Полный текст (2 103 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
ذكر طرق أخرى لحديث ابن عمر في النهي عن الحلف بالآباء
قال: [وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي، وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى (وهو القطان) عن عبيد الله]، ويحيى بن سعيد القطان يروي عن عبيد الله بن عمر العمري، وهذا الرجل له أخ اسمه عبد الله، وقلنا: عبيد الله المصغر هذا إمام وفقيه وثقة وجبل من جبال الحفظ.
والطريق الأول لهذا الحديث انتهى إلى عبد الله بن نمير، فـ محمد يروي عن أبيه عبد الله بن نمير، فالإسناد الأول انتهى عند عبد الله بن نمير والإسناد الثاني انتهى عند عبيد الله.
قال: [وحدثني بشر بن هلال -وهو أبو محمد الصواف النميري - قال: حدثنا عبد الوارث -وهو ابن سعيد بن ذكوان البصري - حدثنا أيوب]، وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري الإمام الجليل.
وهنا ينتهي هذا الإسناد، فهؤلاء ثلاثة انتهى إليهم الإسناد، وهم عبد الله بن نمير، وعبيد الله العمري، وأيوب السختياني.
قال: [وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني - حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - عن الوليد بن كثير] وهو المخزومي أبو محمد المدني ثم الكوفي، استقر في الكوفة، وهو إمام في المغازي، وهذا الرابع ممن ينتهي إليهم الإسناد.
قال: [وحدثنا ابن أبي عمر]، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة، أصله من عدن اليمن، انتقل من الجنوب إلى الشمال واستقر في مكة، وتتلمذ على يد سفيان بن عيينة.
قال: [حدثنا سفيان]، وإذا قال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان فهو ابن عيينة، وليس غيره؛ لأن سفيان بن عيينة مكي وابن أبي عمر عدني مكي، بخلاف سفيان الثوري فهو كوفي، وكان بعيداً عن لقاء ابن أبي عمر.
قال: [عن إسماعيل بن أمية]، وهو الأموي، وهذا الخامس ممن ينتهي إليهم الإسناد.
[ح وحدثنا ابن رافع -وهو محمد بن رافع - حدثنا ابن أبي فديك]، وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني أبو إسماعيل - قال: أخبرنا الضحاك وابن أبي ذئب]، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.
[وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن رافع عن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عبد الكريم]، وهو عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد الخضرمي نسبة إلى قرية في اليمن تسمى خِضرم.
[كل هؤلاء عن نافع]، أي: هؤلاء الثمانية الذين عددناهم كلهم عن نافع.
[عن ابن عمر بمثل هذه القصة عن النبي ﷺ ]، أي: قصة أن النبي ﵊ لقي عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك.
وعندما آخذ روايات هذا الحديث الذي أمامي أقول إنه ثمانية أحاديث؛ لأن له ثمان طرق عن نافع عن ابن عمر.
стр. 1997
شرح حديث: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)
قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى -وهو أبو زكريا النسابوري - ويحيى بن أيوب وقتيبة -وهو ابن سعيد الثقفي - وعلي بن حجر]، وهؤلاء أربعة.
[قال يحيى -وهو يحيى بن يحيى النيسابوري -: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر ابن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القارئ، والقارئ نسبة إلى القراءة والحرف في كتاب الله ، بخلاف القارِّي الذي هو عبد الرحمن القارِّي نسبة إلى قارة، وليس إلى القراءة.
قال: [عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر]، وعبد الله بن دينار هنا متابع لـ نافع، وليس متابعاً لـ سالم، فحديث سالم فيه ذكر عمر، وأما حديث نافع هذا وحديث عبد الله بن دينار فلا يوجد فيهما ذكر عمر، فـ عبد الله بن دينار متابع لـ نافع متابعة تامة.
والمتابعة التامة هي: أن يشترك راويان في شيخ واحد.
فهنا عبد الله بن دينار يروي عن عبد الله بن عمر، ونافع يروي كذلك عن عبد الله بن عمر، فشيخهما واحد، وهو عبد الله بن عمر.
قال: [قال رسول الله ﷺ : (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)].
فلو قال قائل: أنا سأحلف بأمي، أو بأختي، أو بقبر الحسين؛ لأن هذه الأشياء لست بمنهي عنها، والنهي إنما ورد عن الحلف بالآباء فنقول: قد ورد النهي عن ذلك في حديث: (لا تحلفوا إلا بالله).
وهذا يدل على أن جميع الأيمان بغير الله أيمان باطلة أو آثمة، يأثم صاحبها إذا تعمدها، ولا تنعقد يمينه، على خلاف بين أهل العلم في ذلك.
وقوله: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) هذه صيغة حصر وقصر، بما وإلا، وما وإلا عند البلاغيين من أساليب الحصر والقصر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وكقولنا: (لا إله إلا الله)، فهذا حصر للألوهية في الله ، وحصر للرسالة في محمد ﵊ في قوله تعالى: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ))، فقوله هنا: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) هذا أسلوب حصر وقصر، فلا يجوز لك بحال أن تحلف إلا بالله.
[وكانت قريش تحلف بآبائها]، أي: سبب هذا الحديث أن قريشاً كانت تحلف بآبائها.
قال: [فقال: (لا تحلفوا بآبائكم)].
فعمم النهي، ثم أرشد إلى اليمين الجائز، وهو اليمين بالله .
стр. 1998
باب من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله
قال: [باب من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله]، أي: فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله.
والحلف القصد منه التعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لله وأسمائه وصفاته؛ لأن الحلف يدل على تعظيم المحلوف به، فإذا حلف بغير الله فيجب عليه أن يرجع إلى الذي يستحق التعظيم ويترك ما دونه، فيقول: لا إله إلا الله، وهذا يدل عليه قوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وهذا يدل على أن هذا كفر عملي أو شرك عملي، وليس هو الكفر المخرج من الملة، ولذلك لم يخرجه النبي ﵊ من الملة، ولم يحكم بكفره وردته عن الإسلام، ويلزمه ما يلزم المرتد إذا أراد العودة إلى الإسلام، كما أنه لم يأمره بالكفارة كذلك، يعني: بكفارة عينية، وإنما أمره فقط أن يقول: لا إله إلا الله، وهذا ليس من باب أن يدخل الإسلام من جديد، ولكن من باب رد التعظيم إلى الله .
قال: [حدثني أبو الطاهر -وهو أحمد عمرو بن السرح المصري - حدثنا ابن وهب عن يونس]، وابن وهب هو عبد الله، عن يونس بن يزيد الأيلي.
قال: [وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف]، وهو الزهري المدني، ابن الصحابي المعروف.
قال: [أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات)].
وأحرف اليمين ثلاثة: الباء والواو والتاء، فالباء كأن تقول: بالله، والواو كأن تقول: والله، والتاء كأن تقول: تالله، وهذه الحروف الثلاثة تسبق المقسم به.
[(فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)، وقوله: (تعال أقامرك) من القمار والميسر، مثل من يقول لآخر: تعال نلعب الشطرنج على عشرة جنيهات، فكأنه قال: تعال أقامرك، والقمار هو الميسر، فمن دعا صاحبه لأن يصنع معه ذلك وجب عليه أن يتصدق، واختلف أهل العلم بماذا يتصدق، فقال الإمام الخطابي: يتصدق بما قامر عليه.
ومذهب الجمهور -وهو الصحيح- أنه يتصدق بأي شيء يصدق عليه الصدقة، ولو بشق تمرة؛ وذلك لما جاء في الرواية التي ستأتي بعد هذه قال النبي ﷺ : (فليتصدق بشيء)، وهذا يدل على مطلق الصدقة بجميع الأشياء قلت أم كثرت، صغرت أم كبرت، ويتصدق لو قالها مازحاً.
стр. 1999
ترجمة سويد بن سعيد ورواية الإمام مسلم عنه
قال: [وحدثني سويد بن سعيد]، وهو أبو محمد الهروي، وكان ثقة فقيهاً في نفسه، ولكنه لما كبر سنه ورق عظمه وعمي صار يتلقن، يعني: كان إذا حدثه أحد برواية كان يقبلها ويرويها دون أن يمحص فيها، ولذلك روى المناكير والروايات غير المستقيمة، وقد أفحش القول فيه جداً ابن معين -وهو إمام الجرح والتعديل- وقال: لو كان معي سيف وفرس لغزوت سويد بن سعيد، يعني: لأجل أن يجلسه في البيت حتى يسكت ولا يروي أبداً، وهذا غلو في نظر ابن معين.
ورواية سويد بن سعيد عند مسلم ليست في الأصول، وإنما في المتابعات، وهذا أمر لا يعيب مسلماً قط، فإذا روى له مسلم فإنما روى له في المتابعات والشواهد، وأما في الأصول فلم يخرج له مسلم، وأيضاً فإن مسلماً احترز مما نسب إليه من اختلاط ولم يرو له إلا ما كان قبل إصابته بالعمى وفقد البصر، وقبل أن يتلقن سويد بن سعيد، فهو شيخ الإمام مسلم، ومسلم أدرى به وبروايته.
[حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي]، والوليد بن مسلم مدلس، وقد روى عن الأوزاعي بصيغة عن، والمدلس إذا قال: قال فلان أو عن فلان؛ كانوا يتوقفون في روايته، لكن مسلماً روى له مع هذه العلل في المتابعات، بدليل أنه ساق الرواية من طريق آخر.
стр. 2000
مقدار الصدقة في كفارة من دعا صاحبه إلى قمار
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري]، وكلاهما تعود على الأوزاعي ومعمر، فـ الأوزاعي في نهاية الطريق الأول، ومعمر في نهاية الطريق الثاني.
[كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد]، أي: عن الزهري عن نافع عن ابن عمر.
[وحديث معمر مثل حديث يونس، غير أنه قال: (فليتصدق بشيء)]، ولم يقل: (فليتصدق)، وإنما قال: (فليتصدق بشيء)، وهذا يدل على أن الصدقة بأي شيء تجزئه حتى وإن كان قليلاً.
[وفي حديث الأوزاعي: (من حلف باللات والعزى)] وفي الإسناد الأول: (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله)، والعلماء يقولون: حتى من حلف بالعزى قياساً على اللات، ولأنه منكر من القول وزور، فكل من أقسم بغير الله حتى وإن أقسم بنبي مرسل أو ملك مقرب يجب عليه الكفارة، وهي قول: لا إله إلا الله.
стр. 2001
عدد الأحاديث التي انفرد الزهري بروايتها
[قال أبو الحسين مسلم]، وهو صاحب الصحيح، وهو أبو الحسين القشيري النيسابوري مسلم بن الحجاج.
[هذا الحرف] يعني: قوله: تعال أقامرك فليتصدق]، يقصد هذه الجملة وسماها حرفاً، وأحياناً يطلق الحرف على الحديث كله حتى وإن كان عدة صفحات، وهذا الكلام ليس بعيداً عن لسان العرب، والعرب تقول للجملة المفيدة: كلمة، والكلمة تطلق على الاسم والفعل والحرف، والعرب تستخدمها في الجملة المفيدة، وتستخدمها في الكلمة والمحاضرة الطويلة، وتستخدمها في الرسالة المرسلة إلى هنا أو هناك، وقد يقول شخص: ألقى أخي كلمة في ساعتين، وسماها مع ذلك كلمة، وهذا الكلام مقبول في لسان العرب.
[لا يرويه أحد غير الزهري، قال: وللزهري نحو من تسعين حديثاً]، ولو قال: حرفاً لكان صادقاً.
[يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد]، وجياد جمع جيد، يعني: أنه انفرد برواية حوالي تسعين حديثاً في الصحيح، ومدارها عليه هو، أي: لم تأت هذه الأحاديث إلا من طريقه، وهذا يذكرنا بكلام أبي حاتم بن حبان عندما قال: إن الحديث العزيز هو الذي روي من طريقين ولو في طبقة واحدة من طبقاته.
ثم زاد وقال: وهذا شرط الصحيح.
وهذا الكلام خطأ ومردود على ابن حبان، بدليل: أن الزهري له في الصحيحين أكثر من تسعين حديثاً لم تأت إلا من طريقه هو، لا في الصحيح ولا في غيره، وهي من باب الغريب.
стр. 2002
تعريف الحديث الغريب والعزيز والمشهور
الغريب هو: ما رواه راو واحد ولو في طبقة واحدة من طبقات السند.
والعزيز هو: ما رواه اثنان ولو في طبقة واحدة من طبقات السند.
والمشهور هو: ما رواه ثلاثة ولو في طبقة واحدة من طبقات السند أو أكثر من ذلك ما لم يبلغ حد التواتر.
والمشهور والعزيز والغريب من أقسام الآحاد، وزاد الأحناف المستفيض، وقيل: المستفيض هو المشهور.
وهذا الكلام قد ذكرناه قبل هذا الدرس، ولا أريد أن أعيده، ولا أريد أن نكون مثل الأستاذ الذي كان يحفظ الأولاد جزء عم، حتى إذا وصل إلى سورة النبأ أتى واحد وجلس في الحلقة، فرأى الأستاذ أنه لأجل فلان لابد أن يعيد من الأول، وبهذه الطريقة يبقى الأولاد في جزء عم حتى يدركهم الموت؛ لأنه كلما وصل الأولاد إلى سورة النبأ يرجع الأستاذ من الأول لأجل الجديد، مع أنه لا يأتي إلا مرة واحدة، على سبيل الخطأ، ولو أتى واستمع قبل أن يجلس فلربما لا يجلس، لكن من أجل إكرام الضيف يبدأ من جديد، ويظل الأستاذ على هذه الحالة من الرجوع إلى الأول إلى ما لا نهاية.
وهذا منهج خاطئ في التربية وفي التعليم، فمن أجل أن تفهم لابد أن تدرس علم المصطلح دراسة أصولية منظمة، بحيث ترتق درجة درجة حتى تصل إلى الآحاد بأقسامه والمتواتر، وغير ذلك من مسائل المصطلح.
стр. 2003
شرح حديث عبد الرحمن بن سمرة في النهي عن الحلف بالطواغيت أو الآباء
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة]، وعبد الرحمن بن سمرة صحابي معروف، والحسن البصري يروي عنه، وهو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، وهشام الذي يروي عن الحسن هو هشام بن حسان الأزدي.
قال: [قال رسول الله ﷺ : (لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)].
وهذا الحديث مثل الحديث السابق في النهي عن الحلف باللات والعزى، يعني: لا تحلفوا باللات ولا بالعزى ولا بالطواغي ولا بآبائكم، فكل هذه منهيات، والشاهد: أن كل ما دون أسماء الله وصفاته منهي أن نحلف به.
قال أهل اللغة: الطواغي هي الأصنام، واحدها طاغية، بخلاف الطواغيت واحدها طاغوت، ومنه: هذه طاغية دوس، أي: صنمهم ومعبودهم، وسمي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته؛ لأنه سبب طغيانهم وكفرهم، وكل ما جاوز الحد يقال: طغى، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة:١١]، أي: لما فاض وتجاوز الحد بالطغيان والثوران والسيلان، ومنه قول النبي ﷺ : (لا تحلفوا بالطواغيت)، وهو جمع طاغوت، وهو الصنم أو الشيطان، أو هو كل ما تجاوز الحد راضياً بذلك، فيقال له: طاغوت، ولذلك قال الله تعالى: ﴿واجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر:١٧].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠].
стр. 2004
الأسباب التي أدت بالعرب إلى عبادة الأصنام
قال الإمام ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس في السبب الذي حمل العرب على عبادة الأصنام: قال هشام الكلبي: حدثني أبي أن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة ولد له أولاد كثير، حتى ملئوا مكة وضاقت عليهم ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً وانتشروا في البلاد لطلب المعاش، وكان لا يذهب أحد إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم؛ تعظيماً للحرم وصبابة بمكة، فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالبيت حباً للبيت وصبابة به، ثم عبدوا ما استحسنوه ونسوا ما كانوا عليه من دين إبراهيم وإسماعيل ﵉، واستبدلوا به غيره، وعبدوا الأصنام، واستخرجوا ما كان يعبد قوم نوح ﵇ وصاروا إلى ما كان عليه الأمم من قبلهم، ومع ذلك فيهم بقايا من شريعة إبراهيم وإسماعيل يتمسكون بها، من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف بعرفة، إلى غير ذلك.
ثم يقول: أول من بدل دين إبراهيم ﵇ عمرو بن لحي.
стр. 2005
اتخاذ العرب لمناة
يقول: وبهذا السبب اتخذت العرب الأصنام، فأول صنم وأقدم صنم اتخذه العرب هو مناة، قال: وكان منصوباً على ساحل البحر بين مكة والمدينة، وكانت العرب كلهم يعظمونه ويذبحون له، ولم يكن أحد أشد إعظاماً له من الأوس والخزرج.
أي: لأنه أول صنم، فكان محل إعظام وتقدير وعبادة جميع العرب، وكان أشد الناس عبادة لهذا الصنم الأوس والخزرج في يثرب في المدينة المنورة، كما قال ابن هشام: كان الأوس والخزرج ومن جاورهم -يعني: العرب- من أهل يثرب وغيرها يحجون ويقفون المواقف كلها، لكنهم لا يحلقون رءوسهم إلا إذا نفروا نفروا إلى مناة فحلقوا عندها، وكانوا لا يرون لحج تماماً إلا بذلك.
فبعث رسول الله ﷺ عام الفتح علي بن أبي طالب ﵁ فهدمها، أي: فهدم هذا الصنم.
стр. 2006
اتخاذ العرب للات
ثم اللات وكانت إله العرب بالطائف، والطائف بجوار مكة، وتبعد عنها شيئاً يسيراً حوالي سبعين كيلو أو يقل قليلاً، فقد اتخذ أهل الطائف اللات، وهي أحدث من مناة، فقال أهل الطائف وهم ثقيف: ما دام أن الأوس والخزرج اتخذوا لهم مناة إلهاً فنحن نتخذ لنا اللات إلهاً بجوارنا، حتى يكون إلههم وصنمهم بينهم، ولا يأتون إلى قرب المدينة أو قرب يثرب في ذلك الوقت، وكانت اللات عبارة عن صخرة مربعة بنوا عليها بيتاً، وكان سدنتها من ثقيف، والسدنة هم الخدم، مثل سدنة الحسين وسدنة البدوي، فهؤلاء سدنة لهذه الأوثان؛ لأن هذه أصنام أو أوثان وليست قبوراً، والنبي ﷺ يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد).
وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، أي: تعظم اللات، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، أي: دخل أهل الطائف في الإسلام، فبعث النبي ﵊ المغيرة بن شعبة فهدمها بل حرقها بالنار.
وبعضهم يقول: اللات ليست حجارة، وإنما هو رجل كان يلت العجين والسويق للحجيج، وهذا على قراءة من قرأ: (اللاتَّ) بالتشديد، وهو اسم فاعل ممن يلت العجين لتاً ويصنعه خبزاً للقادمين في مواسم الحج والعمرة.
قالوا: وكان هذا رجلاً من العرب يلت السويق والعجين ويقدمه للحجيج، فلما مات صوروا له تصاوير، ثم عظموه، فلما تقادم العهد أتى الأحفاد ثم أحفادهم فعبدوا هذا الرجل.
стр. 2007
اتخاذ العرب للعزى
وأما العزى فهي أحدث من اللات، ويقال: سموه اللات اشتقاقاً من اسم الله (الله)، وسموا العزى اشتقاقاً من اسم الله (العزيز).
وكانت بواد يسمى وادي نخلة، فوق ذات عرق، وذات عرق هي ميقات أهل العراق ومن مر بها من غير أهلها، وكانوا يسمعون منها الصوت، وقد قال أبو سفيان يوم أحد وهو يحارب النبي ﵊ لما كان مشركاً: لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال النبي ﵊: (ردوا عليه، قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)، وهذا هو التوحيد في مقابلة الشرك.
وقد جاء من حديث ابن عباس عند النسائي وأبي يعلى والبيهقي في الدلائل وأبي نعيم من طريق أبي الطفيل قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة)، أي: إلى وادي نخلة، وكان في الجهة اليسرى، فأتاها خالد بن الوليد وكانت على ثلاث سمرات، يعني: على ثلاث شجرات، السمرة هي الشجرة، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﵊ فأخبره أنه قطع الأشجار الثلاث، فقال: ارجع فإنك لم تقطع شيئاً، أي: لم تقتل العزى بعد، فرجع خالد، فلما نظرت إليه السدنة أمعنوا في الجبل، يعني: دخلوا في الجبل، وعلموا أنه أتى من عند من يأتيه خبر السماء، وأنه لم يقتل العزى بعد، فانطلقوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى! خبليه، وإلا فموتي رغم أنفك، يعني: إذا كنت إلهاً حقاً فخبليه، يعني: اجعليه مخبولاً مجنوناً، أو على الأقل اجرحيه، وشجيه، أو اكسري عظامه، وإلا فإن لم تكوني قادرة على ذلك فموتي رغم أنفك أو حتف أنفك، وتصور شخصاً يقول لإلهه هكذا، قال: فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة سوداء ناشرة شعرها، واضعة ثدييها على كتفيها.
وتصور هذا الموقف، امرأة ضخمة سوداء لها ثدي يزن القناطير، أو له طول عظيم جداً بحيث أنه يوضع على الأكتاف، وهي منتفشة الشعر، وتحثو التراب على رأسها، فهذا منظر مرعب فعممها خالد بسيفه فقتلها، فلما رجع إلى النبي ﵊ قال له: تلك العزى، يعني: قد قتلت العزى، وكان خالد يتصور أن العرب يعبدون العزى وهي شجرة، فأخبره النبي ﷺ أنها ليست العزى، إنما العزى امرأة خلف هذه الأشجار الثلاثة، وأنه قطع الأشجار ولم يقتل العزى التي هي إلههم المزعوم الباطل، فلما رجع خالد رأى هذا المنظر فعلم أنها العزى، فعمها بالسيف فقتلها، فأقره النبي ﷺ أن هذه هي العزى.
وكان خالد بن الوليد يقول لها: يا عزى! كفرانك لا سبحانك، إني رأيت الله قد أهانك.
стр. 2008
اتخاذ العرب لهبل
وكذلك هبل كان من آلهة العرب، قال ابن هشام: هبل عندهم أعظمها- أي: أعظم آلهة العرب هبل، وكان من عقيق أحمر، يعني: من الأحجار الثمينة على صورة إنسان، وكان مكسور اليد اليمنى، وهكذا أدركته قريش، وجعلوا له يداً من ذهب، وكان في جوف الكعبة وفي قدامه قداح، وكانوا إذا أرادوا أمراً من السفر وغيره أتوه فاستقسموا عنده بتلك القداح، وهذا معروف عند العرب بثالثة الأثافي، وهو مشهور عند العرب أو في كتب الأمثال العربية.
