Полный текст (2 103 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بيان أن القول بوجوب نصب الخليفة معتقد أهل السنة والجماعة
ورد علي سؤال يقول: إنك تقول بوجوب نصب الخليفة، وسمعناك في الدرس الماضي يوم السبت الماضي تقول: يجب على كل مسلم أن يساهم وأن يبادر في نصب الخليفة العام، واعلم أن هذا المطلب ليس مطلب أهل السنة والجماعة، وإنما هو مطلب أهل البدعة؟
الجواب
إن الشبهة دخلت على السائل من باب خلط وجوب نصب الخليفة بين معتقد أهل السنة والجماعة وبين حزب التحرير، فحزب التحرير هذا حزب شر على الإسلام والمسلمين، وهو من الشيعة والقدرية؛ لأن هذا الشعب إنما يفخر بثوابت الإسلام وبدعائم الدين، وهذا الحزب ما أُنشئ إلا لإحداث البلبلة والقلقلة في صفوف المسلمين، وحربنا لهذا الحزب -في الشام تارة، وفي أمريكا تارة، وفي مصر تارة- لا يخفى على من كان يعرف جهاده -والحمد لله- ضد هؤلاء، بل ولي مصنّف في حزب التحرير وبيان عوار ما كانوا عليه من ديانة، لكنهم دائماً يطالبون بالخلافة، ولو انعقدت الخلافة من جبريل ﵇ لقالوا ببطلانها؛ لأنهم يقصدون أن يكون الخليفة من بينهم هم، فلو انعقدت لجميع الأنبياء والملائكة فهي عندهم باطلة، ولهم في الخلافة منهج منحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، فليس هذا بطبيعة الحال ما نعنيه ولا نقصده.
ثم من القائل: إن وجوب نصب الخليفة بدعة؟ هل إذا أتانا الخليفة نقول: لا.
الخلافة بدعة؟! أظن أن كل مسلم صادق عالم بأمر دينه يتمنى أن لو يرسل الله تعالى إلينا خليفة، وإنكم لتعلمون أن الأمة في عز وسيادة وريادة طالما كان فيها خليفة، ولعلكم توقنون أن الذل والهوان ما لحق بالأمة إلا بعد موت آخر خليفة عثماني سنة (١٩٢٩م) على يد الكلب الهالك مصطفى كمال أتاتورك، فالإسلام ما أُهين إلا بعد موت هذا الخليفة، وكان هذا الخليفة يهدد أوروبا، فلا يمكن للأمة أن ترجع إلى ما كانت عليه من عز في عهد الخليفة العثماني إلا أن يشاء الله تعالى شيئاً آخر.
قال: (وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع لا بالعقل).
أي: إذا أردنا أن نحتج على وجوب نصب الخليفة، فإنما يكون ذلك بنصوص الشرع: قال الله، وقال الرسول، وأجمع الصحابة، أما أن نقول: مستند وجوب الخلافة أتى بالعقل، والعقل يوجب علينا نصب خليفة، والأمور لا يمكن أن تتم إلا بخليفة! فهذه كلها حلول عقلية، ونصب الخليفة دائماً يكون بالشرع لا بالعقل.
قال: (وأما ما حكي عن الأصم أنه قال: لا يجب نصب خليفة، وعن غيره أنه يجب بالعقل لا بالشرع، فباطلان، أما الأصم -الذي قال: لا يجب نصب الخليفة- فمحجوج بإجماع من قبله).
والإجماع حجة، وخاصة إجماع الصحابة الذي لا خلاف عليهم.
قال: (وأما الأصم فمحجوج بإجماع من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدة التشاور يوم السقيفة).
يعني: الأصم لما قال: بعدم وجوب نصب الخليفة في كل وقت احتج بالمدة الزمنية اليسيرة بين موت النبي ﷺ وتنصيب أبي بكر، ولا شك أن هذه المدة ليس فيها حجة مطلقة للأصم؛ لأن الصحابة ما تركوا نصب الخليفة إلا من باب التفاهم في تعيين من هو الخليفة؟ ثم هل يمكن أن يؤخذ من بعض اليوم حجة في عدم الوجوب؟ أبداً لا يمكن أن يكون ذلك، بل كانوا في تلك المدة ساعين في النظر في كل من يعقد له.
وأما القائل الآخر -وهو الذي قال: إن الخليفة يجب نصبه بالعقل لا بالشرع- ففاسد كذلك وفساده ظاهر؛ لأن العقل لا يوجب شيئاً، ولا يحسنه ولا يقبحه؛ لأن التحسين والتقبيح والوجوب والإثم وغير ذلك كله معروف بالشرع لا بالعقل.
стр. 317
اختلاف العلماء في نص النبي ﷺ على إمامة أبي بكر
في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة، وهذه المسألة محل نزاع، وقد ثبت أن النبي ﵊ نص على خلافة أبي بكر.
قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، لكن هذا في عموم الاقتداء، ومن الممكن أن يصرف النص عن ظاهره، فتكون خلافة أبي بكر على عموم الاقتداء، وأن هؤلاء من أئمة الهدى، بل أعظم أئمة الهدى من بعده، ولكن لا يلزم أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر؛ لأنه يجوز نصب المفضول في وجود الفاضل، وغير ذلك من النصوص، ولا داعي لسردها؛ لأننا لسنا بصدد هذا، وهناك أدلة أخرى كثيرة على نص الإمامة لـ أبي بكر، منها: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فهذه إمارة الصلاة! والمعروف أن إمارة الصلاة جزء من الإمارة العامة، وليست هي الإمارة العامة، ومع ذلك فالنصوص كلها الواردة في إمارة وخلافة أبي بكر ليست صريحة في الخلافة العامة، بل مؤولة؛ ولذلك لم يختلف أهل السنة والجماعة على أن النبي ﷺ نص على إمامة أبي بكر.
فهذه النصوص في ثبوت الإمامة، وأنه من أئمة الهدى إشارة إلى خلافته.
إذاً: خلافة أبي بكر الصديق معلومة بالإشارة، وهذا قول جمهور أهل السنة.
ومنهم من قال: لا.
هذه النصوص كلها تُحمل على الخلافة العظمى، فتكون إمامة أبي بكر معلومة في الدين بالنص الظاهر.
وهذه المسألة من مسائل الخلاف عند أهل السنة والجماعة، ولذلك هم لا يبدّعون ولا يفسّقون المخالف؛ لأن هذه من مسائل الخلاف المعتبر عند أهل السنة والجماعة، تماماً كما في التفضيل بين عثمان وعلي ﵄، فمنهم من كان يفضّل عثمان على علي، ومنهم من كان يفعل العكس، ويقولون: إمامة عثمان بن عفان جائزة في حضور علي بن أبي طالب وإن كان علي أفضل منه، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك على رفع هذا الكلام، وأن عثمان أفضل من علي، وأولى بالإمامة من علي، وأن الخلفاء الراشدين الأربعة على ترتيبهم في الخلافة هم على ترتيبهم في الفضل، فـ أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، وعثمان أفضل من علي، وهذا هو الراجح.
وكما قال الأصوليون: الإجماع بعد الخلاف يقطعه.
إذا كانت هناك مسألة محل نزاع، ثم عقد الإجماع بعد ذلك على أحد الرأيين، فلا شك أن الخلاف قبل ذلك ينقطع.
ففي هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم ينص على خليفة وهو إجماع أهل السنة وغيرهم.
قال القاضي: وخالف في ذلك بكر ابن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نص على أبي بكر.
وقال ابن الراوندي: نص على العباس.
وقال الشيعة والرافضة: نص على علي.
وهذه دعاوى باطلة وتحفيز على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحس؛ وذلك لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشورى، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يدع علي ولا العباس ولا أبو بكر وصيتهم في وقت من الأوقات، وقد اتفق علي والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة من ذكر وصية لو كانت.
فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية -كما تزعم الشيعة- فقد وصف الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه، وكيف يحل لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة والكذب والاتفاق على الباطل في كل هذه الأحوال، ولو كان شيء لنُقل، وإنه من الأمور الموضوعة.
стр. 318
باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها
قال: (باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها) أي: الإمارة العامة أو الخاصة.
قال: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا الحسن -وهو ابن أبي الحسن البصري - حدثنا عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة.
فإنك إن أعطيتها عن مسألة أكلت إليها) وفي رواية: (وكلت إليها -إما بالهمز وإما بالواو: أكلت أو وكلت إليها- وإن أعطيتها عن غير مسألة أعُنت عليها).
يعني: أعانك الله عليها.
شيء يفرض عليك فرضاً بخلاف شيء تطلبه أنت طلباً، فالذي تطلبه أنت لا تُعان عليه، والذي يُفرض عليك فرضاً يعينك الله تعالى عليه.
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا: حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: (دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي)].
يعني: من الأشعريين، وهناك فرق بين الأشعريين والأشاعرة، وإن كان أصل النسب واحداً؛ لأن أبا الحسن الأشعري هو منسوب إلى قبيلة الأشعريين أيضاً.
قال: [(دخلت على النبي ﷺ .
أنا ورجلان من بني عمي فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمّرنا على بعض ما ولاك الله ].
يعني: أمّرنا على أي شيء حتى ولو كان كوماً من تراب.
فإذا كان يفهم من ذلك أن الإمارة إلى هذا الحد، فلماذا ننقم على غيرنا ممن لا دين له ولا علم عنده ولا تقوى ولا صيام ولا صلاة ولا زكاة، وهو حريص على الإمارة؟ قال: [(فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمّرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله ولا أحداً حرص عليه)].
لأن سؤال السائل يدل على الرعونة والسفاهة والطيش والتطلّع، وبالتالي فإن هذه الأخلاق القلبية الرذيلة لا تؤهل المرء أبداً لأن يتولى عملاً، ولا يتولاه إلا من كان نقي العلم والعقل والعمل والقلب، هذا يكون أعظم للإمامة والإمارة.
قال العلماء: الحكمة في عدم تولية من سأل الولاية: أنه يوكل إليها، ولا تكون معه إعانة من الله .
