← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مدة تعريف اللقطة وزمنها مدة التعريف: مدة تعريف الملتقط للقطة سنة، كما قال ﵊: (عرفها سنة). وهذا محل إجماع، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً، ولا بأس أن تزيد على مدة الوجوب سنة، ويستثنى من هذا الأصل إذا كانت اللقطة يسيرة فيعرفها ثلاثة أيام أو زمناً يظن بعده أن فاقدها لا يطلبها، ويستثنى أيضاً ما يخشى فساده إذا كان كثيراً أو يسيراً كالفاكهة والخضروات فإنه يعرفها مدة لا يخشى فيها عليها الفساد، وهذا قول الحنفية والحنابلة. زمن التعريف: يكون التعريف في الأوقات المناسبة كالنهار حيث محفل الناس ومجمع الناس أو في المكان الذي يسموه في الريف الصاري، وهو مجمع الناس، ويتكرر بالقدر الذي يحصل به مقصد التعريف؛ حتى يغلب على الظن وصول الخبر إلى صاحبه، ويكون ذلك كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر كلما توفر لك ذلك. قال ابن الهمام: اعلم أن الأمر بتعريفها سنة يقتضي تكرار التعريف عرفاً وعادة، والتعريف واجب على الفور. يعني: بمجرد أن تلتقط اللقطة لا يجوز تأخيرها عن زمن تطلب فيه اللقطة عادة، فالشخص لما يركب سيارة وينسى فيها حاجته كالحقيبة التي فيها أمواله وفيها أوراق وفيها وفيها، ثم إذا نزل في محطة الوصول أدرك أنه نسي الحقيبة فإنه يبحث عنها في محطة الوصول ومحطة المغادرة في نفس اللحظة والتوقيت فحينئذ يجب على الملتقط أن يعرفها في نفس اللحظة والتوقيت، ويكتب في ورقة عظيمة وضخمة أو قطعة من القماش كبيرة وتكون معلقة وبخط واضح إعلاناً عنها، وإذا سقطت الورقة أو القماش يعلقها مرة أخرى حتى يتمكن صاحب الحاجة من معرفتها إما في مكان المغادرة أو في مكان الوصول، ويعطي خبراً لكل سائق، فطريقة التعريف لكل ضائع أو لكل ضالة أو ملتقط إنما تكون على حسب غلبة الظن في وصول الخبر إلى صاحبها، والذي يتولى التعريف هو الملتقط أو نائبه، وإذا كان الملتقط صبياً فلا يتولى ذلك إلا الوصي أو الولي.

стр. 737

ذكر أقوال أهل العلم في ضمان اللقطة ومؤنة التعريف بها مؤنة التعريف: بعض العلماء يقولون: إن الملتقط إذا التقط شيئاً وغرم فيه لا يجوز له الرجوع على صاحب المال. وبعض أهل العلم يقولون: بل له الرجوع إلى صاحب المال الضائع أو الخصم من الملتقط. وهذا الذي يترجح عندي. أن اقتطاع مؤنة التعريف من المال الملتقط أو من صاحب هذا المال، فاللقطة التي بيد الملتقط مضمونة إن كان قد التقطها بنية حفظها وردها لصاحبها فهي أمانة والأمانات لا تُضمن خاصة إذا قام الملتقط أو الأمين بحفظها أو صيانتها. ومن التقط شيئاً بنية الحفظ والرعاية والصيانة لكنه هلك لظرف خارج عن الإرادة فلا ضمان حينئذ؛ لأن الملتقط أمين والأمين إذا قام بواجب الأمانة فإنه لا يضمن في جميع الأموال والممتلكات، وإن كان قد التقطها بنية أخذها لنفسه وعدم ردها إلى صاحبها فهي مضمونة، وإذا التقطها بنية الحفظ والرد إلى صاحبها فلا ضمان عليه عند الحنفية والمالكية، ومن أخذها ثم ردها إلى مكانها فالراجح أنه يضمن ذلك؛ لأنها بعد أن كانت لقطة صارت أمانة في يده فلا يجوز له التصرف بهذه الأمانة حتى يظهر صاحبها؛ لأن الشرع لم يأذن له بردها إلى مكانها، وإنما أوجب عليه الحفظ والتعريف، وهو بفعله هذا قد خالف الشرع في ذلك. وبعض أهل العلم يقولون: لا ضمان عليه. والذي يترجح لدي وجوب الضمان عليه؛ لأنه فرط في الأمانة.

стр. 738

مسألة نماء الضالة وهنا مسألة ملحقة بهذا: وهي نماء الضالة: فأقول: النماء له حالتان: إما أن يكون متصلاً بالضالة أو منفصلاً، فالنماء المتصل بالضالة كالسمن، لما التقطت النعجة أو الخروف أو المعز أو ما شابه ذلك لابد لحفظها ورعايتها أن أطعمها وأسقيها وهذا يكون لمالكها إذا استردها؛ لأن هذا نماء متصل بها لا يمكن انفصاله، فمن وجد شاة عشاراً ثم بقيت فترة حتى وضعت حملها، فهذا الحمل أصل ثباته كان قبل الالتقاط، ففي هذه الحالة إذا وضعت الشاة حملها عندي صار هذا النماء منفصل مع أن الأصل فيه الاتصال فهو من حق صاحب الشاة، أما إذا حصل العشار للشاة وهي عندي بعد التقاطها فهذا مال منفصل من حق الملتقط. وهناك مسائل لولي الأمر أو نائبه في أصل ضوال الإبل وما يشبهها في الامتناع من صغار السباع على وجه الحفظ لصاحبها ولا يلزم ولي الأمر تعريفها؛ لأن هذا مال الأصل فيه أنه لا يلتقط وإنما التقطه الوالي أو السلطان لمخافة الهلكة. ولابد أن يعرف الناس أن المال الذي ليس محلاً للالتقاط إذا ضاع يُسأل عنه في الأماكن العامة. أي: عند السلطان، وعلى ولي الأمر أن يجعل لها حمى ترعى فيه. أي: مكاناً للمرعى والرعاية وغير ذلك. ولو التقطها غير السلطان لم يجز له ذلك، ويكون ضامناً لها، ولا تبرأ ذمته إلا بردها إلى صاحبها، وعلى المدعي ملكيتها إقامة البينة، ولا يكتفى منه بالوصف؛ لأنها كانت ظاهرة بين الناس، فلا بد من تعريفها بوصف يتميز به عن الآخرين. أما ضالة الغنم وما يشبهها فوصفها كما يلي: أن يعجز عن الوصول إلى الماء والمرعى، وألا يمتنع من صغار السباع -هذا شرط التقاط الغنم وما يشبهها- بحيث لا يدفع عن نفسه الأذى كصغار الإبل وهي الفصيل، وصغار البقر وهي العجول، وصغار الخيل وهي الأفلاء -جمع فلو- والدجاج والأوز، كل هؤلاء لا يستطيعون دفع صغار السباع عنهم، والحكمة من أخذ ضالة الغنم هي خوف الضياع عليها إن لم يلتقطها أحد، وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها. ويخير ملتقط الغنم بين ثلاثة أمور: إما أن يأكلها وعليه القيمة، أو يبيعها ويأخذ ثمنها لصاحبها إذا ظهر، أو يحفظها بعينها لصاحبها وينفق عليها دون أن يتملكها وتكون النفقة من قبل الملتقط على جهة التطوع عند الشافعية والحنابلة وكذلك رواية عن مالك وإذا تلفت ضالة الغنم فعلى الملتقط الضمان، وهذا مذهب الجمهور، خاصة إذا قصر وإلا فلا. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 739

شرح صحيح مسلم - كتاب الرؤيا الرؤيا والحلم مخلوقان لله ، والرؤيا خلقها الله في العقل الباطن للرائي، وهي في غالبها خير، وبقدر ما يكون الرائي لها من أهل الصلاح والصدق في يقظته تكون الرؤيا صادقة، أما الحلم فإنه مما يسر به الشيطان ويفرح به، وقد يأتي فيه ما يكرهه العبد ويتكدر له، فإذا رأى ذلك شرع له التحول عن موضعه الذي نام فيه، والاستعاذة بالله من شره، وكتمانه عن الناس فلا يخبر به أحداً.

стр. 740

أحاديث في الرؤيا والحلم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه، وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع كتاب جديد وهو كتاب الرؤيا. والكتاب في اللغة بمعنى: الجمع والضم، ولذلك يقال: كتيبة، وهي التي تجمع عدداً من الجند والمعدات المتماثلة وغير ذلك فيقال: هذه كتيبة مدرعات. وهذه كتيبة مشاة. وهذه كتيبة طبية؛ لأنها جمعت المتماثلات فسميت كتيبة لأنها جمعت في أحشائها جنوداً متشابهين، وكذلك يقال للكتابة كتابة لأنها عبارة عن مجموعة من الحروف. ومعنى الكتاب في الاصطلاح: هو الجزء الذي ضم في أحشائه مجموعة من المسائل المتشابهة. فمعنى كتاب الرؤيا، أنه تضمن المسائل التي تتكلم عن الرؤيا، وقد يشمل الكتاب مئات الفصول والأبواب، وكل باب أو فصل له تعلق وثيق بمسألة الكتاب ككتاب الإيمان أو الطهارة أو الصلاة وغير ذلك، ولذلك لا يمكن أبداً أن تجد في كتاب الوضوء مثلاً مسألة لها تعلق بالحدود نهائياً؛ لأن هذا كتاب وذاك كتاب آخر.

