت عليه ومات قبل أن يخرجها كأن تكون الزكاة وجبت عليه اليوم ومات بعد أسبوع مثلاً، ولكنه لم يكن قد أخرجها -والزكاة لا تجب إلا بالملك، أي: بملك النصاب، وحولان الحول، فمعنى قولنا: إنه قد وجبت عليه الزكاة يعني: أنه يملك- فهذا حق الله ، يجب على الورثة إخراج هذا المال أوصى أو لم يوص.
وبعض أهل العلم قال: لا يلزمهم ذلك إلا بوصية؛ وهذا مذهب مرجوح، والراجح أنه يلزمهم إخراج حق الله من كفارة يمين، أو نذر، أو زكاة مال من مال الميت أوصى أو لم يوص ما دام أنه ترك ما يفي بهذا النذر أو كفارة اليمين أو زكاة المال.
стр. 1979
اختلاف العلماء حول نذر أم سعد بن عبادة
قال: (قال القاضي عياض: واختلفوا في نذر أم سعد).
فقصة أم سعد بن عبادة ورد فيها أقوال كثيرة جداً، فقد قيل: إنها نذرت صوماً، وقيل: مالاً، وقيل: حجاً، وقيل: صلاة، وكل هذا ورد في ترجمتها في السير وغيرها، وهذا الحديث الذي بين أيدينا هو أحد هذه الأحاديث الواردة في قصة نذر أم سعد.
فبعض العلماء يقول: نذر أم سعد كان صياماً، ويستشهد بحديث الصيام، ولكن حديث الصيام الذي ورد في ترجمة أم سعد ليس فيه بيان أن هذا النذر كان في حال قوتها وصحتها، وهل أدته أم لا؟ فبعضهم حمل نذر أم سعد على الصيام، والبعض الثاني حمله على الحج، والبعض الثالث حمله على المال، ومنهم من حمله على غير ذلك.
وأقوى الأقوال في هذا أنه نذر مبهم، فيحمل على عموم ما يمكن النذر فيه.
وبعضهم قال في حديث سعد بن عبادة: (إن أمي نذرت أن تعتق، أفأعتق عنها؟ قال: فأعتق عنها).
والذين قالوا: إن نذر أم سعد كان مالياً لا يتعارض مع من قال: إنه كان عتقاً؛ لأن الرقيق والعبيد مال.
стр. 1980
حكم قضاء النذر عن الميت
قال النووي: (واعلم أن مذهبنا ومذهب الجمهور: أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مليء، أو كان مليئاً ولم يترك وفاء، وإنما يستحب ذلك)؛ لأن نفي الوجوب لا يلزم منه نفي الاستحباب، كما أن نفي الحرمة لا يلزم منه نفي الكراهة.
وهذا كلام الأصوليين.
ولو أن النذر استوعب المال كله فالغالب أنه لا يلزمه إلا في الثلث.
стр. 1981
حكم قضاء النذر غير المالي عن الميت
قال: (ولو كان النذر في غير المال كأن يكون في العبادة مثل الصيام فقد قال ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه).
ومذهب الجمهور: أن الأمر هنا للاستحباب.
ومذهب الظاهرية والحنابلة وبعض الشافعية: أن الأمر للوجوب والتعيين)، ومعنى التعيين: أنه يلزم منه العوض، فلا يوجد فيه كفارة، إلا إذا عجز الولي؛ لأن الذي عليه الصيام نفسه لو أنه عجز عن الصيام لنفسه لانتقل إلى البدل وهو الكفارة، وهي إطعام مسكين عن كل يوم، فإذا كان أولياء الميت كلهم ليس لديهم قدرة على الصيام فعليهم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، فإذا كانوا لا يملكون حتى قوت يومهم، وعجزوا عن الإطعام لم يلزمهم كفارة؛ لأن الكفارة وإن كانت واجبة إلا أن كل واجب في الإسلام يسقط بعدم القدرة عليه، وكذلك تسقط الكفارة إن لم يكن للميت من يصوم عنه، فالكفارة تسقط بعدم القدرة كمن عجز عن الوضوء وعن التيمم يلزمه أن يصلي فاقد الطهورين، وهذا أمر مقرر وأنتم تعلمونه.
وإذا كان ورثة أو أولياء الميت قادرين على الصوم، وكان على الميت صيام فرض أو صيام نذر، أي: الصيام الواجب، وأما صيام النافلة فلا يلزمهم؛ لأنه لا يلزم الميت أصلاً.
ولو مات شخص وعليه عشرة أيام من رمضان، وعنده خمسة أولاد، فصام كل منهم عنه عشرة أيام -أي: صاموا عنه خمسين يوماً، والذي على الميت عشرة أيام فقط- فالذي يجزئ عنه عشرة أيام فقط، وأما الأربعون يوماً الباقية لم تصادف محلاً.
ويجوز تقسيم الأيام على الأولاد، وصيامهم إياها جميعاً في يوم واحد، فلو قسمت العشرة أيام على الخمسة الأولاد فسيكون على كل واحد منهم يومان فقط، فلو صاموها جميعاً في يومين فصيامهم صحيح.
وقال بعض أهل العلم: لا بد من تقسيم العشرة أيام على عشرة أيام، أي: على عشرة نهارات، وهذا تحكم بغير دليل، وهم يستدلون على ما ذهبوا إليه بقول النبي ﷺ : (فليصم عنه وليه)، أي: ولي واحد، لأنه لم يقل: فليصم عنه أولياؤه، وهذه ظاهرية شديدة جداً، وهو كمن يكثر مثلاً من النهي عن الصلاة بين السواري، فإذا رأى في مسجد سارية واحدة لم ينه عن الصلاة بجانبها؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بين السواري وليس السارية الواحدة، فهو تحجر على ظاهر النص، في حين أن المقصود علة النص، وعلة النص هي عدم قطع الصف، وهذه العلة تتحقق في السارية والساريتين والثلاث، فلا يقولن أحد: الحديث نهى عن الصلاة بين السواري ولم ينه عن الصلاة بجانب السارية الواحدة.
وهذا مثل ابن حزم عندما قال: لو أن أحداً بال في الماء وهو واقف نجسه؛ لقوله ﵊: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)، وفي رواية: (في الماء الراكد)، يعني: الجاري، (ثم يغتسل فيه من الجنابة)، أي: أن العلة هي التنجيس، يقول ابن حزم: فلو أنه بال في قارورة أو في ركوة ثم صب البول في الماء فإنه لا يتنجس.
قال: لأنه لم يبل مباشرة في الماء، والحديث يفهم منه أن يبول في الماء، ولا يقال لغة لمن بال في زجاجة ثم ألقى البول في الماء الراكد أنه قد بال.
وهذا تحكم بغير برهان، وإنما هو وقوف عند ظاهر النص بغير النظر إلى العلة، ومن المعلوم قطعاً عند المسلمين أن الشرع إنما أتى لحكمة عظيمة جداً، وهذا قد غفل عن الحكمة من النص؛ لأنه فرق بين المتماثلين، وجمع بين النقيضين بغير دليل ولا برهان.
