← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سبب عدم شرح الشيخ لبعض الأبواب في الصحيح السؤال ذكرتم أنه لن يتم شرح كتاب النكاح وما بعده حتى كتاب البيوع؛ لأنكم قمتم بشرح هذه الكتب في مسجد العزيز بالله، وأغلب الحاضرين في هذا المسجد لم يحضروا شرح هذه الكتب، وهم بذلك سيحرمون من شرحها، وهي هامة جداً، وأنا أهيب بك أن تسير بالترتيب في شرح الصحيح حتى تتم الفائدة لنا ولك؟ الجواب إذا كنت حريصاً على العلم فاحضر هناك، والأشرطة موجودة في مسجد العزيز من أول درس إلى آخر درس، فأنا منذ سنتين أشرح البخاري، فهل أعيده هنا مرة أخرى، وبعد ذلك ستطلب مني أن آتي لك إلى البيت، وهذا قد فعله أناس، وقد طالبوني بشرح الصحيحين في بيوتهم مرة أخرى من أول درس، فقلت: من يطلب هذا الطلب لاشك أنه غير موفق وغير مسدد، ولا يمكن أن يستمر، ولن يكون طالب علم أبداً، والذي يطلب هذا الطلب إنسان بلطجي وفوضوي، وليس طالب علم، ولو لبينا له طلبه فإنما هما درسان أو ثلاثة، ثم يقول لك: لا يا شيخ! الكلام هذا صعب جداً وكثير، ثم إن هذه المنهجية لم نرها عند السلف، فالذي كان يريد أن يحضر الدرس يذهب إلى الشيخ في المسجد ويجلس أمامه. وأنا علي واجبات عينية، وعندي شغل أتكسب منه، وعندي أولاد، وعندي دعوة عامة، والدعوة العامة أشرح فيها علم، وأشرح فيها كتب العلم، والواحد إذا كان واقفاً أمام واحد ليس كمن يقف أمام مائة، وربنا يفتح لما يكون العدد كبيراً، فكل من يستمع يدور في ذهنه شيء غير الذي يدور في ذهن الثاني والثالث والرابع، ولو كان الحاضر واحداً فقط فلن يوجه كل هذه الأسئلة، ولا يمكن أن يدور في ذهنه إلا سؤال أو سؤالان، فالذي يريد طلب العلم فليطلبه بصدق وإخلاص، ويأتي إلى المسجد ويجلس بجوار أفقر الناس وأدناهم، حتى يتعلم الذل والتواضع والخشوع والإنابة لله ؛ لأن الله تعالى لا يقبل من عبد عملاً إلا بتقواه.

стр. 667

أسباب تسمية السور بأسمائها المعروفة السؤال لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟ الجواب لأن أعظم حدث فيها هو الحدث الذي فعله بنو إسرائيل عليهم لعنة الله في مراجعتهم لنبيهم في البقرة المذكورة في هذه السورة المباركة، وكل سورة لها أكثر من اسم، وإنما تعرف وتشتهر بأسماء معينة؛ لأن هذا الاسم في الغالب يكون أعظم حدث تكلمت عنه السورة. والله أعلم.

стр. 668

التكبير عند صعود المرتفعات في السفر السؤال عند الصعود يسن التكبير، فهل عند الاستواء في أعلاه يسن التكبير أيضاً أم أثناء الصعود نفسه؟ الجواب أثناء الصعود فقط، وفي أثناء النزول يسبح، كما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: (كان النبي ﷺ يكبر على كل شرف)، يعني: يكبر على كل مكان مشرف، يعني عال. (ويسبح عند كل هبوط). فيسن إذا كنت صاعداً أن تكبر، وإذا كنت نازلاً أن تسبح، وتقول: سبحان ربي الأعلى.

стр. 669

حكم التضحية بالشاة إذا ولدت السؤال اشترى رجل شاة ليضحي بها يوم العيد، فولدت قبل شهر ونصف، فهل يجوز له أن ينحرها يوم العيد علماً بأنها ترضع صغارها وهم بحاجة إلى الرضاعة؟ الجواب يستعيض عنها بشاة أخرى، وإن كان قد أوقفها هي بعينها فله أن يستعيض عنها شاة أخرى؛ لأن ما حاد عن هذا الوقف بعينه إلا لضرورة وعذر. والله أعلم.

стр. 670

شرح الشيخ محمد عبد المقصود لأعمال الحج والعمرة السؤال نرجو أن توجزوا لنا أعمال الحج والعمرة بالترتيب، ومسائلهما في الزمان والمكان في بحث صغير؟ الجواب شرح شيخنا الشيخ محمد عبد المقصود أعمال الحج والعمرة يوم الأربعاء الماضي في حوالي خمس ساعات، فقد جلس من صلاة المغرب تقريباً حتى الساعة الواحدة في الليل في مسجد السلام في المعادي، وأنا لما سمعت الخبر في إذاعة المسجد قلت: الذي عنده استعداد يبيت هنا يتفضل، وشيخنا شغوف بذكر الأدلة وسردها، فلا يتكلم إلا بدليل، وسجل حوالي أربعة أشرطة أو خمسة في أعمال الحج من أولها إلى آخرها. وشيخنا محمد عبد المقصود هو عالم الصحوة، وإذا كانت الرحلة تستحب أو تجب لأحد في هذا الزمان فإنما تجب إليه، ولا أزكي أحداً بعده في باب العلم والدعوة إلى الله ، أما في باب علم الحديث فإن الرحلة أول ما تكون لشيخنا الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف، ويلحق بالشيخ محمد عبد المقصود الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله في الإسكندرية، وأذكر بهذا الكلام قول من قال: إن المحامد قد طووا جياعاً، فهذا محمد عبد المقصود، وهذا محمد إسماعيل، وهذا محمد عمرو عبد اللطيف، فهؤلاء المحامد الرحلة إليهم من أقرب القربات في هذا الزمان. والله تعالى أعلم.

стр. 671

ترتيب المساجد الشريفة الثلاثة في البناء السؤال أيهما بني أولاً مسجد النبي ﵊ أم المسجد الأقصى؟ الجواب المسجد الأقصى، فالذي وضع القواعد في المسجد الأقصى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وفي الصحيحين من حديث أبي ذر: (أن النبي ﵇ سئل: أي المساجد وضع أولاً؟ قال ﵊: المسجد الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قيل: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة). والمسجد النبوي في آخر الزمان؛ لأنه مرتبط بآخر الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليه.

стр. 672

كيفية تقسيم الأضحية، وحكم تقسيمها السؤال كيف تقسم الأضحية، وهل الرأس والحواشي تدخل في التقسيم؟ الجواب تقسيم الأضحية ليس واجباً بل مستحباً، ولا يلزم أن تقسمها بالميزان ثلاثة أثلاث، بل تقسمها بالنظر، والأفضل أن تتخلص من هذه الحواشي وألا تجعلها في قسمك، فإذا جعلتها في قسمك فاجعل قسمك كقسم غيرك.

стр. 673

حكم إعطاء الجزار من الأضحية السؤال أجرة الجزار هل تكون من نصيب صاحب الشاة أم من نصيب الأقارب؟ الجواب لا هذا ولا ذاك، وإنما الجزار يعطى أجره من خارج الذبيحة، فإذا أعطيته شيئاً من الذبيحة فإنه يخرج من التقسيم، يعني: أن الباقي يقسم ثلاثة أثلاث، أو أن تجعل الجزار إذا كان فقيراً من قسم الصدقة، وإن كان صديقاً تجعله من قسم الهدية.

