← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الوصية بالثلث قال: [حدثني إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا وكيع، وحدثنا أبو كريب حدثنا ابن نمير. كلهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع) ومعنى: غضوا أي: نقصوا، يعني: ابن عباس يتمنى لو أن الناس لا يتمسكون بظاهر الحديث؛ لأنه قال: (الثلث والثلث كثير) فيا ليت الناس لا يوصون في ثلث، بل ينزلون عن ذلك إلى الربع أو أقل من ذلك. قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: الثلث. والثلث كثير). وفي هذا الحديث استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا: أنه إن كان ورثته أغنياء استحب الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحب النقص منه، أي: إذا كانوا فقراء فينزل من الربع إلى العشر، أما إذا كانوا أغنياء فله أن يوصي بالثلث. وعن أبي بكر الصديق ﵁: أنه أوصى بالخمس. وعن علي ﵁ نحوه. وعن ابن عمر وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال آخرون: بالعشر. وقال إبراهيم النخعي ﵀: كانوا يكرهون الوصية بمثل نصيب أحد الورثة، لكن ينزلون عن نصيب أحدهم. وروي عن علي وابن عباس وعائشة وغيرهم ﵃: أنه يستحب لمن له ورثة وماله قليل ترك الوصية. فمذهب الجماهير أن ترك الوصية لمن كان فقيراً وعنده أولاد أولى؛ وذلك لأن الوصية ستأكل المال.

стр. 877

الأسئلة

стр. 878

حكم العمل في الضرائب السؤال ما حكم العمل بالضرائب؟ الجواب هذا السؤال يتردد كثيراً، وهناك بعض الأبحاث والرسائل يرى أصحابها جواز التعامل بالضرائب، لكن على أية حال من الطامات التي ذُكرت في هذه الرسائل والأبحاث أنهم يعدون أن الضرائب هي الزكاة، يقولون: الضرائب لا بأس أبداً أن نعتبرها زكاة من زكاة المال، وهل هذه الزكاة تجب على كل أحد؟ لا تجب إلا على من بلغ النصاب وحال عليه الحول؟ تصور شخصاً الآن فتح دكاناً، فعندما تأتي لحصر بضاعته ليس عنده إلا أشياء تافهة وقليل من المناديل، ويمكن على مدار السنة كلها لا يبيع بألفين أو ثلاثة آلاف، ويأتي صاحب الضرائب فيطلب عشرة آلاف جنيه، فذهب إلى كبير الضرائب وإلى المحاكم والمحامي وغيرهم، وبعد ذلك خفضوا هذه العشرة آلاف إلى ثلاثة آلاف، فكيف يجعلون هذه الضرائب زكاة، كيف؟! ثم إن هذه الزكاة فريضة شرعية لها مقدار ولها حدود ليست في كل وقت، وهي تُدفع قهراً للإمام، ولا إمام في هذا الزمان قط، وإذا أراد أن يعاقبه فله أن يتركه لله ، وليعلم تارك الزكاة أنه معروض على الله ، إذا علم هذا وعلم خطورة الأمر وأن الله تعالى سيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان، ويطالبه ويسأله عن حق الفقراء وعن فريضة الزكاة، ربما تخلّص من ماله كله، فلو أنه استشعر الموقف ربما تخلّص من ماله كله لله حتى لا يُحاسب في هذا الموطن، أما دفع الزكاة فإن الناس يتهربون منها، ولذلك التعامل مع الله يحتاج إلى قلب واع، ووازع إيماني على أعلى مستوى، فلو قلنا لشخص: الحكومة لن تأتيك إلى المحل، أنت لوحدك على نهاية كل سنة تأتي متبرعاً ومتفضلاً وتعطينا الضريبة، فهل يعقل أن يذهب أي شخص؟ لا يمكن، بخلاف ما لو قلنا لرجل: إن الله تعالى قد فرض عليك الزكاة، وهي من فرائض الإسلام، فإن فعلتها وإلا فالحكم كيت وكيت وكيت، وقد حارب أبو بكر مانعي الزكاة، وقد اختلف أهل العلم في مانعي الزكاة ما بين مرتد وما بين مسلم عاص، وفي نهاية الأمر هي فريضة عليك.

стр. 879

شرح صحيح مسلم - كتاب الوصية - وصول ثواب الصدقة إلى الميت - الوقف إن الصدقة تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، فيشرع لمن أتى ذنباً أو معصية أن يتوب منها وأن يقدم لذلك الصدقات، وأثر الصدقة على الذنب ثابت في السنة النبوية؛ ولا فرق في ذلك بين كون الصدقة عن حي أو ميت، ومن تصدق عن ميت فله أجر في ذلك.

стр. 880

باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. الباب الثاني من كتاب الوصايا: قال الإمام: (باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت). وكأنه يقول: إن ثواب الصدقة ينتفع به الميت، وإن لم يوص بذلك، يعني: لو تصدق عنه وليه أو أحد الناس فإنما ينتفع في أجر الصدقة، وإن لم يكن قد أوصى بها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه -والعلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني يروي عن أبي هريرة ﵁ عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم)]. يعني: هل تنفع أبي الصدقة عنه إما من ماله أو من المال الموروث؟ وذلك لأن المال إذا ورث وانتقل إلى الوارث فهو ليس له، فهل ينتفع الميت إذا تصدق عنه وليه أو غيره من ماله أو من مال الغير هل ينتفع بذلك، ويكفر الله عنه سيئاته بذلك؟ قال النبي ﵊: (نعم) وفي هذا دلالة على أن الصدقات تكفر الذنوب؛ ولذلك يسن لمن تاب من ذنب أن يكثر من الصدقات، وأن يكثر من النوافل والطاعات فإن هذا ينفعه، ولو أن عبداً اقترف ذنباً كفارته ليست كفارة مالية فهل ينفعه بعد التكفير عن الذنب أن يتصدق؟ الجواب نعم. ينفعه ذلك. قال: [وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي قال: حدثنا يحيى بن سعيد -وهو القطان - عن هشام بن عروة عن أبيه -أي: عروة بن الزبير - عن عائشة ﵂: (أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها)] ومعنى افتلتت أي: بُغِتَتْ. ذهبت روحها فجأة ولم توص، مات فجأة بغير سابق إنذار، وهذه من العلل التي يبعثها الله تعالى على عباده إنذاراً لنهاية حياته. قال: [(وإني أظنها لو تكلمت تصدقت)] لكن لم يكن هناك فرصة قط للكلام؛ لأن الموت أتاها بغتة، فلم يكن هناك وقت يسمح بالوصية، ولا بمجرد الكلام. قال: [(فلي أجر أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)].

стр. 881

الأحكام المستنبطة من باب وصول ثواب الصدقة إلى الميت الأول يسأل عن أبيه الذي مات ولم يتصدق، أله أجر إن تصدقت عنه؟ قال ﵊: (نعم)، وهذا سعد بن عبادة ﵁ -وهو موقوف من الطريق الثاني- يحكي عن أمه عمرة ﵂ التي ماتت فجأة وبغتة: هل ينفعني أنا أن أتصدق عنها؟ فقال ﵊: (نعم)، وسعد بن عبادة أمه كانت قد ماتت فجأة ويعلم منها سعد أنها محبة للخير محبة للصدقة، جوادة سريعة في الخير أسرع من الريح؛ ولذلك قال: وإني لأظنها لو تكلمت تصدقت، ولكن الموت فاجأها، فهل ينفعني أنا أن أتصدق عنها؟ قال ﵊: (نعم). فبانضمام الطريقين أحدهما إلى الآخر يتبين لنا أن الصدقة عن الميت تنفع الميت وتنفع المتصدق أيضاً، كما لو أن رجلاً أراد أن يتخلص من مال حرام، فالمعلوم أن المال الحرام يجب الانتهاء عنه وعدم التعامل فيه، والتخلص منه بأي وجه من وجوه التخلّص المشروعة، فإذا كان المال مال ربا، وأبقاه المرء وأنفقه لكان ذلك حراماً عليه، وهو بكونه مالاً حقيراً حراماً، فماذا يصنع به؟ فكونه أراد أن يتخلص منه وتوجهت نيته إلى إنفاقه خوفاً من الله فله على هذه النية أجر، ولذلك يخطئ كثير من الناس الذين يفتون العامة إذا سألوهم عن الأموال الحرام ماذا نصنع فيها؟ يقولون: تصدقوا بها وليس لكم فيها أجر. و الجواب أن لهم فيها أجراً، وأجرهم هو إرادتهم طاعة الله في التخلص من هذا المال الحرام، لا في عين المال، وإنما في عين التوسل إلى الله بالتخلص من الحرام. فهنا استفدنا من الطريق الأول: أن المتصدق ينفع المتصدق عنه بعد موته، وفي الطريق الثاني: أن المتصدق منتفع بهذه الصدقة. ومن هذين الطريقين يتبين لنا أن الصدقة تنفع المتصدق والمتصدق عنه، كلاهما على السواء. فإن قيل: كيف يتخلص من المال الحرام؟ الجواب العلماء يقولون: ينفقه بعيداً عن الطعام والشراب، وبعيداً عن المساجد، ويحددون المنافع العامة التي تتعلق بشخص بعينه وبمنفعته، وعلى ألا يكون ذلك في بيت من بيوت الله؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فيبنون بها مثلاً مستشفيات يرصفون بها الطرق يبنون بها الحمامات والمرافق العامة وغير ذلك. قال: [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا محمد بن بشر العبدي حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم). ويتبع هذا طريق آخر. وهو قوله: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة وحدثني الحكم بن موسى -وهو ابن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري - قال: حدثنا شعيب بن إسحاق -وهو شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن الأموي مولاهم، البصري ثم القرشي- وحدثني أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع -وكلاهما بصري- قال: حدثنا روح -وهو ابن القاسم البصري - وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا جعفر بن عون كلهم عن هشام بن عروة بهذا الإسناد. أما طريق أبي أسامة وروح ففي حديثهما: (فهل لي أجر؟)، وفي طريق شعيب وجعفر: (أفلها أجر؟)، وفي كل يقول النبي ﵊: (نعم)، يعني: يدلان على أن الصدقة تنفع الذي يدفعها والذي دُفعت لأجله. قال النووي: (في هذا الحديث جواز الصدقة عن الميت واستحبابها)، أي: ليست جائزة فقط وإنما أيضاً هي مستحبة، وأن ثوابها يصل وينتفع به، وكذلك المتصدق، وهذا كله أجمع عليه المسلمون، أي: هذه المسألة ليست محل نزاع، بل هي من مسائل الإجماع؛ أن الصدقة ينتفع بها المتصدق والمتصدق عنه.