وقصة ثالثة الأثافي أنه كان الواحد منهم يذهب إلى هبل فيطوف به، وتلك عبادته في البيت الحرام، ويكون عنده ثلاثة أحجار اتخذها آلهة في بيته يعبدها، يضعها في كل مكان في البيت، يعبدها هو ومن دخل البيت، وكان هذا من إكرام الضيف وتحية الداخل، وكان إذا أراد أن يسافر يقرع بين هذه الآلهة في بيته، والذي تخرج عليه القرعة يأخذه معه؛ لأجل أنه إذا نزل من سفر يتمكن من عبادته، وكانت الأحجار من الأثافي، وهذا ثالثة الأثافي الذي وقفت عليه القرعة وأخذه معه، فمعنى المثل: أنك وقعت في بلوى عظيمة جداً كثالثة الأثافي.
стр. 2009
اتخاذ العرب لإساف ونائلة
وإساف ونائلة وهذان لا يخفيان على أحد، فقد كانا صنمين من أصنام العرب في بيت الله الحرام، وإساف كان على الصفا، ونائلة كانت على المروة، وإساف رجل، ونائلة امرأة، وهي أمور مخزية جداً.
وبعض الناس قد يسمي ابنه يساف، وفي الرواة من اسمه يساف، مثل عبد الرحمن بن يساف، ولغة هذيل التخفيف، والأصل فيه إساف، ولغة هذيل يبدلون الهمزة ياء، فيقولون: يساف، وهذه اللغة تسميها العرب لغة التسهيل أو التخفيف، فـ إساف هو يساف، وكان رجلاً.
وكان إساف رجلاً، ونائلة كانت امرأة، وكلاهما من قبيلة جرهم، وكانا يتعشقان في أرض اليمن، فهما أصلهما يمنيان، وقبيلة جرهم كانت في جنوب اليمن، فكانا يحبان بعضهما، ويريدان الوقيعة، ولما كان هذا عيباً في قبيلة جرهم أتيا الحج بعيداً عن الأهل والجيران والأقربين وغير ذلك، فدخلا البيت، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت ففجرا فيه.
وتصور أن رجلاً نفسه تطاوعه أن يفجر ويفحش داخل بيت الله الحرام، هذا لا يصح أن يكون إنساناً إلا في صورته، فمسخا حجرين بمجرد أن وقعت منهما الفاحشة، هذا حجر على صورة رجل، وهذه حجر على صورة أنثى، فأصبح الناس فوجدوهما ممسوخين، فأخرجوهما ووضعوهما عند الكعبة؛ ليتعظ الناس بهما؛ لأنهما فجرا في الكعبة، والكعبة لها حرمة، فوضعوهما في ذلك المكان ليتعظ الناس بهما، ثم مع تقادم الأجيال وذهاب جيل ومجيء آخر عبدوهما من دون الله ، فحسن الظن وحده لا يجدي ولا ينفع.
قال: فلما طال الزمان وعبدت الأصنام عبدا مع سائر الأصنام، ورسول الله ﷺ لما فتح مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنماً، على عدد أيام السنة العربية، وقد اختلف أهل العلم هل كان الداخل يعبد كل هذه الأصنام، أم كل واحد داخل يعبد صنماً معيناً، أم صنماً واحداً يعبد في كل يوم ثم لا يعبد في بقية أيام السنة؟ فلما دخل النبي ﵊ مكة فاتحاً أتى الكعبة وكان يشير بعصاه إلى هذه الأصنام الثلاثمائة والستين، فإذا أشار إلى صنم بعصاه خر تراباً، فيفقد القوة والصلابة بمجرد إشارة النبي ﵊، وهذه قدرة إلهية من الله .
قال: (وجعل يطعن بقوسه وجهها وعيونها ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١]).
وهي تتساقط على رءوسها ثم أمر بها فأحرقت، أو فأخرجت من المسجد وطَهُر منها.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2010
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - النهي عن الحلف بغير الله تعالى
الحلف بغير الله تعالى يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يضاهي المرء به غيره، وقد جاء النهي الشديد عن الحلف بغير الله تعالى، وأنه شرك بالله تعالى، فمن حلف باليهودية أو النصرانية أو الأصنام أو الأمانة فقد وقع في الشرك، وعليه أن يجدد إيمانه وتوحيده بأن يقول: لا إله إلا الله.
стр. 2011
ملخص ما ذكر في بابي: النهي عن الحلف بغير الله، ومن حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
في الدرس الماضي من كتاب الأيمان في هذا الكتاب، ذكر قول النبي ﵊: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم.
قال عمر ﵁: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ نهى عنها ذاكراً ولا آثراً) أي: لا عن نفسي، ولا نقلاً عن غيري.
وفي رواية: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وفي رواية: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله).
وكانت قريش تحلف بآبائها؛ فقال: (لا تحلفوا بآبائكم).
وفي رواية أبي هريرة قال النبي ﵊: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات؛ فليقل: لا إله إلا الله)، وفي رواية: (من حلف منكم باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)، وفي رواية: (فليتصدق بشيء)، وهذا لا يلزم منه أن يتصدق بنفس الذي قامر عليه، وإنما يجزئه أن يتصدق بأي شيء، حتى ولو كان قليلاً.
وقال النبي ﵊: (لا تحلفوا بالطواغي -جمع طاغية- ولا بآبائكم).
يقول الإمام النووي معلقاً على هذه الروايات: (الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يضاهى به غيره)، أي: فلا يعظم غيره باليمين.
ثم قال: (وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر).
стр. 2012
توجيه قول النبي ﷺ : (أفلح وأبيه إن صدق)
يورد الإمام النووي هنا شبهة ويجيب عنها: قال: (فإن قيل: الحديث مخالف لقوله ﷺ : (أفلح وأبيه إن صدق)) وهذا الحديث في الصحيحين: (أن رجلاً -وهو ضمام بن ثعلبة ﵁ لما أتى إلى النبي ﵊، فسأله عن فرائض الإسلام، فأخبره النبي ﵊ أن الله افترض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: يا رسول الله! هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، ثم ذكر الصيام فقال: إن الله افترض عليك صيام شهر في كل سنة -وهو شهر رمضان- فقال: يا رسول الله! هل عليّ غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، حتى ذكر له أركان الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال النبي ﵊: أفلح وأبيه إن صدق)، وفي رواية البخاري: قال: (أفلح إن صدق)، والزيادة صحيحة؛ بدليل أنها في صحيح مسلم، ولم تكن من الأحرف التي تناولها النقاد بالنقد أو الشذوذ أو غير ذلك.
ولذلك تأولها العلماء، فقالوا: هذا كلام درج على ألسنة العرب لا يقصدون به اليمين، أي: أنه كلام عادي يقوله الناس، لكن لا يعني ذلك أنه يجوز الحلف بالنبي ﵊، يكاد اليمين بالنبي أن يكون يميناً عند المصريين، مع أن كثيراً من الناس لا يقصد به اليمين، فيكون غير منعقد من أساسه، إنما يذكرونه على سبيل الكلام الدارج الذي درج على الألسنة، كثيراً ما يقول الناس: والنبي تفعل، والنبي لا تفعل، والنبي تقول، والنبي لا تقول، وهم لا يقصدون به عين اليمين، ولم تنعقد نيتهم على أنه يمين يحنث به أو غير ذلك، وإنما هذا كلام درج على الألسنة، وإن كنا نتمنى أن يوفق الله تعالى هذا الشعب كله لترك هذا الكلام؛ لأنه مخالف لظواهر النصوص التي نهت عن الحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته.
أما هذا الحديث الذي بين أيدينا: (أفلح وأبيه إن صدق)، ففي الدرس الماضي قلنا: إن أي يمين يسبق بالواو أو الباء أو التاء هي يمين منعقدة، لكن الشبهة هنا قوله ﵊: (أفلح وأبيه إن صدق)، فهل يجوز الحلف بالأب هنا؟
الجواب
لا؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا تحلفوا بآبائكم)، فمن باب أولى ألا يحلف هو ﷺ بأبيه ولا بأبي غيره، والأولى به ألا يحلف بذلك لا ذاكراً ولا آثراً كما فعل عمر ﵁، والنبي ﵊ هو مصدر التشريع لا عمر، فإذا صدر هذا من عمر والتزمه عمر، فمن باب أولى النبي ﵊ أن يلتزم بذلك، فما باله ﵊ قال هذا.
هذا له تأويلان: التأويل الأول: أن ذلك كان كلاماً دارجاً على ألسنة العرب لا تقصد به ذات الحلف ولا عين اليمين، وبالتالي فإنه لا حرج حينئذ أن يقول ﵊: (أفلح وأبيه إن صدق).
التأويل الثاني: أن النبي ﵊ قصد به اليمين قبل أن يخبره الوحي بأن الحلف بغير الله محرم أو مكروه، فكأن النبي ﵊ حلف هذا اليمين أولاً، ثم أخبره الله تعالى بحرمة الحلف بغير الله ، فلم يحلف بعدها قط إلا بالله وأسمائه وصفاته.
والتأويل الأول أرجح؛ لتعلق تعظيم الله بجميع الشرائع التي سبقت شريعة نبينا ﵊.
قال النووي: (فإن قيل: الحديث مخالف لقوله ﷺ : (أفلح وأبيه إن صدق)؛ فجوابه أن هذه كلمة تجري على اللسان لا يقصد بها اليمين، فإن قيل: أقسم الله تعالى بمخلوقاته)، كقوله : ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات:١].
﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [الذاريات:١].
وقال: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١].
﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١].
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٤].
وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢].
وقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]) وغير ذلك من الآيات الكثيرة، وكلها أيمان أقسم الله بها، وكل هذه المقسم بها من مخلوقات الله ، فالله تعالى ينهانا أن نقسم بالمخلوقات وهو سبحانه يقسم بالمخلوقات، ربما يكون الأمر فيه لبس أو شبهة حينئذ، لكن العلماء يقولون كما قال الإمام النووي: (ف
الجواب
أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرفه)، أي: تنبيهاً على شرف هذا المخلوق وفضل هذا المخلوق، لكن يقول شيخنا الشيخ سيد سابق ﵀: كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم، بل كل إ
стр. 2013
الحكمة من إقسام الله تعالى بخلقه
قال سيد سابق رحمه الله تعالى: كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم، فيلقون إليه السمع مصغين؛ لأنهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به، وأنه أقسم ليؤكد كلامه، وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة، منها: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١].
ومنها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١].
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢]، وإنما كان ذلك لحِكَمٍ كثيرة في المقسم به والمقسم عليه.
من هذه الحكم: لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الأشياء المقسم بها، والحث على تأملها؛ حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها.
فقد أقسم الله تعالى بالقرآن لبيان أنه كلام الله حقاً، وبه كل أسباب السعادة.
وأقسم بالملائكة لبيان أنهم عباد الله خاضعون له، وليسوا بآلهة يعبدون.
وأقسم بالشمس والقمر والنجوم؛ لما فيها من الفوائد والمنافع، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها -أي: على أنها مخلوقة- وأن لها خالقاً وصانعاً حكيماً، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه.
وكذلك أقسم سبحانه بالريح والطور والقلم والسماء ذات البروج؛ إذ إن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر.
أما المقسم عليه فأهمه وحدانية الله ، ورسالة النبي ﷺ ، وبعث الأجساد مرة أخرى بعد الموت، ويوم القيامة؛ لأن هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس، والقسم بالمخلوقات مما اختص الله تعالى به نفسه.
يعني: لا يجوز لأحد أن يقسم بشيء من المخلوقات، إنما ذلك قسم خاص بالله ، أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله، أو بصفة من صفاته على النحو الذي قدمناه كثيراً.
قال الإمام النووي: (وفي هذا الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها، وهذا مجمع عليه.
