← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

اختلاف العلماء في نوع الحجة التي حجها النبي ﷺ قوله: (أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفرداً) أي: أنه بدأ أول مشوار الحج مفرداً، فلما أتى إلى الجعرانة أدخل عليها العمرة فاعتمر أولاً، ولم يتحلل إلا في يوم النحر؛ وهذا يرد على العلماء الذين يقولون: إن النبي ﷺ كان مفرداً فقط. وقد اختلف العلماء في أي الحج أفضل: الإفراد أو التمتع أو القران؟ وكل من قال بقول قال: إن النبي ﷺ فعل ذلك، وظهر هذا في بعض الأدلة. أما الذي قال: التمتع أفضل اعتمد على ظاهر بعض الروايات التي تقول: تمتع النبي ﵊ بالعمرة إلى الحج، ورددنا على هذا القول برأيين: الرأي الأول: أن التمتع في هذا الحديث محمول على التمتع اللغوي لا التمتع الاصطلاحي. والثاني: أن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي من الميقات). فالذي يسوق الهدي من الميقات هو القارن لا المتمتع. الأمر الثالث: أن النبي ﵊ لما اعتمر لم يتحلل إلا في يوم النحر بعد أداء هذه المناسك، فهذه كلها شواهد وأدلة تدل على أنه كان قارناً. والذي يقول: الإفراد أفضل، واعتمد على أن النبي ﷺ كان مفرداً في حجه، فاعتمد على منشأ الحج. أي: أصل الحج في ذي الحليفة، فقد أهل النبي ﵊ بالحج فقط من ذي الحليفة، والصواب والصحيح: أنه لما بدأ الحج مفرداً أدخل عليه من الجعرانه العمرة، فكان أولاً مفرداً وقبل أداء العمل في الحج أدخل عليه العمرة؛ فاعتمر أولاً ثم حج. إذاً: كان في أول مشواره مفرداً ولكنه لم يتم هذا الإفراد، بل أدخل عليه العمرة فصار قارناً، وهو الراجح بل الصحيح. ومعلوم أن سوق الهدي على سبيل الاستحباب للمفرد والمعتمر، فالنبي ﷺ ساق الهدي استحباباً؛ لأنه نوى الإفراد، ولكنه شجعه سوق الهدي على إدخال العمرة فصار قارناً. وهناك اتفاق بين أهل العلم أن المعتمر لا هدي عليه، وأن المفرد لا هدي عليه، لكن لا يمنع ذلك من أن يهدي المفرد والمعتمر، وليس هناك مانع شرعي. قال: [وقال أنس: (سمعت النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً)]، وهذا يورد خلافاً بينه وبين عبد الله بن عمر، فـ أنس يقول: سمعته يلبي بالحج والعمرة، وعبد الله بن عمر يقول: أنا كنت معه، وما كان يلبي إلا بالحج فقط. قال أنس بن مالك: أنا لم أكن صغيراً، لم يكن النبي ﷺ مفرداً، فقد سمعته يقول: (لبيك اللهم حجاً وعمرة)، وعبد الله بن عمر يقسم أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لبيك اللهم حجة). وتفسير هذا الخلاف أن عبد الله بن عمر حكى ما قد سمعه من أول المشوار، من ميقات ذي الحليفة، وأنس بن مالك كان يأخذ بخطام ناقته في مناسك الحج ابتداءً من الجعرانة حتى قضى حجه، فسمعه يقول: (لبيك اللهم عمرة وحجة) فلما أدخل النبي ﵊ العمرة على الحج سمعه أنس فحكى ما سمعه، وعبد الله بن عمر حكى ما سمعه من أول المشوار، وعلى أية حال كل واحد من الصحابة يحكي ما قد سمعه، وكلام أهل العلم كلام جميل في الجمع بين الخبرين. وفي رواية: [أن بكر بن عبد الله قال: حدثنا أنس: (أنه رأى النبي ﷺ جمع بينهما -بين الحج والعمرة- قال: فسألت ابن عمر فقال: أهللنا بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبياناً)]، يعني: لم نكن نحن أطفالاً حتى تثيروا بيننا هذه الفتنة كلها. الإمام النووي يقول: (قدمنا أن الرأي المختار -بل الصحيح- في حجة النبي ﵊: أنه كان في أول إحرامه مفرداً، ويحمل عليه حديث عبد الله بن عمر، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً، وهذا حديث أنس وبهذا اتفقت الروايات، وجمعنا بين الأحاديث أحسن جمع، فحديث ابن عمر محمول على أول إحرامه، وحديث أنس محمول على أواخره وأثنائه، وكأنه لم يسمعه أولاً، ولا بد من هذا التأويل أو نحوه؛ لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين كما سبق بيان ذلك).

стр. 632

باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من الطواف والسعي الباب الثامن والعشرون: باب ما يلزم من أحرم بالحج ثم قدم مكة من الطواف والسعي. يعني: من أحرم بالحج فقط. قال [وبرة: (كنت جالساً عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ -والموقف: هو عرفة، يعني: أنا أحرمت بالحج فقط، فهل أطوف بالبيت قبل أن أذهب إلى عرفة؟ - فقال: نعم. فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ، أو بقول ابن عباس إن كنت صادقاً؟)]. انظر الكلام الجميل في التأصيل الفكري عند السلف. يقول: النبي ﵊ طاف وسعى، وابن عباس: يقول: لا. فأيهما أحق: الأخذ بقول النبي ﷺ وبفعله أو بقول ابن عباس؟ يقول: فإن كنت صادقاً في محبة الرسول ﵊ فاتبعه. صحيح أن النبي ﷺ لما دخل مكة طاف وسعى، لكنه كان قارناً، فالسؤال وجه لمن أفرد الحج: هل يلزمه الطواف والسعي؟ الجواب لا يلزمه، ولو أنه دخل البيت فيطوف طواف القدوم الذي لا علاقة له بالنسك، ويكون هذا الطواف دون أن يسعى بين الصفا والمروة. قال: [وبرة: (سأل رجل ابن عمر ﵄: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ قال: إني رأيت ابن فلان -يقصد ابن عباس - يقول له: أنا رأيت ابن فلان يكرهه، وأنت أحب إلينا منه)]. يقول له: المسألة هذه فيها خلاف بينك وبين ابن عباس، لكنك أحب إلينا من ابن عباس، فأنت رجل عالم وزاهد ورجل فاضل، وابن أمير المؤمنين، أما ابن عباس فقد فتن وفتحت عليه الدنيا، وكان قد تولى الإمارة في البصرة، وعادة الأمراء أنهم أصحاب أموال وأصحاب وجاهة وغير ذلك، فأنت يا ابن عمر! أحب إلينا من ابن عباس، ورأيك إن شاء الله محل احترام، وسنعمل به! فانظر على الفتنة قول وبرة: (أنت أحب إلينا من ابن عباس) كأن هذا الأمر ليس بالعلم، وإنما بالفقر، فهو يستفتي الفقير، والفقير أحب إليه من الغني، هذا كلام غير صحيح، فالأمر كله مداره على العلم الصحيح المؤيد بالدليل. فقال ابن عمر: (وأينا -وفي رواية: وأيكم- لم تفتنه الدنيا). فـ ابن عمر لم يستغل الموقف، ولم يقل: نعم. والله صحيح، فعلاً ابن عباس فتنته الدنيا وأنا رجل فاضل، ولو شاء لحط يده في يد وبرة، وصارا يؤلبان الناس على ابن عباس كما يفعل أهل هذا الزمان. ولا أزكي نفسي. ثم قال -أي ابن عمر: (رأينا رسول الله ﷺ أحرم بالحج وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، فسنة الله ورسوله أحق أن تتبع من سنة فلان إن كنت صادقاً). المخطئ في هذا كله كما قلنا ابن عمر؛ لأن ابن عمر يفتي من أراد الحج والعمرة، سواء كان متمتعاً أو قارناً، أما السؤال الموجه في الإفراد فالحق مع ابن عباس. قال: [عن عمرو بن دينار: (سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة -يعني: ما أحرم إلا بعمرة- فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة. أيأتي امرأته؟)] أي: أحرم بالعمرة فطاف دون أن يسعى بين الصفا والمروة، هل تحل له امرأته؟ ومعلوم أنه تحل له امرأته بعد أن يطوف بين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر. قال: [(فقال: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعاً، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)]، يعني: لا تحل امرأته إلا إذا أحل.

стр. 633

باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة من البقاء على إحرامه حتى يتحلل في يوم النحر الباب التاسع والعشرون: باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة من البقاء على إحرامه حتى يتحلل في يوم النحر. هذا الباب في حكم القارن لا المتمتع؛ لأن المتمتع إذا طاف وسعى وحلق أو قصر جاز له كل شيء حتى النساء، أما المفرد فيأتي مباشرة إلى منى أو إلى عرفات. ويتحلل في يوم النحر، وربما لم يبق لإحرامه إلا يومان: يوم عرفة ويوم النحر، على فرض أنه لم يدرك يوم التروية. قال: [عن محمد بن عبد الرحمن: (أن رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل فقل له: إن رجلاً يقول ذلك -يعني: هناك رجل يقول: يحل- قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج -يعني: إلا بأداء الحج- قلت: فإن رجلاً كان يقول ذلك، قال: بئس ما قال. فتصداني الرجل -أي: فاعترضني- فسألني فحدثته فقال: فقل له: فإن رجلاً كان يخبر أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك. قال: فجئته فذكرت له ذلك، فقال: من هذا؟ -أي: من الذي يرسلك إلي ويسألك ويقول لك: إذا قال لك كذا فقل له كذا؟ - قال: قلت: لا أدري. قال: فما باله لا يأتيني بنفسه يسألني؟ أظنه عراقياً -وهذا يدل على أن السلف كانوا يعرفون أن أهل العراق هم أهل فتنة- قلت: لا أدري. قال: فإنه قد كذب. قد حج رسول الله ﷺ فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت)] وهذا مذهب الجماهير: أن الوضوء شرط في صحة الطواف، وأن الطواف صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام، ولا تكون الصلاة بغير وضوء، إلا أبا حنيفة فإنه قال: الوضوء ليس شرطاً في صحة الطواف ولكن يستحب، والراجح: الأول. قال: [(ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره -يعني: لم يفعل غير ذلك- ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيت أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي -أي: الزبير بن العوام - فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون -يعني: لا يعتبرون أن هذا الطواف يجيز لهم التحلل- وقد رأيت أمي وخالتي -أمه أسماء، وخالته عائشة - حين تقدمان لا تبدءان بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان أي: إلا بعد السعي والتقصير أو الحلق، والتقصير في حق النساء قيد أنملة من كل ضفيرة. قال: وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا)]. هذا الكلام لا بد من تأويله: (لما مسحوا الركن حلوا)، ويقصد الركن الذي فيه الحجر الأسود، وأن الماسح للركن يمسحه في مبدأ الطواف، وهل هناك تحلل بمجرد البدء بالطواف، أم أن التحلل يكون بعد السعي والحلق والتقصير؟ إذاً: لا بد من تأويل هذا النص. قال: فلما مسحوا الركن حلوا، والتأويل: أنهم لما انتهوا من الطواف والسعي والتقصير حلوا، هذا تأويل ولا بد منه حتى لا تتضارب الروايات. قال: وقد كذب فيما ذكر من ذلك، وبقية الروايات على نحو هذا.