стр. 674

التحذير من اتباع الكفار السؤال هل حديث حرب هرمجدون صحيح، وإذا كان صحيحاً فنرجو نبذة عنه؟ الجواب حرب هرمجدون من وضع اليهود، وليس هناك حديث صحيح في تسميتها بهذا الاسم، وأرجو ألا نصدق من يردد مصطلحات اليهود، وألا نسير في ركاب اليهود والنصارى، ونؤمن بكل شيء يقولونه، ونعتقد أنهم يعرفون كل شيء عن العالم؛ لأن هذا انبهار بعالم الكفر، ونحن مطالبون بأن نضع عالم الكفر تحت أقدامنا، كما قال ﵊: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين). فمظاهر الكافرين الخاصة الذين لم يتبعوا النبي ﷺ تحت أقدامنا. واليوم يقولون: أمريكا تعرف كل شيء، وأن عندها من التكنولوجيا ما أظهر الفتات في قاع البحار، ولو كان المسيح الدجال حي الآن على معتقدنا لأتوا به، ولكان القمر الصناعي قد أتى به، فالقمر الصناعي قد أظهر النقير والقطمير، ولم يترك شيئاً، ومع هذا لم يخبرنا ولم ينبئنا عن مكان المسيح الدجال، ولو كان حقاً لأظهره، ويكذبون بأحاديث صحيحة في الصحيحين؛ بسبب أن القمر الصناعي اكتشف كل شيء، ولماذا لم يكشف أسامة بن لادن الذي دوخهم سنين؟ فهذا كذب يريدون أن يخربوا به عقيدتنا، وهذا في منتهى الخطورة، ونحن للأسف الشديد نقرأ الجريدة ونصدق، مع أننا في دروس العلم نقول: العلم لابد فيه من التلقي، ولا ينفع أخذه من الصحف، وهذه المسألة ليست مسألة فقهية أو فرعية بل هي في العقيدة. وهم يريدون من هذا أن يستقر في قلوبنا عدم منابذة هذا البلد -أمريكا- مع أنها أضعف، والباطل مهما انتفش فهو ضعيف، والحق مهما ضعف فهو يشتمل على القوة بين جنباته، والمسلمون في هذا الوقت رغم هزالهم وضعفهم إلا أن الغرب الكافر الملحد يحسب لهم مليون حساب مع ضعفهم؛ لأنهم يعلمون أن معهم المنهج القويم، ولو عادوا في يوم لمنهجهم وعرفوا أنهم على الحق المبين فإن الغرب سيتأخرون، ولو سمعت أمريكا وأوربا أن زعماء العرب اجتمعوا وقرروا الجهاد لخرجت أرواحهم وهم جالسون؛ لأن النبي ﷺ قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر). وهذا الحديث عام في الأمة، وهذا مذهب الجمهور. وبعضهم قال: هو خاص بالنبي ﷺ ، ولكن الصواب أنه عام للأمة.

стр. 675

الحث على تربية الأبناء، وبيان أن ميزان التفاضل عند الله بالتقوى السؤال كلما نظرت إلى الشيوخ استحقرت نفسي، وخاصة عندما أنظر إلى طلاب العلم وأجد نفسي ضعيفاً في طلب العلم، وعزائي أني أربي ابني ليكون مثل العلماء الكبار، وأنا أحضر مجلسك عسى أن يكون فيه قليل بركة، فهل هذا يكفي؟ الجواب إن شاء الله يكفيك، فقيامك بتربية ولدك وتنشئته تنشئة صالحة من أفضل الأعمال في هذا الزمان الذي انتشر فيه الباطل في كل مكان وانتفش، وإذا تركت ولدك لحظة ضاع منك، وربما رجع وربما لم يرجع، فمن أفضل الأعمال حرص الآباء على تربية أبنائهم وتنشئتهم في هذا الزمان تنشئة صالحة، والجيل الذي نحن فيه يظهر والله أعلم أن لا بركة فيه ترتقب، ولا يمكن أن يكتب النصر على يديه، والأمل معقود في أبنائنا وأبناء أبنائنا، وأن وجه الأرض سيتغير بهم إن شاء الله، ومع إيماننا أن الله تعالى قادر على أن يغير الأرض في أقل من قوله: (كن) ، لكن السنن الكونية والنواميس الشرعية تقضي بأن: ﴿اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ولما كان التغير من جهة الواقع أمر يحتاج إلى مدة من الزمان عقدنا الأمل في أبنائنا وأبناء أبنائنا. وأما نظر الأخ للعلماء أو للدعاة أو للمشايخ على أنهم أفضل منه واحتقاره لنفسه فربما يكون بهذا أفضل ممن احتقر نفسه أمامه. فليست المسألة عند الله بأن هذا شيخ أو طالب، أو أن هذا فقير وهذا غني، بل المسألة كلها مربوطة ومرهونة بالتقوى، وربما يكون عندك من التقوى والإخلاص لله ما ليس عند كثير من الشيوخ، فحذار أن تحتقر نفسك إلى هذا الحد، ولكن هذا مظهر من مظاهر الخضوع والذل والتواضع لله ، وعدم الكبر والعجب بالنفس الذي هو آفة الآفات.

стр. 676

الأدب مع العلماء السؤال هل من الأفضل الصمت عند ذكر العلماء أم بيان ما يفعلون؟ الجواب منهج السلف بين يدي علمائهم السماع وعدم الاعتراض، إلا إذا أشكل عليهم أمر وجب السؤال عنه.

стр. 677

حكم إرجاع المطلقة في العقد وقبل الدخول السؤال هل للمطلقة من عقد القران رجعة؟ الجواب نعم، لها رجعة بعقد جديد ومهر جديد، فإذا عقدت على امرأة ولم تبن بها ثم طلقتها فإنما جاز لك أن ترجع إليها بعقد جديد ومهر جديد، ويحق لها ما قد فرضته لها أولاً في العقد الأول من صداق كامل إذا كنت قد خلوت بها، أو نصف الصداق إذا لم تكن بينكما خلوة، ورجوعها إليك بالعقد الثاني يبقي لها في ذمتك طلقتان.

стр. 678

حكم تحريم الزوجة السؤال رجل قال لزوجته: أنت حرام علي في الدنيا والآخرة ثم عاشرها، فما الحكم؟ الجواب لو أن الله تعالى أدخلها الجنة ما دامت مسلمة فالأمر كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:٤٣]. فلن يكون بينك وبينها غل، يعني: أن الله تعالى ينسيك ما كان بينك وبين امرأتك من خلافات ومشكلات وغير ذلك، والمرأة إذا دخلت الجنة فهي زوجة لزوجها الذي تزوجها في الدنيا. فإن قصد بقوله: أنت علي حرام في الدنيا الظهار؛ وقع ظهاراً، وإن قصد به طلاقاً وقع طلاقاً، فقول الرجل لامرأته: أنت علي حرام هو من الألفاظ التي تحتمل وقوع الطلاق وتحتمل عدمه، فإذا قال لها: أنت علي حرام ونوى به الطلاق وقع الطلاق؛ لأن النية شرط في إيقاع الطلاق الضمني، بخلاف الصريح، ولو قال لامرأته: أنت طالق وقع الطلاق حتى وإن لم ينو الطلاق؛ لأنه لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، وأما اللفظ الضمني الذي يحتمل وقوعه وعدم وقوعه فإنه يحتاج إلى نية، ومنها لفظ: أنت علي حرام، فإذا كان يقصد بهذا اللفظ إيقاع الظهار وقع الظهار، فيصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، وإذا كان ممن يجب عليه الصيام في رمضان فليعلم أن صيام الكفارة واجب في حقه كوجوب رمضان تماماً بتمام، فإذا عجز عن الصيام أو لم يكن من أهله وجب عليه إطعام ستين مسكيناً، وإذا كان نوى بهذا القول طلاقاً فيقع طلاقاً، ولو لم ينو الطلاق ولا الظهار فعليه كفارة يمين.

стр. 679

حكم لطم المرأة وجهها السؤال امرأة لطمت وجهها فما كفارتها؟ الجواب أن تتوب إلى الله ؛ لأن هذا من فعل الجاهلية، ولو أضافت إلى التوبة أعمال البر من الصدقة وكثرة النوافل وغير ذلك فهذا أحب.