стр. 741

شرح حديث: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - وابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني المكي أي: نزيل مكة- جميعاً عن ابن عيينة -وهو سفيان بن عيينة أبو محمد المكي - وهذا اللفظ لـ ابن أبي عمر]. هذا الحديث رواه أكثر من واحد، والإمام مسلم رواه من عدة شيوخ منهم: عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم المروزي وابن أبي عمر إلا أن هذا السياق لواحد دون الثلاثة، وأما ألفاظ الباقين فهي على النحو من هذا السياق، وليست مثله تماماً بتمام. قال: [حدثنا سفيان وهو ابن عيينة عن الزهري -وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام الكبير المعروف- عن أبي سلمة -وهو ابن عبد الرحمن بن عوف صحابي كبير- قال: كنت أرى الرؤيا أُعرى منها]. يقال: رجل عري. أي: رجل أصابته حُمى. والمعنى: أنه أُصيب بسخونة أو بحمى غير أنه قادر على المشي [قال: غير أني لا أُزمل] أي: لا أُغطى في الفراش، من قوله ﵊: (زملوني زملوني)، وقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]. قال: [حتى لقيت أبا قتادة الأنصاري فذكرت ذلك له فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره)]. أي: لا تضره لو التزم هذه التعليمات، لكن لا بد أن تحفظ معي ما الذي يجب على من رأى حلماً يكرهه؛ ولم يأت ذلك في حديث واحد، وإنما في أحاديث شتى. قال: [(الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)] مع أن الرؤيا والحلم كلاهما مخلوقان لله ؛ لأن الخير والشر من الله ، والحلم هو الشر، وإذا كانت الرؤيا من الله ؛ فهي دليل الخير، فالرؤيا خلقها الله في تصوّر الرائي أو في عقل الرائي الباطن أو في منامه وكذلك الحلم. فالحلم مخلوق لله ، والله تعالى أراده إرادة كونية، لكن الشيطان يحضره ويُسر به ويفرح، والشيطان ليس خالقاً، والخالق الواحد هو الله ، فلا خالق غيره، فهو الذي خلق الخير وأمر به وأحبه ورضيه، ورتّب عليه الثواب، وخلق الشر ولم يرضه. ومعنى خلقه: أنه أذن في وجوده كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر وغير ذلك، فلا يكون شيء في الكون إلا بأمر الله وإذنه، لأنه ليس لأحد أن يتحرك حركة أو يسكن سكنة إلا بإذن الله ، فإن الذي يأتي المعصية يلزمه فيها عدة جهود لإتمامها، وهي: المشي على الأقدام، والبطش باليد، وغير ذلك. والقتل، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر كل هذا لا يمكن أن يتم إلا بإذن الله ، ومعنى أن الله أذن فيه مع أنه لم يحبه، بل كرهه وحرّمه، وأرسل الرسل بالنذارة والوعيد الشديد، وأنزل الكتب تحذيراً من الوقوع في هذه المعاصي، وخلق الجنة والنار، وبيّن الطريق، وأقام الحجة على العباد؛ حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بيّنة. وكذلك الحلم فإن الله ﵎ أذن في إيجاده، وكذلك الرؤيا الطيبة أذن الله ﵎ في إيجادها، ومعنى (أذن). أي: أنه أمر بخلقها في تصور الرائي أو في النائم، أما الرؤيا فلا يحضرها شيطان؛ لأنها خير، ومواطن الخير يفر منها الشيطان، أما الحلم فإنه شر ولذلك يحضره الشيطان، ويفرح به ويُسر، وإنما يغتاظ أشد الغيظ أن يرى الرجل رؤيا صالحة، فلا طاقة له بها، ولذلك يهرب من ميدانها، ويحضر في موطن يحلم فيه المرء حلماً سيئاً. وقوله ﷺ : (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) حتى لا يتصور أحدكم أن الشيطان يبتدئ الخلق في تصور الرائي أو في ذهنه أو في عقله؛ لأن الشيطان أقل من ذلك، وأنه لا يقدر أن يخلق شيئاً. قال: [(فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه)] سواء ذكر يكرهه أو لم يذكر، فالمعلوم أن الذي يرى حلماً أنه يكره ذلك، فإذا كان يحبه فليعلم أنه رؤيا صالحة، وليس أحد من الخلق يحب الحلم؛ لأن الحلم إزعاج وكوابيس ونكد وغم وهم، بل صراع وحرب بين الرائي وبين ما يراه طوال نومه، أو في جزء كبير من نومه، فيتصور -مثلاً- أن بعيراً أو أسداً أو ثعباناً يتبعه ويلاحقه، أو غير ذلك، من الذي يحب ذلك في يقظته فضلاً أن يحب ذلك في منامه؟ إن الواحد منا لو رأى حلماً على النحو من هذا أن بعيراً يجري خلفه، ثم يستيقظ فجأة فإنه يقول: الحمد لله أن هذا كان حلماً ولم يكن حقيقة، لأنه كره ذلك من قلبه. فعلاج من رأى حلماً يكرهه هو ما أخبر النبي ﵊ بقوله: [(فلينفث عن يساره ثلاثاً)] والنفث هو النفخ. وإن شئت فقل: هو كال

стр. 742

شرح حديث أبي قتادة في الرؤيا: (فليبصق على يساره حين يهب من النوم ثلاث مرات) قال: [وحدثني حرملة بن يحيى] وهو المعروف بـ التجيبي حرملة بن يحيى التجيبي، وتجيب: قرية من أعمال دمياط، وهو مصري. قال: [أخبرنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب القاضي المصري - أخبرني يونس] إذا حدث ابن وهب عن يونس فإنما هو يونس بن يزيد الأيلي. وحرف الحاء الموجود في الإسناد معناه: تحويل الإسناد، فهو اختصار لكلمة تحويل. قال: [(ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري]. قوله: (كلاهما) لا بد من ربط الإسناد الثاني بالإسناد الأول، فالإسناد الأول انتهى عند يونس بن يزيد الأيلي، والإسناد الثاني انتهى عند معمر. إذاً: يونس بن يزيد ومعمراً يرويان عن الزهري بهذا الإسناد. أي بالإسناد السابق. قال: [وليس في حديثهما أُعرى منها. وزاد في حديث يونس: (فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات)]. ومعنى يهب أي: يقوم ويفزع ويترك الفراش؛ لأن المرء قد يأتيه حلم ثم يزول وهو لا يزال في نومه؛ لأنه ليس بلازم أن يزول الحلم بزوال النوم، بل ممكن أن يزول قبل زوال النوم، فمعنى يهب من نومه هو الاستيقاظ في حال استمرار الحلم، فإذا هب من فراشه فليبصق عن يساره ثلاث مرات، وأنتم تعلمون أن لفظ العدد ثلاثة وسبعة محل اعتبار الشرع، فقد ورد فيهما الأحاديث الكثيرة جداً، وكذا بعض آيات القرآن الكريم، وقد كان النبي ﷺ يستخدمهما كثيراً في أدعية الاستشفاء وغيرها.

стр. 743

شرح حديث: (فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات) قال: [حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب -وهو المعروف بـ القعنبي نسبة إلى جده- قال: حدثنا سليمان -وهو ابن بلال المدني - عن يحيى بن سعيد -وهو الأنصاري - قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره)]. فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبل فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها]. أي: أنه كان يحلم أحلاماً فظيعة ومفزعة ومقلقة فكانت على قلبه أثقل من الجبل، ولم يكن لديه علاج لهذه الكوابيس أو الأحلام حتى سمع بهذا الحديث؛ لأنه أصيب بالداء فحصل الدواء، والنبي ﵊ يقول: (تداووا عباد الله! فما أنزل الله تعالى داء إلا وأنزل له دواء). ولذلك شرع النبي ﵊ أذكار النوم، فإنها بإذن الله تحفظ النائم من هذه الأحلام، والذي اعتاد أن يتلو هذه الأذكار ويستحضر الخشوع والخضوع والإنابة والتوبة إلى الله مع تلاوة شيء من كتاب الله حتى يكون من الأوابين أو من التوابين أو من المخبتين -كما جاء في بعض الروايات- فإنه بإذن الله تعالى يكون عليه من الله تعالى حافظ حتى يستيقظ، وهذا الحافظ من الملائكة يحرس المرء حتى يستيقظ. أما الذي يذهب إلى فراشه على غير وضوء ولا ينام على جنبه الأيمن، ولا يضع يده تحت خده، ولا يتلو شيئاً من كتاب الله ، ولا يقرأ الأذكار، بل ربما ينام على السباب والشتائم والفحش والغضب وغير ذلك، فأنى لهذا أن يهنأ بنومه؟! فكما أنه عاش في نهاره تعيساً شقياً فإنه كذلك يشقى في نومه. فيكون في شقاء دائم سواء في حال يقظته أم في حال نومه، ولكن انظر إلى عبد من عباد الله ، يحيا نهاره بطاعة الله ، وما من باب يقرب إلى الله إلا ويلجه هذا العبد، ثم يلتزم شرع الله تعالى في نومه كما التزمه في يقظته، فيرى من الله تعالى خيراً في نومه، يرى وكأنه في صحبة أهل العلم، أو يحضر مجالس العلم، أو يرى أنه مع النبي ﵊، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أو مع العشرة المبشرين بالجنة، أو يرى مشهداً يُنصر فيه دين الله ، أو يرى أنه يسبح في أنهار الجنة. وقد رأيت رؤيا في سنة (١٩٨٤م) لا زلت أُسر بها سروراً عظيماً جداً إلى يومي هذا، وكنت في تلك الآونة قد فرغت من قراءة ترجمة الإمام أحمد بن حنبل للإمام ابن الجوزي في مجلد عظيم جداً اسمه سيرة الإمام أحمد بن حنبل، حوالي (٧٠٠) ورقة، فلما فرغت من قراءة ترجمة الإمام أحمد بن حنبل إذا بأحد أصدقائي في الرؤيا يوقظني ويقول: الحق! الإمام أحمد بن حنبل في الدور الثاني وهو يحاضر، فقمت مسرعاً لأرى الإمام أحمد فلم أر أحداً إنما رأيت رجلاً وضيئاً وبديناً وحوله بعض الناس. فقلت: ليس هذا هو الإمام أحمد، فقد قرأت ترجمته، الإمام أحمد نحيف البدن، فيه سمرة، غائر العينين، عظم وجهه باد من فرط نحافته، وليس بطويل. فقال يمازحني: كم تدفع وأريك الإمام أحمد؟ قلت: أدفع كل ما معي، وأنا في ذلك الوقت لم يكن معي شيء، فقال: الإمام أحمد في الدور الذي فوق، قلت: إذاً من هذا؟ قال: هذا ابن حزم، قلت: والله هذه فعلاً الصفات التي جاءت في ترجمة ابن حزم، فصعدت إلى الدور الثاني بصعوبة شديدة جداً، والبيت الذي كنت أسكن فيه كان كبيراً جداً، فكلما نهضت تزحلقت على السلم من كثرة الأحذية، أي: أنها كانت كالجبال في مدخل هذه الشقة وفي مدخل هذا الدور، فعانيت حتى دخلت ورأيت الإمام أحمد وجلست بجواره، والكل يقول: اجلس في مكانك لا تتخطى. قلت: إنما التخطي في صلاة الجمعة واسألوا الإمام، فجلست بجوار الإمام، فتذكرت بعض إخواني الذي كان يسكن معي أنه يريد أن يرى الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن حزم، فنزلت لإيقاظه فقال لي: أنا تعبان ومشغول. فقلت له: أنت حر. وتركته. وحينما صعدت السلّم وإذا بالناس قد انصرفوا، فقصصت هذه الرؤيا على الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، فقال باللفظ الواحد: هذه بشرى خير، وأنت على الطريق، وإن كنت ستجد صعوبة في أوله، وهذه الصعوبة هي التي أدركتها على السلّم حينما تعثّرت مراراً ثم رأيت الإمام، ولكن الشاهد أن الشيخ الألباني اعتبر أن هذه بشرى خير، وظل يبكي منها ساعات طوال، وقال: يا ليتنا نرى الإمام. قلت: يا شيخ أنت رأيت من هو خير من الإمام، وهو النبي

стр. 744

شرح حديث: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) قال: [وحدثناه قتيبة -وهو ابن سعيد الثقفي - ومحمد بن رمح عن الليث بن سعد محمد بن رمح والليث كلاهما مصريان، ثم يتحول الإسناد قال: [(ح) وحدثنا محمد بن المثنى -وهو المعروف بـ العنزي أبو موسى الزمن - قال: حدثنا عبد الوهاب] يعني: ابن عبد المجيد الثقفي. ثم يتحول الإسناد ليبدأ إسناداً ثالثاً: [(ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير]. وجميع هذه الأسانيد الثلاثة كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري بهذا الإسناد. وفي حديث الثقفي وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد قال أبو سلمة: فإن كنت لأرى الرؤيا، وليس في حديث الليث وابن نمير قول أبي سلمة إلى آخر الحديث. وزاد ابن رمح في رواية لهذا الحديث: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)]. وهذا العلاج الثالث. فقد أخذنا العلاجين الأولين وهما: أن يتفل عن يساره ثلاثاً، وأن يتعوذ من شرها ثلاثاً، فقد ورد في رواية عدم ذكر العدد، وفي الرواية الأخرى ذكر فيها العدد، فلابد من جمع الروايات والنصوص في القضية الواحدة، فربما تأخذ بنص منسوخ فتأخذ منه حكماً قد نسخ وبطل العمل به منذ زمن النبي ﵊. لا بد في كل قضية من جمع أدلتها والنظر في أقوال أهل العلم من سلف الأمة فيها حتى تخرج بنتيجة واحدة، أو بعدة نتائج، وهذه النتائج بمجموعها قد قالها السلف، كأن تكون النصوص حمّالة، فيكون خلاف أهل العلم حينئذ معتبراً لا إنكار فيه.