стр. 319
نماذج من ورع السلف ورفضهم للولاية
يذكر أن سفيان الثوري ﵀ أرسل إليه الوالي ليعطيه القضاء، فامتنع سفيان، فحمله الوالي على المجيء فجاء ودخل مجلس الوالي، فطلبوا منه أن يتولى القضاء، فقام سفيان بأفعال غريبة حتى سال لعابه من فمه؛ ليظن الحاضرون أنه معتوه، وأنه لا يفهم شيئاً، فقال له الأمير: مهما عملت لابد أن تتولى القضاء، فلما حمله على ذلك قال له: دعني أستخير وأستشير وأرد عليك، قال: سترجع إلينا ثانية؟ قال: سأرجع، فخرج من مجلس الأمير وترك نعله، ثم عاد فأخذ نعله وانصرف، فتنبه أحد العلماء الحاضرين لذلك فقال: لن يرجع إليك أيها الأمير! قال: ولم؟ قال: إنه وعدك بأن يرجع، وقد ترك نعله في المجلس فرجع كما وعدك وأخذه، فلن يرجع إلى هنا مرة أخرى.
وأبو حنيفة ﵀ جلد بسبب رفضه للقضاء سبع مرات.
أما اليوم فانظروا إلى السفهاء والحمقى والمغفلين الذين يدفعون آلافاً، بل ملايين الجنيهات من أجل أن يتولوا منصب القضاء وهم لا يُحسنون أن يقضوا في شعيرة أو في حزمة جرجير، ومع هذا يفتون في الدماء والأموال والأعراض، ويتولون القضاء مع سكرهم وعربدتهم وسلوكهم المنحرف، ومجالسهم كلها مشبوهة، وأعمالهم كلها مبنية على الرشوات، ومع هذا يدفعون الآلاف والملايين لأجل الحصول على كرسي ذي رجلين أو ثلاثة لا أقول أربعة، وإنما كرسي مكسر، يريدون أن يكونوا قضاة، حتى ولو كان العمل حقيراً مرذولاً، وفرق بين كون هذا العمل حقاً لك تسعى للحصول عليه، ولا سبيل إليه إلا بالمال، أو تدفع المال لترد ولا سبيل لرفعه إلا بالمال، أما أن تكون عالماً بأن هذا المكان لست أهلاً له ثم تسعى إليه فهذا جرم عظيم وكبيرة من الكبائر؛ فإنه لا يجوز لأحد قط أن يسعى لولاية إلا إذا رأى عجز الناس عنها، ورأى من نفسه رشداً في ذلك، فإن يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، أي: اجعلني وزير المال، فإنه لا أحد في ولايتك ولا في إمامتك يستطيع أن يقوم بهذه المهمة، وأنا على خبرة بذلك، فأنا أهل لذلك المنصب.
стр. 320
شرح حديث: (لا نستعمل على عملنا من أراده ومن طلبه)
قال: [حدثنا عبيد الله بن سعيد ومحمد بن حاتم -واللفظ له- قالا: حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا قرة بن خالد حدثنا حميد بن هلال حدثني أبو بردة قال: قال أبو موسى: (أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ يستاك)].
يعني: سألاه أن يكون عاملين.
أي: واليين؛ لأن الوالي اسمه عامل.
يعني: عامل للسلطان على البلدة الفلانية.
قال: [(والنبي ﷺ يستاك)].
يعني: يتسوك بالسواك.
قال: [(فقال: ما تقول يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس؟! قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل)].
كان أبو موسى سيد الأشعريين؛ ولذلك نسب النبي ﷺ إليه القول من باب أن يكلّم العظيم العظماء، فرد بقوله هذا، واعتذر إلى النبي ﷺ بأنهم لم يخبراه ولم يطلعاه على ما في أنفسهما.
[قال: (وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت -يعني: قرضه- فقال: لن -أو- لا نستعمل على عملنا من أراده ومن طلبه، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى! أو يا عبد الله بن قيس! فبعثه على اليمن)] والياً.
اللذان جاءا معه وطلبا الإمارة حرماها، وأخذها أبو موسى لأنه لم يطلبها.
قال: [(ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه، قال: انزل)].
стр. 321
الرد على من قال لا يعمل بخبر الآحاد مع بيان بعض أحكام المرتد
أرسل النبي ﷺ أرسل أبا موسى الأشعري ليعلم الناس كلمة التوحيد وهو واحد، ثم أردفه بـ معاذ بن جبل لكي يعلم الناس في مكان آخر، فإن استجابوا علماهم الشرائع.
إذاً: فـ أبو موسى الأشعري آحاد، وكذلك معاذ آحاد، وعلي بن أبي طالب آحاد، وهذا يدل على أن خبر الواحد تقوم به الحجة في العقائد والأحكام، خلافاً للمعتزلة الذين أنكروا ذلك وقالوا: لا يجوز الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، إنما يحتج بالخبر المتواتر قرآناً أو سنة متواترة.
قال: [(فلما قدم معاذ عليه -أي: على أبي موسى - قال: انزل، وألقى له وسادة)].
وسادة يعني: مخدة، وهذا منتهى الإكرام.
يقول: [قال: (وإذا رجل عنده موثق)].
أي: عند أبي موسى شخص مقيد بالسلاسل.
[(قال -أي: معاذ بن جبل لـ أبي موسى -: ما هذا؟ قال: هذا كان يهودياً فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهود.
قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله)].
أرأيتم؟ معاذاً لا يريد أن يجلس أبداً حتى يقتل، فليس هناك سلام قط مع اليهود.
قال: [(اجلس.
نعم.
قال: لا أجلس حتى يقتل.
قضاء الله ورسوله)].
كأن قضاء الله ألا يجلس معهم حتى يُقتل هذا اليهودي.
قال: [(قال ذلك ثلاث مرات، فأمر به فقُتل، ثم تذاكرا القيام من الليل)].
يعني: كأنه بعد مقتل هذا اليهودي قال أبو موسى لـ معاذ: ماذا تعمل في قيام الليل؟ فلو كان هذا في زماننا فإن العالم كله ينقلب؛ لأن أبا موسى قتل رجلاً يهودياً.
إن النبي ﷺ يقول: (أما من أتانا منهم فنرده إليهم، وأما من ذهب منا إليهم فأبعده الله).
أي: نحن لسنا حريصين على من أسلم ويريد أن يرتد، فالذي يريد أن يرتد يرتد، فإن أهم شيء هو الثبات على العقيدة، هل أنا أحامي وأدافع عن أناس، وأضع يدي على قلب من أراد الكفر وأقول له: لا تكفر؟ فالنبي ﷺ علّم هذا الدرس لـ خباب بن الأرت لما قال له: (ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فغضب النبي ﷺ واحمر وجهه، ثم اعتدل وكان متكئاً مسنداً ظهره إلى الكعبة، وقال: إن من كان قبلكم كان ينشر بالمناشير من رأسه إلى قدميه حتى يلقى على الأرض فلقتين لا يرده ذلك عن دينه).
وفي هذا الزمان تجد العلمانيين والمشركين كثيرين جداً من كُتَّاب وصحفيين يلحدون في الله وينكرون وجوده وينكرون شريعته، ويفعلون ذلك آلاف المرات في مقالاتهم، المقال الواحد فيه عشرة مواطن من مواطن الردة، والغريب بعد ذلك كله تجد بعض المشايخ يختلف مع البعض في إثبات الردة لهؤلاء.
قال: [(ثم تذاكرا القيام من الليل، فقال أحدهما -أي: معاذ -: أما أنا فأنام وأقوم، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي)].
يعني: أنا أرجو الله تعالى في نومتي ما كنت أرجوه في قومتي؛ لأنني بنومتي أتقوى به على الطاعة، وكذلك أرجو في وقت طعامي أرجوه في وقت قيامي؛ لأني آكل لأتقوى به على الصيام، وأنام لأتقوى به على القيام، فإني أرجو الله تعالى بهذا وذاك.
أما قوله: (لا أجلس حتى يُقتل، فأمر به فقتل) ففيه: وجوب قتل المرتد، ولا أصرح من ذلك من قوله ﵊: (من بدّل دينه فاقتلوه).
مرة التقيت نصرانياً في شارع الهرم، وجلست معه جلسة، ثم قلت له: ما هو حكمكم على النصراني الذي يسلم؟ قال: القتل.
قلت له: لماذا؟ قال: لأن النبي ﷺ يقول: (من بدّل دينه فاقتلوه).
أنت تحتج بقول النبي ﷺ في هذا؟ إن الشيعة حين يجدون حديثاً صحيحاً في البخاري ومسلم يقولون: عندكم! معناه: أنه عندنا شيء وعندهم شيء آخر، فهم متأكدون أن هذه مسألة مفاصلة بين الشيعة والسنة، ونحن ننعق بالليل والنهار في التقريب بين الشيعة والسنة! قال النصراني النبي ﷺ قال: (من بدّل دينه فاقتلوه).
فالذي يسلم عندنا لا ريب أنه يستحق القتل، والكنيسة قررت ذلك.
فإذا كان اليهود والنصارى يحتجون بحديث النبي ﷺ : (من بدّل دينه فاقتلوه)، فالمسلمون يحتجون به من باب أولى؛ لأن الخطاب موجه للأمة: من بدّل دينه يا معشر الأمة! ويا معشر الخلفاء! فاقتلوه.
وقد أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا في الاستتابة.
يعني: هل يستتاب من بدّل دينه وارتد قبل القتل أم يُقتل؟ منهم من قال: يُقتل بغير استتابة، ومنهم من قال: يُقتل بعد الاستتابة.
واختلفوا في الاستتابة.
فقيل: يوم.
وقيل: ثلاث.
وقيل: شهر.
فإن تاب وإلا قُتل.
وقال القاضي عياض: (وفي هذا الحديث أن لأمراء الأمصار -أي: للولاة الذين عي
стр. 322
شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - غلظ تحريم الغلول
لقد ثبت بالكتاب والسنة غلظ تحريم الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها، وهو نوع من أنواع السرقة، ولكن لا يقام على من فعله حد السرقة؛ لأن للغال حظّاً في الغنيمة فوجدت الشبهة التي تدرأ الحد، وقد بين النبي ﵊ أن عقوبة الغال يوم القيامة أن يأتي بما غلَّ على رقبته، وقد أجمع العلماء على أن الغلول كبيرة من الكبائر، كما أجمعوا على جواز أخذ شيء من الغنائم كالطعام والشراب والسلاح بشرط الحاجة إليه واستخدامه في المعركة ثم إرجاعه إلى الغنيمة.