стр. 680

حكم تارك الصلاة، وحكم إقامة الزوجة معه السؤال امرأة زوجها لا يصلي إلا كل شهر أو شهرين الجمعة، فما حكم معاشرته لها، وهي تنصحه كثيراً ويأبى، فبماذا تنصح الزوجة، ومع هذا هو يشدد عليها في النفقة؟ الجواب روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري: (أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إن زوجي لا يصلي، وإذا صمت فطرني، وإذا صليت ضربني، وإن زوجي هو صفوان بن المعطل هذا -وأشارت إليه في مجلس النبي ﵇ وإني من قوم إذا نمنا لا نستيقظ). أي: أن القبيلة كلها مبتلاة بهذه البلوى. فقال صفوان (إني من أهل بيت لا يقومون إلا إذا طلعت الشمس، فقال: يا صفوان! إذا قمت فصل، قال: يا رسول الله! وإني نهيتها أن تصلي بسورتين في كل ركعة، فنظر النبي ﷺ إلى المرأة وقال: إنما يكفيك سورة واحدة، قالت: وإني إذا صمت فطرني، قال صفوان: يا رسول الله! إني رجل شاب، وإن هذه المرأة تنطلق في صبيحتها تصوم حتى تفرض الصوم، فقال النبي ﵊ لها: لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه). فلو أن هذه المرأة صادقة فيما تقول من أن زوجها لا يصلي إلا بعض الصلوات ويترك بعضها، أو يصلي أحياناً ويتركها أحياناً فلتعلم أنه لا يكفر حتى على مذهب من يكفر تارك الصلاة؛ لأن الذي يكفر تارك الصلاة إنما يكفر الذي يتركها بالكلية، ولا يصلي جمعة ولا جماعة نهائياً، وبعض العلماء أو الشيوخ إنما يطلقون القول من باب الترهيب والوعيد الشديد لتارك الصلاة حتى لفرض واحد، وهذا من حكمة الدعوة إلى الله ، وأما التأصيل العلمي فإنه شيء آخر يختلف عن الدعوة وترهيب الناس من المعاصي وغير ذلك، ويجب على هذه المرأة أن تمتنع من زوجها ولا تمكنه من نفسها حتى يأتي بالصلوات على وجهها، ولا إثم عليها حينئذ. والله تعالى أعلم.

стр. 681

حكم قراءة سورتين في ركعة واحدة السؤال هل يفهم من حديث صفوان بن المعطل عدم جواز قراءة سورتين في ركعة واحدة؟ الجواب كان هذا في أول الأمر.

стр. 682

حكم صلاة الفجر بعد طلوع الشمس لمن كان نائماً السؤال هل يجوز لمن ينام حتى طلوع الشمس الصلاة عند الاستيقاظ؟ الجواب لا يجوز له ذلك، فهذه الحالة لا تجوز إلا لـ صفوان، ولمن كان مثل صفوان وإلا فلا؛ لأن النبي ﷺ ما أنكر عليه، وإنما قال له: (إذا قمت فصل).

стр. 683

حكم التضحية على الزوجة في وجود الزوج وكيفية صرف الأموال الربوية السؤال هل يجوز إسقاط الدين عن شخص إذا كان من أموال ربوية مع العلم أن الدائن قريب من المدين، وهل يجوز للزوجة التضحية والزوج قادر؟ الجواب نعم، وإذا كانت هي قادرة فإن الأضحية عليها وليست عليه. وأما هل يجوز إسقاط دين عن شخص من أموال ربوية مع العلم أن الدائن قريب من المدين فالأموال الربوية لا يجوز صرفها إلا فيما يمتهن، وبعض أهل العلم تجوزوا في صرف أموال الربا في الديون الواجبة الحالة الأداء إذا لم يكن عنده مال حلال يقضي دينه منها وإلا فلا، والأمر كما قال ﵊: (درهم ربا ينفقه الرجل أو يأكله الرجل وهو يعلم أنه ربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية). وهذا أمر خطير جداً.

стр. 684

أصناف الأنعام التي يجوز الاشتراك فيها في الأضحية السؤال ما هي الأصناف التي يجوز الاشتراك في التضحية بها؟ الجواب يكون الاشتراك في البقرة والبدنة، وأما الشاة فليس فيها شراكة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 685

شرح صحيح مسلم - كتاب الهبات - كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه الهبات والصدقات من العقود التي لا يقابلها عوض، بخلاف عقود البيع والشراء والإجارة وغير ذلك فهي عقود تكون بعوض، وقد نهى الشارع عن الرجوع في الهبات والصدقات، واختلف العلماء في مسألة الرجوع فيها بعد القبض، فمنهم من حرمه، ومنهم من جعل النهي للتنزيه، بينما أجمعوا على جواز رجوع الوالد في هبته لولده للحاجة.

стр. 686

باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الهبات] الهبات: جمع هبة، والهبة هي: كل عطية بغير عوض. أي: بغير عوض مادي في الدنيا. كالهبات والصدقات وغير ذلك مما لا ينتظر المتصدق شيئاً مقابلاً وعوضاً عما تصدق به أو وهبه، ولك أن تقول: هي العقود التي بغير عوض، بخلاف عقود المعاوضات، فإنها كل عقد أجري بعوض، كعقود البيع والشراء: أعطيتك داراً في مقابل المال. أعطيتك مالاً في مقابل الأرض. أعطيتك مالاً في مقابل السلعة، فإن قولنا: في مقابل كذا، أي: عقد مقابلة، هذا شيء مقابل شيء، فهذا عقد المقابلة، أو عقد المعاوضة، يعني: لا أعطيك شيئاً إلا بعوض، أما عقود الهبات فكلها بغير عوض في الدنيا، أما عوضها فعند الله . إذاً: فالهبات هي: العقود التي بغير عوض. قال: [باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه]. يعني: لو أنك تصدقت بشيء على فلان فلا يجوز لك أن تشتري هذا الشيء من فلان هذا، لكن لو باعه هذا الرجل إلى غيرك فيجوز لك أن تشتري ما تصدقت به من غير من تصدقت عليه، أما ممن تصدقت به عليه فلا، ربما تكون الحكمة من ذلك أن المتصدَّق عليه إذا ذهب المتصدِّق ليشتري من محل الصدقة، أو محل الهبة، تسامحا في شيء من ثمنها، فربما يكون ثمنها الأصلي ألف دينار، فيبيعها بخمسمائة دينار فقط وليس بألف؛ فأكون قد رجعت في بعض هذه الصدقة مما يوازي ما نقص من ثمنها، وكون المرء يرجع في صدقته هذا أمر منهي عنه، ولذلك الذي يعطي المرأة المخطوبة ذهباً ينوي به هدية، أو هبة، أو صدقة فلا يجوز له أن يرجع فيه والحالة هذه لو أنه فسخ الخطبة؛ لأنه أعطاه لا على سبيل إتمام النكاح، وإجراء هذا الزواج والاستمرار فيه، وإنما أعطاه بنية الهبة؛ لكونها فقيرة أراد أن يتصدق عليها، سواء تم الزواج أو لم يتم لا يأخذ هذا الذهب منها. وربما استحى أن يقول لها: هذه صدقة عليك وعلى والديك، فقال لها: هذه هدية، أو هذه هبة، أو هذه منحة، وهو ينوي غير ما ينويه عامة الناس، من أن الذهب الذي يقدم للمخطوبة لأجل إتمام الزواج، وفي الغالب أنه من المهر، ولذلك الفرق بين تقديم الذهب لإتمام الزواج وتقديمه هبة أو صدقة؛ أن الأول إذا فسخ الخطبة بسبب منه أو بسبب منها فله أن يسترد الذهب، وإذا قدمه هبة أو صدقة فليس له أن يسترد الذهب، كأنه قال: أنا قدمت الذهب ولا يهمني إتمام هذا الزواج أو عدم إتمامه؛ لأني ما قدمته بنية الزواج أو النكاح، وإنما قدمته لله من باب التعاون أو غير ذلك.