стр. 745

جواز اختلاف الفقهاء على آراء يحتملها الدليل إذا اختلف السلف في قضية على رأيين أو ثلاثة أو أربعة وكانت هذه الآراء يحتملها الدليل فلا إنكار فيها، إنما الإنكار يكون في المنكر المجمع على أنه منكر. أما قضية اختلف فيها السلف على مذهبين كقضية الحجاب والنقاب، أو الكشف والتغطية فقد اختلفوا فيها، فلا إنكار في هذا، والأمر كله مداره على تقوى الله ، وإذا كنت من أهل العلم وطلابه فعليك أن تدرس المسألة دراسة مستوعبة، فالذي يغلب على ظنك وعقلك وقلبك فإنما هو دين الله تعالى في حقك، وغيرك يدرس القضية وينتهي إلى رأي يخالف ما أنت عليه، أيضاً بتقوى الله بعيداً عن الهوى؛ لأن صاحب الهوى آثم، فإذا ذهب أحد طلاب العلم إلى جواز الكشف، بناء على الأدلة التي استعرضها، وذهب الآخر إلى وجوب التغطية، فليس لأحدهما أن يُنكر على الآخر. وكذا وضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع. وهذا أمر ثابت بالدليل الصحيح الصريح الذي لا يحتاج إلى تأويل، وليس بلازم، فقد ورد في حديث وائل بن حجر أن النبي ﵊ كان يقوم في صلاته من الركوع حتى يستقر كل عضو في مكانه. فمنهم من قال: يستقر كل عضو في مكانه على أصل خلقته قياماً، فالذي يمشي في الشارع لا يضع يده على صدره، وإنما يمشي ويديه إلى جانبيه. ومما يساعد على ذلك: أن هذه المسألة من المسائل العملية التي ترد عشرات المرات في اليوم الواحد، فالواحد يصلي ١٧ ركعة فرضاً، ومثلها مرتين أو ثلاثاً أو يقل أو يزيد من النوافل، والنوافل والفرائض في الهيئة سواء، ومع ذلك لم يرد إلينا فيها دليل صحيح صريح، وهذه من المسائل التي لو كانت مستقرة عند السلف كان النقل فيها تواتر أو استفاض، وهذا رأي فريق من الناس. وكذا الإسبال ليس فيه سنة ثابتة، لكن من فعله فلا حرج عليه، غير أن شيخنا الألباني ﵀ قال: من فعلها فهو مبتدع. وهذا الحكم فيه مبالغة لا نقره عليها ﵀. وعلماء الحجاز قالوا: وضع اليد على الصدر بعد الرفع من الركوع سنة ثابتة عن النبي ﵊، والدليل حديث وائل بن حجر. فبالنظر إلى كل هيئة من هيئات الصلاة نجد أن المصلي على حال معين، فهو في حال قيامه قبل الركوع يضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، وفي حال الركوع قابض على الركبتين، وفي حال السجود واضع كفيه على فخذيه مشيراً بسبابة أصابع اليد اليمنى باتجاه القبلة. إذاً: كل ركن من أركان الصلاة له كيفية معينة وهيئة معينة، فإذا كنا نريد أن نلحق القيام بعد الركوع بالقيام قبل الركوع، لأنهما قيام واحد، فنستدل بحديث: (حتى يستقر كل عضو في مكانه) أي: داخل الصلاة. لأن الحديث فيه: (إذا قام من ركوعه) أو (إذا اعتدل من ركوعه)، فإنه يرجع على هيئته قبل الركوع، وكانت هيئته قبل الركوع أنه يضع اليمين على الشمال. إذاً: هذا الكلام وجيه، وحكمنا على الرأي الأول الذي يقول: ليس فيه سنة ثابتة بأنه كلام وجيه أيضاً، وهو عبارة عن استنباط واجتهاد، وليس فيه دليل صحيح صريح يحسم القضية، وحينما يعرض كلا الاجتهادين على النص فإنه يحتمل، فإذا كان الدليل يحتمل جميع هذه التأويلات فلا إنكار على من تبنى تأويلاً من هذه التأويلات، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله: إذا شاء وضع اليمين على اليسار بعد الرفع من الركوع، وإذا شاء أسدل. أي أن القضية عنده ليس فيها نص صريح، إنما هو اجتهاد والاجتهاد يحتمل النص. إذاً: هذه المسألة ليس فيها سنة ثابتة بحيث أنني لو تركتها أكون قد تركت هيئة كان عليه السلف، أو أمر بها النبي ﵊، ولو أني فعلتها لست آثماً. والشاهد الذي أريد أن أقوله: أن نربي أنفسنا دائماً على حسن التعامل مع مسائل الخلاف، فالغضب الشديد لا وجه له في الإسلام، ولا وجه له في الشرع، فأنت حينما تقرأ في أدلة الحجاب والنقاب ستجد من يذهب إلى وجوب النقاب وفي المقابل ستجد من ترجح لديه أن الكشف جائز، فلا إنكار عليه، لكنك حين تدخل على القضية وأنت عاقد العزم -قبل أن تقرأ وقبل أن تسمع شيئاً- أن النقاب واجب، وأن تاركة النقاب آثمة، فربما تقول: هي سافرة، وداعرة وغيرها من هذه الألفاظ التي نسمعها ممن لا عقل له، وممن لا يحتمل الخلاف لضيق أفقه بكلام أهل العلم. وقل أن تجد في دين الله مسألة مجمع عليها؛ ولذلك فإن كتب الإجماع قليلة جداً، وحجم كل منها صغير؛ وانظر إلى الإجماع لـ ابن المنذر لا يتعدى المائة ورقة، والإجماع لـ ابن حزم لا يتعدى المائة ورقة وهكذا؛ بل إن أهل العلم ينكرون على ابن حزم أنه عد مسائل من الإجماع وفيها الخلاف، وكذلك ابن المنذر فقد ادعى الإجماع في مسائل فيها خلاف، وتجد كتب الفقه ضخمة جداً، لوجود الخلاف. إذاً: أنت في هذا الوقت تريد تحملني في كل قضية من القضايا على رأيك أو على مذهب إمامك، وهذا الكلام لا علاقة له بالعلم قط، إنما كل إمام من الأئمة بذل أقصى جهده وبذل وسعه ثم استقر لديه أن دين الله عز وجل

стр. 746

شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان) قال: [(الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره)]. وفي هذه الرواية لم يقل ثلاثاً بخلاف الرواية الأخرى. قال: [(وليتعوذ بالله من الشيطان)]. وفي رواية: (فليتعوذ بالله من شرها). إذاً: عندنا أربع روايات: (فلينفث عن يساره ثلاثاً)، (وليتحول عن جنبه)، (وليتعوذ بالله من شرها)، (وليتعوذ بالله من الشيطان). فالمسلم يتعوذ بالله من شرها، ومن الشيطان، لأنها حلم أو رؤيا سوء، والرؤيا السوء من الشيطان، فينبغي التعوذ منه. قال: [(وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره)] أي: إنه إن فعل ذلك فإنها ليست واقعة به، ولا تصيبه بحزن ولا هم ولا غم إذا فعل ذلك. الشرط الخامس: وهو قوله ﵊: [(فإن رأى رؤيا حسنة فليبشّر ولا يخبر إلا من يحب)]، وفي رواية: (فلينشر) وهذه الرواية فيها تصحيف، وكذلك رواية أخرى: (فليستر)، لكن الصواب في الروايات: (فإن رأى رؤيا حسنة فليبشّر) أي: فليبشر بها الناس، لكن ليس كل الناس وإنما ممن يغلب على ظنك أو توقن أنه يحبك ويحب الخير لك ولا يحسدك، ولا يحصل في قلبه ضغينة ولا كراهية؛ لأن بعض الناس إذا رآك على خير كره ذلك وحسدك. إذاً: الرؤيا الحسنة من الله ، وإذا رأى أحدكم رؤيا حسنة فليبشّر، ولا يبشّر إلا من يحب، فهذان الشرطان في الرؤيا الحسنة.

стр. 747

شرح حديث: (الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب) [حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي وأحمد بن عبد الله بن الحكم قالا: حدثنا محمد بن جعفر] وهو المعروف بـ غندر ربيب شعبة أي: أنه حينما مات جعفر تزوج شعبة بن الحجاج العتكي البصري أم محمد، فـ محمد بن جعفر كان من أئمة الحديث بالبصرة، ويكفي أنه ربيب شعبة، فقد رضع العلم وهو في حجره، ولذلك كان من المكثرين عن شعبة، وكانت فيه شدة على المحدثين؛ لأنه رضع كراهية التدليس والإرسال من شيخه شعبة الذي كان يقول: لئن أزني أحب إلي من أن أُدلِّس. وفي رواية قال: لئن أشرب من بول حمار أحب إلي من أن أدلّس. وليس معنى هذا الكلام أن شعبة يدعو إلى الزنا أو إلى شرب أبوال الحمير، ولكن هذا الكلام خرج مخرج الوعيد الشديد والكراهية المتناهية للتدليس. [وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج] وهو المعروف بـ ابن جريج الأموي كان مدلساً كبيراً، قلّ أن يخلو مجلس من مجالسه إلا وفيه تدليس، فقدم محمد بن جعفر إلى مكة فجلس في مجلس ابن جريج. والمدلّس لا يقول: حدثنا ولا أخبرنا، وإنما يقول: عن فلان، وقال فلان، كما تقول: قال الشيخ الفلاني: كذا وكذا وكذا فأقول لك: هل سمعت منه؟ تقول: لا. ولكن أخبرني به فلان، لكن قولك: قال فلان ليس كذباً صريحاً، وإنما هو تمويه بأنك سمعت، فالمدلس يستخدم مصطلحات توهم السماع ولا يزعم فيها السماع، فإذا قال المدلس قال فلان وعن فلان استوقفناه، فإن لم يصرح بالسماع احتملنا حديثه؛ لأنه ليس كذّاباً، وإنما هو مدلّس فقط، ولذلك حديث المدلّس ضعيف، أما حديث الكذاب فهو موضوع ومكذوب ومفترى، ولا يمكن أن يرقى إلى القبول من أي طريق ولو من مائة طريق، إنما لو أتى الإسناد من مدلس من وجه آخر احتملناه، ولو صرّح المدلّس بالسماع في أحد الوجوه ولم يصرّح بالوجه الآخر احتملناه. فكان ابن جريج يقول: قال فلان، وعن فلان، فيقول له محمد بن جعفر: أسمعت منه؟ فيقول: لا. إنما هو من فلان، حتى قال مرة: عن فلان، فقال ابن جعفر بيده: أي: أنه أشار بيده. فقال ابن جريج لـ محمد بن جعفر: يا غندر! وغندر في لغة أهل مكة هو المشاغب، فغلب هذا اللقب على محمد بن جعفر. [قال محمد بن جعفر: حدثنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً)]. إذاً: عندنا ثلاث روايات، وهي: يتفل، ويبصق، وينفث [(وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها)] أي: وليتعوذ بالله مرة من شر الشيطان ومرة من شر هذه الرؤيا حتى لا تتحقق فيه [(ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره)]. الشاهد عندنا: أن كثيراً من أصاحب النبي ﷺ رأوا أحلاماً أو رؤيا سوء، فأخبروا بها النبي ﵊ فعوذّهم وأولها لهم، بل إن النبي ﵊ رأى رؤيا أزعجته كما في الحديث الطويل حديث الرؤيا بعد صلاة الغداة، حينما قال: (من رأى منكم البارحة رؤيا؟) ثم قال: (فإنه قد أتاني ملكان فقالا لي: انطلق يا محمد، فانطلقت معهما حتى أتينا على تنور، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، فانطلقت حتى رأيت رجلاً يسبح في نهر من الدماء، ورجل آخر على الشط يلقمه حجراً كلما أراد أن يقترب من الشط) إلى آخره. في التحذير من الربا والزنا. فهذه رؤيا مزعجة لكن فيها مصلحة عامة، وتحذير للأمة من الوقوع في مثل هذه المعاصي، أما من كان يرى من أصحابه رؤيا سوء فيخبره بها ﵊، فهذا قد أخبر عالماً بها، وأما النهي فهو أن لا يخبر بها أحداً إذا كان لا يعبر الرؤيا، ولا بأس عليه أن يخبر بها من يفسّرها.