стр. 882

حكم التصدق عن الميت بطعام في أيام محدودة فإذا قال قائل: هل يجوز التصدق عن الميت بطعام في أيام محدودة ويرى الناس أن هذه الأيام أيام عبادة؟ الجواب تحديده في أيام قد يدخل في البدع، كتحديد زيارة المقابر مثلاً يوم الخميس أو أول رجب، أو منتصف رجب أو أول شعبان، فإذا وقعت بدعة واستمروا عليها وألفوها، حتى بدا للعامة أن هذا اليوم يشرع فيه عبادة الصلاة أو الصوم أو زيارة القبور أو غير ذلك، فينبغي على السلطان أن يؤدب الناس وأن يرجعهم إلى السنة. وكذلك الذي يفعل طعاماً في يوم ما، فإذا كان أصل الطعام لله فإنه لا يشرع له أن يلتزم يوماً بعينه؛ يعني: له أن يطعم الفقراء، لكن لا يلتزم يوماً بعينه، إنما يجعل الأيام في هذه الصدقة دولاً، مرة يجعلها في رجب، ومرة في شعبان، ومرة في رمضان، ومرة في ربيع وغير ذلك من أيام السنة، ويتحرى ألا يتناسب إطعام الناس في وقت ابتدع فيه الناس بدعة معينة، فلا يتحرى مثلاً بهذا الطعام أول رجب، ولا منتصف رجب، ولا أول شعبان، ولا هذه الأيام التي اخترع الناس لها عبادات ليس عليها دليل، بل قام الدليل على أنها بدعة.

стр. 883

الصدقة عن الميت تكون من القريب وغيره فإن قيل: هل من اللازم أن يكون هناك قرابة بين المتصدق وبين الميت؟ الجواب لا يلزم. ينتفع بها المتصدق إن كان من أوليائه أو من غيرهم.

стр. 884

معنى قوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وهذه الأحاديث مخصصة لعموم قول الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، هذه الآية قاضية بأن الإنسان لا ينتفع بشيء قط إلا بشيء قد عملته يده، لكن قد ورد إجراء الخير والثواب والفضل لأصحابه بعد وفاته؛ لأنهم كانوا سبباً في ذلك. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] يعني: كل إنسان يحاسب على ما اقترفته يداه لا ما اقترفته يد غيره، ولذلك عائشة ﵂ لما سمعت عمر وابنه عبد الله بن عمر ﵄ يرويان عن النبي ﵊ قوله: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قالت: أخطأ عمر وأخطأ أبو عبد الرحمن، ثم استشهدت لنفسها بظاهر هذه الآية. قالت: أين هذا من قول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؟ وما ذنب هذا الميت أن يعذب ببكاء أهله عليه؟ فهو لا يملك هذا البكاء، ولا يملك كذلك أن يمنعهم؛ فكيف يعذب به، وهي جريمة ارتكبها غيره ولم يرتكبها هو؟ ثم قالت: إنما ذلك في الكافر، كأنها أرادت أن تصحح رواية عمر وابنه ﵄ أن النبي ﵊ قال: (إنما يعذب الكافر ببكاء أهله عليه)، وردَّ عليها ابن القيم ﵀ بنفس المنطق وقال: وكذلك لا يعذب الكافر بجريرة غيره، أو بجريمة ارتكبها غيره، وقال بعد أن حكم بصحة اللفظ الذي أخرج في الصحيحين من حديث عمر وابنه: إنما ذلك لمن أوصى بذلك، فقوله: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) أي: إذا أوصى بذلك، فنحن نعرف أن هناك أناساً كثيرين جداً قبل أن يموت يوصي أهله بالقرآن وهو بدعة، ويوصي بمقرئ وهو بدعة، ويوصي بالبكاء ويقول: استأجروا فلانة النائحة واستأجروا فلاناً النائح وغير ذلك، فإذا أوصى بذلك فإنه يعذب، ولا يعذب حينئذ بجريرة غيره، إنما يعذب بما أوصى به؛ لأنه طلب ذلك، أو أن ذلك معلوماً في سيرته أنه كان يحب البكاء والنواح وغير ذلك على الميت، وكان يفعل ذلك بنفسه، فإذا كان هذا معلوماً من دينه فلا شك أنه يعذب وإن بكى عليه الآخرون. وهنا قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فصحيح أن الإنسان لا يؤجر إلا على سعيه هو، لكن أحياناً يجرى له من الخير ما لم تعمله يداه، منها الصدقة، ومنها الحج، ومنها الصيام وغير ذلك من أعمال الطاعة، وهي الأعمال التي وردت فيها نصوص قاضية بذلك، فهذه الأحاديث مخصصة لعموم هذه الآية.

стр. 885

حكم صدقة الوارث عن الميت وأجمع المسلمون كذلك على أنه لا يجب على الوارث التصدق عن ميته صدقة التطوع، بل هي مستحبة. لو أن رجلاً عنده عشرة آلاف جنيه ومات اليوم وقد وجبت الزكاة في هذا المال اليوم أو أمس أو قبل أسبوع أو أسبوعين، ولكن الرجل أخر إخراج زكاة المال، فهل يجب على الورثة أن يخرجوا زكاة هذا المال قبل توزيع الميراث؟ الجواب يجب، فإن لم يخرجوا الزكاة كانوا هم المانعين من إخراج الزكاة؛ وذلك لأن هذا أمر واجب، لكن لو أن هذا الرجل كان قد تعود أن يأتيه فلان وفلان وفلان في أيام محدودة، فيتصدق عليهم بمائة أو مائتين أو ثلاثة أو ألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف، فهذا من عموم الصدقات لا من الزكاة الواجبة، فإن مات هذا الرجل ومنع الورثة هذه الصدقة فإنهم لا يأثمون بذلك؛ لأن هذه صدقة تطوع لا صدقة واجبة وهي الزكاة، فحينئذ لا يحملون عليها، وإنما يوصون بها، فإن رضوا بذلك فهو أمر مستحب مندوب، وإن أبوا أن يفعلوا ذلك فلا يحملون عليه كما أنهم لا يأثمون بمثل ذلك.

стр. 886

حكم أداء الورثة للحقوق المتعينة على الميت أما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإن كان له تركة وجب قضاء الدين حتى وإن أتى الدين على جميع المال، كذلك يخرج من المال ما هو نفقة واجبة للميت كتجهيزه مثلاً، فالتجهيز يقدم، وقد ذكرنا هذا من قبل، فقلنا: الحقوق المتعينة في مال الميت هي: الدين، والدين إما أن يكون لله أو يكون للآدمي، فإن كان ديناً لله كإخراج الزكاة أو حج الفريضة، فإذا كان قد هيأ نفسه لمثل هذا فأدركه الموت قبل الحج، فهذا دين يجب أن يخرج من ماله، ويحج عنه أحد أوليائه، وإن حج عنه الغير فلا بأس بذلك. ولهذه المناسبة أردت أن أبين أمراً أنكره بعض الإخوان خاصة الذين يقيمون في مكة، يأتي أناس كثيرون من بلاد الخليج أو من بلاد العرب إلى مكة، ولترفهم وأنفهم من متاعب الحج يجلسون في فنادق خمسة نجوم ويوكلون بعد ذلك من يحج عنهم، وللأسف الشديد نحن رأينا أناساً من مصر يفعلون ذلك، كل همهم أنهم يطوفون أو يعملون عملاً يسيراً، أو يعملون وقتاً دون آخر؛ اتكالاً واعتماداً على أن العروض ستعرض عليهم في أوائل ذي الحجة وأواخر ذي القعدة، وأن هؤلاء العرب يبذلون مالاً كثيراً عظيماً. فيأتي الواحد منهم ويقول: من يحج عني وله عشرة آلاف ريال، أو خمسة عشر ألف ريال، أو عشرون ألف ريال، فيبادر ضعيف الإيمان إلى قبول هذا المال والحج عن صاحبه، بل قد أتى من يستفتيني في مكة أنه أخرج مالاً من سبعة عشر رجلاً وامرأة في عام واحد ليحج عنهم! فهذه طبقة مترفة مرفهة جداً، تأنف أن تسير مع الناس وأن تعرق مع الناس وأن تقع عين الواحد منها على منظر يؤذي وغير ذلك. وللأسف الشديد يستغل ذلك بعض الإخوة المصريين، وهذا عمل غير مشروع، فضلاً عن أنه من جهة العرف عمل غير محترم، لكن لو تم ذلك اتفاقاً فلا بأس بذلك، أي لو أنك حججت حج الفريضة، ثم توسم فيك بعض الناس الصلاح والتقوى، فأتوك بغير استشراف منك، وقالوا لك: نريد منك أن تحج هذا العام عن والدنا، وأصروا على ذلك؛ لما يعلمون من صلاحك وتقواك، فلا بأس بالقبول، والأمر ليس تجارة كما هو المشاهد في أرض مكة، إنما هي عبادة محضة؛ فخذ منهم على قدر ما يسمح لأداء الفريضة، فإن انتهى المال فإنه يكفي أن الله ﵎ يسر لك أداء هذه العبادة، أو مشاركة المسلمين في هذا الموسم العظيم من مواسم الطاعة السنوية. وأما الحقوق المالية الثابتة على الميت فإن كان له تركة وجب قضاؤها منها، سواء أوصى بها الميت أو لم يوص، ويكون ذلك من رأس المال، وسواء في ذلك إرضاء الله كالحج والزكاة وغير ذلك، أو ديون الآدمي. فإن لم يكن للميت تركة لم يلزم الوارث قضاء دينه، لكن يستحب له ولغيره، وبعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب، والذي يترجح أن الوجوب في حق الابن الغني الذي يملك قضاء دين والده بلا تضرر في نفسه، أعتمد في ذلك على قوله ﵊: (أنت ومالك لأبيك)، وهذا اللفظ عام، أي: في حياته وبعد مماته، وأن من حدده بالحياة دون الممات فهذا تحديد بغير نص.