وهذا الفقه المخالف لما عليه جماهير علماء الأمة لا بد أن يطرح جانباً؛ والشيخ أحمد شاكر عليه رحمة الله لما تصدى لتحقيق كتاب المحلى لـ ابن حزم قال: ما أتعبني أحد قط في حياتي العلمية ما أتعبني ابن حزم؛ لأن له من المخالفات سواء الحديثية أو الفقهية الشيء الكثير، عليه رحمة الله.
ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير مالي، فلو قال الوارث: لن أصوم عن الميت؛ لأن الأمر الصادر إلينا بالصوم عنه أمر استحباب، والاستحباب لا إكراه فيه، ولا إجبار.
وقضاء الصوم عن الميت أولى، فإن امتنع الولي عن قضاء الصيام أجزأته الكفارة خلافاً للأولى، وبعضهم يمتنع عن الصيام عن الميت ويقول: أنا خرجت من رمضان متعباً، ولا أقدر على الصيام، فسأطعم عنه ثلاثين مسكيناً، أو حتى ثلاثمائة.
قال: (وإذا كان مالياً ولم يخلف تركة يستحب له ذلك، وهذا مذهب الجمهور) أي: أنه يستحب له أن يصوم عنه، ويستحب له كذلك أن يقضي عنه نذره إن كان مالياً ولم يكن للميت ما يقضى به هذا النذر، فإذا كان الوارث أو الولي عنده من المال ما يفي بنذر ميته فإنه لا يجب عليه القضاء عنه، وإنما يستحب في حقه.
قال: (وقال أهل الظاهر: بل يلزمه ذلك؛ لحديث سعد هذا.
ودليلنا: أن الوارث لم يلتزمه فلا يلزم)، وهذا الوارث إنما يلزمه الصوم إذا ألزم نفسه بذلك، ويلزمه قضاء الدين عن الميت إذا ألزم نفسه بذلك.
وهذا كله بصرف النظر عن وصية الميت، يعني: إذا كان ال
стр. 1982
الأسئلة
стр. 1983
حكم إعطاء النذر المالي لأبناء الناذر
السؤال
إذا نذر رجل أن يتصدق بمبلغ من المال ثم أعطاه لأبنائه، فهل يكون قد وفى بنذره؟
الجواب
لو نذر الناذر التصدق بمائة جنيه وكان له عشرة أولاد فأعطى كل واحد منهم عشرة جنيهات فهذا يعني أنه قد رجع إليه مرة أخرى، ولذلك إجماع أهل العلم أن محل النذر لا يكون للناذر ولا لمن يعول.
стр. 1984
خطورة القدح في العلماء وعاقبة ذلك
السؤال
أحد الإخوة يقدح في الشيخ ابن باز وفي العلامة محمد بن عبد الوهاب، بل ويقدح في المذهب الحنبلي، وهذا الشخص لا علم له إطلاقاً، ويبدو أنه سمع هذا القدح من بعض أهل البدع، فأرجو أن توجه نصيحة له، فهو الآن يسمعك، وأرجو ذكر كلمة ولو مختصرة في الدفاع عن هؤلاء العلماء؟
الجواب
هؤلاء العلماء ليسوا في حاجة إلى دفاعنا، فإنهم جبال شامخات، وهم ليسوا في حاجة إلى كلمة منا، وأحذر هذا الأخ أن تنزل عليه صاعقة من السماء فتجتاحه، أو أن الله تعالى يسلط عليه أقرب الناس إليه فيذله ذلاً.
وأذكر بهذه المناسبة أننا كنا في أثناء غزو العراق للكويت في أحد النوادي في شارع الهرم، وكان بعض إخواننا على خلاف مع الشيخ ابن باز فيما يتعلق بمسألة استقدام الكفار أو الأجانب إلى الجزيرة، ثم زاد استهزاء وسخرية وتهكماً على الشيخ ابن باز، وكان يلعب الكرة، فذهب مسرعاً إلى أقصى حد ليأتي بها بعد أن تهكم في الملعب على الشيخ ابن باز، فظل يجري حتى ارتطم بحائط النادي فوقع ميتاً في الحال، فأيقنت -وأنا موقن، ولا أزكي الشيخ على الله ﵀ أنه من أولياء الله ، وأنه من أهل العلم الأفذاذ، فقد ضرب في كل فن من فنون العلم بباع طويل.
وأذكر هذا الأخ وغيره ممن يقعون في أهل العلم بما أخرجه ابن عساكر عن كثير من أهل العلم: أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن تعرض لهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
وتصور أن رجلاً يمشي على الأرض وقلبه ميت بسبب وقيعته في أهل العلم، واعلم أن الأمر كما قال ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما: الغيبة والنميمة حرام في حق الكافر المسالم -وهو ضد المحارب- وهي أشد حرمة في حق المسلم، حتى إن كان ما تقوله فيه حقاً، وهي في أعظم درجات الحرمة إذا كانت في حق أهل العلم؛ لأنهم ليسوا كغيرهم من الناس، يعني: إن الوقيعة في المسلم العادي حرام، وأما الطعن والوقيعة في أعراض أهل العلم فهو باب عظيم من أبواب الصد عن سبيل الله ؛ لأن هؤلاء العلماء هم الدلالة بيننا وبين الله ، وهم الذين يبينون عن الله ، أي: يبلغوننا مراد الله تعالى من كلامه، ومراد رسوله ﵊ من كلامه، فهم الواسطة بيننا وبين فهم كلام ربنا وسنة نبينا ﵊، فإذا وقعت فيهم فمن الذي يبلغنا؟ ومن الذي يعلمنا؟ فالوقيعة في العلماء إنما هو قطع للصلة بين الأمة وبين علمائها، والقدح في العالم بكلمة واحدة تسقط هيبته والثقة به، فلا يتبعه أحد بسبب كلمة واحدة.
وقائل هذا الكلام من أجهل الناس، وغالباً ما يكون -وهذا أمر مطرد- جاهلاً لا يعرف أهل العلم ولا فضلهم، ولا معنى أن هذا عالم، ولا غير ذلك، فهو بعد أن جهل كل هذا هان عليه الوقيعة في أهل العلم وفي غيرهم.
فإذا كان يتعرض لأهل العلم بهذا الكلام القبيح فمن باب أولى أن يتعرض لعموم الأمة بالتكفير والتبديع والتفسيق، وهذا باب عظيم جداً من أبواب أهل البدع.
أسأل الله سبحانه أن يغفر لهذا الأخ، وأن يهديه ويهدينا الصراط المستقيم.
стр. 1985
الحكم على حديث: (توسلوا بجاهي)، وحديث: (لا تسيدوني في الصلاة)
السؤال
أرجو بيان درجة هذين الحديثين: الحديث الأول: (توسلوا بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم) والحديث الثاني: (لا تسيدوني في الصلاة).