стр. 687

شرح حديث: (العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) قال: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب -وهو المعروف بـ القعنبي أبو عبد الرحمن البصري وأصله مكي- حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم -وهو زيد بن أسلم العدوي المدني، وكان مولى لـ عمر بن الخطاب ﵁ عن أبيه -أي: أسلم العدوي - أن عمر بن الخطاب قال: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله)] (حملت على فرس عتيق) أي: حملت فلاناً على فرس لي سريع جيد، يعني: فرس عربي أصيل، فمعنى العتيق: الجيد الأصيل، والحمل تمليك بإجماع أهل العلم، إلا أن يشترط الحامل الحمل، كأن يقول: حملت فرسي هذا على الجهاد في سبيل الله، فإذا فرغ من الجهاد رد الفرس إليه، ولكن إذا نودي للجهاد وجب عليه أن يدفع فرسه لمن يحمل عليه، أي: للمحتاج إليه. الشاهد من هذا: أن حمل الفرس في الجهاد بخلاف حمل الفارس على الفرس، الحمل تمليك، إذا دفعت إليك الفرس وقلت لك: حملتك عليه، أي: ملكتك إياه ليحملك في الجهاد، وهذا معنى الحمل. فقول عمر: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله)، كأنه أراد أن يقول: ملكت فلاناً الفرس للحمل عليه في سبيل الله . ثم قال: [(فأضاعه صاحبه)] أي: مالكه ضيع هذا الفرس الذي حملته عليه، بمعنى لم يعتن به ولم يعلفه ولم يكرمه، بل قصر في خدمة الفرس من حيث الإطعام؛ لأن هذا المحمول كان فقيراً قليل المال، حتى أصيب الفرس بضعف وهزال، ولكنه على أية حال بمجرد أن انتقل من ملك عمر ﵁ فقد تملكه هذا المسلم. ثم قال: [(فأضاعه صاحبه فظننت أنه بائعه برخص)] يعني: غلب على ظني لقلة مال المحمول أنه في يوم لا بد أن يبيعه؛ لأنه ليس له مال، ولا يستطيع أن يقوم على خدمة الفرس. فوقع في نفس عمر شراء هذا الفرس مرة أخرى؛ لأنه فرس عتيق جيد سريع. ثم قال: [(فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك)]. يعني: أن الصحابة ﵃ ما تردد في أنفسهم شيء يتعلق بالحلال والحرام إلا ويرجعون إلى المرجعية العظمى، وهو النبي ﵊ في معرفة الحلال والحرام في جميع شئونهم. ولما حاك في نفس عمر ﵁ أن يشتري هذا الفرس لو أراد صاحبه أن يبيعه، ظن أن هذا البيع ربما يكون فاسداً وباطلاً، فذهب إلى النبي ﷺ ليسأله، فقال النبي ﵊: [(لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك)] أي: لا تشتره، معنى الابتياع: الشراء. فالنبي ﵊ سمى شراء الصدقة رجوعاً فيها، حتى ولو كان بعوض، فما بالك بمن يتصدق ويرجع في صدقته، أو يتصدق ويمنُّ بهذه الصدقة، لا شك أن المن بالصدقة من الكبائر؛ ولذلك أخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﵊ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان، والمسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). (المنان)، أي: الذي يعطي العطية ثم يقول لمن أعطاه: أنا أعطيتك يوم كذا وكذا وكذا، ويظل يمن بها عليه، فهذا بلا شك قد أضاع أجره، ولو قال قولاً معروفاً ولم يتصدق لكان خيراً له، فهنا قال: [(لا تبتعه ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)]. يعني: الذي يتصدق ويأخذ الصدقة مرة أخرى، ولو عن طريق الشراء، كالكلب يقيء ما في بطنه، ثم يأكل هذا القيء مرة أخرى. جمهور أهل العلم على أن القيء نجس، خاصة قيء الكلب، ولذلك مثل به النبي ﵊، ولكن لم يقل: كالرجل مثلاً يعود في قيئه، وإنما قال: (كالكلب)؛ لأن الكلب نجس لعابه، وهذا مذهب جميع الفقهاء، فإذا كان اللعاب نجساً، فكذلك قيئه يكون نجساً. وذهب جماهير العلماء إلى أن آكل القيء كآكل النجس، وهو حرام، وهذا مذهب من قال: إن العودة في الصدقة حرام، وبعضهم قال: مكروه إلا الوالد مع ولده.

стр. 688

شرح حديث: (لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم) قال: [وحدثنيه زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، قال: حدثنا عبد الرحمن يعني: ابن مهدي - وعبد الرحمن بن مهدي إمام كبير ثقة، بل حجة حافظ، تلميذ الإمام الثوري، وهو بصري- عن مالك بن أنس بهذا الإسناد وزاد: (لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم)]. أي: لا تشتر صدقتك التي تصدقت بها ممن تصدقت عليه، ولو كان سيبيعها منك بأبخس الأثمان، لا تفرح بذلك. فهذا الفرس الذي تصدق به عمر ﵁ يشار إليه بالبنان، ومع هذا لو باعه صاحبه بدرهم فليس لـ عمر ﵁ أن يشتريه منه؛ لأنه قد وهبه له أو تصدق به عليه، ولا يجوز الرجوع في الهبة ولا في الصدقة.

стр. 689

شرح حديث: (لا تشتره وإن أعطيته بدرهم) قال: [وحدثني أمية بن بسطام -وهو أبو بكر العيشي البصري - حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم أبو غياث التميمي البصري العنبري عن زيد بن أسلم المدني عن أبيه عن عمر: (أنه حمل على فرس في سبيل الله، فوجده عند صاحبه وقد أضاعه، وكان قليل المال، فأراد أن يشتريه -يعني: فأراد عمر أن يشتري هذا الفرس- فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: لا تشتره، وإن أعطيته بدرهم؛ فإن مثل العائد في صدقته كمثل الكلب يعود في قيئه)]. عند ابن سعد في كتاب الطبقات أن اسم هذا الفرس الورد. قال: [وحدثناه ابن أبي عمر محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني اليماني -انتقل إلى مكة واستقر بها، وتتلمذ على يد ابن عيينة - حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد، غير أن حديث مالك وروح أتم وأكثر.

стр. 690

شرح حديث: (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك) قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع -وهو نافع الفقيه مولى ابن عمر - عن ابن عمر: (أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه -أي: يشتريه- فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك). وحدثناه قتيبة بن سعيد وابن رمح جميعاً عن الليث بن سعد، (ح) وحدثنا المقدمي -وهو محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي - ومحمد بن المثنى البصري قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - (ح) وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - كلهم عن عبيد الله، كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثل حديث مالك]. وعبيد الله هو ابن عمر العمري أخو عبد الله، لكن عبيد الله المصغر إمام كبير ثقة حجة، بخلاف عبد الله المكبر فهو ضعيف، وكلاهما من نسل عمر بن الخطاب. أما قوله: (كلاهما) الأصل عدم وجودها؛ لأن الأربعة يروون عن عبيد الله، وعبيد الله تلميذ نافع، وليس تلميذ ابن عمر؛ فالصواب حذف (كلاهما)؛ لأن (كلاهما) تدل على اثنين. ولأن الإسناد الأول ينتهي إلى الليث، والثاني ينتهي إلى القطان، والثالث إلى ابن نمير، والرابع إلى أبي أسامة، فهؤلاء كلهم عن عبيد الله، وعبيد الله عن نافع، أما (كلاهما) فلم أجد لها مسوغاً هنا، حتى إن الحافظ ابن حجر حينما علق على هذا الإسناد لم يذكر (كلاهما) في الفتح.