стр. 887

مبحث في موت الفجأة أخرج الإمام البخاري حديث المرأة التي افتلتت نفسها في كتاب الجنائز الباب الثالث والتسعين، فقال: باب: موت الفجأة، يعني: البغتة. ثم قال الحافظ: والفجاءة هي الهجوم على من لم يشعر به، واحد هجم عليك وفاجأك، وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره. قال ابن رشيد: مقصود الإمام البخاري -والله أعلم- الإشارة إلى أنه ليس بمكروه -أي: أن موت الفجأة ليس بمكروه- وإن كان قد ورد في بعض الروايات ما يشعر بكراهة موت الفجأة، بل قد ورد في الروايات الصحيحة أن موت الفجأة من علامات الساعة وأشراطها. قال: لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهيته لما أخبره سعد بن عبادة بذلك. وعند أحمد: من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ مر بجدار مائل فأسرع، وقال: (أكره موت الفوات). قال ابن بطال: وكان ذلك -والله أعلم- لما في موت الفجأة من خوف إهمال الوصية، يعني: أن الذي يموت فجأة يحرم أن يكتب وصيته، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من أعمال صالحة. وقد روى ابن أبي الدنيا حديثاً: (المحروم من حرم وصيته)، أي: المحروم حظاً من حرم كتابة الوصية، وقد مضى بنا في أول الباب حديث أن المرء إذا ملك شيئاً ويريد أن يوصيه فلا يبيتن ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. وعند ابن أبي شيبة من حديث عائشة وابن مسعود: (موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف للفاجر) ومعنى أسف أي: غضب، غضب من الله على الكافر، وراحة للمؤمن. وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة أن يستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، وقد نقل عن بعض الشافعية كراهة موت الفجأة. ونقل النووي عن بعض القدماء: أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، أي: ماتوا فجأة، فلو كان مكروهاً لما أجرى الله تعالى على أنبيائه والصالحين مثل ذلك. قال النووي: وهو محبوب بالمراقبين، أي: أصحاب المراقبة؛ وذلك لأن الأمر كما قال أحدهم: لو أن الله تعالى جعل موتي غداً، ما استطعت أن أزيد في عبادتي شيئاً؛ لأنه قائم بحق العبادة وحق الطاعة وحق المراقبة والخشية والإنابة والتوبة وغير ذلك في كل أحيانه، فلو علم أن موته غداً أو بعد غد أو بعد عام لما استطاع أن يزيد في عبادته شيئاً، فهذا بالنسبة لموت الفجأة رعب، بخلاف غيره فإنه بالنسبة له حسرة: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]؛ لأنه يعلم أن عمله ناقص، فلما جاءه الموت بغتة تمنى أن لو يرجع عند أن عاين العذاب ليعمل صالحاً. وبهذا يتم الجمع بين قول من قال: موت الفجأة مكروه، وموت الفجأة مستحب أو لا شيء فيه، فهو مستحب لأهل الطاعة ولأهل الإيمان، ومكروه لأهل التقصير والعصيان، وبهذا تلتئم الأدلة.

стр. 888

باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد مماته الباب الثالث: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته. نحن قلنا: إنه: ﴿لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، لكن هذه الآية عامة خصصت بأدلة، وفي هذا إثبات أن السنة تخصص عموم القرآن، وتقيد مطلق القرآن، كما أنها هنا مطلقة. قال: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر السعدي قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة) أي: إلا من ثلاثة أعمال، ونأخذ هذا الاسم من جنس المصدر، إذا مات قطع عمله إلا من ثلاثة أعمال لا تنقطع، بل يستمر ثواب هذه الأعمال الثلاثة جارياً له بعد موته.

стр. 889

معنى قوله: (صدقة جارية) قال: [(صدقة جارية)]، الصدقة الجارية يسميها الفقهاء بالتسمية الاصطلاحية الوقف، كبناء المساجد، وإنشاء مكتبة عامة، ومكتبة علمية ينتفع بها الناس، أو إنشاء سبيل يشرب منه المارة، أو إنشاء دار للأيتام، أو إنشاء دار للأرامل أو للعجزة كبار السن، وغير ذلك من الأصول الثوابت التي ينتفع بها الناس، وإنشاء طريق وحفر بئر، أو شق الترع، أو إيقاف أرض لمصلحة الناس، بناء السجون كل ذلك داخل في الصدقة الجارية، لكن بناء سجون لتعذيب العلماء مثلاً أو لتهديد طلاب العلم ومحاربتهم في بيوتهم وفي أقواتهم فهذا لا، أما إنشاء السجون لتهديد الظلمة وأخذ الحق منهم وتسليمه إلى أصحابه، ورجم الزاني حينما يزني، فهذا أمر مشروع، فمن تصدق ببناء سجن لأجل هذا فهو مأجور، ونحن نتكلم عن هذا إذا كان هناك خلافة.

стр. 890

معنى قوله: (أو علم ينتفع به) قال: [(أو علم ينتفع به)] ما هو العلم الذي ينتفع به الميت؟ هو علم الشرع الذي لا خلاف عليه، والذي مبناه على الأدلة الشرعية: كتاب، سنة، قياس صحيح، اجتهاد أو إجماع. هذا هو العلم الذي ينتفع به، لكن لا يمنع أن تكون هناك علوم أخرى غير شرعية ولكنها في خدمة الشرع، كعلم التجارة، وعلم الصناعة، وعلم الزراعة كل ذلك يلزم بناء الأمة الإسلامية وغيرها، وإن الأمة الإسلامية متى تخلفت عن هذا تخلفت عن أصل الحضارة، وتربص أعداؤها بشئون وأصول العلم، فقوله ﵊: (علم ينتفع به) يدل على مشروعية العلم الشرعي واستحبابه، بل هو من فروض الكفاية على الأمة. أما العلوم الأخرى فإنها إذا كانت لا تتعارض مع الشرع، بل تخدم الشرع وتخدم المسلمين، فربما تصل إلى درجة الوجوب، وهي من فروض الكفايات بلا شك عند أهل العلم. وقوله: (ينتفع به) احترازاً من علم لا ينتفع به كعلم السحر، فهو علم يناقض رأس الشريعة. وبعض السحرة يعمد إلى تعليم غيره، حتى إذا مات الساحر الكبير لا ينقطع علم السحر، فهل هذا يعد مما يجرى له الأجر بعد موته؟ الجواب لا، بل يجرى عليه العقوبة بعد موته؛ لأنه كان سبباً في مثل هذا. ومن المعلوم أن علم الموسيقى، وعلم المنطق والفلسفة علوم غير شرعية، وهي ليست من العلوم النافعة، بل ما دخل البلاء على أهل الإسلام إلا بترجمة كتب اليونان في صدر الدولة العباسية الثانية، وذلك عندما ترجمت كتب الفلسفة والمنطق اليونانية، ودخل علم الفلاسفة من أوسع أبوابه، فدخل الفساد في عقائد المسلمين وفي أحكامهم، وشكوا في ربهم وإلههم بسبب كلام الفلاسفة اليونانيين.