الجواب
الحديث الأول موضوع، والحديث الثاني أكثر منه وضعاً، بل الصواب حتى من جهة اللغة أن يقول: (لا تسودوني)، وعلامة الوضع الخطأ اللغوي في الرواية.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 1986
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - مقدمة كتاب الأيمان
القسم هو تعظيم للمقسم به، ولا ينبغي للعبد صرف هذا التعظيم لغير الله ، حتى لو كان المقسم به ملكاً أو نبياً أو والداً، وقد شدد الشرع في هذه المسألة أيما تشديد، وأرشد من وقع في مخالفة هذا إلى قول لا إله إلا الله؛ تكفيراً عما فعله من القسم بغير الله، وإخلاص العبودية والتوحيد لله .
стр. 1987
تعريف اليمين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
نحييكم ونحيي هذه الوجوه الطبية المتوضئة الطاهرة، ونعرب عن شدة شوقنا إليكم.
ودرج أهل العلم على أن يقدموا كتاب الأيمان على كتاب النذور في التصنيف، إلا أن الإمام مسلماً قدم كتاب النذور قبل الأيمان.
والأيمان: جمع يمين، واليمين تطلق على اليد اليمنى المقابلة لليد اليسرى.
وأما في الشرع: فتطلق على الأمر الذي يحلف عليه الحالف ويؤكد عليه عزمه.
وبين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي ارتباط؛ لأن العرب كانت إذا أرادت أن تحلف على شيء أشارت باليمين إلى السماء؛ لتؤكد عزمها على صحة المحلوف عليه، فسمي الفعل باسم المصدر.
وقوله: (كتاب الأيمان) أي: الكتاب الذي يذكر فيه مسائل تتعلق بالأيمان.
стр. 1988
الصحيحان لم يستوعبا المسائل المتعلقة بالأيمان
والمعلوم أن كل كتاب من كتابي الصحيحين لا يشمل جميع الفرعيات المتعلقة بالباب، فلو رجعنا مثلاً إلى الكتاب السالف الذكر وهو كتاب النذور لوجدنا أن الإمام مسلماً ذكر بعض مسائل النذور؛ لأنه ذكر الروايات التي هي على شرطه فقط، وكذلك البخاري عليه رحمة الله لما صنف كتاب النذور ذكر المسائل المتعلقة بالروايات التي على شرطه كذلك.
ولو راجعت كتاب الأيمان أو كتاب النذور في أي كتاب من كتب الفقه خاصة الكتب الموسعة أو الموسوعات لوجدت زيادات عظيمة جداً وأدلة أخرى كثيرة من الكتاب والسنة لم ترد في الصحيحين أو في أحدهما.
ومرد ذلك إلى أن هذين الكتابين هما في الحديث لا في الفقه ابتداءً.
والأمر الثاني: أن كل واحد من أصحاب الصحيحين له شرط في الرواية في صحيحه، ولذلك فهو لا يدخل في صحيحه إلا ما كان على شرطه، ولذلك نجد أحاديث كثيرة جداً في النذر وأحكامه وكفارته وغير ذلك في سنن أبي داود أو في سنن الترمذي أو في مسند أحمد أو في موطأ مالك أو في غيرها ولا نجدها في الصحيحين؛ لأنها ليست على شرط البخاري ولا على شرط مسلم، ولذلك لا تجدها في هذين الكتابين.
ولا يعني هذا أن البخاري قصر أو أن مسلماً قصر، بل إنما التزم كل واحد منهما أن يروي ما صح عنده على شرطه، والإمام مسلم اشترط ذلك صراحة في صحيحه، والبخاري علم أنه اشترط بالاستقراء؛ لأن البخاري عليه رحمة الله لم يقل: أنا شرطي في صحيحي كيت وكيت وكيت، وإنما علم أن له شرطاً أسد وأشد وأقوى من شرط مسلم باستقراء أهل العلم الذين أتوا من بعده.
стр. 1989
باب النهي عن الحلف بغير الله
قال النووي ﵀: (باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى) أي: المعلوم أنه بغير الله وبغير أسمائه وصفاته؛ لأن أسماء الله تعالى لازمة لذاته، وصفات الله تعالى لازمة لذاته لا تنفك عنه.
والله ﵎ سمى نفسه بأسماء، وسماه كذلك رسوله الكريم ﵊ -بوحي من الله بأسماء، والله تعالى وصف نفسه بأوصاف هي لازمة لذاته، ووصفه رسوله ﵊ -بوحي من الله كذلك- بصفات كذلك، فيجوز للمسلم أن يحلف بالله وأسمائه وصفاته.
وقد شدد الحنابلة في النكير على من نادى الصفة كما لو قلت: يا علم الله! يا رحمة الله! يا فضل الله! يا لطف الله، وقال: إن هذا النداء شرك بالله ؛ لأنه نداء للصفة لا للموصوف، بخلاف ما لو قلت: وعزة الله، وجلال الله؛ فإن هذا قسم بالله بأحد أوصافه، فهذا جائز ومشروع، بخلاف الصورة الأولى، وهناك فرق كبير بين قولك: يا عزة الله، وبين قولك: يا عزيز، فأنت في قولك: يا عزيز تنادي الله بأحد أسمائه، أما في الصورة الأولى فإنك تنادي الصفة دون الموصوف.
стр. 1990
مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات في التفويض
والكلام ثابت لله ، والله ﵎ يتكلم بحرف وصوت كلاماً يليق بجلاله وكماله، والكلام الثابت لله يعتقد فيه ما يعتقد في أي صفة من صفات الله تعالى، سواءً صفات الذات أو صفات الأفعال، فنؤمن بها ولا نتعرض للخوض في كيفيتها؛ لأننا إذا جهلنا كيفية الذات فمن باب أولى أن نجهل كيفية الصفات، وعلينا أن نؤمن أن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف وسمى نفسه بأسماء، ولا نفوض معانيها، وإنما نفوض الكيفية، فمثلاً: لا نفوض معنى صفة العلم، وعلينا الإيمان يقينياً بأن الله تعالى ذو رحمة واسعة، وأنها وسعت كل شيء، ولكن لا يستطيع أحد أن يكيف رحمة الله، ولا أن يصف رحمة الله؛ لأن رحمة الله تعالى فوق كل إدراك للخلق.
وكذلك صفة الاستواء كما في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
فالاستواء صفة لله لا يحل لأحد أن يجحدها، ولكن القضية التي زلت فيها الأقدام اختلاف أهل البدع مع أهل السنة والجماعة في معنى الاستواء، فأهل البدع يقولون: الاستواء بمعنى الاستيلاء، وهذا تنقص لجلال الله من حيث أرادوا تنزيهه؛ لأن الاستيلاء يستلزم المدافعة، فمعنى قولنا: فلان استولى على الشيء الفلاني بمعنى أنه استلبه وأخذه ممن كان في يده سابقاً.
