← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

رحمة الله بعباده أعظم من رحمة الأم بولدها قال: [حدثني الحسن بن علي الحلواني، ومحمد بن سهل التميمي (واللفظ لـ حسن) حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم المدني، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه قال: (قدم على رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي أو تسعى إذ وجدت صبياً في السبي)]. أي: عندما جيء بسبايا الحرب إلى النبي ﵊، وجد النبي ﵊ امرأة من السبي تبحث في بقية المأسورين. قال: [(فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ -يعني: هل تتصورون أن هذه المرأة يمكن أن تطرح وأن تلقي وتقذف بولدها في النار؟ - قلنا: لا والله! وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال النبي ﵊: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)]. أي: أن مغفرة الله ورحمته أوسع من غضبه، ولذلك لا ينزل عقابه ابتداءً، وإنما يستعمل رحمته ويهديها عباده أولاً، ولا يعذب إلا من تعين في حقه العذاب.

стр. 807

شرح حديث: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة) قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر جميعاً، عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد)]. أي: لو يعلم المؤمن الذي وجبت له الجنة ما عند الله من العقوبة ومن العذاب وما أعد لأهل النار فيها، ما طمع في جنة الله ، بل لتمنى أن ينجو من النار ومن العذاب، حتى وإن لم يدخل الجنة. قال: [(ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)]. وهذا في حق الكافر، وهو على عكس ما هو في حق المؤمن. وقد ذُكر عن الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمته عندما كان قاضي القضاة في مصر: أنه مر في سوق التجار، فخرج إليه رجل يهودي كان يعمل في بيع السمن والزيت، ومعلوم أن مثل هذه الأعمال تتسخ ملابس وأبدان أصحابها، فخرج إليه ذلك اليهودي وقال له: يا قاضي القضاة! أنتم تزعمون أن نبيكم قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، ألا ترى ما أنا فيه، وما أنت فيه؟! وكأنه أراد أن يقول له: هذه الحال الذي أنا وأنت فيه إنما يخالف خبر نبيكم ﷺ ، فقال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله: إن ما أعده الله لي إذا دخلت الجنة بالنسبة لي الآن في سجن، وما أعده الله لك في الآخرة من عذاب فأنت بالنسبة له الآن في جنة، رغم منظرك ومخبرك، لكن أنت الآن في رحمة عظيمة جداً بالنسبة لما أعد لك في الآخرة؛ لأنك في الآخرة ستخلد في نار جهنم، فأنت الآن تعيش في ظل رحمة الله، تأكل، وتشرب، وتضحك، وتعمل كل شيء، أما في الآخرة فليس لك شيء من ذلك، فأسلم هذا اليهودي.

стр. 808

شرح حديث الرجل الذي أسرف على نفسه وأوصى بنيه أن يحرقوه إذا مات قال: [حدثني محمد بن مرزوق بن بنت مهدي بن ميمون، حدثنا روح -وهو روح بن عبادة - حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه -يعني: إذا مت فحرقوه، فهو يتكلم بضمير الغائب- ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فو الله! لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ -أي: لم أمرت بنيك أن يحرقوك ثم يذروا نصفك في البر ونصفك في البحر؟ - قال: من خشيتك يا رب! وأنت أعلم، فغفر الله له)]. أي: وأنت أعلم بأني أخشاك، فغفر الله له ذنبه. قال: [وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا، وقال ابن رافع -واللفظ له-: حدثنا) عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: قال لي الزهري: ألا أحدثك بحديثين عجيبين؟ قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (أسرف رجل على نفسه -يعني: أفرط في المعاصي- فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فو الله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه به أحداً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله تعالى للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم -أي: بين يدي الله فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك)].

стр. 809

أقوال أهل العلم في تأويل حديث الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرقوه قوله: (فوالله! لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين). هذا شك في قدرة الله ، وهو كفر بالإجماع، لكن العلماء قد اختلفوا في تأويل هذا الحديث: فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله؛ لأن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، والكافر مخلد في النار، فلا بد من صرف هذا إلى غير قدرة الله، وقد قال في آخر الحديث: أنه إنما فعل ذلك خوفاً من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله، كما أنه لا يغفر لكافر، والحديث يقول: (فغفر الله له بذلك)، أي: بسبب الخشية، والمؤمن لا بد أن يطير إلى الله بجناحي الخوف والرجاء، فإذا غلب الخوف على الرجاء أدى به إلى اليأس من رحمة الله، وإذا غلب الرجاء على الخوف أدى به إلى التسويف في العمل، اتكالاً على رحمة الله ، لكن لا بأس أن يزيد الخوف على الرجاء شيئاً يسيراً حتى يحمله في حال صحته على العمل، لكن ينبغي أن يغلِّب رجاء الله على رحمة الله خاصة وهو في فراش موته، حتى يلقى الله ﵎ وهو طامع في جنته. لذا فالحديث له تأويلان: الأول: أن معنى (قدر) قضى، أي: لئن قضى علي ربي ليعذبني، وقدر بالتخفيف والتشديد، وهما بمعنى واحد. الثاني: أن (قدر) بمعنى: ضيق، أي: لئن ضيق الله علي، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦]، أي: ضيق عليه رزقه. والمراد هنا في الحديث: لئن ضيق الله تعالى رحمته علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وشاهدها في سورة الفجر: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] وكذلك قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أي: فظن أننا لا نضيق عليه، وهذا بإجماع المفسرين. وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، والمقصود به القدرة، والرجل قال هذا الكلام وهو غير ضابط له، يعني: أنه في حالة ذهول وغفلة وخطأ جعلته يقول مثل هذا الكلام، وهو لا يقصد حقيقة المعنى، ولا معتقد صحة ذلك، وإنما كلام قاله في لحظة غفلة ودهشة، وتسلط الخوف والجزع عليه، بحيث ذهب توقعه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، بل هو أشد من الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها العبد كما هو معلوم من أقوال أهل العلم، وهو نحو قول القائل الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فهذا الكلام كفر إن قصده صاحبه، لكن لما غلب عليه الفرح أذهله وأدهشه وغيب شيئاً من عقله، فقال كلاماً لم يقصد حقيقته، وإنما قصد خلاف ذلك، ومثله أيضاً: حديث الرجل الذي لم يعمل صالحاً قط، وهو في غير مسلم: (فلعلي أضل على الله)، أي: أغيب عنه، وهذا يدل على أن قوله: (لئن قدر الله) على ظاهره. وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالهم، ويسمونه: (مزج الشك باليقين) وهو باب من أبواب الفصاحة، فيمزجون الشك باليقين أحياناً، ولا يريدون حقيقة الشك، وإنما يريدون حقيقة اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] ومعلوم أن قائل هذا: هم الأنبياء والمرسلون، فهل الأنبياء الذين قالوا هذا القول -الذي يدل بظاهره على الشك- قصدوا به الشك؟ وهل شكوا في أنهم على الهداية التامة وأنهم طائعون لرب العالمين؟ الجواب لا، وإنما هذا أسلوب بديع من أساليب العرب، ومن أساليب البلاغة والفصاحة في الكلام، فصورته صورة شك والمراد به اليقين, كما لو قال رجل محق في خصومة طلب إلى القضاء: اذهبوا بها إلى القاضي يقضي لي إن كنت مصيباً، أو يقضي علي إن كنت مخطئاً. مع أنه في حقيقة أمره موقن أنه لم يخطئ، لكن قوله: (إن كنت مخطئأً حكم علي، وإن كنت مصيباً حكم لي) كلام يوحي أنه في شك مما هو عليه، أمصيب هو أم مخطئ؟ مع أن اليقين عنده أنه مصيب.