стр. 891

معنى قوله: (أو ولد صالح يدعو له) قال: [(أو ولد صالح يدعو له)] كلمة وجيزة فيها قيود. القيد الأول: أن الولد ينفع أباه، والنبي ﵊ يقول: (إن أطيب كسب أحدكم من يده، وولده من كسبه)، فالرجل ينتفع بولده كما ينتفع الولد بأبيه، وأنتم تعلمون قصة الكنز الذي كان تحت الجدار في سورة الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] وهو الجد السابع، فبسبب صلاح الآباء انتفع الأبناء من الدرجة السابعة. قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] أي: وكان جدهما السابع صالحاً، فانتفع الحفيدان في المرتبة السابعة بصلاح أبيهما أو صلاح جدهما، فكما ينتفع الوالد بولده، فكذلك ينتفع الولد بأبيه، لكن هنا بيَّن أن مناط النفع هو صلاح الولد، قال: (أو ولد صالح) فقيده بالصلاح، وهذا يدل على أن الولد الفاسد العاق العاصي لا يساوي فلساً في ميزان الشرع، ولا ينتفع به أبواه لا في حياتهم ولا بعد وفاتهم، بل ربما يكون هو مصدر للشقاء والتعاسة دوماً في حياتهما؛ ولذلك من الإيمان المطلق والتسليم التام لله عند من لم يرزق الأولاد أن يسلم لله، ويفترض أنه لو رزق ولداً غير صالح، وتاركاً للصلاة والصيام وغير ذلك، هل كان يسعد الأب بهذا الولد إذا أطلعه الله على حاله الآن؟ لا يمكن أبداً، بل كثير من الأولاد في هذا الزمان مصدر شقاء وتعاسة للوالدين، ولو علم الوالدان من أمرهما هذا قبل وقوعه لتمنيا أن لم يجتمعا أو أنهما حرما الإنجاب؛ ولذلك أمر الشرع في غير ما آية وحديث، وأكثر السلف الصالح بالاحتياط والحض على تربية الأبناء تربية صالحة. فقد ثبت أن عمر ﵁ أدَّب أباً عق ولده قبل أن يعقه ذلك الولد، بأنه لم يختر له أماً صالحة، ولم يحسن اسمه، ولم يعلمه القرآن، ولم يعلمه شيئاً من السنة، وكان الوالد قد أتى إلى عمر ليشتكي عقوق ولده، فلما أتاه الولد قال: سله يا أمير المؤمنين أليس للولد على والده حقوقاً؟ قال: بلى. قال: لم يفعل من ذلك شيئاً، إنما اختار لي أماً -في رواية: زانية-، وفي رواية: اختار لي أماً سيئة الخلق، ومعنى (سيئة الخلق) أي: زانية، وصاحبة سمعة سيئة، فهي متهمة في عرضها. قال: ولم يعلمني القرآن، وسماني كذا. وذكر اسماً لا يتناسب مع بني آدم، إنما يتناسب مع الحيوانات، فقال عمر لأبية: عققت ولدك قبل أن يعقك. قال: (أو ولد صالح يدعو) لو كان الولد صالحاً ولم يدع لوالديه، هل ينتفع به والداه؟ الجواب ربما ينتفعان، وربما كان النفع قليلاً، فإذا كان الولد صالحاً فصلاحه ينفعه هو، لكن إذا كان صالحاً ودعا فإنه يتعدى صلاحه لوالديه، ولذلك قال: (أو ولد صالح يدعو) ولم يقل: ولد صالح فقط، وفي هذا فضيلة الدعاء للوالدين وصلة الأرحام، وبر الوالدين حيين وميتين. والصدقة في الحقيقة من عموم الدعاء، والصدقة مأخوذة من أدلة أخرى، فإذا كنت تريد نصاً في الصدقات فيؤخذ من نصوص أخرى ذكرناها الآن: (أفله أجر إن تصدقت عنه؟ قال: نعم)، (أفلي أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)، فهذا من باب إثبات أن الصدقة تنفعه، وأن الدعاء كذلك من الولد الصالح ينفع، والولد الفاسد لا يذكر أبويه بدعوة في الغالب، لأنهما ليسا على باله، وقد قال النبي ﵊: (الدعاء هو العبادة)، ويقصد به: الدعاء تعبداً أو الدعاء طلباً، يعني: إما أن يدعو الإنسان الله تعبداً لا يأخذ به شيئاً، أو أنه يدعو الله تعالى لجلب نفع أو لرفع ضر، فالدعاء إما أن يكون محض عبادة لله، كما كان الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، أو دعاء يطلب به حاجة أو يرفع به مضرة. والدعاء هو العبادة كما قال ﵊، خلافاً للفظ: (الدعاء مخ للعبادة) فإنه لفظ ضعيف، وأبلغ منه: (الدعاء هو العبادة) أي: جعل الدعاء نفس العبادة وعينها، فالعبادة هي الدعاء، والدعاء هو العبادة، فلا فرق بين هذا ولا هذا؛ لأنهما اثنان لمسمى واحد. فإذا كان الولد فاسداً فهو أبعد الناس عن العبادة، إذ إن العاصي لا سبيل له إلى العبادة، وبالتالي لا سبيل له إلى الفلاح، فهو تارك للعبادة من أساسها، وإذا كان الدعاء هو العبادة فهو تارك له كذلك، فالولد الصالح إذا مات أبوه تراه يذهب في كل واد، ويطلب من فلان أن يدعو لأبيه، ويطلب من علان أن يشارك في جنازة أبيه، وأن يمكن أهل الصلاح من حضور الجنازة، فتشعر فعلاً بأن قلبه يحترق، ويحاول أن يجمع الإخوة بقدر الإمكان من هنا ومن هناك، ويأتي المساجد ويجمع الموحدين، ويجمع الإخوة الطيبين وطلاب العلم وأصحاب التقوى، ويقول: لعله يخرج من هؤلاء أربعون موحداً يشفعون فيه، بخلاف العاق الذي لم يكن لديه علم بالمساجد نهائياً، أبوه وأمه يموتان في وقت واحد، فيقال: سندفنهم الساعة السابعة، فيقول: متى دفنتم دفنتم! فهذا هو الفاسق أو ا

стр. 892

حكم إهداء قراءة القرآن للميت أما قراءة القرآن للميت قال: مذهب الشافعي والجمهور: أنها لا تلحق الميت، يعني: ثوابها لا يصل إلى الميت، وهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، ومفاد هذه المسألة باختصار وإيجاز شديد: أن المرء لو قرأ قرآناً يريد بذلك إيصال ثوابه إلى الميت، هل هذا العمل نفسه مشروع أم غير مشروع؟ مثلاً لو توفي والدي وأردت أن أقرأ ربع سورة البقرة، أنوي ثواب هذه القراءة لوالدي، هل هذا العمل مشروع؟ محل نزاع بين أهل العلم. بعضهم قال: مشروع، وبعضهم قال: غير مشروع؛ لأن هبة الثواب إلى الغير وإن كان قليلاً هي حرمان أجر العمل، أنا قلت: يا رب أنا قرأت البقرة، لا أريد ثواباً، وثوابها وهبته لوالدي، فإن قلت ذلك فإنه لن يبقى لي ثواب؛ لأني نذرت عنه، كما أن في ذلك الافتئات على الله ، والتجرؤ والتعدي على الله ؛ فما يدريني أن لي ثواباً في هذا العمل؟ وكأني أقطع على الله أنه قد أثابني، وأوجب عليه الثواب في هذا العمل، وأنتم تعلمون أن هذا هو مذهب المعتزلة، فهم يقولون بالعدل، والعدل عندهم هو وجوب إثابة الطائع، فلما كان هذا العمل في ظاهره الطاعة، فإنه يجب على الله تعالى أن يكافئ صاحبه فوراً. الأمر الثاني: وهو أن كل ما يعمله الولد من عمل صالح فوالداه شريكان معه في الأجر من غير أن ينقص من أجره شيئاً، كما قال ﵊: (إن خير مال العبد من كسب يده، وولده من كسبه)، فولدك هو أيضاً لك، فإن كنت قد ربيته على الدين والاستقامة فلا غرو أن يكون لك حظ في كل عمل يعمله ذلك الولد حتى وإن لم يقصد صرف الثواب لك، وكذلك مشاركة الوالد لك في الثواب لا تؤثر على ثوابك أنت، كما قال ﵊: (ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، فلو أن شخصاً الآن يعلم ابنه الصلاة والصيام والزكاة والحج وقيام الليل وقراءة القرآن ويأخذه إلى أماكن الفضيلة ويحصنه من الرذيلة، ويوصيه بالليل والنهار أن هذه منهجه في حياته وبعد مماته -فإن كل عمل يعمله الولد يكون في صحيفة حسنات الوالد، مع عدم تأثر صحيفة حسنات العامل الأصلي- أي: الولد، هذا بخلاف رجل سكير عربيد زان فاجر سارق يحمل ولده وامرأته وابنته على البغاء والزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك، والأولاد يفرون منه فراراً، وهو جاثم على صدورهم فما إن مات حتى استراحوا منه، والأمر كما قال ﵊: (مستريح ومستراح منه قالوا: يا رسول الله ما مستريح وما مستراح؟ قال: أما العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإذا مات العبد الفاجر استراحت منه البلاد والعباد والشجر والدواب)، أترون إلى مدى تأذي الناس منه؟ حتى الجمادات والأرض التي يمشي عليها تتأذى منه، فهذا الولد الذي منعه والده من حضور مجالس أهل العلم لا ينتفع به الوالد؛ لأنه لم يكن حريصاً على الصلاح، بل قام على ضده ونقيضه، وحمل أولياءه وأبناءه على غير الصلاح، ولكن الله تعالى وفقهم للصلاح، فلم يكن هذا من كسبه، وإنما هذا كسب اكتسبه الأولاد بتوفيق الله لهم. والذي يترجح لدي أن المرء إذا قرأ القرآن لا يجعل ثوابه لأبيه أو أمه أو لغيرهما، وإنما يعتقد أن عمله الصالح كله -بما فيه قراءة القرآن- ينتفع به الوالدان إذا كان قد رغبا في حياتهما في صلاح الولد حتى وإن لم تنصرف نية الولد إلى هبة الثواب إليهما، فإنهما إن شاء الله تعالى ينتفعان، وينتفع القارئ بذلك الثواب. والله تعالى أعلم.