وفيه النهي عن الحلف بغير أسمائه وصفاته، وهو عند أصحابنا -أي: الشافعية- مكروه ليس بحرام) يعني: أن الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته محل نزاع بين أهل العلم: فمنهم من ذهب إلى الحرمة.
ومنهم من ذهب إلى الكراهة.
стр. 2014
حكم الحلف باليهودية والنصرانية والبراءة من الإسلام والنبي
قال النووي: (أما قوله ﷺ : (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله)، إنما أمر بقول: لا إله إلا الله؛ لأنه تعاطى تعظيم صورة الأصنام حين حلف بها، قال أصحابنا: إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي ﷺ أو نحو ذلك؛ لم تنعقد يمينه)، بل هذا لا يصلح أن يكون يميناً؛ ولذلك لو قال إنسان: أكون يهودياً إن فعلت كذا، فهل هذا يعد يميناً؟
الجواب
لا، كما أنه لا يحل لأحد أن يقول هذا؛ لأن من قال: أنا يهودي إن فعلت كذا أو نصراني، أو أنا بريء من الإسلام، فهذا الكلام كله على خلاف بين أهل العلم، منهم من يقول: عليه أن يتوب إلى الله ، وإن حنث في اليمين فلا كفارة عليه.
ومنهم من يقول: بل عليه كفارة يمين.
ومنهم من يقول: إذا انعقدت نيته على أنه يمين انعقد يميناً.
وأخطر من ذلك اختلافهم في كفره أو عدمه.
فمنهم من قال: من قال: أنا يهودي إن فعلت كذا وفعل، أو أنا بريء من الإسلام إن لم أفعل كذا ولم يفعله، أي: حنث في هذا الكلام؛ فمنهم من قال: لو توجهت نيته إلى ذلك يلزمه كفارة يمين.
ومنهم من قال: حنثه باليمين أولى من وقوع الكفر عليه؛ لأن اليهودية كفر، والنصرانية كفر، وكل ما دون الإسلام كفر، فلو علق المرء إيمانه على هذه الملل والنحل الباطلة كان الأولى به، يستدلون بحديث النبي ﵊: (من قال: أنا بريء من دين الإسلام، أو أنا يهودي؛ فإن كان كاذباً فهو أولى به، وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً).
قال النووي: (أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من النبي ﷺ أو نحو ذلك؛ لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء)، يعني: هذا ليس يميناً، حتى وإن حنث فيه فما عليه إلا أن يستغفر الله تعالى.
ثم قال: (وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك -أي: إذا حنث وجب عليه أن يكفر- إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النبي ﷺ ، أو واليهودية)، يعني: إذا حلَّف القاضي شخصاً فقال: قل: والله العظيم لأقولن الحق، ثم قال: واليهودية لأقولن الحق، فلو أنه قال ذلك فهو عند الأحناف يجب عليه كفارة، إن كان كاذباً أو حنث في اليمين.
ثم قال: (واحتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة؛ لأنه منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور)، لكن كلام الجمهور في مقابلة الكلام للأحناف يحتاج إلى توثيق واحتياط في ما يتعلق بمن حلف بغير الله كمن حلف باليهودية.
الجمهور يقولون: لا تنعقد عليه، وإنما يلزمه أن يتوب إلى الله تعالى.
والاستغفار والتخلص من هذا بأن يقبل على طاعة الله كصلاة أو صيام أو تسبيح أو ذكر أو قراءة قرآن أو غير ذلك، وبين إنسان خطر بقلبه أن يسرق، ثم اتخذ لذلك الوسائل المؤدية إلى حصول السرقة، استقر في قلبه تماماً، فانطلق وأعد العدة واتخذ آلة لما عساه أن يكون بينه وبين إكمال السرقة، ثم ركب الدابة وانطلق إلى المكان الذي أراد سرقته، فلما ذهب إلى هناك وجد العسكر والحراس وغير ذلك، فحال بينه وبين وقوع السرقة منه هؤلاء، وهذا أمر خارج عن إرادته؛ فلا يستوي قط.
فهذا الرجل اتخذ الوسائل المؤدية إلى إتيان المعصية أو الذنب، ففرق بين إنسان انتبه من غفلته ورجع عن ذنبه بمجرد أن خطر على قلبه ذلك، بخلاف هذا الذي لم يرجع إلا لأنه لم يتمكن من المعصية، فإنه يأثم؛ لأنه اتخذ خطوات عملية لإتمام الذنب والمعصية، وهذه الخاطرة لم تكن خاطرة فحسب، بل استقرت هذه الخاطرة، فانطلقت الجوارح لإتمام مراده، لكن حال بينه وبين وقوع الذنب حوائل خارجة عن إرادته.
كان لي زملاء وطلاب في الجامعة، والجامعة في كل زمان ومكان هي أس البلاء والفساد، وهي مرتع خصب للشياطين، فيها شباب في مقتبل نضجهم البدني والعقلي، لكن الموفق من حفظه الله تعالى، والهالك من انحرف عن طريق الله ، فهؤلاء الطلاب أثاروا شبهة: أن الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟ فبعضنا سدد ووفق بتوفيق الله له، وتصدى لهذا الكلام الباطل بأنه لا يجوز إثارته أصلاً؛ لأنه من الشيطان لا محالة.
والبعض الآخر قال: هذا كلام وجيه، وهو بصيغة سؤال يطرح، فَلِمَ لا تجيبون عليه؟ إذاً: أنتم ضعفاء، ولا علم عندكم، وهذا كلام تريدون أن تستروه عن الأذهان، فلما انجرفوا في هذا التيار إذا بهم الآن من كبار الملاحدة: من كتاب وصحفيين، وأنا أعرف كثيراً ممن كانوا زملاء لي هم الآن أقلام للعلمانية والماسونية والإلحاد وغير ذلك، ولذلك إذا تذكرت أحدهم قلت: اللهم لك الحمد على التوفيق والسداد، فالهداية نعمة عظيمة جداً تستوجب الشكر، فكون الله يعصمك وأنت
стр. 2015
معنى الأيمان لغة وشرعاً
يقول الشيخ سيد سابق: (الأيمان: جمع يمين، وهي اليد المقابلة لليد اليسرى، وسمي بها الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأنها تحفظ الشيء كما تحفظه اليمين)، يعني: بالحلف يحفظ الشيء ويجعله في مأمن، كما لو وضعت شيئاً في يمينك، فإن هذه اليمين تحفظ هذا الشيء.
ثم قال: (ومعنى اليمين في الشرع: تحقيق الأمر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك)، يعني: كأن يقول إنسان: والله العظيم لا أتركن قط -إلا لعذر- صلاة السنن الراتبة، فهو حلف بهذا اليمين؛ لأنه رأى من نفسه كسلاً، إذا صلى الفرض تساهل بالسنة البعدية، وكذلك إذا دخل المسجد متأخراً ففاتته السنة القبلية للظهر مثلاً تركها، وهو ينام عن سنة العشاء، وينام عن سنة الوتر وغير ذلك؛ فوصل إلى مرحلة ميئوس منها؛ لأنه حصل منه كسل وفتور، ومن يحصل عنده كسل في السنن لا بد أن يحصل عنده كسل في الفروض، لكن نوع الكسل يختلف، فقد لا يترك الفروض ولكن يترك الجماعات.
стр. 2016
حكم الحلف بغير ملة الإسلام
قوله ﵊: (من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال) قال العلماء: إن المقصود به الزجر الشديد، ليس المقصود به الظاهر.
يعني: ليس من قال: واليهودية والنصرانية وحنث؛ فهو يهودي أو نصراني.
وقال النبي ﵊: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، فإذا حلف شخص بالنبي فهذا حلف بغير الله؛ فيكون مشركاً حينئذ، ولو أجرينا هذا على ظاهره للزمنا أن نكون من جماعة التكفير، بل من مؤسسي مذهب الخوارج؛ لأن هذا ليس بمقصود، إنما المقصود أن هذا باب عظيم جداً من أبواب ترك الالتزام بشرع النبي ﵊، كقول النبي ﵊: (ليس منا من فعل كذا).
ماذا يقول الخوارج في قول النبي ﷺ : (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، أو (ليس منا من غير منار الأرض)؟ هم يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ويكفرون بمثل هذه النصوص.
ومعنى (منار الأرض): أي: علامات الطريق، فلو أتى شخص على علامة في الطريق مكتوب عليها: طريق السويس مائة وعشرين كيلو، والسهم ذاهب إلى ناحية الشمال، فقام هذا وحول السهم إلى الناحية الأخرى، فالذي يريد الذهاب إلى السويس لا يعرف الطريق فيسلك طريقاً آخر، فالنبي ﷺ لعن فاعل هذا.
لقد ضبط الشرع في حياة المسلم كل شيء، حتى الخراءة كما في الحديث، حتى كيفية الاستنجاء، بين لك الإسلام كيف تستنجي، وبأي يد تستنجي، وبأي شيء تستنجي، يعني: لم يترك لك تفعل في خاصة نفسك ما تشاء، بل هو دليلك وقرينك، فالإسلام معك حتى في الحمام.
فالإسلام رحمة عظيمة جداً، ومنة من الله على العباد.
فقوله: (ليس منا)، أي: ليس من أخلاقنا ولا من هدينا ولا من سنتنا ولا من طريقنا أو طريقتنا، إنما هو من أخلاق غيرنا، فينبغي ألا يتخلق أحد من المسلمين بأخلاق غير المسلمين التي منها كيت وكيت وكيت مما ذكرت آنفاً.
وليس المقصود أن من فعل ذلك صار كافراً، وهل يصدق أحد أن من غير منار الأرض يكون كافراً؟ هذا لا يصدقه إلا واحد من الخوارج، أو من جماعة التكفير؛ لأنهم يجرون النصوص على ظاهرها.
قال الشيخ: (وإذا كانت اليمين لا تكون إلا بذكر الله، أو ذكر صفة من صفاته؛ فإنه يحرم الحلف بغير ذلك)، يعني: أن الشيخ سيد سابق يرجح حرمة الحلف بغير الله وأسمائه وصفاته؛ لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، والله وحده هو المختص بالتعظيم، فمن حلف بغير الله فأقسم بالنبي أو الولي أو الأب أو الكعبة أو ما شابه ذلك؛ فإن يمينه لا تنعقد، ولا كفارة عليه إذا حنث، ولكنه آثم بتعظيمه غير الله، فينبغي عليه أن يتوب إلى الله وأن يستغفره.
عن ابن عمر ﵄ عن أبيه عن النبي ﷺ قال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) إلى آخر الحديث.
وفي حديث ابن عمر أيضاً: (أنه سمع رجلاً يحلف فقال: لا، والكعبة! فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد أشرك).
وقال أبو هريرة: قال النبي ﵊: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).
стр. 2017
شرح صحيح مسلم - كتاب الأيمان والنذور - فيمن حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها
من فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم فسحة في الأيمان، فلو حلف المسلم على أمر ثم رأى من المصلحة ومن البر والتقوى فعل الأمر الذي حلف ألا يفعله، فله فعله مع إخراج الكفارة عن يمينه، بل قد يتوجب عليه فعل ما حلف على تركه، لما في ذلك من المصلحة العظيمة المرجوة من وراء ذلك الفعل، وقد يحرم الوفاء باليمين، وذلك حين يحلف على ترك واجب أو فعل محرم.
стр. 2018
باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فهذا الباب الثالث من كتاب الأيمان والنذور: وهو باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه.
يعني: باب إذا أقسم المرء على شيء، ثم تبين له أن غير ما أقسم عليه هو الخير وهو المصلحة، فإنه يكفر عن يمينه، وأن يأتي الذي هو خير.