والعرش لم يكن لأحد قبل أن يستولي عليه الله ، ولم يكن هناك منازعة كتبت الغلبة لله فيها، ولو نظرنا في لسان العرب -أي: في كلام العرب ولهجاتهم ولغاتهم- لما وجدنا أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وإنما هو بمعنى العلو والارتفاع، فيكون تقدير الآية: الرحمن على العرش علا وارتفع، وهذا الكلام فضلاً عن تأييده للأدلة الشرعية فإن العقول السليمة والفطر النقية تقبله، وهو صفة من صفات الله .
بخلاف الأشاعرة والمعتزلة الذين قالوا بغير هذا القول، فقد قالوا: فوق العرش ملائكة كروبيون، ولا ندري إلى الآن ما معنى (كروبيون)، وفوق الملائكة (الكروبيون) الله ، وهو ينزل إلى السماء الدنيا، بل ينزل إلى الأرض، بل يدخل في جميع الأمكنة بذاته، هكذا يقولون، وهذا الكلام مخالف لعقيدة المسلمين.
وأما أهل السنة فيعتقدون أن الله تعالى مستو على العرش بذاته، وأنه ﵎ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله إذا انقضى ثلث الليل الآخر أو ثلثاه، وأن هذا لا يتنافى مع علوه واستوائه .
والبعض يقول: أنا لا أفهم كيف يكون الله في السماء مستو على عرشه وهو في نفس التوقيت في الأرض، أو في السماء الدنيا، وهذه الشبهة إنما دخلت عليه لأنه قاس نزول الله تعالى بنزول الإنسان، ولا يجوز أن يتوهم المسلم أن صفات الله كصفات أحد من خلقه، ولو انتفى عنا هذا التوهم، وأثبتنا لله تعالى ما أثبته لنفسه على المعنى اللائق به سبحانه لسلمت لنا كل صفة، وكل اسم من أسمائه .
وكذلك الكلام الذي بين دفتي المصحف، فلا يجوز لأحد أن يقسم أو أن يحلف يميناً على كتاب الله على أنه مجرد كتاب، بل يقسم يميناً على كتاب الله أو على المصحف على أنه كلام الله ، وأنه صفة من صفاته .
وما في المصحف كلام الله تكلمه بحرف وصوت، وأن الله تعالى لا يزال متكلماً، ولا يفنى كلامه ولا يبيد، فهو يتكلم حيث شاء ومتى شاء بما شاء، وكلامه لا ينتهي ، فهذا الذي بين أيدينا من كلام الله ، أنزله رب العزة ﵎ ليصلح العباد والمعاد إلى قيام الساعة.
ويجوز للإنسان أن يحلف بالمصحف أو على المصحف؛ لأنه صفة من صفات الله ، وهو كلامه الذي تكلم به بحرف وصوت.
والإمام مسلم لم يضع تبويبات لأحاديثه التي أودعها في الصحيح، فلم يبوب كتاب الأيمان، ولا باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، خلاف الإمام البخاري، فإنه هو الذي صنف الأبواب والكتب ووضع تراجم الأبواب في صحيحه، وأما صحيح مسلم فقد وضع أبوابه وكتبه كل من تعرض لشرحه، ولذلك تجد تبويبات الإمام النووي بخلاف تبويبات السيوطي، وبخلاف تبويبات السخاوي، وبخلاف تبويبات غيرهم، وقد شرح صحيح مسلم أكثر من مائة شارح، ولكل واحد منهم تبويبات تخصه باجتهاده، بخلاف الإمام البخاري فإنه هو الذي وضع تبويبات كتابه.
والإمام مسلم إنما سرد الأحاديث سرداً وراء بعضها، وقد قال في أول حديث حدثني فلان، ثم في الثاني والثالث: وحدثني فلان وحدثني فلان، وهكذا، ولذلك كان الأصل في أول هذا الكتاب وأول حديث في الباب أن يقول مسلم: حدثني فلان، لا وحدثني فلان؛ لأنه أول حديث في الكتاب وفي الباب، ولكن الإمام مسلماً زاد حرف الواو في قوله: وحدثني؛ لأنه معطوف على ما قبله، باعتبار أنه سرد الأحاديث كلها سرداً على نسق واحد، ولم يقسم هذا كتاب كذا، وهذا باب كذا، وإنما هذا التقسيم من صنع من شرح صحيحه.
стр. 1991
سبب فصل الإمام مسلم بين رواية أبي الطاهر ورواية حرملة بن يحيى
قال: [وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح -وهو المصري- حدثنا ابن وهب]، وهو أبو محمد عبد الله بن وهب المصري القرشي مولاهم، يعني: أنه مولى لقريش، وهو مصري، وهو فقيه ثقة حافظ عادل، وتولى القضاء في مصر في زمانه.
قال: [عن يونس]، وإذا روى ابن وهب عن يونس فـ يونس هو يونس بن يزيد الأيلي، ولو روى عن عمرو فهو عمرو بن الحارث المصري.
ثم وضع الإمام مسلم بعد يونس حرف ح، وهو اختصار لكلمة الحديث، كما لو أنك استشهدت بآية طويلة، فإنك تذكر طرف الآية الأول ثم تقول: الآية، يعني: كأنك أردت إكمال الآية، وإنما منعك من إكمال الآية علم المستمع لها، أو بمحل الشاهد فيها، فهو أراد بقوله هنا: ح، أي: الحديث بتمامه، أو أنها بمعنى اختصار الحديث، أو تحويل الإسناد، يعني: أن الإسناد إلى هنا سيتحول، ويبدأ إسناد جديد للإمام مسلم، وبعد حرف الحاء لابد أنك تجد حرف الواو.
قال: [وحدثني حرملة بن يحيى]، والقائل وحدثني مسلم، وليس يونس بن يزيد، وإنما هو مسلم ليبدأ إسناداً جديداً، فكأن حرملة بن يحيى التجيبي متابع لـ أبي الطاهر بن السرح، وكأن مسلماً أراد أن يقول: حدثني أبو الطاهر وحرملة، هذا التقدير، ولكنه لم يقل ذلك، لأن أبا الطاهر قال في الإسناد الأول: حدثنا ابن وهب، وأما حرملة بن يحيى التجيبي فقال: أخبرنا ابن وهب، ولا يزال أهل الحديث يفرقون بين أداة التحمل حدثنا، وأداة التحمل أخبرنا، وهما وإن كانت كل واحدة منهما تفيد السماع إلا أن إفادة السماع من حدثنا أقوى من أخبرنا، كما أن حدثنا تستخدم عند المحدثين في السماع مشافهة، بخلاف أخبرنا فإنها تستخدم عند المحدثين في السماع مشافهة وإجازة، فلما اختلف أسلوب التحمل ما كان يحل لـ مسلم أن يجمع بينهما، فهو بإمكانه أن يقول: حدثني فلان وفلان، ولكنه ليس بإمكانه أن يتصرف في رواية أبي الطاهر ورواية حرملة ويقول: حدثني فلان وفلان؛ لأن أبا الطاهر قال: حدثنا ابن وهب، وأما حرملة فقال: أخبرنا ابن وهب، وكان بإمكانه أن يقول هذا، ولكن هذا الأمر يطول؛ ولذلك ساقه على هذا النسق.