стр. 810

حكم من جهل صفة من صفات الله تعالى وقالت طائفة: إن هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى، وقد اختلف العلماء في حكم جاهل الصفة، وهذه مسألة اعتقادية بحتة، لكنها من فرعيات المعتقد لا من أصوله، فقال القاضي وابن جرير الطبري: الذي يجهل صفة من صفات الله يكفر، والجمهور على أنه لا يكفر. وأبو الحسن الأشعري صاحب المذهب قديماً كان يذهب مذهب ابن جرير الطبري، لكنه تحول عن هذا إلى مذهب بقية أهل السنة والجماعة، وقال: لا يكفر جاهل الصفة ولا يخرج عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وهذا مذهب كافة أهل السنة والجماعة، وإليه -كما ذكرنا- رجع أبو الحسن الأشعري واستقر قوله؛ لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه ويراه ديناً وشرعاً، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق، قال هؤلاء: ولو سُئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قلة، أي: يريد أن يقول: إن أكبر شاهد على هذا الكلام واقع الناس، فلو أنك سألت الناس الآن عن صفات الله لوجدت العالم بهذه الصفات قلة قليلة من الناس، وهذا يعني أن غالب الناس يجهلون كثيراً من صفات الله ، وبالتالي فلو قلتم: يكفرون، إذاً نحن نسألكم عن الصفات، وواقع كثير من الناس أنهم لا يعلمون صفات الله ، فهل الجهل بصفة من الصفات، أو باسم من الأسماء يكفر بذلك صاحبه؟ الجاحد لها يكفر؛ لأن جحود الاسم أو جحود الصفة كفر بالله ، أما الجاهل بها فإنه لا يكفر، وإن كان يجب عليه أن يتعلم صفات المولى . وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة، وذلك حين كان ينفع مجرد التوحيد الذي يسميه العلماء: (التوحيد المجمل)، مع أنه لا يعرف شيئاً من الجزئيات والفرعيات التي هي من مقتضيات التوحيد، فربما قصر في كثير منها، لكنه على أي حال يأبى إلا أن يكون موحداً لله، بل ويحرص على ذلك، لكن حرصه لا يكفي حقيقة الواقع الذي يعيشه، وأنه في حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد ليس بشيء؛ لأنه يجهل معنى التوحيد ومقتضيات التوحيد، بل يفرط في كثير من شعب الإيمان. وزمن الفترة هو ما بين نبيين، بعد اندثار معالم وشريعة نبي، وقبل بعثة نبي آخر، وأهلها هم أهل فترة، فمن كان منهم على الحنيفية السمحة فهو من أهل الجنة، ومن كان منهم على غير ذلك فقد وقع الخلاف بين العلماء بناءً على خلافهم في أصله: هل هناك تكليف قبل ورود الشرع، أم التكليف بورود الشرع؟ هذه مسألة محل نزاع بين الأصوليين، والراجح فيها: أنه لا تكليف إلا بشرع، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن قوم شرعهم جواز العفو عن الكافر، وهذا كلام غير سديد ولا يصح؛ للمقطوع به في جميع الشرائع، وعند جميع العقلاء أن الكافر من كل فرقة وشريعة مخلد في النار، وأن النار لما خلقها الله أعدها للكافرين، وليس للكافرين في زمن محمد ﵊، وإنما للكافرين منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة، ثم لماذا أرسل الله تعالى إليهم الرسل؟ أي: هذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر ما هي مهمته؟ وما جزاء من خالف هذا الرسول وعصاه ولم يطعه؟ وما جزاء من كفر بهذا الرسول الذي في شريعته العفو عن الكافر؟ لا يتصور هذا المذهب قط، وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وغير ذلك من الأدلة. وقيل: إن هذا الرجل قصد بذلك تحقير نفسه وعقوبتها، لعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى.

стр. 811

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في التكفير والتفسيق والتبديع لشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نافع جداً في هذا الحديث تكلم فيه عن التكفير والتفسيق والتبديع، فأراد أن يفرق بين الوعد والوعيد من جهة، والفارق الجوهري بين أن يقع العبد في الكفر وهو لا يقصد الكفر، والفرق بين الحكم العام والحكم الخاص، وضرب لذلك مثلاً بقضية خلق القرآن، ومعلوم قول أحمد بن حنبل: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، ومع هذا وجد في زمانه من الأعيان ومن المعتزلة من قال بذلك، ولم يكفر القائل بذلك؛ لأن الكفر لا يكون إلا بتحقق شروط وانتفاء موانع، ففرق جوهري بين القائل وبين القول، فالقول قول كفر بلا شك، أما القائل فكونه يكفر أو لا يكفر مسألة تحتاج إلى تدبر وتفكر وتمحص واختبار لهذا القائل، وإقامة الحجة عليه: هل هو جاهل أو غافل أو ناسي أو سكران؟ وغير ذلك من الموانع التي منعت من إلحاق حكم الكفر بالقائل، وهذا لا يؤثر على كون هذا القول كفراً بواحاً، ولذلك ربما يصدر قولاً أو ترى عملاً هو في أصله مخالف للشرع مخالفة تؤدي إلى الكفر، أو تؤدي إلى البدعة، أو تؤدي إلى التفسيق، لكن لا يكون فاعل هذا الفعل كافراً، ولا مبتدعاً، ولا فاسقاً؛ لأنه يتصور أن عمله هو دين الله الذي نزل من السماء، فتصور أن البدعة سنة، ويحرص عليها أكثر من حرصه على السنة الصحيحة؛ لاعتقاده أن هذه هي سنة، وأن هذا هو دين الله تعالى، فلا يكفر ولا يبدع ولا يفسق؛ لجهله، ولغفلته، ولنسيانه، وللإكراه الذي وقع عليه. هذا هو ما دندن حوله شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول ﵀: مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحداً قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي أو غير حنبلي، ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامي، بل لا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة، وقد قلت لهم غير مرة: أنا أمهل من يخالفني ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن أحد من أئمة القرون الثلاثة يخالف ما قلته، فأنا أقر بذلك، وما أذكره إنما هو عن أئمة القرون الثلاثة بألفاظهم، وبألفاظ من نقل إجماعهم من عامة الطوائف، مع أني دائماً من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها يكون كافراً تارة، أو فاسقاً أخرى، أو عاصياً ثالثة.

стр. 812

الخطأ في المسائل الخبرية مغفور كما قرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها في المسائل الخبرية القولية، أي: مسائل الغيب، من الجنة، والنار، والصراط، والحشر، والنشر، وعذاب القبر، وغير ذلك، والمسائل العملية المتعلقة بالتكاليف، والحلال والحرام من باب أولى، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يقل أحد منهم على أحد بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] بضم التاء في (عجبت)، كما كان يقرؤها ابن مسعود ﵁، وأنكرها عليه شريح وقال: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي -مع أن العجب ثابت لله في كثير من النصوص- فقال: إنما شريح شاب يعجبه علمه، وعبد الله كان أعلم منه، وكما أنكرت عائشة وبعض الصحابة رؤية محمد ﵊ لربه، وقالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا لا نقول لـ ابن عباس وللمخالفين معه: أنت مفترٍ على الله، وكما تنازعت مع بعض الصحابة في كلام الميت وكلام الحي، وفي تعذيب الميت، وغير ذلك من المسائل الفرعية العقدية، وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية، مع أن أهل السنة متفقون على أن الطائفتين جميعاً مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغياً فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق، مع أن الحق كان مع علي، لكن لا يدعو ذلك إلى نسبة معاوية إلى الفسق؛ لأن الظن به أنه ما أقدم على قتال علي إلا مجتهداً أو متأولاً، ولا يلزم ذلك إصابته للحق.