стр. 748

شرح حديث جابر: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها) [قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث، (ح) وحدثنا ابن رمح -وهو محمد - قال: أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر] أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي يروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄. قال: [عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)]. إذاً: الاستعاذة من شرها ثلاثاً، ومن الشيطان ثلاثاً، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه، ثم لا يخبر بها أحداً، وأما قبل أن تنام فإنما عليك بأذكار النوم وقراءة القرآن.

стр. 749

شرح حديث: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) [قال: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا عبد الوهاب -أي: ابن عبد المجيد الثقفي عن أيوب وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري وأبو تميمة اسمه كيسان السختياني البصري لكن غلبت عليه الكنية- عن محمد بن سيرين البصري عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) يعني: تتحقق كفلق الصبح. أما قوله: إذا اقترب الزمان فهو محل خلاف. فمنهم من قال: معنى اقتراب الزمان. أي: اقتراب الساعة. ومنهم من قال: هو أن يعتدل ليله ونهاره. فمثلاً: في أيام الشتاء الليل أطول من النهار، وفي أيام الصيف يكون النهار أطول من الليل، وهناك أيام يعتدل فيها النهار والليل. بمعنى: أن يكون الليل ثنتي عشرة ساعة، والنهار أيضاً ثنتي ساعة. وفي الحقيقة الكلام هذا بعيد، وربما يكون هناك تأويل آخر. ومعنى آخر وهو: إذا كاد الفجر أن ينفلق، وانصرم الليل وكاد النهار أن يقبل. والرؤى في هذا التوقيت أي قُبيل الفجر أو بعد صلاة الفجر إنما فيها المبشرات كما ذكره أهل العلم في كتبهم. فهذا هو التأويل الثالث، والذي يترجّح مما سبق هو: إذا اقتربت الساعة. قال: (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) أي: أن أحسنكم رؤيا أحسنكم حديثاً، ولذلك فإن اهتماماتك في اليقظة تظهر عليك في الرؤيا. أي: حينما ننظر في الإمام البخاري فقد كان العلم يجري في دمه حتى ما يترك عرقاً ولا مفصلاً إلا ويجري فيه، ولذلك كان يقول: كنت أستيقظ من النوم في الليلة عشرين مرة، فكان حين ينام يغفو غفوات، ومن قبله كان يفعل ذلك عمر ﵁، حتى أشفق الصحابة على عمر فقال: إذا نمت بالليل ضيّعت حظي. أي: مع الله ، وإذا نمت بالنهار ضيّعت الرعية، فكان يغفو غفوات تارة في النهار بالقيلولة، وتارة في شيء يسير جداً في الليل. فالإمام البخاري يقول: كنت أستيقظ في الليلة الواحدة أكثر من عشرين مرة، فيوقد السراج ويسجل الخاطرة. والخاطرة بمعنى فائدة أو نكتة حديثية أو فقهية أو شيء من هذا، وهذا يدل على أنه لم يكن يهنأ بالنوم. فاهتماماتك تظهر عليك بالليل، فالذي يهتم بشرب الخمر -عياذاً بالله- يرى في نومه أنه يشرب الخمر، والذي يهتم بقراءة القرآن وطلب العلم وغير ذلك يرى أنه جالس في مجالس العلم، لأن هذا اهتمامه، ولأن حياته قامت على هذا، والذي يهتم أيضاً بجمع الدنيا يرى أنه يلهث يميناً ويساراً خلف صفقة أو غير ذلك، والذي يهتم بمنظره وجماله فوق ما أمر الشرع يرى ذلك، ولذلك نهى النبي ﵊ عن الإرفاء كما في حديث أبي الدرداء وسلمان الفارسي: (نهى النبي ﷺ عن الإرفاء). وهو: أن يرجّل الرجل شعره دائماً. طبعاً نحن لا ننهى عن التجمّل، فالله جميل يحب الجمال، وطيب يحب الطيب، لكن لا تكن حياتك كلها أمام المرآة؛ لئلا تصاب بالوساوس. وبعض المصلين يصاب بالوسواس في داخل الصلاة، فيتحرك حركة مستمرة، ولذلك الأئمة يقولون: الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، واختلفوا في الكثرة، ومرجعها إلى العُرف، والأصل في المصلي أن يقف بإخبات وذل وخضوع لله! وبعض المصلين في السعودية يكثرون من الحركة في الصلاة ويقولون: هذه حركة قليلة؛ لأن الشعب كله هكذا، فهذا مما عمت به البلوى. أما في غير السعودية فإننا نتجرأ على الحكم بإبطال صلاته وأمره بالإعادة، لكن هناك لا نتجرأ؛ لأن العلماء هناك للأسف الشديد يتأسفون لهذا، ولذلك فإن أهل العلم وطلاب العلم لا يفعلون ذلك هناك إلا الجاهل من طلاب العلم بحكم المسألة، إنما أهل العلم ينهون عن ذلك هناك ويتأسفون جداً لما يحدث. ومما يحدث أيضاً ويزيد الطين بلة: هو الالتفات. كنت مرة أصلي الجمعة في الحرم والازدحام شديد جداً، وضغطوني حتى انحرفت لكني بقيت أصلي مؤدياً للركوع والسجود، ثم انفلت من الصف، فالذي على شمالي دفعني دفعاً حتى انحرفت يميناً لكني على أي حال ما زلت محاظفاً على التوجه للقبلة، ثم إنني اندفعت رغماً عني فقال لي أحد المصلين: كبّر مرة أخرى يا شيخ، وكنا في الركعة الثانية فاستمريت في صلاتي حتى سلمت مع الإمام، فقال لي ذلك الشخص: أنت الآن يلزمك أن تصلي الظهر مرة أخرى. قلت: يا شيخ أنا اندفعت رغماً عني ولو أن واحداً أخذني بعنقي ولف بي هذا المسجد وأنا كاره لذلك حريص ألا يكون مني ذلك فإن صلاتي صحيحة ولا يلزمني شيء. قال: لا. بل اذهب إلى أهل العلم. قلت: أنت الآن تصدّق أهل العلم؟ قال: طبعاً أهل العلم كيف ننكر عليهم؟ قلت له: تعال! وذهبت إلى الشيخ علي الهندي ﵀، فقال لي الشيخ: لا شيء عليك وصلاتك صحيحة. قال: كيف يا شيخ أنت تفتي هذا بذلك؟ قلت: هل تريد أن نذهب إلى شيخ آخر؟ قال: نعم. قلت: أريد أن

стр. 750

معنى قوله: (ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة) وذكر أنواع الرؤيا قال: [(ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)]. وفي رواية: (رؤيا المؤمن جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة). وليس معنى هذا أنك حينما ترى خمساً وأربعين رؤيا أنك نبي! وإنما هي مبشرات، فالنبوة انقطعت بنبينا ﵊، وإنما يبقى لنا المبشرات في الرؤيا الصالحة. قال: [(والرؤيا ثلاثة)] أي: ثلاثة أنواع [(فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان)] يعني: الحلم السيئ أو الرؤية السيئة من الشيطان تصيبك بالحزن والهم والغم، [(ورؤيا مما يحدث المرء نفسه)] أي: أنها ليست من المبشرات ولا هي رؤيا سوء من الشيطان، إنما يرى المرء في منامه أنه يلوم نفسه، أو يحدث نفسه بحديث، أو يأمر نفسه بأمر، أو ينهاها عن نهي، أو يوبّخ نفسه أو غير ذلك. قال: [(فإن رأى أحدكم ما يكره)] وهو من الشيطان [(فليقم فليصل)] أي: فليصل ركعتين. وهذا الشرط السادس. ولا بد من الوضوء فهو عبادة مستقلة عن الصلاة، ومع استقلال الوضوء عن الصلاة إلا أنه شرط في صحة الصلاة، ولا تعلق له بالصلاة، ولذلك فإن الشرع رتّب على الوضوء ثواباً معيناً ورتب على الصلاة ثواباً آخر، فهذا يدل على أن الوضوء عبادة مستقلة. ولا تلزمك الصلاة إلا إذا حضر الوقت، لكنك إن صليت العشاء وتوضأت بعدها فلا تلزمك صلاة، ولو كان الوضوء مع الصلاة عبادة واحدة فلا يصح منك الوضوء إلا إذا صليت، لكن هذا لا يلزمك ولست مكلفاً به. قال: [(فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس)] أي: بالرؤيا، أو الصلاة، ففي اللغة العربية أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وأقرب مذكور في النص هو الصلاة، والمعنى: ولا يحدث بهذه الصلاة الناس. أي: أنه يصلي صلاة سرية، فيقوم يصلي ركعتين لله بإخلاص وتوجه لله، وهذا الكلام مقبول، وهذا النص يحتمله. والقول الثاني: الرؤيا أي: ولا يحدث بهذه الرؤيا السوء الناس، حتى لا تضره. وحمل الإطلاق هنا على ما جاء مقيداً في الروايات السابقة، وهذا الكلام وجيه. والرأي الأول وهو: ولا يحدث بالصلاة الناس. هذا الرأي لم أقرأه لأحد وإنما هذا أخرجته من عند نفسي، فإن شئت أن تأخذه لنفسك فلك ذلك وإلا فأنا أقول النص يحتمله وإن لم أطّلع عليه لأحد من الناس، والذي يترجّح لدي هو مذهب العلماء، وهو أن الضمير يعود على الرؤيا.