стр. 893

النيابة في الصلاة فإن قيل: هل الصلاة فيها نيابة؟ الجواب الصلاة ليس فيها نيابة؛ لأنها فرض عين، فلا يجدي أن أقول لولدي: اذهب وصل أربع ركعات بالنيابة عني فأنا لا أستطيع أن أصلي! فهذا لا يصح؛ لأن الصلاة ليس فيها نيابة؛ ولذلك النووي يقول: فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه. وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة. فالصوم يقبل النيابة والدليل: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، كذلك الصدقة تقبل النيابة؛ لحديث الباب الذي بين أيدينا، والحج يقبل النيابة؛ لحديث: (يا رسول الله! إن أبي لا يثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على والدك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى) وغير ذلك من الأعمال التي تقبل النيابة، أما الصلاة فلم يرد فيها قط نص، فهي ليس فيها نيابة قط، وفروض العين لا تسقط عن صاحبها قط إلا لعلة، فالصلاة واجبة على كل مسلم ومسلمة، فإذا جن شخص من الناس هل تجب عليه الصلاة حينئذ؟ الجواب لا. وليس لي أن أصلي عنه.

стр. 894

الأعمال بين التكلف والتكليف يذكر أن الشيخ الألباني ﵀ سألته سائلة. قالت: يا شيخ! أنا دائماً أذكر عن ولدي الصغير الأدعية، فإذا عطس قلت بدلاً عنه: الحمد لله، ثم أرد عن نفسي فأقول: يرحمكِ الله، وإذا أراد النوم قرأت له أذكار النوم، وإذا قام قرأت له أذكار الاستيقاظ وهكذا، فما الحكم؟ فكان رد الشيخ ﵀: هذا تنطع منك، وتكلف بما لم يكلفه الشرع، ونحن نعلم أن التكاليف الشرعية كلها مدارها على العقل والتمييز أو البلوغ، وهذه أصول ثابتة، فالعقل احتراز عن الجنون، فالمجنون إذا أفاق من جنونه لا يطالب بالصلوات التي فاتته في أثناء جنونه.

стр. 895

باب الوقف الباب الرابع: باب الوقف. قال: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا سليم بن أخضر البصري الثقة الضابط عن ابن عون -وهو عبد الله - عن نافع الفقيه مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ قال: (أصاب عمر أرضاً بخيبر)] أي: تملك عمر ﵁ أرضاً بخيبر، وهي سهمه الذي قسم له، فخيبر فتحت عنوة، والقول بأن خيبر لم تفتح عنوة قول لا عبرة به؛ لأن النصوص كلها قاضية عليه، فـ عمر حينما فتحت خيبر وقسمت الغنائم كان من قسمه مال. قيل: هذا المال اسمه سمغ. وقيل: هي اسم للأرض التي قسمت لـ عمر ﵁. قال: [(فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها)] يعني: عمر ﵁ أتى ليستشير أهل الفضل والعلم والخير يقول: يا رسول الله! ماذا أصنع في هذه الأرض؟ [(فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟)]، هو أنفس من النفائس وهو الجودة، وفي هذا استحباب أن يتصدق الإنسان بأغلى وأنفس ما عنده، كما قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وليس مما تكرهون. قال: [(إني أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)]؛ لأنه استشاره، وأنتم تعلمون أن المستشار مؤتمن كما قال ﵊: (المستشار مؤتمن) يعني: أمين على أن يشير بالحق والخير الذي ينفع المستشير. (قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها) يعني: الأرض التي أصبتها يا عمر! إن شئت تصدقت بها مادمت استشرتني ولم تشترط، وانتفع بالناتج عنها. قال: [(فتصدق بها عمر، -وعمر اشترط فيها- فقال: أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع)]، يعني: حتى لو أن أحداً عرضها للبيع يحرم على من علم أنها وقف أن يشتريها، وطبعاً هذا الحكم في كل الوقف، وللأسف الشديد جداً أننا نذهب إلى مكتبات إسلامية عريقة فنجد الكتب مكتوباً عليها: وقف لله تعالى لا يجوز بيعها ولا شراؤها، وتجدها معروضة في المكتبات للبيع، فتقول له: يا أخي! اتق الله، يقول: أنا اشتريتها. قال: [(أنه يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث -يعني: ممنوع على عبد الله بن عمر وغيره أن يأخذوا منه شيئاً- ولا يوهب. قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب)]، والقربى أي: قرابة عمر من الفقراء وهم أولى، وفي هذا فضيلة الحث على صلة الأرحام. قال تعالى: ﴿وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠]. قوله: (وفي الرقاب) أي: الإماء والعبيد، حينما يريدون أن يعتقوا فلاناً وهناك فائض من ريع هذه الأرض فإنه لا بأس أن يشترى فيه الرقاب فتعتق. قال: [(وفي سبيل الله -أي: في الجهاد- وابن السبيل -الذي انقطع به الطريق فهو محتاج وإن كان غنياً- والضيف. لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف)] يعني: الذي يقوم عليها بزراعتها وبحصادها ويثمرها لا بأس أن يأكل منها بالمعروف، أي: يأخذ منها بغير زيادة، يعني: لا يحق له أن يخزن منها، مثل مال اليتيم بالضبط؛ فإن مال اليتيم تأكل منه سد رمقك فقط، فلو أن عندك يتيماً فإنك تأكل من ماله بالمعروف، إذا احتجت إلى ذلك واضطررت إليه، وهكذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم، كانوا يأكلون من أموال اليتامى نصف ما يأكلونه من أموالهم أنفسهم؛ لأن هذا جاء على غير أصل، والأصل ألا يأكل، كالذي يكون في الصحراء بالضبط، فإما أن يشرب الخمر، وإما أن يهلك عطشاً، فلابد من أن يشرب، ولكن يشرب ما يبل به رمقه فقط، كذلك لحم الخنزير عند الاضطرار، يجب أكله، وإلا كان الإنسان منتحراً إذا مات، فيأكل قطعة يسيرة تذهب الجوع، وهكذا مال الوقف للقائم عليه والعامل عليه أن يأكل منه بالمعروف. قال: [(أو يطعم صديقاً غير متمول فيه أو غير متأثل فيه)] والمعنى واحد، (غير متمول) أي: غير جامع لهذه الأموال حتى يكون له أصل مال.

стр. 896

فوائد من حديث عمر في باب الوقف وهناك أصل من الأصول فيما يتعلق بالوقف، وهو أنَّ الوقف على شرط الواقف، فحينما أقول لك: خذ يا فلان! ألف جنيه ووزعها على الأيتام، وذهبت فوزعتها على أبناء السبيل، هل يجوز؟ لا يجوز. وقس على هذا. فإذا أنا أوقفت المال على طلاب العلم فلا يجوز صرفه للأيتام، وإذا كان على الأيتام فلا يجوز لغيرهم وهكذا؛ لأن الوقف على شرط الواقف. وفيه كذلك: أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، إنما يتبع فيه شرط الواقف، وفيه: صحة شروط الواقف، وفيه: فضيلة الوقف. وهي الصدقة الجارية. فالوقف هذا كان من قبل تجده مصدر غنى وثروة عظيمة من ثروات المسلمين، أما الآن فيكاد الوقف ينعدم من الأمة، وبلا شك أن هذه مسئولية الأغنياء ومسئولية وزارة الأوقاف؛ لأن وزارة الأوقاف الدافع إلى وجودها: رعاية الأوقاف من سائر الأموال: أرض، وعقار، وتنقلات، ومساجد، ودور للأيتام وغير ذلك، فالأصل في كل هذا أن المتسلط عليه هو وزارة الأوقاف. لكن الآن لو أراد شخص أن يوقف شيئاً يخاف؛ لأن الوزارة ممتلئة بالذين لا يخافون الله والأكّالين للأموال، وقد مات النبي ﷺ ولم يترك شيئاً، لكن فرضاً لو أنه كان للنبي ﵊ مال كان أول المؤجرين له هم وزارة الأوقاف، فهذه الوزارة الآن قائمة قياماً عظيماً في الصد عن سبيل الله ؛ مما جعل الناس يخافون أن يساهموا بشيء، فكم من شخص يريد أن يبني مسجداً، ولكنه يتردد خائفاً بسبب ما يحصل في هذه الوزارة، وهذه الوزارة مسئولة أمام الله. وأنا لديَّ مكتبة في مسجد العزيز، وأنا في الواقع أريد أن أوقفها، وقد منّ الله عليّ بها. وهي منّة عظيمة جداً، وفيها من الكتب ما ليس عند مئات من طلاب العلم، إذ يبلغ ثمنها حين قُدّرت منذ عشر سنوات (٦٠٠. ٠٠٠) جنيه، وقد زدت فيها كثيراً، وقد أوقفتها على مسجد العزيز، لكنني خائف أن تبيعها وزارة الأوقاف، ولو كان الأمر مستتباً والحقوق محفوظة، والوقف على شرط الواقف، وانتقل المسجد للداخلية، وهم يحفظون شرطي لأوقفت في هذه الليلة المكتبة على مسجد العزيز، فإنه لا بأس أن ينتفع بها الناس، لكن إذا دخلت في الأوقاف فإنه لا يمكن الانتفاع بها حتى تبلى. إن مكتبة المسجد التي توليت أمرها منذ خمسة عشر عاماً مفتوحة بالليل والنهار، واعترضوني عدة مرات بأن الكتب سُرقت، قلت: دعها لتسرق، فإن الذي يسرق الكتاب إما أن يبيعه بعشرة جنيهات لمن يعرف قيمته فينتفع به، وإما أن يأخذه هو لينتفع به، المهم أنك أوقفت للقارئ مع وجود الإثم أو عدم وجوده. والله العظيم أني وجدت امرأة تبيع أجزاء من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية أمام الجمعية الشرعية في المنصورة سنة (١٩٨٤) أو (١٩٨٥) فقلت لها: يا امرأة! لماذا تبيعين هذه الكتب؟ قالت: ابني تركني وغاب عني بضعة أشهر ولم يرسل لي نقوداً، فقلت لها: الكتاب بكم؟ قالت لي: الكتاب بجنيه، فأخذت منها سبعة وعشرين مجلداً، وقالت لي: منه عندي مجلدات من المطبوع، ومجلدات لفتح الباري، ومجلدات لـ مسلم، وعندي مصاحف. المهم واشتريت منها المكتبة ونقلتها إلى بيتي، وتابعت وصول صاحبها، حتى وصل إلى المنصورة، وطبعاً علم أن المكتبة قد بيعت، ومن كمده كاد يموت، وتعرفت أنه من الأساتذة الشرعيين فتركت له رسالة في المسجد، إذا أتى فليتصل بالهاتف الفلاني، أو يأتي إلى المسجد الفلاني، وأتاني إلى قريتي وقال: أنا أشكرك لأنك حفظت المكتبة، فقلت له: أنا اشتريت المكتبة. أتريد أن تشتري مني؟! إن المكتبة التي بيعت أحفظها لك في البيت، فأعطني نقودي وخذ مكتبتك. والله العظيم أستاذ كبير جداً من أساتذة العيون المرموقين المعدودين في مصر، فعندما مات كان الوارث ابنه، فباع الكتب الزكية الكتاب بأربعين قرشاً، وأحد إخواننا مر بهذا البائع وهو يعرفه فوجده يبيع كتباً مكتوباً عليها: مكتبة الأستاذ الدكتور فلان، وكان هذا الأخ أستاذ لغة عربية، وقد درّس هذا الولد اللغة العربية، فأعطى الأستاذ الولد ستين جنيهاً، وحمل الكتب وهي خمسة وستون مجلداً، والله رأيتها بعيني، ودفعه إلى صبي غير مكلّف على اعتبار أن هذا الصبي يعمل طبيباً متخصصاً، فيدفعه إليه ليشتري؛ لأنه لن ينتفع بها، فهي كتب كلها متخصصة في جراحة العيون وغير ذلك. المهم هذا الأخ الذي اشتريت المكتبة من أمه عندما قدِم وقال ما قال من كلام طيب مريح، قلت له: أنا أعطيك هذه المكتبة على أن تتزوج أختي. قال: أفعل. وفرح بذلك، وفرحت به فكان خير زوج لأختي، وهو إلى الآن بحمد الله تعالى طالب علم محافظ على دينه وصلاحه واستقامته. وأسأل الله تعالى أن يتقبّل منا ومنكم، ويرزقنا وإياكم الصلاح والتقوى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 897

