Полный текст (2 103 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الأسئلة
стр. 772
حكم محادثة الخاطب لمخطوبته بواسطة التلفون
السؤال
هل يجوز أن يكلم الخاطب خطيبته بواسطة التلفون وهو غير عاقد عليها؟
الجواب
سألت هذا السؤال لشيخنا الألباني عليه رحمة الله فقال: ولا يرسل إليها رسالة.
أنا أنقل إليك فتوى الشيخ، واللبيب بالإشارة يفهم.
стр. 773
حكم التسبيح بأنامل اليد اليسرى
السؤال
قد ثبت أن النبي ﷺ كان يسبح بأنامل اليد اليمنى، فهل يجوز لنا أن نسبح باليدين؟
الجواب
على أية حال إذا كان هذا ثابتاً لديك، وأن النبي ﷺ كان يسبح بأنامل يده اليمنى، وهو أيضاً ثابت عندي، ولم يثبت أنه سبح بأنامل يده اليسرى قط، وإنما قال ناصحاً لأمته ولأزواجه: (اعقدن التسبيح على أناملكن، أو على الأنامل فإنهن يأتين مستنطقات).
والنبي ﵊ كما ثبت في حديث عائشة وغيره: (كان يحب التيامن في كل شيء، أو التيمن في كل شيء إلا ما كان مستقذراً)، فهذا الحديث إنما خصص الحديث الأول، وهو حديث أم سلمة أنه قال لها: (اعقدن التسبيح على الأنامل).
واليد اليمنى واليسرى لها أنامل، لكن حديث عائشة يخصص هذا الحديث بعقد التسبيح على أنامل اليد اليمنى، وفي رواية أصرح من هذا: (اعقدن التسبيح بالميامن)، يعني: على أنامل اليد اليمنى، (فإنهن تأتي مستنطقات)، يعني: تنطق اليد يوم القيامة وتقول: يا رب! كان يسبح بي.
أما عقد التسبيح باليد اليسرى فلم يكن من هديه ﵊، وخير الهدي هدي محمد ﵊، لكن لو فعلتها لا تأثم، لكنك فرطت في باب من أبواب الاتباع الذي أنت مأمور به.
ثم كيفية عقد التسبيح على الأنامل اختلف فيها أهل العلم، وذكر هذا الخلاف الشيخ ابن تيمية عليه رحمة الله فقال: الأنامل هي عقدة الأصابع، إذ إن كل أصبع فيه ثلاث عقد، فهل الحديث يحث على عقد التسبيح على كل الأنامل التي هي عقدة الإصبع أم أنها طرف الإصبع؟ شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر هذا الكلام رجح أن التسبيح يكون على أنملة واحدة من أنامل الإصبع.
يعني: تسبح على طرف الأصابع: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثم تأتي بدورة أخرى وهكذا، وقال: اليد فيها خمس أنامل يصدق عليها لفظ الأنامل في الحديث الذي هو جمع: أنملة، فكانت هذه خمس في اليد الواحدة، والخمس إنما هي جمع للواحد، يصدق عليها ما ورد في الحديث الآن.
لكن على أية حال أقول: إن الخلاف في هذه القضية خلاف بسيط، فسواء عقدت على كل أنملة أو على جميع الأنامل، يعني: سواء استخدمت أصبعاً واحداً في تسبيحة واحدة، أو في ثلاث تسبيحات فإن هذا أمر لا تأثم فيه.
стр. 774
حكم إعطاء الصدقة لفقراء الأشراف
السؤال
هنا جماعة تسمى: الأشراف، يرفعون نسبهم إلى رسول الله ﷺ ، فهل يجوز لهم أخذ الصدقة مع أنهم فقراء؟
الجواب
لا يمكن، حتى لو أكلت من تحت رجلك، لكن بشرط أن النسب هذا يثبت فعلاً، فلا تضيع نفسك على نسب وهمي، والآن لو ذهبت إلى دار المحفوظات لكي تخرج نسبك ستعلم أنت ابن من؟ ومن أين أتيت؟ وذاهب إلى أين؟ وستجد الموظف هناك قد اكتسب لونه وصفته من نفس الدفاتر التي يبحث فيها! فيقول لك: أنت تريد أن تكون شريفاً أم ماذا؟! أولاً: تدفع ثلاثمائة جنيه، وهذا بسند رسمي وإذا كنت تريد أن تكون شريفاً؟ فيقول لك: إذاً: هات ألف جنيه، فإن أردت أن يجعلك نبياً فممكن أن تدفع ثلاثة آلاف جنيه ويحضر لك شهادة بأنك نبي! فأنا أريد أن أقول لك: إن معظم الشهادات التي تصدر من دار المحفوظات تصدر برشاوى، وهي مزورة، فأنت لا تجمع على نفسك بلوتين: بلوة أنك تكون شريفاً كذباً، وبلوة أنه في الوقت نفسه أنك ستكون مضطراً أمام هذه الشهادة المزورة ألا تأخذ الصدقات، وبالتالي ستضيع نفسك في الحالتين.
أما إذا ثبت فعلاً النسب والشرف فإن الصدقة لا تحل لك، والنبي ﵊ لما أكل الحسن أو الحسين تمرة أو تفاحة ألقيت على الأرض من شجرة خارج البستان فأخرجها النبي ﵊ من فمه، وقال: (كخ كخ! إنه لا يحل لنا آل البيت)، وخشي النبي ﷺ أن تكون هذه من ثمر الصدقة، أو من فاكهة الصدقة، خشي وهو غير متأكد هل هي من الصدقة أم لا؟ وفي الصحيحين: (نحن آل البيت لا تحل لنا الصدقة)، يعني: صدقات الناس: (وإنما هي أوساخ الناس).
стр. 775
شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - الحض على التوبة والفرح بها
من طبيعة البشر الخطأ والوقوع في الذنب والمعصية، ومن رحمة الله أن فتح لهم باب التوبة والرجوع إليه، وقد وردت كثير من النصوص القرآنية والنبوية في الحض على التوبة والرجوع إلى الله، وبيان أن الله يفرح بتوبة عبده من أحدنا فقد راحلته في الصحراء وعليها متاعه ثم عاد ووجدها.
стр. 776
تعريف التوبة وشروطها
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأصل التوبة في اللغة: الرجوع، يقال: فلان تاب بالتاء المثناة من فوق، أو بالمثلثة -أي: رجع وعاد.
وفي اصطلاح الفقهاء أو العلماء: الرجوع والانخلاع والانفلات تماما ًمن الذنب.
وقد سبق في كتاب الإيمان أن تكلم الإمام النووي عن التوبة فقال: إذا كانت التوبة بين العبد وبين الله فلها ثلاثة أركان، وزاد ركناً رابعاً، وذلك إذا كانت بين العبد والعباد وهو: رد المظالم إلى أصحابها.
стр. 777
الشرط الأول: الإقلاع عن الذنب
ومعنى كلمة (ركن): أي: أنه داخل في ماهية وأساس الشيء، بل لا يقوم هذا الشيء إلا به، بخلاف الشرط، فإنه خارج عن ماهية الشيء وليس داخلاً فيه.
فمثلاً: الوضوء شرط في صحة الصلاة، وهو غير داخل في ماهية الصلاة، فمن توضأ لا يلزمه لزوماً أكيداً أن يصلي، فيمكن أن يتوضأ المرء ولا يصلي، لكن لا يمكن أن يصلي إلا بوضوء، فالوضوء عبادة مستقلة، والصلاة عبادة أخرى، والله تعالى قد جعل الوضوء شرطاً في صحة الصلاة.
مثال آخر: الركوع، وهو داخل في ماهية وأساس الشيء، فهو ركن من أركان الصلاة، فلو كان المرء متوضئاً ودخل في الصلاة، ثم ترك ركناً متعمداً أو ناسياً، لزمه أن يجبر هذا الركن بالإتيان بركعة أخرى، ولا يجبر بالسجود للسهو، وكذلك إن ترك السجود.
وهذا هو الفرق بين الشرط والركن، فالركن داخل في ماهية الشيء، والشرط خارج عن ماهية الشيء، فإذا قلنا: إن من أركان التوبة: الإقلاع عن الذنب، فإن الذي يدعي أنه قد أقلع عن الذنب، لكن لا يزال مصراً وقائماً على نفس الذنب فإنه ليس بتائب توبة حقيقية، فربما يتوب بعض الوقت، لكنه يرجع إلى المعصية مرة أخرى؛ لأنه لم يتب توبة نصوحاً، والتوبة النصوح: هي التوبة الصادقة الخالصة التي انعقد قلب المرء على الانسلاخ من الذنب انسلاخاً يؤدي إلى قلب هذا الذنب حسنات عند الله ؛ لعزمه وصدقه الأكيد.
فلو أن رجلاً ابتلي بكبيرة السرقة، أو كبيرة الزنا، أو شرب الخمر، وهو يقول: يا رب! تبت إليك من هذا الذنب، لكن سرعان ما يعود إلى نفس الذنب مرة أخرى، فهذا إما أنه لم يكن صادقاً ومخلصاً في توبته، وإما أن شهوته غلبته فعاد إلى نفس الذنب.
ففي الحالة الأولى: أنه لم يكن صادقاً ولا مخلصاً، فلا يكون هذا العبد تائباً على الحقيقة، وفي الحالة الثانية: أنه بالفعل قد أقبل على ربه، وامتلأت أحشاؤه وصدره حباً لله ولكتابه ولسنة نبيه، فهو صادق وعازم على ألا يرجع إلى الذنب، لكن شهوته تغلبه فيقع في الذنب مرة أخرى، فهذه الحالة بلا شك أنها خير وأفضل بكثير جداً، بل لا مقارنة بينها وبين الحالة الأولى، فإن الله تعالى يتوب على هذا العبد، وإن عاد إلى الذنب ثم تاب، حتى لو تكرر ذلك منه مرات ومرات، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
الإقلاع عن الذنب يستلزم استجماع الحواس، أي: أنه لا يجزئك أن تقول بلسانك دون تدبر ولا تفكر ولا تعقل ولا عقد القلب على الإقلاع عن الذنب: يا رب! تبت إليك، أو يا رب! أستغفرك وأتوب إليك، فإن هذا لا يخدم العبد، وإنما الذي يخدمه أن تجتمع حواسه على الإقلاع عن الذنب، ويعقد قلبه على ذلك.
والذنب إذا تكلمنا عنه فإنما نتكلم عن أنفسنا، والنبي ﵊ يقول: (كل بني آدم خطاء - أي: مذنب- وخير الخطائين التوابون)، فالذنب لا بد من الوقوع فيه؛ لأن ما دون النبي ﵊ غير معصوم من الوقوع في الكبائر، والصغائر من باب أولى.
وقد تضافرت وتظاهرت على ذلك الأحاديث المبينة بأن العباد لا بد أن يذنبوا، ولو لم يذنبوا لأخذهم الله واستبدلهم بغيرهم، وتأمل قول النبي ﷺ : (يذنبون فيتوبون)، فالله تعالى يحب التوبة والأوبة والرجوع والإنابة إليه، ولذلك الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم كانوا أكثر الناس استغفاراً وتوبة وإنابة وخضوعاً وذلاً، مع أنهم لم يأتوا من الأعمال ما يستوجب ذلك كله، لكنهم كانوا يعدون اللمم في حق أنفسهم أعظم من الكبائر، فكانوا يقدمون بين يدي دعائهم من التضرع والخشوع والذل ما لا يقدمه من هو دونهم في المنزلة والفضل -وإن ارتكب الكبائر- وهذا بلا شك من باب الاقتداء والأسوة بالأنبياء والمرسلين.
стр. 778
الشرط الثاني: الندم على فعل المعصية
الشرط الثاني: الندم على فعل المعصية، أي: أن يتفطر ويتصدع قلبه ندماً وحسرة على ما بدر منه، إذ لا يكفي في التوبة أن يقلع عن المعصية فقط، بل يندم على المعصية.