стр. 691

شرح حديث (لا تعد في صدقتك يا عمر) قال: [حدثنا ابن أبي عمر وعبد بن حميد واللفظ لـ عبد - وهو عبد الحميد بن حميد، أما عبد فلقب- قال: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن الزهري -وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن زهرة الزهري - عن سالم -وهو سالم بن عبد الله بن عمر - عن ابن عمر: (أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها، فسأل النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : لا تعد في صدقتك يا عمر)]، أي: لا تشتر الصدقة، حتى وإن كان في ذلك مصلحة لك.

стр. 692

الفوائد المستنبطة من باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه فوائد هذا الباب: إذا كان الغرض من الصدقة هو ثواب الآخرة، فكأن الراجع في صدقته قد آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وكأنه يقول بلسان حاله: ثواب الدنيا خير من ثواب الآخرة؛ ولذلك نهى النبي ﵊. ويلتحق بالصدقة والهبة الكفارات والأجور والزكوات وغيرها، فلو أن رجلاً عنده إبل، أخرج زكاة الإبل، أو غنماً أخرج منها خمس شياه، فوجد هذه الشياه بعد أن وصلت إلى يد الفقير يبيعها في السوق، هل يجوز له أن يشتريها؟ هل الزكوات من عقود الهبات أم المعاوضات؟ فكل خارج يخرج من يدك إلى الآخرين بغير عوض؛ فهو من عقود الهبات، فالكفارات كلها بجميع أنواعها، والنذور بجميع أنواعها، والزكوات والواجبات والصدقات بعمومها وإطلاقها؛ كل هذه أموال تخرج من يدك بغير عوض، فحكمها واحد. وأفاد الحديث كذلك: كراهة الرجوع في الصدقة، وبعضهم حرمه قال: لفظ الحديث وظاهره يفيد التحريم، وذلك بضرب المثل، ثم هو ظاهر النهي، فقوله ﵊: (لا تبتعه يا عمر!) هنا نهي، والنهي يدل على التحريم، ما لم يصرفه صارف، لكن قال الجمهور: النهي هنا للتنزيه، ولكن النبي ﷺ إنما نهاه نهي إرشاد، فحملوا النهي على الإرشاد. ودليل القائلين بأن النهي هنا للتحريم: المثل المضروب، فإن الراجع في هبته أو في صدقته كالكلب يرجع في قيئه، قالوا: وهذا زجر شديد جداً لا يستقيم مع الكراهة، إنما يستقيم مع التحريم. والذي يترجح لدي أن الراجع في صدقته يحرم عليه ذلك. كما أفاد الحديث: فضل الحمل في سبيل الله للغزو والقتال والجهاد، والمعاونة على ذلك بشتى أنواع الحمل، لا يلزم أن تحمله على فرس، بل تجهيز الغازي في سبيل الله بالمال كاف؛ لأن المال حمل، بالطعام كاف، بالفرس، بالطائرة، بالدبابة بغير ذلك مما هو في مقدور الحامل، فلو فعله لكان حاملاً في سبيل الله ؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (من لم يغز ولم يجهز غازياً، ولم تحدثه نفسه بالغزو، فمات يوم يموت، إلا مات ميتة جاهلية). ومن لا ينفع غيره، ولا تحدثه نفسه أن يشارك، فإلى متى يظل بهذا الشكل؟ لابد للإنسان أن يقعد مع نفسه مرة ويسأل نفسه: إلى متى نظل نسمع الدعاة يعظوننا في المشاركة في الجهاد، وليس عندنا أي استعداد أبداً للتجاوب مع أي دعوة؟ لا، لابد أن نستعد من الآن؛ حتى إذا أتى الوقت المناسب لا ننتظر حتى نستعد، ولا ينادى علينا للجهاد، فنقول: لماذا الجهاد؟ وما الذي حصل؟ إذاً: ينبغي أن يظل الواحد منا يحدث نفسه عن الجهاد، وضرورة الاستعداد له. كما أفاد الحديث كذلك: أن الحمل في سبيل الله تمليك، فإذا أعطيتك فرساً، فإن هذا الفرس ملكك؛ ولذلك لا يجوز لي أخذ هذا الفرس مرة أخرى، ولو بالبيع والشراء. كما يجوز للمحمول على الفرس أن يبيعه، وأن ينتفع بثمنه، إما قبل الغزو والجهاد، وإما بعد الغزو والجهاد عليه، يستوي هذا وذاك.

стр. 693

كلام النووي في حديث عمر: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله) قال النووي: (قوله: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله)، معناه: تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، والعتيق: هو الفرس النفيس الجواد السابق) أي: المسرع الذي يسبق غيره. ثم قال: (قوله: (فأضاعه صاحبه)، أي: قصر في القيام بعلفه ومؤنته. وقوله ﷺ : (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك)، هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخذه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه، أو يهبه، أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه). يعني: الوالد إذا وهب ولده شيئاً؛ فله أن يرجع في هذه الهبة، أما الولد إذا وهب والديه أو أحدهما شيئاً؛ فلا يجوز له أن يأخذ هذه الهبة إليه مرة أخرى، إلا عن طريق الميراث؛ لأنه لما وهبه وهبه بالطريقة الشرعية، ولما انتقل إليه الميراث انتقل بطريق شرعي. حدثت مشكلة منذ عدة أشهر وهي: أن رجلاً كان موسعاً عليه في المال، وكان يعطي والده ووالدته من بعد والده من ماله، فلما ماتت والدته نازع الورثة بأن هذا الولد الذي كان يعطي لوالديه المال لا يجوز له أن يأخذ من هذا الميراث، واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: لأنه كان واهباً ومتصدقاً، وهذا المال الذي ينتقل الآن عن طريق الإرث معظمه مال هذا المتصدق، وبالتالي فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً. فجاءوا إلي فقلت لهم: ينتقل إليه عن طريق الميراث. قالوا: دليلك؟ قلت: دليلي كيت وكيت وكيت قالوا: كثير من العلماء لم يقولوا كذا. المهم حصلت مشكلة مفادها أن ذلك اتباع للهوى، وهذا هو حال كثير من الناس، ما دام في صالحه وافقك، وإلا لو أتيته بمئات الأدلة من كتاب الله ومن كلام الرسول ﷺ ، لكن هذه الأدلة تمنعه من أخذ بعض متاع الدنيا، فإنه لا يوافقك. المهم أنك إن وافقتهم وافقوك، وإن خالفتهم ولو كان معك الكتاب والسنة خالفوك. ثم قال: (وقد سبق بيان هذا في كتاب الزكاة، وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة). يعني: لو أن هذا الرجل الذي تصدقت عليه وحملته على هذا الفرس اسمه عمرو، فقام عمرو وباع هذا الفرس من غيرك، فيجوز لك أنت كمتصدق بهذا الفرس أصلاً أن تشتريه من غيره بلا كراهة، إنما المحظور أن تشتريه ممن تصدقت عليه، أما من غيره فلا حرج في ذلك، لكن يشترط أن يكون البائع الآخر مالكاً له، لا موكلاً من قبل صاحبه؛ لأن الموكل والوكيل كلاهما سيحابي صاحب الفرس المتصدق به أولاً. أما الآخر فإنه يبيعه دون محاباة، وينازع في الحصول على أعلى سعر لهذا الفرس، بخلاف المتصدق عليه. ثم قال: (هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم لا للكراهة، والله أعلم).