стр. 634

تحلل أسماء بنت أبي بكر لعدم وجود الهدي وعدم تحلل الزبير لوجود الهدي معه قال: [قالت أسماء بنت أبي بكر: (خرجنا محرمين، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل)]، أي: من كان معه هدي فليقم على إحرامه حتى يؤدي حجه ويتحلل في يوم النحر، وهذا القارن. ومن لم يكن معه هدي فليحلل بعد أداء العمرة. قالت: [(فلم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحلل. قالت: فلبست ثيابي ثم خرجت فجلست إلى الزبير)]، هذا كلام أسماء بدليل أنه كان مع الزبير هدي فلم يتحلل بعد عمرته حتى تحلل يوم النحر بعد أداء المناسك، أما أسماء نفسها فلم يكن معها هدي، فتحللت بعد أداء العمرة؛ لأنها كانت متمتعة. قالت: [(ثم خرجت فلبست ثيابي فجلست إلى الزبير -يعني: قعدت بجوار زوجها فقال: قومي عني، فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟)] قال الزبير ذلك لأنه كان محرماً، وهل يأمن المرء على نفسه إذا كان في هذا الموطن وعلى هذه الصفة من الإحرام أن تحدثه نفسه بوقاع امرأته، فهي متحللة، فإذا اشتهت زوجها ربما وثبت عليه، من أجل هذا أنكرت فقالت: لا تعتقد أني جئت لأفسد عليك حجك؟ لا. لن يكون هذا مني أبداً. وفي رواية: قالت: [(قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج)، ثم ذكر بمثل حديث ابن جريج] لما أدخلوا العمرة على الحج، فكان بعضهم ساق الهدي فكان قارناً، وبعضهم لم يكن معه الهدي فصار متمتعاً. قال: [غير أنه قال: فقال: استرخي عني -يعني: ابعدي عني- فقلت: أتخشى أن أثب عليك؟] قال: [وعن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر حدث: (أنه كان يسمع أسماء كلما مرت بالحجون تقول: صلى الله على رسوله وسلم)]. الحجون: أعالي مكة، والنبي ﵊ دخل مكة من أعلاها وخرج من أسفلها؛ ولذلك يسمون مكان الدخول المعلاة إلى الآن، ويسمون مكان الخروج المسفلة، وهذه الشوارع معروفة بهذه الأسماء إلى الآن. قال: [(كلما مرت أسماء بالحجون تقول: صلى الله على رسوله وسلم. لقد نزلنا معه هاهنا -أي: دخلنا مكة من أعاليها- ونحن يومئذ خفاف الحقائب -يعني: أمتعتنا قليلة وكنا فقراء- قليل ظهرنا -أي: يركب البعير اثنان أو ثلاثة- قليلة أزوادنا، فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا)] أي: لما طفنا وسعينا، يقال: فلان مسح الأرض، يعني: طاف بها، وجابها شرقاً وغرباً؛ ولذلك يقال للمسيح الدجال: المسيح؛ لأنه يمسح الأرض شرقاً وغرباً، ويضع قدمه عند منتهى بصره، وقد ورد في بعض الروايات أنه ينظر وهو في المشرق إلى الغرب فيكون نظره في منتهى الغرب، فتصور أنه ينظر من المشرق إلى المغرب، وفي خطوة واحدة يمسح الأرض، ولا ينجو من فتنته إلا من أراد الله له النجاة. قالت: (فلما مسحنا البيت) أي: فلما أدينا مناسك العمرة في البيت؛ لأن العمرة كلها في بيت الله الحرام، ومناسك العمرة: طواف وسعي وحلق، والنية تسبق ذلك. قالت: [(ثم أهللنا من العشي بالحج)]، يعني: ثاني يوم بعد الظهر أهللنا بالحج، أي: دخلوا مكة يوم السابع من ذي الحجة واعتمروا، وما مر عليهم إلا الليل وأوائل يوم الثامن، وفي العشي -والعشي يطلق على ما بعد الظهيرة- انطلقوا إلى منى مهلين بالحج.

стр. 635

باب في متعة الحج الباب الثلاثون: في متعة الحج. أي: في التمتع بالحج، وهو أحد أنواع الحج. قال: [عن مسلم القري قال: (سألت ابن عباس، ﵄ عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها)]، أنتم تعرفون أن التمتع محل نزاع بين الصحابة، لكن الإجماع انعقد على أن الحج قران وإفراد وتمتع، ومعلوم أن الإجماع بعد الخلاف يرفعه. قال: (سألت ابن عباس ﵄ عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها) أي: عبد الله بن الزبير، واسم أمه أسماء. قال عبد الله بن عباس: هذه أم ابن الزبير فإذا كان ابن الزبير ينكر التمتع بالحج، فإن أمه حجت مع النبي ﷺ ، وعبد الله بن الزبير صحابي صغير، ولم يثبت أنه كان مع النبي ﷺ في حجة الوداع، بل كان طفلاً صغيراً فلم يحج، فإذا أردت أن تسأل فاسأل أمه، فهي خبيرة بذلك. قال: [(هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله ﷺ رخص فيها)] أي: التمتع إما قراناً وإما تمتعاً؛ لأن أسماء ﵂ هي التي نقلت عن النبي ﵊ أنه قال: (من كان معه هدي فلا يحلل حتى يحلل يوم النحر، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وليسع بين الصفا والمروة، وليقصر وليحلل، وليهل بالحج يوم التروية). قال: تحدث أن رسول الله ﷺ رخص في المتعة، فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا أمرأة ضخمة عمياء. طبعاً هذا الكلام لو قيل على سبيل التنقص لكان غيبة وكان حراماً، لكنه على سبيل التحقق أنه قد دخل وعرف أن هذه أسماء فسألها، وأسماء كانت مثل سودة ﵂ في ضخامتها؛ ولذلك لما لبست سودة النقاب وخرجت إلى حاجتها، وكان عمر يغار على أزواج النبي ﵊: فقال: (يا سودة! إنك لا تخفين)، يعني: مهما تفعلي نحن نعرفك؛ لأنها كانت ضخمة جداً، فكان عمر يعرف أنها سودة، وأسماء كانت ضخمة، لكن ليست بضخامة سودة رضي الله عن الجميع. قال: [(فإذا امرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخص رسول الله ﷺ فيها)]. قال: [وقال مسلم القري: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: (أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم -أي: بعد أداء العمرة لمن كان متمتعاً- فكان طلحة بن عبيد الله فيمن ساق الهدي فلم يحل)].

стр. 636

باب جواز العمرة في أشهر الحج الباب الحادي والثلاثون: باب جواز العمرة في أشهر الحج. وهذه نقطة فيها مخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية، فأهل الجاهلية كانوا يقولون: عمرة في أشهر الحج لا تصح، بل كانوا يعدون أداء العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. قال: [عن ابن عباس ﵄ قال: (كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فى الأرض)]. هذه -الحمد لله- ظلمة أخرجنا الله منها على يد نبينا ﵊. قال: [(كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فى الأرض، ويجعلون المحرم صفراً)]، وهذا النسيء الذي تكلم الله عنه في القرآن الكريم وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]. وكان أهل الجاهلية يرون أن القتال وإراقة الدماء في الأشهر الحرم منقصة عظيمة لا تجوز، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ورجب ليس مع الأشهر المذكورة في الترتيب، بل هو قبل هذه الأشهر بشهرين، ولذلك سموه رجب الفرد، يعني: رجب لوحده، والثلاثة الأشهر الحرم الباقية هي: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، لكنهم بمزاجهم، يقولون: المهم أن هناك أربعة شهور حرماً لا نحارب فيها، فيقومون بالنسيء، وهو أن يؤخروا شهراً ويقدموا شهراً مكانه، هذا النسيء الذي حرمه الله في القرآن، وجعله مظهراً من مظاهر الكفر. قال: [(كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفراً، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر)]. قولهم: (إذا برأ الدبر) يقصدون: برأ أدبار وأظهار الإبل من التعب والكل وكثرة المشي. وقولهم: (وعفا الأثر) أثر الجمال في مشيها في الصحراء مع طول الوقت تأتي الرياح بالرمال فتجعل هذه الآثار كأن لم يكن جمل مر من هنا من قبل. وقولهم: (وانسلخ صفر) يعني: انقضى صفر. وقولهم: (حلت العمرة لمن اعتمر) يعني: الذي يريد أن يعتمر يعتمر بعد صفر. قال: [(فقدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة)] يعني: دخل مكة يوم الرابع من ذي الحجة، يعني: في نفس التوقيت الذي حرم أهل الجاهلية تأدية العمرة فيه. قال: [(مهلين بالحج، وأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ قال: الحل كله)] يعني: تحللوا تماماً من أعمال العمرة، حتى تؤدى العمرة وحدها والحج وحده في أشهر الحج، خلافاً لما كان عليه الجاهلية. قال: [عن أبي العالية البراء عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم النبي ﷺ وأصحابه لأربع خلون من العشر وهم يلبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة)]. قال: [عن ابن عباس ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ الصبح بذي طول وقدم لأربع مضين من ذي الحجة، وأمر أصحابه أن يحولوا إحرامهم بعمرة، إلا من كان معه الهدي)]، فالذي كان معه الهدي يبقى قارناً، يعتمر ويبقى في إحرامه حتى يتحلل يوم النحر. قال: [قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : (هذه عمرة استمتعنا بها)] قوله: استمتعنا بها يشمل القارن والمتمتع؛ لأنه ما كان قد نوى عمرة من الميقات، وإنما نوى حجاً فقط، فلما أدخل العمرة على الحج صار مستمتعاً بالعمرة، مع أنه كان قارناً؛ فهذا الاستمتاع في حق القارن استمتاع لغوي، أما في حق المتمتع فإنه تمتع اصطلاحي. قال: [(فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)]. قال: [عن أبي جمرة قال: (تمتعت فنهاني ناس عن ذلك، فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك فأمرني بها -أي: قال: تمتع. ولا تلتفت إلى الجماعة التي تنهاك، ولا يضرك هذا- ثم انطلقت إلى البيت فنمت -يعني: انطلق إلى بيت الله الحرام فنام- فأتاني آت في منامي فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور)]. إذاً: هذه بشارة، والحق مع ابن عباس لا مع من نهى أبا جمرة عن التمتع. قال: [(فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت، فقال: الله أكبر، الله أكبر، سنة أبي القاسم ﷺ ].