وكثير من الإخوة بعد هدايته ومعرفته للطريق الصحيح يتملح ويتفكه بذكر معاصيه السابقة، فيقول: أنا كنت أفعل كذا وكذا ويضحك، إن هذا لا بد أن يعلم أنه بعد هدايته ومعرفته للطريق الحق، أنه قد سلك طريق التوبة من هذا الذنب، أو من هذه الذنوب كلها، فإذا ذكرها يلزمه أن يتصدع قلبه على ما كان منه، لا أن يذكرها على سبيل التفكه والتملح، بل هذا ذنب جديد يرتكبه العبد، فبعد أن عصى فرح بمعصيته، وهذا بلاء كبير جداً.
стр. 779
الشرط الثالث: العزم على ألا يعود للذنب
الشرط الثالث: العزم على ألا يعود للذنب مرة أخرى، أي: أن يعزم ويعقد قلبه على ألا يرتكب مثل هذا الذنب مرة أخرى، فإن كان سارقاً عزم على ألا يسرق في المستقبل مهما بلغ به ضيق العيش؛ فإنه إن عاد للسرقة مرة أخرى فإن توبته غير صادقة.
стр. 780
الشرط الرابع: رد المظالم إلى أهلها
الشرط الرابع: رد المظالم إلى أهلها إن كانت المعصية متعلقة بحق آدمي.
ثم إن من الذنوب التي بين العباد ما يمكن رده ومنها ما لا يمكن رده: فالذي يمكن رده مثل: سرقة المال، أو أي متاع أو منقولات أو غير ذلك، فهذا بلا شك أن دليل صدق التوبة: إرجاع الحق إلى صاحبه، وإلا فلا يكون صادقاً في توبته، وهذا مشروط بالإمكان، فلو أن شخصاً فقيراً لا مال له البتة، لكنه ابتلي ببلية شرب الخمر، فهو يسرق كثيراً ليشبع شهوته، وبعد أن تاب من السكر لا حاجة له إلى سرقة المال؛ لأنه كان يسرق لأجل الشرب، فلما تاب من الشرب تاب معها من السرقة، فإذا كان يسرق في اليوم -مثلاً- مائة جنيه لمدة سنوات عديدة، ثم حسبها فأصبح عليه عدة آلاف، فالغالب أنه لا يمكنه أن يؤدي هذا المال إلى صاحبه، لكن بإمكانه أن يستسمح من صاحبه، وينبغي أن يكون صاحب المال كريماً، فلا يرد هذا الطالب، أما إذا كان قادراً على رد المال فلا يجزئه طلب العفو، وإنما يلزمه لزوماً أكيداً أن يدفع الحق إلى صاحبه، إلا أن يعفو صاحبه بغير طلب منه.
لكن لو أن إنساناً في أيام شقوته وتعاسته كان يزني، ثم تاب من هذه البلية، فكيف يرد المظالم إلى أهلها؟ هل يذهب -مثلاً- إلى من زنى بامرأته أو أخته أو أمه ويقول له: هذه أمي، أو هذه ابنتي، أو هذه أختي ازن بها!! أم هل يدفع تعويضاً، أو دية لذلك؟! إن هذا باب من أبواب المظالم التي بين العباد التي لا يمكن ردها قط، وإنما يتوقف ذلك على إقامة الحد على هذا العبد، أو أن يتوب إلى الله بغير إقامة الحد عليه، فيتوب الله عليه أو يعذبه؛ لأن الله له أن يفعل ما يشاء، وهذه الكبائر إذا تاب منها العبد تاب الله عليه، وإذا أقيم عليه الحد كان في ذلك كفارة له، وإذا مات مصراً على الذنب فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، إلا إذا استحل الذنب مع قيام الحجة عليه، فإنه يكفر بذلك.
стр. 781
الامتناع عن مقارفة الذنب لسبب من الأسباب
قد يقلع الشخص عن الذنب لا ندماً، لكن لعلة تمنعه من مقارفة هذا الذنب، كإنسان كان يسرق، ثم أصيب بحادث فكسرت ذراعه أو رجله، فترك السرقة بسبب ما حصل له، لا أنه أقلع عن السرقة ندماً وحسرة وتوبة، وإنما منعه العذر من الذنب أو الوقوع فيه.
كذلك: إنسان كان يزني، لكنه لما كبر سنه ورق عظمه صار عاجزاً عن وصال النساء وعن جماعهن، فترك الزنا لذلك.
أيضاً: إنسان كان يتعاطى التدخين، وهو كبيرة من الكبائر، وبعضهم عده صغيرة، وعلى أي حال فإنه في الغالب أن من يدخن يقع في كبيرة؛ لأن أهل العلم قد أجمعوا على أن الصغيرة مع الإصرار تعد كبيرة، والإصرار: هو الإقامة على الذنب.
كذلك لو أن إنساناً سافر إلى محبوبته ومعشوقته في مكان آخر، فهو قد هم بالذنب وفكر فيه، واتخذ له الخطوات العملية للوقوع فيه، لكن حصل أن انقلبت السيارة، فتأخر عن موعد اللقاء بمعشوقته، فانصرفت وانصرف هو راجعاً إلى بيته، فهذا كمن زنى، لكن الفرق بينه وبين الزنا الحقيقي: أنه لا يقام عليه الحد في هذه الحالة، لكنهما في الإثم سواء، مع أنه في أثناء الطريق إلى معشوقته لو فكر في عذاب الله ، فخاف ووجل وخشع، ثم رجع إلى بيته تائباً نادماً، عازماً على ألا يقرب هذه المرأة ولا غيرها، فإن ذلك لا يستوي مع من ارتكب جريمة الزنا حقيقة، وإنما قد يتوب الله عليه.
стр. 782
حكم التوبة عند أهل السنة
اتفق أهل العلم على أن التوبة من جميع المعاصي واجبة، وهذا الوجوب أظن أنه يتفق مع العقل فضلاً عن النقل.
ولذلك يقول أهل العلم: إن الإقلاع عن الذنب، أو عن جميع الذنوب واجب بالشرع، يعني: أنه قد جاءت الآيات والأحاديث، وإجماع الأمة، وقياس أهل العلم -وهذه هي المصادر الشرعية الأربعة- على وجوب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي.
ولذلك العلماء إذا أرادوا أن يعبروا عن أمر أو يلحقوا أمراً بأدلته وقالوا: أدلته الشرعية أو النقلية، أو السمعية، فاعلم أن الدليل هو: قال الله وقال الرسول.
بخلاف ما لو قالوا: إن دليل هذه المسألة دليل عقلي، فيكون هذا الدليل محله الاجتهاد وليس محله النص، وإنما هو بذل وسع المجتهد أو الفقيه في إيجاد حل لمسألة ما، وهذه العملية تسمى: الاجتهاد، وإلحاق هذا الفرع بأصله لاتحادهما في العلة يسمى: القياس، وهي: عملية عقلية يبذلها المجتهد أو الفقيه للوصول بالفرع إلى إيجاد حل مشابه أو مساوي أو مماثل لأصله في الشرع.
ثم إن كل واجب لا يؤتى به فصاحبه آثم إلا من عذر، وأقول: واجب، لا مستحب ولا مندوب ولا مباح، فهذه كلها دون الوجوب، فإذا قلت لولدك مثلاً: يا بني! اذهب إلى فلان، أو لا تذهب.
فقد جعلته في دائرة المباح، إن شاء ذهب وإن شاء لم يذهب، بخلاف ما إذا قلت له: افعل كذا وكذا، وإن لم تفعل فسأعاقبك، فهذا الأمر يفيد الوجوب.
وكذلك الانخلاع من الذنوب أمر واجب بالشرع، فقد أمرنا الله تعالى في كتابه بالتوبة، وأمرنا الرسول ﵊ في سنته بالتوبة دون استثناء، بل أمراً أكيداً، وعزماً شديداً على الإقلاع عن الذنب، وهذه النواهي التي نهتنا عن الذنوب، فأفاد الأمر الوجوب، وأفاد النهي حرمة الوقوع في الذنب، فالذي يترك هذا الواجب لا بد أنه آثم، وإثمه يختلف باختلاف الذنب، فإن كان الذنب كبيراً كان إثمه كبيراً، وله حكمه في الشرع، وإن كان الذنب صغيراً كان إثمه صغيراً، فمعرفة قدر الإثم تتوقف على معرفة قدر الذنب.
كما أن التوبة واجبة على الفور، فلا يجوز تأخيرها قط، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، فإذا أذنب العبد لزمه أن يحدث له توبة، ولا يقول: سوف أتوب غداً، أو الأسبوع الذي سوف يأتي، أو سوف أبدأ أصلي من يوم السبت، أو من أول الشهر، أو من أول السنة الجديدة، أو السنة الميلادية، أو السنة الهجرية، فما الذي يضمن لك ذلك؟! يمكن أن يأتيك الموت الآن، فلو أنك أذنبت ذنباً فأحدثت له توبة فورية، ثم مت بعد التوبة، فهذا من حسن الخاتمة، ولو أن الله تعالى قبضك قبل التوبة من المعصية، فهذا من سوء الخاتمة.
والتوبة من مهمات الإسلام وقواعده المتأكدة، وقواعد الإسلام هي: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والتوحيد، والإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، وعذاب القبر، فهذه كلها تسمى مهمات الإسلام، يعني: أنها أهم شيء في الدين، فينبغي أن يفتش المرء في نفسه عن هذه المهمات، فيقول: ما موقفي من الصلاة؟ ما موقفي من الصيام؟ ما موقفي من الحج؟ ما موقفي من التوبة؟ ما موقفي من الزكاة؟ إن كثير من الناس معه المال الكثير، لكن لا يخطر على باله قط أن يخرج الزكاة، إما لكونه كان فقيراً لم يتعود منذ صغره على إخراج الزكاة، فلما اغتنى بعد ذلك بقيت معه فكرته، وإما لعدم التفكير في إخراج الزكاة، من غير أن يقصد الامتناع.
فهذا لا بد أن يراجع نفسه، ويحسب ماله إن كان ذهباً أو فضة، فإن بلغ النصاب، وحال عليه الحول، أو حالت عليه أحوال، فيحسب هذه الأحوال ويخرج الزكاة عنها، إلا أن تأكل الأحوال المال، فقد اجتهد أهل العلم في ذلك اجتهادات مختلفة: فمنهم من قال: يخرج عن عام واحد، وهو العام الذي هو بصدده.
ومنهم من قال: بل يخرج عن ثلاثة أو خمسة أو ما تطيب به نفسه وخاطره، أو ما يحقق له المصلحة من بقاء بعض المال وإخراج بعضه، إظهاراً للتوبة والندم، وغير ذلك من الاجتهادات، وأظن أن هذا أمر يرجع إلى علاقة كل إنسان بربه.
стр. 783
حكم التوبة عند المعتزلة
وجوب التوبة عند المعتزلة فبالعقل؛ لأن العقل أصل عند المعتزلة، وهذا أمر قد تكلمنا فيه كثيراً، ولا داعي لذكر بعضه، ولذا فأقول: إن أدلة التوبة عند المعتزلة عقليه، أما أدلة التوبة عند أهل السنة فهي سمعية أو نقليه، أي: قال الله، قال رسوله.
فلو قلت لشخص ما: يا أخي! إن الزنا حرام.
فرد عليه قائلاً: إنه ليس بحرام، حتى يقول: ما دام أنه برضا المرأة فالرجل في مقام زوجها! ثم تقول له: قال الله كذا، وقال الرسول كذا، وقال ابن تيمية كذا، وقال أحمد بن حنبل كذا، وقال ابن القيم كذا، وتأتي له بأدلة من الكتاب أو السنة أو إجماع أهل العلم أو القياس على حرمة الزنا، ومع ذلك فهو باق على معصيته، ثم إذا أصيب بالزهري أو السيلان، هذان المرضان اللذان يفتكان بالعبد، ولا يصاب بهما إلا من قبل الزنا، وسبحان ربي! فالمرء يجامع امرأته فلا يصاب بهذا، ويجامع غيرها فيصاب، إنه أمر خطير جداً ينبغي التوقف عنده، ومع أن العملية أو الوصال أو الإتيان واحدة، لكن هنا يبارك له فيه، وهناك لا يبارك له فيه، أمر عجيب جداً! وقدرة إلهية عجيبة! ثم إذا ذهب إلى الدكتور، وقال له الدكتور: خطر الزنا من الناحية الطبية على الأعضاء، أو على البدن، أو على النفس كذا وكذا، وأخذ يعدِّد له النتائج الوخيمة للزنا، حتى يقنع ببشاعة وحرمة الزنا، وحتى يقول: إن هذا الكلام معقول جداً، وبالتالي أنا سوف أمتنع عن الزنا، فهو قد امتنع عنه عقلاً لا نقلاً، لكن قبل ذلك قلنا له: قال الله، قال رسوله، فلم يقبل، فهذا يكون قد امتنع عن الذنب على مذهب المعتزلة، وبالتالي فتوبته فيها نظر.
أيضاً: لو أن شخصاً مولعاً بالتدخين، ثم قلت له: قال الله، قال رسوله، ولم يمتنع عن التدخين، حتى جاء إليه شخص آخر بأسلوب علمي، فذكر له أن التدخين سبب في أمراض خطيرة جداً، كالقلب والرئتين وغيرهما، فامتنع عن التدخين، فإن كان امتنع عن التدخين لأدلة الكتاب والسنة فتوبته مقبولة، وإن لم يرجع عن ذنبه إلا لهذا دون النظر إلى تحريم الله ، وتحريم الرسول، فلا شك أنها ليست توبة، وهو على خطر عظيم، ولا يجب على الله قبولها؛ لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وإذا أوجب الله ﵎ على نفسه شيئاً فإنما هذا فضل من الله أوجبه على نفسه، كما في حديث معاذ بن جبل: (أتدري ما حق العباد على الله؟ -أي: حق العباد على الله إذا أتوا بالتوحيد-قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: أن يغفر لهم).
يعني: إذا كانوا موحدين فالجزاء: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ -وأعظم الإحسان هو توحيد الله ﵎ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، والإحسان هو التوبة والمعفرة.
فإذا كان الأمر كذلك فإنه ليس لأحد أن يوجب على الله شيئاً، وإنما يوجب الله ﵎ على نفسه ما يشاء، كما أن الله ﵎ حرم علينا أن نقسم بغير ذاته وأسمائه وصفاته، حرم علينا القسم بغير هذا، وأقسم هو بالمخلوقات ، فأقسم بالشمس، والضحى، والقمر، والليل، والعصر، وهذه كلها مخلوقات، فله أن يفعل ما يشاء، فله أن يقسم بالعظيم من مخلوقاته، مع أنه لا يحل لنا قط أن نقسم بالشمس، ولا بالقمر، ولا بالنجم، ولا بالأنبياء، ولا بالمرسلين، ولا بالملائكة، ولذلك قال ﵊: (من أقسم بغير الله فليقل: لا إله إلا الله)، أي: كفارة من أقسم بغير الله أن يقول: لا إله إلا الله.
стр. 784
مسائل متفرقة في باب التوبة
стр. 785
حكم من تاب من الذنب ثم ذكره
إذا تاب العبد من الذنب ثم ذكره بعد ذلك، فهل يجب عليه أن يجدد الندم والتوبة أم لا؟ قال بعض أهل العلم: يجب.
وقال البعض: لا يجب؛ لأن الذنب إنما يكفي منه إحداث توبة واحدة، ثم إن العبد إذا أذنب ذنباً فلا يكاد يفارقه حتى يلقى ربه، وبالتالي ربما يؤدي هذا بالعبد إلى اليأس من رحمة الله ، فهو دائماً في حسرة وندم وغم وهم، فيعطله ذلك عن القيام بمهام الإسلام الأخرى، أي: أنه يصبح عنده من الهم والندم ما يعجزه عن الإتيان بالواجبات والمهمات العظام، لذا كان يكفيه أن يتوب من الذنب مرة واحدة.
стр. 786
صحة التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر
وتصح التوبة من ذنب وإن كان مصراً على ذنب آخر؛ لأن كل ذنب له توبة تخصه كما قال العلماء، فلو أن إنساناً يسرق ويزني، ثم تاب من السرقة، لكنه لم يتب من الزنا، فإن استمراره على الزنا لا يؤثر على توبته من السرقة، وتوبته من الذنب الأول مقبولة، ويبقى عليه أن يتوب من الذنب الثاني.
وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود ذلك الذنب، كتب عليه ذلك الذنب الثاني، ولم تبطل توبته الأولى، وهذا مذهب أهل السنة في المسألتين، وخالفت في ذلك المعتزلة فقالوا: الأصل أن يتوب توبة عامة من جميع الذنوب، وإلا فلا تقبل توبة جزئية، وهذا -حتى من جهة العقل- الذي يتشدق به المعتزلة كلام غير مقبول.
ولذلك إذا أتى شخص يقول: أنا أسرق وأزني، وقد تبت من الزنا، ولا زلت قائماً على السرقة، فهل تقبل توبتي أم لا؟ فإن قلنا له: لا بد أن تتوب من الاثنين، وإلا فتوبتك غير مقبولة، سيقول: إذن ما دام أن توبتي لم تقبل، فسأعمل الذنب الثاني والثالث والعاشر والمائة.
فيقع في جميع الكبائر والصغائر، فكان من جهة العقل أن ينخلع من ذنبه المتبقي، أما أن نوصد الباب أمامه تماماً فلا شك أن ذلك يؤيسه ويقنطه من رحمة الله، وإذا بلغ إلى هذا الحد فإن ذلك يوقعه في جميع الكبائر باستهتار، وربما باستحلال فيقع في دائرة الكفر.
стр. 787
قبول توبة الكافر من كفره
إن توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها، وهذا بإجماع أهل العلم، فلا يفرق بين توبة الكافر من الكفر، وتوبة المسلم العاصي من معصيته.
والأصل في هذا: ما جاء في صحيح مسلم، أن عمرو بن العاص ﵁ قال: (لم يكن أحد أبغض إلي من رسول الله ﷺ ، حتى شرح الله تعالى صدري للإسلام، فأتيته فقلت: يا رسول الله! مد إلي يدك لأبايعك! أي: على الإسلام، فلما مد يده قبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ -أي: لم قبضت يدك؟ - فقلت: يا رسول الله! أبايعك على أن يغفر لي).
ومعلوم أن بغض الرسول من أعظم الكفر، فهو أراد أن يطمئن على نفسه إذا أسلم هل يغفر له في ما قد مضى أم لا؟ (فقال النبي ﵊: يا عمرو! أما علمت أن التوبة تجب ما كان قبلها -أي: تغفر ما كان قبلها- أما علمت أن الحج يجب ما كان قبله، أما علمت أن الهجرة تجب ما كان قبلها).
فهذه ثلاثة أعمال تغفر جميع الذنوب: الكبائر والصغائر، وإن كان الحج فيه خلاف: هل يكفر الذنوب الكبائر والصغائر، أم الصغائر فقط؟ الراجح من أقوال أهل العلم استظهاراً للأدلة: أن الحج يكفر حتى الكبائر.
ثم إن توبة الكافر من كفره تكون بالانخلاع من الكفر، والدخول في الإسلام، والنبي ﵊ يقول: (الإسلام يجب ما كان قبله)، أي: يمحو ما كان قبله، والذي قبل الإسلام إنما هو الكفر، فلو أن كافراً قال الآن: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، غفر الله ﵎ له جميع كفره وأعماله التي كان قد عملها حال كفره، أما أعماله الصالحة التي كان يعملها في جاهليته وفسقه فإنه يثاب عليها بإسلامه، وليس معنى ذلك أن جميع أعمال الكفار أعمال كفرية، بل منها ما هو صالح، ومنها ما صلاحه متعد إلى الغير، ومن المعلوم أن الكذب كان مذموماً في الجاهلية، وحديث أبي سفيان مشهور في ذلك.
وكذلك أهل الجاهلية كانوا أهل كرم ونجدة، وهذه كلها خصال حميدة، فإذا أتى بها الكفار ثم أسلموا، كافأهم الله ﵎ عليها قبل الإسلام وبعد الإسلام، وإذا ماتوا على كفرهم، فإن الله تعالى يكافئهم عليها في دنياهم؛ لأن الله تعالى يعلم أن هذا العبد سيموت على الكفر، أو يعلم أن هذا العبد سيموت على الإيمان، فإذا سبق في علم الله أن هذا العبد يموت على الكفر، لكنه كان يعمل صالحاً في حياته، فإنه يكافئه الله تعالى عليه.
ولهذا عندما يذهب المسلم إلى بلاد أوروبا أو أمريكا، فيرى هناك البلاد الجميلة، ويرى النعيم الذي هم فيه، فيحدث نفسه فيقول: في الجنة أكثر من هذا النعيم، وربما قال: هؤلاء الكفار أكرمهم الله بهذا النعيم، وذلك مكافأة منه سبحانه على أعمالهم الحسنة، فإذا ماتوا يكون الحساب وافياً كاملاً، فالله زاد لهم في الدنيا، وفتح عليهم في الدنيا، حتى إذا قدموا على الله كانت لهم النار خالدين مخلدين فيها أبداً، ولذلك كثير من الناس من يذهب إلى هناك فيفتن بسبب ذلك.
стр. 788
عدم القطع بتوبة المسلم العاصي
هل توبة المسلم العاصي مقطوع بها أو مظنونة؟ خلاف بين أهل السنة، والظن أنه يمكن أن يرجع إلى المعصية مرة أخرى، ورجوعه ومعاودته للذنب بل والوقوع في ذنوب أخرى جعل توبته غير مقطوع بها.
وأقول أيضاً: إن الكافر إذا أسلم صار حكمه حكم المسلم من جهة المعصية لا من جهة الكفر.
стр. 789
باب الحض على التوبة والفرح بها
الحض بمعنى الحث، يعني: أدلة يظهر منها حث الله تعالى ورسوله الكريم العباد على التوبة.
стр. 790
شرح حديث فرحة الله بتوبة العبد من رواية أبي هريرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، وهو العقيلي أبو عمر الصنعاني نزيل عسقلان، حدثني زيد بن أسلم المدني، عن أبي صالح السمان ذكوان المدني، عن أبي هريرة ﵁، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال الله -إذن الحديث قدسي، وليس بلازم إذا سمعت: قال الله أن ذلك قرآن، وإنما يمكن أن يكون حديثاً قدسياً- أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني)].
وفي رواية عند أبي داود (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء، إن ظن بي ظناً حسناً سيجدني عند ظنه، وإن ظن بي ظن سوء سيجدني عند ظنه).
يعني: لو أن إنساناً تاب إلى الله توبة صالحة خالصة، لكنه قال: لا يغفر لي.
فهذا إساءة ظن بالله ، فالمرء يتوب وتحمله توبته على الإكثار من العمل الصالح، حتى يعضد توبته السابقة، ثم يحمله وجله وخوفه على الإكثار من العبادة والنوافل والقرب إلى الله ، ثم يحسن الظن بربه أنه لن يخيب رجاءه فيه؛ لأنه لو أساء الظن بربه لأساء المعتقد، ومن قدم على ربه سيئ العقيدة فيه فلا شك أنه يجازى على ذلك.
والمعية في الحديث: معية سمع وعلم وإحاطة لا معية ذات؛ لأن ذات الله العلية فوق السماوات على العرش، فهو ﵎ مع عباده بسمعه وعلمه، وهذا لا يتنافى مع علوه فوق سماواته.
وهنا انتهى الحديث القدسي، ثم يبدأ الحديث النبوي بالقسم، والقسم لإفادة صدق المقسم، والنبي ﵊ صادق بغير قسم، فلو أخبر بخبر لكان صادقاً فيه بغير قسم، وإنما أقسم للتأكيد على أهمية الأمر.
قال ﵊: (والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة).