стр. 813

وجوب التفريق بين الإطلاق والتعيين بالكفر قال ابن تيمية: وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين -وهو هذا الذي اختلف فيه السلف- أي: أن إطلاق القول بالكفر والتعيين بالكفر أمر يجب التفريق بينهما، فالقول مثل: (لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين)، فهذا القول في حد ذاته كفر باتفاق؛ لأنه شك في قدرة الله، بل الإمام أحمد بن حنبل لما سئل عن القدر قال: إن الله على كل شيء قدير، ففرق بين أن هذا القول كفر، وبين تكفير قائله. ثم قال: وهذه أول مسألة من مسائل الأصول الكبار التي تنازعت فيها الأمة، أعني: مسألة الوعيد، فإن صفة الوعيد في القرآن مطلقة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا، فإن هذه مطلقة عامة. ثم إن الشخص المعين يلغى حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة. فهو يقول لك: إن القول قول كفر، لكن قائل هذا القول ربما يكون له حسنات ماحية، أو بلاء وأمراض ومصائب نزلت عليه، فكلها من مكفرات الذنوب، أو شفاعة مقبولة يوم القيامة، أو غير ذلك، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام -وهذا عذر- فلا يعلم أحكام الإسلام، فلا يكفر لجهله، أو لأنه نشأ في بادية بعيدة عن العلم والعلماء، كما هو معروف الآن، تذهب أي قرية أو أي بادية من البوادي فترى هناك بدعاً كثيرة جداً، فتقول: يا إخواني! هذه بدعة وهذه سنة، فيقولون: هذا الكلام أول مرة نسمعه، بل يقولون: هذا دين جديد، ليس لنا به سابق عهد! وهو ليس بدين جديد، وإنما هو نفس الدين الذي جاء به النبي ﵊، لكنهم بجهلهم وبعدهم عن مواطن العلم والنور والهدى تصوروا أنه دين جديد. قال ابن تيمية: ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل الذي يسمع تلك النصوص أو سمعها لم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً في هذا التأويل. قال: وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين، حديث الرجل الذي قال لبنيه: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني)، وذكر الحديث، فهذا رجل شك في قدرة الله وإعادته إذا ذري في البر والبحر، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكنه كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر الله له بذلك الإيمان؛ لأن الخشية هي من شعب الإيمان، والرجل كان في أصله مؤمناً، فالله تعالى غفر له بأصل الإيمان، وتجاوز عنه بصفة القدرة له سبحانه. قال: والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول ﷺ أولى بالمغفرة من مثل هذا. هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثالث، وقال كذلك في المجلد الثاني عشر كلاماً طيباً، فهو يذكر كلاماً كالمقدمات في اسم المؤمن والكافر، ومن يصدق عليهم هذا الاسم.

стр. 814

بيان سبب التنازع في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما ثم يقول: وسبب هذا التنازع -أي: في مصطلح الإيمان والكفر ومن ينسب إليهما- تعارض الأدلة في الظاهر، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً، فتعارض عندهم الدليلان. إذاً: هو يريد أن يقول: إن كل أعمال هذا الرجل إيمان، وهو أحرص على الإيمان والإسلام والتوحيد منك، لكنه يقول كفراً، فتعارض عندهم ما عليه الرجل عامة، وما يقوله خاصة في قضية بعينها تستوجب الكفر، فلما تعارض عندهم عمله وقيامه على التوحيد بما بدر منه مما يناقض هذا التوحيد قالوا: من قال كذا فهو كافر. لفظ عام وشامل، والمستمع لهذه المقولة يعتقد أن هذا اللفظ شامل لكل من قال بذلك القول. ومن الخطأ أن يحلف الرجل فيقول: ورب القرآن الكريم. وهذا كفر، لأنه بقسمه هذا كأنه يقول: إن القرآن مخلوق، وهو في نهاية الأمر قول المعتزلة، مع أن القائل لا يكفر؛ لجهله. قال: ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات -أي: من قال: القرآن مخلوق- لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. ومنهم: يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، مع أن الإمام أحمد بن حنبل يعلم يقيناً أن ابن معين لا يعتقد هذا القول، إذ كانت هذه فتنة وقع فيها من وقع، وصبر فيها من صبر، وكان أحمد بن حنبل يمنعه عن مجلسه بعد أن تلقى عنه علم الجرح والتعديل، فرفض أحمد بن حنبل أن يلقى يحيى بن معين في المجلس، أو أن يدخله عليه كضيف أحمد بن حنبل.

стр. 815

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أن جعل باب التوبة مفتوحاً لهم، فمهما أذنب العبد، ومهما ارتكب من الذنوب والمعاصي، ثم رجع إلى ربه فإنه يقبله، كما جعل فعل الطاعات مكفرات للذنوب والسيئات، فإتيان الفرائض مكفرات، وإتيان النوافل مكفرات، والتسبيحة مكفرة، والتهليلة مكفرة، فلله الحمد الذي يقبل القليل ويعفو عن الجليل.

стр. 816

باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: [باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة]. هذا التبويب من الإمام النووي في غاية التوفيق والسداد؛ لأن هذا التبويب يوحي بأن المرء لا بد أن يقع في الذنب، بل هذا نص حديث النبي ﵊ الذي قال: (والذي نفس محمد بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم)، فالذنب لا بد أن يقع، إن لم يكن من الكبائر فمن الصغائر حتماً، لكن لست بهذا أعطي بطاقة أو رخصة لكل إنسان أن يذنب، فالمرء قد جبل على أن يقع في الخطأ والتقصير، وإذا وقع في الذنب فمنه ما هو كبير ومنه ما هو صغير، فالكبير قد علمنا حكم مرتكب الكبيرة مراراً وتكراراً، وأما الصغائر فتكفرها الطاعات، من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وذكر، وتهليل، وتكبير، وتحميد، وتسبيح، وغيرها من الأعمال التي تكفر السيئات وتمحوها. كما يعني هذا التبويب أن المرء إذا أحدث ذنباً لا بد أن يحدث له توبة، وهذا معنى قول الله : (اعمل ما شئت فقد غفرت لك)، فمهما عمل العبد من ذنب، وما دام أنه يحدث له توبة، فإن الله تعالى يقبل هذه التوبة. وأقول هذا بمناسبة ذيوع حديث موضوع مشهور بين العامة: (أن الله يقول للعبد الذي تاب من ذنبه ثم رجع إليه: فإني لا أتوب على عبدي، وعبدي كالمستهزئ بي)؛ أي: أنه يتوب ثم يرجع في توبته، ويرتكب الذنب الذي تاب منه أو غيره.

стр. 817

شرح حديث: (أذنب عبد ذنباً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، حدثنا حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة -وهو قاص من قصاص المدينة- عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه -أي: أن الحديث قدسي، إذ هو من كلام الله قال: (أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي)، أي: ألجأ وأتضرع وأستعيذ بك يا رب! (فقال الله ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب)]. هنا يقرر قاعدة عظيمة عند أهل السنة والجماعة، وهي أن عبادة المسلم لا بد أن تدور بين الخوف والرجاء، إذ إن الله تعالى يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، فلما علم العبد أنه يدور بين الخوف والرجاء، وقد وقع في الذنب، دفعه خوفه من الله إلى أن يطلب المغفرة منه سبحانه. قال: (ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي. فقال ﵎: عبدي أذنب ذنباً، فعلم أنه له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب - أي: الثالثة - فقال: أي رب! اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك). والتقدير: اعمل يا عبدي! ما شئت من الذنوب ما دمت تحدث بعدها توبة، وهذا لا يعني أنها رخصة من الله للعباد بأن يذنبوا، أو أن يقعوا في المعاصي.