стр. 637

باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام قال: [باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام] يعني: من أول الإهلال لمن ساق هديه، طبعاً هذا الكلام بالنسبة للقارن إذا ساق الهدي، بل يجب عليه أن يسوق الهدي من الميقات إذا تيسر له ذلك، وإلا فبنيته يلتقط من أي مكان. قال: [قال ابن عباس ﵄: (صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن معنى أشعرها: جرحها وخدشها -وسلت الدم- يعني: نظف الدم في موضع الجرح- وقلدها نعلين) يعني: ألبسها نعلين، أتى بجلد فربطه على مؤخرة قدم هذا الهدي، قال: (ثم ركب راحلته) لم يركب التي قلدها وأشعرها، وإنما واحدة أخرى غيرها؛ لأن الهدي لا يركب؛ فقد صار وقفاً لله يمنع استخدامه. قال: [(ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج)]. قلنا: إن من أهل من الميقات إنما يهل إذا استوت به ناقته أو دابته وانبعثت، وذكرنا أن بعض أهل العلم قال: إن الإهلال بالنسك سواء كان حجاً أو عمرة يكون بعد الصلاة وقبل أن يقوم من مقامه في مسجد الميقات. والصواب: أنه يهل إذا ركب دابته وانبعثت به، أي: وقامت، فبعد أن يتحرك الباص يبدأ في الإهلال، أما الإهلال من المسجد أو بعد الصلاة أو من الساحة أو من البيداء المجاور للمسجد أو غير ذلك فكل هذا ليس صحيحاً، ولذلك ابن عمر قال: (هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﵊، وتزعمون أنه ما أهل رسول الله ﷺ إلا عند الشجرة)، وقد بينا في الدروس الماضية أن الشجرة هذه كانت عند باب مسجد ذي الحليفة، ولكن عمر قطعها حتى لا يعبدها الناس من دون الله . إذاً: إذا ركب الرجل دابته وقامت أو تحركت بدأ في الإهلال، أما قبل ذلك وبعد ذلك فلا، فإنه إذا أهل بعد ذلك وجب عليه أن يذبح دماً؛ لأنه قد أهل بعد أن مضى، أو بعد أن عبر الميقات. قال: (صلى الرسول ﵊ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج). والإشعار: هو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمنى بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها، ثم يسلت الدم عنها، وأصل الإشعار والشعور: الإعلام والعلامة، ويقال: إشعار الهدي لكونه علامة له، وهو مستحب؛ ليعلم أنه هدي، فإن ضل رده واجده، وإن اختلط بغيره تميز؛ ولأن فيه إظهار شعار، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله. وأما صفحة السنام: فهي جانبه، والصفحة مؤنثة، ومعلوم أن الإشعار سنة وليس بواجب، ويكون الإشعار في الإبل والبقر دون الغنم؛ لأن الغنم أضعف من أن تحتمل الجرح، فضلاً عن أن شعرها وصوفها ووبرها يغطي هذا الإشعار، فلا تكون له فائدة حينئذ. قال: [قال أبو حسان الأعرج: (قال رجل من بني الهجيم لـ ابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تشغفت أو تشغبت بالناس أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ وإن رغمتم)]، قال له: ما هذا الذي عملت يا ابن عباس؟! أنت عملت فتنة في وسط الناس، أأنت قلت: إن الذي يطوف بالبيت يتحلل؟ قال له: نعم. سنة نبيكم وإن رغمت أنوفكم، ولكن هذا للمتمتع. قال ابن عباس: (لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل -وهذا زيادة من ابن عباس - قلت لـ عطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]). طبعاً هذا مذهب مخالف لمذهب جماهير الصحابة، فـ ابن عباس مخطئ في ذلك، فـ ابن عباس يقول: (من طاف بالبيت) فلو كان يقصد التمتع فكلامه منضبط، أما إذا كان يقصد أن مجرد الطواف يحل للطائف الحل ويحتج بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، أي: الكعبة، فإنه سيكون مجرد وصول الأغنام أو الأبقار أو الإبل إلى البيت العتيق يجعل صاحب الهدي حلالاً وإن لم يطف؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، فهذا المذهب خطأ من ابن عباس، خالفه غيره من الصحابة. ولذلك يقول النووي: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات، ويرمي ويحلق ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل التحللان الكبير والصغير، ويحصل الأول باثنين من هذه الثلاث التي هي رمي جمرة العقبة والحلق والطواف. وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا دلالة له فيها؛ لأن قوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ ال

стр. 638

باب التقصير في العمرة باب التقصير في العمرة. يعني: باب جواز التقصير، بل الاستحباب للمعتمر الذي يريد التمتع أن يقصر دون أن يحلق، ويحلق في يوم الكمال والتمام وهو يوم النحر. قال: [عن ابن عباس قال: (قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمشقص؟ فقلت له: لا أعلم هذا إلا حجة عليك)]. قال ابن عباس: إن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت من رأس رسول الله ﷺ بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة. هذا الحديث فيه جواز الاقتصار على التقصير وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر؛ إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين. وفيه: أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة؛ لأنها موضع تحلله كما قلنا من قبل، وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة لا في عمرة حجة الوداع؛ لأن النبي ﵊ لم يقصر في عمرة الوداع، وإنما طاف وسعى فقط، ثم انطلق بعد ذلك إلى منى، وحلق في يوم العاشر؛ لأن القارن لا يلزمه التقصير ولا الحلق من عمرته، لأنه قرن بين المنسكين الحج والعمرة، فلا يلزمه الحلق في عمرته أو التقصير، وإنما يلزمه الحلق أو التقصير في حجه. قال: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي ﵊ في عمرة الجعرانة؛ لأن النبي ﵊ في حجة الوداع كان قارناً، وثبت أنه ﵊ حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضاً على عمرة القضاء؛ لأن عمرة القضاء هذه كانت في سنة سبع من الهجرة، ومعاوية لم يكن أسلم في هذا العام، وإنما أسلم في العام الثامن. يعني: بعد ذلك بعام، والله أعلم. قال أبو سعيد الخدري: (خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً -هذا كان في حجة الوداع- فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج) أي: من بيوت مكة.

стр. 639

باب إهلال النبي ﷺ وهديه قال: [الباب الرابع والثلاثون: باب إهلال النبي ﷺ وهديه. عن أنس ﵁: (أن علياً قدم من اليمن، فقال له النبي ﵊: بم أهللت؟ فقال: أهللت بإهلال النبي ﷺ ، قال: لولا أن معي الهدي لأحللت)]. إذاً: المتمتع لا يسوق الهدي، والقارن يسوق الهدي، وإذا ساق الهدي لا يتحلل من عمرته بخلاف المتمتع يتحلل ويهل بالحج من مكانه في يوم التروية. تتكرر الأحاديث والخلاف بين عبد الله بن عمر وبين أنس بن مالك في مسألة الحج والعمرة. قال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما). وهذا يدل على أن عيسى بن مريم هو أحد أفراد أمة النبي ﵊، وهو تابع للنبي ﵊، وإن كان نبياً مستقلاً إلا أنه في آخر الزمان يكون تابعاً لأمة الإسلام. فالنبي ﵊ يقول: عيسى بن مريم سيأتي في آخر الزمان، إما أن يحج أو يعتمر أو يجمع الحج والعمرة، وهذا يدل على جواز إفراد الحج وجواز التمتع والقران.

стр. 640

باب بيان عدد عُمَرِ النبي ﷺ وزمانهن الباب الأخير وهو الخامس والثلاثون: باب بيان عدد عُمَرِ النبي ﷺ وزمانهن. يعني: كم عدد العمر التي اعتمرها؟ وفي أي الشهور اعتمر؟ أما عدد العمر فقد وقع الخلاف بين مالك والجمهور: مالك يقول: اعتمر ثلاث مرات، والجمهور: على أنه اعتمر أربع مرات. والصواب: هو الجمع بينهما، أن مالكاً قال: اعتمر ثلاثاً غير عمرة حجة الوداع، فلم يعدها، وبذلك تنسجم الروايات ويتألف كلام أهل العلم، وأن النبي ﷺ حج مرة واحدة بعد البعثة، وحج مرة أو مرتين قبل البعثة على ملة إبراهيم ﵇. قال: [قال أنس: (إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته)]، يعني: ثلاث عمرات في ذي القعدة، وواحدة في يوم الرابع من ذي الحجة. قال: [(عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته)] أي: في ذي الحجة. الخلاف بين زيد بن أرقم وبين أنس وبين عائشة وابن عمر وغيرهم أن النبي ﵊ اعتمر أقل من ذلك، والصواب ما ذكرناه، وأخطأ من قال: إن النبي ﷺ اعتمر في رجب، وما اعتمر في رجب قط، كان عبد الله بن عمر يقول: إن الرسول ﷺ اعتمر مرة في رجب، والصواب: أنه لم يعتمر في رجب، وراجعته عائشة، ولما راجعته عائشة سكت ولم يتكلم. قالت: (يرحم الله أبا عبد الرحمن فإنه قد أخطأ، ما اعتمر النبي ﷺ في رجب قط، وعبد الله بن عمر يسمع إنكارها فلم يرد عليها)، فتبين أنه لم يضبط أحد زمن عمرات النبي ﵊ قدر ما ضبطته عائشة وأنس وبقية أصحابه ﵃ أجمعين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 641

الأسئلة

стр. 642

تكفير الحج المبرور للذنوب السؤال هل يلزم مغفرة الذنوب لكل من وقف بعرفة؟ الجواب ليس كل من وقف بعرفات يغفر له، إنما يغفر له من كان حجه مبروراً. وفي الحديث: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). واختلف العلماء في قوله: (كيوم ولدته أمه) ومعلوم أن من ولد لا ذنب عليه، فهل الحج يغفر الذنوب جميعاً كبيرها وصغيرها، أو يغفر الصغائر دون الكبائر. والراجح من أقوال أهل العلم وهو مذهب الجماهير: أن الحج يكفر الذنوب جميعاً كبيرها وصغيرها، وهذا فضل من الله.

стр. 643

بيان ما تفعله الفتاة إن أجبرها والدها على خلع النقاب السؤال لما لبست النقاب غضب والدي وحلف بالطلاق من أمي إن لم أخلع النقاب فماذا أفعل؟ الجواب اخلعي النقاب، ولا شيء لك غير ذلك، فإذا رزقت بمن يحفظ عليك أمر دينك فنعما به، لأن كثيراً من الآباء لا يستحقون أن يكونوا آباءً، كما أن الجمع الغفير من الأبناء لا يستحقون أن يكونوا أبناءً. فالأصل في ضبط هذه المسألة أن كل واحد -أب أو أم- يقف عند حد الشرع، ومن تجاوز ذلك فحسابه على الله . أقول لهذه الفتاة أن تخلع النقاب، وألا تخرج من بيتها إلا لضرورة ملحة، وأن تلبسه في خروج يترتب عليه فتنة.