وحرملة بن يحيى هو المعروف بـ التجيبي بكسر الجيم، وهو مصري، وكنيته أبو محمد، نزيل دمياط.
قال: [أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس].
وفي الطريق الأول قال ابن وهب: عن يونس، وفي الطريق الثاني قال: أخبرني يونس.
عن ابن شهاب، وهو الإمام الكبير المعروف محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة، مشهور بـ الزهري أو ابن شهاب.
قال: [عن سالم بن عبد الله عن أبيه]، وسالم سيد من سادات التابعين وفقيه من فقهاء المدينة، وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهو يروي هنا عن أبيه عن جده، وما أسعد الرجل وهو يقول: عن أبي عن جدي، يعني: السلالة كلها سلالة علم ورواية، وهذا مثل عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد عن أبيه عن جده، وهذه سلسلة مصرية؛ لأن الليث بن سعد إمام مصر كلها، وهو فخر المصريين في زمانه، وكان سيداً من سادات العلماء، وهو شيخ الإمام الشافعي، وأحمد من باب أولى، فروى ولده شعيب عنه، وروى عبد الملك ولد عن أبيه، فـ عبد الملك يروي عن أبيه شعيب عن جده الليث بن سعد، وهذا شيء يفرح جداً، ولو أننا نظرنا إلى هذه النكتة فإنه ينبغي أن يحافظ كل منا على تربية ولده، خاصة في هذه الأيام التي اختلط فيها الحابل بالنابل، وانتشر فيها الشر حتى كان كالأصل في البلاد والعباد، والذي ينجي ولده من هذه النار المؤججة في هذه البلاد وغيرها وفي هذا الزمان عموماً فكأنه أخرجه من بين فكي أسد.
стр. 1992
شرح حديث: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)
قال: [عن سالم بن عبد الله عن أبيه -وهو عبد الله بن عمر - قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)].
وهذا الحديث له مناسبة، وهي أن النبي ﵊ كان في طريق مع ركب فتأخر عنهم، ثم أدركهم، وفيهم عمر يحلف بأبيه، فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وهذا النهي موجه إلى الأمة لثلاثة أدلة: الدليل الأول: عموم اللفظ، (إن الله ينهاكم)، وهو وإن كان موجهاً بالدرجة الأولى إلى الصحابة الذين كانوا معه في هذه الفترة على جهة الخصوص إلا أنه يعم الأمة كلها.
والدليل الثاني: قول الأصوليين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يعني: أن السبب الذي جعل النبي ﵊ يقول هذا القول هو أنه سمع عمر يحلف بأبيه، فلم يقل له: يا عمر! لا تحلف، وإنما قال: (إن الله ينهاكم)، أي ينهى عمر ومن مع عمر، والأمة كلها من بعد عمر إلى قيام الساعة، فالعبرة بعموم اللفظ الوارد في القضية، وليس بالسبب الذي لأجله قيل هذا اللفظ.
الدليل الثالث: أن هذا قول من النبي ﵊، والأصل في القول أنه تشريع للأمة، خاصة إذا فهم هذا من ظاهر الخطاب، وقوله ﷺ : (إن الله ينهاكم) يدل على هذا، أي: ينهاكم يا معشر المؤمنين! ويا معشر المؤمنات! أي: لا ينهى عمر فقط، وإنما ينهى عمر ومن معه من الأمة إلى قيام الساعة عن الحلف بالآباء.
وقد وردت روايات كثيرة جداً تنهى عن الحلف بالآباء، وعن الحلف باللات والعزى أو بالأصنام أو باليهودية والنصرانية، وعن قول القائل: أنا بريء من ملة الإسلام إن لم يكن كيت وكيت، وغير ذلك من الروايات التي أخذ منها أهل العلم عموم التحريم أو الكراهة، إلا إذا كان الحلف بالله وأسمائه وصفاته.
ووردت روايات تحض وتحث المسلم إذا أراد الحلف أن يحلف بالله وأسمائه وصفاته، فضلاً أن عمل الأمة من زمن النبي ﵊ إلى يومنا هذا على أن اليمين المنعقدة إنما هي إذا كانت بالله فرداً أو ثلاثاً، ومعنى: فرداً، يعني: أن يحلف بالله مرة واحدة، أو أن يحلف بالله ثلاثاً حتى يعقد اليمين عقداً، ويعلم خطورة الكذب فيه وأنه يمين غموس إذا كان كاذباً أو حنث في هذا اليمين.
قال: [قال عمر -أي: لما سمع قول النبي ﵊: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)].
(فوالله)، لم يقل: وأبي، أو تربة جدي، أو وقبر الحسين، أو غير ذلك، وإنما لما سمع النهي غيَّر يمينه وقال: [(فوالله ما حلفت بها -أي: بآبائي- منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكراً ولا آثراً)، يعني: لم يحلف قط بغير الله بعد أن سمع النهي في ذلك، ولا أنه نقل يمين غيره، وهذا معنى: (ولا آثراً)، أي: لا يروي كلاماً عن الآخرين فيه يمين بغير الله.
وهذا يدل على شدة التزام الصحابة واتباعهم لأوامره ﵊، وانتهائهم عن نواهيه.
قال: [وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي حدثني عقيل بن خالد]، وعُقيل بالتصغير، وجده عَقيل، فهو عُقيل بن خالد بن عَقيل الأموي، سكن المدينة ثم انتقل إلى الشام ثم استقر في مصر ومات بها، وإليه ينتهي هذا الإسناد ليبدأ إسناد جديد لـ مسلم من أول الأمر.
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم] وهو المعروف بـ إسحاق بن راهويْه، أو راهويَه.
قال: [وعبد بن حميد]، وعبد لقب، واسمه عبد الحميد، وقيل: بل عبد اسم، لكن الراجح أن عبداً لقب، واسمه عبد الحميد.
[قالا -أي: إسحاق وابن حميد - حدثنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليماني، إمام اليمن- قال: أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري تحول من البصرة وسكن صنعاء في اليمن- كلاهما عن الزهري]، وهذا الضمير يعود على معمر وعُقيل بن خالد فكلاهما يروي عن الزهري.