стр. 323
باب غلظ تحريم الغلول
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 324
شرح أحاديث ذكر الغلول وتعظيم أمره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثني زهير بن حرب] أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، فهو من أكابر شيوخ الإمام مسلم [قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم] وهو المعروف بـ ابن علية إسماعيل بن علية بن مقسم الأسدي الضبي أبو بشر البصري [عن أبي حيان] وهو يحيى بن سعيد بن حيان، وهو تيمي كوفي [عن أبي زرعة] وهو ابن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، وأبو زرعة مختلف في اسمه جداً على عدة أقوال: فهو مشهور ومعروف بكنيته، ولذلك استغنى الرواة عن ذكر أسماء مختلفة بذكر المتفق عليه وهو الكنية أبو زرعة، اشتهر بالرواية عن أبي هريرة ﵁، كما أن أبا هريرة اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين اسماً، لكنه مشهور بكنية واحدة: أبو هريرة.
[قال أبو هريرة: (قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره)].
والغلول: نوع من أنواع السرقة، لكنه ليس بالسرقة التي يقام عليها حد القطع؛ لأن الذي يغل هو الذي يأخذ من مال الغنيمة قبل توزيعها على الجند المقاتلين، وله فيها حظ ونصيب؛ ولذلك لم يأمر الشرع بقطع يد الغال لهذه الشبهة.
شبهة أن له في هذا المال نصيباً كالذي يسرق مالاً مشتركاً بينه وبين شريك له مع أنه سارق، لكن لا تقطع يده، لقيام الشبهة.
والحدود تدرأ بالشبهات، فهذا الذي سرق مالاً له فيه شريك لا يقام عليه الحد؛ لأن له في هذا المال حظاً وملكاً، وهذا الحظ والملك يسمى في الشرع شبهة، تُدرأ بها الحدود فلا تقطع يده.
فالغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل أن يقسمها الإمام.
ولا شك أن ثبوت الحظ فيها لهذا الغال؛ لكونه من المقاتلين يدرأ عنه الحد، لكن له عقوبة أخرى كما أن النصّاب له عقوبة أخرى.
المحتال لأخذ المال له عقوبة، والسارق من الحرز له عقوبة، وإن كان يصدق على كل هؤلاء اسم السرقة، لكن لكل واحد منهم تصنيف: هذا سرقة، وهذا غلول، وهذا نصب واحتيال إلى غير ذلك من التصانيف الشرعية للفعل الواحد.
ولذلك أُسندت إقامة الحدود إلى السلطان لا إلى الأفراد؛ لأن الأفراد ليس عندهم التأهيل العلمي لجعل كل سرقة في مكانها، وإنما يعدون كل أخذ أموال الغير بغير حق سرقة ونصباً واحتيالاً، وربما لا يفرّقون بين العقوبات، فيقطعون يد كل من أخذ مال الغير حتى وإن كان عن طريق النصب، والنصب له عقوبة أخرى ليست هي القطع، والاحتيال كذلك، والغلول كذلك، وإن كان الكل يشترك في معنى واحد وهو أخذ أموال الغير بلا حق ولا بيّنة.
قال: [(قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظّمه وعظّم أمره).
أي: ذكر أنه أمر عظيم شنيع جداً.
ليس معنى (فعظّمه): أنه أمرٌ عظيم شريف.
وإنما معناه: فعظّم أمره جداً، وهوّله جداً، وخوفنا منه جداً.
قال: [(ثم قال: لا ألفين)] أي: لا أجد.
وفي رواية: [(لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء)] يعني: حذار أن أجد أحداً منكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير قد حمله.
قال: (له رغاء) والرغاء: اسم لصوت البعير [(يقول: يا رسول الله! أغثني -أي: اشفع لي الآن- فأقول: لا أملك لك شيئاً.
قد أبلغتك)] أي: أنا من قبل في الحياة الدنيا قد حذّرتك.
قال: [(لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة -الحمحمة: هي صوت الفرس- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً.
قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء -وهو اسم لصوت الشاة- يقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً.
قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح)] النفس لفظ عام، فربما سرق من الأسرى واحداً، أو من الإماء واحدة، وربما يكون المعنى أعم من ذلك.
قال: [(فيقول: يا رسول الله أغثني.
فأقول لا أملك لك شيئاً.
قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، ولو شيئاً من جلد يسير، فيقول: يا رسول الله أغثني.
فأقول: لا أملك لك شيئاً.
قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت -والصامت هو الذهب والفضة.
أي: يسرق شيئاً من أموال الغنائم ذهباً أو فضة- فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك).
وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة -وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم الكوفي المعروف بـ أبي بكر - قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان] وهو الكناني المعروف بـ أبي علي الأشل وهو مروزي الأصل، نزل الكوفة وله تصانيف مف
стр. 325
كلام النووي في شرح أحاديث تعظيم أمر الغلول
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 326
التصريح بغلظ تحريم الغلول
قال الإمام النووي: (قوله: (ذكر رسول الله ﷺ الغلول فعظّمه وعظّم أمره).
قال: هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول)، ومعنى: غلظ.
أي: ينقله من كونه صغيراً إلى الكبير.
أي أن كلمة الزجر الشديد أو علامة الزجر الشديد أمارة على أن الفعل المنهي عنه كبيرة من الكبائر، كما لو جاء في الفعل عقوبة أو وعيد بالنار أو العذاب أو البراءة أو اللعن، فكون هذا علامة على أن هذا الفعل الذي ترتب عليه هذا الزجر الشديد يدل على أنه كبيرة من الكبائر.
وكذلك من علامة الكبيرة: الحد في الدنيا.
وكذلك من علامات الكبيرة: إرجاء العذاب أو العفو إلى يوم القيامة، إلى مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٤٠].
فهذه وغيرها من العلامات لاعتبار هذا الفعل الذي ترتب عليه هذا العقاب أو إقامة الحد في الدنيا دليل على أن الفعل كبيرة؛ لأنه لا حد على الصغائر، وإنما الصغائر فيها التعزير، والتعزير لا يزيد عن عشر جلدات، فما ضرب النبي ﷺ حداً قط أكثر من عشر جلدات في صغيرة من الصغائر.
قال: (تصريح بغلظ تحريم الغلول، وأصل الغلول في اللغة: الخيانة -والخيانة تصدق كذلك على النصب والاحتيال والسرقة والغلول وغير ذلك- ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة) يعني: أن تقع الخيانة في الغنيمة فهذا اسمه في الشرع غلول، وفي اللغة: غلول وخيانة.
(قال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه.
أي: محبوسة).
أي: حبس الشرع الأيدي أن تمتد إلى هذه الأموال ولو كانت تحت أيديها، ومعنى أن الشرع حبس الأيدي أي: منعها من تناول هذا الشيء على سبيل التملك.
стр. 327
تحريم السرقة من المغنم وبيان مصارف الفيء
المعلوم أن الفارس إذا تتبع العدو فقتله غنمه، وأخذ منه فرسه وسلاحه ومتاعه وطعامه وشرابه وغير ذلك، فالمعلوم أنه موكل إلى إيمانه وإلى تقواه وإلى الوازع الإيماني في قلبه؛ لأن هذا مال بين يديه، فالمطلوب منه أن يتناول هذا المال وأن يسلمه للإمام، ولذلك حبس الشرع يد المقاتل أن تمتد لشيء من الغنيمة إلا على سبيل نقلها إلى الإمام، أما على سبيل التملك فهذا غلول وسرقة، وتملك بغير حق شرعي، ولا يصح التملك من الغنيمة إلا بعد إذن الإمام بإعطاء السهم، إذا كان هذا من الغنيمة، وإذا كان من الفيء فلا حظ للمقاتل؛ لأنه لا يقاتل أصلاً، والفيء ما أخذه المسلمون صلحاً أو أماناً أو عهداً أو خراجاً أو نزولاً على بقائهم في بلادهم -أي: بقاء الكافرين في بلادهم- على أن يؤدوا من المال ومن الثمر كيت وكيت على حسب ما يتفق الإمام مع هؤلاء.
أي: أصحاب الأرض.
فحينئذ للإمام أن يأخذ هذا المال وأن يقسّمه على فئات معينة وليس على كل فئة؛ ولذلك قال الله تعالى في غزوة بني النضير: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
مرد ذلك إلى أن هذا شيء أخذه النبي ﵊ من بني النضير دون قتال، -أي: دون قتال يُذكر- ويستحق أن يسمى هذا المال غنيمة، وإنما هو فيء أخذه المسلمون بغير قتال، فكان الفيء موزّعاً على هذه المصارف الخمسة: لله.
أي: للمجاهدين وإعداد الجيوش.
وللرسول: أي لخاصة الرسول ﷺ وأهل بيته أي: أزواجه، ولذوي القربى أي بني هاشم وبني عبد المطلب؛ لأن الصدقة محرمة عليهم؛ فعوضهم الله تعالى سهماً من أسهم الفيء.
ولليتامى.
أي: لفقراء اليتامى.
وابن السبيل.
حتى وإن كان غنياً وانقطع به الطريق فيأخذ حتى يتبلّغ إلى مكانه وإلى ماله.
قال: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ [الحشر:٧] أي: مالاً متداولاً بين الأغنياء كما كان هذا الأمر في الجاهلية، كانت القبيلة إذا قاتلت قبيلة أخرى وانتصرت عليها أخذوا أموالها ووضعت بين يدي شيخ القبيلة الغالبة المنتصرة، فيأخذ منها الربع حقاً خالصاً له، ثم يأخذ منها ما اشتهته نفسه بعد الربع؛ ولذلك قال شاعرهم: لك المرباع منها والصفايا.
أي: الربع منها وما يصفو لك منها بعد ذلك على حسب ما تشتهيه نفسك، وأما نحن فلنا الحثالة والباقي، سواء كان قليلاً أو كثيراً على حسب نصيبنا وحظنا، فنهى الإسلام عن هذا وقال: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:٧] وحينما كان الأمر هذا لا يمكن تقريره إلا بتقوى الله قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:٧].