والفلاة: الصحراء التي لا زرع فيها ولا ماء، وتصور لو أن شخصاً أخذ دابته ومشى بها في صحراء مقفرة قاحلة، وعليها طعامه وشرابه، ثم أجهده السير فنزل بجوار شجرة وأخلد إلى الراحة، فلما استيقظ لم يجد راحلته، فصار يضرب في شرق الصحراء وغربها ليجد راحلته وضالته، فلم يفلح في ذلك، حتى يئس من رجوعها، فرجع وقال: أنام عند الشجرة حتى الموت -لا سيبل له إلا هذا- لأنه لو أراد أن يرجع إلى مكانه الأول لمات في الطريق، فلأن يموت في الظل خير له من أن يموت في الحر، فرجع فنام، فلما استيقظ وجد دابته وعليها الزاد والمتاع، عند ذلك سيفرح فرحاً شديداً، -ولله المثل الأعلى- فالله أفرح بتوبة العبد إن عاد ورجع إليه من هذا براحلته، فهو لو ارتكب جميع الذنوب والمعاصي فإنه لا يضر الله شيئاً، ولو أتى بجميع الطاعات فلن ينفع الله شيئاً؛ لأن الله تعالى هو النافع والضار، والله تعالى ينفع ابتداءً ولا يضر إلا من اختار المضرة لنفسه أو للغير، فحينئذ يوقع الله به الضرر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] فالله تعالى لا يوصف بالمكر ابتداءً، وإنما يوصف بالمكر جزاءً لمكر سابق، وهذا من عظيم قدرته ﵎، وأنه عليم بما تخفي الصدور، وأن مكر الماكرين، وكيد الكائدين لا يخفى عليه ، فإذا مكر الماكرون فالله ﵎ يمكر بهم أشد من مكرهم؛ لأنه خير الماكرين ، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالمكر ابتداءً؛ لأنها صفة نقص، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يجوز لأحد أن يقول: إن الله هو المنتقم، لكن الانتقام صفة لله في مقابل إجرام المجرمين، فإذا قال العبد: ربنا سوف ينتقم من فلان.
فأنت تذمه ولا تمدحه؛ لأن هذا أسلوب ذم، والله ﵎ لا يذم، بل يمدح بكل كمال وجلال، وإذا وصف بصفة فيها ذم فاعلم أنها في جهة الكمال، وذلك إذا كانت متعلقة بالذات الإلهية؛ لأنه لا يوصف بهذا إلا في مقابلة فعل استوجب ذلك: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، ولم يقل: إنا من المؤمنين منتقمون، أو من الموحدين، أو من المسلمين، أو من الطائعين، وإنما قال: من المجرمين.
والله لا يظلم العبد الموحد، فإذا ظلمه أحد ولم يستطع أن يأخذ حقه، فسأل الله أن يأخذ بحقه من ظالمه، فقال: يا رب! خذ حقي من فلان.
فأخذ الله له حقه من فلان، عند ذلك سيقول: سبحان الله! إن الله قادر على كل شيء.
فما معنى أنه عرف الآن أن الكمال لله؟! مع أن هذا انتقام للإجرام الذي سبق منه، والله تعالى لا يوصف بالانتقام ابتداءً إلا في مقابلة إجرام وظلم.
قوله ﵊: (والله! لله أفرح بتوبة)، يقال: فلان فرح، يعني: فلان منتشي، وفلان سعيد، وفلان حصل عنده مناسبة سعيدة ففرح لها وطرب، وفلان لم تسعه الدنيا، وتعبيرات كثيرة جداً تدل على أن هذا العبد في حالة حسنة، وإذا كان هـ
стр. 791
أقوال أهل العلم في المراد بقول النبي ﵊: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال رسول الله ﷺ : (والله لله أفرح بتوبة العبد من أحدكم يجد ضالته بالفلا)] اختلف أهل السنة في ذلك، وهذا الخلاف بين أهل السنة إنما هو في فروع الاعتقاد، وهو خلاف معتبر، إذ أن أهل السنة قد أجمعوا على أصول السنة وأصول الدين، ولم يختلفوا فيها، فلو أن واحداً قال بجميع ما قال به أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأصول الاعتقاد، لكنه قال: إن الله لا يرى بالأبصار في الآخرة، فهذا يكون معتزلياً؛ لأن رؤية المولى في الآخرة أصل من أصول الإيمان، دون أهل الكفر والجحود والكفران، فإنهم لا يرونه عقوبة لهم على ذلك.
والذراع من الرسغ إلى المرفق، وقالوا: الباع من الرسغ إلى المنكب، أي: الكتف، قال: بعض أهل السنة: هذا التقدير في طريق التوبة يدل على أن الله تعالى يقبل على عبده أكثر من إقبال العبد عليه، مع استغنائه عن حاجاتهم، فهذا فضل وكرم من الله , وقال بعضهم: لا، بل هذا نص نجريه على ظاهره.
أيضاً: من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة، وهو خلاف معتبر: رؤية النبي ﵊ لربه في ليلة الإسراء والمعراج، فقد اختلف فيها الصحابة ﵃، فقال بعضهم: إن النبي ﵊ رأى ربه، وقال بعضهم: لم ير ربه، إذن هل سنخرج أحد الفريقين من دائرة السنة وندخله في البدعة؟ لا؛ لأن المسألة من فروع الاعتقاد، وما دام وقع الخلاف فيها بين السلف فلا يزال الخلاف قائماً إلى قيام الساعة بغير نكير على جميع الأطراف، فإذا جاء أحدهم وأخذ بمذهب عائشة، وهو قول أهل السنة، من أن النبي ﵊ لم ير ربه، فهل الذي يذهب مذهب ابن مسعود وابن عباس وغيرهم يقول: لا, بل قد رأى ربه؟ ثم يشنع على الآخر ويقول له: أنت ضال، أنت مبتدع، إن هذا الكلام لا يجوز؛ هل ينفع هذا الكلام؟ لا، لماذا؟ لأن وجود الخلاف بين الصحابة مع عدم تضليل بعضهم لبعض يدل على أن الخلاف في هذه القضية سائغ ومعتبر، بينما الخلاف في الأصول يكون غير معتبر، فقد يخرج المرء من دائرة السنة إلى دائرة البدعة.
إذاً: بعضهم التزم ظاهر النص، والبعض الآخر قال: المقصود من الحديث: سرعة إقبال الله على العبد أكثر من إقبال العبد عليه، وقال بعضهم: تقرب العبد إلى الله كناية عن التوبة، لكن هذه الكناية إطلاق اللفظ وإرادة لازمة، مثل قول: الخنساء تصف أخاها: طويل النجاد رفيع العماد كثير الرماد إذا ما شتى قولها: (طويل النجاد) أي: أنه إنسان طويل، والطول ممدوح عند العرب، حتى يقولون: الطول هيبة وإن كان خيبة، حتى لو كان صاحبه غير صالح.
وقولها: (رفيع العماد)، العماد هو ما يعتمد عليه، مثل: القائم في الأرض، كالخشب أو الحديد، أو العكاز، فهي لم ترد أن تصفه أنه يمشي متكئاً على عمود، وإنما أرادت أن تكني عن شرفه وحكمته ومكانته العظيمة عند قومه.
وقولها: (كثير الرماد) كناية عن الكرم؛ لأن كثير الرماد فيه دلالة على إشعال الحطب وشوي اللحم للضيوف، لكن قلة الفئران في البيت إشارة إلى الفقر، يذكر أن امرأة ذهبت للولي وقالت له: إني أشكو قلة الفئران في بيتي.
كناية منها عن فقرها؛ لأن الفئران ماذا تعمل في بيت ليس فيه إلا البلاط؟ ماذا تعمل الفئران في بيت ليس فيه إلا الرياح؟ لا بد أن ترحل الفئران.
والأولى عندي أن تجرى هذه النصوص على ظاهرها، فنؤمن بها ولا نأخذ في كيفيتها، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 792
شرح حديث فرحة الله بتوبة العبد من طرق أخرى
قال: [حدثنا عبد الله بن قعنب القعنبي، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها).
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف ابن راهويه -واللفظ لـ عثمان - أي: هذا السياق من طريق أو من لفظ عثمان بن أبي شيبة لا من طريق ابن راهويه - حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي، عن الأعمش سليمان بن مهران الكوفي، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن الحارث بن سويد التيمي الكوفي أبو عائشة، قال: دخلت على عبد الله أعوده].
إذا ذكر في طبقة الصحابة عبد الله فالمراد به: عبد الله بن مسعود، وهناك قرينة أخرى: أن يكون الإسناد كوفياً؛ لأن عبد الله بن مسعود رحل إلى الكوفة وتولى فيها القضاء، وتخرج على يديه جيل التابعين بأكمله، ولذلك إذا كان الإسناد كوفياً، ثم قال التابعي: وحدثني عبد الله، فعلم أنه عبد الله بن مسعود من غير خلاف.
قال: [دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض، فحدثنا بحديثين: حديثاً عن نفسه وحديثاً عن رسول الله ﷺ ]، يعني: أنه حدثهم بحديث مرفوع وحديث موقوف، فذكر هنا المرفوع ولم يذكر الموقوف، وذكر البخاري في صحيحه الحديثين جميعاً، وليس الأمر كما قال أحدهم: حدثني فلان بحديثين، أما هو فقد نسي أحدهما وأنا نسيت الآخر، يعني: أنه لا يوجد شيء.
قال: [حدثني رسول الله ﷺ أنه قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية -أي: الأرض القفر والفلاة الخالية- مهلكة)].
في حقيقة الأمر الأرض لا تهلك، لكن لما كانت محلاً للهلاك نسب الهلاك إليها استعارة؛ لأن الهلاك يقع فيها، ولذلك يسمونها: استعارة محلية، فيطلقون المحل ويريدون الحال، بخلاف الاستعارة الحالية، إذ هي إطلاق الحال وإرادة المحل.
قال ﵀: [(معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت -ليس له إلا هذا- فوضع رأسه على ساعده ليموت)].
أي: لم يكن واضعاً رأسه على ساعده خصيصاً لأجل الموت، وإنما فعل ذلك لأجل النوم فيدركه الموت وهو نائم، كذلك لا يلزم للموت أن يضع الرجل رأسه على ذراعه أو على ساعده، فهذه ليست هيئة الميت وإنما هيئة النائم.
قال المصنف ﵀: [(فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً من توبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)، وفي الرواية الثانية: (من رجل بداوية من الأرض)].
داوية أو دوية بالألف أو بغيرها، وكلاهما واحد.
وفي الرواية الأخرى: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن).
стр. 793
خوف المؤمن من ذنوبه داعٍ له إلى التوبة منها
وقد ذكر البخاري في صحيحه والترمذي وغيرهما أن ابن مسعود ﵁ قال: (المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، أما الفاجر فإنه لا يرى ذنوبه إلا كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا).
فهذا يدل على أن المؤمن دائماً قلبه حي، فإذا وقع في الذنب الصغير تجده يتصور أن هذا الذنب جبل يخاف أن يسقط عليه فيدكه دكاً، أما الفاجر فيرى ذنبه كأنه لم يكن، أو كأنه لا شيء، وشبهه بذبابة وقعت على أنفه فقال بيده هكذا، يعني: أشار إليها بكفه فطارت، ولذلك المؤمن إذا وقع في الذنب أحدث له فوراً توبة وندماً، وتفطر قلبه وتصدع وعاش في هم وغم وكدر، أما الفاجر فيقول: إن رحمة الله وسعت كل شيء، ويذهب يحتج بكل آيات وأحاديث الرجاء، بينما العبد المؤمن الصالح الطائع يضع نصب عينيه آيات وأحاديث الخوف، وآيات وأحاديث الرجاء، فإذا نظر إلى آيات وأحاديث الخوف حمله ذلك على مزيد الطاعة، وإذا نظر إلى أحاديث الرجاء حمله ذلك على الإكثار من النوافل لرجاء المغفرة، ولذلك هناك فرق كبير جداً بين الرجاء وبين التوكل، فالرجاء لا يكون إلا بعد العمل، فيعمل أولاً ثم يرجو الله تعالى، لكن أن يكون قائماً على المعصية ويقول: إني لأرجو رحمة الله تعالى! فهذا حمق وليس ديناً، ولذلك عندما تلت عائشة ﵁ قول الله تعالى: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني، والسارق يسرق، ويخافون ألا يتقبل منهم؟ فقال ﷺ : لا يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وزكاة وجهاد، وفي رواية: وحج، ويخافون ألا يتقبل منهم).