стр. 751

معنى قوله: (وأحب القيد وأكره الغل) قال: [(وأحب القيد وأكره الغُل، والقيد ثبات في الدين)]. إما أن يكون هذا الكلام مرفوعاً وإما أن يكون موقوفاً. أي: أن هذه الرواية مدرجة، وقد يكون هذا من كلام النبي ﵊. والمسألة محل نزاع، والراجح أنه كلامه ﵊. والقيد دائماً يكون في القدم، والغُل يكون إما في اليد وإما في العُنق، وفي الغالب يكون بربط اليد في العنق، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩] يعني: مربوطة. فالنبي ﵊ يحب القيد، يحب أن يرى رؤيا أنه مُقيد من قدمه؛ لأن القيد ثبات في الدين. أي أنك إذا كنت في مجلس علم وأردت لتقوم تجد نفسك مربوطاً، تريد أن تنصرف من مجلس العلم لكن الله تعالى أراد بك أن تثبت في طريق الطلب، ورأيت في نومك أنك مقيد من قدمك في مكان مجلس العلم، أو مجلس الذكر، أو مجلس يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، بخلاف الغُل، فإنه يدل على البخل والشح وغير ذلك، ولذلك اليهود عليهم لعنة الله سبوا الله ﵎ فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]. [قال: فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين].

стр. 752

شرح حديث: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) [وحدثني محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب بهذا الإسناد، وقال في الحديث: قال أبو هريرة: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين. وقال النبي ﵊: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)]. ورد أنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وورد أنها جزء من خمسة وأربعين، وورد أنها جزء من سبعين من رواية عبد الله بن عمر، وغير ذلك. قال القاضي عياض: (أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءاً من ستة وأربعين جزءاً، والفاسق جزءاً من سبعين جزءاً على اختلاف درجة إيمان الرائي).

стр. 753

باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام (باب: لا يخبر بتلعّب الشيطان به في المنام). أي: إذا رأى أحدنا شيئاً يكرهه فإنما هو من الشيطان، فلا يخبر أحداً به؛ لأن هذا من إخبار الغير بتلعّب الشيطان. [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث وحدثنا ابن رمح أخبرنا ليث عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال لأعرابي جاءه فقال: (إني حلمت أن رأسي قُطع فأنا أتّبعه)] أي أنني رأيت في الرؤيا أن رأسي قُطع وأنا أجري خلفه أتبعه. [(فزجره النبي ﷺ وقال: لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام)] أي: أن هذا من الشيطان فلا تخبرن به أحداً. وفي رواية أبي سفيان عن جابر قال: [(جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضُرب فتدحرج، فاشتددت على أثره)] أي: وأنا أعدو خلفه أطلبه. [فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: (لا تحدث الناس بتلعّب الشيطان بك في منامك)]. لكن لا بأس أن يحدث العالم كما حدث النبي ﷺ . [وقال: سمعت النبي ﷺ بعد يخطب فقال: (لا يحدثن أحدكم بتلعّب الشيطان به في منامه). وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج قالا: حدثنا وكيع -أي ابن الجراح العتكي الكوفي - عن الأعمش وهو سليمان بن مهران الكوفي عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قُطع. قال: فضحك النبي ﷺ وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس). وفي رواية أبي بكر: (إذا لُعب بأحدكم ولم يذكر الشيطان)]، قوله: (إذا لُعب) مبني للمجهول، وفاعله مسمى في الحديث الآخر وهو الشيطان. يعني: إذا لعب الشيطان بأحدكم فلا يحدث به الناس. يقول الإمام النووي: (قال المازري: يُحتمل أن النبي ﵊ علم أن منامه هذا من أضغاث الأحلام -وهي التخاريف- بوحي أو بدلالة من المنام دلّته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحزين الشيطان. وأما العابرون الذين يعبرون ويفسّرون الرؤى والأحلام فيتكلمون في كتبهم على قطع الرأس ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم). ففي تفسير الأحلام مثلاً لـ ابن سيرين يفسر قطع الرأس بمعنى أنه يزول عنك النعيم الذي أنت فيه.

стр. 754

شرح صحيح مسلم - كتاب الشعر - حكم الشعر والأناشيد والنرد الكلام إما منظوم أو منثور، وكل منظوم في العادة أفضل مما يوازيه من المنثور، والشعر كما كانت له مكانته عند العرب في جاهليتهم كانت له مكانته في الإسلام، إلا أن الإسلام هذب أغراضه واستعمله سلاحاً للدفاع عن الدين، والذب عن الملة.

стр. 755

كتاب الشعر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فقد اختلف الناس في الشعر، فمنهم الذام له مطلقاً، ومنهم المادح له المكثر منه مطلقاً. والصواب: الاعتدال بين الأمرين، فما كان منه حسن ويدعو إلى مكارم الأخلاق ويبين مسائل التوحيد والعقيدة فلا شك أنه ممدوح وإن كثر، وما كان يدعو إلى الرذيلة والهجاء لأهل الإيمان وغير ذلك فلا شك أن هذا مذموم كل الذم.

стр. 756

شرح حديث الشريد بن سويد في طلب النبي ﷺ منه إنشاده شعر أمية بن أبي الصلت قال المصنف ﵀: [حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى العدني نزيل مكة- كلاهما عن ابن عيينة -أي: أن كلاً من عمرو وابن أبي عمر يروي عن ابن عيينة، وهو سفيان بن عيينة أبو محمد المكي المدني - قال: قال ابن أبي عمر: حدثنا سفيان -يعني: سفيان بن عيينة - عن إبراهيم بن ميسرة] وهو من الطائف، نزل مكة واستقر بها، فتلقى عنه سفيان بن عيينة. قال: [عن عمرو بن الشريد]. وهو أبو الوليد الثقفي الطائفي، من ثقيف، من الطائف، وقبيلة ثقيف كلها كانت تسكن الطائف، فكل من كان ثقفياً فهو طائفي إلا ما ندر. قال: عن عمرو بن الشريد عن أبيه -وهو الشريد بن سويد ﵁ شهد بيعة الرضوان- قال: (ردفت رسول الله ﷺ يوماً)]. أي: ركبت خلفه على الدابة. وهذا يدل على جواز أن يركب على الدابة اثنان أو أكثر أياً كانت هذه الدابة: حماراً بغلاً فرساً دراجة أو غير ذلك؛ لأن بعض الناس يتحرج أن يركب خلف أخيه على الدابة ويقول: المماسة إما تفيد الكراهة أو التحريم، وهذا كلام في غاية النكارة والبعد، فقد قام الدليل على جواز ذلك وفعله من هو خير مني ومنك، وهو النبي ﵊، فقد أردف خلفه قثم بن العباس، وعبد الله بن العباس، والفضل بن العباس، ومعاذ بن جبل، وأبا ذر، والشريد بن سويد، وأسامة بن زيد، ووالده زيداً، وبلال بن رباح، وأنس بن مالك وغيرهم كثير جداً، ولا فرق بين الدراجة وبين الحمار الذي سماه النبي ﵊ (يعفور)، والذي يفرق إنما يفرق بغير دليل، والذي يحرم أو يكره إنما يحرم أو يكره كذلك بغير دليل، والأصل في ذلك الجواز. ولذلك لفت نظر ابن منده كثرة إرداف النبي ﵊ لأصحابه خاصة من الصغار، فصنف رسالة أسماها: (الأرداف)، ويمكن أن تقرأ: (الإرداف)، فسواء هذا أو ذاك، فقد جمع ابن منده في هذه الرسالة العظيمة جداً التي بلغت حوالي أربعين نصاً وزيادة جل من أردفهم النبي ﵊ خلفه على الدابة، وأحاديثهم التي دارت في حال الإرداف، وهذا يدل ضرورة على أهمية هذا الأمر والاعتناء به، وحرص السلف على فعل ذلك، بل هو باب من أبواب الرحمة بالنسبة للصغار، وباب واسع جداً من أبواب الملاطفة للكبير، وتصور أن عظيماً يأخذ وراءه من هو أقل منه عظمة، وأن كبيراً يأخذ خلفه من هو أقل منه كِبَراً في القدر أو في السن، فهذا معاذ بن جبل أردفه النبي ﵊ خلفه على الدابة وقال: (يا معاذ بن جبل! أتدري ما حق الله على العبيد؟ قلت: الله ورسوله أعلم). وذكر الحديث بطوله. فتصور أي شرف لـ معاذ بن جبل أن يقول: أردفني النبي ﷺ خلفه على الدابة. ففيه باب من أبواب الملاطفة ومن أبواب الموادعة، وهو عظيم جداً في تأليف القلوب. وهذه الرسالة، أعني: (الإرداف)، قد حققتها منذ اثني عشر عاماً ولم تر النور إلى الآن، ولعل من استلمها مني يمن علينا قريباً بطبعها. قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟)]. أي: هل تحفظ شيئاً يا شريد من شعر أمية بن أبي الصلت؟ [قلت: نعم. قال: (هيه)]. أي: هات، أو اقرأ، أو اقرض. وقرض الشعر أولى من قراءته، لكن لا يقال: اقرض إلا لمن قرض الشعر نفسه، أما من حفظه فيقال: حافظ أو قارئ أو غير ذلك. و (هيه) بكسر الهاء وإسكان الياء وكسر الهاء الثانية، ومعناها: هات ما عندك. [(قال: فأنشدته بيتاً. فقال: هيه -أي: زد- ثم أنشدته بيتاً. فقال: هيه. حتى أنشدته مائة بيت). قال: وحدثنيه زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- وأحمد بن عبدة جميعاً عن ابن عيينة -يعني: كلاهما يروي عن سفيان - عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد أو يعقوب بن عاصم]. أي: أن إبراهيم بن ميسرة إما أن يكون روى عن عمرو بن الشريد أو عن يعقوب بن عاصم ولا يضر، والذي يترجح أنه روى عن عمرو بن الشريد؛ لأن معظم الروايات إنما ذكرت عمرو ولم تذكر يعقوب بن عاصم. [قال: عن الشريد قال: (أردفني رسول