ثم بيّن عاقبة مخالفة التقوى ومخالفة تقسيم الفيء على هذا النحو فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] أي: إذا لم يكن ذلك منكم على مقتضى تقوى الله والخوف منه فإن الله تعالى شديد العقاب في الدنيا والآخرة.
هذا بالنسبة للفيء، أما بالنسبة للغنيمة فللفارس سهم وللفرس سهمين.
стр. 328
معنى قوله: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير)
قال: (قوله: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء).
أي: لا أجدن أحدكم على هذه الصفة.
ومعناه: لا تعملوا عملاً أجدكم بسببه على هذه الصفة.
والرغاء بالمد: صوت البعير، وكذلك المذكورات بعده هي أسماء أصوات لها.
стр. 329
الرد على شبهة الاستدلال بقوله (لا أملك لك من الله شيئاً) على إنكار شفاعة النبي لأصحاب الكبائر
قوله: (لا أملك لك من الله شيئاً) أي: أنا يا رسول الله! ارتكبت كبيرة وأتيت هذا الوقت لتشفع لي.
فقوله: (لا أملك لك شيئاً) يعتمد الملاحدة على هذه اللفظة في نفي شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة لأصحاب الكبائر، ويقولون: لا شفاعة للنبي ﵊.
وبلا شك لأول وهلة أن هذه شبهة، والنبي ﵊ قد ثبت عنه أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) فما باله ﵊ يتخلى في هذا الحديث عن صاحب الكبيرة ويقول: (اليوم لا أملك لك من الله شيئاً) قد حذّرتك وقد منعتك وخيرتك في الدنيا فلم تطع.
الجواب
يكون ذلك أولاً: أن النبي ﷺ في أول الأمر وفي أول وهلة إذا طلب منه الواحد -وليست الأمة- أن يشفع له يقول: الآن وفي هذا التوقيت لا أملك لك أنت شخصياً وقد حذّرتك، فالنبي ﷺ يعتذر عن الشفاعة أولاً، حتى يأتي موعدها العام بأمر الله تعالى.
أليس النبي ﵊ قد قال في حديث الشفاعة: (ثم آتي فأسجد تحت العرش، فأُلهم محامد لم أكن أحمد بها من قبل، فيقول لي ربي ﵎: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفّع)؟ فحينئذ من الذي يأذن له في الشفاعة؟ الله .
أما في أول الأمر وفي أول البعث والحشر يأتيه فلان أو علان لوقوعه في كبيرة أو في معصية فيقول له: اشفع لي يا رسول الله! فيقول: الآن وفي هذا التوقيت بالذات أنا لا أملك الشفاعة، فالشفاعة لها وقت مخصوص ومكان معلوم ليس هذا أوانها، فاعتذاره ﵊ عن الشفاعة أولاً لأن هذا ليس وقتها، إنما وقتها يأتي بعد، ثم يشفع في جميع الموحدين ﵊ بعد ذلك لا في واحد دون الآخر.
стр. 330
الاستدلال بحديث الباب على وجوب زكاة العروض وبيان خلاف العلماء في ذلك
قال: (واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على وجوب زكاة العروض -أي: عروض التجارة- وكذلك زكاة الخيل، ولا دلالة فيه لواحد منهما؛ لأن هذا الحديث في عقوبة الغلول).
وزكاة العروض محلها الزكاة، والربط بين هذا الحديث وبين زكاة العروض بعيد جداً، بل الاستدلال به استدلال باطل في غير محله.
والحديث الذي ورد في زكاة العروض حديث ضعيف باتفاق المحدثين، ولكن الجمهور اعتمدوا عليه في مشروعية زكاة العروض.
والقول بالمشروعية يشمل الاستحباب والوجوب؛ ولذلك يهرب كثير من الناس من توصيف زكاة العروض، فيقول: زكاة العروض مشروعة.
ولا يقول: مستحبة أو غير ذلك.
أما الجمهور فقد ذهبوا إلى وجوب زكاة العروض، واعتمدوا على هذا النص وعلى نص آخر ضعيف، ولكنه صريح في وجوب الزكاة، ويا ليته صح! وذهب الظاهرية إلى عدم مشروعية زكاة العروض، أما جماهير علماء الأمة سلفاً وخلفاً فعلى مشروعية زكاة العروض، واختلفوا فيما إذا كانت واجبة أو مستحبة، فالذي اجتهد في إثبات الحديث قال: بوجوب زكاة العروض.
وجمهور أهل العلم قال بأن الحديث فيه نزاع أو هو ضعيف، ولكنه في باب فضائل الأعمال؛ وهو أكبر عون على مواساة الفقراء في مال الأغنياء وغير ذلك، فقالوا باستحباب زكاة عروض التجارة.
стр. 331
إجماع العلماء على تغليظ تحريم الغلول وأنه من الكبائر
قال: (وأجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر).
إذاً: إثبات الغلول وبعد ثبوته يثبت فيه الغلظ أو التغليظ الشديد في التحريم، فهذا التغليظ يجعل الفعل كبيرة من الكبائر بكتاب الله وبسنة النبي ﵊، وبإجماع أهل العلم، وهذه مصادر التشريع المعتبرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] نفى الله وبرأ صفحة الأنبياء أن يقعوا في مثل هذه الكبيرة أبداً ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١] أي: ما وقع الغلول ولن يقع من نبي قط، ثم قال الله تعالى: ((وَمَنْ)) من ألفاظ العموم، ((وَمَنْ يَغْلُلْ)) أي: من بقية الناس وبقية الخلق ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] يأت به على هذه الصفة.
إذا غل فرساً يأتي به قد حمله على رقبته له حمحمة، وإذا كان بعيراً له رغاء، وإذا كانت شاءً أو ذهباً أو فضة يأتي بما غل وإن كان شيئاً من جلد يسير، أو عوداً من أراك.
يعني: شعيرة يسيرة جداً من ضمن عود الأراك وهو السواك.
стр. 332
وجوب رد الغال لما غله وبيان كيفية التصرف فيه
قال: (وأجمعوا على أن عليه رد ما غلّه، فإن تفرق الجيش وتعذر إيصال حق كل واحد إليه ففيه خلاف بين العلماء.
قال الشافعي وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة.
وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور: يدفع خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي).
فالعلماء كافة قالوا بعقوبة الغال.
قالوا: إما أن يتوب إلى الله قبل أن يوزع الإمام الفيء أو الغنيمة على الناس، وإما أن تكون التوبة وإرجاع الأموال بعد تفرّق الناس وأخذ كل ذي حق حقه.
قالوا: فإن تاب قبل توزيع الغنيمة وقبل تفرق الناس قُبل منه ذلك ويجب على الإمام أن يأخذ منه ما قد غل، أما إذا تفرّق الناس وقد أخذوا غنائمهم وأنصبتهم فقال الشافعي: يدفع مال الغلول إلى السلطان والأمير والحاكم، ويتوب إلى الله ولا شيء عليه.
وقال جماهير أهل العلم: يأخذ الإمام الخمس من مصلحة العامة ويتصدق هذا الغال بالأربعة الأخماس الباقية معه، وهذا الرأي هو الصحيح.
أما مذهب الشافعي فضعيف، ومذهب الجمهور يستند إلى حديث ضعيف كذلك، وقد ورد في سنن أبي داود، أما عمل الأمة في أزمنتها الأولى فبمذهب الجمهور.
стр. 333
اختلاف العلماء في صفة عقوبة الغال
قال: (واختلفوا -كذلك- في صفة عقوبة الغال.
فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار: يعزر).
مع أنه كبيرة؛ لأنه ليس كل كبيرة فيها حد.
فعقوق الوالدين كبيرة عليه عقوبة في الدنيا لكن ليس عليه الحد، وإنما ورد في شأنها الوعيد الشديد، وهذا الوعيد جعلها كبيرة من الكبائر، فكذلك الغلول قد ورد فيه الوعيد الشديد فجعله كبيرة، لكن لم يرتب الشرع عليها حداً.
(فقال الجمهور: يعزّر على حسب ما يراه الإمام، ولا يحرق متاعه).
قياساً على مانع الزكاة، وقد ورد في لفظ أن مانع الزكاة يؤخذ منه نصف ماله ويُحرق متاعه، وهو حديث ضعيف.
وقيل: صحيح.
ولكنه مكروه.
فالقول الأول أنه يعزّر على حسب ما يراه الإمام والسلطان ولا يحرق متاعه.
(وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم عدة، أما مكحول والحسن والأوزاعي فقالوا: يُحرق رحله ومتاعه كله).
فـ الأوزاعي قال: (من غل أُحرق متاعه إلا السلاح والثياب التي يلبسها.
وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف.
واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر في تحريق رحله.
قال الجمهور: وهذا حديث ضعيف؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم وهو ضعيف.
قال الطحاوي: ولو صح يُحمل على أنه كان إذا كانت العقوبة بالأموال كأخذ شطر المال من مانع الزكاة وضالة الإبل وسارق التمر، وكل ذلك منسوخ، والله أعلم).
стр. 334
حكم أخذ المقاتلين شيئاً من الغنائم تدعو الحاجة إليه قبل توزيعها
إن قيل: هل يحرم على جميع المقاتلين أخذ أي شيء من الغنائم؟
الجواب
لهم أن يأخذوا طعامهم، كما ثبت من قبل في الصحيح أنهم كانوا يأخذون العسل والسمن، وكانوا يأخذون علف الدواب، وما دعت إليه الحاجة للقتال -أي: لمصلحة القتال والنصر- فلو أن مجاهداً سقط من على فرسه أو أخذ العدو سلاحه فوجد سلاحاً لكافر ملقى على الأرض فإنه له أن يأخذه ليقاتل به، فإذا فرغ من القتال رد السلاح إلى الغنيمة، وإن كاد يموت جوعاً أو عطشاً، ووجد في متاع كافر قد قتله وأخذ سلبه طعاماً وشراباً فإنه يجوز له أن يأكل ويشرب.
إذاً: ما دعت إليه الحاجة من مال العدو وطعامه وشرابه وسلاحه وفرسه فله أن يستخدمه ويرد ما فضل عن حاجته بعد الحرب إلى الإمام.
стр. 335
حكم الإسهام للغال من الغنيمة
هل يأخذ الغال سهمه من الغنيمة؟ نحن اتفقنا على أنه قد غل، لكن هذا الغال قبل الغلول له سهم أم ليس له؟
الجواب
له سهم.