стр. 644

الحكم على حديث (كنت كنزاً مخفياً) السؤال يقول أحد المشايخ: إن الله يقول في حديث قدسي: (كنت كنزاً مخفياً وأردت أن أعرف وخلقت الخلق حتى يعرفوني) فهل يوجد حديث بهذا اللفظ، وإن كان فما المعنى الذي يدل عليه، وما رأيكم في هذا الشيخ؟ الجواب هذا الحديث حديث موضوع غير صحيح، والذي أذكره أن هذا السائل وجه نفس السؤال في الدرس الماضي، وزاد في السؤال أن هذا الشيخ قال: (حتى يعرفوني) أي: حتى يعرفوا عظمتي وجلالي. أقول: إن هذا الشيخ الذي قال ذلك -سواء كنتم تعلمونه أو لا- هو في العقيدة ليس على منهج السلف، بل هو يتأول الصفات على منهج الأشاعرة. فعلى أية حال هو شيخ جليل، وله باع عظيم جداً في الدعوة إلى الله ، ونحسبه مخلصاً إلا في قضية الصفات، فإنه ليس ينهج نهج أهل السنة، فاحذروا مسائله في الصفات. أما أن تحذروه برمته فهذا ليس من العدل، بل جهوده مشكورة جداً في الدعوة إلى الله ، وقد تاب على يديه آلاف الناس.

стр. 645

حكم تقصير القارن لعمرته وحلقه يوم النحر السؤال هل يجوز للقارن أن يقصر في عمرته ويحلق في يوم النحر؟ الجواب نعم. يجوز له ذلك، أما وجوباً فلا.

стр. 646

أخطاء العلماء السؤال الشيخ أبو زهرة كان حاقداً وناقماً على منهج السلف، فما رأيك فيه؟ الجواب الشيخ أبو زهرة كغيره من أهل العلم، وهو رجل أبلى بلاءً حسناً في نشر دين الله ، وكان حجر عثرة في وجوه أعداء الله في داخل الأزهر وخارجه، وله من الجهود العلمية والمصنفات الفقهية وغيرها ما يحمد له ويشكر، غير أنه أكب هنا، وكان يسلك مسلكاً غير مسلك السلف في بعض القضايا لا في كل شيء، وهذا لا يخلو منه عالم. فأظن أن منهج أهل السنة في مثل هذا أن يوهب شره لخيره، والنظر إلى ما أخطأ فيه أبو زهرة أو غيره كالشيخ محمد عبده أو رشيد رضا أو غيرهم ما أخطئوا فيه لا أظن أنهم متعمدون للخطأ.

стр. 647

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة، فلا يصح الحج إلا بالإتيان به، وهو مرة في حق المفرد والقارن، ومرتان في حق المتمتع، فمرة يسعى لعمرته، ومرة يسعى لحجته، كما يشرع للحاج رمي جمرة العقبة ضحى يوم النحر، ثم يرمي الجمار الثلاث أيام التشريق الأول والثاني والثالث.

стр. 648

حكم السعي بين الصفا والمروة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به]. فالسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا بالإتيان به؛ لأن الركن داخل في ماهية الشيء، وفي تكوينه وأساسه بخلاف الواجب، فإن الواجب يجبر بدم، كالمبيت بمنى في أيام التشريق فإنه واجب، فمن حج ولم يبت بمنى في هذه الليالي فإن عليه دماً؛ لأنه لابد أن تعرف أن أي واجب يقصر فيه الحاج يجبر بدم، وأي ركن في الحج يقصر فيه بمعنى لا يأتيه ألبتة فإنه يبطل به حجه. فقوله: باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، يعني: من لم يسع لا حج له، وهذا السعي في حق المتمتع مرتان: مرة مع العمرة، ومرة مع الحج. يعني: يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق ويتحلل؛ لأنه لا يتحلل قط معتمر إلا بعد السعي بين الصفا والمروة. أما القارن فله أن يطوف بالبيت ويصلي ركعتين، ثم يرجع إلى الحجر فيقبله، أو يستلمه، أو يشير إليه مكبراً، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يحلق، ثم ينطلق يوم التروية إلى منى فيؤدي الحج، لكنه في يوم النحر إذا نزل إلى مكة وجب عليه أن يطوف بالبيت، وأن يسعى بين الصفا والمروة. إذاً: القارن ليس عليه من الوجوب إلا سعي واحد بين الصفا والمروة، فإن فعل هذا السعي بعد طواف القدوم، أو بعد طواف العمرة، فليس عليه سعي في يوم النحر، وإنما يطوف بالبيت فقط. وإذا لم يأت به في أداء عمرته، فيجب عليه أن يأتي به في يوم النحر على الخلاف المذكور. فالذي لا يطوف ولا يسعى في يوم النحر، وتحلل بأداء المنسكين: رمي جمرة العقبة والذبح، أو الحلق فله أن يتحلل، وهذا المعلوم عند أهل العلم بالتحلل الأصغر الذي يحل له كل شيء إلا النساء؛ لأن حل النساء هو التحلل الأكبر. ولا يحل له النساء إلا بعد الطواف والسعي، فإذا طاف وسعى وأتى منسكين آخرين حل التحلل الأكبر، بمعنى: كل شيء يحل له كان حراماً عليه في حال إحرامه حتى النساء، والذي لا يطوف في نهار النحر، ودخل عليه الليل ولم يطف وأراد أن يطوف بالليل، أو أن يطوف في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع وهي: أيام التشريق، فيجب عليه أن يلبس ملابس الإحرام من جديد. لكن الشيخ عادل العزازي حفظه الله راجعني في هذه القضية وقلت له: أنا ظننت أن هذه المسألة مستقرة عندك؛ لأننا تلقيناها عن الشيخ الألباني، والشيخ الألباني صاحب دليل فيها، وإن لم يقل فيها أحد من أهل العلم السابقين قبله بقول، إلا ما ورد إشارة عند النووي في شرح الصحيح في شرح حديث جابر الطويل في صفة حجه ﵊. ولكن الشيخ الألباني وقف عندها وأكد عليها وساق لها الدليل، أن من أدركه الليل في يوم النحر ولم يطف ولم يسع فعليه الإحرام، والحديث صحيح. ولكني حاولت مراراً وبذلت جهداً جهيداً أنا وإخواني الذين يهتمون ويعنون بكتب التراث للحصول على نسخة كتاب: مناسك الحج والعمرة للشيخ الألباني، ولكن للأسف الشديد لم نجد الكتاب إلى الآن. فهذه المسألة من أراد أن يرجع إليها بالتفصيل فليرجع إلى كتاب: مناسك الحج والعمرة للشيخ الألباني. وهذه قضية مهمة؛ لأن كثيراً من الناس يغفل عنها، بل ربما لا يعرفها من الأصل، فإن الذي لم يطف ولم يسع في يوم النحر عليه أن يلبس ملابس الإحرام إذا جن عليه الليل، والذي نقل هذا الكلام إلى الشيخ عادل لم يذكر له أني قلت: إذا جن عليه الليل. فظن الشيخ أنني ألزم الناس بلبس ملابس الإحرام في كل وقت، وفي كل حين حتى في نهار النحر قلت: أنا لم أقل هذا، وما آفة الأخبار إلا رواتها، قلت: أنا لم أقل هذا وحاكمني الشيخ عادل، ولكني قلت له: بيني وبين القوم الشريط والكلام مسجل، وهو أني قيدت ذلك بدخول الليل، فاشترطت دخول الليل.

стр. 649

حكم لبس الباروكة للمرأة تتزين بها لزوجها المسألة الثانية التي يسرني جداً أن أعتذر عنها، وأن أنسحب منها قبل البدء في الدرس وهي أنني قلت: إن لبس الباروكة للمرأة المسلمة تتزين بها لزوجها أمر جائز، وامتثالاً لقوله ﵊: (الدين النصيحة) وهذه النصيحة أنا أولى بها من أي إنسان آخر. وقول عمر لـ أبي موسى الأشعري ﵄: يا أبا موسى أو قال له: يا عبد الله بن قيس، اعلم أن الرجوع بالحق خير من التمادي بالباطل. وقول أبي حنيفة: إنما نحن بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً. والحقيقة: اللياقة والمرونة والشهامة هي: أن المرء إذا علم أنه أخطأ يرجع عن خطئه، وهذا تمام العلم وكماله، ولا أدعيه لنفسي، لكن على أية حال لا بأس أن نتمسك بأسلافنا ﵏. فهذه المسألة أنا قد أخطأت فيها حتى أوقفتني امرأتي جزاها الله خيراً على فتوى للجنة الدائمة، لما وجه إليها السؤال ما حكم لبس المرأة ما يسمى بالباروكة لتتزين بها لزوجها؟ فأجابت اللجنة المباركة: ينبغي لكل من الزوجين أن يتجمل أحدهما للآخر بما يحببه فيه، ويقوي العلاقة بينهما، لكن في حدود ما أباحته شريعة الإسلام دون ما حرمته، ولبس ما يسمى بالباروكة بدأ في غير المسلمات، فهو أصلاً من زينة الكافرات، واشتهرن بلبسه والتزين به حتى صار من سيمتهن. فلبس المرأة المسلمة إياها، وتزينها بها ولو لزوجها فيه تشبه بالكافرات، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (من تشبه بقوم فهو منهم). ولأنه في حكم وصل الشعر بل أشد منه وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك ولعن فاعله. وإني أنسلخ من الكلام الأول انسلاخاً تاماً، وأقول: هذه عقيدتي في هذه القضية، جزاكم الله خيراً، وأرجو أن تسامحوني.

стр. 650

باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به الباب الثالث والأربعون: باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به. والسعي بين الصفا والمروة للمتمتع يكون مرتين؛ لأن العمرة الأولى لا تتم إلا بطواف وسعي، والحج لا يتم إلا بطواف وسعي. أما القارن فإن عمرته تتم بغير سعي إذا كان سيسعى مع طوافه في يوم النحر، يعني: أن القارن إما أن يؤخر السعي، وإما أن يعجل السعي، فإذا عجل السعي فالسعي في يوم النحر مستحب وليس واجباً. أما المفرد إذا أخره فالسعي في يوم النحر في حقه واجب؛ لأن المفرد ليس له إلا سعي واحد. قال: [عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أو قلت لها: إني لأظن رجلاً لو لم يسع بين الصفا والمروة ما ضره، قالت: لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] إلى آخر الآية، فقالت: ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة]، يعني: عروة بن الزبير يقول لـ عائشة: أنا أرى أن واحداً حج أو اعتمر ولم يسع بين الصفا والمروة ليس عليه حرج، وأن السعي بين الصفا والمروة إنما أذن فيه الشارع لبيان مسألة عقدية كانت على أيام الجاهلية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]. فوقف عند قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٥٨] يعني: المسألة ليست عزيمة، فالذي يريد أن يسعى فلا جناح عليه، والذي لا يريد لا شيء عليه، فلا جناح عليه أن يطوف بهما. قالت عائشة ﵂ له: لو كان الأمر كما تقول لكان: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما؛ يعني يطوف أو لا يطوف، إذا كنت تعتبر أن هذا الطواف أو السعي بين الصفا والمروة من باب الاستحباب لكان سياق الآية يختلف عن سياق المتواتر، فلا جناح عليه ألا يسعى، فالآية ليست كما تظن أو كما فهمت، بل الآية حجة عليك، وليست حجة لك، فهي تريد أن تقول له: أنت لا تفهم الحديث إلا إذا عرفت سبب ورود الحديث، ولا تفهم الآية إلا إذا عرفت سبب نزول الآية، فقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، كانت الأنصار في الجاهلية يعبدون صنمين هما: إساف وكان على الصفا، ونائلة وكانت على المروة، ثم تحول الصنمان إلى حجر الكعبة، ثم إلى جوار الكعبة، فكانوا يسعون بين الصفا والمروة لأجل عبادة الصنمين. فالأنصار لما دخلوا في الإسلام وأتوا إلى مكة معتمرين تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ لأنهم كانوا يسعون في الجاهلية عبادة للأصنام. فقولها: إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يبلون في الجاهلية لصنمين على شاطئ البحر يقال لهما: هتاف ونائلة، وقولها: على شاطئ البحر هذا خطأ، وإنما الذي كان على شاطئ البحر شيء آخر. قالت: ويأتون إلى الصفا والمروة فيعبدون هذين الصنمين، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعونه في الجاهلية، أي: يطوفون بين الصفا والمروة لعبادة الصنمين. قالت: فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، أي: ليستا عبادة الصنمين، وإنما هما من شعائر الله، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٥٨] أي: فلا يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة كما كان يطوف في الجاهلية، فإنه الآن من شعائر الإسلام. قال: [قال عروة: قلت لـ عائشة: (ما أرى علي جناحاً ألا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: لم؟ قلت: لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، قالت: لو كان كما تقول لكان: (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية -ومناة هذه هي التي كانت على شاطئ البحر- فإذا دخلوا الحرم توجهوا إلى الصفا والمروة فعبدوا هذين الصنمين، فيطوفون بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)]. قولها: فلعمري هذا قسم، (ما أتم الله حج امرئ أتى للحج ما لم يطف بين الصفا والمروة)، يعني تريد أن تقول له: إن السعي هذا ركن من لم يأت به فلا حج له.