стр. 757

شرح حديث أبي هريرة: (أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد) قال: [حدثني أبو جعفر -وهو محمد بن الصباح - وعلي بن حجر السعدي جميعاً عن شريك، قال ابن حجر: أخبرنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة]. وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبوه صحابي كبير ﵁ وعن أبيه. [قال أبو سلمة أي: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن أبي هريرة ﵁]. وأبو هريرة نجم وعلم من أعلام الصحابة مع قلة صحبته للنبي ﵊، فإنه لم يصحبه إلا أربع سنوات؛ لأن أبا هريرة أسلم في العام السابع من الهجرة، وأتى من بلاد دوس باليمن واستقر بالمدينة، بل دخل أبو هريرة المدينة والنبي ﵊ راجع من غزوة خيبر، فلزمه أربع سنوات أو أقل من ذلك، لكنه لزمه على ملئ بطنه أو على شبعه، ولذلك قال أبو هريرة ﵁: إنما شغل إخواننا من الأنصار زراعتهم وشغل إخواننا المهاجرون تجارتهم ولم يشغلني عن رسول الله ﷺ شاغل، وإنما لزمته على ملئ بطني. فضلاً أن النبي ﵊ قد دعا له. وقد أسلم أبو هريرة قبل أمه، وكانت أمه تحاربه في دينه وإسلامه، فلما جاء أبو هريرة إلى النبي ﵊ في المدينة وجده بخيبر، فانطلق من المدينة إلى خيبر، ووجدتهم قافلون إلى المدينة، فقال النبي ﵊: (مرحباً بـ أبي هريرة، فرحب بـ أبي هريرة ﵁. وقال: يا أبا هريرة! ألك عندنا حاجة؟ قال: يا رسول الله! ادع الله لأمي. قال النبي ﵊: اللهم حبب أبا هريرة إلى المؤمنين وحبب المؤمنين إلى أبي هريرة واهد أمه). فانطلق أبو هريرة إلى أمه فرحاً يبكي بهذا الدعاء، وكانت حينئذ قد أسلمت في وقت حضور الدعوة. ولما طرق الباب أبو هريرة قالت: من؟ قال: ولدك. قالت: انتظر حتى أتم وضوئي. فأسلمت ببركة دعوة النبي ﵊، وأتى بها أبو هريرة إلى النبي ﵊ حتى تشهد صحبته، وحتى يحصل لها شرف الصحبة. ولما رجع أبو هريرة إلى النبي ﵊ رجع باكياً؛ من فرح ما وجد في أمه، فقال النبي ﵊: (من يبسط رداءه فأدعو له فلا ينسى شيئاً بعده قط، فقال أبو هريرة: فكنت أول من بسط، فبسطت ردائي فدعا لي النبي ﵊: ألا أنسى شيئاً من العلم قط. قال: اضمم إليك ثوبك يا أبا هريرة! فضممته. قال: فما نسيت شيئاً من العلم قط) فهذه مؤهلات أو بعض مؤهلات أبي هريرة ﵁ وهو غصة في حلوق الملاحدة والزنادقة، وإنما يسعون سعياً حثيثاً للطعن في أبي هريرة، وفي حقيقة الأمر هم يقصدون الطعن في دين الله ، وإنما اتخذوا أبا هريرة بالذات قنطرة للطعن في دين الله ؛ لأنهم يعلمون أن الثقة إذا زالت عن أبي هريرة زالت الثقة بمروياته كذلك، وأبو هريرة من المكثرين، بل هو أكثر من روى السنة على الإطلاق، فهدْمُ أبي هريرة هو هدم لركن ركين، وأصول عظيمة من أصول ديننا، وهيهات هيهات! فإن هذا هو دين الله ، وهو الذي يدافع عنه كما وعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]. وأشهر الأقوال كما رجح ابن أبي حاتم ومن قبله أبوه: أن أبا هريرة اختلف في اسمه على نحو من ثلاثين اسماً، والراجح أنه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وإنما نسي الناس اسمه لغلبة الكنية عليه، وهي أبو هريرة. وسبب تكنيته بذلك أنه كان ينام في مسجد النبي ﵊ مع أهل الصفة من المهاجرين؛ لأنه كان فقيراً، وكانت هرة تداعبه وتلاعبه، وكذلك كان يداعبها ويلاعبها، فلما رأى ذلك النبي ﵊ قال: (أنت أبو هريرة). وهريرة: تصغير هرة. والهرة: هي القطة. والنبي ﵊ كان يفعل ذلك ببعض أصحابه. ومن ذلك: أنه دخل المسجد فوجد علي بن أبي طالب ﵁ نائماً على التراب في المسجد، فكان يكنيه بـ أبي تراب، مع أن كنية علي بن أبي طالب ﵁: أبو الحسن، ولكن لما غلبت عليه صفة وهيئة وحال معين أطلقها النبي ﵊ عليه من باب المداعبة والملاطفة معه ﵁. قال: [عن

стр. 758

شرح حديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد) قال: [وحدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان -وهو ابن عيينة - عن عبد الملك بن عمير، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)]. يعني: هذا في وجه آخر، إذ إنه تكلم في حديث عن أمية، ثم تكلم في حديث آخر عن لبيد، ثم جمع بينهما في حديث واحد.

стр. 759

شرح حديث: (أصدق بيت قاله الشاعر: (ألا كل شيء) قال: [وحدثني ابن أبي عمر، حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن زائدة -وهو ابن قدامة - عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (أصدق بيت قاله الشاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)].

стр. 760

شرح حديث: (لأن يمتلئ جوف الرجل قيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً) قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص -وهو ابن غياث - وأبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي - وحدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني الكوفي - حدثنا أبو معاوية، كلاهما عن الأعمش]. (وكلاهما) تعود على حفص وأبي معاوية؛ لأنه في الإسناد الأول جمع بين حفص وأبي معاوية. وفي الإسناد الثاني ذكر أبا معاوية، إذاً: أبو معاوية مكرر في الإسنادين بزيادة حفص، وعليه فـ حفص وأبو معاوية كلاهما عن الأعمش، والأعمش هو سليمان بن مهران الكوفي. قال: [وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع -وهو ابن جراح العتكي كوفي- حدثنا الأعمش، عن أبي صالح]. إذاً: الثلاثة: حفص بن غياث، وأبو معاوية الضرير، ووكيع يروون عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأبو صالح: هو الملقب بـ السمان، وهو أبو صالح السمان ذكوان المدني، واسمه ذكوان وهو مدني، ولقب بـ السمان؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت من المدينة ويبيعها في الكوفة، فلقب بـ السمان لصناعة السمن أو تجارة السمن. قال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يمتلئ جوف الرجل قيحاً يريه، خير من أن يمتلئ شعراً). قالا أبو بكر بن أبي شيبة: إلا أن حفصاً لم يقل: يريه]. وفي الإسناد الثاني، وهو إسناد سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه، خير من أن يمتلئ شعراً).

стр. 761

شرح حديث: (خذوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا ليث، عن ابن الهاد]. وابن الهاد هو: عبد الله بن يزيد بن الهاد، هكذا لغة المحدثين، فلا يقولون: ابن الهادي، وإنما يقولون: ابن الهاد، والأفصح قول اللغويين وهو: ابن الهادي، فاللغويون يثبتون الياء دون المحدثين فإنهم لا يثبتونها. قال: [عن يحنس. وهو ابن عبد الله المدني أبو موسى مولى آل الزبير، وهذا الاسم سيئ؛ لأنه مشعر بالنصرانية، وكان من المفترض أن النبي ﷺ يغيره، أليس كذلك؟! يحنس من الطبقة السابعة. أي: أن بينه وبين النبي ﵊ لا يقل عن ستين أو سبعين سنة، فكيف يغير النبي ﵊ اسمه؟! قال: [عن يحنس مولى مصعب بن الزبير، عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير]. و (بينما) هي مكتوبة (بينا) بغير الميم، لكنها تنطق (بينما) وتكتب (بينا)، والفصيح في الكتابة (بينا)، وإذا قرئت تقرأ (بينما). يعني: في الوقت الذي نحن فيه جلوس حصل كذا وكذا، كقول عمر: (بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب) إلى آخر الحديث. والمعنى: في حال جلوسنا مع النبي ﵊ إذ اطلع علينا رجل، فهذا لبيان الحال. قال: (بينا نحن نسير)، أي: بينما نحن نسير، يعني: في الوقت الذي نسير فيه مع رسول الله ﷺ ، وهذه مثل أن تقرأ: ثنا فلان، اختصار لكلمة: (حدثنا)، و (أنبا) فلان، اختصار لكلمة: (أنبأنا)، وهذا في لغة التحمل، أما في الأسماء فالأنبا منطقة سكانية. قال: [بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرْج]. والعرْج اسم قرية، وهي من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة، والفرْع هذا بجوار القصيم. قال: [بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد -يعني: خرج علينا رجل وهو ينشد- فقال رسول الله ﷺ : (خذوا الشيطان -سماه شيطاناً- أو أمسكوا الشيطان)]، ومعنى خذوا: أي: احجزوه وأمسكوه، ثم قال: [(لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً، خير له من أن يمتلئ شعراً)]. لفظ الحديث يقول: (من أن يمتلئ): إذاً: فالمذموم الإكثار، والقضية لو كانت متعلقة بالإكثار فالمرء لو أن جوفه ومعدته امتلأت قيحاً خير له من أن تمتلئ شعراً فحسب. ولذلك عندما تنظر لشخص يحب الشعر كثيراً -حتى وإن كان شعراً جيداً- فهو في ليله ونهاره يقرض الشعر ويصنع الشعر ويؤلف الشعر ويأتي إلى العروض ويصنع القوافي وغير ذلك، وهكذا حياته بالليل والنهار، وربما مضت من عمره السنين وهو على حاله هذه، وما فكر يوماً أن يأخذ كتاب الله تبارك الله تعالى بيديه ويقرأ فيه، فهذا الرجل مع اعترافنا بأنه يقصد شعراً جيداً حسناً إلا أنه مذموم، لأنه ألهاه عن ذكر الله، وألهاه عن كلام الله ، فأتت الكراهة هنا -وأنا أقول: الكراهة فقط- لأن هذا الشعر وإن كان حسناً إلا أنه ألهاه عن كتاب الله وعن سنة النبي ﵊، وإن كان شعراً قبيحاً فهو حرام؛ لأنه أولاً قبيح في ذاته، ولأنه ثانياً -شغله- عن ذكر الله. وأنا قد قلت في أول المحاضرة: إن العلماء اختلفوا في الشعر: فمنهم من مدحه مطلقاً، ومنهم من ذمه مطلقاً، لكن الصواب ما سيأتي.

стр. 762

كلام الإمام النووي في الأحاديث الواردة في الشعر

стр. 763

استحسان النبي ﷺ لشعر أمية بن أبي الصلت يقول النووي عليه رحمة الله: ومقصود الحديث: أن النبي ﷺ استحسن شعر أمية واستزاد من إنشاده؛ لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث. التي كانت مفقودة في زمن أمية، وعقيدة الإيمان بالبعث التي فقدها الدهريون قبل مبعث النبي ﵊.