فغلوله شيء واستحقاقه لسهمه في الغنيمة شيء آخر، أما استحقاقه فيجب دفع الحق إليه، وأما غلوله فله حكم آخر، أن يرد ما غل ويتوب إلى الله .
وبعض العلماء قال: جزاء وقوعه في الغلول يُحرم السهم.
وهكذا اختلف العلماء على هذين المذهبين، فمذهب الجمهور: أنه يأخذ سهمه؛ لأن هذا حق ثابت له أثبته الشرع، فيدفع إليه بأمر الشرع، أما الذي فعله فقد رتّب الشرع عليه شيئاً آخر، أوجب عليه التوبة، وأوجب عليه دفع المال، والتخلّص منه على النحو السابق، فهذا شيء واستحقاقه شيء آخر، وهذا الذي يعجبني من هذين الرأيين.
стр. 336
باب تحريم هدايا العمال
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وابن أبي عمر محمد بن يحيى واللفظ- واللفظ لـ أبي بكر بن أبي شيبة - قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي -وأبو حميد مشهور بكنيته واختلف في اسمه على اختلافات شتى كذلك، فهو مشهور بكنيته- قال: (استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأسد)] أي: جعله عنده عاملاً.
استعمله على بيت المال فهو عامل، استعمله على الصلاة فهو عامل مع أنه الإمام والشيخ الكبير، لكن اسمه في الشرع: عامل؛ لأن الإمام استعمله.
أي: طلب منه أن يكون عاملاً في هذا المكان على إمامة الناس، أو عاملاً على الأذان، أو عاملاً على الصدقات، والعاملون عليها لهم أجر، فقد سماهم القرآن (عاملين) مع أنهم في الأصل جباة لأموال الزكوات وغير ذلك، وهم كذلك يعطون منها لأنهم من مصارفها الشرعية، فهم عُمّال عليها.
قوله: (رجلاً من الأسد) بالسين، وفي رواية: (من الأزد) بالزاي، وكلاهما صحيح، فهو أسْدي أو أزْدي، والرجل الذي استعمله النبي ﵊ اسمه عبد الله بن اللتبية.
[قال عمرو وابن أبي عمر: (على الصدقة)].
أي استعمله النبي ﷺ على الصدقة.
والصدقة عند الإطلاق تعني: الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠].
قال: [(فلما قدم -أي: ابن اللتبية وجمع الأموال وأتى بالمال والسواد العظيم- قال: هذا لكم.
وهذا لي أهدي إلي.
قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه)]، أرأيت النبي ﷺ حينما يريد أن يتكلم أو يخطب؟ يبدأ بحمد الله وتمجيده والثناء عليه، ثم يدخل في الخطبة، ثم يختم بالحمد والصلاة.
قال: [(فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي)] أي: أنني حينما أبعث أحدكم ليأتيني بأموال يأخذ منها شيئاً ويقول: هذا أُهدي إلي! قال: [(أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟)] هذا يدل على أن الإنكار أحياناً يكون بالإغلاظ، لكن إذا كنت لا تؤتى بالقوة فسآتي إليك بالسياسة، وآتيك من الطريق والبوابة التي تصلح معك.
فلو أن واحداً أغلظت عليه عاند وانتقل من شر إلى أشر، ومن سيئ إلى أسوأ، وإذا تلطفت معه وترفقت معه ستكون معه نتيجة فينبغي اللطف معه، (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) فإذا كان هناك من لا يؤتى إلا بالقوة وبالضرب يضرب، وإذا كان هناك شخص لا يصلي فعندما تأتيه بالطيب يقول: هذا الكلام قديم، فإذا حُبس ثلاثة أيام وضرب صلى، فهنا يضرب ويحبس.
قال: [(أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً)] أي من أموال الناس بغير حق [(إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه)].
أورد الإمام مسلم هذا الحديث في هدايا العمال بعد الغلول؛ ليدل على أن هدايا العمال نوع من أنواع الغلول؛ وذلك لاتحادهما في العقوبة، فإنه يوم القيامة يحمله على عنقه بالضبط كنفس عقوبة الغال.
قال: [(إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر -تيعر: تصيح- ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه)] أي: بياض إبطيه، ولكنه ليس بياضاً في الحقيقة؛ لأن هذا المكان من وجود الشعر فيه لا يكون أبيض، وإنما يكون أبيض مترّباً كوجه الأرض؛ ولذلك يقال: عفرتا إبطيه، بسبب وجود الشعر فيشبهان وجه الأرض، ووجه الأرض اسمه عفر الأرض.
فقولك: تعفّرت: أصابك من عفارها.
أي: من سطح الأرض ووجهها.
ثم قال: [(اللهم هل بلغت مرتين)] ﵊.
أي: أنه يؤكد أنه قد بلّغ هؤلاء حتى لا يأتي واحد يوم القيامة فيسأل: لماذا أخذت هذا؟ فيقول: يا رب! هذه هدية.
[حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد.
قالا: أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال: (استعمل النبي ﷺ ابن اللتبية -رجلاً من الأزد- على الصدقة، فجاء بالمال فدفعه إلى النبي ﷺ فقال: هذا مالكم.
وهذه هدية أهديت لي، فقال له النبي ﷺ : أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهدى إليك أم لا؟ ثم قام النبي ﷺ خطيباً) ثم ذكر نحو حديث سفيان بن عيينة] السابق.
[حدثنا
стр. 337
بيان أن هدايا العمال حرام وغلول
قال الإمام النووي: (وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته وحمله ما أُهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بين ﷺ في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل فإنها مستحبة).
حتى إن أهل العلم كانوا لا يأخذون شيئاً من طلابهم على سبيل الورع، لكن لو أن رجلاً عالماً بينه وبين أحد طلابه تعاملات أو جوار أو صداقة، وكانوا قبل ذلك يتعاطون الهدية، فالطالب يعطي العالم والعالم يعطي الطالب، فهذه هدية لا علاقة لها بهذا التحريم، فضلاً عن أنها ليست حراماً، ولكن أهل العلم كانوا يتورعون ويقولون: إنا لا نأكل بديننا وإنما نأكل بأموالنا.
وأحياناً يأتي الطالب بهدية فإذا ردها الشيخ انكسر قلب الطالب وربما امتنع عن الدرس خجلاً أن الشيخ أحرجه أو رده.
ومن الناس من يقول: شيخنا متكبّر.
أتيت له بهدية فلم يأخذها مني، في حين أن وجهة الشيخ وجهة شرعية في رد الهدية.
إن بعد الشيخ عن أموال الناس أمان له في دعوته، خاصة بعده عن أموال الأغنياء؛ لأن أكثر شيء يكسر عين الشيخ أن تمتد يده إلى أموال الآخرين، فإذا كانت يده نزيهة ونظيفة ولا تمتد إلا بالرفض والدفع فحينئذ يكون الشيخ حراً دائماً في فتاواه، أما إذا مد يده فإن اليد التي امتدت مرة لا بد أن تمتد الثانية والثالثة حتى تحرص هذه اليد على أن تمتد، وإذا رجعت خائبة مرة يعز عليه ذلك، لكنه يهون عليه أن تمتد يده الثانية والثالثة والرابعة حتى يكون هذا إلفاً مألوفاً له؛ فيألف أن يتكفف الناس دائماً، ولذلك المعصية إذا وقعت من المرء مرة هان عليه أن تقع الثانية، وطالما كان بعيداً عن المعصية فإنه يهابها ويخاف منها، وترتعد فرائصه عند ذكرها على مسامعه، وأعظم من ذلك جرائم الأموال في ذمة العالم والشيخ، ولذلك ينبغي أن يتربى الطالب منذ نعومة أظفاره في طلب العلم على أن يجعل بينه وبين أموال الخلق جداراً كجدار يأجوج ومأجوج؛ لأن هذا هو الحصن الحصين والسد المنيع الذي يجعلك تنطلق بدعوتك لا تألو لها جهداً، ولا تخاف أن يحرج فيها أحد، أما الذي امتدت يده إلى أموال الآخرين أو جيوبهم، فلا شك أنه إذا استفتاه هؤلاء جاملهم؛ لأنه إن لم يجامل حرموه ومنعوه أموالهم، مع أن أبخل الناس هم الأغنياء وأصحاب الأموال إلا ما رحم الله .
стр. 338
شرح صحيح مسلم - كتاب الإمارة - وجوب طاعة الأمراء في غير معصية
أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية؛ لورود الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة على ذلك، كما استقر الإجماع على عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق الظالم، وانعقد الإجماع كذلك على وجوب خلع الكافر من الولاية إذا تبين كفره وباح به قولاً واحداً، بخلاف المبتدع المتأول.
стр. 339
باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية).
وعموماً سواء كان الأمراء أو غيرهم فيحرم طاعتهم في معصية الله ، أما مسألة: هل طاعتهم واجبة أو غير واجبة فمتوقف على كنه الآمر، إذا كان أماً أو أباً أو رئيساً للعمل أو أميراً أو سلطاناً أو عالماً أو آحاد الناس، فلا شك أن آحاد الناس إذا أمر أو نهى ولم يكن له سلطان على المأمور فإن طاعته حينئذ غير واجبة، أما إذا كان أميراً أو عالماً أو والداً وكان أمره في طاعة الله فطاعته حينئذ تجب على المأمور، فبوّب النووي لهذه الأحاديث بـ (باب وجوب طاعة الأمراء في طاعة الله وتحريم طاعتهم إذا أمروا بمعصية الله .
فأياً كان الآمر، وأياً كانت صفته أو هيئته أو سلطانه فإن طاعته غير ملزمة للمأمور إذا كان الأمر في معصية الله ، أما إذا كان في طاعة فإما أن يكون واجباً أو مستحباً على حسب صفة الآمر.
стр. 340
شرح حديث ابن عباس في وجوب طاعة الأمير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني زهير بن حرب وهارون بن عبد الله -وهو المعروف بـ هارون الحمال - وهو أيضاً أبو موسى البغدادي البزاز - كلاهما قالا: حدثنا حجاج بن محمد -وهو أبو محمد المصيصي الأعور وهو ترمذي الأصل نزل بغداد ثم استقر بالمصيصة ونُسب إليها- قال: قال ابن جريج: (نزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه النبي ﷺ في سرية)].