стр. 651

باب بيان أن السعي لا يكرر الباب الرابع والأربعون: باب بيان أن السعي لا يكرر. وهو أن السعي لا يكرر في حق القارن، وهذا الكلام قدمناه، والمتمتع يكرر سعيه، والمفرد لا سعي عليه إلا سعياً واحداً، فالقارن الذي ساق الهدي من الميقات ولم يتحلل بعد عمرته انتظاراً للإهلال في يوم التروية عليه سعي واحد. قال: [وقال جابر: (لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً)]. وفي الدروس الماضية تكلمنا مراراً وأثبتنا أن النبي ﵊ كان قارناً. ومعنى قول جابر: (ما طاف النبي ﷺ ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً)، أي: ولا أصحابه الذين ساقوا الهدي. أما من لم يسق الهدي فإنه يجب عليه سعيان، وهو المتمتع.

стр. 652

باب بيان وقت استحباب الرمي الباب الثالث والخمسون: باب بيان وقت استحباب الرمي. والرمي رميان: رمي في يوم النحر، ورمي في أيام التشريق. ورمي الجمرات بحصى الخذف، فإذا زادت عن ذلك أو نقصت جاز مع الكراهة، لكن على أية حال: يكره إذا تعمد الملتقط أن يلتقط أصغر من حصى الخذف أو أكبر، أما من لم يجد إلا أكبر أو أصغر فلا حرج عليه. فمثلاً: لا يلتقط المحرم حصى خذف مثل حبة الأرز، وإن فعل سيجزئه لكن مع الكراهة. ولا يلتقط سبعة أحجار كبار تقع في وجوه الناس من الناحية المقابلة له، ويعتبر أن هذه عبادة، فعلى اعتبار أنه لو رمى بحصى الخذف وجاءت في وجوه المقابلين له لا تضرهم، والنبي ﷺ نهى عن الخذف فقال: (إنه لا ينكأ عدواً، وإنما يفقأ العين). وقد كنا نخذف ونحن نرعى الأغنام، والحمد لله ما من نبي إلا ورعى الغنم. فباب بيان وقت استحباب الرمي. قال: [عن جابر قال: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى -ويوم النحر هو يوم العيد- وأما بعد -أي: وأما بعد يوم النحر- فإذا زالت الشمس)]. إذاً: الجمرة جمرتان: جمرة العقبة الكبرى، وهي التي ترمى فقط يوم النحر، ورميها ضحى، ويجوز أن ترمى إلى وقت المغرب، لكن أحب الأوقات في رميها الضحى بعد أن تنزل من مزدلفة إلى منى. وجمرة العقبة الكبرى في منى، لما تنزل من مزدلفة ستنزل إلى منى يوم النحر بعد الشمس، وقدر المشي ساعة ما بين مزدلفة إلى منى، فإذا وصلت إلى منى وبحثت عن جمرة العقبة الكبرى كنت في وقت الضحى، ولذلك يجوز أن تلتقط حصى الخذف الذي ترمي بها جمرة العقبة من مزدلفة، أو من طريقك إلى منى، أو من منى نفسها. وبعض الحجاج في ليلة المبيت بالمزدلفة يبيتون مهمومين ومنشغلين بجمع سبع حصيات لكي يذهبوا إلى منى وينطلقوا منها مباشرة. والخطأ الثاني أيضاً: بعض الحجاج يطيب حصى الخذف وهو محرم، والمحرم لا يجوز له أن يستعمل الطيب، فهو عندما يطيب هذه الحصيات سيمس من الطيب، وهذا خطأ كبير أيضاً. بعض أهل العلم هناك يفتي بوجوب الدم؛ لأن هذا تنطع في عدة مسائل، فالصحابة ما غسلوا الحجارة، لأن الأصل فيها الطهارة، لحديث: (جعلت لي الأرض طهوراً) أي: الأرض كلها بحصاها وترابها ووحلها وطينها طهور. لكن قد يقال: نحن نطيبها لأنها تقع في يد الله ، من الذي نص على أن هذه الحصيات تقع في يد الله إذا رميتها؟! والشيعة عليهم لعنة الله لا يلتقطون الحصى إنما يلتقطون أكياس الدم، فكل واحد منهم يأتي بسبع أكياس دم، وهذه إشارة لمقتل الحسين، فهم يرجمون الشيطان بأكياس الدم. تصور أن كل شيعي يرمي بسبعة أكياس دم، والأكياس تقع في محل الشاهد فتنفجر، فيرجع الدم على الحجاج، فهذا بلاء عظيم مع ما في هذا اليوم من شدة الزحام، والذي يسقط على الأرض فكبر عليه أربعاً لوفاته، سواءً كان كبيراً أو صغيراً، رجلاً أو امرأة، فلا مجال أبداً لحياته إلا أن يأذن الله ﵎ له بذلك. فحصى الخذف لا تغسل ولا تطيب ولا شيء من هذا، وتلتقط من أي مكان، ولا مانع للحاج -وهذا يحصل لما يأتي يوم عشرين من ذي القعدة- أن يأخذ من بلاده حصى فيضعها في الشنطة مثلاً ويحافظ على هذه السبع الحصيات. و السؤال هل يجوز رمي الجمرة أياً كانت: الوسطى أم الصغرى أم الكبرى بجمار رمي بها من قبل؟ و الجواب لا يجوز، إنما الجمرة يرمى بها مرة واحدة. ولذا فإن عربيات البلدية هناك تقوم برفع كل هذا الحصى وترميه بعيداً في الجبل؛ من أجل اليوم الثاني يرمي الناس الجمرات بحصى جديدة، وقد يلتقط الناس ثاني يوم أو ثالث يوم أو رابع يوم الذي هو ثالث أيام التشريق نفس الجمرات التي رموا بها بالأمس أو قبل الأمس، لكن هذا لا يضر، لأن الذي يغلب على الظن: أن هذه الجمار التي تلتقط من بعيد لم يرم بها، إنما التي رمي بها هي التي تأخذها من الجو، أو التي أخذتها في أثناء الرمي من محل الشاهد نفسه، أو من البير نفسه، فإن الموجود في هذا البير يقيناً عندك أنه قد رمي به، فلا يجوز التقاطه مرة أخرى، إنما إذا مررت بالجبل والتقطت منه وإن رمي به ألف مرة فإن الأصل فيه عدم الرمي، وهذا جهل لا يضرك. فمن شك هل رمي بها أو لم يرم بها، فالأصل عدم الرمي ما دامت بعيداً. والحوض لابد أن تقع الحصى فيه، ولا يصح الرمي إلا أن تقع في الحوض نفسه. جابر ﵁ يقول: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر) وهي جمرة العقبة الكبرى، أما الكبرى والوسطى والصغرى فهي ترمى في أيام التشريق الثلاثة إلا لمن تعجل، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]. يعني: الذي هو مستعجل ويريد أن يسافر أو ينطلق، ولذلك المتعجل لا يجوز له أن يبقى في مكة رابع أيام التشريق، ولذلك قال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] يعني: هذه المسألة مربوطة بتقوى الله ، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْ

стр. 653

باب بيان أن حصى الجمار سبع الباب الرابع والخمسون: باب بيان أن حصى الجمار سبع. قال: حصى الجمار، ولم يقل: حصى الجمرة الكبرى. أيام التشريق فيها رمي الجمرات الثلاث، بخلاف يوم النحر، ففيه رمي جمرة العقبة الكبرى فقط بسبع حصيات. قال: [قال جابر ﵁: قال رسول الله ﷺ : (الاستجمار تو، ورمي الجمار تو، والسعي بين الصفا والمروة تو، والطواف تو، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو)]. يريد أن يقول لك: إن العدد سبعة مستحب في بعض العبادات، وواجب في البعض الآخر.