стр. 764

جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه قال: [وفي هذا الحديث أيضاً: جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه، وكذلك سماعه، سواء شعر الجاهلية أو شعر الإسلام. يعني: الشعر الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق والفضائل والتوحيد وأركان الإيمان سواء كان شعراً جاهلياً قاله جاهليون كفار، أو قاله مسلمون، وعلى أية حال: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التمسها). حتى إن وجدتها عند كافر فهنيئاً لك. وليس معنى: بأنه كافر أنه لا يتكلم قط بكلام حق، أو أنه لكفره يرد عليه كلما قال، وإنما يرد القول الباطل على من قال به وإن كان مسلماً موحداً، والقول الحق يقبل من قائله ولو كان كافراً. وهذا الكلام أرجو ألا يكون شعارات نرددها، إذ إنه عند الاحتكاك العملي تظهر الترجمة العملية للإيمان بهذه القواعد التي نقر بها في أثناء الدرس، فلو قال لك رجل نصراني وأن تسرق: يا فلان! أليست السرقة حرام؟ قل له: نعم. واشكره على ذلك، ولو قال لك ذلك أيضاً يهودي فاشكره على ذلك؛ لأنه أسدى إليك معروفاً، والنبي ﵊ يقول: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، فشكر الناس من شكر الله ، أي: جزء من شكر الله ، ولذلك قال: (من لم يشكر الناس)، ولم يقل: من لم يشكر المسلمين ولا المؤمنين، وإنما الناس، ولفظ (الناس) عام يشمل المسلم والكافر، فمن أدى إليك نصيحة أو معروفاً أو قال حقاً يقبل منه ويحترم ويشكر عليه وإن كان كافراً، وأن من قال قولاً باطلاً يخالف دين الله يرد عليه وإن كان إماماً من أئمة المسلمين. وهذا الكلام لا غبار عليه، وأرجو أن يظهر هذا الكلام في ترجمة عملية عند الاحتكاك، ولذلك العلماء كلهم ذموا التعصب كله، إلا التعصب للنبي ﵊؛ لأن التعصب للنبي ﵊ خير وبركة؛ لأنه معصوم، أما أن يتعصب المرء لمن هو دونه حتى وإن كان من أصحابه ﵃ أجمعين فلا يصح هذا؛ لأن ما دون النبي ﵊ يؤخذ من قوله ويرد. لكن من الذي يأخذ من قولهم ومن الذي يرد عليهم؟ أهل العلم؛ حتى لا تظن في نفسك أنه يحق لك أن تعترض على أبي بكر وعمر وعثمان، فإياك أن تظن ذلك، فالذي يأخذ من قول العلماء هم أهل العلم وطلاب العلم النابغين، والذي يرد على العلماء هم أهل العلم وطلاب العلم النابغين، لكيلا يأتي بعد ذلك من لا يقرأ ولا يكتب ولا يحسن أن يصلي ويصوم ويقول: من أبو بكر هذا؟ هو رجل وأنا رجل، من أبو حنيفة؟ من الشافعي؟ لا، بل إنك تستحق أن تعلق برجليك إلى السقف وتضرب على رأسك إلى أن يخرج هذا النتن من عقلك، حتى لا تسول لك نفسك أن كل شخص من حقه أنه يعترض على كل أحد، فهناك أصول علمية، بل إنك بنفسك تقول ذلك. قال: (وفي هذا الحديث منقبة ل لبيد، وإظهار فضله ﵁.

стр. 765

حكم هجاء النبي ﷺ ثم يتكلم هنا ويقول: (قد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي ﷺ موجبة للكفر). وانتبه لهذا الكلام، إذ إن الذي ينقل هذا الإجماع هو النووي رحمه الله تعالى، قال: (قد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي ﷺ موجبة للكفر). يعني: من سب النبي ﷺ فهو كافر. وقد نقل هذا الإجماع ابن المنذر وابن تيمية في الصارم المسلول، وابن حزم في كتابه: الإجماع، ونقله غير واحد؛ أن سب النبي ﵊ كفر، وسب الدين كفر، وسب الله كفر، والإجماع منعقد على هذه الثلاث: أن من سب الله تعالى كفر بلا نزاع ولا استتابة، ومن سب دين الله كفر، ومن سب نبي الإسلام أو نبياً من الأنبياء كفر، لكن وقع النزاع في سب الدين، وهذا النزاع ذكره ابن تيمية عليه رحمة الله فقال: من سب الدين -مع استكمال الشروط وانتفاء الموانع- أي: لو أن شخصاً عاقلاً حراً غير مكره سب الدين فإنه يسأل: ماذا تقصد بالسب؟ هل تقصد طريقة أو خلق المسبوب؟ أو أنك تقصد دين الله؟ ولذلك أنا دائماً أقول: من سب دين الله، لا من سب الدين؛ لأن دين الله هو دينه الموجود بين دفتي القرآن الكريم وسنة النبي ﵊، فمن سب دين الله الذي هو دين الله المنزل من السماء من عند الله على رسوله الكريم بواسطة جبريل، فإنه يكفر بلا خلاف، بل بإجماع أهل العلم. وأما إن ضربك فلان فأردت أن ترد له الصاع بصاع أو بأكثر فسببت له الدين، فقلنا لك: سب الدين كفر ألا تدري ذلك؟ تقول: نعم أنا أدري أن سب دين الله كفر، ولكني ما قصدت دين الله، وإنما قصدت بسبي دين فلان أي: خلق فلان، فإنه في هذه الحالة لا يكفر بل يعزر، ليسب بأي أنواع السب إلا أن يذكر الدين، وإن قصد به الأخلاق أو المسلك أو غير ذلك، لكنه هنا على أية حال لا يكفر ولا يحد فيها حد الردة. قال: (وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي ﷺ موجبة للكفر. قالوا: بل الصواب: أن المراد أن يكون الشعر غالباً عليه -وهذا في حالة الذم- مستولياً عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، حتى وإن كان شعراً إسلامياً).

стр. 766

الانشغال بالأناشيد الإسلامية وبهذه المناسبة نعرج شيئاً يسيراً على هذه الأناشيد الإسلامية، أولاً: أنا كنت صديقاً حميماً لـ أبي مازن، وكنا نسكن بجوار بعضنا البعض في الأردن سنوات طويلة، وكذلك أبو دجانة، فهم أصدقاء أحماء لي منذ سنوات طويلة، وأنا لا أعني هذان ولا غيرهما، وإنما أتكلم في القضية عموماً، ولكني أسترشد بحال أبي مازن وأبي دجانة، فإنهما كانا يبيتان الليالي الطويلة والأيام الطويلة لا شغل لهما إلا الشعر، فيسألون في كل وادٍ عن شعر جميل يصلح للإنشاد، شعر يصلح للصغار، للنساء، للطلاب المتوسطين وغير ذلك، ويعلمون الصبيان كيف ينشدون هذه القصيدة وغير ذلك. يعني: كان ليلهم ونهارهم شغل بهذه الأناشيد، وفي الحقيقة كنت أمازح القوم، وكلما لقيتهم أقول لهم: قد ثبت في الصحيحين قوله ﵊: (لأن يمتلئ) إلى آخر الحديث، وأنا أكتفي بهذا النص، وأقول: إلى آخر الحديث، فكانا يردان علي: قد ثبت في الصحيحين: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، فهما كانا يحتجان بأحاديث المدح، وأنا كنت أحتج بأحاديث الذم، وكلانا يمازح الآخر بأحاديث الذم، لكن في الحقيقة انشغال إلى أقصى حد! نعم هذان الأخوان من أهل القرآن، ويحفظان القرآن عن ظهر قلب حفظاً جيداً، ولهم حظ فيه يومياً بعد صلاة الفجر. أي: كان لهم ورد يقرءونه قبل أن يخرجوا من المسجد، لكن شغلهم بالشعر كان زائداً جداً.

стр. 767

حكم حفظ اليسير من الشعر قال: (فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا؛ لأن جوفه ليس ممتلئاً شعراً). أي: أن القضية الآن هي أن جوفك ممتلئ شعراً، لكن ما هو حد هذا الامتلاء؟ حده: إما أن يغلب القرآن والسنة والعلوم الشرعية الشعر، وإما أن يغلب الشعر عليهم، فإذا غلب الشعر على القرآن والسنة والعلوم الشرعية فإنه يعد ملء الجوف، وإذا غلب الآخر لا يعد ممتلئاً بالشعر، وإن كان فيه شعراً يسير فهذا لا يضر، لكن بشرط أن يكون هذا الشعر شعراً يدعو إلى مكارم الأخلاق.

стр. 768

حكم الشعر قال: (واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقاً قليله وكثيره، وإن كان لا فحش فيه، وتعلقوا بقوله: (خذوا الشيطان). وقال العلماء كافة -يعني: إجماع- هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه. قالوا: وهو كلام -أي: الشعر- حسنه حسن وقبيحه قبيح). وهذه تصح أن تكون قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة، إذ إن كل كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وإن صدر من كافر، أو من أعظم الموحدين. قال: (فقد سمع النبي ﷺ الشعر واستنشده وأمر به حسان بن ثابت لما قال له: (قم يا حسان فاهجهم)، أي: رد عليهم هذا الهجاء، وقلة الأدب والتطاول على دين الله ورسوله. قال: (وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء والأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه، وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه. وأما تسمية هذا الرجل الذي سمعه النبي ﷺ ينشد شيطاناً فلعله كان كافراً، أو كان الشعر هو الغالب عليه، أو كان شعره هذا من المذموم)، فلابد أن يحمل قوله: (خذوا الشيطان) على هذه التأويلات. قال: (وبالجملة فتسميته شيطاناً إنما هو قضية عين لا يجوز أن تتعدى إلى غيرها)، ومعنى: قضية عين: أي: أن حكمها يتعلق بها ولا يتعداها إلى الغير، وهذا استثناء من قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي قاعدة أصولية، فإذا كان اللفظ عاماً فهو يصلح لهذا القضية التي ورد من أجلها، وغيرها إذا كانت القضية تشترك مع القضية الأولى في العلة، أما هذه القضية فهي قضية عين، يعني: أن النبي ﷺ قال هذا القول متعلق بفلان فقط، ولا يجوز أن تتعداه إلى غيرها، يعني: لا يصح أن نقول لكل من ينشد الشعر: خذوا الشيطان، لكن ستقول لي: إن النبي قال ذلك، نعم النبي قال ذلك، لكن قوله مؤول على ما إذا كان الشعر قبيحاً مذموماً، أو كان يغلب عليه الشعر، أو أن الرجل كان كافراً، حتى لو كان مسلماً فإنها تحمل على أنه كان مسلماً ينشد شعراً مذموماً، ولذلك سماه النبي ﷺ شيطاناً، وسماه هو دون غيره، ولذلك سمع النبي ﵊ الكلام المذموم وغير المذموم، سمع الممدوح واستحسنه، كما سمع شعر لبيد وسمع شعر أمية، وأمر حساناً أن يهجو القوم، وأنتم تعلمون أن الهجاء مذموم، لكنه أمره بالهجاء رداً على الهجاء، من باب قول الله : ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، فهذا رد للظلم ودفع له، والله تعالى أعلم.

стр. 769

باب تحريم اللعب بالنردشير باب: (تحريم اللعب بالنردشير). قول النووي: (باب: تحريم اللعب بالنردشير). أي: أن اللعب بالنردشير حرام، ولم يقل بالكراهة ﵀. والنردشير الذي يظهر: أنها الطاولة، وسُلم الثعبان، والضمنة، والشطرنج، لكن الشطرنج أخف. وكلمة (الناردشير) كلمة فارسية معربة. يعني: أن أصل هذه اللعبة أتت من عند أجداد الخميني من فارس. قال: [حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه -وهو بريدة بن حصيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه)]. قوله: (فكأنما) الكاف للتشبيه، أي: أن الذي يلعب بالنردشير فكأنما أدخل يده دخولاً ممكناً في لحم خنزير وفي شحمه ودمه. والخنزير محرم باتفاق لم يخالف في ذلك أحد، كما أن التعامل بشحمه أو لحمه أو دمه أمر لا يحل لمسلم أن يفعله، فكذلك اللعب بالنردشير وأخذ النرد بيدك، فإذا أخذت نرداً بيدك فكأنما تأخذ شحم خنزير ودم خنزير، وهذا لما كان حراماً باتفاق فينبغي أن يكون أخذ الزهر واللعب بالنردشير وما في معناه حرام كذلك باتفاق، كالضمنة وسلم الثعبان، وهذه المسائل كلها حرام سواء كان اللعب برهان أم بغير رهان.

стр. 770

كلام النووي في باب اللعب بالنردشير قال النووي: (هذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد). وهذا كلام جمهور أهل العلم، فـ النووي ينقل أن هذا مذهب الشافعية باتفاق، وهو كذلك مذهب جماهير العلماء. قال: (وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا -أي: من الشافعية-: يكره ولا يحرم)، فهذا واحد في مقابل أمة يقول: إنه مكروه، والباقون على تحريمه. قال: (أما الشطرنج فمذهبنا -أي: الشافعية- أنه مكروه ليس بحرام، وعلي بن أبي طالب ﵁ كان ممن يذهب إلى تحريم الشطرنج، وإذا مر بأقوام يلعبونه قال: ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون)، يعني: عاكفون عليها كما كان أهل الجاهلية يعكفون على أصنام لهم يعبدونها من دون الله. قال: (وهو مروي -أي: القول بالكراهة- عن جماعة من التابعين، وقال مالك وأحمد: حرام). وتصور عندما تكون المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: حرام ومكروه، ما موقفك أنت كمسلم؟ إذا اختلف العلماء في مسألة بين حرام ومكروه، فالاحتياط لدينك هو: (فمن اتقى الشبهات). أليست المسألة عندما يكون فيها خلاف تجدها محل شبهة؟ بلى، فأنت كرجل موحد وتحب الرسول ماذا تعمل؟ (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، أي: طلب البراءة الأصلية لدينه وعرضه، ونزّه نفسه عن دنايا الأمور وسفسافها. فالآن عندما يختلف العلماء في قضية ما على حلال أو مكروه أو حرام، فلو عملت هذا الشيء فمن الممكن أن أقع في الحرام، يعني: ممكن أن تكون هذه المسألة حرام عند الله، حتى وإن كنت أعتقد أنها مكروهة؛ لأنها ممكن أن تكون حراماً، فما الذي يضمن لي وممكن أن تكون مكروهة ويمكن أن تكون حلالاً، فالأسلم والأحوط للدين خاصة في زمن انتشرت فيه المعاصي بجميع ألوانها وأشكالها: أن يمتنع المرء عن أدنى ما فيه شبهة. قال: (قال مالك: هو شر من النرد -فـ مالك وأحمد اتفقوا على أن هذا حرام-) أي: أن مالكاً لم يقل بالحرمة فحسب، بل إن حرمته شر من الحرام، مثل أن يقول لك: الدخان حرام، والحشيش حرام، والخمر حرام، لكن الحرمة مختلفة؛ لأن حرمة ما ثبتت حرمته بالقياس بخلاف ما تثبت حرمته بالنص، يعني: الآن النظر إلى المحرمات حرام، النظر إلى الأجنبيات حرام، والزنا بالأجنبيات حرام، فهل حرمة النظر كحرمة الزنا؟ لا، وإن كان الجميع يصدق عليه لفظ الحرام، وكذلك السجائر حرام، والخمر حرام، لكن لا يمكن أن تكون حرمة السجائر كحرمة الخمر، ولا يعني ذلك أنني أخفف من شأن السجائر، فأنا أقول أيضاً: إنها حرام، لكن حرمتها لم تثبت بالنص، وإنما ثبتت بفحوى النص، فلا يوجد نص بعينه يقول: إن الدخان حرام، لكن هناك نصوصاً كثيرة جداً يؤخذ منها ويستنبط منها حرمة الدخان، بخلاف الخمر فإن حرمتها ثابتة بالنص، فالحرام الثابت بالنص يختلف عن الحرام الذي ثبت بفحوى النص أو بإلحاقه بالنص قياساً. والأخ الذي يسأل ويقول: ألعبه أم لا ألعبه؟ لو قلنا له: العبه وليس فيه شيء. يعني: أكثر ما يقال فيه: إنه مكروه كراهة تنزيه، فيقول: يكفي فالشيخ قال لي يجوز، ويقول لامرأته: تعالي حتى أعلمك! ويظل طوال الليل والنهار يلعب مع امرأته، ويؤذن للظهر فيقول: حتى أكمل هذا الدور! ويكمل هذا الدور قبل العصر بنصف ساعة، فيخطف هذا الدور خطفاً ويجلس من أجل دور جديد؛ لأن امرأته عندما تعلمت صارت بارعة، وهو واقف أمامها، فيا ليته لم يعلمها، وكل مرة هي التي تكسب، فيريد أن يخطط ويتكتك جيداً حتى لو أخذ الدور أربع ساعات؛ لكيلا يغلبه أحد. قال مالك: هو شر من النرد، وألهى عن الخير، وقاسوه على النرد وأصحابنا يمنعون القياس، ويقولون: هو دونه، ومعنى: (صبغ يده في لحم الخنزير ودمه) أي: في حال أكله منهما، وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما)، يعني: التشبيه لتحريم النرد بتحريم أكل الخنزير. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 771

الأسئلة

стр. 772

حكم محادثة الخاطب لمخطوبته بواسطة التلفون السؤال هل يجوز أن يكلم الخاطب خطيبته بواسطة التلفون وهو غير عاقد عليها؟ الجواب سألت هذا السؤال لشيخنا الألباني عليه رحمة الله فقال: ولا يرسل إليها رسالة. أنا أنقل إليك فتوى الشيخ، واللبيب بالإشارة يفهم.

стр. 773

حكم التسبيح بأنامل اليد اليسرى السؤال قد ثبت أن النبي ﷺ كان يسبح بأنامل اليد اليمنى، فهل يجوز لنا أن نسبح باليدين؟ الجواب على أية حال إذا كان هذا ثابتاً لديك، وأن النبي ﷺ كان يسبح بأنامل يده اليمنى، وهو أيضاً ثابت عندي، ولم يثبت أنه سبح بأنامل يده اليسرى قط، وإنما قال ناصحاً لأمته ولأزواجه: (اعقدن التسبيح على أناملكن، أو على الأنامل فإنهن يأتين مستنطقات). والنبي ﵊ كما ثبت في حديث عائشة وغيره: (كان يحب التيامن في كل شيء، أو التيمن في كل شيء إلا ما كان مستقذراً)، فهذا الحديث إنما خصص الحديث الأول، وهو حديث أم سلمة أنه قال لها: (اعقدن التسبيح على الأنامل). واليد اليمنى واليسرى لها أنامل، لكن حديث عائشة يخصص هذا الحديث بعقد التسبيح على أنامل اليد اليمنى، وفي رواية أصرح من هذا: (اعقدن التسبيح بالميامن)، يعني: على أنامل اليد اليمنى، (فإنهن تأتي مستنطقات)، يعني: تنطق اليد يوم القيامة وتقول: يا رب! كان يسبح بي. أما عقد التسبيح باليد اليسرى فلم يكن من هديه ﵊، وخير الهدي هدي محمد ﵊، لكن لو فعلتها لا تأثم، لكنك فرطت في باب من أبواب الاتباع الذي أنت مأمور به. ثم كيفية عقد التسبيح على الأنامل اختلف فيها أهل العلم، وذكر هذا الخلاف الشيخ ابن تيمية عليه رحمة الله فقال: الأنامل هي عقدة الأصابع، إذ إن كل أصبع فيه ثلاث عقد، فهل الحديث يحث على عقد التسبيح على كل الأنامل التي هي عقدة الإصبع أم أنها طرف الإصبع؟ شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر هذا الكلام رجح أن التسبيح يكون على أنملة واحدة من أنامل الإصبع. يعني: تسبح على طرف الأصابع: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثم تأتي بدورة أخرى وهكذا، وقال: اليد فيها خمس أنامل يصدق عليها لفظ الأنامل في الحديث الذي هو جمع: أنملة، فكانت هذه خمس في اليد الواحدة، والخمس إنما هي جمع للواحد، يصدق عليها ما ورد في الحديث الآن. لكن على أية حال أقول: إن الخلاف في هذه القضية خلاف بسيط، فسواء عقدت على كل أنملة أو على جميع الأنامل، يعني: سواء استخدمت أصبعاً واحداً في تسبيحة واحدة، أو في ثلاث تسبيحات فإن هذا أمر لا تأثم فيه.

стр. 774

حكم إعطاء الصدقة لفقراء الأشراف السؤال هنا جماعة تسمى: الأشراف، يرفعون نسبهم إلى رسول الله ﷺ ، فهل يجوز لهم أخذ الصدقة مع أنهم فقراء؟ الجواب لا يمكن، حتى لو أكلت من تحت رجلك، لكن بشرط أن النسب هذا يثبت فعلاً، فلا تضيع نفسك على نسب وهمي، والآن لو ذهبت إلى دار المحفوظات لكي تخرج نسبك ستعلم أنت ابن من؟ ومن أين أتيت؟ وذاهب إلى أين؟ وستجد الموظف هناك قد اكتسب لونه وصفته من نفس الدفاتر التي يبحث فيها! فيقول لك: أنت تريد أن تكون شريفاً أم ماذا؟! أولاً: تدفع ثلاثمائة جنيه، وهذا بسند رسمي وإذا كنت تريد أن تكون شريفاً؟ فيقول لك: إذاً: هات ألف جنيه، فإن أردت أن يجعلك نبياً فممكن أن تدفع ثلاثة آلاف جنيه ويحضر لك شهادة بأنك نبي! فأنا أريد أن أقول لك: إن معظم الشهادات التي تصدر من دار المحفوظات تصدر برشاوى، وهي مزورة، فأنت لا تجمع على نفسك بلوتين: بلوة أنك تكون شريفاً كذباً، وبلوة أنه في الوقت نفسه أنك ستكون مضطراً أمام هذه الشهادة المزورة ألا تأخذ الصدقات، وبالتالي ستضيع نفسك في الحالتين. أما إذا ثبت فعلاً النسب والشرف فإن الصدقة لا تحل لك، والنبي ﵊ لما أكل الحسن أو الحسين تمرة أو تفاحة ألقيت على الأرض من شجرة خارج البستان فأخرجها النبي ﵊ من فمه، وقال: (كخ كخ! إنه لا يحل لنا آل البيت)، وخشي النبي ﷺ أن تكون هذه من ثمر الصدقة، أو من فاكهة الصدقة، خشي وهو غير متأكد هل هي من الصدقة أم لا؟ وفي الصحيحين: (نحن آل البيت لا تحل لنا الصدقة)، يعني: صدقات الناس: (وإنما هي أوساخ الناس).

стр. 775

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - الحض على التوبة والفرح بها من طبيعة البشر الخطأ والوقوع في الذنب والمعصية، ومن رحمة الله أن فتح لهم باب التوبة والرجوع إليه، وقد وردت كثير من النصوص القرآنية والنبوية في الحض على التوبة والرجوع إلى الله، وبيان أن الله يفرح بتوبة عبده من أحدنا فقد راحلته في الصحراء وعليها متاعه ثم عاد ووجدها.
следующие страницы →