стр. 2019
شرح حديث: (وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا خلف بن هشام -وهو ابن ثعلب البزار المقرئ - وقتيبة بن سعيد ويحيى بن حبيب الحارثي واللفظ لـ خلف، قالوا -أي: جميعاً-: حدثنا حماد بن زيد -إمام البصرة- عن غيلان بن جرير -وهو المعولي الأزدي البصري - عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله)] أي: جئت في جماعة من بني قومي نطلب منه أن يحملنا، وأن يزودنا للقتال بالبعير التي نركب عليها، وبالزاد والمال الذي ننفقه في أثناء غزونا.
قوله: [(فقال: والله لا أحملكم! -وهذا قسم- ثم قال: وما عندي ما أحملكم عليه)] أولاً: أقسم ﵊ أنه لا يحملهم، ثم أخبر بعد ذلك عن نفسه أنه ليس عنده ما يحملهم عليه.
قوله: [(قال -أي: أبو موسى الأشعري -: فلبثنا ما شاء الله، ثم أُتي بإبل)] أي: ثم جاء صاحب إبل فدفع إبله إلى النبي ﷺ .
قوله: [(فأمر لنا بثلاث ذود)] أي: أمر النبي ﵊ للأشعريين بثلاثة أبعرة.
ثم قال: [(غر الذرى)] الغر: هو الأبيض اللاشية، والذرى من الذروة، وهي أعلى شيء، وهو في الإبل السنام، فكأنه قال: فزودني ﵊ بثلاثة أبعرة أسنمتها بيضاء.
قوله: [(فلما انطلقنا قلنا -أي: فلما أخذنا هذه الأبعرة- أو قال بعضنا لبعض: لا يبارك الله لنا؛ أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فحلف ألا يحملنا، ثم حملنا -أي: بعد قسمه- قوله: فأتوه فأخبروه)] بما تحرجوا منه، أنه حلف أولاً ألا يحملهم، ثم هو بعد ذلك ﵊ حملهم، فخشوا أن يكون هذا عن غفلة أو نسيان منه ﵊، وأنهم السبب في حنثه ﵊، فخشوا من ذلك ألا يبارك الله تعالى لهم في ذلك.
قال: [(فأتوه فأخبروه؛ فقال: ما أنا حملتكم)] أي: لست أنا الذي حملتكم من مالي، وإنما الذي حملكم هو الله .
قوله: [(فقال: ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيراً منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير)] يعني: لو فرض أن النبي ﵊ حلف ألا يحملهم، ثم وجد عنده ومن ماله الخاص ما يحملهم عليه؛ فهذا لا يمنعه أن يأتي الذي هو خير، وأن يكفر عن يمينه، ثم يحملهم، ولكن الذي حملهم هو الله .
стр. 2020
شرح حديث: (إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن)
قال: [حدثنا عبد الله بن براد الأشعري ومحمد بن العلاء الهمداني -المعروف بـ أبي كريب - وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة، عن بريد -وهو بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - عن أبيه عن جده أبي موسى قال: (أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان -أي: أن يحملهم- إذ هم معه في جيش العسرة -وهي غزوة تبوك- فقلت: يا نبي الله! إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: والله لا أحملكم على شيء، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع رسول الله ﷺ ، ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وجد في نفسه علي)] أي: غضب عليه.
فـ أبو موسى الأشعري لما بان له بعد ذلك أن النبي ﵊ كان غضبان، خشي أن يكون هو الذي أغضب النبي ﵊؛ فأهمه وأغمه أمران: الأول: منع النبي ﷺ إياهم من الحمل.
الأمر الثاني: أن يكون قد أغضب النبي ﷺ .
ثم قال: [(فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس!)] يعني: بعدما رجع من عند النبي ﵊ لم يلبث إلا وقتاً يسيراً، وسويعة هي تصغير ساعة، والساعة هي المدة من الزمان، لا الساعة المعلومة الآن بين أيدينا، فلبث وقتاً هو أقل من ساعة، يعني: وقتاً يسيراً جداً حتى سمع بلالاً ينادي: أي عبد الله بن قيس، يعني: تعال يا أبا موسى الأشعري! قال: [(فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك -أي: يطلبك- فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: خذ هذين القرينين، وهذين القرينين، وهذين القرينين)] والقرينان هما بعيران أو جملان قرن كل منهما بالآخر، أو ربط كل منهما بحبل صاحبه، أو القرين: هو من تساوى مع قرينه في الرتبة والعمر، فيحمل قوله: (خذ هذين القرينين) على أنهما تقاربا في السن، وتقاربا كذلك في الجودة والعمل، أو في العطاء؛ أو لأنهما ربطا جميعاً.
في هذا الحديث ذكر ستة ذود، وفي الحديث الأول ثلاثة أبعرة، وسيأتي معنا أنهم خمسة أبعرة، ولا تنافي بين هذه الأعداد؛ لأنها إما أن تحمل على اختلاف الحوادث أو اختلاف المطالب، أو أن النبي ﵊ أعطاهم الثلاثة أولاً، ثم زاد لهم بعد ذلك.
قوله: [(قال: خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين، لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد)] أي: من سعد بن أبي وقاص ﵁، وقوله: (ابتاعهن)، أي: اشتراهن النبي ﷺ ، هل اشتراهن من ماله الخاص أم من بيت مال المسلمين؟ هذه المسألة محل نزاع، والراجح فيها أنه ﵊ اشترى هذه الأبعرة من بيت مال المسلمين.
ثم قال: [(فانطلق بهن إلى أصحابك يا أبا موسى، فقل: إن الله -أو قال: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهن، قال أبو موسى: فانطلقت إلى أصحابي بهن، فقلت: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء، ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ حين سألته لكم، ومنعه في أول مرة، ثم إعطاءه لي بعد ذلك) أي: أراد أبو موسى الأشعري أن يبرئ ساحته أمام أصحابه، حتى لا يقول قائل: أتيتنا قبل سويعة وقلت: إن رسول الله ﷺ منعنا الحمل، ثم أنت الآن تأتينا بستة أبعرة، وتقول: إن رسول الله يحملكم عليها؛ فقال: والله لا أحملكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى النبي ﵊ فيسمع منه أنه منعني أولاً، ثم أعطاني بعد ذلك.
ثم قال: (لا تظنوا أني حدثتكم شيئاً لم يقله)] أي: حتى لا تسيئوا بي الظن، أو أن أحدكم تحدثه نفسه أني أتكلم من عند نفسي.
قوله: [(فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدق!)] أي: أنت يا أبا موسى فينا صادق ومصدق.
قوله: [(ولنفعلن ما أحببت)] يعني: سيذهب بعضنا معك ليسمع؛ حتى ننفذ ما أحببت.
قوله: [(فانطلق أبو موسى بنفر منهم، حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ ومنعه إياهم، ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء)] أي: بنفس الكلام الذي حدثهم به أبو موسى آنفاً.
стр. 2021
شرح حديث: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير)
قال: [حدثني أبو الربيع العتكي حدثنا حماد -يعني: ابن زيد - عن أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - عن أبي قلابة -هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري - وعن القاسم بن عاصم التميمي عن زهدم الجرمي -وهو ابن مضرب أبو مسلم البصري الجرمي - قال أيوب: وأنا لحديث القاسم أحفظ مني لحديث أبي قلابة قال: (كنا عند أبي موسى، فدعا بمائدته وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي، فقال له -أي: أبو موسى -: هلم! -أي: أقدم على الطعام- فتلكأ -أي: فتأخر ولم يتقدم لأول وهلة، - فقال: هلم! فإني قد رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه، فقال الرجل: إني رأيته يأكل شيئاً فقذرته؛ فحلفت ألا أطعمه، فقال: هلم أحدثك عن ذلك!)] أي: فيما يتعلق بيمينك الذي أقسمته ألا تأكل لحم دجاج، قال: إذا كان الأمر كذلك، وأنك لما رأيت رجلاً يأكل لحم دجاج فاستقذرته، فحلفت ألا تأكله قط، فأنا سأحدثك عن حكم هذا اليمين.
قال: [(إني أتيت رسول الله ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه، فلبثنا ما شاء الله، فأتي رسول الله ﷺ بنهب إبل -أي: فأتي للنبي ﵊ بغنيمة من الإبل- فدعا بنا، فأمر لنا بخمس ذود غر الذرى -أي: بخمسة أبعرة بيض السنام- قال: فلما انطلقنا، قال بعضنا لبعض: أغفلنا رسول الله ﷺ يمينه)] يعني: أخذناه على غرة، فجعلناه يقع في الحنث بسبب يمينه الأول الذي أقسمه وحلف به ألا يحملنا، ثم بعد ذلك حملنا، [(لا يبارك لنا!)] أي: بسبب هذا نخشى ألا يبارك الله لنا، [(فرجعنا إليه، فقلنا: يا رسول الله! إنا أتيناك نستحملك، وإنك حلفت ألا تحملنا، ثم حملتنا، أفنسيت؟! قال: إني والله إن شاء الله! لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها؛ إلا أتيت الذي هو خير، وتحللت عن يميني)] أي: كنت منها في حل، ولا يكون الإنسان في حل من يمينه إلا إذا كفر عنه، أو عجز عجزاً مطلقاً عن الكفارة، بمعنى أنه فقير، لا رقبة عنده يعتقها، ولا مال عنده يكسو أو يطعم، وهو مريض عليل ليس عليه صيام؛ فحينئذ تسقط هذه الكفارة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ثم قال: [(فانطلقوا؛ فإنما حملكم الله ] يعني: أن الله تعالى آتاني ما حملتكم عليه.
قال: [وحدثنا ابن أبي عمر محمد بن يحيى العدني المكي، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي -وهو ابن عبد المجيد الثقفي - عن أيوب عن أبي قلابة والقاسم التميمي عن زهدم الجرمي قال: كان بين هذا الحي من جرم وبين الأشعريين ود وإخاء، فكنا عند أبي موسى الأشعري، فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج فذكر نحو الحديث السابق.
وحدثني علي بن حجر السعدي وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - وابن نمير -وهو محمد بن عبد الله بن نمير - عن إسماعيل بن علية - وعلية أمه، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الضبي البصري - عن أيوب -هو ابن أبي تميمة السختياني كيسان - عن القاسم التميمي عن زهدم الجرمي.
وحدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان -هو ابن عيينة - عن أيوب عن أبي قلابة عن زهدم الجرمي.
وحدثني أبو بكر بن إسحاق حدثنا عفان بن مسلم -وهو الصفار البصري - حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن أبي قلابة والقاسم عن زهدم الجرمي قال: كنا عند أبي موسى واقتصوا جميعاً الحديث بمعنى حديث حماد بن زيد] يعني: ذكروا معنى الحديث الذي جاء من طريق حماد بن زيد.
قال: [وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا الصعق بن حزن -وهو الصعق بن حزن بن قيس البكري أبو عبد الله البصري الزاهد- حدثنا مطر الوراق -وهو مطر بن طهمان الوراق أبو رجاء السلمي الخراساني، ولكنه تحول من خراسان فسكن البصرة، وحديثه في مرتبة الحسن، إلا في روايته عن عطاء خاصة فهو ضعيف- حدثنا زهدم الجرمي قال: دخلت على
стр. 2022
شرح حديث: (إني لا أحلف على يمين أرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير)
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن سليمان التيمي -وهو سليمان بن طرخان التيمي - عن ضريب بن نقير القيسي -وهو المعروف بـ أبي السَّلِيل بشد السين وفتحها، وكسر اللام البعدية- عن زهدم عن أبي موسى الأشعري قال: (أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فقال: ما عندي ما أحملكم والله ما أحملكم، ثم بعث إلينا رسول الله ﷺ بثلاثة ذود بقع الذرى -والبقع هي العلامة- فقلنا: إنا أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فحلف ألا يحملنا فأتيناه فأخبرناه، فقال: إني لا أحلف على يمين أرى غيرها خيراً منها؛ إلا أتيت الذي هو خير).