أي: بعثه أميراً على سرية فنزلت هذه الآية فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩]، فالآية ليس فيها إفراد أولي الأمر بطاعة، وإنما فيها إفراد الله بالطاعة، وإفراد الرسول ﷺ بالطاعة، وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله ورسوله؛ وذلك لأن الله لا يأمر إلا بطاعة، ولا يأمر إلا بحق، ولا ينهى إلا عن خبيث، وكذلك النبي ﷺ ، وللنبي حق الأمر ابتداءً دون وروده في القرآن، وكم من تشريع استقل به النبي ﵊؛ ولذلك طاعته واجبة مع طاعة الله ، فالشرع إما ورد في القرآن، وإما ورد في القرآن والسنة، وإما ورد في السنة فحسب، فالنبي ﷺ واجب الطاعة وإن لم يكن أمره الذي أمر به في الكتاب؛ لأن الله تعالى جعل لرسالته خصوصية، فالأمر أحياناً يأتي في القرآن فحسب، وأحياناً تجد أدلة الأمر في القرآن وفي السنة معاً، كما لو ذكرنا أي مسألة قلنا: ودليل هذه المسألة في الكتاب والسنة والإجماع، أو في الكتاب والسنة، أو دليل هذه المسألة في السنة فحسب، أو دليل هذه المسألة الإجماع فحسب وهكذا.
فالسنة لها حق الاستقلال عن الكتاب، وهذا فيه رد على من يزعم التمسك بالقرآن دون السنة، ويحتج بظواهر بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ولا شك أن مرد كل ما استقلت بها السنة إلى كتاب الله إلى عمومات الأمر بطاعة النبي ﷺ ، فالذي يطيع النبي ﵊ فهو في الحقيقة طائع لله تعالى، وحينما كان هذا الأمر مفقوداً عند أولي الأمر عطف الله تعالى طاعتهم على طاعته وطاعة رسوله، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، وإنما قال: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩] فإذا كان أولي الأمر يأمرون بما أمر به الله فطاعتهم حينئذ واجبة، لا لكونهم ولاة أمر، ولكن لكونهم أمروا بما أمر به الله، وكذلك طاعتهم معطوفة على طاعة الرسول، ولم يكن لهم طاعة مستقلة، ولو كانت لهم طاعة مستقلة بعيداً عن الكتاب والسنة لكان الأولى أن يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر.
أي: بأي أمر يأمرون، وعن أي نهي ينهون، ولكنه بيّن أن طاعة ولاة الأمر في هذه الآية مرهونة بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول ﵊.
قال: [قال ابن جريج: (نزل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي.
بعثه النبي ﵊ في سرية)].
والمعلوم أن السرية: هي القطعة من الجيش يرسلها الأمير لأداء مهمة عسكرية أو حربية أو قتالية ليس فيها الأمير العام، فإن وجد الخليفة العام والأمير العام في سرية سمي جيشاً لا سرية، فالسرية: هي التي ليس فيها الأمير، والجيش: هو الذي فيه الأمير.
قال ابن جريج: [أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس].
انظروا إلى هذا الإسناد العجيب! ابن جريج كان حقه أن يقول: أخبرني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي.
بعثه النبي ﷺ في سرية، ولكن الإمام مسلم جزّء الإسناد على مرحلتين، توقف عند ابن جريج وقال: نزل قوله تعالى كذا وكذا في عبد الله بن حذافة السهمي.
أخبرني بهذا ي
стр. 341
شرح حديث أبي هريرة: (من أطاعني فقد أطاع الله) وذكر طرقه
[حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة].
أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، يروي عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني، وروايته عن أبي هريرة معروفة ومشهورة.
[عن النبي ﵊ قال: (من أطاعني فقد أطاع الله)] إذاً: طاعة الرسول من طاعة الله .
ومن الناس من يقول: أنا لا آخذ من السنة شيئاً، يكفيني كتاب الله آخذ منه ما شئت، أأتمر بأوامره وأنتهي عن نواهيه، أما السنة فقد دخلها الزيغ والتحريف؛ ولذلك طُعن في بعض رواة السنة على المعنى الدقيق، ولذلك أنا لا أعتمد مطلقاً على حديث يأتيني في كتاب من كتب السنة، وإنما عندي القرآن آخذ بآياته من أوله إلى آخره.
وإن من يقول ذلك لاشك أنه إما جاهل ومقلّد لغيره، وإما أنه علماني جاحد ملحد يلحد في أسماء الله تعالى وكتابه؛ وذلك لأن الله تعالى قد أمر في كتابه بطاعة الرسول استقلالاً، والذي يأخذ بالقرآن ماذا يصنع بهذه الآيات الكثيرة التي تأمر بطاعة الرسول؟ وما قيمة أخذك بالقرآن دون أن تأخذ ما جاءك من جهة الرسول وأنت مأمور بطاعة الرسول، ففيم تطيعه إذاً؟ إذا كنت تزعم أنك تأخذ بالقرآن فقط فأطع الله في أمره بطاعة الرسول ﵊، فكيف تطيع الله دون أن تأخذ بسنة نبيه ﵊؟ [عن النبي ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله)] وربما يكون المعنى: (من يطعني فكأنما أطاع الله، ومن يعصني)؛ لأن الرواية حملت في سياقها صيغة الماضي وصيغة المضارع (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله) ولم يقل: ومن عصاني، وإنما قال: (ومن يعصني) وأنتم تعلمون أن فعل المضارع يفيد الاستمرار.
أي: ومن يعصني إلى يوم القيامة، فقد عصى الله تعالى: [(ومن يطع الأمير فقد أطاعني)] فأي أمير يُبعث عليك فطاعته من طاعة الرسول.
قال: [(ومن يعص الأمير فقد عصاني)] إذا كانت طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله، ومعصية الرسول ﷺ هي معصية لله، وطاعة الأمير من طاعة الرسول، ومعصية الأمير من معصية الرسول فإن طاعة الأمير من طاعة الله، ومعصية الأمير من معصية الله.
ولا شك أن المستمع لهذه النصوص يعلم يقيناً أنه لا يمكن استقامة هذا الدين في قلوب الخلق إلا إذا تعاملوا مع الخالق ، فلو أن أميراً أمرني بأمر وركبت هواي وقلت: لن أطيعك في شيء، وعلمت بالوازع الإيماني الموجود في قلبي أن رفضي لأمر الأمير إذا أمرني بطاعة الله تعالى وخدمة الجيش والجند يوجب علي عقاب الله لأطعت الأمير؛ وذلك لأن عصياني لأمر الأمير هو عصيان في الحقيقة لله ولرسوله؛ فلو أن هذه المعاني لم تكن مكتملة في قلبك لفسدت الدنيا والآخرة، ولذلك المسلم دائماً والعربي خاصة يحتاج إلى وازع إيماني يتعامل به مع الله ، ثم يفيض هذا الوازع على المعاملة مع الخلق، فلو لم يكن الوازع الديني على أشده في قلب العبد المؤمن فإنه لا يمكن أن يستقيم له أمر ولا نهي؛ لأنه لا يستشعر مراقبة الله ، فالذي يفقد هذا المعنى لا بد أنه سيضيع أمره، ويتشتت شمله في دنياه وآخرته، فالذي يطيع الأمير كأنما يطيع الرسول، والذي يطيع الرسول كأنما يطيع الله تعالى.
إذاً: الذي يطيع الأمير يطيع الله ورسوله في الحقيقة، والذي يعصي الأمير يعصي الله ورسوله في الحقيقة، فلا بد لكل إنسان أن يتعامل مع الله .
قال: [وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا ابن عيينة -أي سفيان - عن أبي الزناد بهذا الإسناد ولم يذكر (ومن يعص الأمير فقد عصاني).
وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي المصري أخبرني ابن وهب عبد الله القاضي المصري أخبرني يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب أخبره قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)].
قوله: (ومن عصى أميري) وقوله: (ومن أطاع أميري) جعل بعض أهل العلم يذهبون إلى أن هذا الحديث خاص بأصحاب النبي ﷺ الذين بعثهم النبي ﷺ أمراء على السرايا، ولكن جماهير العلماء قالوا: هذا عام في كل أمير إلى يوم القيامة بدليل أنه قد جاء في معظم الروايات: (ومن يعص الأمير) (ومن يطع الأمير)، ولم يقل: أميري.
قال: [وحدثني محمد بن حاتم حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا ابن جريج عن
стр. 342
وجوب طاعة الأمير في غير معصية
قال الإمام النووي: (أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمير في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون).
إذاً: طاعة الأمير والسلطان من مسائل الإجماع، والمعلوم أن معصية الأمير أو السلطان مهلكة للدين والدنيا سواء.
стр. 343
تفسير قول الله تعالى: (وأولي الأمر منكم) وبيان المراد من ذلك
قال: (قوله نزل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] في عبد الله بن حذافة أمير السرية).
قال العلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء.
هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم.
وقيل: الأمراء والعلماء).
أي: لو قلنا: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] هل المقصود بأولي الأمر: الأمراء والسلاطين والخلفاء؟ أم هم العلماء؟ هذا منشأ الخلاف ومنبع الخلاف.
مذهب جماهير العلماء أن أولي الأمر: هم الأمراء والولاة.
وذهب البعض الآخر إلى أن ضمن أولي الأمر: العلماء.
وهذا الرأي الآخر هو أعجب الآراء وأحبها إلي؛ لأنه في حقيقة الأمر ينبغي أن يأتمر الولاة والسلاطين بأمر العلماء، والله تعالى أثنى في كتابه في غير ما موطن على أهل العلم أعظم من ثنائه على الصلحاء من أولي الأمر، وقد نُقل عن السلف كثيراً أنهم قالوا: الولاة فوق الناس، والعلماء فوق الولاة.
فيكون العلماء هم أعلى وأعظم طبقة يمكن أن يؤتمر بأوامرهم وينتهى عن نواهيهم جميع الناس بما فيهم الحكام والمحكومين، فحينئذ دخول العلماء في أولي الأمر دخول أولوي.
أي: أن طاعتهم أوجب من طاعة الولاة والسلاطين.