стр. 818

الرد على من يقول ما دام باب التوبة مفتوحاً فما المانع أن يذنب العبد ثم يتوب وربما يقول بعض الناس: ما دام باب التوبة مفتوحاً فما المانع أن يذنب العبد ثم يتوب؟! وهذا الأمر مردود من عدة أوجه: الأول: أنك لا تضمن أن تقبض روحك وأنت على المعصية، وعند ذلك لا تدرك التوبة. الثاني: أنك لا تدري لعل الشيطان يتسلط عليك فينسيك التوبة، لذا ينبغي على المرء أن يحرص كل الحرص أن يكون بجوار ربه، وملازماً لطاعته. الثالث: لعل الله تعالى لا يوفقك إلى التوبة. الرابع: لعلك تتوب توبة ضعيفة، فلا يقبلها الله ، وأقول: توبة ضعيفة؛ لأن العبد الذي يفكر سلفاً في المعصية اتكالاً على أنه سيتوب، فإنه في حقيقة أمره لم يتب؛ لأن التوبة من الذنب تجعل قلب المرء كأنه يختلع وينتفض من صدره انتفاضاً، ويتحشرج في حلقه، أما الذي يطلق لنفسه العنان في المعاصي والذنوب بدعوى أنه سيتوب بعدها لا بد أن يسأل نفسه: هل تضمن حياتك بعد ارتكاب الذنب؟ فإن كان الجواب بـ (لا) فليقم على توبته قبل وقوعه في الذنب. وقوله: (فعلم أن له رباً يأخذ بالذنب، ويغفر الذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك). أي: ما دمت تتوب بعد كل ذنب، فإن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه التوبة عامة لكل الخلق، أما التوبة الخاصة فلكل عبد على حدة، وذلك حين يغرغر. قال عبد الأعلى: (لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: اعمل ما شئت)؟ قال: [حدثني عبد بن حميد، حدثني أبو الوليد -وهو هشام بن عبد الملك الطيالسي - حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار - حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: كان في المدينة قاص يقال له عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: فسمعته يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن عبداً أذنب ذنباً) بمعنى حديث حماد بن سلمة، وذكر ثلاث مرات، أذنب ذنباً، وفي الثالثة (قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)]، أي: فليعمل ما شاء ما دام أنه يحدث توبة، أما أن الله تعالى يعفو عن العبد وهو مصر على الذنب، ولم يتب ويستغفر، ولم يكن عنده من الطاعات ما يؤهله لمحو السيئات، فهو على خطر عظيم جداً.

стр. 819

شرح حديث: (إن الله يبسط يده بالليل) وإثبات صفة اليد لله تعالى قال: [حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر -المعروف بـ غندر - حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى ﵃، عن النبي ﷺ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)] أي: حين ينتهي هذا العالم، وتفنى هذه الدنيا، وهذا في التوبة العامة. قال الإمام النووي: بسط اليد استعارة في قبول التوبة، قال المازري: المراد به قبول التوبة، وإنما ورد لفظ بسط اليد؛ لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه، فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه، وهو مجاز، فإن اليد الجارحة مستحيلة في حق الله تعالى. هذا كلام الأشاعرة، وقلنا مراراً: إننا نثبت صفات الله على الوجه اللائق به سبحانه، ومنها: اليد، فلا ندري كيفية هذه اليد؛ لأننا لا ندري كيفية الذات، وبالتالي فلا ندري كيفية الصفات، أما صفات الفعل لله فمنها صفة البسط، أعني: بسط اليد، والبسط في حقنا هو مد اليد، وحتى مد اليد أو البسط على اختلاف بين شعوب العرب نفسها. ولو حملنا بسط اليد على قبول التوبة -كما قال المازري - لقلنا: إن الله تعالى لا يبسط يده حقيقة، ونحن نؤمن أن ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله حقيقة على المعنى اللائق به سبحانه. وقد سألت طفلاً بدوياً في سنة ٨٥ عن حال أبيه فقال: مبسوط، فلما زرته وجدته مريضاً طريح الفراش، فأخبرته بما قال لي ولده، فقال: كلمة (مبسوط) عندنا تعني: أنه نائم في فراشه، بخلاف ما هي عليه عندنا، إذ هي بمعنى فرحان، وعليه فكلمة (مبسوط) لها مدلولات كثيرة، فلمَ لا تحمل مدلولاً عظيماً يليق بأفعال الله ؟ وأن الله تعالى يبسط يده لعباده المسيئين بالليل والنهار ليتوبوا، فيقبل الله تعالى توبتهم، وبسط اليد وإن كان حقيقة إلا أن الكيفية تختلف عن بسط يد العباد، أو يد المخلوقات، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فيؤمنون بأن الله تعالى يغضب، ويفرح، ويأتي، ويذهب، ويجيء، ويقبض، ويبسط، وغير ذلك من أفعال ذاته على المعنى اللائق به ﵎، ولذلك كلام الإمام النووي غير سديد.

стр. 820

باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش

стр. 821

شرح حديث: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله) قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا) جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي - عن الأعمش - سليمان بن مهران الكوفي - عن أبي وائل - شقيق بن سلمة الكوفي - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه)، في هذا إثبات صفة المحبة لله ، وحبه ليس كحبنا، إذ إن حبنا يستلزم قلباً ووجداً وشفافية، ويستلزم بكاء على المحبوب. وإذا قلنا في معنى بسط اليد لله: أنه قبول التوبة، فلا بد أن نؤول الحب كذلك؛ لأنه لا يليق بالله أن يحب كحبنا، فلا بد أن نثبت أن الله تعالى يحب، فيحب عباده المؤمنين والموحدين.

стр. 822

محبة الله تعالى للمدح كما أن الله تعالى يحب المدح، ولذلك مدح الله تعالى نفسه، لكن لو أن شخصاً منا مدح نفسه فإنه يكون عيباً عليه، إذ هو يزكي نفسه، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، وحينئذ فلا يجوز له ذلك، فهو أمر مذموم شرعاً وعرفاً، وكذلك لو زكى أحدنا غيره، بمعنى: مدحه وأطراه وأثنى عليه ثناءً يخشى معه الفتنة فغير مشروع، ولذلك قال النبي ﵊ في حديث عبد الله بن عمر: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، وكان ابن عمر يفعل ذلك على الحقيقة، فإذا مدحه إنسان تناول حفنة من تراب فحصبه في وجهه. أما الله فإنه يحب المدح، أي: يحب المدح والتزكية والثناء لعباده بشروطه، وقد مدح الله عباداً صالحين على العموم، ومدح بعض عباده على الخصوص، كالأنبياء والمرسلين؛ لأنه لا يخشى عليهم الفتنة، لكن لو قلت لشخص ما: أنت ما شاء الله عليك، أنت ممتاز، أنت رجل فاضل، وهو أصلاً لا يستحق ذلك، فيصدق هذا الكلام، ويصدق هذا المدح، فيتعامل مع نفسه ومع الناس بعد ذلك على أنه رجل طيب، ورجل فاضل، وهو في الحقيقة لا يستاهل أن يكون نصف رجل، فأنت قد أثنيت عليه ظلماً وعدواناً لتحصل منه على منفعة غلب على ظنك أنك لا تحصل على هذه المصلحة أو هذه المنفعة إلا بالثناء والإطراء له، والطامة أنه صدق ذلك، وبالتالي بدأ يتصرف على أنه بالفعل إنسان ممدوح، وإنسان مرغوب فيه وفي أخلاقه وغير ذلك، أما الله فإنه على خلاف ذلك؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. قال: [(وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش)]؛ لأن الله تعالى يغار -والله المثل الأعلى- فالواحد منا يغار على امرأته، فيغلق عليها الباب، ويغلق عليها الشبابيك، ولا يحب أن يراها رجل، ولا يحب أن تنظر هي إلى رجل آخر، فيمنعها من كل شيء يؤثر على هذه الغيرة، أو يعكر عليه هذه الغيرة، ولو أنه رأى بصر امرأته وقع على رجل، أو وقع بصر رجل عليها، لغضب غضباً شديداً، ولفعل الأفاعيل. لذا أقول: إن الله ﵎ أشد غيرة من عباده، حتى وإن كانوا أنبياء أو ملائكة، وهي غيرة تليق بذاته وجلاله، ولذلك حرم المعاصي والفواحش، فوضع الحدود والموانع من ارتكاب هذه المعاصي والفواحش؛ لأن الله تعالى يغار أن تنتهك حرمة من حرماته، أو أن يقع عبد في معصية من معاصيه.

стр. 823

إثبات صفة الغيرة لله تعالى قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وأبو كريب - محمد بن العلاء الهمداني - قالا: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (واللفظ له) حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق -وهو أبو وائل السابق في الإسناد الأول- عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله)]. والتقدير كما في الرواية السابقة: من أجل ذلك مدح الله تعالى نفسه. قال: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قلت له: أأنت سمعته من عبد الله؟ -يعني: أن عمرو بن مرة سأل أبا وائل هل سمع هذا الحديث من عبد الله بن مسعود؟ - قال نعم. ورفعه]، أي: أن ابن مسعود رفعه إلى النبي ﷺ ، وسمي الكلام المرفوع إلى النبي مرفوعاً؛ لرفعة قائله ﷺ . قال: [(لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه)]. قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد- وإسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه - قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث -وهو السلمي الرقي، وقيل: الكوفي- عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل). إن مدح الله تعالى والثناء عليه يكون بالتحميد، والتهليل، والتسبيح، والذكر، والصلاة، والصيام، والحج وغير ذلك، وكل هذه الطاعات إنما هي من باب مدح الله ، وقد اختلف أهل العلم في معنى المدح: فقال بعضهم: هي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال بعضهم: قول العبد: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وقال بعضهم: المقصود بالمدح في الحديث: الصلاة؛ لما اشتملت عليه من دعاء، واستغفار، وقراءة للقرآن وغير ذلك. والذي يترجح لدى الإمام النووي، وأظن أنه الراجح: أن كل طاعة يؤديها العبد لله بذل وخضوع فهي من باب مدح الله على نعمائه على عباده.

стр. 824

المقابلة بين المدح والغيرة في الحديث ثم تأمل المقابلة بين المدح والغيرة في الحديث، فالله تعالى أحب المدح، وقلنا: المدح هو الطاعات والثناء على الله ، وفي المقابل غيرة الله التي بسببها حرم الفواحش، مما يشعر بأن المدح هو الطاعات في مقابلة الفواحش، فيكون في مقابلة غيرة، وطاعة في مقابلة فواحش، والله تعالى يحب المدح ولذلك مدح نفسه، وطالب العباد بأن يمدحوه بالطاعات والقربات، والله تعالى أشد غيرة من عباده، فلا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش والمعاصي ما ظهر منها وما بطن، كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من سائر المعاصي التي يمكن أن ترى، وهناك معاص باطنة لا يراها أحد، ولا يعلم بها إلا الله وصاحبها الذي تخلق بها، أو يعلم ذلك غيره بقرائن الحال أو المقال، ومنها: المعاصي القلبية، كالغل، والبغض، والحسد، والضغينة، والشحناء، كل هذه أمراض قلبية باطنية، فالله تعالى يطلع عليها ويعلمها من عبده، ولذلك حرم الله تعالى الفواحش والمعاصي ما ظهر منها للعيان وما لم يظهر، كما لو كان في أمراض القلوب.

стр. 825

محبة الله وقبوله لعذر العبد قوله: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله ، فإذا اعتذر إليك إنسان أخطأ في حقك، فإنك وإن قبلت العذر لكن هذا العذر لا يشفي غليلك في الغالب؛ لأنك تريد الانتقام -وربما جبلت عليه- ولو باللوم والعتب الشديد والتوبيخ، وهذا أقل العفو، لكن تصور أن الذي أساء إليك لقيك فبادرك بالاعتذار، فقد قطع لسانك كما قطع يدك من باب أولى؛ لأنك إذا كنت لا تتناوله بلسانك فمن باب أولى ألا تتناوله بيدك، وحينئذ العذر مبغض إلى العبد، وربما قد تحبه، لكن هذا لا يشفي الغليل -ولله المثل الأعلى- فالله تعالى يحب العذر، والعذر هو التوبة، ولذلك أخرجه مسلم في كتاب التوبة. قال: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)، أي: إذا لم يكن العذر محبباً إلى الله ، وبلوغ الحجة وقيامها على العباد، فما الفائدة من إرسال الأنبياء والمرسلين، وإنزال الكتب الهادية البشيرة مع هؤلاء الأنبياء والمرسلين؟ إن الله بإنزاله الكتب وإرساله الرسل قد أقام الحجة على جميع العباد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، والله تعالى غني عن عذاب عباده، ولذلك لا يعذبهم إلا بعد قيام الحجة عليهم، وأخذ العذر عنهم ولهم، ولذلك يقول النبي ﵊ (إذا بلغ العبد أربعين عاماً فقد أعذر الله له) إذا بلغ العبد، مع أنه مكلف من سن العاشرة أو الثانية عشر، ومحاسب على أعماله الحسنة والسيئة، لكن الله تعالى كأنه أعطاه فرصة لأن يتوب، وأن يراجع نفسه، وأن يقف مع نفسه وقفة جادة صادقة حتى بلغ سنة أربعين سنة، والحديث في مسلم. ومن العجب أن سن الأربعين له اهتمام خاص في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﵊، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥]، وورد أهمية هذا السن في كثير من الأحاديث والآيات، وقد قيل: إن كل نبي بعثه الله في هذه السن، أي: في سن الأربعين، ولا أقصد جميع الأنبياء، لكن غالب الأنبياء هكذا، وإلا فأنتم تعلمون أن بعض الأنبياء بعثوا قبل ذلك وهم صغار، مثل: سيدنا عيسى، وسيدنا يحيى، وسيدنا سليمان. نقل الإمام النووي عن القاضي فيقول: يحتمل أن المراد بالاعتذار، أي: اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم، فيغفر الله لهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى:٢٥]. نفس الكلام الذي قلناه في بسط اليد نقوله هنا في غيرة الله . قال: [حدثنا عمرو الناقد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان قال: قال يحيى -وهو ابن أبي كثير -: وحدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه)]، أي: ما حرم الله عليه. وعلى كل فالله تعالى أثبت لنفسه غيرة كما أثبت لعبده المؤمن غيرة، لكن شتان بين غيرة الله تعالى وبين غيرة عباده المؤمنين. قال: [قال يحيى بن أبي كثير: وحدثني أبو سلمة، أن عروة بن الزبير حدثه، أن أسماء بنت أبي بكر حدثته، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس شيء أغير من الله . وفي رواية لها قالت: قال النبي ﵊: (لا شيء أغير من الله ]. قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن يغار، والله أشد غيرة)]. وهذا يدل على أن الغيرة من شعب الإيمان، والحديث الذي معنا قد أثبت أن العبد المؤمن يغار، والعبد الذي لا يغار لا يكون مؤمناً كامل الإيمان، بل لا يكون رجلاً قط، إنما الرجل هو القائم على طاعة الله ، هذا هو الرجل حقيقة.

стр. 826

باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) قال: (باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. (طلب رجل من النبي ﷺ أن يوصيه، فقال: عليك بتقوى الله، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). الشاهد: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها). أي: إذا وقعت في سيئة فليكن بعدها حسنة، من أجل أن تغفر هذه تلك، أو أن هذه الحسنة تمحو السيئة، ومعنى (يذهبن) تمحو، فالحسنات تمحو السيئات.

стр. 827

شرح حديث: (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري، كلاهما عن يزيد بن زريع، واللفظ لـ أبي كامل، حدثنا يزيد، حدثنا التيمي -وهو سليمان بن طرخان التيمي - عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل، عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، قال: فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، قال: فقال الرجل: ألي هذه؟ -يعني: هذه خاصة لي فقط- يا رسول الله! قال: لمن عمل بها من أمتي)]. ولا يقول العبد: الحمد لله هذه رحمة من الله ، ويفعل الآثام والمعاصي! إذ إنه لا يوجد عنده زلف من الليل، وإنما يكتفي بالفروض الخمسة، ولا سنن قبلية ولا سنن بعدية، وربما صلى وهو يفكر، ويريد أن ينتهي الإمام من الصلاة حتى يخرج إلى الشارع، لذا إقامة الصلاة ليس معناه: أنك تؤدي الصلاة ثم تنصرف، بل لا بد أن تبقى قيام الصلاة في قلبك، بحيث يتعلق قلبك بالمساجد. ولذلك يقول العلماء: أداء الصلاة شيء وإقامتها شيء آخر، فإقامة الصلاة يعني: تعلق القلب بها مثلما كان السلف، فقد كان الشخص منهم يدخل في الصلاة فلا يشعر بمن حوله، حتى لو قطعوا رجله أو رقبته؛ لأنه استغرق تماماً في هذه العبادة، فعاش مع الله ﵎، فهل نحن كذلك؟!

стр. 828

صغائر الذنوب تكفرها الطاعات ما لم تغش الكبائر قال: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر -وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي - عن أبيه، حدثنا أبو عثمان، عن ابن مسعود (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فذكر أنه أصاب من امرأة، إما قبلة، أو مساً بيد، أو شيئاً، كأنه يسأل عن كفارتها، قال: فأنزل الله هذه الآية) ثم ذكر بمثل حديث يزيد. وقال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة -واللفظ لـ يحيى - قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص -وهو سلام بن سليم - عن سماك بن حرب، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود، عن عبد الله بن مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة)]. أي: استمتعت بها استمتاعاً دون الفاحشة، كأن يقبلها أو يحضنها أو يغمز لها أو غير ذلك. وقوله: (في أقصى المدينة) أي: بعيداً عن أنظار وأعين الناس. قال: (وإني أصبت منها ما دون أن أمسها) والمس بمعنى: الجماع، أي: أنه فعل معها كل شيء إلا الجماع. قال: فأنا هذا فاقض فيّ ما شئت، يعني: ها أنا قد أتيتك، وأنا بين يديك فاحكم في بما شئت. لكن نجد كل وسائل الفساد قد سعت لإفساد المرأة، فأدخلوا لها تلفزيوناً (٢٤ بوصة) ملوناً، وأخذت تنظر فيه، فترى الرجل يقبل المرأة، وهي تكاد أن تموت من فرط غيرتها وحيائها، ثم بعد ذلك تألف المسألة، بل لو تعطل التلفزيون تكون مصيبة كبيرة في البيت، ولا بد أن تصلحه في نفس اليوم؛ لأنها تتابع الأفلام والمسلسلات، ومعنى أنها لا تدرك حلقة من المسلسل ذهاب نصف عمرها! وهكذا فشيء مع الوقت تغيرت الأخلاق، وتغيرت القلوب، وكل شيء تغير في الأمة، فلا بد من الرجوع بالأمة إلى عهدها الأول، ولن تصلح الأمة إلا بالرجوع إلى عهدها الأول، العهد الذي يقاس عليه الخير كله. قال: [(فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي ﷺ شيئاً -وفي هذا جواز اجتهاد المفضول في وجود الفاضل- فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبي ﷺ رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]، فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة)] أي: بل لكل من وقع في سيئة من هذه الأمة؛ لأن هذا الذنب الذي ذكره الرجل من الصغائر التي تستوجب التعزير لا الحد، والذي يستوجب الحد إنما هو ارتكاب الفواحش، مع أن الرجل سماه حداً فقال (يا رسول الله! أصبت ذنباً فأقم علي الحد)؛ لأن لفظ الحد يطلق مجازاً، ولا يراد به حقيقة الذنب الذي يستوجب حداً قد حده الله ، كما أن إجماع الأمة منعقد على أن ما دون الجماع صغيرة، وأنا أقول هذا الكلام وأنا في منتهى المرارة؛ لأني لا أضمن جميع القلوب والأذهان المستمعة، وأرجو ألا تهون عليك هذه المعاصي؛ لأن الله تعالى قد يقبضك -ولا يبالي- وأنت عليها، وتبعث عليها، ثم كيف يكون موقفك يوم القيامة؟ لكنني أقرر أمراً، وهو أن ما دون الجماع، أو ما دون الزنا الحقيقي في الفرج هو من الصغائر، تكفرها الطاعات، وأقول هذا لأربط لك بين قول هذا الرجل: (أصبت ذنباً يا رسول الله! فها أنا ذا يا رسول الله! افعل في ما شئت)، وبين ما قاله وأرشد إليه النبي ﵊: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، ولو كان هذا حداً كبيراً يستوجب إقامة حد معلوم لحده النبي ﵊، فلما ترك الحد ودله على المكفرات، وهي الصلاة، دل على أن ما فعله الرجل ليس بكبيرة، ولذلك قال النبي ﵊: (الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما، والصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، ما لم تغش الكبائر). فقوله: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينها ما لم تغش الكبائر)، يدل على أن الذي فعله الرجل ليس من الكبائر؛ لأنه ليس بالزنا الذي هو الإيلاج، أي: إدخال الذكر في الفرج، كما يدخل الرشاء في البئر، وكما قال ﵊ في حديث ماعز: (يا رسول الله! إني زنيت، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: أدخل هذا منك في ذاك منها كما يدخل الرشاء في البئر- يعني: هل دخل ذكرك في فرجها على هذا النحو؟ قال: نعم يا رسو

стр. 829

الفرق بين الحد والتعزير قال: [حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو النعمان، الحكم بن عبد الله العجلي، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود -وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي - عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي الأحوص. وقال في حديثه: (فقال معاذ: يا رسول الله! هذا لهذا خاصة - يعني: الكفارة هذه لهذا الرجل خاصة في هذا الموقف- أو لنا عامة؟ قال: بل لكم عامة). وحدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا عمرو بن عاصم -وهو الكلابي القيسي أبو عثمان البصري - حدثنا همام -وهو ابن يحيى بن دينار - عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أصبت حداً فأقمه علي. قال: وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقم في كتاب الله، قال: هل حضرت الصلاة معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر لك)]. وهذا محمول على الصغائر لا الكبائر، لأن الكبيرة تستوجب الحد، وليس في مقدور النبي ﵊ ألا يقيم الحد، والحدود والتعزيرات بينهما فوارق: منها: أنه للسلطان أن يتنازل عن الحد في الكبيرة، بخلاف التعزير، فإنه متروك لاجتهاد القاضي، أو الحاكم أو الأمير أو السيد أو الزعيم أو المسئول، والتعزير يكون باللوم وبالتوبيخ وبالسب، وبالمثلة، كأن يحلق شعره، ولا حد في أقل من عشر، كما أنه لا تعزير في أكثر من عشر، فللحاكم أن يعزر بالجلد، فيجلد جلدتين وثلاثاً وسبعاً وعشراً، ولا يزيد على ذلك إلا في حد من حدود الله، ولذلك جعل الله تعزير المرأة أولاً بالوعظ، ثم باللوم والتوبيخ والهجر، ثم الضرب غير المبرح. قال: [حدثنا نصر بن علي الجهضمي وزهير بن حرب -واللفظ لـ زهير - قالا: حدثنا عمر بن يونس -وهو ابن قاسم اليمامي - حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد، حدثنا أبو أمامة قال: (بينما رسول الله ﷺ في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً)]. أي: ذنباً عظيماً وليس ما يستوجب حداً، وربما فهم الرجل أن هذا العمل فيه حد، فلما أطلع النبي على ما فعل علم أنه ليس حداً يستوجب إقامة الحد عليه. [قال: (إني أصبت حداً فأقمه علي، فسكت عنه رسول الله ﷺ ، ثم أعاد فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقمه علي، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة)]. وهذا يذكرني بذاك المدني الذي أتى وقال: (يا رسول الله! هلك الأبعد، قال: وما أهلكه؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان)، مع أن وطء المرأة في نهار رمضان ليس فيه حد، ومع هذا قال: هلك. وقال: الأبعد، أي: يدعو على نفسه. فقال ﵊: (وما أهلكه؟ أي: ماذا عمل؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، قال: اذهب فأعتق رقبة، قال: ليس عندي رقبة، قال: اذهب فصم ستين يوماً، قال: وهل أوقعني فيما وقعت فيه إلا الصيام؟ فتبسم النبي ﵊ وقال: كيف وقعت بها؟ قال: رأيت خلخالها، ثم قال: اذهب فأطعم ستين مسكيناً، قال: ليس عندي ما أطعمه، قال: انتظر، فانتظر حتى أتي بتمر إلى النبي ﵊، ثم قال: اذهب فأطعم ستين مسكيناً، قال: والله يا رسول الله! لا تجد بين لابتيها -أي: بين جبليها، فقد كانت المدينة في وادي أو في سهل بين جبلين عظيمين- أفقر مني ومن أهل بيتي، قال: اذهب فاجعله فيك وفي أهل بيتك). قال: [(وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله ﷺ قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله ﷺ حين انصرف، واتبعت رسول الله ﷺ أنظر ما يرد على الرجل)]. انظر إلى الحرص على طلب العلم، فقد مشى الرجل والنبي ﵊ وأبو أمامة وراءهم من أجل أن يعرف رد النبي في هذه القضية. قال: [(فلحق الرجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقمه علي، قال أبو أمامة: فقال له رسول الله ﷺ : أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: ثم شهدت الصلاة معنا؟ فقال: نعم يا رسول الله! قال: فقال له رسول الله ﷺ : فإن الله قد غفر لك حدك، أو قال: ذنبك)]، وهذا شك من الراوي، والصواب: (فإن الل

стр. 830

الأسئلة

стр. 831

الاحتجاج بالأحاديث على قواعد النحو السؤال هل يجوز الاحتجاج بالأحاديث على قواعد النحو؟ الجواب هذا هو الأصل؛ وليس جائزاً فقط؛ لأن القواعد النحوية إنما أخذت من كلام العرب، وأبلغ الكلام وأفصحه هو كلام الله تعالى وكلام نبيه ﷺ ، ولذا فإن أعظم قاعدة لغوية هي ما يستشهد عليها بآية من كتاب الله، أو بحديث من أحاديث النبي ﷺ .

стр. 832

الحكم على حديث: (سلمان منا أهل البيت) السؤال ما صحة حديث: (سلمان منا أهل البيت)؟ الجواب هذا الحديث روي أنه قاله النبي ﵊ في غزوة الخندق، لكن إسناده غير صحيح، وهو صحيح موقوف من قول علي بن أبي طالب، فالراجح أنه من كلام علي بن أبي طالب لا من كلام النبي ﵊.

стр. 833

الحكم على حديث: (من وصل صفاً وصله الله) السؤال حديث: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، هل هو حديث صحيح؟ الجواب نعم هو حديث صحيح.

стр. 834

بيان سبب إيراد الإمام النووي لكلام المازري في شرح صحيح مسلم السؤال لماذا أورد النووي قول المازري؟ هل لأنه قبل هذا القول أم ماذا؟ الجواب قد ذكرنا هذا مراراً وتكراراً، وقلنا: إن العقيدة لم تتقرر عند الإمام النووي ﵀، ولذلك يورد أحياناً كلام الأشاعرة ويرد عليهم، ويبطل معتقدهم ومذهبهم، وأحياناً يوافقهم على ذلك، وأحياناً يتوقف.

стр. 835

كفارة النذر السؤال عاهدت الله في حالة مرضي الشديد إن شفاني على ألا أشاهد التلفاز ولا أشاهد الأفلام، ثم من الله علي بالشفاء، فأخلفت وعدي مع الله، فما هي الكفارة لذلك؟ الجواب في الحقيقة أن التلفاز لا يحتاج إلى النذر حتى يتركه المسلم؛ أعظم من أن ينذر المسلم تركه، وعلى أي حال إذا أرادت الأخت أن تستريح لسؤالها فلتتصدق بشيء ما، وهذا الشيء قد اختلف فيه أهل العلم؛ لأنه قد ورد في رواية مسلم: (من نذر فلم يستطع فليتصدق بشيء)، وفي رواية: (من قال لأخيه: تعال أقامرك. فليتصدق بشيء)، فهل هذا الشيء هو الكفارة أو أي شيء يجزئ؟ الراجح: أن أي شيء مهما قل يجزئ، خاصة أن الأخت عاهدت الله تعالى، فإذا حملنا هذا العهد على النذر فيجزئها أن تتصدق بأي شيء قل أو كثر، والله تعالى أعلم.

стр. 836

شرح قول الصحابة: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن) السؤال نريد شرح هذا الحديث: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن)، وهل معناه: تعلم الإيمان ثم حفظ القرآن، أم ماذا؟ الجواب أظن أن هذا السؤال بالذات كان محل خطبة طويلة على هذا المنبر، وقد قلنا: إن النبي ﵊ مكث ثلاثة عشر عاماً يعلم أصحابه الاعتقاد قبل أن ينزل من السماء حكم شرعي واحد، وهذا ليس بحديث، وإنما هو من قول عبد الله بن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي ﵃ أجمعين، يقول عبد الله بن عمر: كان الواحد منا يتعلم العشر الآيات من القرآن، فيقف عندها، فيتعلم حلالها وحرامها، وحدودها وفرائضها، وما يجب عليه منها، فكان الإيمان أولاً، وكم ممن يحفظ القرآن لا إيمان له، وبعض الناس يتصور أنه إذا حفظ القرآن فقد عبر القنطرة، بل إن أعظم الناس بدعة في تاريخ الإسلام الخوارج، ومع ذلك كانوا أحفظ الناس لكتاب الله، وأعبد الفرق الإسلامية لله ، وما وقعوا فيما وقعوا فيه إلا لاستشعارهم بأن المعصية الصغيرة ذنب كبير في حق الله ، ولذلك كفروا مرتكب الكبيرة، وقالوا: من ارتكب كبيرة فهو كافر خارج عن الملة، مخلد في النار، مع أنه ليس كذلك، لكنهم قالوا بذلك استشعاراً لعظم الذنب، وهذا يعني: أن حسن النية للشخص، أو العواطف في الأحكام الشرعية ليس كافياً، إذ إن المسائل الشرعية تقرر بالقواعد العلمية، ولا يكفيها العاطفة أبداً.

стр. 837

نصيحة لمن أراد أن يقدم على الزواج السؤال كيف أخطب امرأة صالحة ذات دين وجمال ونسب وحسب وأنا رجل فقير؟ الجواب أسأل الله تعالى أن يوفقك إلى ما فيه الخير والصلاح، ووصيتي ونصيحتي لك أن تتزوج بامرأة كفءٍ لك مادياً، لكن لو أنك تزوجت امرأة أقل منك في مستوى المعيشة لكان أفضل، كأن يستلم أبوها مائتين جنيه، وأنت تستلم ثلاثمائة جنيه، عند ذلك سوف تكون حياتها معك جميلة ومرتاحة، لكن أن تبحث عن قوت يومك، وتريد امرأة صاحبة دين -ليس هناك خلاف- ونسب وحسب وجمال فلا؛ لأن معظم البلاء يأتي من هنا، وهناك حالات كثيرة جداً في المجتمع يشهد لها الواقع، ولذلك لما قال العلماء: الكفاءة في الزواج شرط. اختلفوا في المراد بالكفاءة، هل يكتفى بكفاءة الدين، وهو محل اتفاق، أم لا بد من كفاءة الدنيا؟ أعني: من المال أو الحسب أو غيرهما؟ منهم من رد كفاءة الدنيا وقال: إن خديجة ﵂ كانت أكفأ مادياً من النبي ﵊، بل كانت تنفق عليه، وكان يشتغل عندها ﵊ قبل البعثة، لكن في هذه الأيام بعض الشباب يفكرون أن العملية مثلما نقرأ في الكتب! أن الكتب شيء والواقع شيء، فواقعنا مر وأليم، وإياكم أن تتصوروا أنه سيحدث مثل الحادثة التي نسمعها دائماً، وهي: أن رجلاً دميماً تزوج امرأة جميلة، فرآها رجل وسألها: كيف أنت جميلة وزوجك دميم؟! فقالت: يا هذا إليك عني، فلعلني عصيت الله فعاقبني به، ولعله أصلح ما بينه وبين الله فكافأه الله بي.

стр. 838

بيان معنى الباءة الواردة في الحديث السؤال ما معنى الباءة في حديث النبي ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة)؟ الجواب الباءة هي الإنفاق على الزوجة وأبنائها، والقدرة على إتيان النساء، وليس لأهل العلم تفسير أكثر من ذلك.

стр. 839

حكم حف الشارب بالموسى السؤال ما هو حكم حف الشارب بالشفرة؟ وهل هو من الأعمال المبتدعة؟ الجواب هو بلا شك ليس من السنة، فالذي يحلق شاربه بموس ليس من السنة، بل السنة حف الشارب من أعلى الشفة العليا، فلا يتركه ينزل إلى فمه.

стр. 840

حكم لبس الذهب المحلق وغير المحلق للنساء السؤال ما حكم لبس الذهب للسيدات واستعماله، سواءً كان محلقاً أو غير محلق؟ الجواب جائز، خلافاً لشيخنا الألباني ﵀.

стр. 841

حكم قضاء السنن الرواتب السؤال فاتتني سنة المغرب البعدية حتى أذن للعشاء، ثم صليتها بعد الأذان، فهل تصح وتجزئ عني؟ الجواب أهل العلم على قولين في هذه المسألة: فالجمهور يقولون بجواز قضاء الفوائت في كل حال. وغير الجمهور من المحدثين وغيرهم يقولون: لا تقبل الفوائت إلا إذا فاتت بعذر، أما غير ذلك فلا، وهذا الرأي أرجح من الأول، وعليه فإذا تركها متعمداً فلا يصليها إذا دخل وقت الثانية، والله أعلم.

стр. 842

كيفية التحلل من مظالم الآخرين السؤال سائل يقول: كان في بداية عمره وبلوغه مع جهله يفعل الكبائر من الزنا والسرقة وغير ذلك، ثم هداه الله لسبيل خير من ذلك، وسمع بأمر القصاص في الآخرة، فذهب إلى أحد أهل المظالم فاستحله وأقر بين يديه بفعل الفاحشة مع ابنته، فعفا وصفح عنه الرجل، وذهب إلى الباقين وذكر لهم أنه وقع في حقهم بسوء دون ذكر المظلمة صراحة، فعفوا عنه، وذلك مخافة قطيعة الرحم، أو حصول بعض الضرر عند ذكر المظلمة لهؤلاء، فهل يحاسب على هذه المظالم يوم القيامة؟ وهل تعد هذه توبة صحيحة؟ الجواب الحقيقة هذا السائل ما زاد على الأبواب التي ندرسها ونتناولها في كل يوم، وأن الذي بدر منه هو من الكبائر ومن عظائم الذنوب، ويستوجب الحد، لكنه لا حد عليه الآن، وحتى على فرض وجوب الحد الآن فإن الله تعالى قد ستر عليك وأنت تأتي بالكبائر، فدائرة عفو الله تشملك كما تشمل كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فذنبك مهما عظم شيء، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء، فيجزئك ويكفيك أن تتوب توبة صادقة وخالصة لله ، ولا يلزمك كذلك التحلل من أصحاب هذه المظالم؛ لأن بعض الناس ربما تعسف في معرفة المظلمة، وفي الحقيقة لو أنك عرضت علي هذا السؤال قبل أن تذكر هذه المظلمة لوالد البنت التي ظلمتها وظلمته وظلمت نفسك أيضاً، فلن أنصحك أبداً بإخباره بذلك، لكن كونك قد فعلت، وكونه قد عفا، فهو أعظم منك وأكرم، وهذا على خلاف عادات الناس جميعاً، فكونه عفا فهذا يدل على أصالته وشرفه وسيادته، وهذا الأخ إنما يسعه أن يتوب إلى الله ، ولا شيء عليه بعد ذلك، ولا يلزمه أن يذهب إلى بلاد تقيم الحدود؛ لأن بعض الناس يفعل هذا إذا أذنب ذنباً في بلد لا يقام فيه الحد، وأقول: يلزمه أن يتوب إلى الله ، وأن ينخرط في سلك طلاب العلم، فيطلب العلم، ويكثر من الصلاة، والصيام، والذكر، والاستغفار، وغير ذلك من القربات والطاعات.

стр. 843

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - حديث القاتل مائة نفس يغفر الله سبحانه الذنوب جميعاً إذا تاب العبد منها توبة نصوحاً، فالذي قتل مائة نفس غفر الله له، وأدخله الجنة؛ لصدق توبته، وتوجهه إلى ربه ومولاه، فمهما عظمت جريرة العبد ومهما جلت معصيته، فإنه لا يحول بينه وبين التوبة شيء، وما ذاك إلا لسعة رحمة الله بعباده، وقبوله للمنيبين التائبين منهم.

стр. 844

باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله الحمد الله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، أما بعد: الباب الثامن من كتاب التوبة هو: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله:

стр. 845

شرح حديث القاتل مائة نفس قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي قال: حدثني أبي -وهو: أبو عبد الله الدستوائي - عن قتادة -وهو ابن دعامة السدوسي البصري - عن أبي الصديق بكر بن عمرو الناجي، مشهور بكنيته أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان -: أن نبي الله ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعاً وتسعين نفسا)]. يعني: أن هذا الأمر متعلق بالأمم السابقة، ولم يكن واقعاً في أمة محمد ﵊.
следующие страницы →