[بهذا الإسناد]، قوله: بهذا الإسناد فيه إشارة إلى السند السابق، الذي هو الزهري عن سالم عن عبد الله عن أبيه عمر، وكأنه أراد أن يقول هنا: كلاهما -أي: عُقيل ومعمر - عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر ب
стр. 1993
اعتبار المحدثين لكل طريق من طرق الحديث حديثاً مستقلاً
والمحدثون يعتبرون الطريق أو الوجه حديثاً، ويقولون: حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ليس حديثاً واحداً، وإنما سبعمائة حديث، مع أن الجميع يحفظه على أنه حديث واحد، أخرجه البخاري ومسلم، قالوا: لأن الذي رواه عن النبي ﷺ هو عمر، والذي رواه عن عمر هو علقمة بن وقاص الليثي، والذي رواه عن الليثي هو محمد بن إبراهيم التيمي، والذي رواه عن التيمي هو يحيى بن سعيد الأنصاري، والذي رواه عن الأنصاري سبعمائة نفس، وكل نفس عن الأنصاري عن التيمي عن الليثي عن عمر عن النبي ﵊ يعدونه حديثاً.
فالمحدثون يعتبرون أن كل وجه أو كل طريق أو كل إسناد يروى به الحديث حديث قائم بذاته، ويقولون: قد صح عن النبي ﵊ عشرة ملايين حديث، وآخر يقول: لا، بل هي مليوني حديث، ونحن لا يوجد بين أيدينا أحاديث صحيحة بلغت مائة ألف، وإنما هذه الملايين باعتبار الطرق والأسانيد والأوجه التي يروى بها كل حديث على حدة، فهم لا ينظرون إلى المتن وإنما ينظرون إلى السند، بخلاف الفقهاء الذين ينظرون إلى المتن ولا ينظرون إلى الإسناد، فتعدد الأسانيد لا يلزم الفقهاء، كما أن المحدثين في الغالب لا ينظرون إلى المتن، ولست أعني بذلك أنهم لا يعتنون بنقد المتون والروايات، بل هذا عمل المحدثين، وإنما لا ينظرون إلى المتن من جهة عد الروايات، وغالب اعتمادهم على الأسانيد والطرق والأوجه.
فهنا يقول: [غير أن في حديث عُقيل: (ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، ولا تكلمت بها)، ولم يقل: (ذاكراً ولا آثراً)].
وقوله: (وفي حديث عُقيل: ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها) لا يدل على أن عُقيلاً سمع النبي ﵊، وإنما التقدير: غير أن في حديث عُقيل عن الزهري عن سالم عن عبد الله عن عمر أنه قال: (ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها ولا تكلمت بها)، ولم يذكر عُقيل في طريقه قول عمر: (ذاكراً ولا آثراً).
стр. 1994
رواية ابن عمر لنهي النبي ﷺ عن الحلف بالآباء
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة]، وهو عبد الله بن إبراهيم بن أبي شيبة الكوفي، وهو إمام كبير، صاحب المصنف المعروف بمصنف ابن أبي شيبة.
قال: [وعمرو الناقد وزهير بن حرب -وهو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- قالوا -أي: هؤلاء الثلاثة، عمرو وأبو بكر وزهير - حدثنا سفيان بن عيينة -وهو الإمام الكبير أبو محمد - عن الزهري عن سالم عن أبيه].
ولو جمعنا هذا الإسناد إلى الأسانيد السابقة فسيكون مفترق الطرق من بعد ابن شهاب؛ لأن ابن شهاب في كل الأسانيد التي مضت موجود، ففي الإسناد الأول يروي يونس عن الزهري، وفي الإسناد الثاني يروي معمر وعُقيل عن الزهري، وفي هذا الإسناد يروي سفيان بن عيينة عن الزهري، فالرواة عن الزهري أربعة، وهذا الإسناد جعل الحديث عن ابن عمر، وهذه نكتة لطيفة جداً، فلو أردنا أن نكشف عن هذا الحديث في تحفة الأشراف للإمام المزي الذي يذكر فيه أسانيد الكتب الستة لوجدناه في مسند عمر بن الخطاب، وسنجد هذا الإسناد في مسند ولده عبد الله بن عمر؛ لأن عبد الله بن عمر في الإسناد الأول قال: سمعت عمر يقول: قال رسول الله ﷺ ، فهذا رواه عمر عن النبي ﵊، وفي هذا الإسناد قال: عن سالم عن أبيه - عبد الله بن عمر -قال: (سمع النبي ﷺ عمر يحلف بأبيه).
فجعله من كلام عبد الله بن عمر، ومن مسانيده.
قال: [بمثل رواية يونس ومعمر]، أي: بمثل رواية يونس في الإسناد الأول، ورواية معمر في الإسناد الثاني، مع أن رواية معمر جاءت في إسناد واحد مع رواية عُقيل، ولكنه ألف في هذه الرواية الثالثة بين الرواية الأولى والرواية الثانية.
قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد -وهو الثقفي من ثقيف- حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد - وحدثنا محمد بن رمح واللفظ له]، وكلمة واللفظ له يدل على أن هذا ليس سياق قتيبة بن سعيد، فالإمام مسلم له شيخان في هذا الحديث: الأول: قتيبة، والثاني: ابن رمح، ولكنه لما قال بعد ابن رمح: واللفظ له، أي: هذا السياق هو من رواية ابن رمح لا من رواية قتيبة، ولكنه ذكر قتيبة في هذا الموضع لأن روايته نحو رواية ابن رمح وليست مثلها تماماً، ولو كانت مثلها لم يكن لقوله (واللفظ له) معنى.
قال: [أخبرنا الليث عن نافع عن عبد الله]، ونافع هو المدني الفقيه، مولى عبد الله بن عمر، الإمام الكبير.
قال: [عن عبد الله عن رسول الله ﷺ : (أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب -أي: في جماعة وفوج في طريق- وعمر يحلف بأبيه، فناداهم -ولم يقل: فناداه- رسول الله ﷺ : ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله -أي: بالله أو بأسمائه وصفاته- أو ليصمت)]، وفي رواية: (أو ليسكت).
والمعنى واحد.
وأما قوله: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، فهذه كلها توكيدات، فـ (ألا) من أساليب التوكيد، و (إنَّ) من أساليب التوكيد، وكون هذا التحريم أو النهي من الله صورة من صور التوكيد.
وقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، ولم يقل: احلفوا بالله، وقال: (فمن كان)، أي: فمن اضطر للحلف فليكن يمينه بأسماء الله وصفاته.
стр. 1995
حكم اليمين
يقول العلماء: الأصل في اليمين الكراهة، حتى لا نتخذ الله تعالى وأسماءه وصفاته عرضة لأيماننا، وهذا قد ورد الإرشاد إليه في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي ﵊.
والأصل أن المسلم صادق في قوله وفي فعله وفيما أخبر عنه بغير أن يضطر إلى اليمين، ولكن الإنسان يضطر أحياناً إلى اليمين، والنبي ﵊ -وهو الصادق المصدوق- كان يحلف من غير أن يستحلف، والعلماء مجمعون على أن ذلك كان منه ﵊ لبيان أهمية المحلوف عليه، أو لتنبيه المستمع لليمين إلى عظم الأمر الذي يقسم عليه النبي ﵊، لكن كثرة الحلف مكروهة بلا شك.
وأحياناً يجب اليمين على المرء وجوباً شرعياً.