حدثنا محمد بن عبد الأعلى التيمي حدثنا المعتمر عن أبيه قال: حدثنا أبو السليل -وهو ضريب بن نقير كما ذكرنا- عن زهدم يحدثه عن أبي موسى قال: (كنا مشاة -أي: كنا نغزو على أقدامنا مشاة غير محمولين- فأتينا نبي الله ﷺ نستحمله) بنحو حديث جرير].
стр. 2023
شرح حديث: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها وليكفر عن يمينه)
قال: [حدثني زهير بن حرب -وهو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- حدثنا مروان بن معاوية الفزاري أخبرنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: (أعتم رجل عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا -أي: صلى العتمة أو العشاء الآخرة مع النبي ﵊، ثم رجع إلى أهله فوجد أولاده قد ناموا- فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل؛ من أجل صبيته)] رجل يحب أن يأكل مع أولاده، فلما وجدهم قد ناموا دخله من الحزن ما دخله، وهذا باب عظيم جداً من أبواب التربية والحفاظ على الأولاد والحرص عليهم، والأنس بهم إلى غير ذلك، فلما وجدهم قد ناموا حلف ألا يأكل، رغم أن المائدة قد أعدت له.
قال: [(ثم بدا له فأكل -يعني: يبدو أنه كان جائعاً جداً، فرأى أن يأكل بعد أن أقسم- فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له؛ فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليأتها، وليكفر عن يمينه)] أي: فليفعل ما قد حلف عليه آنفاً.
هنا قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليأتها وليكفر عن يمينه).
وستأتي معنا رواية: (فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير)، والمعنى واحد، لكننا نستفيد حكماً آخر، وهو: جواز تقديم الكفارة على الحنث، وجواز تأخير الكفارة على الحنث، أما قبل اليمين فلا، (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه).
стр. 2024
شرح حديث: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل)
قال: [وحدثني أبو الطاهر حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفر عن يمينه وليفعل)] وهذه هي الرواية الثانية التي فيها تقديم الكفارة قبل الحنث.
стр. 2025
شرح حديث: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)
قال: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا ابن أبي أويس حدثني عبد العزيز بن المطلب عن سهيل بن أبي صالح المدني، عن أبيه -وهو أبو صالح السمان ذكوان المدني - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)] يعني: يقدم العمل على الكفارة.
قال: [وحدثني القاسم بن زكريا حدثنا خالد بن مخلد -وهو المعروف بـ القطواني - حدثني سليمان -يعني: ابن بلال المدني - حدثني سهيل -وهو ابن أبي صالح - بمعنى حديث مالك: (فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير)].
стр. 2026
شرح حديث: (من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها فليأت التقوى)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة قال: (جاء سائل إلى عدي بن حاتم ﵁ فسأله نفقة في ثمن خادم أو في بعض ثمن خادم)] يعني: يسأله أن يتصدق عليه بما يعادل ثمن خادم بأكمله، أو يعادل ثمن نصف خادم، [(فقال: ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري)] يعني: ليس عندي ما أساعدك به إلا درعي الذي أقاتل به، ومغفري الذي أضعه على رأسي، يعني: الخوذة، [(قال: ليس عندي ما أعطيك إلا درعي ومغفري، فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها؟ قال: فلم يرض، فغضب عدي)] يعني: سائل وطامع، يقول له: ما عندي إلا درعي ومغفري، وأكتب لك كتاباً تذهب إلى أهل بيتي وتعطيهم المكتوب، وتأخذ الدرع والمغفر، فالسائل لم يرغب في ذلك، فلما رأى السائل عدياً قد غضب غضباً شديداً، وقال: [(أما والله لا أعطيك شيئاً، ثم إن الرجل رضي)] أي: بعد أن غضب عدي وأغضبه السائل وأقسم ألا يعطيه شيئاً، رضي السائل بأن يأخذ الدرع والمغفر، (فقال: أما والله! لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف على يمين، ثم رأى أتقى لله منها؛ فليأت التقوى، ما حنثت في يميني) أي: فليأت العمل الذي هو تقوى لله ، وهو الحنث، فهو أتقى لله .
في هذا الباب الحديث الأول: حديث أبي موسى الأشعري.
والحديث الثاني: حديث أبي هريرة.
والحديث الثالث: حديث عدي بن حاتم ﵃ أجمعين، قال: (من حلف على يمين ثم رأى أتقى لله منها؛ فليأت التقوى، ما حنثت يميني)، يعني: لولا أني سمعته ﵊ يقول هذا ما حنثت في يميني، ولأمضيت هذا اليمين، ولكني أرجع عنه وأكفر، وأعطيك الدرع والمغفر.
стр. 2027
شرح حديث: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليترك يمينه)
قال: [وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليترك يمينه)].
يعني: إذا قلت له: كفر عن يمينك، يقول: أنا لا أقدر على الكفارات، فنقول: إذا أقسمت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فمن مرضاة الله أن تكفر عن يمينك، وأن تفعل الذي هو أتقى، والذي يقربك إلى الله ، وليس الذي يقربك في هذه الحالة هو الوقوف عند يمينك، وعدم التكفير عنه، إنما الذي يقربك إلى الله تعالى حينئذ هو أن تفعل الخير، وأن تفعل البر، وأن تكفر عن يمينك، هذا هو الأصلح.
قال: [حدثني محمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن طريف البجلي واللفظ له، قالا: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي - عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم الطائي عن عدي قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى خيراً منها، فليكفرها، وليأت الذي هو خير).
وحدثنا محمد بن طريف حدثنا محمد بن فضيل عن الشيباني -هو أبو إسحاق الشيباني - عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم الطائي عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك] أي: يقول: (إذا حلف أحدكم على اليمين، فرأى خيراً منها؛ فليكفرها، وليأت الذي هو خير).
стр. 2028
شرح حديث: (من حلف على يمين ثم رأى خيراً منها فليأت الذي هو خير)
وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهما كفرسي رهان، ولدا في عام واحد، وماتا في عام واحد، وكانا في التوثيق والعدالة في مرتبة واحدة- قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو ربيب شعبة، تربى في حجره؛ لأن شعبة تزوج أمه بعد وفاة أبيه- قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة قال: (سمعت عدي بن حاتم وأتاه رجل يسأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم؟! والله لا أعطيك شيئاً، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف على يمين، ثم رأى خيراً منها؛ فليأت الذي هو خير)] أي: ما فعلت ذلك، ولكني أحنث في يميني وأعطيك، وأكفر عنه.
قال: [حدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز -وهو ابن أسد العمي - حدثنا شعبة -وهو ابن الحجاج العتكي البصري، أول من تكلم بالجرح والتعديل في البصرة- قال: حدثنا سماك بن حرب قال: سمعت تميم بن طرفة قال: سمعت عدي بن حاتم: أن رجلاً سأله فذكر مثله، وزاد: ولك أربعمائة في عطائي].
يعني: أن عدي بن حاتم الطائي رجل كريم، فتضايق حين سئل مائة درهم؛ لأن هذا الشيء لا يتناسب مع كرم الطائيين، وكبيرهم هو حاتم الطائي وهو المعني، فكيف تسألني مائة درهم؛ لذلك لا أعطيك؛ لأن هذا شيء تافه لا يتناسب معنا.
فالناس مراتب ودرجات، فأنت لو ذهبت إلى ملك من ملوك الدنيا مثلاً وقلت له: أقرضني عشرة جنيهات، أو مائة جنيه، فكأنك تسبه، لكن عندما تأتي إلى شخص من نفس مرتبتك، وتقول له: أقرضني عشرة جنيهات لأقرضك دون حرج، لكن أن يذهب شخص إلى بيت حاتم الطائي ويقول له: أعطني مائة درهم، كأنك قلت له: أعطني عشرة جنيهات، فـ عدي قال له: أنا سأعطيك المائة التي طلبت وفوقها أربعمائة.
ولذلك من أبهة الملك ألا يرد الملك أو الزعيم أو الرئيس سائل مهما كان سؤله، إن سأل مالاً أعطاه الذي سأله وزيادة؛ ليس لأنه يريد أن يعطي، لكن لا يتناسب مع المكانة والمنزلة ألا يعطي، فيقال عنه: إنه ملك بخيل أو رئيس بخيل.
أما الآن فالرؤساء لا يصل إليهم السائل، حتى وإن الشعوب لم تعد تسأل، ولذلك كانت الشعوب في المائة الأولى تعلم قدر الملوك ومنزلتهم.
فقيل: إن أعرابياً دعي لتناول طعام عند ملك من الملوك، فأطعمه الملك على مائدته وأكل معه، فقال الملك والأعرابي يتناول الطعام: يا أعرابي! هذه شعرة في طعامك، فغضب الأعرابي غضباً شديداً، وقال: أتراقبني مراقبة من يرى الشعرة في طعامي! فحينئذ شعر الملك بخطورة الأمر، فقال: استرها علي يا أعرابي ولك بها مائة بعير، قال: على أن تكون معجلة، فوافق الملك ودفع إليه مائة من بعير معجلة، على ألا يتكلم بها، لكن الأعرابي تكلم بها بعد وفاة الملك، وهو قد وفَّى بعض الشيء.
وقيل: إن أعرابياً ذهب إلى ملك من ملوك الدنيا، فقال له الملك: تتعشى معي، فقال: أنا شبعان، فقام إليه رجل وقال: إن طعام الملك ليس للشبع وإنما هو للشرف، أي: ليقال: إن الملك يأكل مع الأعراب أو البدو، ويقول البدوي: إني أكلت مع الملك، فليس كل دعوة توجه إليك قابلة للرد، كما أنه ليس كل مائدة منصوبة لم تدع إليها يحل لك أن تجلس عليها.
стр. 2029
شرح حديث عبد الرحمن بن سمرة (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير)
قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن -وهو ابن أبي الحسن يسار البصري إمام التابعين وسيد الزاهدين- قال: حدثنا عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة -أي: لا تسأل أن تكون زعيماً أو سيداً أو قائداً أو غير ذلك-؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة؛ أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير)]، في هذا الحديث كراهة سؤال الإمارة، والقضاء والحسبة وغير ذلك.
ومنها ما هو معلوم الآن الترشيح لمجلس النواب ومجلس الشعب، فضلاً عن مشروعية جواز الترشيح لدخول هذه المجالس التشريعية التي تشرع من دون الله ، وتبدل وتغير شريعة الله في الأرض، وتحكم الناس بأهوائهم وآرائهم، أقول: هب أن هذا العمل مشروع فهل يجوز لأحد أن يبادر وأن يقاتل وأن يوالي وأن يعادي وأن يسارع إلى أخذ مكان في هذا المجلس؟
الجواب
لا؛ لأن هذا نوع من أنواع الولاية العامة، والنبي ﵊ يقول: (لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)، أي: أوكلك الله تعالى إليها، وأنت ضعيف وأنت عاجز، وأنت لا توفي؛ لأن الله تعالى يتخلى عنك حينئذ.
(وإن أعطيتها عن غير مسألة)، يعني: أرغمت عليها؛ فإن الله ﵎ يجعل لك العون والسداد والتوفيق؛ لأنك كلفت بها وأنت كاره؛ فحينئذ تنزل عليك معونة الله .