стр. 344
بيان أن طاعة ولي الأمر طاعة لله ولرسوله
قال: (أما قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع وليي فقد أطاعني) وقال في المعصية مثله؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله ﷺ ، وأمر هو ﷺ بطاعة الأمير؛ فتلازمت الطاعة)، فكأن الذي يطيع الأمير يطيع الله ورسوله على الحقيقة.
стр. 345
شرح حديث أبي هريرة: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك)
قال: [وحدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد كلاهما عن يعقوب -وهو يعقوب بن عبد الرحمن القارئ - عن أبي حازم -وهو سلمة بن دينار - عن أبي صالح السمان ذكوان بن السمان المدني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك)].
عليك السمع والطاعة في كل الأحوال، إذا كنت تكره هذا الأمر أو تحبه، إذا كنت كسولاً أو نشيطاً، في كل الأحوال طاعة أولي الأمر واجبة عليك، ما داموا موحدين ويأمرون بطاعة الله فأمرهم واجب النفاذ، ونهيهم واجب الانتهاء، لا يحل لك الانتكاس عنه أبداً، سواء كنت تحب هذا الأمر أو تكرهه، سواء وجّه إليك في حال النشاط أو في حال الكسل.
قال: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك).
هذا فيه بيان أن السلاطين في وقت من الأوقات يؤثرون الدنيا لهم على حسابكم، يؤثرون الدنيا لا الدين، فيأخذونها دونكم، فإذا أخذوها دونكم فاحتسبوها عند الله ، ولا تنازعوا ولاة الأمر في دنياهم، وإنما الذي يجب عليكم طاعتهم فيما أطاعوا فيه الله ورسوله، ومعصيتهم فيما عصوا فيه الله ورسوله، أما إذا أخذوا حظوظهم كاملة مستوفاة من الدنيا فلا يحل لكم أن تنازعوهم في ذلك، وإنما النزاع دائماً في الدين، أما في الدنيا فهذه هي الأثرة، وكان هذا محل البيعة كما ورد في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت.
وسيأتي معنا بإذن الله تعالى.
стр. 346
وجوب طاعة ولاة الأمر فيما يشق وتكرهه النفوس
قال النووي: (قال العلماء: معناه: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية).
أي: إذا كان يأمرنا بأمر نكرهه، ولكنه طاعة وليس معصية، فحينئذ طاعتهم واجبة.
(فإن كانت لمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة كما صرح به النبي ﷺ في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في معصية الله).
стр. 347
الأمر بعدم منازعة ولاة الأمر في حظوظهم من الدنيا
(أما الأثرة -ويقال: الأُثرة- وهي: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم.
أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء أنفسهم بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم.
وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسبب اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم).
أما إذا كان هذا سبباً في فساد في الدين فلا وألف لا، إذا أمرونا بمعصية أو نهونا عن طاعة فلا وألف لا، أما إذا أخذوا حظهم عشرة أضعاف من الدنيا فهذا أمر لا يحل لنا أن نقاتلهم عليه، ولا أن نخرج عليهم بسبب الدنيا؛ لأنه متاع زائل لا يستحق الوقوف عنده، ولا نفسد ديننا ودنيانا بسبب هذا، وفي النهاية الغلبة لهم؛ لأنهم يملكون القوة ويملكون النجدة.
стр. 348
شرح حديث أبي ذر: (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف)
قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن براد الأشعري وأبو كريب جميعاً قالوا: حدثنا ابن إدريس -وهو عبد الله بن إدريس الأودي أبو محمد الكوفي - عن شعبة عن أبي عمران -وهو عبد الملك بن حبيب الجوني - عن عبد الله بن الصامت الغفاري البصري يروي عن عمه أبي ذر الغفاري ﵁ قال: (إن خليلي -أي: حبيبي محمد ﷺ أوصاني أن أسمع وأطيع)] أي: أسمع للأمير، وأُطيع الأمير، وليس أن تسمع بأحد أذنيك وتُخرجها من الأخرى.
المقصود بالسمع هنا: سمع الإجابة وسمع الطاعة، أن نسمع ونطيع ما دام الأمر في طاعة الرسول ﷺ وفي طاعة الله .
قال: [(إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدّع الأطراف)].
(مجدّع) بمعنى: مقطوع.
فلان مجدوع الأنف.
أي: مقطوع الأنف.
فالنبي ﵊ أوصى بالسمع والطاعة للأمير وإن كان عبداً مجدّع الأطراف.
يعني: مقطوعة يداه ورجلاه وأنفه.
فمع كل هذا فالمطلوب مني سماع الأمر له.
فالمقصود من الأمير: أنه يملك القوة ويملك البطش والبأس وغير ذلك، لكن هذا مجدّع الأطراف، ومع هذا فإنه لو أمرني بأمر وجب عليّ الطاعة، فإذا لم أسمع فالذي سيتولى العقاب هو الله ، فإذا كنت أنا أعلم أن معصيتي لهذا الأمير تعرضني لسخط الله فلابد أن أسمع له وأطيع مع أنه عبد، مع أنه لا يحل مطلقاً اختيار العبد ابتداء للولاية والإمارة، وولاية العبد اختياراً وابتداء بالإمارة والولاية باطلة؛ وذلك لأن الحرية شرط في الأمير والوالي، لكن إذا عيّن الخليفة عبداً والياً أو سلطاناً على بلد أو على سرية، فله ذلك مع مخالفته للأولى، ولا يكون العبد والياً عاماً، -أي: خليفة في الخلافة العامة- إلا إذا وصل العبد إلى الإمارة بانقلاب عسكري، واستخدم حيلة حتى تمكّن من الولاية، وهذا ممكن والتاريخ يشهد بذلك، فكم من العبيد والبربر وغيرهم كانوا ملوكاً وولاة وأمراء، ومع هذا وجب السمع لهم والطاعة؛ لأنهم بعد تملكهم وإمارتهم يملكون القوة التي يهلكون بها الحرث والنسل، فطاعتهم واجبة حينئذ لحقن دماء المسلمين، مع أن أصل توليتهم باطل.
قال: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر وحدثنا إسحاق أخبرنا النضر بن شميل جميعاً عن شعبة - النضر وغندر يرويان عن شعبة - عن أبي عمران بهذا الإسناد، وقالا في الحديث: (عبداً حبشياً مجدع الأطراف)].
فإن كان عبداً حبشياً مجدّع الأطراف وصار أميراً فحينئذ يجب السمع له والطاعة، والسمع والطاعة في كل هذه الأحوال مرهون بطاعة الله، أما إذا كانت في معصية الله حتى وإن كان أميراً سيد الأحرار، أو كان أبا بكر الصديق فإنه لا سمع ولا طاعة حينئذ؛ لأن السمع والطاعة مرهونان بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﵊.
стр. 349
شرح حديث أم الحصين الأحمسية: (لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا)
قال: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى بن حصين -وهو الأحمسي - قال: سمعت جدتي -وهي أم الحصين مشهورة بكنيتها الأحمسية - تحدث: أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (لو استُعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)].
(لو استُعمل عليكم) أي: لو كان عليكم عامل (يقودكم بكتاب الله) وجب عليكم أن تسمعوا وتطيعوا له مع أنه عبد، ولا يحل لأحدكم أن يقول له: أنت عبد ولا يمكن أن تكون أميراً ولا سلطاناً.
[وحدثناه ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي عن شعبة بهذا الإسناد وقال: (عبداً حبشياً) وفي رواية: (عبداً حبشياً مجدعاً).
وفي رواية من طريق عبد الرحمن بن بشر عن - بهز وهو ابن أسد العمي - حدثنا شعبة ولم يذكر: (حبشياً مجدعاً) ولكنه زاد أنها سمعت رسول الله ﷺ بمنى أو بعرفات].
أي أم الحصين الأحمسية سمعت في حجة الوداع -إما بمنى وإما بعرفات- النبي ﷺ يقول: (لو استعمل عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا ما دام يقودكم بكتاب الله .
[وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا معقل -وهو ابن عبيد الله الجزري - عن زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: (حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع قالت: فقال رسول الله ﷺ قولاً كثيراً) يعني: تكلم وخطب فينا خطبة طويلة عظيمة من بين ما سمعته أنه قال: (إن أُمِّر عليكم عبد مجدع -حسبتها قالت: أسود- يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا)].
أي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فاسمعوا له وأطيعوا).
стр. 350
شرح حديث ابن عمر: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب)
قال: [وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر ﵄: عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة)] هذا الخطاب خاص بالمسلمين؛ لأن الكافر من باب أولى لا يسمع.
قال: [(على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)].
أي: لا تجب عليه طاعة هذا الأمير في معصية الله، بل يحرم عليه طاعته حينئذ.
[وحدثناه زهير بن حرب ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي كلاهما عن عبيد الله بهذا الإسناد مثله].
стр. 351
ذكر أمر عبد الله بن حذافة مع سريته حين أمره النبي ﷺ عليها وقصة أسر الروم له
[حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار] وكلاهما على فرسي رهان، فإن محمد بن بشار -أي: بندار - وابن المثنى العنزي كلاهما كان على خط من العلم والعبادة والتقوى والسن، والعجيب أنهما ولدا في عام واحد وماتا في عام واحد.
قال: [واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن زبيد -وهو ابن الحارث اليامي أبو عبد الرحمن الكوفي - عن سعد بن عبيدة -وهو السلمي الكوفي - عن أبي عبد الرحمن وهو أبو عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب عن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً)] قيل: هذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وقيل: غيره.
ورجّح النووي: أنه غيره؛ ويذكر أن عبد الله بن حذافة السهمي في سريته كان رجلاً ظريفاً، والظريف من الرجال هو صاحب النكتة والفكاهة، وهو من أصحاب النبي ﵊، لكنه كان ظريفاً مازحاً، فحينما أمره النبي ﷺ على تلك السرية قال لقومه: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا حطباً وقال لهم: أججوا فيه ناراً.
فأججوا فيه ناراً، قال: ألقوا بأنفسكم فيها ألست أميركم؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وقام بعضهم فتهيأ للوقوع فيها، وأما البعض الآخر فقال: يا عبد الله! إنا قد فررنا إلى رسول الله ﷺ منها، فنحن لم نسلم إلا فراراً من النار، فتأتي أنت الآن وتأمرنا بالوقوع في النار! وقام أناس آخرون وتهيئوا للنزول فيها، فقال عبد الله بن حذافة: على رسلكم انتظروا وليحذر أحدكم أن يقع في النار، إني أُمازحكم.