وبعض القضايا والجنايات والتهم يلزم فيها يمين، بل لا تبرأ ساحة المتهم إلا باليمين، والنبي ﵊ قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، وهناك قضايا كثيرة جداً في الحدود والجنايات يقضى فيها باليمين، فلا يأتي شخص وهو في قفص الاتهام وواقف في المحكمة أمام القاضي ويقول: الأصل في اليمين الكراهة، وأنا لا يمكن أن أحلف باليمين، ولا يحل له ذلك، بل يجب عليه أن يقسم، ولو كانت براءته متعلقة باليمين فلم يحلف فاتهم فقتل أو أعدم أو سجن أو غير ذلك فإنه يأثم بذلك، ولو قتل لعُد منتحراً.
وبعض الناس يتهم بسرقة بعض المال أو المتاع، ولا يكون مع القرائن والبينات محل اتهام إلا هو، فيأتي به صاحب الشيء المسروق ويقول له: يا فلان! قامت القرائن على أنك سارق هذا المال، وهذا عندنا ظن، وينتفي هذا الظن بيمينك، وإلا اضطررنا إلى الكلام على أنك السارق، فيقول: أنا لا أحلف على أشياء تافهة مثل هذه، وهذا الكلام لا ينفع؛ لأن هذا دين، ولو كان ديناراً واحداً، فإن اتهمت ذمتك به فإنه يلزمك على ذلك اليمين لتبرئة ساحتك، وعدم إطلاق الناس ألسنتهم في عرضك، فحتى لو دفعت لهم ألف جنيه أو ألفين والمسروق جنيهاً واحداً فلن يسلم عرضك من ألسنتهم، ولذلك يقال: من كان سبباً في اتهام الناس له فلا يلومن إلا نفسه، وجاء الشرع بحث المسلم على أن يبتعد عن مواطن الشبهات، حتى لو كانت الشبهة ليست مما يقطع بحرمتها، فالأصل في المسلم أن يبرئ دينه وعرضه من الوقيعة فيه، ومن ألسنة الناس أن تنطلق حداداً في عرضه.
وقوله: (فمن كان حالفاً) يعني: فمن اضطر إلى الحلف، أو من أراد أن يحلف، وهذا يدل على أن الأصل عدم الحلف، ولكن إذا اضطر إلى الحلف فليكن يمينه بالله .
والرجل منا الآن يقسم أيماناً مغلظة بالله وأسمائه التسعة والتسعين، ولو أنه علم من أسماء الله تعالى أكثر من ذلك لأقسم بها وكلها أيمان كاذبة، وهو يعرف أنه كاذب، ثم إذا امتحن في عزيز لديه قال: لا أقسم، وهذا كلام عظيم جداً في أن يتهاون المرء في أن يقسم بالله، يعني: إذا طلب منه اليمين كأنه يقول: جاء الفرج، وهذا مثل شخص تقول له: تحلف يميناً أنك لم تسرق؟ فيقول: نعم أحلف ألف يمين، فإذا قيل له: لا داعي أن تحلف، بل قل: امرأتي طالق إن كنت سرقت، فيقول لك: لا، لقد طلقت قبل ذلك مرتين، ويجعل الله تعالى أهون من فقدانه لامرأته، وهذا بلاء عظيم جداً، والأصل أن يفضل المرء أن يقطع إرباً ويرمى في النار ولا يقسم بالله العظيم كذباً إلا في مواطن أجازها الشرع للضرورات القصوى وستأتي معنا.
стр. 1996
ذكر طرق أخرى لحديث ابن عمر في النهي عن الحلف بالآباء
قال: [وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي، وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى (وهو القطان) عن عبيد الله]، ويحيى بن سعيد القطان يروي عن عبيد الله بن عمر العمري، وهذا الرجل له أخ اسمه عبد الله، وقلنا: عبيد الله المصغر هذا إمام وفقيه وثقة وجبل من جبال الحفظ.
والطريق الأول لهذا الحديث انتهى إلى عبد الله بن نمير، فـ محمد يروي عن أبيه عبد الله بن نمير، فالإسناد الأول انتهى عند عبد الله بن نمير والإسناد الثاني انتهى عند عبيد الله.
قال: [وحدثني بشر بن هلال -وهو أبو محمد الصواف النميري - قال: حدثنا عبد الوارث -وهو ابن سعيد بن ذكوان البصري - حدثنا أيوب]، وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري الإمام الجليل.
وهنا ينتهي هذا الإسناد، فهؤلاء ثلاثة انتهى إليهم الإسناد، وهم عبد الله بن نمير، وعبيد الله العمري، وأيوب السختياني.
قال: [وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - عن الوليد بن كثير] وهو المخزومي أبو محمد المدني ثم الكوفي، استقر في الكوفة، وهو إمام في المغازي، وهذا الرابع ممن ينتهي إليهم الإسناد.
قال: [وحدثنا ابن أبي عمر]، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة، أصله من عدن اليمن، انتقل من الجنوب إلى الشمال واستقر في مكة، وتتلمذ على يد سفيان بن عيينة.
قال: [حدثنا سفيان]، وإذا قال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان فهو ابن عيينة، وليس غيره؛ لأن سفيان بن عيينة مكي وابن أبي عمر عدني مكي، بخلاف سفيان الثوري فهو كوفي، وكان بعيداً عن لقاء ابن أبي عمر.
قال: [عن إسماعيل بن أمية]، وهو الأموي، وهذا الخامس ممن ينتهي إليهم الإسناد.
[ح وحدثنا ابن رافع -وهو محمد بن رافع - حدثنا ابن أبي فديك]، وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني أبو إسماعيل - قال: أخبرنا الضحاك وابن أبي ذئب]، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.
[وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم]، وهو عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد الخضرمي نسبة إلى قرية في اليمن تسمى خِضرم.
[كل هؤلاء عن نافع]، أي: هؤلاء الثمانية الذين عددناهم كلهم عن نافع.
[عن ابن عمر بمثل هذه القصة عن النبي ﷺ ]، أي: قصة أن النبي ﵊ لقي عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك.
وعندما آخذ روايات هذا الحديث الذي أمامي أقول إنه ثمانية أحاديث؛ لأن له ثمان طرق عن نافع عن ابن عمر.
стр. 1997
شرح حديث: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)
قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى -وهو أبو زكريا النسابوري - ويحيى بن أيوب وقتيبة -وهو ابن سعيد الثقفي - وعلي بن حجر]، وهؤلاء أربعة.
[قال يحيى -وهو يحيى بن يحيى النيسابوري -: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القارئ، والقارئ نسبة إلى القراءة والحرف في كتاب الله ، بخلاف القارِّي الذي هو عبد الرحمن القارِّي نسبة إلى قارة، وليس إلى القراءة.
قال: [عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر]، وعبد الله بن دينار هنا متابع لـ نافع، وليس متابعاً لـ سالم، فحديث سالم فيه ذكر عمر، وأما حديث نافع هذا وحديث عبد الله بن دينار فلا يوجد فيهما ذكر عمر، فـ عبد الله بن دينار متابع لـ نافع متابعة تامة.