يعني: أنهم قد حققوا العمل أولاً، ثم دفعهم الخوف ألا يقبل ذلك منهم، وهذا هو الخوف المعتدل الذي يحملك على زيادة الطاعة، أما إذا حملك الطمع في رحمة الله على الوقوع في معصيته فليس هذا من باب الرجاء الممدوح.
стр. 794
شرح رواية النعمان بن بشير لحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده) وحل ألفاظها
قال: [وفي رواية النعمان بن بشير قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير)].
والمزادة: اسم جنس للمزادة، وهي القربة العظيمة، سميت بذلك لأنه يزاد فيها من جلد آخر، وكانت العرب تحمل فيها المتاع، كالطعام والشراب وغير ذلك.
قال: [(ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة - أي: وقت القيلولة- فنزل فقال تحت شجرة)، يعني: أنه نام تحت شجرة وقت القيلولة، والقيلولة اسم النوم وقت الظهيرة.
قال: (فغلبته عينه وانسل بعيره)، أي: نام فذهب بعيره في خفية.
[(فاستيقظ فسعى شرفاً فلم ير شيئاً، ثم سعى شرفاً فلم ير شيئاً)]، الشرف: المكان العالي، وقد يكون المراد به: الرجل العظيم في قومه، ذو المكانة السامية المرموقة، والمراد به هنا الأول، أي: أن الرجل انطلق إلى مكان عال لينظر بعيره، فلم يجد شيئاً، ثم نزل وانطلق إلى مكان آخر عال، فلم يجد شيئاً، حتى أيس من إيجاد هذا البعير أو الراحلة.
قال: [(ثم سعى شرفاً ثالثاً فلم ير شيئاً، فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه، فبينما هو قاعد جاءه بعيره يمشي، حتى وضع خطامه في يده)، يعني: أن البعير جاء من نفسه حتى وضع الخطام في يد صاحبه، والرجل كان قاعداً، بينما في الحادثة الأولى: (فاستيقظ فوجد البعير بين يديه أو ضالته)، فهل الكلام هذا فيه خلاف أم لا؟ لا يمكن أن نقول: إن فيه خلافاً، وإنما الخلاف هذا بتعدد الحوادث؛ لأن هذه الحادثة لم تقع فعلاً، يعني: أن الراوي الذي روى لنا هذا لا يروي لنا حادثة وقعت بالفعل، فينقلها ويصورها لنا كما هي، وإنما هذا تمثيل وتقريب ضربه النبي ﵊ لبيان المعنى على الحالين، ففي هذا الوقت كان الشخص نائماً، ثم بعد ذلك يستيقظ فينظر فيرى ضالته أمام عينيه، بخلاف رجل آخر مستيقظ وينتظر، ومن شدة همه وحزنه ينظر في الصحراء شرقاً وغرباً، وبعد ذلك ينظر فإذا سواد آتٍ من بعيد، فيقول: يا ترى هل هذه ضالتي أم أنا لم أستطيع أن أرى جيداً؟ ويظل في هذه الشكوك، لكن على كل حال هناك بصيص أمل يمكن أن تكون ضالته، حتى تقترب منه فيعرف أنها ضالته، فلا شك أن فرحته هذه أتت تدريجية، بينما الآخر أتت فرحته فجأة، فهذا تمثيل لفرحة العبد بضالته على الحالين: حال الشك حتى أتاه اليقين، وحال اليقين الذي يراه فجأة.
قال: [(فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا حين وجد بعيره على حاله).
قال سماك: فزعم الشعبي -وهو عامر بن شراحيل - أن النعمان رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وأما أنا فلم أسمعه].
يعني: أن هذا الحديث من رواية سماك بن حرب عن الشعبي عن النعمان بن بشير من قوله، ولذلك لا تجد في الحديث أن النعمان قال: حدثني النبي ﵊، وإنما قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده)، ثم بعد ذلك في نهاية الحديث تأتي المسألة التي هي محل خلاف، إذ إن سماكاً يقول: أنا الذي رويت الحديث عن الشعبي عن النعمان، لكن أنا أشك أن النعمان رفع هذا الحديث، يعني: أنه ليس من قول النبي وإنما هو من قول النعمان، والشعبي إنما يزعم أنه سمع النعمان يرفع هذا الحديث، وهذا من دقة المحدثين ودقة الرواة، وهذا ما كان يكفي سماك كما يكفينا، أي: ما دام أن الشعبي قد رفع الحديث فنأخذه، والعهدة عليه، لكن دقة المحدثين جعلت سماكاً يروي الحديث كما سمعه موقوفاً على النعمان.
стр. 795
قاعدة: ليس كل من تلبس بالكفر أو البدعة صار كافراً أو مبتدعاً
وفي حديث البراء بن عازب قال النبي ﵊: [(كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته -أي: انطلقت وانسلت- تجر زمامها بأرض قفر ليس فيها طعام ولا شراب -يعني: أن حبلها مجرور وراءها- وعليها له طعامه وشرابه، فطلبها حتى شق عليه -يعني: أجهده البحث- ثم مرت بجذع شجرة فتعلق زمامها -يعني: أن هذه الناقة أو البعير أو الحمار في أثناء سيره في الصحراء مر بشجرة فتعلق الحبل بأصلها- فوجدها متعلقة به -النبي ﵊ يقول: ما رأيكم في فرحة رجل كهذا؟ - قالوا: شديداً يا رسول الله! فقال النبي ﵊: أما والله! لله أشد فرحاً بتوبة عبده من الرجل براحلته)].
وفي حديث أنس قال النبي ﵊: [(لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)].
لكن: لو أن واحداً قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.
فإنه يكفر؛ لأنه نسب نفسه إلى الربوبية والإلهية، ونسب الرب والإله إلى الخلق، لكن إن صدر من العبد بغير قصد، أو سبق لسان على سبيل السهو والخطأ فلا شيء عليه، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء: بأنه ليس بلازم لمن نطق بالكفر أن يتلبس بالكفر أو يلبسه الكفر.
ومن نطق بالبدعة ليس بلازم أن تلبسه البدعة أو أن يتلبس بالبدعة.
وهذا كلام خطير جداً، فلو أن رجلاً مشهود له بالصلاح والعلم قال بقول المعتزلة في مسألة اعتقادية، أو قال بقول المرجئة، أو الشيعة، فهل يلزم من قوله بقول هؤلاء أن يكون شيعياً، أو قدرياً، أو مرجئاً؟ لا يلزم، وإنما يرد عليه ما قد أخطأ فيه وجانبه الصواب فيه، ويبقى على أصله واستقامته، ولا نخرجه من دائرة السنة لقول وافق فيه المبتدعة، فقد وافق الحافظ ابن حجر الأشعرية في تأويل بعض الصفات، لكن لا ينسب ابن حجر إلى البدعة أو إلى الأشعرية، فقد شن هجوماً شديداً جداً في المجلد الأول والثاني والثالث عشر في فتح الباري على الأشعرية، وأثبت أنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة، فرجل كهذا يوافقهم في بعض المسائل إنما نقول: خالف فيها أهل السنة والجماعة مخالفة غير متعمدة، إما أن يكون سبق لسان إذا كان كلاماً، أو سبق قلم إذا كان كتابة، أو يكون عن جهل وعدم دراسة.
وكذلك ليس كل من تلبس بالكفر كافراً، أو وقع في البدعة مبتدعاً، إلا إذا خالف في أصل من أصول أهل السنة والجماعة، وأقيمت عليه الأدلة والحجج والبراهين على أن هذا مذهب الاعتزال، أو مذهب القدرية، أو مذهب الأشاعرة، أو مذهب الشيعة، واختار أن يسلك هذا الطريق، ثم لو كان من أهل اللسان أو القلم صنف في الرد على ما كان عليه أولاً.
ولذلك يقول ميمون بن مهران: إن أبلى البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف.
أي: أن من أعظم البلاء أن تنكر في المستقبل ما تعرفه قبل ذلك، أو تعرف في المستقبل ما كنت تنكره الآن، فهذا بلاء عظيم جداً، أن يتحول المرء من طريق السنة إلى طريق البدعة، ولا يقف عند هذا الحد، بل يرد على أهل السنة وينسبهم إلى البدعة، والانتقال من السنة إلى البدعة كلام مجمل، فإذا قلت: بدعة.
فمعناه: أن كل ما عليه بدعة، وليس هناك شيء اسمه دليل، يعني: أن ترك السنة والانتقال إلى البدعة معناه: الانتقال إلى غير دليل؛ لأن البدعة لا دليل عليها، والدليل إنما يؤيد السنة.
والنبي ﷺ قال ذلك من باب أنه لم يقع، لكنه تمثيل، فيقول العبد من شدة الفرح: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، وهذا على سبيل الخطأ، ولذلك قال: (أخطأ من شدة الفرح).
ولذا فإن الإنسان قد يبلغ درجة الإغلاق من الغضب أو من الفرح، وليس بلازم أن يكون غضباً فقط، ونحن قد قلنا قبل ذلك: إن الغضب والرضا والسخط والفرح والسرور وغير ذلك كلها انفعالات نفسيه، فإن كانت منضبطة فهذا حد الاعتدال، وإن زادت فربما لا يترتب عليها أثر، فلو أن إنساناً غضب غضباً شديداً بلغ معه درجة إغلاق العقل، بحيث إنه لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فقد يرمي بابنه من أعلى البيت إلى الشارع وهو لا يدري ما يفعل، وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق، فلا يقع طلاقه، ولو قال لله: أنت عبد وأنا ربك، فلا يكفر.
أيضاً: لو أن إنساناً فرح فرحاً زائداً جداً، إلى حد أنه يضحك بهستيرية من شدة الفرح، فلا يترتب عليه عند الخطأ وعدم القصد والتعمد أثره.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 796
شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - سقوط الذنوب بالاستغفار
فطر الله تعالى الخلق على الخطأ والوقوع في الآثام، وجعل الاستغفار منهم موجباً لسقوط الذنوب، والعبد إذا أذنب فإن ذنبه مهما بلغ ما هو إلا شيء، والله وسعت رحمته كل شيء، وباب التوبة لا يغلق حتى تقوم على العبد إحدى القيامتين، ولا يمل الله من كثرة توبة عبده، بل هو أشد فرحاً بها من رجل فقد راحلته بأرض فلاة، فلما يئس منها إذا به يجدها قائمة فوق رأسه.
стр. 797
باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة
الاستغفار مهم جداً في مغفرة الذنب، والاستغفار في حد ذاته توبة من الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - عن محمد بن قيس -وهو المعروف بـ القاص، وهو من أهل المدينة، وكان قاصاً في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى- عن أبي صرمة المازني الأنصاري -وهو صحابي مختلف في اسم أبيه- عن أبي أيوب].
وهو أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، حضر بدراً، ومات غازياً الروم سنة خمسين هجرية، وله منقبة عظيمة جداً وهي: أن النبي ﵊ لما هاجر من مكة إلى المدينة نزل في بيته.
قال: [أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم)].
стр. 798
بيان أهمية الاستغفار
والتقدير: فيستغفرون الله فيغفر لهم، ولولا أن الله تعالى يغفر الذنب لما سمى نفسه (غفوراً)، ولما سمى نفسه (تواباً)، وغير ذلك من الأسماء التي تفيد في معناها ولفظها أن الله تعالى يقبل العذر ويغفر الذنب، فلو لم يكن غفوراً فكيف يغفر؟! ولو لم يذنب العبد فما الذي يغفره الله ؟ وإذا كان العبد لا يذنب فلم يستغفر إذن؟ إنما استغفر الأنبياء لوقوعهم في الهفوات، وأنها في حقهم -كما يقول بعض أهل العلم- كالكبائر في حق سائر الناس؛ لأنهم يستشعرون عظمة من عصوه أكثر من غيرهم، ولذلك: (كان نبينا ﵊ يستغفر الله تعالى في اليوم الواحد أكثر من سبعين مرة)، وفي رواية (كان يستغفره مائة مرة).
ولا تعارض بين الروايتين، فالذي يستغفر في اليوم أكثر من سبعين يمكن أن يصل استغفاره إلى مائة مرة.
وهنا بيان أهمية الاستغفار، وبيان أهمية تسمية الله نفسه بالغفار، أو الغفور، أو التواب، أو الرحيم، وغير ذلك من الأسماء.
وهذا حديث عظيم جداً في باب الرجاء، فالعبد مهما أذنب فإن ذنبه لا يعدو كونه شيئاً، والله تعالى وسعت رحمته كل شيء، لكن لا أعطي بطاقة أو رخصة في الوقوع في الذنب، صغيراً كان أو كبيراً، ولكني أقول: إن العبد في لحظة غفلة وتسلط الشيطان إذا وقع في ذنب فيجب عليه أن يبادر ويسارع للاستغفار والتوبة.
ومن قبل قلنا: إن التوبة ليست كلاماً ولا ضحكاً ولا استهزاءً، وإنما التائب من ينفطر قلبه، ويغتم غماً يكاد الناظر إليه يقول: هذا يئس من رحمة الله، ولا معاودة لذنب، حتى وإن عاد فإنه يعزم على ألا يعود، فإن عاد بقدر الله -وأرجو ألا يكون هذا احتجاجاً بالقدر على المعصية؛ لأن هذا من مسالك وعقائد الفرق الضالة- ووقع في الذنب مرة أخرى في لحظة غفلته وتقصيره، فإنه يلزمه أن يتوب من هذا الذنب الثاني، وهكذا إن وقع في الذنب مرة أخرى، فلا يمل من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله وإن كثرت ذنوبه.
قال: [حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري - حدثني عياض، وهو ابن عبد الله الفهري، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله ﷺ قال: (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم)].
أي: لو لم تذنبوا لأهلككم الله ، وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
قال: [حدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني - عن جعفر الجزري -وهو ابن برقان أبو عبد الله الرقي - عن يزيد بن الأصم -وهو أبو عوف البكائي، كوفي، نزل الرقة فنسب لها- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)].
فالذي أبهم في رواية أبي أيوب الأنصاري صرح به في هذه الرواية؛ فهو لم يذكر استغفاراً في رواية أبي أيوب، وهنا في رواية أبي هريرة ذكره صراحة؛ حتى لا يحملن أحداً عدم وجود الاستغفار في رواية أبي أيوب اعتقاد أن الله تعالى يغفر لهم بغير أن يستغفروا أو بغير أن يتوبوا، فالله جعل مثل هذا في مشيئته، فلا يعلم أحد أيغفر له أم لا يغفر له؟ أما من استغفر الله من الذنب -وهو دليل التوبة وقائدها ورائدها إلى الله غفر له، وهذا وعد الله ﵎، ووعده لا يتخلف، بخلاف وعيده الذي توعد به العصاة من الموحدين، إذ هو داخل في مشيئته، إن شاء عذب وإن شاء غفر.
стр. 799
كتمان العلم مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله من هدي السلف ﵏
وفعل أبي أيوب الأنصاري هذا وهو على فراش الموت فعل غير واحد من الصحابة، كـ أبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر وغيرهم، فقد كان عندهم من العلم ما كتموه طيلة حياتهم، حتى إذا أشرف أحدهم على الموت حدث به تأثماً، وليس كتمان العلم جائزاً مطلقاً، كما أن إفشاء العلم ليس جائزاً مطلقاً.
فهدي العلماء أن العلم لا يبث إلا في أهله وفيمن يستحق، فلا يعلم كل أحد، وإنما يعلم من يصون هذا العلم، علماً وعملاً واعتقاداً، أما المستهزئون فإنهم لا يتعلمون، بل لا ينفعهم العلم، وهؤلاء سقط الناس ورعاعهم الذين لا يقدرون العلم والعلماء، وعليه فما قيمة أن يعلموا العلم؟ قال مالك يوصي بعض طلاب العلم لما ودعه مسافراً: أوصيك أن تأخذ العلم من أهله وأن تضعه في أهله.
أي: خذ العلم من العلماء، وضعه في أقوام هم له أهل، وإنها وصية غالية جداً، لا يعلم معناها إلا مالك ومن كان على شاكلة مالك، رحم الله جميع علمائنا.
كذلك: حديث أبي هريرة الطويل في صحيح مسلم، والذي قال فيه النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (اذهب خلف هذا الحائط، فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة، فكان أول من وجده: عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: قال لي النبي ﵊: يا أبا هريرة! اذهب خلف هذا الحائط فمن وجدته يشهد أن لا إله إلا الله فبشره بالجنة.
فقال أبو هريرة: فضربني عمر ضربة خررت منها على استي، وقال: لا تفعل، فذهب أبو هريرة إلى النبي ﵊ وقال له: قد فعلت ما قلت يا رسول الله! وقد حصل من أمر عمر كذا وكذا، وكان عمر في إثره، فقال النبي ﵊: يا عمر! ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله! مخافة أن يتكلوا، دع الناس يعملون، فقال النبي ﵊: دعهم يعملون).
أيضاً: قوله ﵊ لـ أبي ذر: (يا أبا ذر! اذهب فقل للناس: من كان يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله موقناً بها قلبه فبشره بالجنة).
فقال أبو ذر عند موته: حدثني النبي ﷺ بحديث كتمته عنكم، وما أحدثكم إلا تأثماً، أي: مخافة الوقوع في إثم كتمان العلم.
إذاً: العلم يكتم أحياناً لمصلحة مخافة أن يتكل الناس على أحاديث الرجاء أو آيات الرجاء، كما أن العلم لا بد من بثه في وقت معين إذا تعين ذلك، وربما هؤلاء سمعوا أحاديث من النبي ﵊ لم يسمعها غيرهم، فتعين عليهم البلاغ، لكنهم كتموا هذا العلم وقتاً من الزمان؛ مخافة اتكال الناس على سعة رحمة الله، فيدعون العمل، ثم إنهم حدثوا به في وقت غلب على ظنهم أنهم بعد هذا الوقت يموتون ويموت معهم العلم الذي كتموه؛ لأنه ليس مع غيرهم، فحدثوا به مخافة الوقوع في الإثم.
قال النووي: إنما كتموه أولاً مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله تعالى، وانهماكهم في المعاصي، وإنما حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره، فتعين عليه أداؤه، وأصبح فرض عين عليه أن يؤديه وأن يحدث به، وهو نحو قوله في الحديث الآخر: وأخبر بها معاذ تأثماً عند موته.
أي: خشية الإثم بكتمان العلم.
стр. 800
باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا
الإنسان مطلوب منه أن يكثر من التفكر، والتدبر، واستحضار مراقبة الله ، وغير ذلك من الأعمال التي من شأنها أن تصون سيره إلى الله ، وتثبته على الطريق حتى لا ينحرف عنه، لكن هذا ليس في كل وقت؛ لأن هذا لو كان في كل وقت فلربما أدى إلى يأس وقنوط العبد من رحمة الله تعالى.
الأمر الآخر: أن ذلك سيشغله عن طلب معاشه، ورعاية من يعولهم، وربما كان العبد صاحب رقة قلب فينفطر قلبه وفؤاده من خشية الله ، فيؤدي به إلى القنوط واليأس من رحمة الله.
стр. 801
شرح حديث: (يا حنظلة ساعة وساعة)
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وقطن بن نسير، أخبرنا جعفر بن سليمان -وهو الضبعي البصري - عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي عثمان النهدي -وهو عبد الرحمن بن مل - عن حنظلة الأسيدي قال: -وكان من كتاب الوحي للرسول ﷺ (لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ -يعني: ما هذا الكلام الذي تقوله يا حنظلة؟ - قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ ، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين -يعني: حتى كأننا ننظر إليها رأي العين- فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات -أي: باشرنا وجامعنا وقبلنا ولعبنا مع الأزواج والأولاد، وانشغلنا بطلب معاشنا وغير ذلك من متاع الدنيا- فنسينا كثيراً -أي: مما كنا نذكره ونتفكر فيه ونتدبره ونستحضر عظمته في مجلس النبي ﵊ قال أبو بكر: فو الله! إنا لنلقى مثل هذا -أي: أنني أشكو مما تشكو منه، وأجد ما تجده أنت من نفسك- فانطلقت أنا وأبو بكر - هذا كلام حنظلة - حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ -أي: ما هذا الكلام الذي تقوله، وما دليل النفاق الذي تزعمه وتدعيه؟ - قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً، فقال النبي ﵊: والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة) ثلاث مرات].
إن عامة الناس يفهمون أن الساعة التي هي لله هي: الصلاة والصيام وغير ذلك من الأعمال، والساعة التي هي للقلب هي: الساعة التي يعصي فيها، ويرفث فيها، ويفسق فيها، وينحرف عن الصراط المستقيم، إن هذا ليس هو المقصود من هذا الحديث، وإنما المقصود من هذا الحديث: روحوا القلوب؛ لأن القلوب تمل، فلو أن عبداً يقرأ القرآن في كل لحظة، فإنه لا بد أن يمل، لكن لو أنه انتقل من القرآن إلى السنة، أو من السنة إلى الصلاة، أو من الصلاة إلى الصيام، أو من الصيام إلى الزكاة، أو من الزكاة إلى الحج، أو من الحج إلى قضاء مصالح المسلمين، فينتقل من طاعة إلى طاعة، فإنه لا يمل، لكن أن يقوم على طاعة واحدة دائماً وأبداً فإنه سوف يمل منها؛ لأن القلوب بشرية فطرت على الملل، ولذلك ينبغي على المسلم أن ينوع في طاعة الله ، فينتقل من طاعة إلى طاعة، ومن حسنة إلى ما هو أحسن منها، ومن عمل دون إلى عمل أعلى في مرضات الله ، فالنفس تنفر من القيام والدوام على العمل الواحد، حتى وإن كان هذا العمل هو قراءة القرآن الكريم، أو هو النظر في سنة النبي الأمين ﵊.
فلا بد أن تروح على قلبك ساعة، وهذا الترويح إنما يشمل معافسة الزوجة، ومداعبة الأولاد، والانشغال بالدنيا، وطلب المعاش وغير ذلك، حتى وإن شعر أنه قد نسي ما كان آنفاً تذكر الآخرة، وتدبر في أحوالها وشئونها.
أما عمل الدنيا وطلب المعاش فإنه لا يمنع المرء أن يكون ذاكراً لله، ليس فقط بلسانه، وإنما بقلبه وبعمله وفكره وعقيدته، فالمرء إذا انطلق إلى زرعه أو حائطه، أو صناعته، أو تجارته، فإنما يراعي فيها حق الله، ويراعي فيها الحلال والحرام، وهذا الإنسان لم يخرج عن ذكر الله، وإن لم يذكره بلسانه، لكن لو رأى في تجارته شيئاً حرمه الله، أو كرهه الله، استبعده عن تجارته، وهذا نوع من ذكر الله .
وكذلك إذا داعب أولاده، فخرج أحدهم عن حد الاعتدال والاستقامة بكلمة أو فعل، ذكره أن هذا مخالف للشرع، وأدبه بالرجوع عن هذا إلى طاعة الله ، ولذا فليس ذكر الله تعالى أن يجلس الإنسان في مكان ويلزمه فيسبح، أو يحمد، أو يستغفر، أو يكبر، أو يهلل، بل العمل بالشرع أولى من القول بالشرع، يعني: أن تعمل على مقتضى الذكر خير من أن تذكر بلسانك؛ لأنك قد ترجمت هذا الذكر القولي إلى عمل، والعمل هو المراد من القول، والنبي ﵊ إنما قال لنا أقوالاً المراد منها العمل بها، ولا يلزم كل مسلم أن يكون عالماً، لكن يلزم المسلم أن يعمل بما بلغه من العلم، حتى القراء يقولون: العمل بالقرآن فرض عين، بخلاف العلم بالقرآن فهو فرض كفاية، يذكرون هذا في كتب الأحكام والتجويد، يقولون: العلم بالتجويد فرض كفاية، والعمل بالتجويد فرض عين.
ولذلك أنت الآن ربما تقرأ القرآن صحيحاً عن طريق التلقي، أو تتلقى القرآن على يد شيخ، فتقرأ القرآن بالأحكام، لكن لو قيل لك: لم كانت الغنة هنا؟ ولم كان الإظهار هنا؟ ولم كان الإقلاب هـ
стр. 802
شرح بعض مفردات حديث حنظلة
قال: [حدثني إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـ الكوسج البغدادي، تلميذ أحمد بن حنبل - أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، حدث عن سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكر النار - أي: ذكرنا بالنار - قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة، فقال: مه -كلمة استنكار تقولها العرب، وكأن النبي يقول له: أنت لم تقع في النفاق- فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة! ساعة وساعة، ولو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق)].
يعني: لو أن قلوبكم إذا ذكرت تذكرت كما لو تذكرت في مجلس الذكر، فلا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر في غير مجالس الذكر، ولا يضركم أن تنشغلوا عن الذكر بمعافسة الزوجة والأولاد، وطلب المعاش وغير ذلك، لكن إذا لم تتأثر قلوبكم بالذكر والموعظة في مجلس الذكر، فتكون مصيباً إن اتهمت نفسك، أما لو كان قلبك يرق من الموعظة ويتأثر بكلام الله وبكلام الرسول ﵊، وذكر الجنة والنار، وغيرها من الأخبار، فإن هذا يدل على سلامة القلب، وعلى إيمان القلب.
أما أن تخرج بهذا الجو النفسي من مجلس الذكر، وتطالب قلبك بأن يصحبك في كل وقت بهذه الحالة، فإن هذا ليس في مقدور أحد، ولذلك لم يقدر عليه أفضل الأمة بعد النبي ﵊، وهو أبو بكر الصديق ﵁، والنبي ﵊ قد بشر بأنه لو كان كذلك في مجلس الذكر دون غيره من بقية المجالس لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرقات.
قال: [حدثنا زهير بن حرب، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان -وهو الثوري - عن سعيد الجريري عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة التميمي الأسيدي الكاتب -أي كاتب الوحي- قال: كنا عند النبي ﷺ فذكرنا الجنة والنار فذكر حديثهما].
قال الإمام النووي في قول حنظلة: (عافسنا)، معناه: حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا -أي: طلبناها- والضيعات: جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال، أو حرفة، أو صناعة.
وروى الخطابي هذا الحرف (عانسنا) ومعناه: لاعبنا -وعانسنا من العنوسة وهي اللعب- ورواه ابن قتيبة بالشين المعجمة، قال: ومعناه: عانقنا، والأول هو المعروف وهو أعم.
وأما قوله: (نافق حنظلة) فمعناه: أنه خاف أنه منافق، حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي ﷺ ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا، وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً، فأعلمهم النبي ﵊ أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك، أي: أنهم غير مكلفين بأن يعيشوا دائماً -حتى في طلب معاشهم- كما لو كانوا يعيشون في مجلس الوعظ والذكر، فالنبي ﵊ كان يبكي أحياناً ويضحك أحياناً، فهل يضحك إنسان يرى النار رأي العين؟ لا يمكن قط، لكن رحمة الله تدرك جميع الخلق من المؤمنين الموحدين، فينسون ما يكدر عليهم معاشهم وحياتهم، حتى يتسنى لهم طلب الحياة والمعاش، وإلا لو كان منظر النار لا يغيب قط عن عين أحد لما انتفع بنفسه، ولما انتفع بقلبه، ولذا كان من رحمة الله بالإنسان أنه ينسى أحياناً المواعظ حتى ينشغل بما تعين عليه في وقته.
لكن لو أن إنساناً في مصنع أو على مكينة أو على كمبيوتر أو أي شيء من الأعمال، وصورت له النار، أو سمع موعظة بليغة جداً أثرت في قلبه، فربما عطلته عن العمل لفرط شفافيته ورقته، وآخر: يأتي فيشكي أنه لا يستطيع أن يأتي زوجته، أو يداعب أولاده، ولا أن يعمل في العمل وحياته كلها مكدرة مقلوبة رأساً على عقب؛ لأنه يخاف الله ولم يتصور أنه لا يغفر ذنبه، فهذا إنسان في طريق اليأس من رحمة الله .
وأما قوله: (فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة.
فقال: مه) قال القاضي: معناه الاستفهام، أي: ما تقول؟ والهاء هنا هاء السكت، قال: ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك، يعني: كأنه أراد أن يقول له: اسكت فلم تنافق.
стр. 803
باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة يعني الحزامي -وهو ابن عبد الرحمن المدني - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي)].
أي: لما خلق الله الخلق كتب في كتابه هو؛ لأنه قال: كتب في كتابه، فأضاف ضمير الغائب إلى الكتاب، فدل على أن الكتاب هو كتاب مخصوص بالله .
وهذا الكتاب مكتوب فيه (إن رحمتي تغلب غضبي).
قال: [وحدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (قال الله : سبقت رحمتي غضبي)].
هذان الأمران: السبق والغلبة، موصوف بهما رحمة الله .
قال: [حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا أبو ضمرة -وهو أنس بن عياض المدني - عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لما قضى الله الخلق)].
أي: فرض، وقد ورد (قضى) في القرآن والسنة ثلاث عشرة مرة، لكل واحدة منها معنى يخصه، ويحدد هذا المعنى من خلال السياق.
قال: [(لما قضى الله الخلق - أي: لما خلق الله الخلق، وفرغ من خلق الخلق - كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده -أي: فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي تغلب غضبي)].
قال: [حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب -قد قلنا مراراً: يونس إذا كان بين ابن وهب والزهري فهو يونس بن يزيد الأيلي - أن سعيد بن المسيب أخبره، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)].
стр. 804
نقل كلام الإمام النووي في معنى صفة الغضب والرضا وبيان الخطأ فيه
قال العلماء في الحديث الأول: (إن رحمتي تغلب غضبي)، وفي رواية: (رحمتي سبقت غضبي): غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعة العبد تسمى رضا، ورحمته وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تسمى غضباً، وإرادته صفة له قديمه يريد بها جميع المرادات.
قالوا المراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه.
هكذا قال الإمام النووي نقلاً عن العلماء، وهذا النقل إنما هو نقل عن علماء الأشاعرة، لذا فليس هذا الكلام هو معتقد أهل السنة والجماعة، فالمعلوم أن الله ﵎ يغضب غضباً حقيقياً يليق بجلاله وكماله، والمعلوم أن الله تعالى يرحم عباده رحمة لا يعلم كنهها إلا الله ، أما نحن فقد أيقنا أن الله تعالى يغضب ويرضى ويسخط، ولا يستلزم إيماننا بهذا مشابهة غضب الله بغضب خلقه، ولا رحمة الله تعالى برحمة خلقه، ولا فرح الله تعالى بفرح خلقه، ولا رضا الله تعالى برضا خلقه، وقد قلنا: إن اختلاف صفات الله عن صفات المخلوقين ما هو إلا فرع لأصل وهو اختلاف الذات، فلما اختلفت ذات الله تعالى عن ذوات المخلوقين لا بد أن تختلف الصفات، فليست ذاته كذوات المخلوقين، وبالتالي فإن صفاته ليست كصفات المخلوقين.
ثم إن صفات الله لا توهم التشبيه ولا التمثيل لصفات المخلوقين، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة من جهة النقل عنهم، أما من جهة العقل فما المانع أن نسلم لله بما أثبته لنفسه؟ فنكتفي فقط بأن الله تعالى يغضب، ولا يستلزم الغضب في حق الله تعالى انفعالات نفسيه، وإنما ذلك في العبد، فتجعل المرء يتهور، أو يأتي بسفه أو بشيء من هذا، لكن الغضب في حق الله ليس كذلك، وكذلك الفرح: (لله تبارك تعالى أفرح بتوبة عبده من أحدكم من لقاء دابته التي ضلت طريقها)، فهل فرح الله هو نفس فرح العبد؟ لا، وكذلك رحمة الله ﵎ لعباده ليست كرحمة العباد بعضهم لبعض، فإذا اختلفت الذات فلا بد وأن تختلف الصفات.
وأما قوله: (والمراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه).
فأولاً: هذا القياس غير صحيح؛ للاختلاف بين الخالق والمخلوق، وإذا سلمنا بأن هذا قياس صحيح فلا بأس أن نقول: إن هذا المعنى ينضم إلى المعنى الأصلي، فيكون الأصل عندنا أن الله تعالى يغضب كما يشاء، ويفرح كما يشاء، ويغفر كما يشاء، ويسخط كما يشاء، فنؤمن بهذا ولا نخوض فيه، ولا بأس أن نضم إلى هذا المعنى الأصلي -الذي هو أصل القضية عندنا فيما يتعلق بالصفات- معنىً آخر وهو: أن المراد بالسبق والغلبة هنا: كثرة الرحمة وشمولها، أي: أن رحمة الله تعالى أعظم وأكثر وأشمل من غضبه، فلا بأس بهذا المعنى خاصة وأن الأدلة أثبتت أن رحمة الله ﵎ أوسع من غضبه، وأن الله تعالى إذا وعد بالرحمة فإنه لا يخلف وعده، وإذا توعد بالعذاب فإن ذلك داخل في مشيئته، فقد تقع أو لا تقع، أي: قد ينفذها الله ، أو يعفو ويصفح.
إذاً: رحمة الله تعالى أوسع وأشمل وأعم من غضبه، لكن كيف يغضب؟ وكيف يسخط؟ وكيف يرضى؟ الكيفية لا يعلمها إلا الله ، ولذلك يحذر من تأويل النص عن ظاهره، بل يجب الإيمان به كما جاء، وإمراره كما جاء، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة قاطبة، ولم يخالف في ذلك أحد منهم.
стр. 805
شمول رحمة الله للخلق في الدنيا والآخرة
قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل (يعنون ابن جعفر) عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرفي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة إلا واحدة)].
أي: أن الله خلق الرحمة مائة جزء، وجزء واحد من هذه الأجزاء أنزله لتتراحم به الخلائق جميعاً، من إنسان، وحيوان، وطير، وجماد، وجن، وغيرها من الخلائق، فتصور أن مظاهر الرحمة في بني آدم وفي الجن وفي الحيوانات والطيور وغيرها كلها من آثار رحمة واحدة لله ، فما بالك بالتسعة والتسعين جزءاً الذي خبأه الله ليرحم به عباده المؤمنين في عرصات يوم القيامة.
فهو يوم وإن كان عصيباً من وجه، إلا أن رحمة الله تدرك الموحدين بما يفوق حد العقول، لكني لا أعطي بهذا أيضاً بطاقة أو رخصة للوقوع في الذنب والمعصية والآثام اتكالاً على رحمة الله ، فربما لا تدركك؛ لأنه ليس وعداً على الله أن يغفر لكل عاص، وإنما كل عاص إن لم يتب فهو داخل يوم القيامة في مشيئة الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فلا تتكل على هذا، واعمل بما هو أحوط لك، وهو لزوم الطاعة.
قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام)].
حتى تعلم بشمول رحمة الله للخلق، وهذا جزء واحد من مائة جزء، وأن الذين يتراحمون فيما بينهم بهذا الجزء ليسوا فقط بني آدم، وإنما الإنس والجن والبهائم والهوام.
قال ﵀: [(فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)].
قال رحمه الله تعالى: [حدثني الحكم بن موسى، حدثنا معاذ بن معاذ -وهو العمري - حدثنا سليمان التيمي -وهو سليمان بن طرخان التيمي - حدثنا أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة).
وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه -وهو سليمان بن طرخان التيمي المتقدم في الإسناد الأول- بهذا الإسناد].
وقوله: (طباق ما بين السماء والأرض) أي: مسيرة خمسمائة عام، وتصور أن هذا حجم الرحمة طولاً، أما عرضاً فإنها تملأ الأرض فلا تبقي منها شيئاً، وهذه رحمة واحدة من رحمات الله، فكيف ببقية رحماته ؟! قال ﵀: [قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل مائة رحمة، وأنزل واحدة فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة)، يعني: أكملها ببقية أجزاء الرحمة التسعة والتسعين.
стр. 806
رحمة الله بعباده أعظم من رحمة الأم بولدها
قال: [حدثني الحسن بن علي الحلواني، ومحمد بن سهل التميمي (واللفظ لـ حسن) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم المدني، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: (قدم على رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي أو تسعى إذ وجدت صبياً في السبي)].
أي: عندما جيء بسبايا الحرب إلى النبي ﵊، وجد النبي ﵊ امرأة من السبي تبحث في بقية المأسورين.
قال: [(فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ -يعني: هل تتصورون أن هذه المرأة يمكن أن تطرح وأن تلقي وتقذف بولدها في النار؟ - قلنا: لا والله! وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال النبي ﵊: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)].
أي: أن مغفرة الله ورحمته أوسع من غضبه، ولذلك لا ينزل عقابه ابتداءً، وإنما يستعمل رحمته ويهديها عباده أولاً، ولا يعذب إلا من تعين في حقه العذاب.
стр. 807
شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة)
قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعاً، عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد)].
أي: لو يعلم المؤمن الذي وجبت له الجنة ما عند الله من العقوبة ومن العذاب وما أعد لأهل النار فيها، ما طمع في جنة الله ، بل لتمنى أن ينجو من النار ومن العذاب، حتى وإن لم يدخل الجنة.
قال: [(ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)].
وهذا في حق الكافر، وهو على عكس ما هو في حق المؤمن.
وقد ذُكر عن الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمته عندما كان قاضي القضاة في مصر: أنه مر في سوق التجار، فخرج إليه رجل يهودي كان يعمل في بيع السمن والزيت، ومعلوم أن مثل هذه الأعمال تتسخ ملابس وأبدان أصحابها، فخرج إليه ذلك اليهودي وقال له: يا قاضي القضاة! أنتم تزعمون أن نبيكم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، ألا ترى ما أنا فيه، وما أنت فيه؟! وكأنه أراد أن يقول له: هذه الحال الذي أنا وأنت فيه إنما يخالف خبر نبيكم ﷺ ، فقال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله: إن ما أعده الله لي إذا دخلت الجنة بالنسبة لي الآن في سجن، وما أعده الله لك في الآخرة من عذاب فأنت بالنسبة له الآن في جنة، رغم منظرك ومخبرك، لكن أنت الآن في رحمة عظيمة جداً بالنسبة لما أعد لك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة ستخلد في نار جهنم، فأنت الآن تعيش في ظل رحمة الله، تأكل، وتشرب، وتضحك، وتعمل كل شيء، أما في الآخرة فليس لك شيء من ذلك، فأسلم هذا اليهودي.
стр. 808
شرح حديث الرجل الذي أسرف على نفسه وأوصى بنيه أن يحرقوه إذا مات
قال: [حدثني محمد بن مرزوق بن بنت مهدي بن ميمون، حدثنا روح -وهو روح بن عبادة - حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه -يعني: إذا مت فحرقوه، فهو يتكلم بضمير الغائب- ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فو الله! لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ -أي: لم أمرت بنيك أن يحرقوك ثم يذروا نصفك في البر ونصفك في البحر؟ - قال: من خشيتك يا رب! وأنت أعلم، فغفر الله له)].
أي: وأنت أعلم بأني أخشاك، فغفر الله له ذنبه.
قال: [وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع -واللفظ له-: حدثنا) عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين؟ قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (أسرف رجل على نفسه -يعني: أفرط في المعاصي- فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فو الله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه به أحداً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله تعالى للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم -أي: بين يدي الله فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك)].
стр. 809
أقوال أهل العلم في تأويل حديث الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرقوه
قوله: (فوالله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين).
هذا شك في قدرة الله ، وهو كفر بالإجماع، لكن العلماء قد اختلفوا في تأويل هذا الحديث: فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله؛ لأن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، والكافر مخلد في النار، فلا بد من صرف هذا إلى غير قدرة الله، وقد قال في آخر الحديث: أنه إنما فعل ذلك خوفاً من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله، كما أنه لا يغفر لكافر، والحديث يقول: (فغفر الله له بذلك)، أي: بسبب الخشية، والمؤمن لا بد أن يطير إلى الله بجناحي الخوف والرجاء، فإذا غلب الخوف على الرجاء أدى به إلى اليأس من رحمة الله، وإذا غلب الرجاء على الخوف أدى به إلى التسويف في العمل، اتكالاً على رحمة الله ، لكن لا بأس أن يزيد الخوف على الرجاء شيئاً يسيراً حتى يحمله في حال صحته على العمل، لكن ينبغي أن يغلِّب رجاء الله على رحمة الله خاصة وهو في فراش موته، حتى يلقى الله ﵎ وهو طامع في جنته.
لذا فالحديث له تأويلان: الأول: أن معنى (قدر) قضى، أي: لئن قضى علي ربي ليعذبني، وقدر بالتخفيف والتشديد، وهما بمعنى واحد.
الثاني: أن (قدر) بمعنى: ضيق، أي: لئن ضيق الله علي، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦]، أي: ضيق عليه رزقه.
والمراد هنا في الحديث: لئن ضيق الله تعالى رحمته علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وشاهدها في سورة الفجر: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] وكذلك قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أي: فظن أننا لا نضيق عليه، وهذا بإجماع المفسرين.
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، والمقصود به القدرة، والرجل قال هذا الكلام وهو غير ضابط له، يعني: أنه في حالة ذهول وغفلة وخطأ جعلته يقول مثل هذا الكلام، وهو لا يقصد حقيقة المعنى، ولا معتقد صحة ذلك، وإنما كلام قاله في لحظة غفلة ودهشة، وتسلط الخوف والجزع عليه، بحيث ذهب توقعه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، بل هو أشد من الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها العبد كما هو معلوم من أقوال أهل العلم، وهو نحو قول القائل الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فهذا الكلام كفر إن قصده صاحبه، لكن لما غلب عليه الفرح أذهله وأدهشه وغيب شيئاً من عقله، فقال كلاماً لم يقصد حقيقته، وإنما قصد خلاف ذلك، ومثله أيضاً: حديث الرجل الذي لم يعمل صالحاً قط، وهو في غير مسلم: (فلعلي أضل على الله)، أي: أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله: (لئن قدر الله) على ظاهره.
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالهم، ويسمونه: (مزج الشك باليقين) وهو باب من أبواب الفصاحة، فيمزجون الشك باليقين أحياناً، ولا يريدون حقيقة الشك، وإنما يريدون حقيقة اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ومعلوم أن قائل هذا: هم الأنبياء والمرسلون، فهل الأنبياء الذين قالوا هذا القول -الذي يدل بظاهره على الشك- قصدوا به الشك؟ وهل شكوا في أنهم على الهداية التامة وأنهم طائعون لرب العالمين؟
الجواب
لا، وإنما هذا أسلوب بديع من أساليب العرب، ومن أساليب البلاغة والفصاحة في الكلام، فصورته صورة شك والمراد به اليقين, كما لو قال رجل محق في خصومة طلب إلى القضاء: اذهبوا بها إلى القاضي يقضي لي إن كنت مصيباً، أو يقضي علي إن كنت مخطئاً.
مع أنه في حقيقة أمره موقن أنه لم يخطئ، لكن قوله: (إن كنت مخطئأً حكم علي، وإن كنت مصيباً حكم لي) كلام يوحي أنه في شك مما هو عليه، أمصيب هو أم مخطئ؟ مع أن اليقين عنده أنه مصيب.
стр. 810
حكم من جهل صفة من صفات الله تعالى
وقالت طائفة: إن هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في حكم جاهل الصفة، وهذه مسألة اعتقادية بحتة، لكنها من فرعيات المعتقد لا من أصوله، فقال القاضي وابن جرير الطبري: الذي يجهل صفة من صفات الله يكفر، والجمهور على أنه لا يكفر.
وأبو الحسن الأشعري صاحب المذهب قديماً كان يذهب مذهب ابن جرير الطبري، لكنه تحول عن هذا إلى مذهب بقية أهل السنة والجماعة، وقال: لا يكفر جاهل الصفة ولا يخرج عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وهذا مذهب كافة أهل السنة والجماعة، وإليه -كما ذكرنا- رجع أبو الحسن الأشعري واستقر قوله؛ لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق، قال هؤلاء: ولو سُئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قلة، أي: يريد أن يقول: إن أكبر شاهد على هذا الكلام واقع الناس، فلو أنك سألت الناس الآن عن صفات الله لوجدت العالم بهذه الصفات قلة قليلة من الناس، وهذا يعني أن غالب الناس يجهلون كثيراً من صفات الله ، وبالتالي فلو قلتم: يكفرون، إذاً نحن نسألكم عن الصفات، وواقع كثير من الناس أنهم لا يعلمون صفات الله ، فهل الجهل بصفة من الصفات، أو باسم من الأسماء يكفر بذلك صاحبه؟ الجاحد لها يكفر؛ لأن جحود الاسم أو جحود الصفة كفر بالله ، أما الجاهل بها فإنه لا يكفر، وإن كان يجب عليه أن يتعلم صفات المولى .
وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة، وذلك حين كان ينفع مجرد التوحيد الذي يسميه العلماء: (التوحيد المجمل)، مع أنه لا يعرف شيئاً من الجزئيات والفرعيات التي هي من مقتضيات التوحيد، فربما قصر في كثير منها، لكنه على أي حال يأبى إلا أن يكون موحداً لله، بل ويحرص على ذلك، لكن حرصه لا يكفي حقيقة الواقع الذي يعيشه، وأنه في حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد ليس بشيء؛ لأنه يجهل معنى التوحيد ومقتضيات التوحيد، بل يفرط في كثير من شعب الإيمان.
وزمن الفترة هو ما بين نبيين، بعد اندثار معالم وشريعة نبي، وقبل بعثة نبي آخر، وأهلها هم أهل فترة، فمن كان منهم على الحنيفية السمحة فهو من أهل الجنة، ومن كان منهم على غير ذلك فقد وقع الخلاف بين العلماء بناءً على خلافهم في أصله: هل هناك تكليف قبل ورود الشرع، أم التكليف بورود الشرع؟ هذه مسألة محل نزاع بين الأصوليين، والراجح فيها: أنه لا تكليف إلا بشرع، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن قوم شرعهم جواز العفو عن الكافر، وهذا كلام غير سديد ولا يصح؛ للمقطوع به في جميع الشرائع، وعند جميع العقلاء أن الكافر من كل فرقة وشريعة مخلد في النار، وأن النار لما خلقها الله أعدها للكافرين، وليس للكافرين في زمن محمد ﵊، وإنما للكافرين منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة، ثم لماذا أرسل الله تعالى إليهم الرسل؟ أي: هذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر ما هي مهمته؟ وما جزاء من خالف هذا الرسول وعصاه ولم يطعه؟ وما جزاء من كفر بهذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر؟ لا يتصور هذا المذهب قط، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وغير ذلك من الأدلة.
وقيل: إن هذا الرجل قصد بذلك تحقير نفسه وعقوبتها، لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى.
следующие страницы →