والشاهد من الحديث: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير).
стр. 2030
كلام الإمام النووي في باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها
يقول الإمام النووي: (في هذه الأحاديث دلالة على من حلف على فعل شيء أو تركه، وكان الحنث خيراً من التمادي على اليمين، استحب له الحنث، وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه) يعني: هذه المسألة انعقد عليها الإجماع، فلو أنك حلفت أن تفعل شيئاً أو أن تترك شيئاً لا تفعله، ثم رأيت خلاف ما حلفت هو الخير والبر والتقوى؛ فيستحب لك ترك ما حلفت عليه وفعل الخير، وتلزمك الكفارة حينئذ.
ثم قال: (وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنه لا يجوز تقديمها على اليمين) يعني: لو حلفت مثلاً: ألا أدخل بيت فلان، فيجوز لي أن أكفر عن هذا اليمين قبل الدخول، ويجوز لي أن أؤخر الكفارة بعد الدخول، أما الكفارة قبل اليمين فعلى أي شيء تكون؟! لا تكون؛ لأنه لا يمين هنالك استلزم الحنث، حتى أكفر قبل الدخول، فأنت الآن جرى في ذهنك فقط ألا تدخل بيت فلان، أنت لم تتلفظ ولم تحلف أنك لا تدخل بيته، فعلى أي شيء تلزم الكفارة؟! لم يحصل يمين، كما أنه لم تحصل مخالفة؛ فحينئذ لا كفارة قبل اليمين، إنما الكفارة دائماً بعد اليمين؛ لأن الكفارة إنما هي كفارة الحنث في اليمين الذي وقع، لا الذي سيقع، وإنما في الذي وقع مني على الحقيقة، فحينئذ أكفر في حالين: إما أن أكفر قبل أن أفعل الخير، وإما إن أكفر بعد فعل الخير.
هناك شخص يقول: أنا مخاصم لأمي من أربعة أشهر وهي مستريحة وأنا كذلك، حلفت يميناً ألا أدخل بيتها نهائياً.
نقول لهذا: كيف تخاصم أمك؟! لو كانت تلك المقاطعة لزوجتك لا تجوز، فما بالك بأمك، يعني: لو حلفت ألا تدخل بيت امرأتك أو بيت أهلها أظن أن هذا أمر منكر، والبر والصلة أن تحنث في يمينك، ويعد هذا من الطاعات، ومن نعم الله عليك، أما هذا المخاصم لأمه منذ أربعة أشهر، وكل واحد منهم مستريح، فأنا أخشى أن تستريح أيها المخاصم لأمك حتى تدخل القبر، فتحاسب على هذا، وتعلم أنها كانت من أعظم المصائب التي ابتليت بها، فكما أن بر الوالدين من أعظم الطاعات، فإن عصيانهما من أكبر الذنوب، وهذا معلوم، فالله ﵎ قرن طاعة الوالدين بطاعته، وقرن الإحسان إلى الوالدين بتوحيده، فكيف يعد المرء قطيعة أمه من النعم التي تستوجب حمد الله ﵎ عليها؟ هذه الأمور كلها معكوسة ومخلوطة، لا يمكن أن يجد هذا لا في اليهودية، ولا في النصرانية، لا يمكن أن يجد لهذا الكلام دليلاً أو برهاناً في شريعة نزلت من عند الله قط، فضلاً أن يكون ذلك هو دين محمد ﵊ الذي أتى به إلى الناس كلهم.
стр. 2031
أقوال العلماء في جواز إخراج الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث
قال: (واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث) يعني: أنا حلفت ألا آكل طعامك، ثم رأيت بيني وبين نفسي أن آكل الطعام وهو البر والخير، فقلت: أكفر أولاً عن يميني ثم آكل.
فالعلماء اختلفوا، فقال بعضهم: المعروف أن التكفير يكون بعد الوقوع وبعد العمل؛ لأنه يكون قد حنث في يمينه، أما قبل العمل فلم يحصل حنث، والحقيقة أن هذا اجتهاد مع ورود النص؛ لأن النبي ﵊ قال: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير)، وفي رواية: (فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)، فإذا كان النبي ﵊ بهذين النصين قد أجاز لنا الكفارة بعد اليمين وبعد الحنث وقبله فهما سواء، وتكون الكفارة حينئذ لمجرد أن المرء اعتقد أن الخير في غير ما حلف عليه، ولا يلزم من ذلك إتيانه الفعل المخالف لما حلف عليه، حتى تجب عليه كفارة اليمين.
قال: (واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث: فجوزها مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابياً، وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث) يعني: قالوا بجواز الكفارة قبل الحنث، ولكن بعد الحنث تكون مستحبة.
ثم قال: (واستثنى الشافعي التكفير بالصوم) يعني: الشافعي مع الجمهور في المذهب السابق، لكنه استثنى فقط إذا كانت الكفارة بالصوم، فما هي حجته؟ (فقال: لا يجوز الصيام قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها، كالصلاة، وصوم رمضان) يعني: أيجوز أنني أصوم رمضان في شعبان؟ لا يجوز، ولا يجزئ عني، وإذا دخل علي رمضان يجب علي أن أصوم، حتى وإن صمت شعبان كله بنية رمضان، هذا لا يصلح، وهي عبادة ساقطة من الأصل؛ لأنها في غير وقتها، فكذلك إذا كان المكفر ليمينه فقيراً لا يستطيع أن يطعم ولا أن يكسو ولا أن يعتق، فيتعين حينئذ عليه الصيام؛ فلذلك قال: إلا الصيام فلا يصح أن يكون قبل الحنث؛ لأن الحنث هو الوقت الذي يجب بعده الصيام.
ثم قال: (وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة) وذلك أن النبي ﷺ طلب من العباس زكاة ماله معجلة عاماً أو عامين، وأخذها وأنفقها في سبيل الله.
فهذا دليل تعجيل الزكاة، فإذا كان عندك مال وجبت فيه زكاة فلا بأس قبل حلول الحول بعام كامل أن تدفع كل شهر مائة جنيه، إذا كانت هناك حالة تستدعي المساعدة، وهي من مصارف الزكاة؛ فلا بأس أن تدفع لها زكاة مالك عاماً أو عامين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، لا بأس بذلك أبداً، زكاة معجلة، أما التأخير فلا يجوز، بدليل أن الزكاة إنما تجب بشرطين: حولان الحول، وبلوغ النصاب، فلا يجوز تأخيرها، وعلى ذلك إجماع أهل العلم.
стр. 2032
وجه تبويب الإمام البخاري بقوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) لحديث: (ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم)
ثم قال ﵀: (قوله ﵊: (ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم)، ترجم البخاري لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]).
لقد كان الإمام البخاري أمة، وهذا دليل ساطع وبرهان بين على أن هذا الرجل كان مفتوحاً عليه من الله تعالى، فالإمام البخاري لما ذكر هذا الحديث بوب له بباب: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ))، والمعلوم يقيناً عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لا خالق غيره، ولا رب سواه، والله تعالى خلقنا وأعمالنا.
وهذه القضية كانت مثار جدال عظيم جداً فيما يتعلق بالفتنة التي مر بها الإمام أحمد مع الدولة العباسية، فيما يتعلق بكلام الله ، هل كلام الله تعالى مخلوق أم غير مخلوق؟ قالت المعتزلة: كلام الله تعالى مخلوق، وقال أهل السنة والجماعة: كلام الله تعالى صفة من صفاته، لازمة لذاته، يتكلم بما شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، وكلام الله تعالى لما كان صفة من صفاته، فصفاته غير مخلوقة.
إذاً: فيكون كلامه غير مخلوق.
لكن العلماء بعد ذلك وقعوا في مسألة أخرى، وهي: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ لما عجزوا أن يجادلوا علماء أهل السنة فيما يتعلق بخلق القرآن، أثاروا الذعر في الأمة مسألة فرعية أخرى وهي: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ اللفظ مخلوق؛ لأن اللفظ هذا هو نطقك أنت، إذا تلوت آية من كتاب الله فإنما تخرج منك بحرف وصوت ولهاة وأضراس وأسنان ولسان يتكلم، فهذه الحركات التي تخرج مني الآن وتسمعون بها صوتي مخلوقة.
إذاً: هذه الحركات التي أفعلها الآن مخلوقة، تكلمت بالقرآن أو بغير القرآن، يعني: الآن لا أتكلم عن القرآن إنما أنا أتكلم عن طريقتي أنا كمخلوق في النطق، سواء نطقت بالقرآن أو بغير القرآن، فكل ما نعمل من خير وشر هو مخلوق لله .
فالإمام البخاري بوب لهذا الحديث: (ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم)، قال: باب: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ))، يعني: أن النبي ﵊ لما أتته الإبل غنيمة دفعها إلى الأشعريين، فكون النبي ﵊ تسلم الغنيمة، ثم دفع منها ستة أو خمسة أو ثلاثة أبعرة للأشعريين، فهذا العمل أو هذه الحركة التي فعلها النبي ﵊ مخلوقة، ومع ذلك النبي ﵊ لم يملك ذلك؛ لأنها من أموال الغنائم، فالنبي ﵊ لم يحمل الأشعريين على الحقيقة، وما هو إلا عبارة عن أداة أخذت ثم أعطت، لكن المال في الحقيقة هو مال الله .
إذاً: أراد الإمام البخاري بهذا الباب أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة كما قلنا.
قال النووي: (وقال الماوردي: معناه: أن الله تعالى آتاني ما حملتكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم عليه.
قال عياض: ويجوز أن يكون أوحى الله تعالى إليه أن يحملهم، أو يكون المراد دخولهم في عموم من أمر الله تعالى بالقسم فيهم).
стр. 2033
حكم لحم الدجاج والسمك
قال: (أما قوله في لحم الدجاج: (رأيت النبي ﷺ يأكل منه)، فيه إباحة لحم الدجاج وملاذ الأطعمة، والدجاج يطلق على الذكور والإناث).
من العجيب أن شخصاً يقول: الدجاج حرام، هل هناك من يقول: إن الدجاج حرام؟! الإمام النووي في القرن السادس الهجري يقول: وفي هذا الحديث دليل على أن لحم الدجاج حلال، فأحياناً نأخذ أقوالاً لأهل العلم نظن أنها من البديهيات، ثم نفاجأ بأنها من الأمور اللازمة فعلاً لإزاحة الغمة عن الأمة، كيف؟ عندما أسمع أن هناك شيخاً في هذا الزمان يقول: إن الكلب حلال طاهر يجوز أكله، ولحم الدجاج الأبيض نجس لا يجوز أكله، ما دليله الذي يزعمه، يقول: إن هذه الفراخ البيضاء أو الدجاج الأبيض إنما يأكل طعاماً قد اختلط بالدم، والدم المسفوح دم نجس، وبالتالي فإن الدجاج الذي يأكل هذا الطعام الذي اختلط بالدم يكون نجساً، نقول: لا يمكن أن يكون هذا أبداً فقهاً؛ لأن الذي يقرأ كتب الفقه يعلم أن هذا ليس فقهاً، وإذا كان هذا فقهاً فكبر على الأمة كلها أربعاً، إذا كان هؤلاء هم الفقهاء المتصدرون فلا حياة للأمة بهذا الشكل أبداً.
وقد دعاني أحد الإخوة إلى غداء فقال: ماذا تريد أن تأكل؟ قلت: أنا أحب السمك.
قال: وأنا أحرمه.
فقلت: يقول النبي ﵊ في البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فهذا نص صريح لا يجوز لنا الاجتهاد معه، ثم وصلت بالنقاش معه على هذا.