стр. 694

ذكر الفوائد المستنبطة من باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه فوائد هذا الباب: إذا كان الغرض من الصدقة هو ثواب الآخرة، فكأن الراجع في صدقته قد آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وكأنه يقول بلسان حاله: ثواب الدنيا خير من ثواب الآخرة؛ ولذلك نهى عنه النبي ﵊. ويلتحق بالصدقة والهبة الكفارات والأجور والزكوات وغيرها، فلو أن رجلاً عنده إبل، أخرج زكاة الإبل، أو غنماً أخرج منها خمس شياه، فوجد هذه الشياه بعد أن وصلت إلى يد الفقير يبيعها في السوق، هل يجوز له أن يشتريها؟ هل الزكوات من عقود الهبات أم المعاوضات؟ فكل خارج يخرج من يدك إلى الآخرين بغير عوض فهو من عقود الهبات، فالكفارات كلها بجميع أنواعها، والنذور بجميع أنواعها، والزكوات والواجبات والصدقات بعمومها وإطلاقها؛ كل هذه أموال تخرج من يدك بغير عوض، فحكمها واحد. وأفاد الحديث كذلك: كراهة الرجوع في الصدقة، وبعضهم حرمه، قال: لفظ الحديث وظاهره يفيد التحريم، وذلك بضرب المثل، ثم هو ظاهر النهي، فقوله ﵊: (لا تبتعه يا عمر!) هنا نهي، والنهي يدل على التحريم، ما لم يصرفه صارف، لكن قال الجمهور: النهي هنا للتنزيه، ولكن النبي ﷺ إنما نهاه نهي إرشاد، فحملوا النهي على الإرشاد. ودليل القائلين بأن النهي هنا للتحريم: المثل المضروب، فإن الراجع في هبته أو في صدقته كالكلب يرجع في قيئه، قالوا: وهذا زجر شديد جداً لا يستقيم مع الكراهة، إنما يستقيم مع التحريم. والذي يترجح لدي أن الراجع في صدقته يحرم عليه ذلك. كما أفاد الحديث: فضل الحمل في سبيل الله للغزو والقتال والجهاد، والمعاونة على ذلك بشتى أنواع الحمل، لا يلزم أن تحمله على فرس، بل تجهيز الغازي في سبيل الله بالمال كاف؛ لأن المال حمل، بالطعام كاف، بالفرس، بالطائرة، بالدبابة بغير ذلك مما هو في مقدور الحامل، فلو فعله لكان حاملاً في سبيل الله ؛ ولذلك يقول النبي ﵊: (من لم يغز ولم يجهز غازياً، ولم تحدثه نفسه بالغزو، فمات يوم يموت إلا مات ميتة جاهلية). ومن لا ينفع غيره، ولا تحدثه نفسه أن يشارك، فإلى متى يظل بهذا الشكل؟ لابد للإنسان أن يقعد مع نفسه مرة ويسأل نفسه: إلى متى نظل نسمع الدعاة يعظوننا في المشاركة في الجهاد، وليس عندنا أي استعداد أبداً للتجاوب مع أي دعوة؟ لا، لابد أن نستعد من الآن، حتى إذا أتى الوقت المناسب لا ننتظر حتى نستعد، ولا ينادى علينا للجهاد فنقول: لماذا الجهاد؟ وما الذي حصل؟ إذاً: ينبغي أن يظل الواحد منا يحدث نفسه عن الجهاد وضرورة الاستعداد له. كما أفاد الحديث كذلك: أن الحمل في سبيل الله تمليك، فإذا أعطيتك فرساً فإن هذا الفرس ملكك؛ ولذلك لا يجوز لي أخذ هذا الفرس مرة أخرى، ولو بالبيع والشراء. كما يجوز للمحمول على الفرس أن يبيعه، وأن ينتفع بثمنه، إما قبل الغزو والجهاد، وإما بعد الغزو والجهاد عليه، يستوي هذا وذاك.

стр. 695

كلام النووي في حديث عمر في باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه قال النووي رحمه الله تعالى: (قوله: (حملت على فرس عتيق في سبيل الله)، معناه: تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، والعتيق: هو الفرس النفيس الجواد السابق) أي: المسرع الذي يسبق غيره. قال: (قوله: (فأضاعه صاحبه)، أي: قصر في القيام بعلفه ومؤنته. وقوله ﷺ : (لا تبتعه ولا تعد في صدقتك)، هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخذه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه، أو يهبه، أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه). يعني: الوالد إذا وهب ولده شيئاً فله أن يرجع في هذه الهبة، أما الولد إذا وهب والديه أو أحدهما شيئاً فلا يجوز له أن يأخذ هذه الهبة إليه مرة أخرى إلا عن طريق الميراث؛ لأنه لما وهبه وهبه بالطريقة الشرعية، ولما انتقل إليه الميراث انتقل بطريق شرعي. حدثت مشكلة منذ عدة أشهر وهي: أن رجلاً كان موسعاً عليه في المال، وكان يعطي والده ووالدته من بعد والده من ماله، فلما ماتت والدته نازع الورثة بأن هذا الولد الذي كان يعطي لوالديه المال لا يجوز له أن يأخذ من هذا الميراث، واستدلوا بهذا الحديث، قالوا: لأنه كان واهباً ومتصدقاً، وهذا المال الذي ينتقل الآن عن طريق الإرث معظمه مال هذا المتصدق، وبالتالي فلا يحل له أن يأخذ منه شيئاً. فجاءوا إلي فقلت لهم: ينتقل إليه عن طريق الميراث. قالوا: دليلك؟ قلت: دليلي كيت وكيت وكيت قالوا: كثير من العلماء لم يقولوا كذا. المهم حصلت مشكلة مفادها أن ذلك اتباع للهوى، وهذا هو حال كثير من الناس، ما دام في صالحه وافقك، وإلا لو أتيته بمئات الأدلة من كتاب الله ومن كلام الرسول ﷺ لكن هذه الأدلة تمنعه من أخذ بعض متاع الدنيا فإنه لا يوافقك. المهم أنك إن وافقتهم وافقوك، وإن خالفتهم ولو كان معك الكتاب والسنة خالفوك. قال: (وقد سبق بيان هذا في كتاب الزكاة، وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة). يعني: لو أن هذا الرجل الذي تصدقت عليه وحملته على هذا الفرس اسمه عمرو، فقام عمرو وباع هذا الفرس من غيرك، فيجوز لك أنت كمتصدق بهذا الفرس أصلاً أن تشتريه من غيره بلا كراهة، إنما المحظور أن تشتريه ممن تصدقت عليه، أما من غيره فلا حرج في ذلك، لكن يشترط أن يكون البائع الآخر مالكاً له، لا موكلاً من قبل صاحبه؛ لأن الموكل والوكيل كلاهما سيحابي صاحب الفرس المتصدق به أولاً. أما الآخر فإنه يبيعه دون محاباة، وينازع في الحصول على أعلى سعر لهذا الفرس، بخلاف المتصدق عليه. قال: (هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال جماعة من العلماء: النهي عن شراء صدقته للتحريم لا للكراهة، والله أعلم).

стр. 696

باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل قال: [باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، إلا ما وهبه لولده وإن سفل]. قوله: (وإن سفل). يعني: وإن نزل، يعني: ولده أو ولد ولده وإن نزل. فقوله: (باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض)، يعني: لو أني الآن نويت أن أتصدق عليك بصدقة، وهذه الصدقة لم أدفعها إليك، ولكني ميزتها عن بقية المال، فقلت: هذه الصدقة أو هذا الفرس سوف أعطيه غداً صباحاً إن شاء الله لفلان، فلما جاء الليل قلت: لا، هذا الفرس لن أتصدق به، ثم أتيت في اليوم الثاني فقلت: بل أتصدق به، وأتيت بهذا الفرس بخطامه ولجامه فدفعته إليك فقبضته مني فانصرفت عني. فصورة الرجوع الأولى التي بدَّلت فيها وغيَّرت نيتي، هل آثم بذلك؟ والصورة الثانية بعد أن دفعته إليك وقبضته مني، هل يجوز لي الرجوع فيها بعد القبض؟ هذا الذي يفرق فيه أهل العلم بين الصدقة المقبوضة وغير المقبوضة. في غير المقبوض يجوز للمتصدق أو الواهب أن يرجع عنها، أما بعد القبض فلا يجوز له ذلك. فقوله هنا: (باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده وإن سفل) هنا استثنى واحداً، وهو أن يتصدق الوالد على ولده؛ فله أن يرجع في صدقته إن احتاجه، فالأصل ألا يرجع هو كذلك؛ لكن إذا احتاج إلى الرجوع فله أن يرجع ولا حرج عليه؛ لأن الولد وما يملك لأبيه.

