← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

طبقات المدلسين أما طبقات المدلسين فخمس طبقات: الطبقة الأولى: أناس لم يدلسوا قط إلا في حديث أو حديثين؛ فننظر إلى الشخص من حيث الإمامة والمكانة، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، هذا روى أكثر من ثلاثمائة ألف حديث، ولم يدلس إلا في حديث، وهو نفسه يقول: ما دلست إلا في حديث واحد، فما بورك لي فيه. ولكن لم يقل ما هو هذا الحديث، ولم يعرف أحد هذا الحديث، فهل نطرح هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث من أجل حديث واحد؟ لا، ولا يقول بهذا إلا إنسان مجنون. فهذه الطبقة الأولى، فنحن احتملنا هذا التدليس، ولا نبحث حتى مجرد البحث عن هذا الحديث الذي ثبت أنه دلس فيه. الطبقة الثانية: أناس عرفت أمامتهم وجلالتهم دلسوا، ولكن تدليسهم بجنب روايتهم لا يكاد يذكر، مثل: سفيان بن عيينة والثوري مع إمامتهما وجلالتهما، واتفاق الشيخين البخاري ومسلم على الرواية لهما. الطبقة الثالثة من المدلسين: هم كثرة كاثرة من الرواة دلسوا تارة تدليس التسوية، وتارة الإسناد الذي قد ذكرته هنا، فهذا التدليس نتوقف فيه إلى أن يثبت لنا السماع. الطبقة الرابعة: قوم مدلسون وهم ضعفاء، أو مختلف فيهم، فالذي يثبته يقبل حديثه بشرط الطبقة الثالثة، أي إذا صرح، والذي يضعفه يرد روايته. وينظر في ضعفهم، هل ضعفهم مما يجبر، أو لا يجبر؟ وهذا محل ضبط وبحث عند أهل السند. الطبقة الخامسة: قوم وضاعون أو كذابون أو ضعفاء ضعفاً لا يحتمل، ومع ذلك هم مدلسون، فهؤلاء لو صرحوا بالتحديث لا تقبل روايتهم؛ لأنهم كذابون وضاعون أو ضعفاء جداً أو منكرو الحديث. ومناط البحث في التدليس هو الطبقة الثالثة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 702

الأسئلة

стр. 703

حكم من حلف عدة أيمان ولم يكفر عنها وقد نسي مقدارها السؤال حلف شخص عدداً من الأيمان، ولا يتذكر منها إلا القليل، ولم يكفر عن هذه الأيمان فماذا يفعل؟ الجواب على أية حال هو غير مكلف بتكفير الأيمان التي نسيها، وإنما ما تذكره يكفر عنه وجوباً، وإن كثرت الأيمان على الشيء الواحد كثرت الكفارات، يعني: لو حلف على شيء واحد عدة أيمان، وحنث فيها؛ فإنه يلزمه مع كل يمين كفارة، ليس مع كل عمل.

стр. 704

حكم بيع الفرس الموهوب للجهاد قبل الجهاد به السؤال ما الدليل على جواز البيع للفرس الموهوب قبل الجهاد به؟ الجواب هذا الحديث نفسه من رواية ذكرها الإمام البخاري في كتاب الهبة، يقول: (حمل عمر على فرس له في سبيل الله ، فوجد المحمول فرسه هزيلاً من قلة الطعام)، يقول الحافظ ابن حجر: أي وجده المحمول لا يصلح للجهاد. فرجح الحافظ ابن حجر في الفتح جواز بيع الفرس الموهوب قبل أداء مهمة الهبة أو الصدقة. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 705

شرح صحيح مسلم - كتاب الهبات - العمرى العمرى من العقود المختلف فيها بين العلماء، فمنهم من جعلها عقد تمليك، ومنهم من جعلها عقد منفعة كالعارية، ومنهم من فصل فيها؛ فإن كانت غير مشروطة فهي للموهوبة له ولعقبه، ولا تعود إلى الواهب، وإن كانت مشروطة فالمسلمون على شروطهم، وهذا هو أرجح الأقوال.

стр. 706

باب العمرى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. هذا هو الباب الرابع من كتاب الهبات وهو: باب العمرى، والعمرى بالألف المقصورة لا بالتاء المربوطة.

стр. 707

شرح حديث: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه؛ فإنها للذي أعطيها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري أبو زكريا، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه؛ فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث)]. يعني: من منح أخاه منحة، أو هبة، أو أي شيء بغير عوض؛ لأن العمرى هي عقد بغير عوض، وتسمى رقبى، وسنعرف السر في تسمية العمرى بالرقبى بعد قليل. فقوله: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه) أي: هي له ولعقبه، أو أن الواهب المعمِر قال للمعمَر: هذه العمرى لك ولولدك من بعدك، أياً كان ولدك، الابن أو ابن الابن وإن نزل. مثال العمرى كأن أقول لك: أعمرتك هذه الدار، أي: جعلت هذه الدار لك مدة عمرك، أو مدة عمري، فأينا مات أولاً ترد الدار إلى الثاني، ومن هنا سميت عمرى؛ لأنها متعلقة بالعمر، سواء كان هذا العمر هو عمر المعمِر أو المعمَر. ويمكن أن تكون مقيدة، ويمكن أن تكون بغير قيد، كما لو قال المعمِر للمعمَر: أعمرتك هذه الدار على أنك لو مت قبلي ردت إلي. وفي هذه الصورة نزاع بين أهل العلم: هل تصح العمرى ويبطل الشرط، أو أن العمرى باطلة من الأصل؟ فقوله: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه)، أي: أعطاه المعمِر هذه الدار مثلاً على اعتبار أنها تئول إلى أولاد المعَمر من بعده؛ لأن النبي ﵊ قال: (فإنها للذي أعطيها)، أي: فإنها للمعمَر، (لا ترجع إلى الذي أعطاها)، أي: وهبها وأعمرها؛ والعلة: (لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث) أي: أن المعمِر أو الواهب أو المعطي أعطى للمعطَى أو للمعمَر أو للموهوب له هذه الدار، وانبنى عليها أنه لما مات المعَمر انتقلت إلى ورثته، ولذلك اختلف أهل العلم في العمرى، هل هي عقد تمليك أم لا؟ واتفقوا على أن المعمَر يملك منفعة العين، لكنهم اختلفوا هل يملك الرقبة أم لا؟ يعني: هل يملك أصل الشيء المعمَر أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن العمرى عقد تمليك لأصل الشيء ومنفعته، وإلا فكيف تنتقل الدار إلى الورثة فيرثونها من بعد المعمَر ولا تكون تمليكاً، ربما تنتقل الأذهان إلى عقود الإيجار التي لم تحدد بمدة، وهذه عقود باطلة من جهة الشرع، عقود الإيجار المعروفة بالمشاهرة عقود باطلة في الشرع؛ لأن عقود المنفعة التي بعوض أعظم شرط فيها التحديد، إلا عقود البيع فالبائع لا يحتاج إلى تحديد، إنما عقود المنفعة التي بعوض لا بد فيها من التحديد، إذا خلا عقد الإجارة عن شرط التحديد فهو عقد باطل. إذاً: عقود إيجار الشقق والمحلات التي يؤجرها الناس مشاهرة. يعني: تبقى مدى العمر حتى يرثها الأبناء والأحفاد، هذه العقود باطلة، فمن كان بإمكانه أن يتخلص من مثل هذا ابتغاء مرضاة الله فإنه من باب الطاعات والأعمال الصالحة.

стр. 708

شرح حديث: (من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها) قال: [حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث بن سعد، (ح) وحدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر ولعقبه)] يعني: بمجرد أن قال له: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك؛ انقطعت صلته بهذه الدار، فلا يجوز له أن يرجع في ذلك قط. فقوله: (من أعمر رجلاً)، أي: من أعطى رجلاً داراً، أو شيئاً، أو متاعاً، على سبيل العمرى له ولعقبه، (فقد قطع قوله حقه فيها)، أي: قوله للمعمَر: أعطيتك، أو أعمرتك هذا الشيء. (وهي لمن أعمر ولعقبه)، أي: لأبنائه وأبناء أبنائه. قال: [غير أن يحيى قال في أول الحديث: (أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه)].

стр. 709

شرح حديث: (أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد) قال: [حدثنا عبد الرحمن بن بشر العبدي، أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليمني، أخبرنا ابن جريج -وهو عبد الملك بن عبد العزيز الأموي المشهور بـ ابن جريج - أخبرني ابن شهاب -وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن زهرة الزهري - عن العمرى وسنتها، فحدثني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري أخبره أن رسول الله ﷺ قال: (أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد؛ فإنها لمن أعطيها، -أي فإنها لذلك المعطى ولعقبه حتى ينقطع نسله- وإنها لا ترجع إلى صاحبها -أي: الذي أعمرها-؛ من أجل أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث)].

стр. 710

مذهب جابر بن عبد الله ﵄ والزهري في العمرى قال: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد واللفظ له، قال: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: (إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ ، أن يقول الرجل: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشتَ؛ فإنها ترجع إلى صاحبها)] لأنه أجاز العمرى بشرط الحياة، وعند أهل اللغة: أن العمرى لا تسمى عمرى إلا إذا قال المعمِر للمعمَر: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك؛ ولذلك العلماء يسمونها الرقبى، لأن كلاً من المعمَر والمعمِر يرقب وفاة صاحبه لتحقق الشرط، فلو قال الرجل لأخيه: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك، وهذا الأمر كان معروفاً في الجاهلية بشروط أتى الشرع فأبطلها، ولذلك لما هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة قام الأنصار ﵃ وأعمروا إخوانهم دوراً وحيطاناً، أي: بساتين وزروعاً ونخيلاً وغير ذلك، فقال النبي ﵊: (يا معشر الأنصار! لا تفسدوا أموالكم -وفي رواية: لا تهلكوا أموالكم-؛ فإن من أعمر شيئاً فهي لمن أُعمر ولعقبه)، حتى لا تكون العمرى بين المهاجرين والأنصار سبب نزاع وشقاق في المستقبل، فقال النبي ﵊: (يا معشر الأنصار! انظروا ما تصنعون؛ فإن من أعمر منكم لأحد من المهاجرين شيئاً فهي للمعمَر ولعقبه) لذلك وقع النزاع في العمرى هل تكون مدة حياة المعمر أو أنها تنتقل إلى الورثة؟ وهل العقد صحيح والشرط باطل بحيث تنتقل العين إلى ورثته؟ قال جابر: (إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، وأما إذا قال: هي لك ما عشتَ؛ فإنها ترجع إلى صاحبها)، يعني: لو قال له: هي لك ولعقبك؛ تنتقل إلى الورثة، أما إذا شرط وقال: هي لك ما عشتَ، أي: هي لك مدة بقائك وحياتك؛ فإذا مات المعمَر رجعت الدار إلى المعمِر، فهذه وقع النزاع فيها. قال معمر: (وكان الإمام الزهري عليه رحمة الله يفتي به) وهو راوي الحديث، فضلاً عن جابر الذي روى هذا الحديث بعدة طرق عنه، فإن هذا هو الذي فهمه جابر من كلام النبي ﵊، أن الرجل يفرق بين لفظين: فإذا قال: هذه عمرى لك، أو عمرى لك ولعقبك، فإنهما سواء؛ لأن العمرى عند الإطلاق تعني التمليك والانتقال عن طريق الميراث، إلا إذا اشترط واستثنى وقال: العمرى لك ما عشتَ، أو عمرى لك ما عشتُ، فيكون تعلقه بعمر المعمَر أو بعمر المعمِر، فأيهما مات أولاً انتقلت إلى الآخر، فإذا قال المعمِر للمعمَر: هذه الدار عمرى لك، أي: تعمرها وتسكنها، وتنتفع بها مدة بقائك وحياتك، فإذا متَّ انتقلت إلي، وإذا متُّ انتقلت لورثتي، فهذا الشرط محل اتفاق عند قوم، ومحل نظر عند آخرين.

стр. 711

شرح حديث: (أن رسول الله قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه قال: فهي له بتلة) قال: [حدثنا محمد بن رافع، حدثنا ابن أبي فديك -وهو محمد بن إسماعيل - عن ابن أبي ذئب -وهو محمد بن عبد الرحمن - عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر (أن رسول الله ﷺ قضى -أي: حكم- فيمن أعمر عمرى له ولعقبه، فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا)] قوله: (بتلة) أي: عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب، والثنيا هي الاستثناء، يعني: لا يجوز له أن يشرط ولا أن يستثني. لأنه أطلق أولاً، فقال: هذه عمرى لك ولعقبك، ولأن هذا هو مذهب جماهير العلماء، إذا قال: هي لك ولأولادك من بعدك، فأي شرط مع هذا اللفظ يبطل، وأي استثناء يبطل، فصيغة الكلام أولاً كأنه عقد بيع لكن بغير عوض، ونحن نعلم أن عقد البيع لا يجوز فيه شرط ولا استثناء، فلا يصح أن أقول لك: بعتك هذه الدار على أن تردها إلي بيعاً وشراء إذا أردت. ولا يصح أن أقول لك: بعتك هذه الدار على ألا تسكنها أنت، لا يصح هذا الشرط. واختلف أهل العلم في مثل هذا. فبعضهم أبطل البيع أصلاً، وبعضهم صحح البيع وأبطل الشرط، والراجح أن البيع صحيح والشرط باطل لا يلزم به المشتري. قال: [قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه]. الصورة الأولى: هي قول المعمِر للمعمَر: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك، هل يستوي قولك: أعمرتك هذه الدار مدة حياتك، مع قولك: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك من بعدك؟ لا يستويان. الصورة الأولى: لا تفيد التمليك. الصورة الثانية: تدل على التمليك. فقولك: أعمرتك هذه الدار لك ولعقبك؛ تفيد هذه الصورة ملك الرقبة؛ لأن المعلوم قطعاً أنه لا ينتقل بالميراث إلى الورثة إلا ما كان ملكاً للمورث. أما إذا قال المعمِر للمعمَر: أعطيتك هذه الدار مدة حياتك، فإذا أنت مت انتقلت إلي، أو ردت إلي، هل يصح في مثل هذه الميراث؟ الجواب لا يصح؛ لأنها عمرى مشروطة بعمر المعمَر، إذا انتهى عمره انتهت العمرى، وردت إلى صاحبها ومالكها الأول.

стр. 712

شرح حديث: (العمرى لمن وهبت له) قال: [حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا هشام -وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي - عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : (العمرى لمن وهبت له). وحدثناه محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام -وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن نبي الله ﷺ قال بمثله. وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير بن معاوية بن حديج، حدثنا أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري يرفعه إلى النبي ﷺ . وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو خيثمة -هو زهير المتقدم- عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها؛ فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه)]. يعني: أنه لما هاجر المهاجرون إلى المدينة وتركوا أرضهم وديارهم، أشفق عليهم الأنصار فأعمروهم أرضاً، وآثروهم على أنفسهم مع ما كان بهم من خصاصة، لكن كان الأمر في الجاهلية أن من أعمر شيئاً رده في أي وقت شاء، فالنبي ﷺ بين أن العمرى إنما هي عقد هبة، ولا يجوز للواهب أن يرجع في هبته، والراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه، كما أن الذي يهب هبة ويرجع فيها ليس من مكارم الأخلاق، فلو أن رجلاً أعطى هدية لأهله، فلما تشاجرا طالبهم برد الهدية، فهذا في العرف من مساوئ الأخلاق، فكانوا في الجاهلية يتخلقون بهذا الخلق، فجاء الإسلام وبين أن العمرى من عقود الهبات التي هي بغير عوض, ولا يجوز لأحد أن يرجع فيها، كما أن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، وإنما ذلك من مساوئها. فلما أعمر الأنصار المهاجرين ذلك، خشي النبي ﵊ أن يتمثل الأنصار أخلاق الجاهلية، وأن يطالبوا المهاجرين بما وهبوهم إياه بعد مدة من الزمان، أو في أي وقت شاءوا؛ فقال: (مهلاً يا معشر الأنصار! فإن من أعمر عمرى -أي: لأخيه- فهي له حياً وميتاً، وإذا مات انتقلت إلى ورثته). فلا بد أن تعلموا هذا، وهذا عند الإطلاق بغير قيد ولا شرط، يعني: إذا قال أحدهم لأخيه: أعمرتك هذه الدار؛ فلا بد أن يعلم أن هذه الدار سوف تنتقل إلى ورثة المعمَر، إلا إذا اشترط، وعلى المعمَر أن يقبل العمرى بشرطها أو بغير شرطها من أول الأمر.

стр. 713

شرح حديث: (جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال النبي: أمسكوا عليكم أموالكم) قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا حجاج بن أبي عثمان، (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن وكيع عن سفيان -وهو ابن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة هو الذي يروي عنه وكيع بن الجراح - وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد حدثني أبي عن جدي عن أيوب -وهو السختياني - كل هؤلاء عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي خيثمة المتقدم، وفي حديث أيوب من الزيادة قال: (جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال النبي ﵊: أمسكوا عليكم أموالكم)] أي: لا تعمروها حتى يعلم الواحد منكم إذا أعمر شيئاً بشرط فله شرطه، وإذا أعمر بغير شرط؛ فليعلم أن هذه العمرى لا ترد إليه.

стр. 714

شرح حديث جابر في حكم العمرى غير المشروطة قال: [حدثنا محمد بن رافع وإسحاق بن منصور -وهو الكوسج البغدادي - قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر قال: (أعمرت امرأة بالمدينة حائطاً لها ابناً لها، ثم توفي وتوفيت بعده، وتركت ولداً وله إخوة بنون للمعمِرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان -هو والي المدينة لـ عبد الملك بن مروان بعد إمارة ابن الزبير - فدعا جابر -أي: دعا طارق جابر بن عبد الله ليشهد على هذه الحالة- فشهد على رسول الله ﷺ بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك، وأخبره بشهادة جابر فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق، فإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم)] يعني: للورثة حتى رواية هذا الأثر. فهذه العمرى إنما أعمرتها المرأة أحد أولادها بغير قيد ولا شرط، فالذي يعمر بغير قيد ولا شرط ولا استثناء يحمل على الإطلاق، أي: أنها للمعمَر ولولده من بعده، وليس في هذا أدنى تعارض مع الميراث؛ لأن هذا من باب عقود الهبات التي لا يحل لأحد أن يرجع فيها، فربما أن تكون أعمرت هذه المرأة ولدها لعلة لحقته، أو لآفة، أو لحاجة، أو غير ذلك، وهذا على أية حال في مذهب الحنابلة جائز، أن يخص الوالد ولده أو المرأة ابنها بشيء دون بقية إخوته إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كأن يكون صغيراً وقد كبر إخوته، أو يكون مريضاً وإخوانه صحاح أو غير ذلك من العلل، حتى إن الإمام أحمد في فتوى له رجح ذلك، قال: إذا كبر الأولاد، وتزوجوا، وبنو دورهم من أموال آبائهم، وكان أحد الأبناء صغيراً قاصراً، فلابد أن نقدر له ما يساوي ما أعطي بقية إخوته، ثم يقسم الميراث بعد ذلك. هذه فتوى رائعة جداً أفتى بها الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله. قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لـ أبي بكر، قال إسحاق: أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو -وإذا حدث سفيان بن عيينة عن عمرو؛ فهو عمرو بن دينار المكي لا غير- عن سليمان بن يسار: أن طارقاً قضى بالعمرى للوارث؛ لقول جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ ] يعني: قضى بأن تنتقل العمرى إلى الورثة.

стр. 715

شرح أحاديث: (العمرى جائزة، والعمرى ميراث لأهلها) قال: [وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر البصري، حدثنا شعبة بن الحجاج العتكي البصري، قال: سمعت قتادة يحدث عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (العمرى جائزة)]. (جائزة) أي: ماضية، أو حلال ومشروعة، والمعاني كلها متقاربة. قال: [حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد -وهو ابن الحارث - حدثنا سعيد -هو سعيد بن أبي عروبة البصري - عن قتادة عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (العمرى ميراث لأهلها)] العمرى عند الإطلاق وعدم التقييد بأنها له ولعقبه، فلا شك أنها ميراث لعقبه. قال: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (العمرى جائزة). وحدثنيه يحيى بن حبيب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد عن قتادة بهذا الإسناد، غير أنه قال: (العمرى ميراث لأهلها)، أو قال: (جائزة)]. يعني: إما أنه قال: العمرى جائزة أو قال: العمرى ميراث لأهلها.

стр. 716

أحكام العمرى وأحوالها وصورها قال العلماء في تعريف العمرى لغة: أعمرتك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو ما حييت، أو ما بقيت، أو ما يفيد هذا المعنى، وعقب الرجل: هم أولاده وما تناسلوا عنه، يعني: أبناؤه وأبناء أبنائه، وإن نزلوا. أحسن مذهب هو مذهب الشافعية فيما يتعلق بالعمرى؛ لأن العمرى تختلف: منهم من منعها مطلقاً، ومنهم من أجازها مطلقاً وأبطل الشرط، فالشافعية أتوا بتفصيل رائع. قال النووي: (قال الشافعية: العمرى ثلاثة أحوال: أحدها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا متَّ فهي لورثتك أو لعقبك؛ فتصح بلا خلاف) يعني: هذه العمرى صحيحة بلا خلاف بين أهل العلم، ويملك المعمَر بهذا اللفظ رقبة الدار، والرقبة هي الملك، والدار ليس لها رقبة، لكن الرقبة هنا تعبر عن أصل الشيء، فقولك: أعمرتك هذه الدار لبنيك، أي: لورثتك، هذا عقد تمليك بغير عوض؛ لأن العمرى من عقود الهبات، والعلة في كون العمرى بهذه الصورة عقد تمليك، أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث، كما جاء في الحديث، (لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث)، ففي هذه الصورة وهذه الحالة العمرى جائزة بلا خلاف. ثم قال: (ويملك بهذا اللفظ المعمَر رقبة الدار، وهي هبة، لكنها بعبارة طويلة). فإذا أردنا أن نضع حداً وتعريفاً لهذه العمرى لعرفناها بألفاظ طويلة، والأصل في التعريف أنها قليلة المبنى، فلو قلنا: عقد البيع هو عقد ينتقل به الشيء إلى المشتري في مقابل عوض، فينتج عن هذا التعريف أشياء كثيرة جداً عندما نأتي لنشرحه، ومعظم التعاريف والحدود التي وضعها العلماء بعقد العمر ما هي إلا شرح لصور العمرى، وليس تعريفاً واحداً لها. قال: (فإذا مات فالدار لورثته، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال خلافاًَ لـ مالك). يعني: مالك هو الوحيد الذي أفتى بأن تعود إلى الواهب، أما جمهور أهل العلم فقالوا: لا تعود إليه بحال؛ لأنها خرجت من ذمته على سبيل الهبة، لا على سبيل المنفعة، فإذا مات هذا الرجل المعمَر؛ فقد ترك مالاً هو يملكه، ولا حق لمالك هذه الدار الأول فيها مطلقاً، فكيف تنتقل إليه وقد خرجت من ذمته هبة؟ يعني: تصور لو أنك أعطيت بعض مالك لرجل، وبمجرد أن وقع المال في يده فوضعه في جيبه خر ميتاً، هل يحل لك أن تأخذ هذا المال مرة أخرى؟ هذا المال قد خرج منك على سبيل الهبة، فإذا أخذته فكأنما رجعت تأكل قيئك مرة أخرى، والنبي ﵊ ضرب بذلك أسوأ المثل بالكلب، ولا ينبغي لأحد أن يتشبه به. قال: (الحال الثاني: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه، ففي صحة هذا العقد قولان للشافعي، أصحهما وهو الجديد: صحته، وله حكم الحال الأول). يعني: مذهب الشافعي الجديد الذي صنفه في مصر وأفتى به في العراق: أن هذا العقد صحيح، وحكمه نفس أحكام الحال الأول، وساوى بين قول المعمِر: أعمرتك إياها، وبين قوله: أعمرتك إياها ولعقبك من بعدك، فلو قال وأطلق: أعمرتك الدار، فهو كما لو قال: أعمرتك إياها ولعقبك من بعدك. قال: (والثاني وهو القديم: أنه باطل. وقال بعض أصحابنا: إنما القول القديم أن الدار تكون للمعمَر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب أو ورثته؛ لأنه خصه بها حياته فقط. وقال بعضهم: القديم أنها عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات عادت إلى ورثته)، ذكرنا أن الرأي الأول هو الراجح في مذهب الشافعية. ثم قال: الثالث: أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا متَّ عادت إلي أو إلى ورثتي إن كنت مت) يعني: ما دمت حياً فهي لك اعمرها واسكنها مثلما تريد، فإذا أنت متَّ ردت إليَّ، وإذا مت أنا فتردها لورثتي. ثم قال: (ففي صحته خلاف عند أصحابنا، منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة: (العمرى جائزة) وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح الصحة في جميع الأحوال، وأن الموهوب له يملكها ملكاً تاماً، ويتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، وهذا مذهبنا، وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة)، يعني: العمرى المشروطة بشرط غير صحيحة، إنما الصحيح منها المطلقة التي تنتقل إلى الورثة. ثم قال النووي: (وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً، ولا يملك فيها رقبة الدار بحال، وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا، وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيدة، حجة الشافعي وموافقيه هذه الأحاديث الصحيحة). يعني: التي سبق ذكرها. قال: (أما قوله ﵊: (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها) إلى آخر الحديث، فالمراد به إعلامهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا يعود إلى الواهب أبداً، فإذا علموا ذلك

стр. 717

تعريف العمرى والعارية والرقبى والفرق بينها العمرى لغة بضم العين وإسكان الميم: هي ما تجعله للرجل مدة عمرك أو عمره، وقال ثعلب وهو إمام من أئمة اللغة: العمرى: أن يدفع الرجل لأخيه داراً فيقول: هذه لك عمرك، أو عمري، أينا مات دفعت الدار إلى أهله، أي: إلى ورثته. وعرفها الحنفية والحنابلة بأنها: جعل المال في شيء يملِّكه لشخص آخر عمر أحدهما. وعرفها المالكية والشافعية بأنها: جعل المال في شيء يملكه لشخص آخر عمر هذا الشخص. وهناك ألفاظ مرادفة للفظ العمرى، منها: الإعارة، فبعض أهل العلم سوى بين العارية وبين العمرى، فالإعارة تمليك منفعة مؤقتة بلا عوض، كأن أقول لك: أعرتك هذا الذهب لتلبسه امرأتك، أو أعرتك هذا المسجل لتسمع به ثم ترده إلي. والإعارة: هي عقد يقع على المنفعة بغير عوض، والفرق بين العمرى وبين العارية أن العمرى مقيدة بالعمر، بخلاف العارية. وأما العريّة بغير ألف بعد العين، فهي أن يهب لك ثمر نخلة، أو ثمر شجرة دون أصلها؛ لتنتفع بثمرها، ولا علاقة لك بها. أما المنيحة فليست في الشجر، ولا في النخل، إنما المنيحة في الدواب كالبقر، والغنم، والإبل، منحتك هذه الناقة لتحلبها وتأخذ لبنها ثم تردها إلي، أو البقرة، أو الشاة، أو المعز، والمنيحة إنما سميت منيحة لمنحك الممنوحة لبنها، والمنيحة خاصة بلبن الشاة أو البقر أو الغنم أو غير ذلك، ثم ترجعها إلى صاحبها. ومن الألفاظ المرادفة للعمرى الرقبى، والرقبى في اللغة: مأخوذة من المراقبة، يقال: أرقبت زيداً الدار إرقاباً، والرقبى هي نفس العمرى، ولذلك الإمام البخاري في كتاب الهبات قال: باب العمرى والرقبى، فسوى بينهما. وقال ابن عباس: العمرى والرقبى سواء. فهو يرى أن العمرى هي الرقبى، وسميت الرقبى بذلك لأن كل واحد من طرفيها يرقب موت صاحبه لتبقى له، يعني: أعمرك عمرى، ثم انتظر موتك؛ لأنه بعد الموت ترد إليه داره. والرقبى في الاصطلاح عند جمهور الفقهاء: هي أن يقول الشخص: أرقبتك الدار مثلاً، أو هي لك رقبى مدة حياتك، على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن متُّ قبلك فهي لك ولعقبك. وقال المالكية: هي أن يقول الرجل للآخر: إن مت قبلي فدارك لي، وإن مت قبلك فداري لك. ذهب الفقهاء في الجملة إلى جواز العمرى ومشروعيتها؛ لقول النبي ﵊: (من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبه). ولقوله ﵊: (العمرى جائزة لأهلها). والعمرى نوع من الهبة يفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك. إذاً: العمرى لابد فيها من إيجاب وقبول، وكذلك قبض، فلو قلت لك: أعمرتك هذه الدار، ولكني لازلت ساكناً فيها فلا تصح هذه العمرى؛ لأن الشرط فيها الانتقال والقبض، أو ما يقوم مقامه. وقد اختلف الفقهاء في كون العمرى تمليك للعين ذاتها أو للمنفعة، فقال الجمهور عدا المالكية -يعني: الأحناف والشافعية والحنابلة-: هي تمليك عين في الحال؛ لما روى جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها؛ فإن من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً، ولعقبة)، وفي لفظ: (قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له)، لكن المالكية والليث بن سعد قالوا: إنه ليس للمعمر فيها إلا المنفعة، فإذا مات عادت إلى المعمِر؛ لما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت مكحولاً يسأل القاسم بن محمد عن العمرى: ما يقول الناس فيها؟ فقال القاسم: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا)، يعني: الناس إذا اشترطوا ملك المنفعة فلهم ذلك، وإذا اشترطوا أنها له ولعقبه فلهم ذلك. وقال أبو إسحاق الحربي عن ابن العربي: لم يختلف العرب في العمرى والرقبى والمنحة ونحوها، أنها على ملك أربابها) -أي: على ملك أصحابها الأول- ومنافعها لمن جعلت له. وهذا الكلام مخالف لما قلناه؛ لأن مقصود ابن العربي أن عقود الهبات كلها على ملك صاحبها الأول، لكن هذا خلاف التمليك؛ لأن التمليك لا يتأقت، كما لو باعه إلى مدة، فإذا كان لا يتأقت حمل قوله: على تمليك المنافع؛ لأنه يصلح توقيته. كما لو قال المعمِر للمعمَر: أعطيتك أو أعمرتك هذه الدار مدة حياتك، فإذا أنت متَّ ردت إليَّ، قال العلماء: الأقرب أنه عقد منفعة، وعقود المنفعة لا تمليك فيها. فإذا كان التمليك لا يتأقت حمل قوله ﵊ على تمليك المنافع، أي: له حق المنفعة له ولعقبه من بعده، وهذا يرتبط ارتباطاً شديداً جداً مع قوله ﵊: (فإنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث) وكافة أهل العلم على أن المواريث لا تقع على المنافع، إنما تقع على العين، فالذي يصح عندنا هو مذه

стр. 718

كلام الحافظ في الفتح عن العمرى وأحكامها ذكر الحافظ ابن حجر في كتاب الهبات في الباب الثاني والثلاثين من الفتح: باب ما قيل في العمرى والرقبى، قال: أعمرته الدار، فهي عمرى، أي: جعلتها له، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١]، أي: جعلكم عماراً، ثم ذكر حديث جابر: (قضى النبي ﵊ بالعمرى أنها لمن وهبت له)، وذكر حديث أبي هريرة: (العمرى جائزة)، وهو كذلك في حديث جابر. ثم قال: والعمرى مأخوذة من العمر، والرقبى مأخوذة من المراقبة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل الدار ويقول: أعمرتك إياها، أي: أبحتها لك مدة عمرك، فقيل لها: عمرى لذلك، وكذا قيل لها: رقبى؛ لأن كلاً منهما يرقب صاحبه متى يموت لترجع إليه، وكذا ورثته، فيقومون مقامه في ذلك، هذا أصلها، يعني: حتى الورثة يرقبون موت مورثهم، يعني: إما أنها سميت رقبى لأن كلاً من المعطي والآخذ ينتظر موت صاحبه، وكذلك الورثة ينتظرون ويرقبون موت مورثهم؛ حتى تنتقل إليهم هذه الدار. وأما شرعاً: فالجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكاً للآخر، ولم يخالف في ذلك غير مالك وقال: عقد منفعة، أما الجمهور على أن العمرى إذا وقعت كانت ملكاً للآخر، ولا ترجع إلى الأول إلا إن صرح باشتراط ذلك، لكنه إذا قال المعمر حين العقد للمعمَر: أعمرتك إياها مدة حياتك، فإذا متَّ ردت إليَّ، هذا شرط، والمؤمنون عند شروطهم، ما لم يحلوا حراماً أو يحرموا حلالاً. ثم قال: (وذهب الجمهور إلى صحة العمرى، إلا ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس، والماوردي عن داود الظاهري وطائفة، لكن ابن حزم الذي هو شيخ الظاهرية صحح عقد العمرى، ثم اختلفوا إلى ما يتوجه التمليك، هل يتوجه إلى الرقبة أم إلى المنفعة؟ فالجمهور على أن العقد يتوجه إلى الرقبة، بخلاف المالكية فإنهم قالوا: يتوجه إلى المنفعة. ثم ساق الأحاديث التي وردت في مشروعية العمرى، فقال بعد ذلك: فيحصل لنا من هذه الروايات ثلاثة أحوال: الأولى: أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه؛ فلا إشكال في ذلك. الحالة الثانية: أن يقول: هي لك ما عشتَ، فإذا متَ رجعت إليَّ؛ فهذه عارية مؤقتة، وهي صحيحة، فإذا مات رجعت إلى الذي أعطى، وقد بينت هذه والتي قبلها رواية الزهري. يعني: التي كان يفتي بها الإمام الزهري، وكذلك جابر بن عبد الله، وبه قال أكثر العلماء ورجحه عامة الشافعية، والأصح عند أكثرهم أنها لا ترجع إلى الواهب، واحتجوا بأنه شرط فاسد، فكأنه كالشرط الملغي، لكن الأول هو الراجح. الصورة الثالثة: أن يقول: أعمرتكها، ويسكت، لم يقل: ولعقبك، فرواية أبي الزبير تدل على أنها تأخذ حكم ما لو قال له: أعمرتك ولبنيك؛ لأنه إذا لم يشترط الرجوع إليه فكأن نيته انصرفت إلى التمليك المطلق. إذاً: لدينا صورتان من صور العمرى كلاهما عقد تمليك، وصورة واحدة عقد ملك المنفعة. الصورة الأولى: لو قال المعمِر للمعمَر: أعمرتك الدار ولعقبك من بعدك؛ انتقلت هذه الدار بالميراث إلى الورثة؛ لأنها دخلت في ملك المعمَر. الصورة الثانية: لو أطلق ولم يخير ولم يشرط؛ فتأخذ نفس الحكم. أما الصورة الثالثة: لو قيد ذلك بالعمر: أعمرتك إياها مدة عمرك، أو مدة عمري؛ فأينا مات ردت إلى أهله، فالشرط هنا ينبغي اعتباره، وأن الأصل في هذه الصورة أنها تمليك للمنفعة لا تمليك للعين، وهي صحيحة عند الجمهور، وأبطلها بعضهم.

стр. 719

شروط صحة العمرى شروط صحة العمرى ثلاثة: الشرط الأول: الإيجاب. الشرط الثاني: القبول، وهذان الشرطان في أي عقد من العقود: إيجاب، وقبول، الإيجاب: أعمرتك هذه الدار، والقبول: قبلت هذه العمرى، إيجاب من المعمِر، وقبول من المعمَر. الشرط الثالث: القبض أو ما يقوم مقامه، فإذا كان الشيء مما ينقل؛ كالسيارة، في هذه الحالة سوف يكون هناك قبض مال، وانتقال مال، أما الدار فبالسكنى يكون القبض.

стр. 720

شرح صحيح مسلم - كتاب اللقطة - مقدمة الكتاب والتعريف باللقطة والضيافة والمواساة بفضول المال من التقط مالاً أو شيئاً له قيمة فعليه أن يعرفه سنة، فإن وجد له صاحباً وإلا حفظ أوصاف لقطته وانتفع بها وبقيت عنده وديعة حتى يأتيه صاحبها، أما إن كانت اللقطة في الحرم فإنه لا يأخذها إلا من نوى أن يعرفها مدة حياته.

стр. 721

شرح أحاديث سؤال النبي عن اللقطة بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فنحن في كتاب اللقطة. قال المصنف ﵀: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال: قرأت على مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن] وربيعة الرأي لم يكن كأهل الأثر في اتباع الأثر، وإنما دائماً كان مذهبه يميل إلى الرأي في الغالب. قال: [وعن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة -أي: ما يلتقطه المرء ويأخذه- قال: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة -يعني: أخبر بها الناس على مدار السنة- فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها)]. أي: وإلا فهي لك. كأنه يسأله عن اللقطة وهي ما دون الحيوان، وهي ما يمكن أن يجده الإسان ويأخذه إما أن يكون ضالة وإما أن يكون لقطة، والفرق بين الاثنين أن الضالة: هي الحيوان من ذوات الأربع وما دون ذلك لقطة؛ لحديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة ثم سأله بعد ذلك عن الضالة). إذاً: هناك فرق بين اللقطة وبين الضالة، فإذا ضاع على الإنسان ذهب أو خشب أو جماد أو غير ذلك فيقال عنه لقطة. كذلك لو أنك وجدت شاة تمشي أو تائهة أو ضالة فأخذتها فلا تقول: أنا أخذت لقطة وإنما تقول: أنا أخذت ضالة، وقوله عن اللقطة: (اعرف عفاصها) العفاص: هو الإناء أو الوعاء الذي يوضع به هذا الشيء. (ووكاءها) وهو الحبل الذي تربط به. (ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا وشأنك بها) يعني: هي لك. فسأله بعد ذلك عن ضالة الغنم. قال: [(هي لك أو لأخيك أو للذئب)] يعني: إما أن تأخذها أو يأخذها غيرك أو يأكلها الذئب؛ لأن الغنم أو الماعز ضعيف يسطو عليه الذئب أو السبع فيأكله. قال: [(فضالة الإبل قال: ما لك ولها -يعني: هذه لا تلتقط- معها سقاؤها وحذاؤها)]. سقاؤها: البعير عنده القدرة على أن يشرب من الماء الشيء الكثير فيخزن الماء في المعدة فإذا عطش استخدم هذا الماء الذي شربه. وكذلك عنده القدرة على أن يأكل طعاماً فوق طاقته فيخزنه فإذا جاع أخرجه من المعدة إلى الفم فمضغه ثم ابتلعه مرة أخرى فيشبع بذلك. وكذلك معها حذاؤها وهو الخف الذي تستطيع به السير، ومعها الطعام والشراب الذي تستطيع به الشبع فهي لا تحتاج إلى التقاط. وبالتالي لا تكون ضالة. قال: [(ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)] أي: حتى يلقاها صاحبها. وكره بعض الناس إطلاق كلمة الرب على الممتلكات، وهذا بلا شك كلام ترده الأدلة، والصحيح: أن هذه الأشياء تضاف إلى أصحابها من باب أنه ربها. قال: [وحدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، قال: ابن حجر أخبرنا وقال الآخران: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة، فقال: عرفها سنة -وهي مدة التعريف- ثم اعرف وكاءها وعفاصها ثم استنفق بها)]. يعني: أنفقها بعد مرور السنة بشرط ألا يظهر صاحبها. [(فإن جاء ربها -أي: صاحبها- فأدها إليه)]. حتى بعد مرور السنة، وإن جاز للرجل أن يستنفق وأن ينتفع بهذه اللقطة إلا أنها لا تزال ديناً في ذمته إذا ظهر صاحبها ولو بعد مرور السنة. [(فقال: يا رسول الله ﷺ : فضالة الغنم؟ قال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال: يا رسول الله: فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه، ثم قال: ما لك ولها؟)] يعني: أنه ﷺ قضى وأفتى وهو غضبان، وفي كتاب الأقضية لا يجوز للقاضي أن يقضي وهو غضبان، وغضب النبي ﵊ ليس كغضبنا إذا غضبنا فمنا من يتمالك نفسه ومنا من يهرف ويسرف فيما لا يعلم، أما النبي ﵊ فإنه لا ينطق إلا بالحق في حال غضبه وفي حال رضاه ﷺ . ثم قال: [(معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربها)]. قال: [وحدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعمرو بن الحارث وغيرهم أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثهم بهذا الإسناد مثل حديث مالك غير أنه زاد: (أتى رجل رسول الله ﷺ وأنا معه فسأله عن اللقطة)]. كلمة (وأنا معه) قالها زيد بن خالد الجهني الذي هو راوي لهذا الحديث. [(قال: فسأله عن اللقطة. وقال عمرو - أي: عمرو بن الحارث - فإذا

стр. 722

شرح حديث: (ضالة الإبل) [وحدثني إسحاق بن منصور] وهو المعروف بـ الكوسج، والكوسج: لقب لمن كان شعره خفيفاً في ذقنه يعني: ليس له شعر في العارضين وإنما شعرات يسيرة شكلها مثل اللحية. [قال: أخبرنا حبان بن هلال حدثنا حماد بن سلمة حدثني يحيى بن سعيد، وربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن]، ومما يذكر في ترجمة ربيعة أن أبا عبد الرحمن والد ربيعة خرج في غزوة وترك لامرأته وهي حامل ثلاثين ألف دينار من الذهب، فغاب ثمانية عشر عاماً وقيل: إحدى وعشرين عاماً، فلما رجع أبو عبد الرحمن إلى المدينة طرق الباب فخرج إليه ربيعة، فلما فتح الباب دخل أبو عبد الرحمن، فدفعه ربيعة على اعتبار أنه رجل غريب قد اقتحم البيت بغير إذن أو غير ذلك، فتشاجر ربيعة مع أبي عبد الرحمن، وأصر أبو عبد الرحمن على أن هذا بيته وله أن يدخل فحينئذ تغلظ ربيعة على أبيه وأخرجه خارج البيت، وفي نفس الوقت سمع الأذان فانطلق إلى مسجد النبي ﷺ ليصلي العصر، فوجد بعد الصلاة حلقة عظيمة وشاباً يحاضر فيها فاستمع إليه فأعجب جداً بكلامه، فلما فرغ المحاضر من محاضرته أسرع أبو عبد الرحمن إلى بيته فدخل على امرأته وقال: إني سمعت رجلاً شاباً يتكلم في العلم بكلام ما أجمله وما أحلاه عند العمود الفلاني أو عند السارية الفلانية، ولكني أسألك أين المال الذي تركته لك الثلاثين ألف دينار؟ قالت: لقد أنفقتها على ولدك ربيعة الذي سمعته يتكلم بأجمل الكلام. قال: أهذا ولدي؟ لقد قمت في ولدي من بعدي بأحسن قيام. هذه القصة في الحقيقة ليس لها أقدام تثبت عليها بل هي عرجاء أو أصابها الكساح، ولها في نقدها وجوه عديدة، لكن الذي أريد أن أبلغكم إياه أن هذه القصة لا تثبت وهي غير صحيحة. قال: [حدثني يحيى بن سعيد، وربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن ضالة الإبل؟ -زاد ربيعة - فغضب حتى احمرت وجنتاه واقتص الحديث بنحو حديثهم وزاد: فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك)] والنبي ﵊ كان يخاطب بهذا الكلام الصحابة، فكل واحد منهم مطالب بهذا. وقوله ﵊: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فخذها)، أنا عندي تعريفان: التعريف الأول: تعريف مجمل. والتعريف الثاني: تعريف مفصل. قال: [وحدثني إسحاق بن منصور أخبرنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان بهذا الإسناد وقال في الحديث: (فإن اعترفت) يعني: فإن اعترف بها صاحبها. أي: أتى بالتعريف كاملاً على وجهه. [(فأدها)] والتقدير أدها إليه أي: ادفعها إليه؛ لأنها أمانة، (وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها)، يقول: (فإن اعترفت فأتي بها) يعني: فإن تعرف عليها صاحبها فادفعها إليه. والتقدير: وإن لم تعترف ولم يظهر صاحبها ويتعرف عليها فاعرف أنت للمرة الثانية هذا التعريف الثاني: (فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها) وهذا هو التعريف الدقيق المفصل الذي يلزمني أنا إذا أعطيتها، فتستقر في ذمتي الأوصاف الدقيقة المفصلة لهذه اللقطة.

стр. 723

شرح حديث في كيفية تعريف السوط لمن وجده قال: [حدثنا محمد بن بشار -المعروف بـ بندر - حدثنا محمد بن جعفر] المعروف بـ غندر ربيب شعبة يعني: شعبة تزوج أمه بعد وفاة أبيه، [وحدثني أبو بكر بن نافع قال: حدثنا غندر حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل قال: سمعت سويد بن غفلة قال: (خرجت أنا وزيد بن صوحان، وسلمان بن ربيعة غازين)] أي: خرجنا مجاهدين في غزوة. [(فوجدت سوطاً فأخذته فقالا لي: دعه)] أي: سويد بن غفلة، وزيد بن صوحان قالا لـ سويد بن غفلة اترك السوط لا تأخذه، [(فقلت: لا)] أي: سآخذه، [(ولكني أعرفه)] أي: أنا سآخذه وأقول: الذي ضايع له سوط، [(قالا: فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به. قال: فأبيت عليهما)] أي: قال سويد بن غفلة لـ زيد بن صوحان وسلمان أنا سآخذه وانتفع به، [(قال: فلما رجعنا من غداتنا قضي لي أني حججت)] يعني: يسر الله لي الحج، فأتيت المدينة فلقيت أبي بن كعب فأخبرته بشأن السوط وبقولهما لي: لا تأخذه ولا تلتقطه. وقولي لها: أنا سألتقطه وأعرفه سنة. فقال: أي: أبي: (إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﷺ والدينار أربعة جرام وربع جرام ذهب صافي عيار أربعة وعشرين، وكلمة (الصافي) يعني الخالص النقي الذي هو أربعة وعشرين ليس فيه رصاص ولا نحاس ولا شيء من هذا. [قال: (إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله ﷺ فأتيت بها رسول الله ﷺ فقال: عرفها حولاً. قال: فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولاً)] أي: حولاً ثانياً [(فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولاً)] أي: حولاً ثالثاً. [(فعرفتها فلم أجد من يعرفها، فقال: احفظ عددها ووعاءها)] الذي هو العفاص، [(ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها)] ثم قال: [(فاستمتعت بها)]. وهذا يدل على أن صاحبها لم يظهر. قال: [(فلقيته بعد ذلك بمكة. فقال: لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد)] والشك من الراوي، فالرواية التي تحدد التعريف بثلاثة أحوال فيها شك، وبقية الروايات مجمعة على أن التعريف حول واحد. وعلى فرض صحة الرواية يصير التعريف فوق السنة ليس واجباً وإنما هو مستحب، والأولى اعتبار الزيادة شاذة بسبب شك الراوي؛ لموافقة الراوي في السنة الأولى بقية الرواة الذين لم يزيدوا على سنة واحدة. قال: [وعن سلمة بن كهيل أو أخبر القوم وأنا فيهم قال: سمعت سويد بن غفلة قال: خرجت مع زيد بن صوخان وسلمان بن ربيعة فوجدت سوطاً واقتص الحديث بمثله إلى قوله: (فاستمتعت بها)] أي: بالسوط. قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرفها عاماً واحداً. وهذه الرواية أوثق من رواية بقية الرواة. وفي رواية حماد بن سلمة قال: (فإذا جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه). الذي يأتي ليتعرف على الشيء الذي ضاع منه المطلوب منه أن يأتي بالتعريف المفصل. وزاد سفيان في رواية وكيع: (وإلا فهي كسبيل مالك). يعني: كسائر مالك. يعني: لو لم يظهر صاحبها وعرفها تعريفاً دقيقاً مفصلاً ومر العام فهو حر ينفقها أو لا ينفقها فهي ماله. وفي رواية ابن نمير: وإلا فاستنفع بها.

стр. 724

باب في لقطة الحاج الباب الأول: في لقطة الحاج. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني أبو الطاهر، ويونس بن عبد الأعلى قالا: أخبرنا عبد الله بن وهب المصري، أخبرني عمرو بن الحارث المصري، أخبرنا بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: (أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج) فمكة لا تلتقط لقطتها، وهذه من الأحكام الخاصة بمكة، فإذا رأيت لقطة في الأرض فأنت مخير بين أمرين: إما أن يغلب على ظنك أن الدنيا أمان وأن هذه اللقطة ستبقى في مكانها حتى يرجع إليها صاحبها فيأخذها فاتركها، وإما أن البلد ليست كذلك وأنه قد يأخذها رجل خائن ليس أميناً فيضمها إلى ماله ولا يعرفها، فحينئذ إذا أخذت هذه اللقطة وأشهدت أحد الثقات العدول على أنك التقطتها من المكان الفلاني وعرفتها أمامه ونظر إليها وشهد بذلك أو أنك أخبرته بها تفصيلاً ثم إنك ما أخذتها بعد ذلك إلا لتنشدها ولتعرفها؛ فإنه لا تحل لقطة مكة إلا لمنشد. أي: إلا بنية التعريف أما غير ذلك فلا. وقوله: (نهى النبي ﷺ عن لقطة الحاج). الحج رمز وإنما المقصود مكة كلها، في موسم الحج وفي غير موسم الحج. قال: [وعن أبي سالم الجيشاني] وهو سفيان بن هانئ المصري وهو تابعي مخضرم، والتابعي هو الذي رأى أحد الصحابة أو لقيه. والتابعي المخضرم: هو الذي أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، فهو لم يلق النبي ﷺ ؛ لأنه لو لقيه لكان من الصحابة. ولو قلنا أن الصحابي هو من رأى النبي ﵊ سنخرج من الصحابة ابن أم مكتوم مثلاً وبعض الصحابة الذين أصيبوا بالعمى قبل رؤيتهم النبي ﵊، فالصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. فقولنا: (مؤمناً به هذا) احتراز وشرط، فلو كان رجلاً رآه مراراً ولم يسلم إلا بعد وفاة النبي ﵊ لا يكون صحابياً؛ لأنه لم تثبت له الرؤية حال الإيمان. أما الرجل الذي لقي النبي ﵊ ولو لحظة واحدة ثم مات النبي ﵊ أو مات هذا الرجل فتجوز له الصحبة بشرف النبي ﵊، ولفظ (صاحب) في اللغة لا يثبت للرجل إلا مع طول المدة وطول الصحبة وغير ذلك، لكنه في اللغة شيء وفي الاصطلاح شيء آخر في حق النبي ﵊. قال: [عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)] الضالة هي الحيوان الذي يقدر على أن يحمي نفسه كالجاموس والبقر والحصان والحمار بحيث لا يستطيع السبع الصغير أن ينهشه حتى يقتله، فهناك فارق بين السباع الصغيرة التي لا تؤثر في الضوال الكبيرة وبين السباع الكبيرة التي تؤثر في الضوال الكبيرة والصغيرة على السواء. فقوله هنا: (من أوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)، فالضوال لا تلتقط إلا إذا غلب على الظن هلاكها، فالإبل لا تلتقط؛ لأن حذاءها ووكاءها وسقاءها وطعامها وشرابها معها وتستطيع أن تحمي نفسها، والأصل فيها الانطلاق والانبعاث حتى يجدها ربها أو هي ترجع إلى أرضها، لكن إذا غلب على الظن أن هذا البعير الذي يمشي في الصحراء قادم على بيت للأسود أو السباع، وأنه إذا قدم عليها هلك ولابد ففي هذه الحالة يجب التقاطها وإيواؤها وذلك للضرورة رغم أنها لا تلتقط، فلا تؤخذ إلا بنية تعريفها، فلو أخذتها وقصدت التعريف فحينئذ لا حرج علي، وهذا معنى قوله: (من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها) ولو رأيت بعيراً يتوجه إلى ناحية فيها لصوص فبلا شك أن أخذي لهذا البعير بغرض تعريفه حتى يظهر صاحبه خير من أن يذهب إلى هؤلاء اللصوص فيأخذونه ويذبحونه ويأكلونه.

стр. 725

باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها]، أي: لابد أن يأذن مالكها أو يغلب على الظن أنه يفرح بذلك لما بيني وبينه من ود. وهذه المسألة مسألة عرفية، وهي في الوقت نفسه نسبية، بشرط عدم اختراق الحواجز والحرمات، فالناس يختلفون، فإنسان له أناس مقربين يحب أن يعطيهم إبله، وهناك أناس لا يحب أن يعطيهم أي شيء، فلو أني غلب على ظني أنك تحب أن تراني أحلب شاتك فأنا أفعل ذلك لأجل إدخال السرور عليك وإلا فالأصل المنع؛ لأن هذا مال الغير ولا يحل أخذه إلا بإذن صاحبه، قال النبي ﵊ في حديث ابن عمر: (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتفل طعامه؟!). والنبي ﵊ يضرب مثلاً، وفي هذا جواز ضرب الأمثال. والمشربة: غرفة المتاع وتسمى غرفة الخزين أو المعاش، وضرع الماشية عبارة عن المشربة التي يخزن فيها ويعبأ فيها الطعام، فكما أنك لا تحب أن تكسر هذه المشربة ويؤخذ منها الطعام، فكذلك لا يحل لأحد أن يهجم على ضرع ما شيتك فيأخذ منها اللبن ويشربه. وفي هذا فائدة أخرى: أن اللبن يطلق عليه طعام وإن كان الأصل فيه أنه شراب، فلو حلف إنسان ألا يطعم هذا اليوم فلا يحل له أن يشرب اللبن، فلو شربه لزمته الكفارة، ويقع منه الطلاق إن علق طلاقه على الطعام وشرب اللبن. قال ﷺ : (إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم) ولم يقل: أشربتهم ﵊، (فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)، والإمام مسلم عليه رحمة الله أورد عدة أبواب في كتاب اللقطة لم يتبين لي أو ما وجدت كلاماً لأهل العلم من الشراح في ذكر مناسبة هذه الأبواب في باب اللقطة؛ ولا أدري ما العلاقة بين هذه الأبواب وبين كتاب اللقطة.

стр. 726

باب الضيافة ونحوها قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثالث: باب الضيافة ونحوها: قال أبو شريح العدوي: (سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله ﷺ ] يريد يقول: أنه متأكد، [(فقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته. قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته)] يعني: الضيف له إكرام مدته ثلاثة أيام بلياليها، لكن يوم الجائزة هو يوم النزول. وكان العلماء يفرقون بين البادية والمدينة، فالمدينة فيها الفنادق والمطاعم، أما البادية فليس فيها مثلما في المدينة. واليوم الأول يسمى يوم الجائزة -أي: يوم التحفة- يعني: يكرمك فيه المضيف أكثر من إكرامه لك في بقية الأيام، ففي أول يوم يذبح لك ويحمر ويشمر لك، وبعد ذلك يعطيك مما هو موجود، لا بأس بذلك، ولو تكلف لك في كل يوم فلابد أن يقع هو في الإثم وتقع أنت في الحرج؛ لأنه ربما لا يكون قادراً على ذلك في كل يوم. وأذكر في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل أنه نزل هو ومن معه على أحد تلاميذه فقدم لهم مائدة يتكلم عنها العرب. يعني: تكلف لهم جداً، فقال بعض أصحاب أحمد وأظن أنه إسحاق بن منصور الكوسج قال: يا فلان لقد تكلفت. فقال الإمام أحمد بن حنبل: دعه يفعل ما يشاء فلو جاء بالدنيا بحذافيرها بين يدي إخوانه ما وفاهم حق الأخوة. وهذا في يوم الجائزة. لكن لا يتصور أن تكون هذه الجائزة وهذه التحفة في كل يوم، بل هذا أمر يؤدي إلى الحرج والضيق في نفس المضيف. والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة من المضيف على الضيف، ولذلك عبد الله بن عمر كان إذا سافر أخذ معه مولاه نافعاً، وكان إذا فرغ من الثلاثة الأيام قال: يا نافع ائتنا بطعامنا وشرابنا فنحن لا نقبل الصدقة من أحد. يعني: الحد الفاصل ثلاثة أيام ثم بعد ذلك ينفق من كيسه وطعامه على نفسه وعلى مولاه نافع الفقيه. وقال: [(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)]. وقال أبو شريح قال رسول الله ﷺ : (الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة، ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤَثمه أو يؤُثمه) يعني: لا يحل لك أن تبقى عندي وتمكث أكثر من ثلاثة أيام حتى لا توقعني في الإثم، فلا يحل لك أن تحملني على الوقوع في الإثم فأقوم بطردك مثلاً. قال: [(قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به)] يعني: ما عندي شيء أضيفك به، والغرض الشرعي هو عدم إيقاع المضيف في الإثم والحرج، ونعمة الإحساس نعمة عظيمة جداً، أن الإنسان يشعر بأخيه من غير أن يشكو له. مثلاً: أنت ذهبت ضيفاً فإذا بهذا المضيف شديد الفقر وليس عنده شيء ينفقه على أولاده وعلى من تجب عليه العناية بهم، ثم أنت تذهب تكلفه فوق ذلك إثماً، وتريد أن تأخذ حقك الثلاثة الأيام فليس من حقك ذلك، فشرط الضيافة أن يقريك بما عنده، أما إذا كان عنده حاجة فإنه لا يأثم، فمن حقوق الأخوة الإيمانية: أن تنخلع من جلدك لا من ثيابك، وهذا هو الإحساس، أما الإنسان الذي لا يشعر بإخوانه فهذا إنسان فقد شيئاً كثيراً من دينه. قال ﷺ : (ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا: يا رسول الله: وكيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده ولا شيء له يقريه به) أي: لا يستطيع أن يقوم بحق الضيافة. قال: [وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا)] أي: لا يضيفونا، [(فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا)] أي: يؤدون الذي عليهم وأنتم تأخذون ما لكم، [(فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)] ولم يقل: الذي ينبغي لكم، وإنما قال: (الذي ينبغي لهم) أي: بما يتناسب مع حالهم، إنسان لا يستطيع إلا أن يقدم كسر الخبز، والثاني يستطيع أن يقدم بقرة أو شاة أو بعير، فإذا كان هذا الحق لكم أن تأخذوا بعيراً فخذوه منه ولو كان ذلك على سبيل العنوة؛ لأن هذا حق لابد أن يذهب إلى أصحابه.

стр. 727

باب استحباب المواساة بفضول المال قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استحباب المؤاساة بفضول المال] يعني: ما فضل عن حاجتك وحاجة من تعول؛ لقوله ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول). يعني: إذا كان معي ما يزيد عن حاجتي وحاجة امرأتي ووالدي وأبنائي ومن أعولهم -وعيالتهم تلزمني- فما زاد عن هذا فلا بأس أن يتصدق به المرء. والنبي ﷺ يقول: (من كان عنده فضل زاد). ولم يقل: من كان عنده زاد، وإنما قال: (من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر) يعني: مكان على الدابة واسع، (فليعد به على من لا ظهر له). فإذا كان الظهر الذي عندي يكفيني، والطعام الذي عندي في الطعام يكفيني، أو المال الذي عندي يكفيني على قدر ما أريد فلست مطالباً بالصدقة حينئذ، قال ﵊ كما في حديث أبي سعيد الخدري: (بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً) الرجل نفسه يلمح ما يصرح، (فقال النبي ﷺ : من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له). وذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. يعني: حتى ظن الصحابة أن فضول الأموال وفضول الظهور التي معهم ليست حقهم، وكأنها حقوق عامة مشاعة لجميع المسلمين.

стр. 728

باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت والمواساة فيها قال المصنف رحمه الله تعالى: (باب: استحباب خلط الأزواد) أي: القوت والطعام والمتاع (والمؤاساة فيها)، وهذا ليس من باب الربا، بعض الناس يتصور أننا لما نكون مضطرين لجمع ما معنا أن هذا من باب الربا، والإمام النووي ينفي هذا ويقول: لا علاقة لهذا بالربا قطعاً. وكلمة الاستحباب تنفي الوجوب، أما نفي الوجوب فلا ينفي الاستحباب، فيستحب خلط الأزواد، والنبي ﵊ كان إذا اضطر إلى ذلك فرش النطع من الجلد ودعا الناس أن يأتوا بما عندهم، فمنهم من يأتي بكسر الخبز، ومنهم من يأتي بشراب ومتاع ولبن وغير ذلك حتى تجتمع الأزواد فيدعو على هذا الطعام فيزداد نماء وبركة، وهذا من معجزاته ﵊ وخرقه للعادات؛ حتى يأكل الجميع ويحملوا منه في مزاداتهم. قال: [حدثني أحمد بن يوسف الأزدي حدثنا النضر -يعني ابن محمد اليمامي - حدثنا عكرمة -وهو ابن عمار - حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه - سلمة بن الأكوع - قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد)] أي: مشقة، [(حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا)] يعني: حتى هممنا أن ننحر بعض الإبل، وأنتم تعلمون أن نحر الإبل في الغزو خسارة، قال: [(فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعاً فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحرزه كم هو؟)] يعني: أقدر هذا الزاد. قال: [(قال: فحزرته كربضة العنز)]، يعني: كمبرك الشاة. قال: [(ونحن أربعة عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حشونا جربنا)] جمع جراب بكسر الجيم، وكلمة حشونا تدل على أن كل واحد كان يحشو فزاده بعد أن شبع، [فقال ﷺ : (فهل من وضوء؟)] أي: هل أحد عنده ماء لكي نتوضأ؟ قال: [(فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة)] أي: قليل من الماء (فأفرغها في قدح)] أي: في قدح واسع، [(فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة)] يعني: نصبه صباً شديداً مع أن الأصل فيه أنه شيء قليل جداً؛ لكن النبي ﷺ دعا فيه بالبركة فنما وكان يخرج من بين أصابعه ﵊. قال: [(ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ : فرغ الوضوء)] يعني: انتهى الماء، وهذا فيه إعجاز للنبي ﵊. وهذه الأبواب لا علاقة لها بباب اللقطة وأحكامها، لكن يبقى أن نتعرف على اللقطة من جهة الأحكام الفقهية، والكتاب الذي يأتينا بعد ذلك هو كتاب الجهاد والسير، فأنا رأيي أن نتكلم على اللقطة من جهة الأحكام؛ ونؤجل درس العقيدة إلى الأسبوع القادم حتى نفرغ من أحكام اللقطة بإذن الله غداً بعد صلاة المغرب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 729

شرح صحيح مسلم - كتاب اللقطة - مسائل وأحكام اللقطة اللقطة مال محترم غير محرز لا يعرف صاحبه، وقد فصل الشارع في أحكامها، وبين ما يلزم ملتقطها من حفظ لها ولأوصافها، ومدة تعريفها، وحكم ما يترتب على ذلك من مؤنة ونماء وضمان، وغير ذلك من الأحكام.

стр. 730

تعريف اللقطة لغة واصطلاحاً إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع بعض الأحكام الفقهية المتعلقة باللقطة: أولاً: تعريف اللقطة: هو من اللقط الذي هو الأخذ، كما قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص:٨]؛ أي: فأخذوه. فاللقط بمعنى: الأخذ والتناول. وهذا في اللغة. وقلنا من قبل: إذا أردنا أن نعرف شيئاً أو مصطلحاً فله تعريف في اللغة وتعريف في الاصطلاح. أي: اصطلاح أهل التخصص. فاللقطة عند اللغويين بمعنى: الالتقاط والأخذ. أما شرعاً: فهي مال محترم غير محرز لا يعرف الواجد مستحقه. فقولهم: (مال محترم): احتراز من المال الغير محترم. والمال المحترم هو مال معصوم، والأصل في المال أنه معصوم، ولا يخرج عن هذه العصمة إلا بسبب شرعي، حتى وإن كان مال كافر فإنه معصوم، والأموال كالفروج، وما دام فرج الكافر معصوماً فينبغي أن يكون ماله كذلك معصوماً، ومن استحل المال لزمه أن يستحل الفرج؛ لأنه لا فارق في الشرع بين الأموال والأعراض. وقولهم: (غير محرز): أي: ملقى على الأرض. ولو أني أخذت مالاً محرزاً فالتكييف أو الوصف الشرعي أن فعلي هذا يصير سرقة، لأنه يشترط في السرقة: أن يكون مالاً محرزاً، أما في اللقطة فيشترط ألا يكون محرزاً. وقولهم: (لا يعرف الواجد مستحقه). يعني: لا يعرف من التقطه، وإلا لو كان الواجد والملتقط يعرف صاحبه فيجب عليه أن يدفعه إليه، لكنه وجد المال ولا يعرف مستحقه. وهذا قيد يخرج به أحد أمرين: الأول: إما أنه يعرف صاحبه فيجب عليه الدفع إليه. الثاني: أو أنه مال عام. أي: من الأموال المباحة لكل أحد، كما قال ﵊: (من أحيا أرضاً ميتاً فهي له)، فلو أن رجلاً أحيا قطعة أرض فوجد في باطن الأرض معادن من الذهب والحديد والورق وغير ذلك من كنوز الأرض، فهذا مال مباح لمن وجده بشرط أن يؤدي زكاته، وهي زكاة الركاز، وهو حر في بقية المال، لا يحل لأحد قط لا حكومة ولا غير حكومة أن يأخذوا هذا المال منه؛ لأنه مال مملوك له على سبيل أنه مال عام في أرض عامة، فليس في الإسلام شيء اسمه الأرض هذه ملك الحكومة إلا أن تكون أرضاً عامة لمنافع الناس مثل الطريق فلا يملكه أحد ولا حتى الحكومة تملكه، فهو ملك عام لكل من مر فيه كل إنسان مسلم وكافر، فالشارع ملك للجميع؛ لأنه جعل في انتفاع الناس عامة، فلا يجوز السطو على الشارع والبناء فيه أو غير ذلك من باب أنه غير مملوك، فهذا مال عام له ملاك وهم جنس المنتفعين به أينما كانوا، أما المال العام فينتفع به من أصلحه ومن أخذه ومن التقطه. الأمر الثاني: ألا يعرف الواجد مستحقه. يعني: لا يعرف لمن هذا المال، أما إذا كان مالاً لا يملكه أحد كهذه الأموال العامة أو الصحراء المترامية الأطراف فالشرع يجيزها لمن أصلح جزءاً منها أو أحاط على جزء منها وبدأ العمل فيها، ولا يحل لأحد من الأشخاص العامة أو الخاصة أو الشخص المعنوي الذي هو الحكومة أو جهة إدارية، أو غير إدارية، لا يحل لها أبداً أن تعطل هذه المسيرة؛ لأن النبي ﵊ قد أجاز وشرع له: أنه إذا استصلح شيئاً من هذه الأرض أن يتملكها.

стр. 731

أركان اللقطة من التعريف دائماً نأخذ الأركان، إذا اتفقنا على تعريف معين -تعريفاً اصطلاحياً- فلابد أن يشتمل هذا التعريف على أركان المعرف، فبعد أن عرفنا اللقطة في الاصطلاح: (وأنها مال محترمة غير محرز لا يعرف الواجد مستحقه) لابد أن أقول: إن أركان اللقطة ثلاثة: الركن الأول: اللقط. وهو الفعل. الركن الثاني: الملتقط. وهو الواجد. الركن الثالث: الملقوط أو الملتقط -اسم فاعل- أي: الذي تناوله الملتقط أو الواجد. وهناك فرق بين الركن والشرط، فالركن: ما كان داخلاً في ماهية الشيء وأساسه، ويتكون الشيء منه ومن غيره، أما الشرط فهو الخارج عن ماهية الشيء، ويلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. إذاً: اللقط. معناه: وضع يد الواجد على الملتقط أو الملقوط. وفيه معنى الأمانة والولاية، والملتقط أمين على ما التقط، ومطالب تجاه هذا الملقوط بأحكام وآداب، كما أن الملتقط فيه معنى الاكتساب والملك بشروطه.

стр. 732

حكم اللقطة حكم اللقط: فيه خلاف بين العلماء، فمذهب الحنفية والشافعية: استحباب اللقط وليس الوجوب. والمالكية والحنابلة على كراهة اللقط. وقد تجري على اللقط الأحكام الشرعية الخمسة، كما أن النكاح تجري عليه الأحكام الشرعية الخمسة، فقد يكون واجباً في حق فلان، وقد يكون محرماً في حق فلان، إذا كان الرجل يملك الباءة وتتوق نفسه إلى نكاح النساء ويخشى على نفسه العنت أو الوقوع في المعصية فحينئذ يجب عليه النكاح، ولو كان الرجل مجبوباً أو عنيناً أو لا ذكر له وإن كان يملك المال فيحرم عليه النكاح؛ لأنه يضر بالمرأة في أعز حق لها عند الرجل، يضر بها وهو غاش ومدلس في هذا النكاح فيحرم عليه ذلك. إذاً: قد يكون النكاح مكروهاً أو مستحباً أو مباحاً. وكذلك اللقطة قد تكون واجبة إذا خفت على المال الضائع التلف، فيتعين اللقط لحفظها. مثلاً: رجل يمشي في صحراء بسيارة، وأنت تسير خلفه بسيارة وهذا الطريق في الغالب لا يمشي فيه أحد، ونادراً ما يمشي فيها كل عدة أيام فوج أو قافلة أو سيارة أو غير ذلك، فإذا وجدت في هذا الطريق طعاماً قابلاً للعطب بعد عدة أيام وغلب على ظنك عطبه -وأنتم تعلمون أن معظم الأحكام الشرعية إنما تجري على غلبة الظن، الأحكام الشرعية معظمها مبني على غلبة الظن- وأنه لا يمكن حفظه، وإذا تركته فسد؛ فحينئذ يتعين عليك أخذه، وتأثم بتركه، وإذا كنت آثماً في تركه وجب عليك الالتقاط، فحينئذ إذا تعين اللقط طريقاً لحفظ المال كان الالتقاط واجباً. وأحياناً يكون مندوباً وهو عند عدم خوف التلف عليها، أو يغلب على ظني أن الدار والبلد أمان وربما يُهيأ لهذا الطعام من هو آمن عليه مني. ويكون اللقط محرماً وهو عندما يأخذ الملتقط المال الضائع لا لحفظه ورده إلى صاحبه بل لتملكه، حينما وقعت عيني على المال المرمي على الأرض ورد في ذهني فوراً أن آخذ هذا المال لا لأعرفه ولكن لأتملكه ولو سألني أحد عنه سأنكر وأقول: أنا ما رأيت شيئاً ولا التقطت شيئاً. فهذا سطو على أموال الناس بغير حق، وأخذ ونهب لأموال الناس بالباطل. وهذه المسائل يستطيع كل إنسان أن يضبطها بنفسه، فكل إنسان يعلم من نفسه ذلك، فإذا رأيت مالاً فهذا الشيء بيني وبين الله ، أنا آخذ المال لكي أعرفه، وأيضاً لو أن المال هذا لم يعرف على مدار سنة أو سنتين ولم يظهر صاحبه أضعه في مكان عام آمن للتعريف! فإذا أخذ هذه اللقطة وهو ينوي تملكها ففي هذه الحالة يحرم عليه التقاطها؛ لأنه يعلم من نفسه ضعفاً وأحياناً يكون اللقط مكروهاً وذلك في حق من يشك في أمانة نفسه، كأن تكون نفسه ضعيفة تتنازعه قوى الخير والشر، هو رجل صالح وتقي لكن نفسه تغلبه، وكل ما أمره قرين الخير من الملائكة بالمعروف غلبه قرين السوء من الأبالسة والشياطين بأن يحول هذا المال إلى نفسه، فهو متحير متردد بين الأمرين يأخذه أم يعرفه؟ كلما استقر على أمر غلبه الآخر، فهذا إنسان عنده شك في نفسه وفي قدرته وأمانته؛ فيكره له الالتقاط، فالمال الملتقط يكره أخذه إذا كنت على يقين أنك ستأخذه ولا تعرفه أو أنك تشك في أمانتك. فكل إنسان يعلم من نفسه ومن حاله حكم اللقطة في حقه هو: هل هي واجبة أم محرمة أم مندوبة أم مكروهة أم مباحة؟! والمباح إذا استوى الفعل والترك، قال الحافظ ابن حجر: ومن ثم كان الأرجح في مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمتى رجح أخذها وجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز. يعني: مباح.

стр. 733

حكم الإشهاد على اللقطة يجب الإشهاد على الالتقاط، بأن يُشهد الملتقط عليه رجلاً عدلاً واحداً فأكثر، وأقل الشهود في اللقطة واحد يشترط أن يكون عدلاً؛ لحديث عياض بن حمار ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل)، وفي رواية: (فليشهد ذوي عدل). يعني: لا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. والوجوب هو مذهب الظاهرية، وقول عند الشافعي، وإليه ذهب الشوكاني، والصنعاني، والحنابلة والمالكية، وقال الشافعي في أحد القولين باستحباب الإشهاد احتياطاً. وسبب وجوب الإشهاد -وهو مذهب جماهير العلماء- أو استحبابه -وهو مذهب بعض أهل العلم- أنه يُمتنع به من الخيانة، فالشرع لما اشترط الشاهد اشترطه لمصلحة الملتقط، ليمتنع به من الخيانة، وأن الملتقط قد يموت فجأة فتصير اللقطة من تركته وليست كذلك، إذ قد يموت في مدة وجوب التعريف، فلا تدخل في مال الميراث، يأتي الشاهد حينئذ ويقول: هذا الميت قد التقط لقطة وهي كذا وعددها كذا في المكان الفلاني! وأنا الشاهد على ذلك فانتبهوا أن تُدخلوا هذه اللقطة في الميراث؛ لأنها ليست مال المورث ولا مال الورثة. أما كيفية الإشهاد، فله طريقتان: الأولى: أن يشهد أنه وجد لقطة ولا يُعلِّم عفاصها ولا غيره؛ لئلا يتطرق الكذب إليها. كأن أقول: يا فلان! أنا وجدت مالاً لا أعرف عدده ولا وصفه ولا نوعه ولا شيء من هذا أبداً، وأنا أعرفه في أماكن متعددة يسهل التعرف عليه من خلالها فحينئذ إذا ظهر صاحبه فهو له. الثانية: أن يشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوالي، لكن هذه تحتاج إلى أمانة الشاهد؛ ولذلك النبي ﵊ اشترط أن يكون الشاهد عدلاً؛ لأنه لو كذب أو خان يصير فاسقاً، فاشترط النبي ﷺ أن يكون الشاهد عدلاً؛ لأن الشاهد ممكن أن يتواطأ مع أحد الخونة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فيقول مثلاً: لقد ضاع مني (١٠٠٠) جنيه وبلغني أنها عندك وأوصافها كذا وعددها كذا وأوراقها كذا وضاعت مني في المكان الفلاني؛ لأن الملتقط قد أخبر الشاهد بهذه الأوصاف تفصيلاً. فإذا لم يكن الشاهد عدلاً ضاعت الأمانة، واستطاع الكاذب أن يتوصل بكذبه وتدليسه وغشه إلى أخذ ما ليس له. وقد أشار بعض الشافعية إلى التوسط بين التعريفين -أي: التعريف المفصل والتعريف المجمل- فقالوا: لا يذكر الصفات كلها، وإنما يعرف اللقطة ببعض الألفاظ دون البعض. فمثلاً: يقول: وجدت من المال (١٠٠٠) في المكان الفلاني، فلو أن الشاهد الفاسق ذهب إلى أحد الكذبة قال له: اذهب إلى فلان وقل له: قد ضاع مني (١٠٠٠) جنيه فإنه لما يأتي الكاذب هذا للملتقط ويقول له: ضاع مني (١٠٠٠) جنيه في المكان الفلاني. يقول له الملتقط: كيف شكل عفاصها؟ بماذا كانت ملفوفة؟ فيقول له: في ورق سلفان. فيقول: لا. فيقول له: أنا تذكرت والله فقد كانت في خرقة فعلاً. فيقول له: كم الذي ضاع منك؟ يقول له: (١٠٠٠) جنيه، فيقول له: آسف الذي وجدته (١٠٠٠) دولار وليس (١٠٠٠) جنيه.

стр. 734

حكم لقطة الحيوان لقطة الحيوان لها أحكام: فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة يذهبون إلى القول بعدم التقاط الحيوان؛ للنهي الوارد عن ذلك، ولكن النهي ليس على إطلاقه بدليل أن النبي ﵊ في حديث زيد بن خالد الجهني في الصحيحين: (لما سئل عن ضالة الغنم قال: هي لك أو لصاحبك أو للشيطان). وفي رواية: (أو للذئب). وسئل ﵊ عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر). فالأصل أن النهي الوارد عن التقاط الحيوان إما أن يكون متعلقاً بالإبل وفي هذه الحالة لا يكون متعلقاً بما دون الإبل. والسؤال هنا: هل يقاس على الإبل غيرها، وهل يقاس على الشاة غيرها؟ إذا قلنا: إن الإبل ليست محل التقاط إلا إذا خيف عليها الهلاك من كبار السباع وغيرها، أو هلاك عام بالحرق أو الغرق أو شيء من ذلك في حال الهلاك العام والدمار العام فإنما ذلك يكون بإذن الإمام كما هو مذهب جماهير العلماء. أما الشاة فإنها تلتقط وكذا من كان في مثل حكمها، فالشاة ضعيفة، وكذا المعز، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها حتى من صغار السباع، فالكلب قد يتسلط على شاة ويأكلها، أو ذئب أو سبع أو أسد. أما صغار السباع لو تسلط على حمار كبير أو تسلط على بقرة أو جاموسة كبيرة أو بعير فإن هؤلاء جميعاً يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ولذلك البعير يقاس عليه من الحيوانات من كان في مثل قوته ويستطيع الدفع، فهذا لا يلتقط، والشاة يقاس عليها من كان في مثل ضعفها ممن لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أذى صغار السباع. إذاً: الصحيح أنه لا يجوز لقط الإبل، لما ورد مرفوعاً من حديث زيد بن خالد الجهني: (مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها). أما ضالة الغنم فيجوز التقاطها؛ لما ورد في حديث زيد: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب). وقاس عليها الجمهور ما يشبهها في الضعف واحتمال الضياع.

стр. 735

حكم لقطة الحاج ورد في الحديث: (نهى النبي ﵊ عن لقطة الحاج)، وهذا الحديث الذي جاء في الصحيحين يقيده قوله ﵊ في حديث أبي هريرة ﵂ مرفوعاً في لقطة مكة قال: (ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد) يعني: لا يحل لأحد أن يلقط لقطة مكة إلا إذا كان بنية الإنشاد والتعريف. والحمد لله تعالى. إذاً: لا يحل التقاط لقطة مكة على سبيل التملك إنما على سبيل الإنشاد. والحكومة السعودية الآن سهلت عليك أمر هذه اللقطة بتخصيص أماكن في الحرم لوضعها فيها، فمن وجد شيئاً يلتقطه ولا حرج، وعليه أن يذهب به إلى هذه الأماكن، وبذلك تبرأ عهدته من هذه اللقطة. وقد ذكرنا أن من أركان اللقطة: الركن الأول: هو اللقط. والركن الثاني: الملتقط. والثالث: هو الملقوط أو الملقط. فالملتقط: وهو من له أهلية الاكتساب أو الاحتفاظ والتملك، ويشترط فيه أن يكون حراً مسلماً مكلفاً أميناً. ومن أهل العلم من أجاز التقاط الذمي إذا كان أميناً؛ لأنه من أهل الاكتساب والتملك تماماً كالمسلم، وكذلك الصغير والمجنون والسفيه إذا التقط واحد منهم مالاً ضائعاً ثبتت يده عليه لكن يتصرف فيه الوصي أو الولي بلا شك. فإذا كان الملتقط ليس واحداً وإنما هو اثنين أو ثلاثة أو جماعة من الناس، فلها حكم آخر، فلو التقط اثنان مالاً ضائعاً ثم ترك أحدهما حقه منه للآخر لم يسقط حقه، ولو أقام كلاهما البينة على أنه هو الملتقط وحده ولا تاريخ في البينتين تبقى اللقطة لمن هي بيده؛ لأنه صاحب اليد عليها. ولو أمر إنساناً آخر بالتقاط شيء رآه فالتقطه فاللقطة إن قصد أنها له فإن الملتقط يناوله إياها، وإن قصد أن يلتقطها وتكون في حوزته فهي للذي التقط، وإن رأياها جميعاً فبادر أحدهما فأخذها، أو رآها أحدهما فأعلم بها صاحبه فأخذها فهي للآخذ وليس للرائي؛ لأن استحقاق اللقطة بالالتقاط لا بالرؤية. وهذا الحكم الشرعي وهو أن اللقطة لمن التقط وليس لمن رأى. وإذا رأيت اللقطة وسبقتك يد إليها، تكون لصاحب اليد ولا تكون لصاحب العين. الركن الثالث من أركان اللقطة: الملقوط الذي هو المال المحترم غير المحرز، الذي لا يعلم الواجد مستحقه، وهو إما حيوان ويسمى ضالة، أو غير حيوان ويسمى لقطة. أما المال المباح فلا يكون لقطة؛ لأنه ليس له مالك. فإذا تحققت الأركان الثلاثة السابقة نكون قد حققنا معنى اللقطة اصطلاحاً. وإليك بعض الأمثلة: إذا أخذ ثياب غيره أو متاعه أو حذاءه قصداً أو سهواً، وترك متاعه، ولم يتعمد الآخذ الأخذ فالمتروك لقطة إن كان على سبيل الخطأ، وإن تعمد الأخذ جاز للمأخوذ حذاءه بيع المتروك واستحقاق الثمن، لكن في الغالب أن هذا المأخوذ لا يساوي شيئاً، ولكن هذا حكم شرعي على أية حال، وهو أنه يجوز لك بيع المتروك والملتقط مكان ما ضاع منك عمداً، وإن كان لا يساوي شيئاً، ويجوز بيعه والتصرف فيه. ومن ترك مختاراً دابة بمهلكة ويغلب على الظن بل تُيقن أنها ستهلك يكون قد حققنا شرط خوف الضياع أو الهلكة فيكون الالتقاط واجباً بعدما ترك صاحب الدابة دابته في مكان الهلكة وقد رأيتها وغلب على ظني هلاكها وخفت عليها الضياع. قال: ومن ترك مختاراً -أي: غير مكره ولا مجبر- دابة في مهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلصها من الهلاك فهي له؛ لأن صاحبها تركها مختاراً؛ لأنها في حكم المباح؛ لما أخرجه أبو داود بسند حسن أن النبي ﷺ قال: (من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعرفوها فتركوها فأخذها فأحياها فهي له) والحديث صحيح، وهذا مذهب الحنابلة. ومعرفة اللقطة يكون كما قال ﵊: (اعرف عفاصها ووكاءها). والوكاء: هو الخيط الذي يربط به العفاص. والعفاص: الوعاء الذي تكون فيه اللقطة. ويلحق بذلك كل ما يلزم لمعرفة اللقطة ويبين أوصافها مثل جنسها ونوعها وقدرها وما تتميز به عن غيرها، وكل هذا لمعرفة صدق أوصافها إذا ادعي ملكيتها. قال الحافظ: اختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء أظهرهما الوجوب. والتعريف مرتين تعريف خاص بالناس عموماً، ويتوسط فيه المعرفة ببعض الأوصاف دون البعض، أما التعريف الذي يلزمني أنا كملتقط أن أعرفك تعريفاً دقيقاً مفصلاً مخافة أن أموت أو مخافة أن أنسى أوصافها. وعند التعريف باللقطة استحب بعض أهل العلم كتابة أوصافها خوف النسيان، وهذا قول أحمد، والنووي أما كيفية التعريف فهي أن يذكر الملتقط للناس عينها ولا يبين أوصافها بل يذكرها بوصف عام، وأجاز الحنابلة ذكر جنسها من ذهب أو فضة، وقالت الشافعية: تفصل ذكراً أو أنثى، أو يذكر بعض الأوصاف ولا يفصل بالاستيعاب، ويستثنى من هذا الوجوب ما يلي: ما يعلم أن مالكه لا يطلبه وإن كان مالاً مثل: قشر الرمان أو النوى ونحو ذلك مما يرميه الناس ولكنه إذا وجده في يد الملتقط فله أن يأخذه. يعني: صاحب قشر الرمان أو قشر البطيخ الذي رماه هو ربما رماه ليرجع إليه فالتقطه آخر فوجد ا

стр. 736

مدة تعريف اللقطة وزمنها مدة التعريف: مدة تعريف الملتقط للقطة سنة، كما قال ﵊: (عرفها سنة). وهذا محل إجماع، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً، ولا بأس أن تزيد على مدة الوجوب سنة، ويستثنى من هذا الأصل إذا كانت اللقطة يسيرة فيعرفها ثلاثة أيام أو زمناً يظن بعده أن فاقدها لا يطلبها، ويستثنى أيضاً ما يخشى فساده إذا كان كثيراً أو يسيراً كالفاكهة والخضروات فإنه يعرفها مدة لا يخشى فيها عليها الفساد، وهذا قول الحنفية والحنابلة. زمن التعريف: يكون التعريف في الأوقات المناسبة كالنهار حيث محفل الناس ومجمع الناس أو في المكان الذي يسموه في الريف الصاري، وهو مجمع الناس، ويتكرر بالقدر الذي يحصل به مقصد التعريف؛ حتى يغلب على الظن وصول الخبر إلى صاحبه، ويكون ذلك كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر كلما توفر لك ذلك. قال ابن الهمام: اعلم أن الأمر بتعريفها سنة يقتضي تكرار التعريف عرفاً وعادة، والتعريف واجب على الفور. يعني: بمجرد أن تلتقط اللقطة لا يجوز تأخيرها عن زمن تطلب فيه اللقطة عادة، فالشخص لما يركب سيارة وينسى فيها حاجته كالحقيبة التي فيها أمواله وفيها أوراق وفيها وفيها، ثم إذا نزل في محطة الوصول أدرك أنه نسي الحقيبة فإنه يبحث عنها في محطة الوصول ومحطة المغادرة في نفس اللحظة والتوقيت فحينئذ يجب على الملتقط أن يعرفها في نفس اللحظة والتوقيت، ويكتب في ورقة عظيمة وضخمة أو قطعة من القماش كبيرة وتكون معلقة وبخط واضح إعلاناً عنها، وإذا سقطت الورقة أو القماش يعلقها مرة أخرى حتى يتمكن صاحب الحاجة من معرفتها إما في مكان المغادرة أو في مكان الوصول، ويعطي خبراً لكل سائق، فطريقة التعريف لكل ضائع أو لكل ضالة أو ملتقط إنما تكون على حسب غلبة الظن في وصول الخبر إلى صاحبها، والذي يتولى التعريف هو الملتقط أو نائبه، وإذا كان الملتقط صبياً فلا يتولى ذلك إلا الوصي أو الولي.

стр. 737

ذكر أقوال أهل العلم في ضمان اللقطة ومؤنة التعريف بها مؤنة التعريف: بعض العلماء يقولون: إن الملتقط إذا التقط شيئاً وغرم فيه لا يجوز له الرجوع على صاحب المال. وبعض أهل العلم يقولون: بل له الرجوع إلى صاحب المال الضائع أو الخصم من الملتقط. وهذا الذي يترجح عندي. أن اقتطاع مؤنة التعريف من المال الملتقط أو من صاحب هذا المال، فاللقطة التي بيد الملتقط مضمونة إن كان قد التقطها بنية حفظها وردها لصاحبها فهي أمانة والأمانات لا تُضمن خاصة إذا قام الملتقط أو الأمين بحفظها أو صيانتها. ومن التقط شيئاً بنية الحفظ والرعاية والصيانة لكنه هلك لظرف خارج عن الإرادة فلا ضمان حينئذ؛ لأن الملتقط أمين والأمين إذا قام بواجب الأمانة فإنه لا يضمن في جميع الأموال والممتلكات، وإن كان قد التقطها بنية أخذها لنفسه وعدم ردها إلى صاحبها فهي مضمونة، وإذا التقطها بنية الحفظ والرد إلى صاحبها فلا ضمان عليه عند الحنفية والمالكية، ومن أخذها ثم ردها إلى مكانها فالراجح أنه يضمن ذلك؛ لأنها بعد أن كانت لقطة صارت أمانة في يده فلا يجوز له التصرف بهذه الأمانة حتى يظهر صاحبها؛ لأن الشرع لم يأذن له بردها إلى مكانها، وإنما أوجب عليه الحفظ والتعريف، وهو بفعله هذا قد خالف الشرع في ذلك. وبعض أهل العلم يقولون: لا ضمان عليه. والذي يترجح لدي وجوب الضمان عليه؛ لأنه فرط في الأمانة.

стр. 738

مسألة نماء الضالة وهنا مسألة ملحقة بهذا: وهي نماء الضالة: فأقول: النماء له حالتان: إما أن يكون متصلاً بالضالة أو منفصلاً، فالنماء المتصل بالضالة كالسمن، لما التقطت النعجة أو الخروف أو المعز أو ما شابه ذلك لابد لحفظها ورعايتها أن أطعمها وأسقيها وهذا يكون لمالكها إذا استردها؛ لأن هذا نماء متصل بها لا يمكن انفصاله، فمن وجد شاة عشاراً ثم بقيت فترة حتى وضعت حملها، فهذا الحمل أصل ثباته كان قبل الالتقاط، ففي هذه الحالة إذا وضعت الشاة حملها عندي صار هذا النماء منفصل مع أن الأصل فيه الاتصال فهو من حق صاحب الشاة، أما إذا حصل العشار للشاة وهي عندي بعد التقاطها فهذا مال منفصل من حق الملتقط. وهناك مسائل لولي الأمر أو نائبه في أصل ضوال الإبل وما يشبهها في الامتناع من صغار السباع على وجه الحفظ لصاحبها ولا يلزم ولي الأمر تعريفها؛ لأن هذا مال الأصل فيه أنه لا يلتقط وإنما التقطه الوالي أو السلطان لمخافة الهلكة. ولابد أن يعرف الناس أن المال الذي ليس محلاً للالتقاط إذا ضاع يُسأل عنه في الأماكن العامة. أي: عند السلطان، وعلى ولي الأمر أن يجعل لها حمى ترعى فيه. أي: مكاناً للمرعى والرعاية وغير ذلك. ولو التقطها غير السلطان لم يجز له ذلك، ويكون ضامناً لها، ولا تبرأ ذمته إلا بردها إلى صاحبها، وعلى المدعي ملكيتها إقامة البينة، ولا يكتفى منه بالوصف؛ لأنها كانت ظاهرة بين الناس، فلا بد من تعريفها بوصف يتميز به عن الآخرين. أما ضالة الغنم وما يشبهها فوصفها كما يلي: أن يعجز عن الوصول إلى الماء والمرعى، وألا يمتنع من صغار السباع -هذا شرط التقاط الغنم وما يشبهها- بحيث لا يدفع عن نفسه الأذى كصغار الإبل وهي الفصيل، وصغار البقر وهي العجول، وصغار الخيل وهي الأفلاء -جمع فلو- والدجاج والأوز، كل هؤلاء لا يستطيعون دفع صغار السباع عنهم، والحكمة من أخذ ضالة الغنم هي خوف الضياع عليها إن لم يلتقطها أحد، وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها. ويخير ملتقط الغنم بين ثلاثة أمور: إما أن يأكلها وعليه القيمة، أو يبيعها ويأخذ ثمنها لصاحبها إذا ظهر، أو يحفظها بعينها لصاحبها وينفق عليها دون أن يتملكها وتكون النفقة من قبل الملتقط على جهة التطوع عند الشافعية والحنابلة وكذلك رواية عن مالك وإذا تلفت ضالة الغنم فعلى الملتقط الضمان، وهذا مذهب الجمهور، خاصة إذا قصر وإلا فلا. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 739

شرح صحيح مسلم - كتاب الرؤيا الرؤيا والحلم مخلوقان لله ، والرؤيا خلقها الله في العقل الباطن للرائي، وهي في غالبها خير، وبقدر ما يكون الرائي لها من أهل الصلاح والصدق في يقظته تكون الرؤيا صادقة، أما الحلم فإنه مما يسر به الشيطان ويفرح به، وقد يأتي فيه ما يكرهه العبد ويتكدر له، فإذا رأى ذلك شرع له التحول عن موضعه الذي نام فيه، والاستعاذة بالله من شره، وكتمانه عن الناس فلا يخبر به أحداً.

стр. 740

أحاديث في الرؤيا والحلم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه، وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع كتاب جديد وهو كتاب الرؤيا. والكتاب في اللغة بمعنى: الجمع والضم، ولذلك يقال: كتيبة، وهي التي تجمع عدداً من الجند والمعدات المتماثلة وغير ذلك فيقال: هذه كتيبة مدرعات. وهذه كتيبة مشاة. وهذه كتيبة طبية؛ لأنها جمعت المتماثلات فسميت كتيبة لأنها جمعت في أحشائها جنوداً متشابهين، وكذلك يقال للكتابة كتابة لأنها عبارة عن مجموعة من الحروف. ومعنى الكتاب في الاصطلاح: هو الجزء الذي ضم في أحشائه مجموعة من المسائل المتشابهة. فمعنى كتاب الرؤيا، أنه تضمن المسائل التي تتكلم عن الرؤيا، وقد يشمل الكتاب مئات الفصول والأبواب، وكل باب أو فصل له تعلق وثيق بمسألة الكتاب ككتاب الإيمان أو الطهارة أو الصلاة وغير ذلك، ولذلك لا يمكن أبداً أن تجد في كتاب الوضوء مثلاً مسألة لها تعلق بالحدود نهائياً؛ لأن هذا كتاب وذاك كتاب آخر.
следующие страницы →