وقد وردت روايات: أنه غضب غضباً شديداً فأمرهم بذلك، فلما تهيئوا للنزول في النار سكن عنه الغضب فنهاهم عن النزول في النار، فلما رجعوا إلى النبي ﵊ قالوا: لقد كان من أمر عبد الله بن حذافة أن فعل كذا وكذا، قال: [(أما إنهم لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة في معصية الله).
إذاً: فليس كل أمير يُطاع إلا إذا كان في طاعة الله ، وعبد الله بن حذافة السهمي وردت عنه هذه القصة من ثلاث طرق، وفي كل طريق منها علّة، فالبعض يثبت الرواية والبعض ينكرها، ويترجّح لدي أنها ثابتة واشتهرت في كتب السير وتراجم الأصحاب: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمّره على سرية ناحية الروم، فأُسر عبد الله بن حذافة في ثلاثمائة نفر من أصحابه، فجيء بـ عبد الله بن حذافة السهمي إلى أمير الروم فقال له الأمير: قبّل رأسي وأنا أفُك أسرك.
قال: لا.
فحاول بكل وسيلة أن يقبّل رأسه فأبى، فأمر الرومي بماء يغلي، فجيء به فوضع واحداً من أصحاب السهمي فيها حتى ذاب، وعبد الله بن حذافة السهمي ينظر إليه، ثم جيء بالثاني والثالث وهكذا والسهمي ينظر إلى جنده الذين كانوا معه، وانصرف الأمير الرومي، فحينما رأى السهمي أن أصحابه يُلقون في هذا الماء المغلي حتى يذوبوا في هذا الماء بكى، فاستبشر جند الروم بذلك، وذهبوا إلى الأمير وقالوا: أبشر أيها الأمير! لقد بكى عبد الله بن حذافة كأنه رق، فجيء به إلى هذا الأمير، فقال له الأمير: مالك؟ فقال: وددت أن لي أرواحاً بعدد شعر رأسي، فإذا وضعت في هذا القدر وذبت فيه ذلك الذوبان رد الله تعالى إلي روحي فقُتلت قتلة ثانية وثالثة ورابعة بعدد شعر رأسي، فاغتاظ الرومي جداً.
قال: تقبّل رأسي وأفُك أسرك وأسر مائة من أصحابك.
قال: بل تفك أسري وأسر جميع المسلمين عندك.
قال: لك ذلك.
فقام إليه عبد الله بن حذافة وقبّل رأسه وأخذ أصحابه وانطلق إلى المدينة إلى عمر، وكان الخبر قد طار إلى عمر بن الخطاب، فاستقبله عمر على باب المدينة وقال: حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أولكم، فقام عمر وقبّل رأسه.
وهذا عمل بطولي رائع جداً، قام وقبّل رأس كلب من الكلاب، ولا مشكلة حينئذ إذا كان هذا ثمن فكاك (٣٠٠) رقبة مؤمنة، فإن ذلك من باب المصلحة العامة؛ ولذلك أقره عمر ولم يُعلم لـ عمر مخالف في ذلك، مما دل على مشروعية ذلك ما دام في الصالح العام.
стр. 352
شرح حديث: (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف)
[عن علي: (أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً وأمّر عليهم رجلاً فأوقد ناراً وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها.
فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة)].
إن هذا الحديث يثبت أمراً في غاية الأهمية، يُثبت لنا عذاب القبر، لأنه ﵊ لم يقل: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، وإنما قال: (لو دخلتموها ما خرجتم منها إلى يوم القيامة).
فما بين وقوع هذا الحادث إلى يوم القيامة برزخ، والنبي ﷺ أثبت عذاب البرزخ، وهذه الفائدة لم يذكرها الإمام النووي.
قال: (لو دخلتموها لم تزالوا) أي: تُعذّبون في النار (إلى يوم القيامة)، وقال للآخرين قولاً حسناً؛ لأنهم عصوا الأمير حينما أمر بمعصية الله وقال: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف).
стр. 353
شرح حديث: (لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة بالمعروف)
قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب وأبو سعيد الأشج وتقاربوا في اللفظ.
قالوا: حدثنا وكيع -وهو وكيع بن الجراح الرؤاسي - حدثنا الأعمش سليمان بن مهران الكوفي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك وسكن غضبه وطُفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف)].
стр. 354
شرح حديث عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة)
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده -أي: عن أبيه الوليد بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت ﵁ قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة)] فهذا محل البيعة، فالنبي ﷺ كان يبايع على أشياء كثيرة، يبايع على النصرة، على المنع، على القتال، على الإسلام، على ترك المعاصي وغير ذلك من سائر صنوف أمور البيعة قال: [(بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)].
انظر إلى محل البيعة! السمع والطاعة بأحوالها، (في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).
وهذه المسألة صعبة جداً، ولا يقدر عليه إلا الرجال حقيقة.
قوله: (في المنشط): أن تكون واقفاً بجانب الأمير تنتظر أن يأمرك بأمر وتنطلق كالسهم لتنفّذ هذا الأمر.
قوله: (والمكره): فلا تبتعد من الأمير وتتخفى خلف كل جدار وحائط وعمود، لا تريد أن يراك، فيأمرك.
والصحابة ﵃ حينما قال لهم النبي ﷺ في ليلة باردة يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟) فأحجم الناس جميعاً ولم يقل أحد: أنا يا رسول الله! إذ كانوا متعبين من البرد، فقال النبي ﷺ : (قم يا يا حذيفة)! فقام حذيفة في هذا الوقت وهو كاره، وهو ليس في حقيقة أمره كارهاً لأمر الرسول ﷺ ، وإنما لظروف البرد والجو، فدعا النبي ﷺ ربه أن يُذهب عنه البرد.
قال حذيفة: (فكنت أمشي أتصبب عرقاً، حتى أتيت على القوم فوجدتهم قد أوقدوا ناراً يدفئون أبدانهم).
فالطاعة واجبة في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر.
قوله: (وعلى أثرة علينا) أي لا ننازعه دنياه، حيث يأخذ منها ما يشاء، والناظر لتاريخ الأمة الإسلامية وولاتها وأمرائها يعلم أن أي أمير أو سلطان ما تولى إلا وحصّل من الدنيا الكثير والكثير إلا القليل من الولاة، ولو أردنا أن نذكر بعضهم لقلنا: من هؤلاء جميعاً: النبي ﷺ ، والخلفاء الأربعة، ثم عمر بن عبد العزيز.
وأما الكثرة الكاثرة من الولاة والأمراء فأول ما يحرصون على جمع الدنيا والنبي ﷺ أخبر أن هذا سيقع منهم لا محالة، فلا تنازعوهم؛ لأن منازعتكم إياهم حينئذ فساد لدينكم ودنياكم، فالمنازعة تؤدي إلى القتال، والقتال فساد للدين والدنيا.
إذاً: إذا أمروا بالطاعة وجب علينا الامتثال، وإذا أمروا بالمعصية وجب علينا الرد وحرمت علينا الطاعة حينئذ.
قال: (وعلى ألا ننازع الأمر أهله) بلا شك ينصرف إلى الذهن أولاً أننا لا ننازع الولاة أمورهم وشئونهم وولايتهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان المقصود بالأمر: الولاية والسلطان والخلافة، فهذا بلا شك أولى وأولى؛ لأن هذا سياق الحديث، وإذا أخذنا بعموم اللفظ لقلنا: إنه لا يجوز لأحد أن ينازع أو أن يهجم على أمر ليس له فيه شيء، فلو أن طبيباً بنى عمارة، لقلنا بأنه نازع الأمر أهله، ولو أن مهندساً أجرى عملية جراحية فقتل المريض، لقلنا: يحاكم ويعاقب؛ لأنه نازع الأمر أهله، وليس الأمر من شأنه.
стр. 355
شرح حديث عبادة بن الصامت في النهي عن منازعة أولي الأمر إلا إذا أتوا كفراً بواحاً
قال: [حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم حدثنا عمي - عبد الله بن وهب - حدثنا عمرو بن الحارث حدثني بكير -كل هؤلاء مصريون- عن بسر بن سعيد عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا -أصلحك الله- بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله ﷺ فقال: (دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله.
قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً) وفي رواية: (براحاً) يعني: ظاهراً لا لبس فيه ولا خفاء (عندكم من الله فيه برهان)].
أي: أن الذي يعمله كفر ومحادة لله ورسوله، ودليلنا في ذلك ظاهر من الكتاب والسنة، وهذا هو البرهان قال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله) أي: في الكتاب (فيه برهان).
أما قوله: (إلا أن تروا كفراً بواحاً) إلى آخره معناه: كفرا ظاهراً.
والمراد بالكفر هنا: المعاصي؛ لأن الكفر أحياناً يطلق على المعصية، كما قال ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
إذاً: الحلف كفر لا يخرج من الملة؛ لأنه معصية، فأحياناً يُطلق الكفر ويراد به المعصية، وأحياناً تُطلق المعصية ويراد بها الكفر، وهذا باب طويل.
ومعنى (عندكم من الله فيه برهان).
أي: تعلمونه من دين الله تعالى علماً يقينياً.
ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، لا تهابوهم ولا تخافوا منهم؛ لأنهم في قبضة الملك ، وأنتم وإياهم عبيد عند الله، وأخطأ من ظن أنهم يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضراً فضلاً أن يملكوا لغيرهم شيئاً من ذلك، فالكل في قبضة الله ، إن أراد الله تعالى أن يُهلك الجميع أهلكهم، وإن أراد أن ينجيهم جميعاً أنجاهم أو أراد أن يُهلك البعض وينجّي البعض الآخر فعل، فالكل عبيد لله تعالى، وقلوب العباد جميعاً بين يدي الله ﵎، وبين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، يجعل من يشاء كافراً ويجعل من يشاء مؤمناً، يجعل من يشاء شقياً ومن يشاء سعيداً، وغير ذلك كل يوم هو في شأن ، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.
следующие страницы →