فهذا كلام لا يستحق النقاش، لابد أن يترك من أول وهلة؛ لأنه كلام لا يتفق مع قرآن، ولا مع سنة، ولا مع أقوال أهل العلم، ولا مع العقلاء، لكن صار كلاماً يحتاج إلى نقاش، فمثل من يقول: الظهر ثلاث ركعات، أو مثل من ينظر إلى الشمس ويقول: قد انتهى اليوم، وهي ما زالت في رابعة النهار، فهذا الكلام لا يحتاج إلى نقاش، بل يحتاج إلى نعال، فإذا بهذا الأخ يقول: أنا يغلب على ظني تحريم السمك؛ ولذلك أنا لا آكله عند أحد، قلت له: ولم؟ قال: لأن السمك يأكل لحم الأموات الذين يغرقون في البحار.
لو قال هذا الكلام أمام أناس عوام لصدقوه، يقول: كم من طائرات تسقط في البحر؟ وكم من سفن تغرق في البحر؟ ولحم الإنسان حرام، والسمك يأكله، فالسمك بهذا يكون حراماً.
هذا الكلام لا يمكن أبداً أن يصدق، ولا يمكن أبداً أن يكون ديناً، فأرجو ألا تكون هذه شبهة، ومطلوب مني الرد عليها.
فقوله: (في هذا الحديث إباحة لحم الدجاج، وملاذ الأطعمة، ويقع اسم الدجاج على الذكور والإناث) يعني: أن هذا الدجاج حلال، وهذا فيه الرد على من يقول: إنه حرام، بحجة أن كل مصانع الصناعات الغذائية التي تصنع أغذية الطيور والحيوانات يضيفون نسبة (١%) من الدم الناشف المجفف المعالج على الطعام.
أتتصورون أيها الإخوة أن التحريم متعلق بـ (١%)؟ أعطيكم مثالاً: لو أن راوياً روى مائة حديث، ولكنه خلط في حديث واحد، فهل نقبل المائة الحديث كلها ونعمل بها، أم نرد المائة حديث كلها؛ لأجل أنه خلط في حديث واحد غير معلوم لنا؟ نأخذ الكل، وهذا الكلام محل اتفاق، فلا أحد يخالف فيه؛ لأن النبي ﵊ يقول: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، معنى ذلك: أن الكثرة دائماً تغفر الإساءة، فأنت عندما تدخل بلاداً وتجد فيها شخصاً خبيثاً وبقية أهل القرية كلهم طيبين، لا يمكن أن تخرج أبداً من هذه القرية بحكم أن في هذه القرية واحداً منهم غير مرغوب فيه، فهذا ظلم في الحكم على الآخرين.
فالدجاج يأكل نسبة دم (١%) و (٩٩%) من الغذاء حلال، من يقول: إن هذا الطعام حرام أكله، فضلاً أن نتاج هذا الطعام يحرم من باب أولى؟ ما يقول هذا إلا إنسان بالفعل قد فقد عقله، إنسان مخبول، فالبيضة حلال من باب أولى.
يقول النبي ﵊ كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين والحرام بين)، وقد شرحنا هذا الحديث مراراً، حتى لا يقول أحد: هذا الطعام الذي يعد للدجاج الأبيض محل شبهة، نقول: لا، ليس شبهة، فنسبة (١%) لا تعد شبهة؛ لأنه لا يصح أبداً أن نجعل ديننا كله عبارة عن شبهات، نتوقف في كل شيء لأجل أن فيه شبهة، ولا أريد أن أعيد هذا الكلام؛ لأننا شرحنا هذا الحديث في أربع محاضرات، فيغني عن إعادته، فلا أريد أن أسمع شخصاً يقول: إن طعام الدجاج فيه شبهة لأجل (١%) من دم في وسط (٩٩%) من طعام حلال، فلا خلاف على حله.
стр. 2034
أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه
الأصل أن يفي الحالف باليمين، ويجوز له العدول عن الوفاء إذا رأى في ذلك مصلحة راجحة وبراً وتقوى، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، أي: لا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من البر والتقوى والإصلاح، فتقول: أنا أعرف أن هذا بر وتقوى وإصلاح، لكن أنا حلفت، نقول: لا يكون اليمين عائقاً في طريق البر والتقوى والإصلاح، بل جعل الله تعالى لنا فسحة الرجوع عما حلفنا لمصلحة أرجح، وهي تحصيل البر والتقوى والإصلاح.
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢]، أي: شرع الله لكم تحليل الأيمان بعمل الكفارة، وجاء في الحديث: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها؛ فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك).
يقول سيد سابق ﵀: (أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه).
يعني: أحياناً يكون حراماً، وأحياناً يكون مكروهاً، وأحياناً يكون واجباً، وأحياناً يكون مستحباً، وأحياناً يكون مندوباً، فذكر فيه الأحكام الشرعية الخمسة.
قال: (أن يحلف على فعل واجب أو ترك محرم، فهذا يحرم الحنث فيه؛ لأنه تأكيد لما كلف الله تعالى به عباده) كالذي يقول: والله لأبرن والدي، فهو حلف على شيء واجب عليه ابتداء، أو يقول: والله لا أزني، والله لا أسرق؛ لأنه في هذه الأبواب ينطلق لا يلوي على شيء، تأتيه الفاجرة فيفجر بها، أو يتيسر له المال الحرام فيسرقه أو ينهبه، فهو بهذا اليمين أراد أن يربي نفسه، ولا سبيل له إلا اليمين؛ فقال: والله لا أسرق بعد ذلك، هذا يمين واجب، فهو يحلف على ترك محرم؛ فهذا يحرم الحنث فيه؛ لأنه لو حنث فقد وقع في حرام آخر، وقع في الزنا والسرقة.
إذاً: الأول: أن يحلف على فعل الواجب وترك المحرم، فالحنث فيها من أعظم المعاصي في هذه الحالة؛ لأنه سيجمع بين معصيتين: التفريط في الواجب، وفعل المحرم، والوقوع في الحنث.
النوع الثاني: (أن يحلف على ترك واجب، يقول: والله لا أزور والدتي) هذا المثال واضح، وهو بلاء عام مستشر في المجتمع، لكن لو قال: والله لأضربن زوجتي، فإذا كان هناك موجب للضرب، وذلك بأن يكون قد تدرج معها في الإصلاح، حتى تعين في حقه لها الضرب لأجل الإصلاح؛ فحينئذ يجب عليه أن يضرب للإصلاح لا للانتقام، لكن إذا لم تأت زوجته بموجب الضرب، ولم تفعل فعلاً يستوجب ضربها، ثم هو يقول: والله لأضربنها؛ فهذا قد حلف على فعل محرم، فهذا يجب الحنث فيه؛ لأنه حلف على معصية، كما تجب الكفارة في ذلك.
الثالث: (أن يحلف على فعل مباح أو ترك هذا المباح؛ فهذا يكره فيه الحنث ويندب البر).
الرابع: (أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه؛ فالحنث مندوب، ويكره التمادي فيه، وتجب الكفارة).
الخامس: (أن يحلف على فعل مندوب أو ترك مكروه فهذا طاعة لله تعالى، فيندب له الوفاء، ويكره الحنث.
أما قول الله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، لغو اليمين أن يقول: لا والله، وبلى والله، فهذا كلام درجت عليه الألسنة دون أن تقصد حقيقة اليمين، فهذا لا كفارة فيه، ولا يأثم في لغو اليمين.
لقد تدرج الناس من الحلف بالله إلى الحلف بأشياء أخرى، تجد الشخص يحلف باستمرار: علي الطلاق إلا ما شربت معي الشاي، عليّ الطلاق إلا ما أكلت معي, امرأتي طالق إذا لم تأت معي، وكثير من التطليقات تقع بهذا، يقول الإمام الماوردي: مثل هذه المصطلحات وضعها الشارع لأداء مهمة معينة في حياة المكلفين، فلا يجوز التلاعب بها.
стр. 2035
الألفاظ الصريحة في الشرع لا تستعمل لغير معناها المراد أصلاً
يقول العلماء: قول الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا لفظ صريح، واللفظ الصريح لا يحتاج معه إلى نية.
بخلاف اللفظ الضمني، لو قال لامرأته: اخرجي من بيتي، أو اغربي عن وجهي، أو الحقي بأهلك، فنقول له: ما هي نيتك في ذلك؟ لأن هذه اللفظة يجوز أن تكون للتهديد، ويجوز أن تكون لمجرد الزيارة؛ فقوله لها: الحقي بأهلك يعني: اذهبي لزيارتهم؛ لأنها لم تزرهم من مدة طويلة، ففي هذه الحالة لابد من سؤاله عن نيته، لكن لو كان اللفظ صريحاً، كأن يقول لها: أنت طالق، ففي هذه الحالة هذا طلاق واضح، سواء قصد أو لم يقصد، نوى إيقاع الطلاق أو لم ينو؛ لأنه صريح لا يحتاج إلى نية، فإذا قال: أنا لم أنو، نقول: لا تتلاعب بألفاظ الشرع؛ لأن الشارع قد وضع لفظ: (أنت طالق) لإيقاع الطلاق، فلا يجوز أن تستخدم هذا اللفظ في غير محله، وما أعد له في الشرع.
فمثلاً: أحد كبار القوم يفتي ويقول: من لم يخرج ثلاثة أيام في الشهر، أو أربعين يوماً في السنة، أو أربعة أشهر في العمر فهو كافر مرتد، هكذا قال، وهو من كبار القوم، فلما ناقشناه في ذلك، قال: أنا ما قلت، وهذا الكلام ملفق علي، فلما وجدنا الشريط الموجود فيه هذا الكلام، وسمعه بنفسه، أحرج، فأراد أن يخرج من هذا، وقال: معذرة، نحن معاشر الجماعة لنا معان خاصة لمصطلحات خاصة.
نقول: هذا كلام لا يوافق شرعاً ولا لغة؛ لأن الشارع وضع كلمة (مرتد) لشيء معين، وكلمة (كافر) لشيء معين؛ فلا يجوز التلاعب بهذه المصطلحات التي لها مدلول صريح، فأنا عندما أقول: فلان هذا كافر مرتد، ماذا تفهم من ذلك؟ تفهم منه أنه خرج من الملة، فلا يجوز استخدام هذه المصطلحات في غير ما وضعت له لغة ولا شرعاً، أما أن تطلقها على الناس وبعد ذلك تقول: هذه مصطلحات خاصة، فبأي دليل صارت هذه المعاني خاصة؟ هذا هروب من المأزق فقط، لكن هب أننا سنسلم أن لها معاني معينة مخصوصة عندكم في الجماعة، فهذه الجماعة تتكون من أناس لا علاقة لهم بالعلم الشرعي، ولا بالتكاليف الشرعية، بل ربما معظمهم لا يصلي ولا يصوم، وقد جمعتهم من المقاهي والطرقات وغير ذلك، ثم أنت تسمعهم وعلى الملأ في خطبة الجمعة هذا الكلام، فإنه قد يأتي إلي أنا ويسألني: هل خرجت يا شيخ؟! فأقول له: لا، فيقول: أنت كافر مرتد.
إذاً: هذه الجماعات ستتحول من صوفية إلى خوارج في المستقبل، أن تتكون لدى عامة الجماعة فكرة أن من ترك الخروج فهو مرتد وكافر.
قبل ذلك كنا نعاني من جماعة التكفير، ولا زلنا نعاني منهم بعض الشيء، لكن بحدود، وأنا أخشى في المستقبل أن نعاني من هذه الجماعة، جماعة الدعوة والتبليغ.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →