← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

حكم قضاء السنن الرواتب السؤال فاتتني سنة المغرب البعدية حتى أذن للعشاء، ثم صليتها بعد الأذان، فهل تصح وتجزئ عني؟ الجواب أهل العلم على قولين في هذه المسألة: فالجمهور يقولون بجواز قضاء الفوائت في كل حال. وغير الجمهور من المحدثين وغيرهم يقولون: لا تقبل الفوائت إلا إذا فاتت بعذر، أما غير ذلك فلا، وهذا الرأي أرجح من الأول، وعليه فإذا تركها متعمداً فلا يصليها إذا دخل وقت الثانية، والله أعلم.

стр. 842

كيفية التحلل من مظالم الآخرين السؤال سائل يقول: كان في بداية عمره وبلوغه مع جهله يفعل الكبائر من الزنا والسرقة وغير ذلك، ثم هداه الله لسبيل خير من ذلك، وسمع بأمر القصاص في الآخرة، فذهب إلى أحد أهل المظالم فاستحله وأقر بين يديه بفعل الفاحشة مع ابنته، فعفا وصفح عنه الرجل، وذهب إلى الباقين وذكر لهم أنه وقع في حقهم بسوء دون ذكر المظلمة صراحة، فعفوا عنه، وذلك مخافة قطيعة الرحم، أو حصول بعض الضرر عند ذكر المظلمة لهؤلاء، فهل يحاسب على هذه المظالم يوم القيامة؟ وهل تعد هذه توبة صحيحة؟ الجواب الحقيقة هذا السائل ما زاد على الأبواب التي ندرسها ونتناولها في كل يوم، وأن الذي بدر منه هو من الكبائر ومن عظائم الذنوب، ويستوجب الحد، لكنه لا حد عليه الآن، وحتى على فرض وجوب الحد الآن فإن الله تعالى قد ستر عليك وأنت تأتي بالكبائر، فدائرة عفو الله تشملك كما تشمل كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فذنبك مهما عظم شيء، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء، فيجزئك ويكفيك أن تتوب توبة صادقة وخالصة لله ، ولا يلزمك كذلك التحلل من أصحاب هذه المظالم؛ لأن بعض الناس ربما تعسف في معرفة المظلمة، وفي الحقيقة لو أنك عرضت علي هذا السؤال قبل أن تذكر هذه المظلمة لوالد البنت التي ظلمتها وظلمته وظلمت نفسك أيضاً، فلن أنصحك أبداً بإخباره بذلك، لكن كونك قد فعلت، وكونه قد عفا، فهو أعظم منك وأكرم، وهذا على خلاف عادات الناس جميعاً، فكونه عفا فهذا يدل على أصالته وشرفه وسيادته، وهذا الأخ إنما يسعه أن يتوب إلى الله ، ولا شيء عليه بعد ذلك، ولا يلزمه أن يذهب إلى بلاد تقيم الحدود؛ لأن بعض الناس يفعل هذا إذا أذنب ذنباً في بلد لا يقام فيه الحد، وأقول: يلزمه أن يتوب إلى الله ، وأن ينخرط في سلك طلاب العلم، فيطلب العلم، ويكثر من الصلاة، والصيام، والذكر، والاستغفار، وغير ذلك من القربات والطاعات.

стр. 843

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - حديث القاتل مائة نفس يغفر الله سبحانه الذنوب جميعاً إذا تاب العبد منها توبة نصوحاً، فالذي قتل مائة نفس غفر الله له، وأدخله الجنة؛ لصدق توبته، وتوجهه إلى ربه ومولاه، فمهما عظمت جريرة العبد ومهما جلت معصيته، فإنه لا يحول بينه وبين التوبة شيء، وما ذاك إلا لسعة رحمة الله بعباده، وقبوله للمنيبين التائبين منهم.

стр. 844

باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله الحمد الله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، أما بعد: الباب الثامن من كتاب التوبة هو: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله:

стр. 845

شرح حديث القاتل مائة نفس قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لـ ابن المثنى قالا: حدثنا معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي قال: حدثني أبي -وهو: أبو عبد الله الدستوائي - عن قتادة -وهو ابن دعامة السدوسي البصري - عن أبي الصديق بكر بن عمرو الناجي، مشهور بكنيته أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان -: أن نبي الله ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعاً وتسعين نفسا)]. يعني: أن هذا الأمر متعلق بالأمم السابقة، ولم يكن واقعاً في أمة محمد ﵊.

стр. 846

أهمية العلم وسؤال العلم قال: [(فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على راهب)]. أي: دلوه على راهب، وشأن الراهب أنه يبقى في صومعته يعبد فيها ربه، فيصلي، ويصوم، ويتقلل من الطعام والشراب واللباس، وأما العلم فلا صلة له به، والأصل أن يدل على أعلم أهل الأرض، لكنهم تركوا ذلك وأخذوا كما يأخذ عامة الناس بظاهر الحال من الصلاح، والعبادة، والتقوى، وغير ذلك، فهذا الراهب إنما تنفعه رهبنته لوحده، وهذه الرهبنة لا تنفع بقية الأمة، فعبادته مقصورة عليه، فهو وحده ينتفع بها، وأما بقية أفراد الأمة فإنما ينتفعون بعلم العالم لا بعبادة الراهب، ولا بعبادة العابد، ولا بصلاحه. والعابد أو الصالح، التقي، الراهب، قل أن يكون له علاقة أو صلة بالعلم، فكثير من الناس إما أن يكون قصاصاً، أو واعظاً، أو خطيباً، أو مصلحاً، أو غير ذلك من الأعمال الخيرية الشريفة التي يتقرب بها قائلها إلى الله ، لكن لا يصلح أن يتصدى لإفتاء الناس في أمور دينهم ودنياهم. وعلى أية حال ليس هذا مطعناً فيمن تصدى لوعظ الناس، أو التأثير فيهم بالقصص والروايات والأخبار وغير ذلك، وربما لا يتأهل العالم للقيام بهذا الدور في الأمة؛ لأنه أتقن نمطاً معيناً من دين الله ، وهو طلب العلم بأدلته الشرعية، وإسقاط ذلك على واقع السائل، ثم الإفتاء بالحل أو الحرمة، وبالبطلان أو الصحة، أو غير ذلك، فهو يجيد هذا الفعل، وغيره لا يجيد إلا باب القصص والوعظ، والتأثير في الناس، والخطابة، وربما لا يجيدها العالم، فهذه أرزاق وقدرات وزعت على الخلق كل على حسب مراد الله . فليس مطعناً على العالم أنه غير قادر على الوعظ، وليس مطعناً على الواعظ أنه غير قادر على تعليم الناس؛ لأنه لا رصيد له بالعلم، وإنما رصيده حب القصص، والأخبار، والحكايات، والروايات التي يكون لها تأثير مباشر في قلوب المستمعين، وتحريك الوازع الديني في قلوبهم، وربطهم بالله ، ويا حبذا لو أن ذلك وفق معرفة الحلال والحرام، ومعرفة الأحكام والحدود وغير ذلك من مسائل العلم في دين الله ! ولذلك يغتر كثير من الناس فيسألون أي خطيب صعد المنبر، وهذا بلا شك فعل غير سديد، ومنهج غير موفق، وربما يحمل الحياء الشيخ ألا يعتذر عن كل سؤال وجه له، فيفتي الناس بالعاطفة لا بالعلم، وكذا يتوجه المستمعون إلى الواعظ، والقصاص، والإخباري وغير ذلك بأسئلة لو طرحت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، والذي يحمل الخطيب أن يتصدى للإفتاء هو مخافة السبة، أو التهمة، أو أن يقال: ليس عنده علم أو غير ذلك، وليس هذا بابه ولا مدخله، كما يحمل الناس العالم أو طالب العلم المتخصص أن يخطب فيهم وليس خطيباً، فإذا صعد المنبر نفر الناس من طريقته وأسلوبه؛ لأن طريقة العلم وطرح المسائل بأدلتها لا يقبلها إلا فئة قليلة من الناس؛ وهم طلاب العلم، فكون العالم أو المهتم بتدقيق وتحقيق المسائل العلمية يفعل ذلك على المنبر لا شك أن هذا فيه تنفير لعامة المستمعين، وإذا اتفقنا أن هذه قدرات؛ فينبغي أن نعرف إلى من نوجه سؤالنا. ولذلك فإن الله تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، فالمسألة كلها متعلقة بالعالم. هذا إذا أردت أن تتعلم دينك، وأما إذا أردت أن ترقق قلبك، وشعرت ببعض القسوة أو الغلظة أو البعد عن الله ؛ فهذا بلا شك عن طريق الواعظ، والقصاص، والمؤثر في قلوب الناس، فلا يبغي هذا على ذاك. ولذلك انظر إلى الخطأ الذي نجم عن عدول الناس في دلالة هذا القاتل على العالم، فهو لما سألهم عن أعلم أهل الأرض دلوه على راهب. قال: [(فأتاه القاتل فقال له: إنه قتل تسعاً وتسعين نفسا -أي: يتكلم عن نفسه بضمير الغائب- فهل له من توبة؟ فقال الراهب: لا توبة له، فقتله القاتل، فأتم به المائة)]. لأنه أغلق باب الأمل أمامه، وإذا كان الباب قد سد وأغلق وأوصد أمامه تماماً، ويستوي أن يقتل واحداً أو مائة؛ فما المانع أن يقتل من أيسه وقنطه من رحمة الله . قال: [(ثم سأل عن أعلم أهل الأرض)]. أي: أنه لم يقنط، فسأل للمرة الثانية عن أعلم أهل الأرض. قال: [(فدل على رجل عالم)]. والتفريق بين العالم والراهب: أن الراهب هو الرجل الصالح ذو العبادة المستمرة، لكنه ليس عالماً، ولذلك جرّ على نفسه القتل بجهله، ولو قال: لا أعلم لنجا، لكنه تصدى لشيء بعاطفته، واستعظم ذلك، وأخذ الثقة من نفسه، فطرده من رحمة الله بقوله، فلما قنط القاتل قتله، فأتم به المائة، بخلاف العالم. قال: [(فدل على رجل عالم فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال العالم: نعم)]. أي: نعم له توبة وإن قتل الناس أجمعين. قال: [(ومن يحول بينه وبين التوبة)]. يعني: من ذا الذي يحجب عنه باب قبو

стр. 847

من مثبتات التوبة معاشرة الصالحين والابتعاد عن الأشرار قال: [(انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم)]. وهنا يظهر أن المرء على دين خليله، قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فهؤلاء قوم يعبدون الله، وهم أتقياء، ومن عبد الله تعالى معهم أعانوه على ذلك، وألزموه كلمة التقوى. قال: [(ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء)]. أي: أن هؤلاء القوم الذين تربيت معهم قوم أشرار.

стр. 848

التوبة تجب ما قبلها قال: [(فانطلق الرجل حتى إذا نصف الطريق -يعني: انتصف به السير في وسط الطريق- أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب -ومعنى اختصمت: اختلفت- فملائكة الرحمة يقولون: أتانا تائباً، وملائكة العذاب يقولون: لم يعمل خيراً قط، فقد قتل مائة نفس، فأمر الله ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أن يحتكموا لأقرب قادم، فأنزل الله ملكاً من السماء في صورة إنسان، فجعلوه بينهم حكماً، فقال هذا الملك: قيسوا ما بين الأرضين: الأرض التي خرج منها، والأرض التي هو ذاهب إليها، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي هو ذاهب إليها -أي: الأرض التي فيها قوم يعبدون الله فقبضته ملائكة الرحمة). قال قتادة: فقال الحسن -وهو ابن أبي الحسن يسار البصري -: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره]. وهذه صيغة تمريض تشير إلى ضعف ذلك، كما أنه لم يذكر في الحديث النبوي. ونأى بمعنى: نهض وتحرك، يعني: لما أتاه الموت تقلب مرة، فكانت هذه المرة بالقرب من الأرض التي هو قد أرادها. وهذا الكلام الذي قاله الحسن (ذكر لنا) رواه مسلم مسنداً بسند صحيح في الإسناد الذي بعده مباشرة؛ حتى يبين لنا طريق قتادة عن الحسن وأن ذلك قد ثبت من طريق أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد في نفس الحديث. قال مسلم: [حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن قتادة أنه سمع أبا الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً قتل تسعاًَ وتسعين نفساً، فجعل يسأل: هل له من توبة؟ فأتى راهباً فسأله، فقال: ليست لك توبة، فقتل الراهب، ثم سأل عالماً فقال له: نعم، ثم أمره أن يخرج من قريته إلى قرية فيها قوم صالحون، ولما كان في بعض الطريق أدركه الموت، فنأى بصدره ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان أقرب إلى أرض القوم الصالحين بشبر واحد، فأخذته ملائكة الرحمة). وحدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد نحو حديث معاذ بن معاذ، وزاد فيه: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي -أوحى: بمعنى أمر- وإلى هذه أن تقربي)]. أي: أن الله أمر الأرض التي خرج منها أن تتباعد، وأمر الأرض التي هو ذاهب إليها أن تقترب، فكان ما بين بعد هذه واقتراب ذاك هو شبر، والأعمال بالخواتيم كما قال ﵊. وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ الذي أخرجه مسلم قال: (لم يكن أحد قط أبغض إلي من رسول الله ﷺ -وهذا كان في حال كفره- فلما شرح الله تعالى صدري للإسلام أتيته وقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، قال: فبسط النبي ﵊ يده، فقبضت يدي -أي: لم يبايع- فقلت يا رسول الله: أشترط، فقال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما قد سبق). أي: لأنه لم يكن أحد أبغض إليه من رسول الله، ولا أحد أكره إليه من النظر إلى وجه من رسول الله، ولا دين في الأرض أبغض إليه من دين رسول الله ﵊. (قال: يا عمرو بن العاص أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها) ومعنى (تهدم) أي: تحط وتغفر، والحج يهدم ما كان قبله إذا كان حجاً مبروراً لا إثم فيه، بحيث يرجع منه المرء كيوم ولدته أمه كما قال ﵊، وكذلك لو أحسن المرء في الإسلام فإنه يغفر له ما قد سبق، بل تقلب سيئاته حسنات، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] أي: قل للذين كفروا إن يقبلوا على الله ، وينتهوا عن كفرهم؛ يغفر لهم ما قد سلف، أي: في حال كفرهم، وهذا دليل على أن الإسلام يهدم ويجب ويغفر ما كان قبله من معاص، وإذا كان الإسلام يغفر الكفر والشرك فكيف لا يغفر بقية الذنوب؟! والراجح أن الحج يغفر الكبائر والصغائر، وكذلك إذا تاب الإنسان من الكبيرة قبلت توبته من الكبائر مهما تعددت أو كثرت، والدليل على ذلك حديث قتل التسعة والتسعين.

стр. 849

العمل بشرع من قبلنا والأمثلة على ذلك وشرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما يبطل ذلك، فالسجود للبشر كان جائزاً في شريعة يوسف، وأما في شريعتنا فليس بجائز، فلا يحل لمسلم في شريعة محمد ﵊ أن يسجد لأحد قط؛ احتجاجاً بسجود والدي يوسف وإخوته له؛ لأن هذا شرع من قبلنا ولم يوافق شرعنا، بل شرعنا خالفه مخالفة صريحة، وقد نهى النبي ﵊ الجالس أن يقوم للقائم، ولما قام إليه الصحابة قال: (كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، لا تفعلوا) أي: لا تقوموا. ثم قال: (ومن أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، والخطر كله يكمن في حب الداخل امتثال الناس بين يديه قياماً، فالقضية كلها متعلقة بنية الداخل على القوم الجالسين. ولذلك (لما أتى معاذ بن جبل من اليمن انحنى بين يدي النبي ﵊، فأنكر عليه فوراً، فقال: يا رسول الله! إنهم في اليمن يفعلون هذا ببطارقتهم، وأنت أولى بذلك منهم، قال: لا تفعل). وفي هذا بيان مباشر وفوري أن هذا العمل غير مشكور، وغير مشروع في شرعنا، وأما في شرعهم فقد كان مباحاً وقربة إلى الله . فالقاتل الذي كان في شرع من كان قبلنا غفر له لما تاب إلى الله ، مع أنه قتل مائة نفس، وفي شريعتنا أن من قتل نفساً ثم تاب تاب الله عليه، فهذا الذي هو مقرر في شريعة محمد كان هو نفس الذي قرر في شريعة ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس، فشرع من كان قبلنا هو نفس شرعنا ما لم يرد في شرعنا ما ينقضه ويرده، فمسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ محل نزع بين العلماء: فمنهم من قال: ليس شرعاً لنا. ومنهم من قال: بل هو شرع لنا. والرأي الراجح -وهو الثالث-: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نص في شرعنا يبين أن هذا يتفق مع شريعتنا. ومعلوم أنه ليس هناك إثم قط على الداخل، فالنبي ﵊ قام إلى جعفر بن أبي طالب، وسفيان الثوري كان يقوم للداخل الغريب أو الغائب، وليس كل من دخل أقوم له، إنما القيام على حسب المقام، والنبي ﷺ قصد الحفاظ على قلب الداخل أن يكون من أهل النار، وأما لو دخل عليك شخص وأنت واضع رجل على رجل، وهو يريد أن يعانقك وأنت ملقى على ظهرك فإن قلبه سوف يتغير عليك جداً؛ لأنه أتى باشتياق وإقبال عليك لأجل أن يعانق، ويسلم بحرارة وغير ذلك، فمن الأدب أن تحسن استقباله، (والنبي ﵊ كان إذا وجد الحسن والحسين على باب المسجد نزل من على منبر الجمعة، ويخترق الناس حتى يصل إلى باب المسجد فيعانقهما، ثم يحملهما، ثم يصعد المنبر بهما، ويقول: إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فهذا هو الحب الفطري الجبلي الذي ربي في القلب. فالمهم أن يكون في حساب الداخل على قوم جالسين أن يستوي عنده قيامهم له وعدم قيامهم، لكن يسن ويفضل للجالس أن يقوم للقادم؛ خاصة إذا كان من أهل العلم، أو من كبار السن، أو من ذوي القرابة نسباً أو مصاهرة؛ لأن هذا فيه تأليف للقلوب، وصلة الود بين القادم والجالس، (والنبي ﵊ لما رجع من خيبر وجد جعفر بن أبي طالب، فقام إليه، وقبله بين عينيه، وقال: لا أدري بأيهما أسر: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر!). فعلى المسلم أن ينزل الناس منازلهم، وتقدير الناس على قدر منازلهم في الشرع باب من الأدب عظيم جداً ينبغي لطلاب العلم خاصة، والمسلمين عامة أن يعتنوا به عناية فائقة.

стр. 850

حكم توبة القاتل وأنواع الديات ومذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا عبد الله بن عباس، وأما القاتل خطأ فإن كفارته كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢]، فمن صدم شخصاً بالسيارة فإن هذا قتل خطأ، وكذلك من وكز شخصاً فمات، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] يعني: هو أصلاً لم يكن متعمداً، ولو لم يوكزه فإنه سيموت، لكن الوكزه كانت السبب، وكان قتلاً خطأ، فلم يتعمد موسى قتله ﷺ ، لكن مسكه في صدره أو رقبته فوقع على الأرض فمات، فهذا جزاؤه عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، وأما القتل العمد فإن اليهود عندهم أن القصاص واجب، ولا بد منه. والنصارى عندهم التسامح واجب لا بد منه، وأما نحن فمخيرون بين القصاص، أو الدية، أو العفو، وهذا من رحمة الله بنا؛ لأننا أحسن منهم، ولهذا فإن الله رفع الأغلال عن هذه الأمة المباركة، ودية القتل العمد تكون بعد تحرير رقبة إذا لم يكن ثم قصاص، ومقدار الدية: مائة ناقة، والناقة قيمتها ثلاثة آلاف جنيه، فتكون الدية بثلاثمائة ألف جنيه. وهناك فرق بين دية المرأة المؤمنة، ودية الرجل، وفرق بين دية الرقيق والأحرار من الرجال والنساء، وفرق بين دية أهل الكتاب والمؤمنين، وإذا كان أهل الكتاب مسالمين أو محاربين أو ناقضي العهد، وهذا موضوع طويل جداً سوف نتكلم فيه. ودية القتل الخطأ على التخفيف من دية القتل العمد، والأصل أن دية القتل الخطأ على العاقلة، وهم أهل القاتل وليس على القاتل نفسه، وهذا فارق بين القتل العمد والقتل الخطأ: أن القتل العمد يتحمله القاتل، وأما القتل الخطأ فيتحمله أهل القاتل، وسموا العاقلة؛ لأنهم يأتون بهذه النوق ويربطونها -أي: يعقلونها- في مكان، ويسلمونها لأهل المقتول. وابن عباس هو الوحيد الذي قال: إن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له، والأمة بأسرها والصحابة كذلك يقولون: بأن قاتل المؤمن عمداً له توبة، وقيل: إن ابن عباس قد رجع عن هذا الرأي. وأما ما ذكر عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] إلى أن قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]. وهذا الاستثناء يقطع هذه المعاصي السابقة، فلو كان أشرك ثم تاب قبلت توبته، ولو قتل ثم تاب قبلت توبته، وغير ذلك من سائر المعاصي، وأما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] أي: فجزاؤه إن شاء الله تعالى أن يجازيه، أن يخلده في النار، لكن له أن يجازيه، وله ألا يجازيه ويعفو عنه. ثم إن قوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] الخلود في لغة العرب يعني: المكث الطويل، بخلاف الأبدية السرمدية في النار للكفار والمنافقين، فلو أن هذا العبد قتل فأراد الله أن يجازيه أدخله جهنم، وأبقاه فيها مدة من الزمان الطويل، فيكون من آخر من يخرج من النار بشفاعة الشافعين، فيكون معنى: جزاؤه جهنم خالداً فيها: أي: ماكثاً فيها مكثاً طويلاً، لا المكث الأبدي السرمدي. والصواب في معنى هذه الآية: أن جزاءهم جهنم، وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع. ومن ارتكب كبيرة مستحلاً لها، متعمداً الوقوع والتلبث بها، مع قيام الحجة عليه أن هذا حرام، ولكنه أنكر وجحد وأصر على أنه ليس حراماً، وهو ليس متأولاً، ولا مخطأً، بل متعمداً، ومستحلاً، فهو كافر؛ لأن من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله عامداً غير متأول لا شك أنه يكفر.

стр. 851

حكم القاتل المستحل وغير المستحل قال: (فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل؛ فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل). أي: من قتل عمداً لكنه ليس مستحلاً للقتل، ومعتقداً تحريم ذلك، فهو فاسق عاص مرتكب للكبيرة، جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى أنه لا يخلد فيها من مات موحداً، وقد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلاً، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، فهذا هو الصواب في معنى هذه الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن ذلك حتم في حقه، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، إنما فيها أن جهنم جزاؤه إن أراد الله تعالى أن يجازيه، ولذلك لم تقل الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فيخلد في جهنم، أو يدخل جهنم، وإنما قالت: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] يعني: ليس بلازم إذا وقع العبد في الذنب أن يجازى به، فيمكن أن يجازى بجزاء آخر، فالله يخفف عن عبده من عقوبة إلى عقوبة أخف برحمته وفضله حتى يصل إلى درجة العفو، والعفو والعذاب بيده ، ونحن في قبضته ومشيئته يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، فأنا عبده، فإن عذبني فبعدله، وإن غفر فبفضله، فأنا أدور بين درجتين: درجة العدل، ودرجة الفضل والإنعام والتكرم. قال: (وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أن هذا الجزاء، أي: يستحق أن يجازى بذلك إن قتل، وقيل: إن المراد: من قتل مستحلاً). ثم ذكر بعد ذلك أقوالاً أخرى للدلالة على ما ذكرناه أنفاً، وزاد أقوالاً فيها ضعف، وأقوى الأقوال في قتل المؤمن عمداً ما قدمناه، والذي يسرنا أن نقول: أن ابن عباس قد رجع عن قوله: بأن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له. ومن لم يجد رقبة مؤمنة بعتقها فإنه يصوم شهرين متتابعين مع وجوب الدية.

стр. 852

مفارقة أهل المعاصي والمواضع التي وقعت فيها المعاصي أما قوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء). قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب؛ لحديث أن النبي ﵊ (لما نزل في واد هو وأصحابه قال: من يرقب لنا الفجر؟ قال بلال: أنا يا رسول الله! فنام بلال، فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ وقد طلعت الشمس، فقال: أين بلال؟ قال: أنا يا رسول الله! فقال: ما الذي أخذك؟ قال: الذي أخذكم يا رسول الله! -يعني: النوم- فقال النبي ﵊: انطلقوا من هذا الوادي فإن به شيطاناً، فلما صعد إلى الأرض المستوية أمر بلالاً فأذن، وتوضئوا فصلوا السنة، ثم صلوا الصبح جماعة)، وهذا بعد طلوع الشمس، وقد حدث هذا ثلاث مرات للنبي ﷺ مع أصحابه. فقال: (وفي هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك)، الأخدان: هم الأقران أو الرفقة الذين هم معه، فمن تاب فعليه أن يترك الرفقة القديمة رفقة السوء، ويدخل المسجد، ويكثر من قراءة القرآن، والذكر، والتسبيح، وطلب العلم. قال: (في هذا استحباب مفارقة المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم -أي: على معاصيهم- وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين الأتقياء، ومن يقتدى بهم، وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته). ومن يعمل بكلام أهل العلم فسوف ينجو من شرور وفتن كثيرة جداً. ورب واحد يتوب ويأتي المسجد فيرى المجتمع غريباً عليه، وينظر لأخيه في البيت أول ما يلقاه حليق، فيعبس في وجه، ويمكن أن يكون هو أفضل منه، فقد تكون عنده مؤهلات أخرى إيمانيه وصلة بالله أحسن منه. وآخر يبحث عن جزمته في فناء المسجد فإذا لم يجدها قال: هذه آخر مرة أدخل المسجد، وذلك بسبب أخ بسوء خلقه، وقصور فكره صده عن سبيل الله ، وهناك مكاسب سبقنا إليها غيرنا من الجماعات العاملة على الساحة من صدق الخلق وغيرها، فلماذا لا يكون في ذهنك: أن كل من تقابله فإنك تدعوه إلى الله؟ أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب من أبواب الجنة؟ فلماذا تركته؟ فـ أبو بكر الصديق ﵁ ما كان يفرط في باب قط، فقد قال رسول الله ﷺ : (من منكم تصدق اليوم؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! قال: من منكم عاد اليوم مريضاً؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: من منكم فعل وفعل، وكل سؤال يجيب عنه أبو بكر بقوله: أنا يا رسول الله! قال: لا عليك أن تدخل من أبواب الجنة كلها). يعني: لا يمنعك أن تدخل من جميع أبواب الجنة؛ لأنك قد أتيت من الأعمال الصالحة ما يؤهلك للدخول من جميع الأبواب. وقد سمعت مرة واعظاً وقد سأله سائل فقال له: كيف يدخل أبو بكر ﵁ من أبواب الجنة كلها؟ فقال: يدخل من باب ويخرج منه، ثم يدخل الباب الثاني والثالث وهكذا، فقال له السائل: إن الذي يدخل من باب الجنة لا يخرج منها أبداً، فقال الواعظ: أي والله! حتى أنا فاهم هذا الكلام غلط، وهذا يبين لنا الفرق بين الواعظ والعالم. والجواب على هذه المسألة هو: أن أبا بكر سوف يدخل من الثمانية الأبواب، والله تعالى أعلم بكيفية الدخول، فهذا معتقد أهل السنة والجماعة، كما نعتقد أن مصراعي باب الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين المشرق والمغرب، وإذا كان تراب الجنة المسك والزعفران فكيف بابها؟! وأما قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك بذلك؛ فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمرهم عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا أول من يمر بهم، فمر الملك في صورة رجل فحكم بينهم بذلك، فكان مآل هذا التائب إلى الجنة.

стр. 853

فداء المسلم يوم القيامة بالكافر قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامه حماد بن أسامه عن طلحة بن يحيى -وهو ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار)]. أي: هذا فداؤك وخلاصك من النار في يوم القيامة، وهذا الكلام لا يعجب الملاحدة، وهو أن ربنا يجعل فكاك المسلم يوم القيامة من النار بيهودي أو نصراني، وليس معنى ذلك أن الكافر يدخل النار بسبب ذنوب المسلم، فربنا يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ولا يعذب المرء بجريرة غيره، ولا بذنب الآخرين، وإنما يعذب بذنبه وبكفره ولا يعذب بذنوب الآخرين. قال: [وفي رواية عون بن عتبة، وسعيد بن أبي بردة: أنهما رأيا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي ﷺ قال: (لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهودياً أو نصرانياً، فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: هل أبوك حدثك عن رسول الله بهذا؟ فحلف له، قال: فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه، ولم ينكر على عون قوله). وفي رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﵊ قال: (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى)]. والقول الثاني في الحديث الأول: يأخذ الذنوب التي على المسلمين ويضعها على اليهود والنصارى. قال: [وفي رواية صفوان بن محرز قال: (قال رجل لـ ابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول في النجوى -أي: المناجاة التي بين العبد وبين الله يوم القيامة، وهو الكلام السر الذي لا يسمعه إلا العبد- قال: سمعته يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه -يعني: يقترب المؤمن من ربه حتى يضع المولى عليه كنفه، فيقرره بذنوبه يقول له: أنت عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! وعملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب)]. فهو لا يستطيع أن ينكر، ولو أنكر ختم على فيه، وتكلمت جوارحه، فهذا موقف لا يصح فيه الإنكار، والمسلم يوم القيامة إذا حوسب وجوزي لا ينكر، وإنما الذي ينكر هم الكفار، فيختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم. قال: [(فيقول: هل تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله)].

стр. 854

الجمع بين حديث فداء المسلم بالكافر يوم القيامة، وقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أورد الإمام مسلم هذه الأحاديث المتعلقة بمغفرة ذنوب المسلمين الموحدين، وأنهم يأتون بأمثال الجبال من الذنوب، والله تعالى يغفرها لهم، ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى. وظاهر هذه النصوص فيه إشكال، وليس كل نصوص الشرع يفهمها كل مكلف، ولو كانت نصوص الشرع يفهمها كل مكلف لما أمرنا الله بسؤال أهل العلم، فكل واحد يقرأ في الكتاب والسنة فيفهم لوحده، لذا فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أي: بالبينات الواضحات أو بالمشتبهات. ولو اعتبرنا أن هذا النص من المشتبهات فإن فيه إشكالاً، وهو أن ربنا يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وفي نفس الوقت يجعل ذنوب المسلمين يوم القيامة على اليهود والنصارى، ويجعل فكاك كل مسلم من النار برجل كافر، والأصل أن الكافر لا يعذب إلا بذنبه، ومعنى هذا الحديث مرتبط بما صح عن أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار) ولفظ (أحد) عام يشمل المسلم والكافر. والله لما خلق الخلق جعل لكل مخلوق مكان في النار، ومكان في الجنة، فإذا أسلم العبد وجاء بالعمل الصالح فإنه بفضل الله تعالى يغفر الله له ذنبه، ويعطيه مكان ذلك الكافر الذي كان قد أعده له في الجنة، فالمسلم له مكانان، والكافر له مكانان، فالمسلم أخذ مكانه الذي أعد له سلفاً في الجنة، وأما مكانه الذي أعد له في النار فإنه لا يدخله؛ لأنه قد آمن، ووحد الله ، وعمل الصالحات، ولو عمل السيئات فإنه سوف يدخل مكانه الذي أعد له في النار أولاً، ويعذب فيه، ثم يخرج إلى المكانين في الجنة. وأما الكافر فقد أعد له مكان في الجنة، والكافر لا يدخل الجنة أبداً، ومكانه الذي أعد له في الجنة يكون للمسلم، فهذا هو معنى الفكاك والخلاص، فإن لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فمن اختار الإيمان والصلاح فإنه يحصل على المكانين في الجنة، ومن اختار الكفر والجحود والنكران فإنه يحصل على المكانين في النار. وأما تسمية النبي ﵊ الوضع بمعنى الفكاك والخلاص؛ فهو من باب المجاز.

стр. 855

بيان متى يحمل الحديث الخاص على العام ومتى لا يحمل وإذا كان هناك حديث عام وحديث خاص فإنا نحمل الخاص على العام، وإذا اختلف المخرج -أي: مخرج الروايتين الخاصة والعامة- فهذا يدل على شمول الحكم العام لأفراد الخاص، وهذه مسألة أصوليه، فمخرج رواية اليهود والنصارى من طريق أبي موسى الأشعري، وحديث: (لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار) من طريق أبي هريرة، إذاً: فالمخرج مختلف، فيجب العمل بهما جميعاً، وحمل الخاص على العام من باب اعتبار أن الخاص هو أحد أفراد العام، فمثلاً قول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن إلا مع ذي محرم، ومسيرة يومين إلا مع ذي محرم، ومسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم، ومسيرة بريد أو فرسخ إلا مع ذي محرم)، ثم في الرواية الأخرى: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم). والروايات الأولى كلها مقيدة: ثلاثة أيام، يومين، يوم وليلة، بريد أو فرسخ، والرواية الأخرى بغير قيد، فهي رواية مطلقة، وفي هذه الحالة لا يحمل العام على الخاص، والعام لا يحمل على الخاص إلا بشروط أهمها: اتحاد المخرج، أي: أن الروايات من طريق صحابي واحد، وأما إذا تعددت المخارج فلا يحمل العام على الخاص، وإنما يحمل هذا على تعدد الحوادث، أي: أن رجلاً سأل رسول الله: هل تسافر المرأة من غير محرم مسافة ثلاثة أيام؟ فقال له: لا، وجاء رجل آخر وقال: هل تسافر المرأة مسيرة يومين من غير محرم؟ فقال له: لا، وجاء رجل ثالث فقال: هل تسافر المرأة مسيرة يوم من غير محرم؟ فقال له: لا، وسأل رجل رابع: هل يحل للمرأة أن تسافر من غير ذي محرم؟ فقال: لا. والنبي ﵊ أفتى كل واحد على حسب سؤاله، وهذا الذي يعرف عند العلماء بتعدد الحوادث إذا اختلف المخرج، أما إذا اتحد المخرج يحمل فإنه الخاص على العام. والحديث الخاص بذكر اليهود والنصارى جاء من طريق أبي موسى الأشعري، وأما حديث أبي هريرة في أن الله تعالى جعل لكل أحد منزلين: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فهذا حديث عام؛ لأنه يشمل كل أحد من اليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم، والمخرج مختلف، فلا بد أن نعمل بالحديثين، فاليهود والنصارى أحد أفراد العموم الوارد في حديث أبي هريرة. قال: (ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لاستحقاقه ذلك بكفره). فالمؤمن يدخل الجنة ويزاد على ذلك مكاناً آخر، ولو أنه كفر أدخل النار، ويزاد على ذلك مكاناً آخر بسبب كفره. قال: ومعنى فكاكك من النار: أنك كنت معرضاً لدخول النار لو أنك كفرت، ولكنك آمنت، فهذا اليهودي أو النصراني أو الكافر فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عدداً، فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وأما قوله: (يجئ يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله) فمعناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين، ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين؛ لأن الله تعالى غفرها، والغفران هو المحو، ولا يترتب من محوها معاقبة الغير عليها، وهذا في عالم البشر لعب أطفال، والله تعالى منزه عن هذا كله. قال: فمعنى هذا الحديث: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين، ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين. وقوله: (يضعها) مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه أنفاً، ولما أسقط عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم -لأن الكفر لا يغفر- صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين؛ لكونهم حملوا الإثم الباقي، فاستحقوا المكان الآخر في النار، وهو إثمهم بكفرهم. ويحتمل أن يكون المراد: أنهم يحملون آثاماً بسبب أنهم سنوا الكفر، ودعوا إليه، وعاندوا وجحدوا الإسلام، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها، قال النبي ﷺ : (ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، والله تعالى أعلم.

стр. 856

التثبت في سماع الحديث والاستخلاف في ذلك وأما استحلاف عمر بن عبد العزيز لـ أبي بردة فإنما ذلك لزيادة الاستيثاق والطمأنينة، ولما حصل لهم من السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين؛ فقد كان عنده فيه شك أو غلط أو نسيان أو اشتباه أو نحو ذلك فلهذا استحلف أبا بردة، فلما حلف تحقق انتفاء هذه الأمور، وعرف صحة الحديث، وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز والشافعي رحمهما الله تعالى أنهما قالا: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين، وهو أن يغفر الله تعالى لهم، وهو كما قالا لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم، ولله الحمد والمنة. وآخر فائدة هي: قول الإمام في قول النبي ﵊: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه). قال: الكنف: هو الستر والعفو، والمراد بالدنو هنا: دنو الكرامة والإحسان لا دنو المسافة، والله تعالى منزه عن المسافة وقربها، وهذا كلام الأشاعرة. والصواب: أننا نؤمن بأن الله تعالى يدنو من عباده دنواً حقيقياً يليق بجلاله وكماله.

стр. 857

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - توبة كعب بن مالك وصاحبيه في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه كثير من الدروس والعبر، فهذه القصة تبين لنا أثر المعصية في قلب المؤمن وما يعود عليه منها من شعور بالذل والانكسار، كما تبين عظم صدق الحديث، فصدق الحديث منجاة، والكذب مهلكة، وأن امتثال أمر الله ورسوله فوز وفلاح، ومخالفتهما هلاك وبوار في الدنيا والآخرة.

стр. 858

باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب المصري القاضي - قال: أخبرني يونس -وهو ابن يزيد الأيلي - عن ابن شهاب -أي: الزهري محمد بن مسلم - قال: (ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم، ونصارى العرب بالشام)]. قال: [قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبيد الله بن كعب كان قائد كعب]. وفي بعض الروايات: أنه عبيد الله بن كعب، والصواب: أنه عبد الله لا عبيد الله، وهي الرواية المتفق عليها عند البخاري ومسلم، فلم يذكر البخاري غير عبد الله، وأما الإمام مسلم فذكر في رواية: أنه عبد الله، وذكر في رواية أخرى: أنه عبيد الله، والصواب: عبد الله. قوله: إن عبد الله بن كعب كان قائد كعب من بنيه، يعني: كان يقوده حين عمي؛ لأن كعب بن مالك عمي لما كبر. قال: [سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك]. إذاً: فقصة توبة هؤلاء الصحابة كان في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك [(لم أتخلف عن رسول ﷺ في غزوة غزاها قط)]. وهذا يعني: أنه غزا معه كل الغزوات إلا ما استثناه كعب. قال: [(إلا في غزوة تبوك)]. أي: هذه التي حصلت فيها هذه القصة. قال: [(غير أني قد تخلفت في غزوة بدر)]. يريد أن يقول: إن تخلفي عن غزوة بدر كنت معذوراً فيه، كما أن الله ، ورسوله الكريم ﵊ لم يعتبا أحداً في تخلفه عن غزوة بدر؛ لأن النبي ﵊ لما خرج إلى ماء بدر لم يقصد ملاقاة عدو، أي: لم ينو قتالاً؛ ولذلك لم يدع الناس إلى هذه الغزوة. قال: [(ولم يعاتب أحداً تخلف عنه)]. أي: في غزوة بدر. قال: [(إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش)]. وهي القافلة من الإبل والبقر والغنم وغيرها مما يكون مع القافلة في سفرهم، وفي هذا الكلام فضيلة ظاهرة لأهل بدر، والنبي ﵊ ينقل عن ربه فيقول: (لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم). كما أن فيه إباحة الغنائم لهذه الأمة، فالنبي ﵊ خرج يريد عير قريش وهي غنيمة، ومن المعلوم أن هذه خاصية من خواص النبي ﵊، ومن خواص الأمة من بعده إلى قيام الساعة؛ ولذلك قال النبي ﵊ في حديث آخر: (وأحلت لي الغنائم -أي: لي ولأمتي- ولم تحل لأحد من بعدي)، وربما يتمسك أحد بقوله ﵊: (وأحلت لي الغنائم) بأنها خاصة له دون الأمة، وهذا فهم ظاهري للنص، فالسنة العملية للنبي ﵊، والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم إلى يومنا هذا تبين أن الغنيمة حلال لهذه الأمة إلى قيام الساعة، فقد كانت حلاً للنبي ﷺ دون غيره، وشرع له أن يقسم الغنائم في أصحابه، وفي كتب التاريخ أن النبي ﷺ إذا غنم شيئاً جعل للفرس سهمين، وللفارس سهماً، أي: أنه كان يوزع الغنائم على أصحابه، ولو كانت حلالاً له دون أصحابه ودون بقية الأمة؛ لم يفعل شيئاً من ذلك. قال: [(حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد)]. وهذا في غزوة بدر. قال: [(ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة)]. وليلة العقبة هذه إما أن تكون الأولى، وإما أن تكون الثانية، وأنتم تعلمون أن الأنصار الذي بايعوا النبي ﵊ ليلة العقبة الأولى كانوا اثني عشر رجلاً، وفي ليلة العقبة الثانية بايعه من الأنصار سبعون رجلاً وامرأتان، والعقبة: اسم مكان قريب من منى. قال: [(ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام)]. يعني: حين تبايعنا على الإسلام، والتزمنا به. قال: [(وما أحب أن لي بها مشهد بدر)]. يعني: أن هذه البيعة التي كانت في العقبة هي أعظم أثراً من غزوة بدر، ولكن غزوة بدر حازت شهرة بين الناس؛ لفضلها ومنزلتها في الإسلام، ولكن أعظم منها -غير أنها ليست مشهورة- البيعة التي تمت ليلة العقبة. قال: [(وإن كانت بدر أذكر في الناس منها)]. يعني: يذكرها الناس؛ وهي مشهورة بينهم.

стр. 859

تردد كعب بن مالك بين شهود غزوة تبوك وعدم شهودها قال: [(وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة)]. يعني: قصتي مع النبي ﵊: أني لم أكن مستعداً للقتال في يوم من الأيام، ولا في غزوة من الغزوات كاستعدادي في هذه الغزوة، فهو قد جمع الأسباب كلها في هذه الغزوة: فلم يكن فقيراً، ولا محتاجاً، وكان يملك الظهر، وغير ذلك، ولم يكن له عذر في التخلف، ومع هذا تخلف، فيقول: كانت بليتي أني تخلفت بغير عذر. قال: [(والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة)]. يعني: لم يكن عنده فرسان قط في حياته إلا في هذه الغزوة، أي: كانت الحجة قائمة عليه؛ لأن الفرس الواحد يكفي للغزو، ومع هذا فقد كان عنده فرسان، فالحجة قائمة عليه من أوسع الأبواب. وفي هذا جواز القسم بغير استحلال؛ لتأكيد الأمر، وإن لم يكن قد طلب ذلك منه. قال: [(فغزاها الرسول الله ﷺ في حر شديد)]. يعني: أن هذه الغزوة كانت في الصيف. قال: [(واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً)]. المفازة: هي الأرض القفراء الصحراء البعيدة السفر. قال: (واستقبل سفراً بعيداً). لأنه سينطلق إلى تبوك في الشام. قال: [(واستقبل عدواً كثيراً)]. أي: والعدو كثير العدد، والعدة. قال: [(فجلا للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة غزوهم)]. (جلا) بمعنى: كشف لهم الأمر؛ لأن النبي ﷺ كان قد عود أصحابه غير ذلك، فكان إذا أراد أن يغزو مكاناً قريباً من جهة الغرب عرض قبل ذلك بيوم أو يومين أنه سيغزو جهة الشرق، أو يشير إلى عكس المكان الذي ينوي غزوه بعد يوم أو يومين؛ حتى لا يعرف الخبر، ولا ينقل الجواسيس خبرهم إلى المعنيين، وهذا مأمون في جانب السفر الطويل، وهو يحتاج إلى إعداد عدة أكثر من السفر القصير، فالمرء يستطيع أن يصبر على جوعه وعطشه يوماً أو يومين، لكنه لا يستطيع أن يصبر على جوعه وعطشه شهراً أو شهرين؛ ولذلك جلا لهم النبي ﵊ الأمر، فقال: إنا سنلقى المشركين والنصارى في تبوك، ولم يعرض في هذه المرة؛ وذلك لأمن الخوف، وأمن انتقال وانتشار الأخبار عن طريق الجواسيس وغير ذلك، والعلة: (ليتأهبوا أهبة غزوهم) أي: ليستعدوا ويأخذوا الزاد والعتاد والعدة لهذا السفر الطويل. قال: [(فأخبرهم بوجههم الذي يريد)]. يعني: أخبرهم صراحة وحقيقة بالمكان الذي يريد أن يذهب إليه. قال: [(والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ)]. فقد نادى في المسلمين: إننا سنغزو تبوك، وسيكون انطلاق السفر من هذا المكان، أي: من المسجد النبوي، في اليوم الفلاني، ومن وجد في نفسه قوة، وعلم أن القتال تعين عليه فليلحق بنا، أو فليأتنا إلى هذا المكان، ولم يكن هناك كتاب في غزوة تبوك يكتب فيه أسماء المجاهدين. [قال كعب: (فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله , وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر)]. أي: أميل. فالنبي ﵊ خرج من المدينة في وقت طيب الثمار وقطفها، فمالت نفس كعب إلى التخلف عن الغزوة؛ لأجل جمع الثمار. قال: [(فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت)]. وهذا هو عمل النفس اللوامة، فهو يتخلف لشهوة، لكن نفسه المؤمنة الطيبة تلومه على ذلك، ويقول لنفسه: وإن التمست لنفسك يا كعب! المعاذير فإنك في حقيقة أمرك لو أردت الغزو لفعلت، فهو يقيم الحجة بنفسه على نفسه. قال: (إذا أردت ذلك). فقد كان عنده الزاد والراحلة، ولا يمنعه من ذلك شيء. قال: [(فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد)]. يعني: فهو تحدثه نفسه بالغزو، فيذهب يجهز نفسه ليذهب معهم، ثم يقوم الشيطان بتثبيطه، فيذكره بالثمار فيرجع، وهذا يتكرر منه مراراً حتى جد المسلمون بالذهاب إلى تبوك. قال: [(فأصبح رسول الله ﷺ غادياً والمسلمون معه)]. أي: في وقت الغداة بعد صلاة الفجر. قال: [(ولم أقض من جهازي شيئاً)]. يعني: غدا رسول الله ﷺ والمسلمون وأنا لم أجهز نفسي. قال: [(ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو)]. أي: حتى أوشك المسلمون أن يدخلوا مع عدوهم في القتال. قال: [(فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت)]. فصاحب المعصية لا يزال يشعر بذل المعصية في قلبه، خاصة إذا كان عنده وازع إيماني، وحظ من يقين، وأما الفاجر الجر

стр. 860

موقف كعب بن مالك مع رسول الله ﷺ عند عودته إلى المدينة قال: [(وصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين)]. وهذا يدل على استحباب أن يصلي القادم من سفر طويل ركعتين في المسجد القريب من بيته، ويرسل إلى أهله أنه قد قدم ودخل المسجد؛ حتى تمشط الشعثة، وتستحد المغيبة، أي: تنظف نفسها، وتتهيأ للقاء زوجها. قال: [(ثم جلس للناس)]. أي: بعد أن صلى رسول الله ﷺ ركعتين في المسجد؛ جلس للناس، وهذه سنة سلفية عمل بها سلف هذه الأمة، فالشخص إذا كان من أصحاب الوجاهة والمنزلة، وممن يشار إليه بالبنان في مصالح الناس، أو تعليمهم أو غير ذلك؛ فإنه يستحب له أن يتخذ مكاناً هيناً سهلاً يمكن الوصول إليه بغير مشقة ولا عنت، ويظهر للناس حتى يقضي للناس حاجاتهم. قال: [(ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون -أي: الذين تخلفوا عن القتال- فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له -ولم يطلب منهم قسماً- وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً, فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم)]. لأن أحكام الشريعة مناطها ما كان أمراً ظاهراً، وأما الباطن فإنه الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله ؛ ولذلك لما حلفوا قبل منهم النبي ﵊، بل وبايعهم، واستغفر لهم، والنبي ﵊ يعلم أن منهم منافقين، وأن منهم أصحاب أعذار حقاً، ولكنه استغفر للجميع، وقبل منهم للحلف الذي حلفوه، والمعذرة التي قدموها بين يديه ﵊، وهذا أمر مسنون أن يقبل الإمام قول الحالف وإن كاذباً، لكن ما عند الله من العقوبة أشد وأبقى مما عند هذا القاضي، أو الأمير، أو السلطان. قال: [(ووكل سرائرهم إلى الله تعالى)]. أي: لما استغفر لهم قال لهم: إذا كنتم على غير ما حلفتم فإن الله تعالى يتولى أمركم، وهذا تهديد رهيب جداً، فالتخلص من ذلك في الدنيا أحسن. قال: [(حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب)]. فهنا كان مغضباً، مع أن الرواية لم تذكر أنه غضب ممن حلفوا له، فأحياناً يغضب الإنسان غضباً شديداً على أقرب الناس إليه، وأحب الناس إلى قلبه؛ وذلك لأن هذا التصرف الخاطئ لا ينتظر منه، وإنما ينتظر من غيره، فكون النقيصة والعيب يأتيان من الآخرين هذا أمر مقبول، وأما منك وأنت أقرب الناس إلي، وأفهم الناس لي ولأخلاقي؛ فحين تقول: كذا وكذا، أو تفعل كذا وكذا، فوالله إن غضبي منك أعظم بكثير من غضبي على الآخرين، مع أن الآخرين قد قالوا شيئاً هو أعظم من قولك، وأنكر، وأقبح، لكن غضبي عليك أعظم؛ لأنك المظنون بك أن تكون في موطن الدفاع لا في موطن التهمة؛ ولذلك فالإنسان يتعامل مع الآخرين معاملة فيها رفق ولين، ويتعامل مع زوجته، وأبنائه، وأقرب المقربين إليه بهذه الطريقة؛ لأنهم أحب إليه من غيرهم، وفعل غيرهم لا يضره ولا يهمه، بخلاف أفعال المقربين فإنها تهمة، فلو أن امرأة أخطأت خطأً ما فربما يمر الإنسان عليها بغير أن ينكر عليها، لكن لو أن امرأته أخطأت لعاقبها ولو بالضرب؛ لأنه يثيره أن يأتي هذا الانحراف من امرأته. قال: [(تبسم تبسم المغضب, ثم قال: تعال)]. تعال: كلمة فيها رفق ولين. قال: [(وجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟)]. لم يحكم النبي ﷺ عليه مباشرة، بل سأله عن سبب تخلفه، ولم يقل له: والله أنت منافق، وأنا أعلم أن عندك فرسين، وهذا يعلمك أن تكون مع المخطئ حتى تتيقن أنه قد أخطأ بغير عذر. قال: [فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك)]. أي: ما الذي حملك على أن تتخلف عن الغزوة؟ ألم تكن يا كعب! قد ابتعت -أي: اشتريت- ظهرك، هذا إن لم يكن عندك فرس تركب عليه. قال: [(فقلت: يا رسول الله! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر)]. هذا الأمر متعلق بالوحي، فغيرك لا يوحى إليه، وأما أنت فيوحى إليك، ولو أن هذا المجلس بين يدي غيرك لكذبت عليه وخرجت منها، وضمنت النجاة. قال: [(ولقد أعطيت جدلاً)]. يعني: رجل صاحب لسان يحسن أن يتكلم وليس عيياً، بل يفصح عما في نفسه بأحسن عبارة وأقواها، وأكثرها بياناً وفصاحة. قال: [(ولكني والله لقد علمت -أي: أنا أعلم يقيناً- لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي)]. أي: لو كذبت عليك فسينزل الوحي بكشف كذبي عليك، فيغضب الله ورسوله علي. قال: [(ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه -يعني: تغضب مني الآن- إني لأرجو عقبى الله)]. يعني: لن أقول إلا الصدق، وإن كان الصدق سيغضبك علي، فإنني بصدقي أرجو العاقبة الحسنة من الله ، وهذا من حسن الاعتذار والتوبة المهذبة. قال: [(والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك)]. أي: أنا تخلفت عنك بغير عذر، وإني ل

стр. 861

موقف بني سلمة من صدق كعب بن مالك في سبب تخلفه عن غزوة تبوك قال: [(فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ ]. أي: أنت دائماً رجل صالح، وموقفك طيب، فلو أنك اعتذرت مثل الذين اعتذروا، وتصبح حياتك كلها بغير ذنب، لكنك أكدت الذنب على نفسك. قال: [(قالوا: لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر به إليه المتخلفون, فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك)]. يعني: لو كنت اعتذرت وحلفت له أنه ما خلفك إلا العذر؛ حتى وإن كنت كاذباً في هذا اليمين، فإن الله يغفره لك باستغفار النبي لكم جميعاً، وأنت منهم. قال: [(فوالله ما زالوا يؤنبوني)]. يعني: يلومونني. قال: [(حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي)]. فانظر إلى أثر الصحبة، مع أن الصحابة كلهم عدول؛ لكنهم تقع منهم الهفوات، وهذه هفوة، فهذا رجل أتى والتزم الصدق فلامه بعض الصحابة ﵃، ولذلك هم أن يرجع فينسحب من كلامه الأول، ويقدم المعذرة التي قدمها المخلفون. قال: [(ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟)]. يعني: هل سبقني أحد إلى الصدق مع النبي ﵊ في تخلفه؟ قال: [(قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت, فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري -أو العمري -، وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة)]. فهذان الرجلان يشار إليهما بالبنان في الصلاح والعلم والعمل والتقوى، وغير ذلك لكن كعباً لم يكن على علم بتخلفهما، وما علم أنهما تخلفا إلا بعد رجوع النبي ﵊.

стр. 862

مقاطعة النبي ﷺ وأصحابه لكعب وصاحبيه قال: [(فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة- من بين من تخلف عنه)]. هؤلاء الثلاثة فقط: هلال بن أمية، ومرارة العامري، وكعب بن مالك، وكلهم من الأنصار، نهى النبي ﵊ المسلمين أن يتحدثوا معهم في شيء. قال: [(فاجتنبنا الناس)]. وفي هذا وجوب طاعة الأمير في السر والعلن. قال: [(تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض)]. أي: تنكروا، فكلما وقع وجه كعب على وجه واحد من الناس أظهر له غضبه واشمئزازه، وينصرف بوجهه عنه، وهذا زيادة في الخصومة والقطيعة والهجر، وفي هذا جواز بل وجوب مقاطعة أهل البدع والمعاصي. وأصل الهجر في الشرع: ثلاثة أيام، ولا يزيد عليها المسلم إذا زالت علة الهجر، وأما إذا كان الهجر بسبب الدين وليس الدنيا فإنه يبقى لو بقيت العلة ولو لخمسين سنة، فالتوبة نزلت على هؤلاء بعد مرور خمسين ليلة، فهب أن التوبة نزلت بعد عام فإن النبي ﷺ لا يرجع عن مقاطعة هؤلاء، وكان سيستمر. إذاً: إذا بقيت علة الهجر والخصومة أكثر من خمسين ليلة، أو أكثر من ثلاثة أيام استمر الهجر والمقاطعة حتى تزول العلة، والأصل: أن الهجر لا يزيد عن ثلاثة أيام؛ لأن هذه الثلاثة الأيام كفيلة بتطييب الخاطر، وهدوء البال، وراحة النفس، وغير ذلك، فالله هو الذي خلق النفس، وعلم النبي ﵊ أن النفس تهدأ بعد ثلاثة أيام، فيبدأ الإنسان يفكر فيها بهدوء ولطف؛ لأن الإنسان لو اضطر إلى خصومة فإنه لا يفكر بهدوء، وقد (نهى النبي ﵊ أن يقضي القاضي وهو غضبان)؛ لأن مظنة الانحراف عن الحق والعدل قائمة، وكذلك: (نهى القاضي أن يقضي وهو جوعان)، فالأحكام التي تصدر عن القاضي وهو جائع قد يكون فيها انحراف عن الحق. قال: [(فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا -أي: خضعا- وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم -أي: أنه كان شاباً، وكان صاحباه شيخين كبيرين- فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد -يعني: لو جلس في بيته لكان ذلك أفضل له- وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟)]. أي: أنه يريد أن ينتزع الكلام من النبي ﵊ انتزاعاً، فهو يذهب ويصلي معه، وبعد الصلاة يقوم إلى النبي ﵊ ويقول له: السلام عليكم يا رسول الله! فلا يسمع شيئاً، فانظر إلى مدى الحيرة التي يقع فيها صاحب المعصية، فهو يتمنى أن يكلمه كلمة واحدة طيبة. قال: [(فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، وأسارقه النظر)]. يعني: أنا حريص على أن أكون قريباً منه في الصلاة، ثم يختلس بنظره إلى النبي ﵊ فينظر هل سينظر إليه أم لا؟ وفي هذا جواز أن يجول الإنسان بعينيه في الصلاة، ولا يجوز الالتفات في الصلاة، وقد سألت الشيخ الألباني ﵀ في عام (١٩٨٢) فقلت: يا شيخ! هل يجوز للمسلم أن يلتفت في الصلاة، أو ينظر لمن حوله؟ قال: أما هكذا فجائز، وأما هكذا فغير جائز، فجال بعينيه فيمن هم بجوارنا؛ للدلالة على أن اختلاف النظر يمنة ويسرة لا يضر بالصلاة، بخلاف الالتفات في الصلاة، وهذا أمر محل اتفاق. قال: [(ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني)]. يعني: أن النبي كان ينظر إليه، وهذا شيء يطمئن على أية حال، فهي بشرى. قال: [(حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي). الحائط: هو البستان، ومعنى تسورت الحائط: أي: علوت الجدار، ونزلت في بستانه، وكان بيت أبي قتادة بجوار بيت كعب بن مالك، وما بين بيت كعب وبيت أبي قتادة إلا سور الحديقة، فتسلق كعب السور ونزل في بستان أبي قتادة، وهذا جائز لمن علم طيب خاطره بذلك؛ لأن هذا دخول في ملك الغير بغير إذن، وذلك لا يشرع إلا مع العلم السابق بأن صاحب الحق يرضى بذلك، وأما إذا علم عدم رضاه عن ذلك فلا يحل لأحد أن يتسور داره. قال: [(مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام! فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله)]. يعني: أحلف عليك بالله. قال: [(هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟)]. يقول كعب: نحن وحدنا هنا، فأنا أسألك س

стр. 863

ابتلاء الله لكعب برسالة ملك غسان قال: [(فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام)]. والأنباط والنبيط: هم فلاحو العجم، فهذا ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، فمن العجب أن واحداً من أهل الشام أتى ليبيع طعامه في سوق المدينة. قال: [(يقول: من يدل على كعب بن مالك؟)]. يعني: من يدلني على كعب فأنا لا أعرفه، وقد سار الخبر إلى الروم في الشام بما حصل من الهجر. قال: [(فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً)]. يعني: أنه يعرف القراءة والكتابة. قال: [(فقرأته فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك)]. أي: النبي ﷺ . قال: [(قد جفاك)]. أي: قامت بينك وبينه جفوة. قال: [(ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك)]. فهذه فتنة أخرى، وهي أعظم من الفتنة الأولى، فهذا كتاب جاء من ملك غسان يقول فيه: لقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، فتعال إلينا فإنك لست في أرض هوان ولا ضياع، يعني: أنت عندنا معزز ومكرم ولن تضيع، ودليل ذلك أنك لو أتيتنا لجعلنا لك حظاً عند الملك، ووعود الملوك دائماً لا تخلف؛ لأن خلف الوعود في حق الملوك منقصة. قال: [(فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء، فتياممت بها التنور فسجرتها بها)]. ولو أرسل لواحد منا، وكانت هذه الرسالة من ملك؛ لارتد عن دينه مباشرة، وهذا يدل على عظم قدر الصحابي، فهو يزن الأمة بأجمعها، فهؤلاء قوم قد اصطفاهم الله لصحبة رسوله ﷺ ، فأنت لن تكون من أصحابه؛ لأنك أضعف من أن تكون صاحباً للرسول الله ﵊، ولو علم الله فيك خيراً يؤهلك لأن تكون صاحباً لخلقك في ذلك الزمان، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]. فجاءته الرسالة من ملك غسان فأحرقها، ولو وصلت إلى واحد منا لقام ببروزتها، ونشرها في الصحف والمجلات والجرائد؛ من أجل أن يفاخر بها فهناك فرق كبير بيننا وبين الصحابة. قال: [(أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة)]. قوله: (ولم يجعلك الله) يدل على أن هذه الرسالة فيها ذكر الله، وفيها لفظ الجلالة، لكن كعباً قال: فتياممت بها التنور فسجرتها، يعني: أحرقتها وفيها لفظ الجلالة، وفي هذا جواز حرق الأوراق الممتهنة أو القابلة للامتهان، حتى ولو كان فيها ذكر الله ورسوله، وأنتم تعلمون أن المصاحف التي دونت في زمن عثمان ﵁ أجمع الصحابة ﵃ على حرقها، ولم يخالف في ذلك واحد من أصحاب النبي ﵊، وهذا إجماع على مشروعية حرق المصاحف الناقصة، أو المعيبة، أو التي فيها أخطاء مطبعية أو غير ذلك، فإذا كان عندك مصحف من هذا القبيل فحرقه أولى من بقائه، والحرق قربة إلى الله ، أو تقسمه أجزاءً أجزاءً، أو سوراً سوراً.

стр. 864

أمر النبي ﷺ لكعب وصاحبيه أن يعتزلوا أزواجهم قال: [(حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي)]. يعني: تأخر نزول الوحي أربعين ليلة. قال: [(إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك)]. فزاد غماً إلى غمه، يعني: بعد القطيعة، وهجر النبي ﷺ وأصحابه له، فإنه أيضاً يعتزل امرأته. قال: [(فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟)]. انظر إلى الطاعة والانقياد، فالنبي ﷺ يأمره أن يعتزل امرأته، فيقول: في أي صورة هذا الاعتزال: عدم إتيانها، أم الطلاق؟ فهو مستعد حتى وإن أفضى إلى الطلاق، وهذا في منتهى الطاعة والامتثال. قال: [(قال: لا. بل اعتزلها فلا تقربنها)]. فرسول رسول الله يقول له هذا. قال: [(فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك)]. أي: قال النبي ﵊ لصاحبيه نفس الذي قال له. قال: [(فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك)]. كلمة: (الحقي بأهلك) العلماء يسمونها من ألفاظ الطلاق الضمني، فهو لفظ يحتمل وقوع الطلاق، ويحتمل عدم وقوعه، والضابط: النية، فلو أن رجلاً قال لامرأته: (الحقي بأهلك) وأراد بهذا اللفظ وقوع الطلاق وقع، ولو قال لامرأته: (الحقي بأهلك) ولم ينو طلاقاً لا يقع طلاقاً. إذاً: فالألفاظ الضمنية لابد فيها من نية الحالف، أو نية المطلق، أو نية المتكلم، بخلاف الألفاظ الصريحة، فلو قال لها: أنت طالق فلا يصح أن يقول: أنا لم أكن قاصداً الطلاق؛ لأن هذا تلاعب بألفاظ الشرع، فاللفظ الصريح يقع ولا يحتاج إلى نية، بخلاف الضمني فإنه يحتاج إلى نية. قال: [(الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر)]. وهذا تأكيد أيضاً، فهو يقول: اذهبي إلى أهلك حتى يسهل ربنا الأمر. قال: [(فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ . وهلال بن أمية رجل كبير، عمره أكثر من سبعين سنة. قال: (فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟). أي: أنه رجل كبير لا يستطيع أن يخدم نفسه. وانظر إلى أدب امرأته حيث قالت: [(فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا. ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء)]. أي: هو لا يستطيع أن يقربها حتى وإن نزلت التوبة. قالت: [(ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا)]. وهذا فيه دليل على أن البكاء علامة من علامات صدق التائب. قال: [(فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك)]. أي: مثل هلال بن أمية، لكن هناك فارق كبير بين كعب بن مالك وهلال، فـ هلال رجل لا حراك فيه، وسيضيع بالفعل إذا تركته امرأته، وأما كعب بن مالك فكان رجلاً شاباً جلداً. وكان المجاهدون مع النبي ﵊ فيهم الشيخ الكبير، والشاب الصغير الذي هو فوق الخامسة عشر من عمره. قال: [(فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول ﵊ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: لا استأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب)]. أي: وهذا هو الفارق بيني وبين هلال بن أمية. قال: [(فلبثت بذلك عشر ليال)]. أي: بلا زوجة، ولا كلام.

стр. 865

بشرى توبة الله على كعب وصاحبيه وما يشرع فيه من شكر النعمة قال: [(فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا: قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت)]. يعني: رغم اتساع الأرض إلا أنها في نظري ضيقة جداً. قال: [(سمعت صوت صارخ أوفى على سلع). سلع: اسم جبل في المدينة، وقد كان هذا الجبل بين المسجد النبوي، وبين بيوت الأنصار الذين كان منهم كعب بن مالك، فكان كعب جالساً على السطح بعد أن صلى الفجر؛ يقرأ الأذكار، وكان بيته بعيداً عن المسجد، وفي هذا جواز التخلف عن صلاة الجماعة لمن كان بيته بعيداً يشق عليه أن يلحق الجماعة، أو أنه لا يسمع الأذان. قال: [(سمعت صوت صارخ أوفى)]. أي: ظهر على جبل سلع. قال: [(يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج)]. وفي هذا استحباب أن يسجد المرء سجود الشكر إذا نزلت به نعمة، أو كشفت عنه بلية، وسجود الشكر لا يلزم له وضوء، ولا استقبال قبلة، ولا تسليم فيه، ولا تكبير، وهو كسجود التلاوة في صفته. قال: [(فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا)]. أي: لما نزل الوحي بثبوت توبتنا؛ أعلم ﷺ أصحابه بهذه التوبة. قال: [(حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً)]. يعني: مسرعاً وهو راكب فرسه، وفرحة الصحابة هذه تدل على الحب في الله، والبغض في الله، فلم يكن هذا الأمر فرصة للذي كان غاضباً من كعب أن يصر على خصومته لـ كعب. قال: [(فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً، وسعى ساعٍ من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس)]. فهذا الرجل من فرط فرحته وسعادته بتوبة الله على صاحبه؛ صاح وهو راكب الفرس حتى سبق الصوت الفرس، فسمع كعب البشارة ولم ير المبشر. وهذا يدل على أن المرء يقاس بحسناته وسيئاته، ولذلك فالأعمال يوم القيامة توزن بميزان حقيقي لا مثيل له، فيوزن المرء بعمله، أو يجسد الله الأعمال أجساماً فيزنها، أو يزن الأعمال باعتبارها من المعاني لا من المحسوسات، والله على كل شيء قدير. قال: [(فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني؛ فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته)]. أي: مكافأة، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فهذا الرجل بشره، فخلع ثوبيه وألبسهما هذا الذي جاء يبشره، وفي هذا استحباب رد الجميل، فمن حسن الخلق أن يهدي المرء من أهداه، ويكافئ من أحسن إليه. قال: [(فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ]. يعني: أقصد النبي ﷺ . قال: [(يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك)]. يعني: هنيئاً لك يا كعب! توبة الله عليك. قال: [(حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد، وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني)]. يهرول من فرط فرحته. قال: [(والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لـ طلحة)]. أي: لما دخل المسجد قام إليه واحد فقط من بين الناس، وهرول وأسرع إليه وهو يجر إزاره يهنئه، ويبشره بتوبة الله عليه، فكان كعب بن مالك يحفظ هذا الجميل لـ طلحة بن عبيد الله، فالنفوس والقلوب أسيرة لمن أحسن إليها. قال: [(فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)]. أي: يقول له: إن اليوم هذا هو بالنسبة لك يا كعب أحسن يوم في حياتك، وفي حقيقة الأمر أن أحسن يوم هو يوم أن أسلم كعب، ولكن لبداهة ذلك لم يذكره النبي ﵊. قال: [(فقلت: أمن عندك يا رسول الله! أم من عند الله؟)]. يعني: هذه التوبة من أين أتت من عندك أنت يا رسول الله! أم من عند الله؟ قال: [(فقال النبي ﵊: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه ﵊]. يعني: بدا على وجهه النور. قال: [(كأن وجهه قطعة قمر ﷺ ، قال: وكنا نعرف ذلك)]. يعني: كنا إذا فرح عرفنا أنه مسرور، وإذا غضب فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان. قال: [(فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن م

стр. 866

شرح صحيح مسلم - كتاب الوصية - الوصية بالثلث من أعظم ما جاء في الشريعة الإسلامية للمسلمين الوصية؛ فقد حث عليها الشارع، ورغب فيها، وحينما شرعها حذر من الغلو فيها، وجعل الضابط فيها عدم الإضرار بالورثة، فلا يوصى لوارث لما فيه من أخذ ما ليس له بحق، كما لا يوصى لغير الورثة بما يزيد على الثلث لعدم الإضرار بهم.

стр. 867

كتاب الوصية الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. كتاب: الوصية أو الوصايا؛ لأن الوصية مفرد وصايا. وهي كما يقول الأزهري: مشتقة من وصيت الشيء أوصه إذا وصلته، فأصل الوصية في اللغة هو: الواصل، وكأن الميت يصل ما كان في حياته بما هو كائن بعد مماته، يعني: هو يذكر أموراً متعلقة بأمر الوصية الكائنة في حياته بما هو كائن بعد مماته. كتاب: الوصية.

стр. 868

شرح حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو خيثمة -وهو زهير بن حرب النسائي، نزيل بغداد- ومحمد بن المثنى العنزي -واللفظ له- قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري الإمام الكبير المشهور علم من الأعلام، وله أخ اسمه عبد الله بن عمر العمري، وعبد الله ضعيف، وعبيد الله المصغر إمام من الأئمة، أما عبد الله المكبر فهو ضعيف الرواية. قال عبيد الله: أخبرني نافع -وهو نافع الصغير - مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر -وهو عبد الله - أن رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)]. قوله: (ما حق امرئ مسلم) فيه حث وتأكيد على استحباب الوصية وعلى سنيتها، وإن كان أهل العلم اختلفوا فيها: أهي واجبة أو مسنونة أو مندوبة مستحبة؟ فذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الوصية مندوبة وليست واجبة، وحملوا -أي الجمهور- قول النبي ﵊: (ما حق) أنه ليس هو الحق الاصطلاحي، وإنما هو من معناه: حري وجدير لمن كان عنده شيء يوصي به ألا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. الأمر الثاني الذي صرف ظاهر النص سواء في القرآن والسنة وهو ما يوحي خلاف الوجوب إلى الندب؛ قوله ﵊: (يريد أن يوصي فيه)، فأرجع إرادة الأمر ومشيئته إلى العبد، قال: (يريد أن يوصي فيه)، وهذا بخلاف من كان عنده شيء لا يريد أن يوصي فيه، فحينئذ يترجح لدينا أن مذهب الجمهور هو الحق، وأن الوصية إنما هي مستحبة وليست بواجبة. قوله: (ما حق امرئ مسلم) هل الوصية من أهل الكتاب أو الحربي المقاتل لا تصح؟ الجواب بإجماع أهل العلم: أنها صحيحة، فلو أوصى كتابي يهودي أو نصراني بوصية يريد أن يوصي فيها صحت الوصية فليس الإسلام هنا شرطاً، وهذا بإجماع أهل العلم؛ لأن الوصية تصح من كل أحد من الكافر والمسلم، من المرأة والرجل، وأهل العلم لا يشترطون فيها إلا العقل والحرية، وهذا محل اتفاق بينهم، فلابد للموصي أن يكون عاقلاً؛ احترازاً عن الجنون، فلا تصح وصية المجنون؛ لأنه غير مكلف، والحرية احترازاً من وصية العبد فهي غير جائزة، وذلك لأن العبد وما يملك ملك لسيده، فالعبد في حقيقة الأمر لا يملك شيئاً، بل هو يعد شيئاً داخلاً في ملك سيده، وعلى هذا فهو لا يملك أن يوصي في شيء؛ لأنه لا يملك شيئاً. أما شرط البلوغ فهو محل نزاع بين أهل العلم، هل تصح وصية الصبي الذي لم يبلغ أو لا تصح؟ محل نزاع بين أهل العلم، فمنهم من قال: تصح وصيته، ومنهم من قال: لا تصح وصيته. أما اشتراط الإسلام هنا فالحقيقة أنه غير مراد، وليس بشرط لازم لنفاذ الوصية أو صحتها، وإنما خرج مخرج الغالب أو القياس الأولوي، فإذا كانت وصية الكافر صحيحة نافذة، فمن باب أولى أن تكون وصية المسلم، وإذا جاز للكافر أو الذمي أن يوصي، فأحرى بالمسلم أن يوصي، فليس ذكر مسلم هنا في هذا الحديث شرطاً لصحة الوصية؛ لأنه خرج مخرج الورثة: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)، وكذلك قال في قوله: (يبيت ليلتين) وفي رواية: (يبيت ثلاث ليال)، فاختلاف العدد هنا دليل على أنه غير مراد كذلك، وإنما المراد التعديل؛ ولذلك عبد الله بن عمر لم يلتزم ظاهر هذا الحديث مع أنه هو الذي رواه. قال: فما بت ليلتين من بعد أن سمعت هذا الحديث إلا ووصيتي مكتوبة عندي، فهو لم يلتزم ليلتين ولا ثلاث ليال، وهذا يدل على أن ذكر العدد غير مراد، لكنه مدة مفتوحة من الشرع لمن لم يبادر ويعجل في كتابة الوصية سواء كان يومين أو ثلاثة؛ لأن الناس في شغل، وربما أدى بهم الانهماك في الشغل والأعمال وغير ذلك إلى النسيان، فلا أقل من أن يرجع ويتدبر من خلال يومين أو ثلاثة. أما استحباب كتابة الوصية من أول ما أن يملك المرء شيئاً يريد أن يوصي فيه، فإذا كان قد ملك وتوجهت إرادته إلى الوصية فينبغي له فوراً وعلى التو والحال أن يقوم فيكتب وصيته. أما عن الإشهاد بالوصية فمحل نزاع بين أهل العلم، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الإشهاد ليس بلازم؛ لأن النبي ﵊ لم يذكر الإشهاد، ولم يشترط شهوداً أو شهادة لهذه الوصية، وذهب جماهير أهل العلم إلى استحباب الإشهاد. وغالى بعضهم فقال: وصية مكتوبة بغير إشهاد لا نفاذ لها، لكن هذا الكلام فيه تجاوز، والأصل أن المرء لو كتب وصيته وإن لم يشهد عليها، فإن كان معروف الخط فتبين للورثة أن هذا خط مورثهم واعترفوا بذلك، وأقروا بهذه الوصية فحينئذ يجب إثباتها، ولا أقل من أن تقاس بالوجادة التي هي أحد طرق تحمل العلم. والوجادة هي:

стр. 869

شرح طرق حديث: (ما حق امرئ مسلم) قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان وعبد الله بن نمير وحدثنا ابن نمير حدثني أبي كلاهما]، أي: عبدة وابن نمير، ثم بعد ذلك ابن نمير يحدث مسلماً عن أبيه، وأبوه هو عبد الله بن نمير، فكان الإسناد الأول من طريقين: طريق ابن نمير الذي هو عبد الله من طريق عبدة، والإسناد الثاني من طريق عبد الله بن نمير. إذاً: الطريق الثاني موافق للطريق الأول، لكن الطريق الأول يزيد عبدة بن سليمان، فكلاهما الضمير يعود على عبدة وعبد الله بن نمير. قال: [كلاهما عن عبيد الله بهذا الإسناد -وعبيد الله هو عبيد الله بن عمر العمري - عن نافع عن ابن عمر، بهذا الإسناد -أي: بنفس الإسناد السابق- غير أنهما -والضمير يعود على عبدة وعبد الله بن نمير - قالا: (وله شيء يوصي فيه)، ولم يقولا: (يريد أن يوصي فيه). وحدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا حماد -يعني: ابن زيد البصري - وحدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية - كلاهما عن أيوب]. حماد بن زيد في الإسناد الأول، وإسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري في الإسناد الثاني، وهو المعروف بـ ابن علية كلاهما يرويان عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة كيسان السختياني البصري. قال: [وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس]. إذاً هنا معنا اثنان: أيوب ويونس، ويونس هو يونس بن يزيد الأيلي شيخ ابن وهب. قال: [وحدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد الليثي]. إذاً: هنا معنا ثلاثة: أسامة ويونس وأيوب، واعلم أن أسامة بن زيد الليثي ضعيف، لكن هل اعتمد عليه مسلم هنا في الرواية، أم ذكره استئناساً؟ ذكره استئناساً، أي: طريقه لا يضر في صحة الحديث. قال: [وحدثنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك -وهو محمد بن إسماعيل - أخبرنا هشام -يعني: ابن سعد المدني -كلهم عن نافع. (كلهم)]. الضمير هنا يعود على أيوب ويونس وأسامة بن زيد الليثي وهشام بن سعد. قال: [كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بمثل حديث عبيد الله]. أي: بنفس الرواية التي سبقت: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وعنده شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده). قال: [وقالوا جميعاً -أي: الأربعة- (له شيء يوصي فيه) إلا في حديث أيوب فإنه قال: (يريد أن يوصي فيه)]. فلفظ (يريد) أتى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله عن نافع، ولم ينفرد به، بل تابعه أيوب، لأجل ألا يقول قائل: هذا الحديث فيه أربعة وخمسة وستة لم يذكروا لفظ (يريد) إلا واحد فقط، فما المانع أن يكون هذا من باب الوهم، أي: وهِم في إثبات هذه اللفظة؟ لكن يحيى بن سعيد القطان لم يهم، أولاً: لأنه من الحفاظ الكبار، الأمر الثاني: أنه لم ينفرد بهذه اللفظة، إنما تابعه على ذلك أيوب بن أبي تميمة السختياني، لكن على العموم ذكر في طريقه: (له شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده). قال: [حدثنا هارون بن معروف حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو وهو ابن الحارث المصري عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة)]. هذا طريق جديد، والحديث كله من طريق عبد الله بن عمر، فتارة يرويه عنه نافع، وتارة يرويه عنه ولده سالم، وسالم

стр. 870

فوائد وأحكام من حديث: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه) هذه الروايات فيها الحث على الوصية، أي: فيها حث وحض لمن كان عنده شيء يريد أن يوصي فيه أن يبادر بكتابة الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، فالأمر بها واجب في الكتاب والسنة، لكن مذهب الشافعية وكذا مذهب الجماهير: أنها سنة لا واجبة، وقال داود الظاهري وغيره من أهل الظاهر: هي واجبة لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه، فليس فيه تصريح بإيجابها، يعني: هذا الحديث في الظاهر لا يدل على الوجوب، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها لزمه الإيصاء بذلك، يعني: إذا كان الإنسان مضطراً إلى ذلك، بل إذا ترك الوصية فإنه يكون على خطر عظيم جداً، فحينئذ تجب عليه الوصية، فإن كان عنده ودائع أو رهائن أو غير ذلك للخلق وترك الوصية فلا شك أنه سيضيّع حقوقاً أخذاً وعطاء، فإذا أتى الدائنون إلى أهله بعد مماته يطالبون بديونهم ربما تنكّر لهم أهل الميت، وقالوا: ليس لديكم مستند، ولا كتب ذلك بوصية؛ ولا أوصانا مشافهة بذلك، فأنى لنا تصديقكم في هذا المدعى؟ وهذا أمر فيه تضييع لحقوق الخلق، وكذا لو كان هذا الرجل مما يؤثر نفسه بالسر ولم يطلع عليه أحداً، وعنده من الرهائن أو الودائع المالية وغير المالية للخلق، فإنه يلزمه عند ذلك أن يكتب الوصية، وإلا لعد الورثة ما تركه المورّث ميراثاً لهم حتى وإن زعم الزاعمون أن لهم عنده رهائن أو ودائع، لكن ليس لديهم ما يستندون إليه، كما لو ترك الإيصاء في إيصال الحقوق إلى أصحابها، فإن هذا أيضاً أمر مضيع لحقوق الخلق. قال الشافعي ﵀: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. إن الإمام الشافعي إمام من أئمة اللغة، بل قوله في اللغة حجة كما قال غير واحد من أئمة اللغة، أي: هو كـ ثعلب وسيبويه وغيره، بل هو أولى منهم بكثير في فهم كلام العرب وهو العربي الأصيل. فهنا يقول: معنى قوله ﵊: (ما حق امرئ مسلم) الحزم في الاحتياط أن يكتب المسلم وصيته، وهذا اللفظ لا يدل عند أهل العربية ولا عند الشافعي على الوجوب. قال: ويستحب تعجيلها. يستحب تعجيل كتابة الوصية، وأن يكتبها في صحته، يعني: لا ينتظر أن يمرض مرض الموت، فربما يأتيه الموت فجأة، فأنّى له أن يوصي وقت وفاته؟ وسواء كان ذلك في صحته أو في مرضه فالأمر مرهون بما إذا توفر لديك شيء تريد أن توصيه. وبعضهم قال: هذا الشيء هو المال، وبعضهم قال: بل لفظ شيء عام في الأموال وفي غيرها، وهذا هو الراجح، بل قد أخرج البخاري وغيره أن الرجل فيهم كان يوصي صاحبه بأن يقوم في أبنائه على تربيتهم وحسن تعليمهم، وكان يكتب بذلك وصيته، وهذا أمر معنوي ليس أمراً مالياً ولا مادياً. وهذا يدل على أن لفظ شيء من ألفاظ العموم التي لا يجوز تخصيصها إلا بمخصص. فالإنسان إذا أمكن أن يوصي في شيء سواء كان مادياً أو مالياً أو معنوياً أو عينياً أو غير ذلك، فالأصل أن يعجّل كتابة هذه الوصية، ولا ينتظر أن يوصي في مرض موته أو إذا مرض أو غير ذلك؛ لأنه لا يدري متى سيأتيه الموت.

стр. 871

مقدار المال الذي يوصى فيه فرق العلماء بين من كان يريد أن يوصي بماله: هل يشترط في المال أن يكون كثيراً أو قليلاً؟ فبعض أهل العلم قالوا: لا عبرة بالمال القليل ولا الكثير، فإن الوصية في كل المال، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأن لفظ القلة والكثرة مسألة نسبية، فمثلاً واحد ترك مائة ألف جنيه، وعنده من الأولاد عشرون، فهذا المال قليل بالنسبة إلى الورثة، وآخر ترك عشرة آلاف جنيه وليس عنده من الأولاد أحد، فهذا مال كثير بالنسبة للمال الأول، فمسألة القلة والكثرة مسألة لا يمكن ضبطها، فلا حد للكثرة والقلة، ولا من جهة القيمة المالية للمال في زمن الوقوع، فهذا أمر يصعب جداً؛ ولذلك قالوا بأن الوصية تلزم في المال القليل والكثير على السواء، وأحالوا في الكثرة والقلة على العرف، بما يتحقق مع مصلحة الورثة. وقالوا: أما الأمور التافهة فقد جرت عادة الناس على عدم الإيصاء فيها، كيف؟ لو أن واحداً من الناس عنده مائة ألف جنيه، وله ولدان أو ثلاثة وهو يريد أن يوصي، والوصية معلوم أنها لغير الورثة؛ لأنه: (لا وصية لوارث)، فإذا أراد أن يوصي فله ذلك، لكن بعد أن أوصى بثلث المال أو ربع المال، وكان هذا المال وقت كتابة الوصية مائة ألف، دخل له ربح ألف جنيه أخرى، فهل يلزمه أن يُمزّق هذه الوصية ويكتب وصية في حدود مائة ألف وألف؟ لا يلزمه ذلك، بعض أهل العلم قالوا: يكتب مذكرات ملحقة، وبعضهم قال: بل يجدد الوصية إذا استدعى الأمر ذلك، وبعضهم قال: بل هذه الأموال التافهة أو الأشياء التافهة لا يلزمه فيها الإيصاء، وهذا الذي يشهد له واقع وحياة الناس. قال: (ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحائف ويُشهد عليه فيها)، يعني: يأتي باثنين من الشهود الرجال أو برجل وامرأتين، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها. قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة، ولا يلزمه ذلك. كالإخوة الذين يحرصون على كتابة المذكرات اليومية؛ فيأخذ مذكرة يومية ويكتب: ذهبت المدرسة ثم عدت من المدرسة إلى البيت وأخذت الملف، وصليت في المسجد الفلاني صلاة الظهر، وذهبت العصر إلى الكُتّاب، ثم رجعت وغير ذلك، فهذا برنامج يومي لا يعتبر وصية من أولها إلى آخرها؛ لأنه في المسائل المتعلقة بكل جديد في حياتك، وهذا البرنامج برنامج روتيني وكلنا نمر به. قال: (ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزئيات الأمور المتكررة). وأما قوله ﷺ : (ووصيته مكتوبة عنده)، فمعناه: مكتوبة، وقد أشهد عليه بها، لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يُعمل بها، وكما قلنا: إنما يُعمل بها إذا أقر بها الواصي، فمثلاً أنا الآن كتبت وصيتي وما أشهدت عليها، أو اعتبرت أن الإشهاد ليس شرطاً في صحة الوصية. إذاً: يلزم نفاذ الوصية حتى وإن لم يتم الإشهاد عليها. قال: (ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور). وقال ابن نصر المروزي وهو الإمام الكبير العلم، له كتاب من أنفع الكتب اسمه تعظيم قدر الصلاة وهو مطبوع حديثاً، وكان أهل العلم ينقلون عنه من هذا الكتاب، وهذا الكتاب أعجوبة من أعاجيب المصنفات، وكل كلام ابن نصر المروزي بصراحة قيمة في الإنصاف والعدل. قال ابن نصر المروزي: يكفي الكتاب من غير إشهاد، لظاهر الحديث، وابن نصر المروزي شافعي.

стр. 872

باب الوصية بالثلث الباب الأول: الوصية بالثلث. يعني: باب جواز الوصية بالثلث.

стр. 873

شرح حديث سعد: (عادني رسول الله في حجة الوداع) قال مسلم: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا إبراهيم بن سعد المدني عن ابن شهاب -وهو الزهري - عن عامر بن سعد عن أبيه عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: (عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع)]. يعني: سعد سبق النبي ﷺ إلى مكة، وإلا فـ سعد بن أبي وقاص من أوائل المسلمين، وقد هاجر إلى المدينة مع النبي ﵊، فهو من المهاجرين، ولكنه رجع إلى مكة إما للحج وإما لحاجة أخرى أرسله فيها النبي ﵊. قال: (عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع) أي: في أثناء حجه، والمعلوم أن النبي ﵊ ما حج بعد البعثة إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع، وقيل: إنه حج قبل البعثة على ملة إبراهيم مرتين. قال: [(عادني من وجع أشفيت منه على الموت)]، أي: أشرفت منه على الموت، يعني: كدت أن أهلك بسببه، وفي هذا استحباب زيارة الأمير والسلطان والحاكم ومن يشار إليه بالبنان، فزيارة الكبير تدخل على نفس الصغير أعظم السرور، وفيها من اغتباط القلب والولاء وغير ذلك، وأذكر أن جماعة من الجماعات العاملة على الساحة كثرت أعدادهم بسبب اجتماعياتهم، ومنها الزيارة في الله، زيارة المرضى، ومواساة المحتاجين وغير ذلك، فهذا من أعظم الأعمال التي يحرصون عليها، وكان الواحد منهم من قبل وهو كبير لا يظن به أن يتفرغ لزيارة واحد منا ونحن في الإعدادية مثلاً أو في أول الثانوية، فكان الواحد منهم مع منزلته المرموقة ومكانته السامية يأتي فيزور الشباب الملتزم، فيترك أثراً عظيماً جداً في قلب الوالدين وفي قلب الأعمام والجيران والأهل وغير ذلك، فتسمعهم يقولون: الشيخ الفلاني أتى يزور هذا الولد؟ والعالم الفلاني والداعية الفلاني الذي لا يوجد مثله جاء ليزور ولدي؟ فيشكرونهم ويحبونهم، وهذا بلا شك من مكارم الأخلاق، وإذا فعله لله فإن الله تعالى يكافئه عليه بأعظم مما بدر منه. ففيه استحباب عيادة المريض وأنها مستحبة للإمام كاستحبابها لآحاد الناس. ومعنى (أشفيت على الموت) أي: قاربت وأشرفت عليه، لكن لا يقال: أشفى الله فلاناً إلا في الشر، يعني: هناك فرق بين شفى الله فلاناً، وأشفى الله فلاناً، فأشفى لا تقال إلا في الشر؛ ولذلك هنا يقول: أشفيت منه على الموت، أي: قاربت منه. جاءت امرأة إلى الإمام الشافعي وهو مريض، فقالت: أشفى الله الإمام، والمعنى: أهلك الله الإمام. وهي من عامة الناس، فقال الإمام الشافعي: آمين. اللهم بنيتها لا بلفظها، فهي توجهت نيتها وإرادتها إلى الدعاء له لا الدعاء عليه، فقال: اللهم بنيتها لا بلفظها. قال: [(فقلت: يا رسول الله! بلغني ما ترى من الوجع -أي: أنت الآن علمت شدة الوجع الذي نزل بي- وأنا ذو مال))] أي: صاحب مال، وأهل اللغة لا يقولون: فلان ذو مال إلا إذا كان له مال في العُرف المعتبر، فقد توجهت كلمات العرف إلى أن المال هو المال الكثير؛ ولذلك جمهور أهل العلم يقولون: لا يلزم صاحب المال القليل الوصية. قال: (بلغني ما ترى من الوجع) وهذا الكلام على سبيل البيان، كأنه يقول: أنا أبيّن حالي من المرض والوجع الذي نزل بي لأجل مصلحة شرعية مترتبة على هذا، وهو أني ذو مال. أما أن يقول: لقد نزل بي من الوجع ما تراه، فبلا شك أنه مؤثر جداً في ثواب المريض إذا كان على سبيل الشكاية. فهذا قوله: (وإنك ترى ما نزل بي من الوجع) ليس على سبيل الشكاية، وإنما على سبيل التقدمة لبيان الحكمة الشرعية، وللسؤال عن المال الذي عنده كيف يتصرف فيه. قال: [(وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي)] وهذا الحديث روي عن عامر بن سعد وعامر بن سعد وغيره كانوا أبناء لـ سعد، بل قد ورد أن سعداً له ستة أولاد، لكن لم يكن له من الأولاد إلا ابنة في أول أمره حينما نزل به المرض، ولم يقدّر له الموت في هذا المرض، وإنما قُدّرت له الحياة حتى فتح الفتوحات، وضر به أقوام وانتفع به آخرون، ورزقه الله أولاداً آخرين. قال: [(وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟)]، عندي مال كثير، وأريد أن أتصدق، إما أن تكون هذه الصدقة مؤجلة أو منجزة، ومعنى منجزة، أي: أدفع الآن وفي هذا الوقت، وذلك إذا أذنت في أن أتصدق بثلثي مالي، هذه وصية منجزة في حياته، أما الوصية المؤجلة فسيكتبها قبل موته فيقول: تصدقوا بثلثي مالي. قال: [(فقال النبي ﵊: لا. قلت: أفأتصدق بشطره -أي بنصف مالي-؟ قال: لا الثلث. والثلث كثير -وفي رواية-: كبير)]، يعني: أذن له في أن يتصدق بالثلث، واعلم أن الجواب مطابق لمقتضى الحال، فمقتضى الحال أن عنده مالاً وهو غني، ولكن لم يكن له إلا ا

стр. 874

شرح حديث سعد: (دخل النبي علي يعودني) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، وحدثنا أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -والمعروف بـ ابن راهويه - وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني اليمني - أخبرنا معمر -وهو ابن راشد البصري اليمني يعني: هو من أهل البصرة، ولكنه تحوّل إلى صنعاء اليمن، وتتلمذ على يدي عبد الرزاق حتى أقام عنده وتزوج من أهل اليمن، وكان من حفاظ اليمن- وكلهم يروي عن الزهري بهذا الإسناد نحوه. وحدثنا إسحاق بن منصور -وهو المعروف بـ الكوسج - قال: حدثنا أبو داود الحفري، وهي نسبة إلى مكان بالكوفة واسمه هو عمرو بن سعد. يقول أبو حاتم وابن حبان والسمعاني وغيرهم: هو الثقة الزاهد الصالح العابد. وقال ابن المديني: ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من أبي داود الحفري. وقال وكيع وهو من أهل الكوفة: إن كان يُدفع بأحد في زماننا -أي: البلاء والنوازل- فبـ أبي داود يعني: أنه من العُبّاد الصالحين، إذا أرادوا أن يتوسلوا بدعاء الحي فليس أحد بالكوفة يتوسّل بدعائه لرفع البلاء والنوازل غير هذا العلم الجبل، لكن الذين زكّوه كـ علي بن المديني ووكيع وسفيان وغيرهم في الحقيقة هم أجل منه في الرواية، وكان هو قليل الرواية، فالمنشغل بالرواية غالباً ينشغل بغير العبادة؛ ولذلك الإمام الخطيب البغدادي صنّف كتاب شرف أصحاب الحديث، وذكر باباً وهو باب: توافق العلماء على أن مسألة في العلم أفضل من سبعين ركعة. والمقصود بها: ركعات النوافل، بل كان الواحد منهم أحياناً يترك قيام الليل لأجل المذاكرة والعلم والتحصيل، أو لأجل الاستفادة من عالم ينزل البلد، ويمكث فيها أكثر الليالي، فكانوا يستغلون ذلك في التلقي، وإن كان ذلك على حساب قيام الليل، فقد كان يحيى بن معين إذا زار أحمد بن حنبل ترك - أحمد - قيام الليل وبرك بركبتيه عند قدمي يحيى بن معين، فسأله عن ذلك ولده عبد الله وقال: أراك تترك قيام الليل إذا أتانا هذا الرجل؟ فقال: يا بني إن قيام الليل يدرك، كما في قوله ﵊: (من فاته الوتر من الليل فليصل اثنتي عشرة ركعة بالنهار)، أما هذا الرجال ففواته لا يدرك، يعني: إذا تركنا الانتفاع به في هذه الليلة فلعلنا لا ننتفع به. فأهل العلم كانوا يحرصون على طلب العلم ولو على المسألة البسيطة اليسيرة، ويقدّمونها على سواها. وهذا مالك بن أنس بن مالك أبي عامر الأصبحي الإمام الفقيه المدني كان يدرّس في المسجد النبوي، فلما أذن المؤذن قام أحد الحاضرين ليصلي. قال: ماذا تصنع؟ قال: أصلي يا إمام، أما سمعت النداء؟ قال: أما بلغك أن ما أنت فيه خير لك مما قمت إليه؟ الذي أنت فيه من طلب العلم وحضور حلقة الدرس أولى من القيام لصلاة ركعتين أو أربع؛ لأن طلب العلم هو من أعظم وأشرف وأفضل القربات، وقد جعل الله تعالى ذلك في كتابه، وجعل النبي ﵊ له في سنته ما لم يكن لأي عمل من الأعمال، وهذا يدل على فضل العلم ومنزلته. يقول الحفري: عن سفيان عن سعد بن إبراهيم المدني عن عامر بن سعد عن سعد قال: (دخل النبي ﷺ علي يعودني) فذكر بمعنى حديث الزهري، ولم يذكر قول النبي ﵊ سعد بن خولة غير أنه قال: (وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها). قال: [وحدثني زهير بن حرب حدثني الحسن بن موسى -وهو المعروف بـ الأشيب - حدثنا زهير -وهو ابن معاوية - حدثنا سماك بن حرب حدثني مصعب بن سعد عن أبيه -هذا مصعب بن سعد بن أبي وقاص أخو عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري - قال: (مرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت -يعني: ائذن لي يا رسول الله أن أوزّع مالي على حسب مشيئتي وإرادتي- قال: فأبى النبي ﵊. قلت: فالنصف؟ فأبى. قلت: فالثلث؟ قال: فسكت بعد الثلث، قال: فكان بعد الثلث جائزاً)]. أي: فكان بعد ذلك التصدق والوصية بالثلث أمراً

стр. 875

رواية ثلاثة من أبناء سعد عن أبيهم سعد حديث الوصية بالثلث قال: [وحدثنا محمد بن أبي عمر المكي حدثنا الثقفي -وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - عن أيوب السختياني عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ثلاثة من ولد سعد]. بعض أهل العلم أخطأ فقال: هذا إسناد منقطع، بل هو غير منقطع، لكن لو قال: إسناد ضعيف لجهالة الراوي فهناك فرق كبير جداً بين قوله: إسناد ضعيف لجهالة الراوي، وإسناد ضعيف للإرسال أو الانقطاع، أما قول حميد: عن ثلاثة من ولد سعد أعظم ما يقال في هذا: أن هذا إسناد فيه رجال مجهولون، ولا يعرف من هم؟ والراجح أن حميداً إنما يروي عن عامر وعن مصعب، كما أن حميداً من كبار التابعين وأدرك عبد الله بن عمر. ثبت أنه عندما ظهر معبد الجهني بالبصرة قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: أتيت أنا وصاحبي إلى مكة حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو وفق لنا أحد من أصحاب النبي ﵊ نسأله عما كان في البصرة، فوفق لنا عبد الله بن عمر، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي. وصاحبه هو يحيى بن يعمر البصري. قال: فظننت أنه سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إن قوماً قِبلنا -أي بالبصرة- يتقفرون العلم، وفي رواية: يتصغرون العلم -يعني: يطلبون دقيق المسائل- ويقرءون القرآن، يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم شيئاً إلا إذا كان، أما قبل وقوعه فإنه لا يعلمه . قال عبد الله بن عمر: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، وهذا كلام ابن عمر تكفير لغلاة القدرية الذين ينكرون القدر وينكرون أعظم مرتبة من مراتبه وهي مرتبة علم الله ؛ ولذلك قال النووي عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: وهذا منه -أي من عبد الله بن عمر - إيذان بتكفير هؤلاء، أي: إيذان بأن من أنكر مرتبة العلم لله وأن الله تعالى علم ما كان وما يكون وما سيكون، وأنه لا يخفى عليه شيء، وأن علمه هو العلم المطلق الذي لم يحد بحد، وأنه صفة لازمة لله لا تنفك عنه، وأن الله تعالى اتصف به أولاً وآخراً، وأن العلم صفة من صفاته ينبغي إثباتها لله على جهة الكمال المطلق الذي يليق بالله ، من أنكر ذلك فقد كفر. فلما أنكر هؤلاء ذلك ما اغتر عبد الله بن عمر بكثرة قراءتهم للقرآن ولا بتحريهم لدقائق المسائل في الدين، وإنما أطلق الحكم بتكفيرهم مباشرة؛ لأنهم أنكروا معلوماً لله واجباً له بالضرورة في عقيدة كل موحّد، فلما كان منهم إنكار ذلك كفّرهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه. فقول حميد: عن ثلاثة من ولد سعد، هذا أمر لا يضر بصحة الحديث، فقد ورد هذا الحديث من طريق عامر، وقد ورد من طريق مصعب وغيرهما، فهو ثابت في كل الأحوال، كما ثبت الحديث السابق حديث عبد الله بن عمر من طريق أسامة بن زيد المكي، ونحن قلنا: إن أسامة ضعيف، لكن جاء على سبيل الاستئناس، لا على سبيل التأصيل والاستشهاد. مثلاً لو قال الراوي: يقول سفيان عن رجل، من هذا الرجل؟ لا ندري، فهو كذلك ضعيف، ولو قال الراوي: حدثني أهل مكة عن فلان، فالحديث حاله ضعيف؛ لأنه يعم أهل مكة، وهذا لا عبرة به في ميزان العدول، فلابد من التعيين، ولو صرح وقال: حدثني أهل مكة فيهم الحميدي لكفى؛ لأن الحميدي إمام من أئمة المسلمين وعلم من أعلامهم وسيد الحفاظ في زمانه، فلو لم يحدث إلا هو لكفى، لكن لو قال في زمن الحميدي: حدثنا أهل البصرة ولم يعيّن لقلت: هذا الحديث ضعيف. ولو قال: حدثني الثقة، ففيه نزاع بين أهل العلم، فربما يكون ثقة عنده، وضعيفاً عند غيره، بل ربما يكون معروفاً بالتساهل، وربما يكون شرط على نفسه أن يقول: لو قلت: حدثني الثقة فإنما هو فلان، فلو تحرينا ذلك وجدناه لا يخطئ ذلك لكان الأولى حمل هذا التوثيق على فلان بعينه الذي ذكره، وإن وجدنا مع التحري والاستقصاء أنه يقول: حدثني الثقة وقال -مثلاً-: إذا قلت: حدثني الثقة فإنما هو سفيان بن عيينة فهو يروي عن سفيان وعن غير سفيان من الضعفاء ويقول: حدثني الثقة، فلو كان كذلك لم يلتزم ما شرط فالأصل أن ذلك ينظر فيه. قال حميد: [عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدث عن أبيه: (أن النبي ﷺ دخل على سعد يعوده بمكة فبكى قال: ما ي

стр. 876

أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الوصية بالثلث قال: [حدثني إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا وكيع، وحدثنا أبو كريب حدثنا ابن نمير. كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع) ومعنى: غضوا أي: نقصوا، يعني: ابن عباس يتمنى لو أن الناس لا يتمسكون بظاهر الحديث؛ لأنه قال: (الثلث والثلث كثير) فيا ليت الناس لا يوصون في ثلث، بل ينزلون عن ذلك إلى الربع أو أقل من ذلك. قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: الثلث. والثلث كثير). وفي هذا الحديث استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا: أنه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحب النقص منه، أي: إذا كانوا فقراء فينزل من الربع إلى العشر، أما إذا كانوا أغنياء فله أن يوصي بالثلث. وعن أبي بكر الصديق ﵁: أنه أوصى بالخمس. وعن علي ﵁ نحوه. وعن ابن عمر وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال آخرون: بالعشر. وقال إبراهيم النخعي ﵀: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة، لكن ينزلون عن نصيب أحدهم. وروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم ﵃: أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية. فمذهب الجماهير أن ترك الوصية لمن كان فقيراً وعنده أولاد أولى؛ وذلك لأن الوصية ستأكل المال.

стр. 877

الأسئلة

стр. 878

حكم العمل في الضرائب السؤال ما حكم العمل بالضرائب؟ الجواب هذا السؤال يتردد كثيراً، وهناك بعض الأبحاث والرسائل يرى أصحابها جواز التعامل بالضرائب، لكن على أية حال من الطامات التي ذُكرت في هذه الرسائل والأبحاث أنهم يعدون أن الضرائب هي الزكاة، يقولون: الضرائب لا بأس أبداً أن نعتبرها زكاة من زكاة المال، وهل هذه الزكاة تجب على كل أحد؟ لا تجب إلا على من بلغ النصاب وحال عليه الحول؟ تصور شخصاً الآن فتح دكاناً، فعندما تأتي لحصر بضاعته ليس عنده إلا أشياء تافهة وقليل من المناديل، ويمكن على مدار السنة كلها لا يبيع بألفين أو ثلاثة آلاف، ويأتي صاحب الضرائب فيطلب عشرة آلاف جنيه، فذهب إلى كبير الضرائب وإلى المحاكم والمحامي وغيرهم، وبعد ذلك خفضوا هذه العشرة آلاف إلى ثلاثة آلاف، فكيف يجعلون هذه الضرائب زكاة، كيف؟! ثم إن هذه الزكاة فريضة شرعية لها مقدار ولها حدود ليست في كل وقت، وهي تُدفع قهراً للإمام، ولا إمام في هذا الزمان قط، وإذا أراد أن يعاقبه فله أن يتركه لله ، وليعلم تارك الزكاة أنه معروض على الله ، إذا علم هذا وعلم خطورة الأمر وأن الله تعالى سيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، ويطالبه ويسأله عن حق الفقراء وعن فريضة الزكاة، ربما تخلّص من ماله كله، فلو أنه استشعر الموقف ربما تخلّص من ماله كله لله حتى لا يُحاسب في هذا الموطن، أما دفع الزكاة فإن الناس يتهربون منها، ولذلك التعامل مع الله يحتاج إلى قلب واع، ووازع إيماني على أعلى مستوى، فلو قلنا لشخص: الحكومة لن تأتيك إلى المحل، أنت لوحدك على نهاية كل سنة تأتي متبرعاً ومتفضلاً وتعطينا الضريبة، فهل يعقل أن يذهب أي شخص؟ لا يمكن، بخلاف ما لو قلنا لرجل: إن الله تعالى قد فرض عليك الزكاة، وهي من فرائض الإسلام، فإن فعلتها وإلا فالحكم كيت وكيت وكيت، وقد حارب أبو بكر مانعي الزكاة، وقد اختلف أهل العلم في مانعي الزكاة ما بين مرتد وما بين مسلم عاص، وفي نهاية الأمر هي فريضة عليك.

стр. 879

شرح صحيح مسلم - كتاب الوصية - وصول ثواب الصدقة إلى الميت - الوقف إن الصدقة تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، فيشرع لمن أتى ذنباً أو معصية أن يتوب منها وأن يقدم لذلك الصدقات، وأثر الصدقة على الذنب ثابت في السنة النبوية؛ ولا فرق في ذلك بين كون الصدقة عن حي أو ميت، ومن تصدق عن ميت فله أجر في ذلك.

стр. 880

باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب الثاني من كتاب الوصايا: قال الإمام: (باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت). وكأنه يقول: إن ثواب الصدقة ينتفع به الميت، وإن لم يوص بذلك، يعني: لو تصدق عنه وليه أو أحد الناس فإنما ينتفع في أجر الصدقة، وإن لم يكن قد أوصى بها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه -والعلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني يروي عن أبي هريرة ﵁ عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم)]. يعني: هل تنفع أبي الصدقة عنه إما من ماله أو من المال الموروث؟ وذلك لأن المال إذا ورث وانتقل إلى الوارث فهو ليس له، فهل ينتفع الميت إذا تصدق عنه وليه أو غيره من ماله أو من مال الغير هل ينتفع بذلك، ويكفر الله عنه سيئاته بذلك؟ قال النبي ﵊: (نعم) وفي هذا دلالة على أن الصدقات تكفر الذنوب؛ ولذلك يسن لمن تاب من ذنب أن يكثر من الصدقات، وأن يكثر من النوافل والطاعات فإن هذا ينفعه، ولو أن عبداً اقترف ذنباً كفارته ليست كفارة مالية فهل ينفعه بعد التكفير عن الذنب أن يتصدق؟ الجواب نعم. ينفعه ذلك. قال: [وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي قال: حدثنا يحيى بن سعيد -وهو القطان - عن هشام بن عروة عن أبيه -أي: عروة بن الزبير - عن عائشة ﵂: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها)] ومعنى افتلتت أي: بُغِتَتْ. ذهبت روحها فجأة ولم توص، مات فجأة بغير سابق إنذار، وهذه من العلل التي يبعثها الله تعالى على عباده إنذاراً لنهاية حياته. قال: [(وإني أظنها لو تكلمت تصدقت)] لكن لم يكن هناك فرصة قط للكلام؛ لأن الموت أتاها بغتة، فلم يكن هناك وقت يسمح بالوصية، ولا بمجرد الكلام. قال: [(فلي أجر أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)].
следующие страницы →