стр. 697

شرح حديث: (مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله) قال: [حدثني إبراهيم بن موسى الرازي وإسحاق بن إبراهيم -أي: ابن راهويه - قالا: أخبرنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، حدثنا الأوزاعي -وهو عبد الرحمن بن عمرو البيروتي اللبناني إمام الشام في زمانه- عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن ابن المسيب - وهو سعيد بن المسيب المدني - عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: (مثل الذي يرجع في صدقته، كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله)]. هذا مثل نبوي عظيم جداً يصور الأمر كأنه صورة حية أمامه، كلب يقيء ما في بطنه ثم يعود فيأكل قيئه، وهكذا المتصدق الذي يعود في صدقته. قال: [وحدثناه أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني الكوفي أخبرنا ابن المبارك عن الأوزاعي قال: سمعت محمد بن علي بن الحسين يذكر بهذا الإسناد، نحوه. وحدثنيه حجاج بن الشاعر حدثنا عبد الصمد -وهو ابن عبد الوارث - حدثنا حرب حدثنا يحيى -وهو ابن أبي كثير اليمامي - حدثني عبد الرحمن بن عمرو -وهو الأوزاعي - أن محمد بن فاطمة بنت رسول الله ﷺ حدثه بهذا الإسناد نحو حديثه. وحدثني هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى قالا: حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب القاضي المصري - أخبرني عمرو -وهو عمرو بن الحارث المصري - عن بكير -وهو ابن عبد الله الأشج - أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قيئه)].

стр. 698

شرح حديث: (العائد في هبته كالعائد في قيئه) قال: [وحدثناه محمد بن المثنى -وهو العنزي البصري المعروف بـ الزمن - ومحمد بن بشار -وهو الملقب بـ بندار - قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو الملقب بـ غندر، وغندر في لغة أهل الحجاز المشاغب، وكان محمد بن جعفر يشغب على ابن جريج؛ فلقبه بهذا- قال: حدثنا شعبة: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري إمام من أئمة الرواية، ولكنه مدلس، والمدلس إذا صرح قبل حديثه وإلا فلا، وهنا قد صرح، فقول شعبة: (سمعت قتادة يحدث عن سعيد) كأنه يقول: قال سعيد أو عن سعيد، لكن رواية قتادة عن شيوخه إذا كانت من طريق شعبة؛ فمحمولة على السماع وإن لم يصرح؛ لأن شعبة قال: أنا أكفيكم رواية قتادة؛ فإني كنت أتتبع فاه، فما قال فيه: سمعت وحدثنا رويته عنه، وما قال فيه: قال، أو عن لم أروه عنه. والتدليس خمس مراتب، والمدلسون على خمس طبقات، والكلام في التدليس إذا كان كلاماً عاماً مطلقاً فهو محمول دائماً على النوع الثاني من التدليس. وسنتكلم عن أنواع التدليس بعد أن ننتهي من الباب. لكن اعلم أن حديث قتادة وإن لم يصرح فيه بالسماع إذا كان من طريق شعبة فهو محمول على السماع، فما بالك إن صرح كما هو الآن، كما لم ينفرد بهذه الرواية، إنما له عشرات الرواة وافقوه على روايته هذه. قال: [حدثنا شعبة: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (العائد في هبته كالعائد في قيئه). وحدثناه محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة بهذا الإسناد مثله]. بعض الرواة صحف سعيداً إلى شعبة؛ لأنهما في الرسم واحد، فحينما تكتب سعيداً وتكتب شعبة بغير ضبط ولا نقط ولا تشكيل؛ يمكن تصحيف سعيد إلى شعبة، وشعبة إلى سعيد؛ لأن الرسم واحد، كحمزة وجمرة أو حمرة الرسم واحد، ودائماً حينما تأتي تنظر في المخطوطات القديمة تجدها بغير نقط ولا ضبط ولا تشكيل ولا غير ذلك، ولذلك تصحف على كثير من المحدثين والعلماء كثير من قراءتهم من المخطوطات القديمة. ويدرك ذلك أهل العلم الذين تلقوا العلم من أفواه العلماء، أو أهل اللغة الذين يعرفون استقامة المعنى من عدمه في أثناء سماعهم لهذا من أفواه العلماء. ولذلك إذا روى عن قتادة سعيد فهو سعيد بن أبي عروبة، فإذا أتاك أي إسناد في أي كتاب من كتب السنة سعيد عن قتادة وسعيد هذا غير منسوب، فهو سعيد بن أبي عروبة لا غيره، مع أنه روى عن قتادة من اسمه سعيد كثيرون، لكن بغير نسبة فهو سعيد بن أبي عروبة؛ لأنه كان معروفاً بالملازمة لـ قتادة، وعلى يديه تخرج سعيد بن أبي عروبة.

стр. 699

شرح حديث: (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا المخزومي -وهو المغيرة بن سلمة أبو هشام البصري - حدثنا وهيب حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه -وهو طاوس بن كيسان اليماني - عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)]. يقول الإمام النووي: (هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن سفل؛ فله الرجوع فيه كما صرح به في حديث النعمان بن بشير، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، وهذا مذهب الشافعي، وبه قال مالك والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الولد، وكل ذي رحم محرم). الذي يترجح هو مذهب جماهير العلماء دون مذهب الأحناف، أن كل واهب يحرم عليه أن يرجع في هبته إلا الوالد، فله أن يرجع في هبته لولده، ولو كان ذلك بعد القبض.