الأسئلة

стр. 898

الفرق بين عقيدة الأشاعرة وعقيدة أهل السنة السؤال أرجو منكم بيان الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الأشاعرة، وقد يكون من الأشاعرة بعض المعلمين سواء في الأزهر أو في معهد الدعوة أو غير ذلك؟ الجواب معظم المعلمين في العقيدة في الدراسات النظامية أشاعرة وماتريدية، وهم يعتقدون أن أهل السنة ما هم إلا خليط الأشاعرة والماتريدية، بل ويصرون على الإثبات بأنهم أهل السنة وليسوا كذلك، بل هم من أهل السنة فقط، أما أهل السنة فلهم أصول، وهذه الأصول استنادها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵊. فإن كنت تريد أن تأخذ خطوط عريضة لمعتقدات الأشاعرة والماتريدية، فهذا أمر يصعب ذكره، وعلى أية حال أنتم تعلمون أننا نتناول أثناء تدريس كتب العقيدة، سواء كان في هذا المسجد في كتاب أصول الاعتقاد للالكائي أو في كتاب الإبانة في مسجد العزيز يوم الأحد في كل أسبوع للإمام ابن بطة، وطبعاً تلخيص ذلك أمر يصعب جداً.

стр. 899

حكم العمل على (الأتوبيس) السؤال ما حكم العمل على (الأتوبيس) بعد الانتهاء من العمل الأول لقلة الراتب، حيث إن راتب الشركة ضعيف؟ وما حكم طالب الأجر أكثر مما عمل بعد ذلك؟ وما حكم ركوب الخريجات والخريجين مع بعضهم البعض؟ الجواب كل هذا يبث فتناً، لكن على أية حال أصل السؤال هل يجوز العمل على (الأتوبيس)؟ الجواب نعم. يجوز، وإن كان السائق يتعرض لفتن عظيمة جداً في ركوب الخريجات والخريجين وغيرهم، لكن على أية حال أصل العمل مشروع، وليتحر السائق في الراكب الذي معه، ويحاول ألا تركب معه المرأة المتبرجة وغيرها.

стр. 900

ما يلزم من كان لديه مسروقات بعد التوبة السؤال سمعت من أحد الناس أنه قد أخذ من عمله مبالغ لا يستحقها وهو يعتبرها سرقة، ولكنه لا يعرف كيف يعيدها، وكذلك لا يستطيع إخراجها جملة واحدة، فهل يمكنه أن يخرجها على فترات، كل شهر: مبلغ كذا مثلاً، وذلك في صدقات على الناس؟ الجواب لا. يا أخي الكريم! إذا كنت سرقت من مكان معين، فإنما يلزمك لصلاح التوبة أن تدفع هذا المال إلى صاحب المكان الذي سرقت منه، إلا أن يعفو عنك، أو يأذن في إخراج الصدقات على النحو الذي يرتضيه ويتناسب معه، أما أن تسرق مني، ثم تذهب لتتصدق بما سرقته، فإنك لا تفرق كثيراً عن أم كلثوم حينما قالوا لها: الغناء حرام. قالت: أنا لا أغني إلا في القاعات، فهذا عذر أقبح من ذنب، تسرق لتتصدق؟! هذا أمر عجيب!

стр. 901

إخوة يوسف أنبياء كما أثبت ذلك القرآن الكريم السؤال كنت تكلمت في قصة سابقة عن الأنبياء، وكيف أن لهم هفوات صلوات الله وسلامه عليهم، فتاب الله عليهم منها، وذكرتم أن إخوة يوسف ﵇ كانوا أنبياء، فما الدليل على ذلك؛ بالرغم من شروعهم في قتل يوسف، والكذب على أبيهم؟ الجواب كل هذا قبل أن يكونوا أنبياء، ونحن قلنا: إن العصمة في الأنبياء من الكبائر تكون بعد البعثة، أما قبل البعثة فبعضهم وقع، وإخوة يوسف هم الأسباط، وأسباط يوسف ذُكروا في القرآن عدة مرات على أنهم أنبياء، إذاً: فهم أنبياء.

стр. 902

معنى الشرك الخفي السؤال ما هو الشرك الخفي؟ الجواب هو الرياء، وفي الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده: (الرياء هو الشرك الخفي)، وفي رواية: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قيل: ما هو يا رسول الله؟ قال: الرياء)، وفي رواية: (فإنه محبط للعمل).

стр. 903

إقامة الحد أو العقوبة أو الحجة على العاصي السؤال كيف نعلم أننا أقمنا الحجة على العاصي؟ الجواب لا. يا أخي الكريم! ليست إقامة الحجة لك، إقامة الحجة إما من سلطان ممكن، أو عالم ممكن، فهذان هما اللذان لهما الحجة، أما غيرهما فلا، إلا إذا أتاك وسألك أن تعلمه، يعني: جلس بين يديك مجلس الجاهل وقال لك: علمني أنا جاهل، فتعلمه أن الزنا حرام، وأن السرقة حرام، وأن شرب الخمر حرام، وتنقل له أدلة الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، فإذا علم وقنع بهذا العلم فقد قامت الحجة عليه بغير السلطان، أما الذي يريد أن يقيم عليه الحجة؛ لأنه بعد إقامة الحجة إن عاند وجحد يترتب على ذلك قتله أو نفيه، أو غير ذلك من الأحكام الشرعية، فهذا لا يكون إلا على يد عالم ممكن أو سلطان ممكن، وإقامة الحجة تستلزم استتابته ثلاثة أيام، يحبس في السجن، ويقال له: الحكم كيت وكيت وكيت، وهذا حرام مجمع على حرمته، والأدلة كيت وكيت، أمامك ثلاثة أيام إما أن تتوب وإما قتلناك وإما السجن. كما أن ترك الصلاة محل نزاع بين أهل العلم فيمن ترك الصلاة كسلاً، أما من تركها جحوداً فهو كافر بالإجماع، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، لكن لو أنه لا يصلي ويقول: الله يهديني، وادع لنا، فإننا نأتي به إلى السلطان، والسلطان سيضعه في الزنزانة، ويقول: يا بني! ترك الصلاة كفر، وقد وردت الأدلة وتظاهرت على أنه كفر، فأنت تقول له: إما أن تصلي وإما قتلناك يوم الخميس الساعة العاشرة صباحاً، فتصور أن هذا الإنسان يقعد الإثنين والثلاثاء والأربعاء في الزنزانة لا يصلي، وهو يعلم أنه سيقتل يوم الخميس، فهذا مجنون. يقال له: لم لا تصلي؟ يقول: مزاج، ففي مثل هذه الظروف اختلف أهل العلم فيما لو استتيب فلم يتب فقُتل، هل يُقتل ردة أم حداً؟ فالصحابة يقولون: يُقتل ردة؛ لأن مذهب معظم الصحابة أن تارك الصلاة عموماً كافر، ولم يفرقوا بين كونه جاهلاً أو غير جاهل. هما سواء، وهذا طبعاً وارد في حديث أبي وائل الكوفي شقيق بن سلمة. قال: ما كان الصحابة يعدون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة، فلماذا خص هذا الفرض بهذا القيد العظيم جداً، فهذا نص مخيف جداً.

стр. 904

إقامة الحد ليس ركناً في التوبة السؤال لو أن عبداً ارتكب ذنباً وتاب منه، وهذا الذنب والابتلاء يستوجب الحد، فهل هذا مشروع وركن في التوبة؟ الجواب ليس إقامة الحد ركناً في التوبة، وإذا كان هو أصل التوبة وبديلها، فإن البدل قام مقامه وهو التوبة، يعني: قلنا العبد ارتكب ما يوجب حداً، لكنه لم يُحد وإنما تاب بينه وبين الله ، فالتوبة تمحو الحد، يعني: لا يطالب بإقامة الحد عليه، بل يحاسبه الله تعالى يوم القيامة على الذنب وعلى عدم إقامة الحد عليه؛ لأن التوبة تجب ما كان قبلها.

стр. 905

حكم خلع النظارة في الصلاة السؤال ما حكم خلع النظارة في الصلاة؟ الجواب لا بأس به. لا يؤثر على صحة الصلاة، وإن كان هذا يتنافى مع القنوت للصلاة. قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: خاشعين متذللين، وأنتم تعلمون أن كثرة الحركة تؤدي إلى بطلان الصلاة، واختلف أهل العلم في الحركة المبطلة للصلاة: كيف هي وكم هي؟ فقالوا: ثلاث حركات تبطل الصلاة، وقالوا: أكثر من ذلك، وابن قدامة يقول: ومرد ذلك إلى عرف الناس، فإذا تعارف الناس أن من تحرك ثلاث حركات أو أربع حركات تبطل صلاته، فحينئذ يحكم على صلاته بالبطلان. وهذه مسألة مهمة جداً، وفيها مخرج لكثير من عادات بعض الشعوب، فمثلاً الشعب السعودي أثناء الصلاة ترى السعودي في حركة مستمرة، فيضع العقال ثم يرفعه وهكذا، ثم ينظر إلى الساعة، ثم يقبض على رأسه إلى غير ذلك، فهم تعارفوا على أن هذا لا يبطل صلاته، أو مثلاً واحد كان يصلي مأموماً في آخر المسجد، وبينه وبين العمود حوالي عشرة أمتار، وهو ممن يذهب إلى أن اتخاذ السترة واجب، وعلى المذهب الراجح: أن السترة سنة مؤكدة وليست واجبة؛ لحديث ابن مسعود وحديث ابن عباس، وهما في البخاري. فهذا الذي صلى مسبوقاً بالإمام يريد أن يتخذ لنفسه سترة، فتراه يتقدم حتى يصل إلى العمود، فدخل رجل من الخارج ونظر إلى هذا الذي يصلي في المسجد ورآه يتقدم ويمشي فأيقن أنه ليس في صلاة، وإنما يلزمه أن يمشي خطوة أو خطوتين.

стр. 906

الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والصبر عليها السؤال يقول بعض الإخوة: خطباء الجمعة يريدون ترك هذه الدعوة خوفاً من السلطة، هل يكون آثماً؟ الجواب يا أخي! يكفيك أنك تحمل دليلاً شرعياً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فتكلم كلاماً طيباً واخطب، إذا كنت صاحب دعوة فأنت مكلّف بهذا.

стр. 907

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - فيمن أحب لقاء الله وفضل مجالس الذكر إن مصيبة الموت لا تعدلها مصيبة، وكل بني آدم لا محالة ميتون، لكن العبد المؤمن إذا اقترب أجله وحانت منيته أقبل على ربه وتمنى لقاءه، وفرح بالانتقال إلى جواره، أما العاصي فإنه يكره لقاء ربه، ويتمنى أن لو امتد به العمر حتى لا يواجه ما أسلف، ولا يعاين ما قدم بين يدي موته من العمل.

стр. 908

تابع باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد جاء في الصحيح أن عبادة بن الصامت ﵁ دخل السوق بدمشق، فرآهم يبيعون الذهب بالذهب مفاضلة يعني: يبيعون جراماً بجرامين، أو ثلاثة جرامات بستة جرامات، وهذا ربا، فلابد أن يكون الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، وقد قال رسول الله ﷺ : (فمن زاد أو استزاد فقد أربى). يعني: من أعطى زائداً، أو طلب زائداً فقد قارف الربا. فلما رآهم على ذلك عبادة أنكر عليهم، ومر معاوية بالسوق، فوجد عبادة ينكر على أهل السوق بيعهم وشراءهم على هذا النحو، فقال: إنا لا نحسب إلا هذا، وكأن معاوية يقول: لم نسمع هذا من النبي ﵇. فقال عبادة: أنا أقول لك قال رسول الله، وتقول: ما سمعناه؟! والله لا أساكنك في أرض أنت بها. ثم أخذ عبادة سوطه وانطلق إلى المدينة، فقال عمر: ما جاء بك؟ قال: لقد حدث كيت وكيت، هذا الذي جاء بي. فقال: ارجع قبح الله أرضاً لست بها. فانظر إلى قول عمر: قبح الله أرضاً لست بها. لم يقل له: أنت متزمت ومتشدد. وكتب رسالة مع عبادة إلى معاوية: يا معاوية! لا إمرة لك على عبادة. وعبادة بن الصامت هو راوي حديث: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، حيث قال عبادة: [إن نبي الله صلى الله وعليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه). وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر - وهو المعروف: بـ غندر - حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن عبادة بن الصامت عن النبي ﵊. مثله]. قال: [حدثنا محمد بن عبد الله الرزي -وهو من الأرز، فالنسبة رزي أو أرزي، وفي كتاب الأنساب: الرزي نسبة إلى بيع الرز. وقيل: أرزي لأن الرز أصله: أرز- حدثنا خالد بن الحارث الهجيمي حدثنا سعيد - ابن أبي عروبة البصري - عن قتادة] إذا روى سعيد عن قتادة فإنه سعيد بن أبي عروبة البصري لا أحد غيره. [حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقلت: يا نبي الله! أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت)]. والمعنى: أن المرء إذا لقي الله لابد أن يموت فكلنا نكره الموت، إذاً: هو يكره لقاء الله، والفوز بالجنة متعلق بالموت؛ فكلنا يكره الموت، [فقال: (ليس كذلك)] ليس هذا معنى الحديث. [قال: (ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله)] وهذا يكون في ساعة الاحتضار والغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، تأتيك الملائكة فيقولون لك: انظر إلى مكانك في النار فتنظر إليه قبل أن تخرج الروح فيقولون: (هذا مكانك في النار غير أن الله تعالى أبدلك به مكانك في الجنة فانظر إلى مكانك في الجنة) فتنظر إلى مكانك في الجنة، فحينئذ تفرح بلقاء الله . أما العبد الفاجر الكافر فتأتيه الملائكة فيقولون: انظر إلى مكانك في الجنة، فينظر فيفرح بذلك، فيقولون: غير أن الله تعالى أبدلك به مكانك في النار، فينظر إلى مكانه في النار فيكره الموت، وهذه الكراهة هي كراهة لقاء الله . قال: [(ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه). حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن بكر - وهو المعروف بـ الجرجاني أبو عثمان البصري - حدثنا سعيد عن قتادة بهذا الإسناد]. والإسناد السابق يعني: قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة. [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر -وهو القرشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ الكبير- عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - عن الشعبي -وهو عامر بن شراحيل - عن شريح بن هانئ] وهو أبو المقدام الكوفي ثقة مخضرم. ومعنى مخضرم: أسلم في حياة النبي عليه الصلا

стр. 909

كلام النووي في شرح أحاديث باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قال: (ومعناه: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند نزع الروح في حالة لا تقبل فيها توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو سائر إليه وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله؛ لينتقلوا إلى ما أعد الله لهم، ويحب الله لقاءهم، فيجزل الله لهم العطاء والكرامة. وهو تفسير لمحبة الله. أي: يجزل لهم العطاء والكرامة). إذاً: فسر النووي المحبة بالعطاء والكرامة. قال: (وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم). أي: يبعدهم عن رحمته وكرامته. فمعناه: أنه فسر كراهة الله للكافرين بالحرمان من الثواب، والطرد من الرحمة والكرامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا تأويل فاسد؛ لأن الله ﵎ يحب ويكره، والمحبة ثابتة له، والكراهة ثابتة له، لكنها محبة تليق بجلاله وكماله، وكراهة تليق بجلاله وكماله، لكنهم أولوا ذلك لأن الواحد لما يكره يحصل له انفعالات نفسية وتغير في الدورة الدموية وشعور بالهم والحزن، فهم يتصورون أن الكراهة في حق الله تستلزم هذا، فلما كان هذا محال في حقه ﵎ يلزم تأويل الكراهة على غير الكراهة المعروفة لدينا، وهذا ليس بلازم، وإنما الذي يلزم من ذلك: إثبات الكراهة لله، والفضل لله، لكن على القدر اللائق بالله . وأنتم تعلمون أن صفة الحب والكراهية والبغض ثابتة لله ، كما في قوله ﵊: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها). وحصل تأويل لهذا الحديث من الإمام النووي، ونقل كلام العلماء تأويلاً. وشيخ الإسلام ابن تيمية يحذر تحذيراً أكيداً فيما يتعلق بالحب والبغض والكراهة وغير ذلك فيقول: إن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبت محبة الله لعباده المؤمنين، ومحبتهم له؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٢٤]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]. وقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. وقوله: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. وقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]. وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). قال ابن تيمية: (وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الخلفاء ﵇. يعني: هذا أصل دين إبراهيم وأصل الحنفية السمحاء. فنثبت لله تعالى المحبة والكراهة والبغض كما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تأويل، ونفوض كيفية ذلك إلى الله .

стр. 910

باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا يعني: أن يقول: يا رب! إذا كان مقدر لي عقوبة في الآخرة فعجلها لي في الدنيا. قال: [حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد -وهو ابن أبي حميد الطويل - عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس: (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ). خفت يعني: ضعف وهزل، لم يبق إلا قليل من الجلد على العظم من فرط ما نزل به من ضر ومرض حتى صار كالفرخ. [فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه -وهذا علم من أعلام النبوة- قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا)]. هذا بيت القصيد وموطن الفرج. [قال النبي ﵊: (سبحان الله! سبحان الله! لا تطيقه). فهذا اعتداء في الدعاء، وقال: (لا تطيقه) يعني: لو كان ربنا تقبل منك دعاءك والله لا تطيقه في الدنيا. وفي رواية: (لا تستطيعه) ثم أخذ يعلمه كيف يدعو. [قال: (أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)]. فدعا الرجل بها فشفاه الله. أي: فدعا الرجل المريض بهذا الدعاء: (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، فشفاه الله . [حدثنا عاصم بن نضر التيمي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا حميد بهذا الإسناد إلى قوله: (وقنا عذاب النار). ولم يذكر الزيادة. وحدثني زهير بن حرب حدثنا عفان بن مسلم الصفار حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من أصحابه يعوده وقد صار كالفرخ. بمعنى حديث حميد غير أنه قال: (لا طاقة لك بعذاب الله). ولم يذكر. فدعا الله له فشفاه]. وفي هذا الحديث: النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، بل يطلب من الله العفو والعافية. وفيه: فضل الدعاء بهذا الدعاء الثابت: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). وفيه: جواز التعجب بقول: (سبحان الله). وفيه: استحباب عيادة المريض والدعاء له. وفيه: كراهة تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه، وربما شكا الله لخلقه: وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية. وتفسير: (وفي الآخرة حسنة) الجنة والمغفرة، هذا أصح الأقوال فيها، وإلا ففيها أقوال كثيرة جداً منها: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي: الزوجة الصالحة، (وفي الآخرة حسنة) يعني: الجنة والمغفرة. والمختلف فيه هو الحسنة في الدنيا. قيل: هي الزوجة الصالحة. وقيل: هي التقوى. وقيل: هي العلم. وقيل: هي العافية. وقيل: هي الطاعة، ولا يمنع أن تحتمل الآية جميع هذا.

стр. 911

باب فضل الدعاء بـ (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) قال: [حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -يعني: ابن علية - عن عبد العزيز بن صهيب البصري عن أنس أو قال: (سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟)]. يعني: ما هي أكثر دعوة كان يدعو بها النبي ﵊، يسأل أنساً؛ لأنه كان خادم النبي ﵊ وهو أعلم بحال مخدومه. قال: [(كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعا -أي: بدعاء كثير- دعا بها فيه أدخل هذا الدعاء في دعائه). وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس كان النبي صلى الله وعليه وسلم يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)].

стр. 912

باب فضل مجالس الذكر قال: [حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا بهز - وهو ابن أسد العمي - حدثنا وهيب - وهو ابن خالد - حدثنا سهيل بن أبي الصالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة)] يعني: سياحاً يسيرون في الأرض ويسيحون فيها. قال: [(إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلاً)] ومعنى فضلاً أي: غير مكلفين بمهمة معينة، فلا هم من ملائكة الحساب، ولا كُتَّاب الأعمال، ولا من المكلفين بالجبال ولا المطر ولا غير ذلك، فهم فضلة الملائكة، أخذوا على أنفسهم أن يسيحوا في الأرض فإذا وجدوا مجلس علم اجتمعوا فيه. قال: [(فضلاً يتبعون مجالس الذكر)]. وفي رواية: (يبتغون) أي: يطلبون مجالس الذكر ويبحثون عنها. قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم)]. ليس كذكر الصوفية والدروشة والتمائم والتبختر، بل هو ذكر الله تعالى. أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا)]. أي: أن هذا الحف رأسي. أي: يقعدون بعضهم فوق بعض حتى يكون أعلاهم عند أول سماء الدنيا، كل هذا من أجل مجلس علم، حتى تعرفوا منزلة العلم، فهو أشرف مطلوب يمكن أن يطلبه الإنسان، فطلب العلم له مناقب وشمائل لا يمكن أن تجتمع في أي شيء آخر. قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم؛ حتى يملئوا ما بينه وبين السماء الدنيا)]. قرأها بعض الرواة: (وحض) أي: وحض بعض الملائكة بعضاً. والحض: الحث على الحضور، وفي رواية: (وحط) يعني: حط بعضهم على بعض حتى بلغوا السماء الدنيا، كل هذا لفضل العلم وأهله. قال: [(فإذا تفرقوا)] أي: فإذا تفرق الناس عن مجلس العلم [(عرجوا وصعدوا إلى السماء -أي: الملائكة- فيسألهم الله وهو أعلم بهم)] بعد أن يلتقوا بمجلس العلم وطلابه يلتقون بالله . قال: [(فيسألهم -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك -اللهم إنا نسألك الجنة- قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا. أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك)] يعني: يستعيذون بك، ويطلبون منك الأمان. قال: (ممَّ يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري)] اللهم إنا نعوذ بك من النار. [(قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم)] اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا [(فيقول: قد غفرت لهم. فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. قال: فيقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء)]. هؤلاء كلهم صالحون فيهم واحد شقي، خطاء [(إنما مر فجلس معهم)] أي: كان يمشي فجلس معهم. قال: [(فيقول الله: وله غفرت. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)]. يقول الإمام: (في هذا الحديث فوائد: منها: فضيلة الذكر. وفضيلة مجالس الذكر، والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم في الذكر، وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم). وقوله: (وبركتهم) هذا مذهب مرجوح إن لم يكن فاسداً. قال: (قال القاضي عياض: وذكر الله تعالى ضربان -يعني: نوعان- إما ذكر بالقلب، وإما ذكر باللسان، وذكر القلب إما أن يكون سراً أو جهراً أحدهما -وهو أرفع الأذكار وأجلها-: الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه). ثم يقول: (ويشهد لذلك حديث: (خير الذكر الخفي)). لكنه حديث ضعيف. قال: أحسن أنواع الذكر هو: ذكر بالقلب على جهة التدبر والتأمل في ملكوت الله ، في سماواته وأرضه ونجومه وقمره وشمسه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ومن يتدبر في آيات الله وفي خلقه وفي كونه يوقن أن لهذا الكون إلهاً مدبراً؛ لأنه لا يمكن أن يأتي هكذا بالصدفة كما يقول الدهريون، فالخالق هو الله ، وهذا الخلق كله بصنع الله وخلقه وتدبيره، فالذي يتدبر في الكون يجد العجائب. أذكر أنه كان لديَّ سلحفاة، وكنت أكره وجودها في البيت، لكن الأولاد يحبونها، وكنت مشفقاً عليها من الجوع والعطش، فبينما أنا كذلك أخذت أقرأ في كتاب عن حياة السلحفاة فوجدت أن السلاحف تستطيع أن تمتنع عن الطعام والشراب من أربعة أشهر إلى ستة أشهر!

стр. 913

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر للذكر فضل عظيم عند الله تعالى، فإن الله يضاعف به الحسنات ويمحو به السيئات، والاجتماع على الذكر وتلاوة القرآن له أيضاً فضل عظيم وفوائد جمة، فهو سبب لتنزل الرحمات، وحضور الملائكة لتلك الجلسات، ومباهاة الله ملائكته بأولئك القوم الذين انقطعوا لذكره، ومن أوى إليهم آواه الله، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

стр. 914

فضل التهليل والتسبيح والدعاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن الباب العاشر وهو في فضل التهليل والتسبيح والدعاء، وفيه: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، وحطت عنه -أو ومحيت عنه- مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)]. وفي رواية: قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحداً قال مثلما قال أو زاد عليه). والزيادة إما أن تكون في العدد أو في الوقت. وقال النبي ﵊: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل) ﵇. وقال النبي ﵊ فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). هذا آخر حديث في صحيح البخاري، ختم به البخاري صحيحه، وفيه: من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتسبيحه وتوجيه الحمد إليه دون سواه . وفيه غير ذلك من الفوائد وقد ذكرناها في الدرس الماضي. وقال النبي ﵊: [(لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)]. وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: [(أن أعرابياً قال للنبي ﵊: علمني كلاماً أقوله. قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. قال الأعرابي: هؤلاء لربي فما لي؟)]. أي: هذه الكلمات مدح وثناء وتمجيد وتعظيم لله، فهذا حق الله علي، فماذا لنفسي؟ قال النبي ﵊: [(قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني)]. وفي حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً قال: [(كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة)].

стр. 915

باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر الباب الحادي عشر: قال الإمام النووي: (باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر):
следующие страницы →