стр. 654

باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر الباب الثامن والخمسون: باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر. قال: [يقول ابن عمر: (إن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى). قال نافع: (فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي ﷺ فعله)]. يعني: أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر، بمعنى: طاف طواف الإفاضة، فالنبي ﵊ في يوم النحر طاف طواف الإفاضة، ثم رجع فصلى الظهر بمنى. إذاً: أول مافعله النبي ﵊ هو أنه أتى من مزدلفة إلى منى ثم رمى جمرة العقبة، ثم حلق، ثم ذبح، ثم انطلق إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وسعى بين الصفا والمروة، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر. والنبي ﷺ حج في ذلك الوقت راكباً، وهذا أخص. قال: [وعن عبد العزيز بن رفيع قال: قلت لـ أنس بن مالك: (أخبرني عن شيء عقلته عن رسول الله ﷺ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى، قلت: فأين صلى العصر يوم النحر؟ قال: بالأبطح، ثم قال: افعل ما يفعل أمراؤك)]. يعني: أنت ليست لك علاقة بالنبي ﵊، إنما النبي ﵊ فعل هذا لأنه الأحسن، لكن لا يمنع أن يكون هناك خلاف الأحسن وهو الجائز، يعني خلاف المستحب الجائز أو المباح. فقال له أنس ﵁: إن النبي ﷺ فعل كيت وكيت، لكن لا يلزمك هذا، إنما الذي يلزمك هو اتباع الأمراء؛ لأن مخالفة الأمير سبب فتنة عظيمة، ونحن في الدروس الماضية ذكرنا أن النبي ﷺ قصر الصلاة بمنى، وأبو بكر وعمر قصرا الصلاة بمنى، إلا عثمان ﵁ فإنه صلى أربعاً، وصلى خلفه ابن مسعود ﵄ أربعاً، فقيل لـ ابن مسعود: لمَ صليت وقد علمت أن عثمان خالف السنة في ذلك؟ قال: الخلاف شر. يعني: يرضيكم أن ابن مسعود يصلي في مكة ركعتين، ولا يصلي مع الإمام أربعاً، فصلاة الظهر بمنى أربع ركعات جائزة، وإن كان الأولى اتباع النبي ﷺ ، لكن لو خالف أحد فصلى أربعاً تصح صلاته. وهذه السنة العظيمة خفيت على عثمان بن عفان، وهنالك مسائل مشهورة ومستفيضة عند الصغار قد خفيت على الكبار؛ ليجري الله سنته في الخلق مهما بلغت قيمته ومنزلته أنه لا يحظى بالعلم كله. وموسى ﵇ وهو نبي ذهب إلى الخضر وأخذ منه العهود والمواثيق الغليظة أنه لا يعترض عليه، ومع هذا أخطأ ثلاث مرات وأول مرة وثاني مرة قبل عذره، ولما أخطأ في المرة الثالثة فارقه، ولذلك قال له الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨]، أي: أنت لا تنفع للصحبة أبداً، مع أنه نبي لكنه بشر في النهاية، ولذلك هو معصوم في جهة الشرع، أما في غير جهة الشرع فليس معصوماً. ولا يجوز على الأنبياء ارتكاب الكبائر باتفاق، أما الصغائر فالخلاف فيها قائم، والراجح جواز وقوع الأنبياء في الصغائر التي لا علاقة لها بالشرع. إذاً: طواف الإفاضة ليس بواجب يوم النحر بل هو مستحب، يعني: يجوز لك أن تؤخره إلى اليوم الثاني والثالث والرابع؛ لأنه مستحب يوم النحر، وليس بواجب، بل بعض أهل العلم قالوا: إنما يجب أداء طواف الإفاضة في شهر ذي الحجة، ومن لم يفعله في شهر ذي الحجة فلا حج له، أي: ما أتم الله حجه كما قالت عائشة ﵂. أما المستحب وهو أن يطوف في يوم النحر، وليس في ليلة الحادي عشر؛ لأن لغة الشرع تفرق بين اليوم والليلة. فالليل يطلق على الليل، واليوم يطلق على النهار دون الليل. ولذلك فإن الكتب التي عنيت بأعمال اليوم والليلة تجد فيها مثلاً: أذكار اليوم والليلة، أي: أذكار النهار والليل، لأن اليوم يطلق على النهار دون الليل. فطواف الإفاضة في يوم النحر مستحب، ولا يتحلل التحلل الأكبر إلا به، أما إذا تحلل التحلل الأصغر بأداء منسكين من بقية المناسك، فإنه يحل له كل شيء إلا النكاح. ولا يرخص في ترك المبيت إلا لأهل السقاية، وهم الذين يأتون بالماء من مكة، ويوم التروية سمي يوم التروية لأن الحجاج يتروون فيه، يعني: يأخذون ما يرويهم من العطش من مكة إلى منى. وأيام التشريق سميت تشريقاً لأن اللحم كان فيها يشرق بمعنى: أنه يجفف، أو يشقق قطعاً ثم يجفف.

стр. 655

باب وجوب المبيت بمنى قال: [باب وجوب المبيت بمنى]. اعلم أن المبيت بمنى واجب، الذي هو ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، لكن هذا الوجوب ينسحب على من بقي في المكان ولو جزءاً يسيراً من الليل. فاللغة والشرع يسمحان بإطلاق لفظ المبيت على من أدرك المبيت بمنى، ولو جزءاً يسيراً من الليل. ثم اختلفوا هل هذا الجزء اليسير يكون في أول الليل أم في آخره؟ ومن تمكن من البقاء والمبيت بمنى من أول الليل فهذا بلا شك أولى، وأخرج له من الخلاف، وإذا لم يتمكن إلا من البقاء في منى جزءاً يسيراً من الليل من أوله أو من آخره، ما دام أنه لم يتمكن من ذلك إلا على هذا النحو فإنه يجبره. وهذه المسألة ستقابلها في منى، فإن بقاءك في النهار ليس بلازم؛ لأن القصد أن ترمي الجمرات الثلاث بعد الزوال. فبقاؤك من الفجر إلى الظهر في منى ليس بلازم، بإمكانك أن تنطلق خارج منى، وبقاؤك بعد الزوال إلى غروب الشمس ليس بلازم، إنما لأجل رمي العقبات الثلاث، فإذا رميتها بعد الزوال ثم انطلقت إلى مكة لتحظى بفضل وثواب الصلاة في المسجد الحرام فلك ذلك، يعني أن تذهب فتصلي العصر هناك، ولا بأس أن تصلي المغرب والعشاء هناك، فتكون صليت العصر والمغرب والعشاء، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، أي: بثلاثمائة ألف صلاة، يعني: بحوالي مائة وخمسين ألف يوم في الحياة العادية، أو بمائتي ألف يوم في الحياة العادية لو أن الله تقبل ذلك وأثابك عليه. والمبيت في منى أفضل من المبيت بالمسجد الحرام؛ لأن المبيت بالمسجد الحرام لا فضل فيه غير الأمن والأمان، مع أن الأمن والأمان في موسم الحج عموماً، أو في بيت الله عموماً سواءً كان ذلك بالليل أو بالنهار. أما إدراك المبيت في منى فإن بعض أهل العلم ذكر أن المبيت لا يكون إلا بإدراك أول الليل، وبعضهم قال: بل آخر الليل يجزئه، ولكن الأحوط أن يحرص الحاج أن يكون من أول الليل إلى آخره في منى حتى يخرج من هذا الخلاف، لكن إذا لم يتمكن إلا بالوقوف ولو ساعة من آخر الليل، أو من أوله فلا حرج عليه إلا أهل السقاية، وهم الذين يخدمون الحجيج بشربهم وطعامهم وغير ذلك بغير عوض. كان العباس يستأذن النبي ﵊ عدم المبيت بمنى لقيامه على أمر السقاية للحجيج، والحمد لله السقاية في الحج الآن على أعلى مستوى.

стр. 656

باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها الباب الواحد والستون: باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها. قال: [قال علي: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه)]، البدن: جمع بدنة، والبدنة في اللغة تطلق على البقرة والبعير والشاة، ولكنها عند الإطلاق تطلق على البعير فقط، قال علي ﵁: [(أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجزار منها شيئاً)]. يعني: أجر الجزارة تكون مالاً، فلا يأخذ الجزار شيئاً من الذبيحة، وهذا الحكم ينسحب على الأضاحي، لكن النبي ﵊ قال: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث). يعني: كان حتى لو بقي ولم يتلف لا يأكله. ثم أتى الناسخ لهذا الحديث وهو قوله ﵊: (كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاث ألا فكلوا وادخروا)، يعني: الآن كلوا وادخروا بخلاف الأول فإنه لم يكن يحل لأحد أن يدخر فوق ثلاثة أيام. ولا يعطى الجزار على سبيل الإجارة والعوض منها شيئاً، فإذا سقت الهدي من الميقات، وقلدته وأشعرته فقد أوقفته على الله ، فهو كالنذر تماماً، فلا يجوز لك أن تبيع شيئاً من هذه الذبيحة، ولا ترم حتى الظفر ولا ينتفع به أحد، ويحرم عليك أن تبيع شيئاً من النذر أو الأضحية أو العقيقة أو الهدي، وأما النذر فيحرم عليك أن تأكل منه شيئاً؛ لأنك نذرتها لله ، وإن كان النذر مكروهاً؛ لأن النذر إنما يستخرج به من البخيل. والبخيل جعل الله ﵎ أهون الناظرين إليه، وأهون أصحاب الحقوق عليه، فظل يلتمس لنفسه الأعذار حتى يتخلص من أداء حق الله له. فلا يجوز للناذر أن يأكل من نذره شيئاً، ولا من يعولهم، أي: من تلزمه نفقتهم، ويجب إخراج النذر كله لله ، دون أن ينتفع منه بشيء إلا بالثواب الذي دفعه للتخلص من هذا النذر لله . أما الأضحية فلك أن تأكل منها، وتهدي وتتصدق منها قياساً على الهدي، فإن للمهدي أن يأكل من هديه، وأن يتصدق منه بالثلث الثاني، وأن يهدي منه الثلث الثالث، فإن تصدق بها كلها كما فعل النبي ﵊ فهو حسن، وهذا عين الكمال والتمام، والنبي ﵊ ذبح عدداً عظيماً جداً بلغ ستين ناقة، وأمر علي بن أبي طالب أن يتصدق بكل شيء فيها بحيث لا يبقي منها شيئاً، وهذا عين الكمال والتمام الذي لا يكاد يصدر إلا عن النبي ﵊ وأصحابه الكرام. والشاة لا يصح فيها الشراكة، وأما البدنة التي هي البعير أو البقرة، فإنها تصح وتشرع لسبعة، وللآكل أن يأكل من الهدي ما شاء. وسن الحياة محل خلاف؛ لأن تحديد السن ليس فيه دليل، وأقل عمر الشاة أن يكون ثمانية شهور، وأكثره ألا يزيد عن سنة، لكن لو أنه قدم أقل من ثمان، أو أكثر من عام فإنه يجزئ؛ لأنه لا دليل في التنصيص على هذه القضية المعينة.