والمتابعة التامة هي: أن يشترك راويان في شيخ واحد.
فهنا عبد الله بن دينار يروي عن عبد الله بن عمر، ونافع يروي كذلك عن عبد الله بن عمر، فشيخهما واحد، وهو عبد الله بن عمر.
قال: [قال رسول الله ﷺ : (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)].
فلو قال قائل: أنا سأحلف بأمي، أو بأختي، أو بقبر الحسين؛ لأن هذه الأشياء لست بمنهي عنها، والنهي إنما ورد عن الحلف بالآباء فنقول: قد ورد النهي عن ذلك في حديث: (لا تحلفوا إلا بالله).
وهذا يدل على أن جميع الأيمان بغير الله أيمان باطلة أو آثمة، يأثم صاحبها إذا تعمدها، ولا تنعقد يمينه، على خلاف بين أهل العلم في ذلك.
وقوله: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) هذه صيغة حصر وقصر، بما وإلا، وما وإلا عند البلاغيين من أساليب الحصر والقصر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وكقولنا: (لا إله إلا الله)، فهذا حصر للألوهية في الله ، وحصر للرسالة في محمد ﵊ في قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ))، فقوله هنا: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) هذا أسلوب حصر وقصر، فلا يجوز لك بحال أن تحلف إلا بالله.
[وكانت قريش تحلف بآبائها]، أي: سبب هذا الحديث أن قريشاً كانت تحلف بآبائها.
قال: [فقال: (لا تحلفوا بآبائكم)].
فعمم النهي، ثم أرشد إلى اليمين الجائز، وهو اليمين بالله .
стр. 1998
باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله
قال: [باب من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله]، أي: فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله.
والحلف القصد منه التعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لله وأسمائه وصفاته؛ لأن الحلف يدل على تعظيم المحلوف به، فإذا حلف بغير الله فيجب عليه أن يرجع إلى الذي يستحق التعظيم ويترك ما دونه، فيقول: لا إله إلا الله، وهذا يدل عليه قوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وهذا يدل على أن هذا كفر عملي أو شرك عملي، وليس هو الكفر المخرج من الملة، ولذلك لم يخرجه النبي ﵊ من الملة، ولم يحكم بكفره وردته عن الإسلام، ويلزمه ما يلزم المرتد إذا أراد العودة إلى الإسلام، كما أنه لم يأمره بالكفارة كذلك، يعني: بكفارة عينية، وإنما أمره فقط أن يقول: لا إله إلا الله، وهذا ليس من باب أن يدخل الإسلام من جديد، ولكن من باب رد التعظيم إلى الله .
قال: [حدثني أبو الطاهر -وهو أحمد عمرو بن السرح المصري - حدثنا ابن وهب عن يونس]، وابن وهب هو عبد الله، عن يونس بن يزيد الأيلي.
قال: [وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف]، وهو الزهري المدني، ابن الصحابي المعروف.
قال: [أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات)].
وأحرف اليمين ثلاثة: الباء والواو والتاء، فالباء كأن تقول: بالله، والواو كأن تقول: والله، والتاء كأن تقول: تالله، وهذه الحروف الثلاثة تسبق المقسم به.
[(فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)، وقوله: (تعال أقامرك) من القمار والميسر، مثل من يقول لآخر: تعال نلعب الشطرنج على عشرة جنيهات، فكأنه قال: تعال أقامرك، والقمار هو الميسر، فمن دعا صاحبه لأن يصنع معه ذلك وجب عليه أن يتصدق، واختلف أهل العلم بماذا يتصدق، فقال الإمام الخطابي: يتصدق بما قامر عليه.
ومذهب الجمهور -وهو الصحيح- أنه يتصدق بأي شيء يصدق عليه الصدقة، ولو بشق تمرة؛ وذلك لما جاء في الرواية التي ستأتي بعد هذه قال النبي ﷺ : (فليتصدق بشيء)، وهذا يدل على مطلق الصدقة بجميع الأشياء قلت أم كثرت، صغرت أم كبرت، ويتصدق لو قالها مازحاً.
стр. 1999
ترجمة سويد بن سعيد ورواية الإمام مسلم عنه
قال: [وحدثني سويد بن سعيد]، وهو أبو محمد الهروي، وكان ثقة فقيهاً في نفسه، ولكنه لما كبر سنه ورق عظمه وعمي صار يتلقن، يعني: كان إذا حدثه أحد برواية كان يقبلها ويرويها دون أن يمحص فيها، ولذلك روى المناكير والروايات غير المستقيمة، وقد أفحش القول فيه جداً ابن معين -وهو إمام الجرح والتعديل- وقال: لو كان معي سيف وفرس لغزوت سويد بن سعيد، يعني: لأجل أن يجلسه في البيت حتى يسكت ولا يروي أبداً، وهذا غلو في نظر ابن معين.
ورواية سويد بن سعيد عند مسلم ليست في الأصول، وإنما في المتابعات، وهذا أمر لا يعيب مسلماً قط، فإذا روى له مسلم فإنما روى له في المتابعات والشواهد، وأما في الأصول فلم يخرج له مسلم، وأيضاً فإن مسلماً احترز مما نسب إليه من اختلاط ولم يرو له إلا ما كان قبل إصابته بالعمى وفقد البصر، وقبل أن يتلقن سويد بن سعيد، فهو شيخ الإمام مسلم، ومسلم أدرى به وبروايته.
[حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي]، والوليد بن مسلم مدلس، وقد روى عن الأوزاعي بصيغة عن، والمدلس إذا قال: قال فلان أو عن فلان؛ كانوا يتوقفون في روايته، لكن مسلماً روى له مع هذه العلل في المتابعات، بدليل أنه ساق الرواية من طريق آخر.
стр. 2000
مقدار الصدقة في كفارة من دعا صاحبه إلى قمار
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري]، وكلاهما تعود على الأوزاعي ومعمر، فـ الأوزاعي في نهاية الطريق الأول، ومعمر في نهاية الطريق الثاني.
[كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد]، أي: عن الزهري عن نافع عن ابن عمر.
[وحديث معمر مثل حديث يونس، غير أنه قال: (فليتصدق بشيء)]، ولم يقل: (فليتصدق)، وإنما قال: (فليتصدق بشيء)، وهذا يدل على أن الصدقة بأي شيء تجزئه حتى وإن كان قليلاً.
[وفي حديث الأوزاعي: (من حلف باللات والعزى)] وفي الإسناد الأول: (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله)، والعلماء يقولون: حتى من حلف بالعزى قياساً على اللات، ولأنه منكر من القول وزور، فكل من أقسم بغير الله حتى وإن أقسم بنبي مرسل أو ملك مقرب يجب عليه الكفارة، وهي قول: لا إله إلا الله.
следующие страницы →