стр. 700

حقيقة التدليس وأنواعه التدليس: هو الإيهام، أي: ذكر كلام يفهمه المستمع على نحو، ويريد منه المتكلم نحواً آخر. يعني: أنا أوهمك أني سمعت فلاناً يقول شيئاً، وأنا قد سمعته فعلاً وتتلمذت على يديه، لكن هذا الكلام بالذات الذي أنقله لك الآن لم أسمعه منه، فأنا لا أقول: حدثني فلان، ولا أخبرني فلان، ولا سمعت فلاناً، وإنما أقول: قال فلان، وعن فلان. فمثلاً: سمعت منه جزءاً حديثياً له، وهذا الجزء فيه مائة حديث، لكني لم أسمع منه إلا تسعين حديثاً فقط، وتوفي الشيخ أو رحل قبل أن أسمع العشرة الباقية، ولكن وقع في يدي نسخة الأحاديث لهذا الشيخ، فعز علي بعد أن سمعت معظم هذا الجزء أن أروي بعضه، فقلت في التسعين حديثاً: حدثني فلان حدثني فلان حدثني فلان، والناس يعرفون أني تلميذ له، وأني سمعت هذا الجزء الحديثي منه، ثم أتيت على العشرة الأحاديث الباقية فقلت فيها: عن فلان، أُعَرّضُ للمستمع بروايتي عنه، وأنا لم أسمع منه هذه الأحاديث العشرة. فهذا يسمى تدليس الإسناد؛ ولذلك نحن نقول: شرط تدليس الإسناد: أن يصرح المدلس بالسماع من شيخه. أما تدليس التسوية فهو نوع ثان من أنواع التدليس، وهو أشر من تدليس الإسناد. وتدليس التسوية: أن يكون المدلس أدرك الشيخ الذي يروي عنه، بل وهذا الحديث بعينه الذي يرويه قد سمعه حقاً من الشيخ، فهو يقول فيه: حدثني فلان، وهو صادق في هذا، لكن المدلس بهذا النوع يعمد إلى راو ضعيف فوق شيخه لا تقبل روايته فينقصه من الرواية والإسناد، فمثلاً: إذا كان بقية بن الوليد يروي عن الأوزاعي عن الحارث عن فلان، والحارث ضعيف، فيقوم بقية فيسقط الحارث؛ لأنه ضعيف، فبدل ما كان الأوزاعي يقول: حدثني الحارث عن إبراهيم أو عن سعيد، يقول: قال الأوزاعي: عن سعيد، ويكون قد أسقط راوياً ضعيفاً بين راويين ثقتين، وسمي هذا بتدليس التسوية؛ لأن المدلس يعمد إلى شيخ شيخه وهو ليس عدلاً ولا أهلاً للرواية فيسقطه ليسوي الإسناد كله ثقات، وهذا ما كان يفعله بقية؛ ولذلك يقول علي بن مسهر: كن من بقية على تقية؛ فإن أحاديثه ليست نقية. فـ بقية هو أستاذ تدليس التسوية، فأي إسناد فيه بقية احذر منه، وتوقف عند كل راو، وانظر كيف تحمَّل، هل تحمل سماعاً أو عنعنة، ولذلك بقية لما كان يسقط شيوخ الأوزاعي الضعفاء، والأوزاعي مع إمامته كان يروي عن ضعفاء، فقيل لـ بقية: لم أسقطت فلاناً؟ قال: لأنه ضعيف، وأنا أجلُّ الأوزاعي أن يروي عن ضعفاء. ما يخصك من ذلك؟ هو روى عنه، فأنت لا تسقط من روى عنه، فمن أثبت الإسناد فقد برئت ذمته وعهدته، وهذا من الأصول عند أهل العلم. يقول العلماء: في تدليس الإسناد يلزم المدلس فقط التصريح بالسماع من شيخه، أما في تدليس التسوية فيلزم المدلس بالتصريح بالسماع من عنده إلى آخر السند؛ لأن تدليسه يقع على الإسناد كله وليس على طبقته هو فقط، ولذلك أي إسناد فيه مدلس معروف بتدليس التسوية يُلزم التصريح بالسماع في جميع طبقات السند فوق المدلس. أما تدليس الشيوخ فهو: أن يكون المدلس ليس له إلا شيخ واحد، فيسميه مرة، ويكنيه مرة، ويلقبه مرة، مما يوهم المستمع أن هؤلاء شيوخ متعددون وكثرة، وهو في الحقيقة شيخ واحد. واشتهر بهذا الخطيب البغدادي وابن الجوزي وغيرهما من أهل العلم. أما تدليس البلاد، فالحامل عليه والغرض منه إيهام المستمع الرحلة في طلب العلم، كأن تقول مثلاً: حدثني فلان فيما وراء النهر، وفي الحقيقة إنما توجد ترعة بينك وبين الذي حدثك، فتقول: حدثني فلان في بلاد ما وراء النهر، وأنت تقصد تلك الترعة التي بينك وبينه، فالمستمع له يظن بلد ما وراء النهر حقيقة. كذلك مثلاً: لو قال: حدثني فلان بالأندلس، المستمع سيظنه الأندلس القطر المعروف، ثم يفاجأ بأن الأندلس هذه اسم لشارع، أو اسم حي شعبي، ففي هذه الحالة هذا تدليس. كذلك حينما يقول شخص: وقد ألفت هذا الكتاب في مدينة الرياض في سنة كذا، وانتهيت منه بعد صلاة العشاء، فالقارئ سيقع في قلبه أنها الرياض التي في أرض الحجاز، وهي في الحقيقة عبارة عن عزبة اسمها الرياض، فذلك من تدليس البلاد، وهو نوع من أنواع كثيرة، لكن على أية حال أخطر أنواع التدليس على الإطلاق تدليس التسوية، ثم يليه الإسناد، ثم يليه الشيوخ.

стр. 701

طبقات المدلسين أما طبقات المدلسين فخمس طبقات: الطبقة الأولى: أناس لم يدلسوا قط إلا في حديث أو حديثين؛ فننظر إلى الشخص من حيث الإمامة والمكانة، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، هذا روى أكثر من ثلاثمائة ألف حديث، ولم يدلس إلا في حديث، وهو نفسه يقول: ما دلست إلا في حديث واحد، فما بورك لي فيه. ولكن لم يقل ما هو هذا الحديث، ولم يعرف أحد هذا الحديث، فهل نطرح هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث من أجل حديث واحد؟ لا، ولا يقول بهذا إلا إنسان مجنون. فهذه الطبقة الأولى، فنحن احتملنا هذا التدليس، ولا نبحث حتى مجرد البحث عن هذا الحديث الذي ثبت أنه دلس فيه. الطبقة الثانية: أناس عرفت أمامتهم وجلالتهم دلسوا، ولكن تدليسهم بجنب روايتهم لا يكاد يذكر، مثل: سفيان بن عيينة والثوري مع إمامتهما وجلالتهما، واتفاق الشيخين البخاري ومسلم على الرواية لهما. الطبقة الثالثة من المدلسين: هم كثرة كاثرة من الرواة دلسوا تارة تدليس التسوية، وتارة الإسناد الذي قد ذكرته هنا، فهذا التدليس نتوقف فيه إلى أن يثبت لنا السماع. الطبقة الرابعة: قوم مدلسون وهم ضعفاء، أو مختلف فيهم، فالذي يثبته يقبل حديثه بشرط الطبقة الثالثة، أي إذا صرح، والذي يضعفه يرد روايته. وينظر في ضعفهم، هل ضعفهم مما يجبر، أو لا يجبر؟ وهذا محل ضبط وبحث عند أهل السند. الطبقة الخامسة: قوم وضاعون أو كذابون أو ضعفاء ضعفاً لا يحتمل، ومع ذلك هم مدلسون، فهؤلاء لو صرحوا بالتحديث لا تقبل روايتهم؛ لأنهم كذابون وضاعون أو ضعفاء جداً أو منكرو الحديث. ومناط البحث في التدليس هو الطبقة الثالثة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 702

الأسئلة

стр. 703

حكم من حلف عدة أيمان ولم يكفر عنها وقد نسي مقدارها السؤال حلف شخص عدداً من الأيمان، ولا يتذكر منها إلا القليل، ولم يكفر عن هذه الأيمان فماذا يفعل؟ الجواب على أية حال هو غير مكلف بتكفير الأيمان التي نسيها، وإنما ما تذكره يكفر عنه وجوباً، وإن كثرت الأيمان على الشيء الواحد كثرت الكفارات، يعني: لو حلف على شيء واحد عدة أيمان، وحنث فيها؛ فإنه يلزمه مع كل يمين كفارة، ليس مع كل عمل.

стр. 704

حكم بيع الفرس الموهوب للجهاد قبل الجهاد به السؤال ما الدليل على جواز البيع للفرس الموهوب قبل الجهاد به؟ الجواب هذا الحديث نفسه من رواية ذكرها الإمام البخاري في كتاب الهبة، يقول: (حمل عمر على فرس له في سبيل الله ، فوجد المحمول فرسه هزيلاً من قلة الطعام)، يقول الحافظ ابن حجر: أي وجده المحمول لا يصلح للجهاد. فرجح الحافظ ابن حجر في الفتح جواز بيع الفرس الموهوب قبل أداء مهمة الهبة أو الصدقة. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 705

شرح صحيح مسلم - كتاب الهبات - العمرى العمرى من العقود المختلف فيها بين العلماء، فمنهم من جعلها عقد تمليك، ومنهم من جعلها عقد منفعة كالعارية، ومنهم من فصل فيها؛ فإن كانت غير مشروطة فهي للموهوبة له ولعقبه، ولا تعود إلى الواهب، وإن كانت مشروطة فالمسلمون على شروطهم، وهذا هو أرجح الأقوال.
следующие страницы →