стр. 657

باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض الباب السابع والستون: باب وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض. طواف الوداع في الحج بلا خلاف واجب على الحجاج، ويجوز لك الجمع بالنية بين طواف الإفاضة الذي هو ركن، وبين طواف الوداع الذي هو واجب، وطواف الإفاضة في يوم النحر، وسمي الإفاضة لأن الإنسان يفيض من منى إلى مكة، أي: ينزل من منى إلى مكة، ثم يرجع إلى منى فيبقى بها ثلاثة أيام، فمن انطلق من منى إلى مطار جدة ليركب الطائرة أو الباخرة ولم يطف طواف الوداع فإن عليه دماً؛ لأن طواف الوداع للحج واجب، وبعض أهل العلم قالوا باستحبابه للمعتمر. والصواب بل الصحيح: أنه لا طواف وداع للمعتمر أياً كانت عمرته في أي وقت من السنة شاء. أما طواف الوداع فواجب، وقيل: سنة، والراجح أنه واجب يجبر بدم، يعني: من فرط فيه أو قصر فيه فعليه الدم حتى لو تركه ناسياً أو جاهلاً، فإنه يرتفع عنه الإثم وتبقى عليه الكفارة، وهي: ذبح شاة لفقراء الحرم. فالذي يطوف طواف الإفاضة في يوم النحر يلزمه بعد انتهائه من الحج طواف آخر هو طواف الوداع، ولو أخر طواف الإفاضة لليوم الثالث أو الرابع، وجمع بالنية بينه وبين طواف الوداع جاز ذلك وأجزأه، لكنه لا يعجل ويقدم طواف الوداع مع طواف الإفاضة ويطوفهما طوافاً واحداً في يوم النحر لاختلاف الزمان. وسمي طواف الوداع وداعاً لأنك ستغادر مكة بعده مباشرة، ولذلك ذهب كثير من أهل العلم إلى عدم الاتجار بعد طواف الوداع؛ لأنه سيطوف طواف الوداع وينطلق من المسجد الحرام إلى سفره مباشرة، فلا يجوز ولا يصح أن يطوف إنسان في يوم النحر مع طواف الإفاضة مع أنه يعلم أنه يبقى أكثر من ثلاثة أيام في منى أو في بلد الله الحرام. وفي صحيح مسلم وعند البخاري كذلك أن الحاج لا يجوز له البقاء في مكة بعد أداء الحج ثلاثة أيام إلا أن يكون مجاوراً، يعني: إلا أن ينوي البقاء في مكة، أما الذي أتى إلى الحج فبعد ثلاث ينطلق. قال: [قال ابن عباس: (كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)] أي: بالطواف، يعني الناس لما كانوا يرمون الجمرات في ثالث أيام التشريق ثم ينطلق كل واحد منهم إلى حال سبيله، فالرسول ﵊ قال: (لا ينصرفن أحدكم -أي: بعد أداء الحج- حتى يكون آخر عهده بالبيت) بالطواف. وهذا بخلاف طواف الإفاضة. وفي حديث ابن عباس: [(أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)]. يعني: المرأة الحائض ليس عليها طواف وداع، إنما عليها طواف الإفاضة، ولكنها تؤخره حتى يرتفع عنها الدم، وأهل العلم في هذا الزمان يفتون بجواز أن تتعاطى المرأة أدوية ترفع الدورة حتى يتم حجها؛ وعائشة لما حاضت في الحج كان الأمر بيد النبي ﵊، فكان له أن يصدر أوامره للصحابة كلهم بالبقاء في مكة اليوم الثاني والثالث إلى أن تنتهي الدورة. أما الآن فيطلب منك أن تكون في المطار الساعة كذا، وفي الميناء الساعة كذا، وإن تأخرتم فإنه سيترككم. فالعلماء جوزوا أن تتعاطى المرأة أي أدوية ترفع الدورة وتحتفظ بها حتى يتم حجها، أو تتم عمرتها. أما الصيام فليس في ذلك ضرورة، إنما في ذلك تنطع.

стр. 658

باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره. قال: [عن عبد الله بن عمر: (كان رسول الله ﷺ إذا قفل من الجيوش -يعني: من الغزو- أو السرايا، أو الحج، أو العمرة إذا أوفى -يعني: إذا بلغه- على ثنية، أو فدفد -يعني: إذا صعد شيئاً مشرفاً عالياً- كبر ثلاثاً)]. وهذه السنة لما تكون مسافراً تطلع على كبري، أو على تبة، وأنت طالع الكبري أو التبة فتقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، سائحون -أو ساجدون -ومعنى (آيبون) يعني: راجعون منيبون- لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. وهذا يسن لمن رجع من سفر الطاعة كرجوع الجيش من الغزو، أو رجوع الحاج من الحج، أما السفر العادي فلا يسن فيه: (صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده). وفي رواية: أنه كبر مرتين، ولا بأس أن يكبر ثلاثاً لورود ذلك أيضاً.

стр. 659

باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة الباب التاسع والسبعون: باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة. قال: [قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة -يعني: لا يوجد يوم أكثر عتقاً من الرقاب من النار أكثر من يوم عرفة- وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟)]، أي: يرجون رحمتك، ويخافون عذابك كما في بقية الحديث الآخر، قال: (يرجون رحمتي ويخافون عذابي، ولم يروه)، أي: ولم يروا عذابي، فكيف لو رأوه. فقوله: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة) لا يتعارض مع حديث: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة)، ووجه الجمع بين الحديثين: أن خير أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، وخير أيام السنة هو يوم عرفة. والدنو دنو حقيقي يليق بالله ، والإمام النووي عليه رحمة الله كان يقع في التأويل أحياناً، وتلاميذه من فحول أهل العلم اعتذروا عن النووي بأنه لم يتقن مسائل العقيدة، وتصدر للتصنيف والتأليف في الفقه والأصول وغير ذلك قبل أن يستيقن من مسائل الاعتقاد، فكلما مرت عليه المسألة في أثناء تصنيفه تكلم فيها ونقل فيها عن أهل العلم، فتارة ينقل، وتارة يسكت، وتارة يوافق المتأولة. وله تأثر بعلماء زمانه ومشايخه، وأنهم كانوا متأولة، فقد كانوا في العقيدة أشاعرة، فقد قال النووي في شرحه لهذا الحديث: قال القاضي عياض: قال المازري: معنى (يدنو) أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة. وهذا تأويل أيضاً، لأن دنو الرحمن صفة فعل لله ، وصفة أفعاله لا يعلم كيفيتها إلا الله ، كما لا يعلم صفات ذاته إلا هو سبحانه. فأهل السنة يثبتون جميع الصفات لله على المعنى اللائق به، ولا نخوض فيها بكيف ولا تأويل، إنما نؤمن بها كما جاءت ونمرها كما أمرها سلفنا ﵃، وهذا أسلم وأحكم وأعلم.

стр. 660

باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة الباب الثاني والتسعون: باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة والإمام النووي قد أثبت يقيناً أن النبي ﷺ قد قبر في بيته، والنبي ﷺ لم يقل: (ما بين قبري ومنبري) وهو لا يعرف مكان القبر، وأنتم تعلمون أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وهذه سنة خاصة بالأنبياء. رجل صوفي بنى مسجداً، وحفر لنفسه قبراً، ولما مرض واشتد عليه المرض قال: أنا سأمكث في المسجد من أجل إذا مت أدفن فيه. ولو كان هذا الرجل صادقاً لكان ينام دائماً في القبر لا في الغرفة من أجل أن يدفن في الناحية التي مات فيها، ولما تحقق الإمام النووي من موته لم يتحرج أن يقول: ما بين القبر ومنبر المسجد النبوي روضة من رياض الجنة، والمقصود بالبيت هو بيت عائشة الذي مات فيه النبي ﵊ وصار بعد ذلك قبراً له ﷺ . أما قوله ﵊: (ما بين قبري ومنبري) فهذا حديث غير صحيح، والصحيح: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). واختلف العلماء في معنى قوله: (روضة من رياض الجنة): القول الأول: أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة؛ لأنه موضع من مواضع الجنة وروضة من رياضها. والثاني: أن العبادة فيه تؤدي بصاحبها إلى الجنة. قال الطبري: المراد ببيته هو القبر، قاله زيد بن أسلم. والثاني: المراد بالبيت: سكناه، يعني على ظاهره، وإن كان القولان كلاهما يؤدي إلى معنى واحد، لكن حرص الناس على أن يصلوا في الروضة هذا حرص مشكور؛ لأن العبادة في هذا الموطن لها فضل يختلف عن غيره، وحرص الناس أحياناً يؤدي إلى وقوع مفسدة عظيمة جداً خاصة مع الزحام الشديد. ولذلك فإن هناك مآسي منها ما يفعله غالب الحجاج كالباكستانيين والهنود وغيرهم كل واحد فيهم يجلس في الطابور من أجل أن يصلي ركعتين في الروضة.

стр. 661

باب أحد جبل يحبنا ونحبه الباب الثالث والتسعون: باب أحد جبل يحبنا ونحبه. أي: باب إثبات أن جبل أحد يحبنا ونحبه. جاء في حديث أبي حميد الساعدي أنه قال: [(خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك - وساق الحديث وفيه- ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فقال الرسول ﷺ : إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث، فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: هذه طابة -أو طيبة، أو طِيبة وهي المدينة- وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه)]. وفي رواية: (إن أحداً جبلٌ يحبنا ونحبه)، والسبب لا يعلمه إلا الله . وبعض أهل العلم يتأول هذا الحديث فيقول: يحبنا أهل الجبل من الإنس والجن والملائكة، لكن هذا تأويل، ولا يمنع إجراء هذا الحديث على ظاهره، وأن الله تعالى يرزق هذا الجبل الأصم تمييزاً يحب به ويبغض، كما أنطق الله الجمادات والأحجار والمياه والحيوانات والطيور للنبي ﵊. وهذا الحديث من معجزاته الكثيرة ﵊، فإن الله ميز بعض الجمادات وأعطاها تمييزاً لتبكي وليعز عليها فراق النبي ﵊، أو لتستجيب لأمره ﵊، أو تنتهي بنهيه ﵊، فلا مانع أن يرزق الله تعالى ذاك الجبل تمييزاً يحب به ويبغض، فأحب النبي ﵊، وأحب أصحابه، وأحب المسلمين الموحدين جميعاً؛ لأن قوله: (إن أحداً جبل يحبنا ونحبه) (يحبنا) أي: نحن المسلمين، وقيل: الصحابة. والراجح: أن هذا اللفظ عام يطلق ويراد به عموم الموحدين وعموم المسلمين، ولذلك: (لما صعد النبي ﵊ جبل أحد هو وأبو بكر وعمر وعثمان فارتجف الجبل واهتز، فقال النبي ﵊: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان). فثبت أحد، ولما يرتجف بعد ذلك، وهذا يدل على أن الله تعالى رزق الجبل تمييزاً، فائتمر بأمره ﵊.

стр. 662

فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي الباب الرابع والتسعون: في إثبات فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة. قال: [قال النبي ﵊: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)]. فإذاً: الصلاة في مسجد النبي ﵊ أحسن من جميع المساجد بألف صلاة، أما المسجد الحرام فإن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة. قال: [قال أبو هريرة ﵁: (صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد)]. يعني: آخر المساجد التي لها هذا الفضل، والمسجد الأقصى هو مسجد داود وسليمان ﵉، ونحن أحق بداود وسليمان من اليهود عليهم لعنة الله، وإثبات الفضل لهذه المساجد، لأن الذي بناها أنبياء، فإن أول من أسس قواعد البيت الحرام وكذلك المسجد الأقصى هو آدم ﵇، وهذا الذي رجحه الحافظ ابن كثير، وابن تيمية وغيرهما من أهل العلم. والذي رفع القواعد في البيت الحرام هو إبراهيم وإسماعيل، والذي رفع القواعد في المسجد الأقصى هو داود وسليمان. والذي بنى المسجد النبوي هو النبي ﵊. فيقول أبو سلمة: لم نشك أن أبا هريرة كان يقول الحديث عن رسول الله ﷺ ، منعنا ذلك أن نستثبت أبا هريرة عن ذلك الحديث، حتى إذا توفي أبو هريرة تذاكرنا ذلك، وتلاومنا ألا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك حتى يسنده إلى رسول الله ﷺ إن كان سمعه منه، فبينما نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فتذاكرنا ذلك الحديث، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد). فهذا الحديث قد ورد موقوفاً ومرفوعاً من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: [عن ابن عباس أنه قال: (إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فأصلين في بيت المقدس -يعني: كانت وجعة مريضة، فنذرت لله إذا شفاها أن تخرج إلى بيت المقدس لتصلي به- فبرئت ثم تجهزت تريد الخروج، واستعدت للرحلة من المدينة إلى الشام، فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها فأخبرتها ذلك وقالت: اجلسي وكلي ما صنعت -أي: كلي الأكل الذي أنت عملتيه ومتزودة به في الطريق- وصلي في مسجد الرسول ﷺ ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)]، الذي هو البيت الحرام. فـ ميمونة ﵂ اجتهدت في زمن النبي ﵊، وهذا يدل على جواز الاجتهاد عند الصحابة، وعدم الرجوع في اجتهادهم أحياناً إلى النبي ﵊ إذا كانت الحجة واضحة وظاهرة. كما أن في هذا الحديث جواز العدول عن عين النذر إلى ما هو أفضل منه، فإن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، فهي تجزئ عن الصلاة المنذورة في المسجد الأقصى. وقال ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى). وشد الرحال: هو اتخاذ الرحلة إلى هذه المساجد. الإمام أبو محمد الجويني يقول: يحرم شد الرحال إلى غير هذه المساجد، والإمام النووي يقول: هذا الكلام غلط، والصواب: هو مذهب الجمهور، أن هذا الحديث فيه فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال إليها؛ لأن معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها، فمهما شددت رحالك إلى جميع المساجد في بقاع الأرض، فليس لها فضل شد الرحال كما لهذه المساجد، ولا ينفي ذلك جواز شد الرحال إلى غيرها لطلب العلم أو غيره. وعبارة يحرم شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، لم يقل بها إلا الإمام الجويني فقط، وغلطه وخطأه أهل العلم، وحملوا الحديث على أنه لا فضيلة في شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا لا ينفي أن تشد الرحال إلى غير هذه المساجد، لكن ليس لها فضل شد الرحال كفضل شد الرحال إلى الثلاثة المساجد. يعني: كأن الحديث معناه: لا فضيلة في شد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. فمن ذهب مثلاً من القاهرة إلى قليوب أو إلى غيرها لسماع محاضرة -مثلاً- فإن هذا من شد الرحال، فعلى مذهب أبي محمد الجويني يحرم، وعلى مذهب علماء الأمة أن هذا الفعل جائز، لكن ليس فيه فضيلة شد الرحال كما في هذه المساجد الثلاثة. ونريد أن نبين مسألتين: المسألة الأولى: ذكر اسم الشيخ بالقدح مناف للأدب في طلب العلم، والأفضل أن يقال:

стр. 663

باب بيان المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم كما جاء في كتاب الله هو مسجد النبي ﵊، وليس هو مسجد قباء كما هو مشهور عند الناس. قال: [(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله! أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة - قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره)]. ليس معنى ذلك: أن مسجد قباء ليس له فضل، بل لقد قال النبي ﵊: (ركعتان في مسجد قباء تعدل عمرة). والصلاة في مسجد قباء تعدل ثواب عمرة، لكن عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﵊. قال ابن عمر: (إن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكباً وماشياً). وعنه قال: (كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قباءٍ راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين). وكان يأتيه كل يوم سبت، وفي هذا جواز تخصيص يوم من أيام الأسبوع لعبادة معينة، كما يقول الإمام النووي في ذلك. قال: (وفي هذا الحديث بيان فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وفضيلة زيارته، وأنه تجوز زيارته راكباً وماشياً، وهكذا جميع المواضع الفاضلة تجوز زيارتها راكباً أو ماشياً، وفيها أنه يستحب أن تكون صلاة النفل بالنهار ركعتين كصلاة الليل. وقوله: كل سبت، فيه جواز تخصيص بعض الأيام للزيارة، وهذا هو الصواب وهو قول الجمهور، وكره ابن مسلمة المالكي ذلك، قالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث ولله الحمد والمنة)، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 664

شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - فتاوى وأسئلة

стр. 665

مدى صحة قصة أن الشجاع الأقرع ظهر لميت كان تاركاً للصلاة في المدينة عام ١٤٢٠هـ السؤال هذه نشرة مجهولة تحذر تارك الصلاة من الشجاع الأقرع، وتحكي عقوبة حدثت لشخص ببقيع الغرقد في المدينة المنورة في شهر صفر سنة ١٤٢٠هـ كان تاركاً للصلاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد شاهدها جمع من الناس، وقد صرع بعضهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ومصور في النشرة إنسان مدفون، وهو في كفنه، وقد التف عليه ثعبان. الجواب هذا كله كلام فارغ، فالشجاع الأقرع الذي يظهر في القبر للميت يظهر بمناسبة عدم تأديته للزكاة، وقد أراد ربنا سبحانه أن يفضح هذا الأفاك الكذاب، فظن أن الشجاع الأقرع سيظهر لتارك الصلاة، مع أن النصوص دلت على أن الشجاع الأقرع إنما يظهر لتارك الزكاة، فهذا الكلام افتراء على الشرع، ونحن لا نهون من عذاب القبر، ولكن نقول: إنه استخدم هذه النصوص كذباً في غير محلها، ففضحه الله .

стр. 666

سبب عدم شرح الشيخ لبعض الأبواب في الصحيح السؤال ذكرتم أنه لن يتم شرح كتاب النكاح وما بعده حتى كتاب البيوع؛ لأنكم قمتم بشرح هذه الكتب في مسجد العزيز بالله، وأغلب الحاضرين في هذا المسجد لم يحضروا شرح هذه الكتب، وهم بذلك سيحرمون من شرحها، وهي هامة جداً، وأنا أهيب بك أن تسير بالترتيب في شرح الصحيح حتى تتم الفائدة لنا ولك؟ الجواب إذا كنت حريصاً على العلم فاحضر هناك، والأشرطة موجودة في مسجد العزيز من أول درس إلى آخر درس، فأنا منذ سنتين أشرح البخاري، فهل أعيده هنا مرة أخرى، وبعد ذلك ستطلب مني أن آتي لك إلى البيت، وهذا قد فعله أناس، وقد طالبوني بشرح الصحيحين في بيوتهم مرة أخرى من أول درس، فقلت: من يطلب هذا الطلب لاشك أنه غير موفق وغير مسدد، ولا يمكن أن يستمر، ولن يكون طالب علم أبداً، والذي يطلب هذا الطلب إنسان بلطجي وفوضوي، وليس طالب علم، ولو لبينا له طلبه فإنما هما درسان أو ثلاثة، ثم يقول لك: لا يا شيخ! الكلام هذا صعب جداً وكثير، ثم إن هذه المنهجية لم نرها عند السلف، فالذي كان يريد أن يحضر الدرس يذهب إلى الشيخ في المسجد ويجلس أمامه. وأنا علي واجبات عينية، وعندي شغل أتكسب منه، وعندي أولاد، وعندي دعوة عامة، والدعوة العامة أشرح فيها علم، وأشرح فيها كتب العلم، والواحد إذا كان واقفاً أمام واحد ليس كمن يقف أمام مائة، وربنا يفتح لما يكون العدد كبيراً، فكل من يستمع يدور في ذهنه شيء غير الذي يدور في ذهن الثاني والثالث والرابع، ولو كان الحاضر واحداً فقط فلن يوجه كل هذه الأسئلة، ولا يمكن أن يدور في ذهنه إلا سؤال أو سؤالان، فالذي يريد طلب العلم فليطلبه بصدق وإخلاص، ويأتي إلى المسجد ويجلس بجوار أفقر الناس وأدناهم، حتى يتعلم الذل والتواضع والخشوع والإنابة لله ؛ لأن الله تعالى لا يقبل من عبد عملاً إلا بتقواه.

стр. 667

أسباب تسمية السور بأسمائها المعروفة السؤال لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟ الجواب لأن أعظم حدث فيها هو الحدث الذي فعله بنو إسرائيل عليهم لعنة الله في مراجعتهم لنبيهم في البقرة المذكورة في هذه السورة المباركة، وكل سورة لها أكثر من اسم، وإنما تعرف وتشتهر بأسماء معينة؛ لأن هذا الاسم في الغالب يكون أعظم حدث تكلمت عنه السورة. والله أعلم.

стр. 668

التكبير عند صعود المرتفعات في السفر السؤال عند الصعود يسن التكبير، فهل عند الاستواء في أعلاه يسن التكبير أيضاً أم أثناء الصعود نفسه؟ الجواب أثناء الصعود فقط، وفي أثناء النزول يسبح، كما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: (كان النبي ﷺ يكبر على كل شرف)، يعني: يكبر على كل مكان مشرف، يعني عال. (ويسبح عند كل هبوط). فيسن إذا كنت صاعداً أن تكبر، وإذا كنت نازلاً أن تسبح، وتقول: سبحان ربي الأعلى.

стр. 669

حكم التضحية بالشاة إذا ولدت السؤال اشترى رجل شاة ليضحي بها يوم العيد، فولدت قبل شهر ونصف، فهل يجوز له أن ينحرها يوم العيد علماً بأنها ترضع صغارها وهم بحاجة إلى الرضاعة؟ الجواب يستعيض عنها بشاة أخرى، وإن كان قد أوقفها هي بعينها فله أن يستعيض عنها شاة أخرى؛ لأن ما حاد عن هذا الوقف بعينه إلا لضرورة وعذر. والله أعلم.

стр. 670

شرح الشيخ محمد عبد المقصود لأعمال الحج والعمرة السؤال نرجو أن توجزوا لنا أعمال الحج والعمرة بالترتيب، ومسائلهما في الزمان والمكان في بحث صغير؟ الجواب شرح شيخنا الشيخ محمد عبد المقصود أعمال الحج والعمرة يوم الأربعاء الماضي في حوالي خمس ساعات، فقد جلس من صلاة المغرب تقريباً حتى الساعة الواحدة في الليل في مسجد السلام في المعادي، وأنا لما سمعت الخبر في إذاعة المسجد قلت: الذي عنده استعداد يبيت هنا يتفضل، وشيخنا شغوف بذكر الأدلة وسردها، فلا يتكلم إلا بدليل، وسجل حوالي أربعة أشرطة أو خمسة في أعمال الحج من أولها إلى آخرها. وشيخنا محمد عبد المقصود هو عالم الصحوة، وإذا كانت الرحلة تستحب أو تجب لأحد في هذا الزمان فإنما تجب إليه، ولا أزكي أحداً بعده في باب العلم والدعوة إلى الله ، أما في باب علم الحديث فإن الرحلة أول ما تكون لشيخنا الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف، ويلحق بالشيخ محمد عبد المقصود الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله في الإسكندرية، وأذكر بهذا الكلام قول من قال: إن المحامد قد طووا جياعاً، فهذا محمد عبد المقصود، وهذا محمد إسماعيل، وهذا محمد عمرو عبد اللطيف، فهؤلاء المحامد الرحلة إليهم من أقرب القربات في هذا الزمان. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →