Полный текст (2 103 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
باب فضل الدعاء بـ (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)
قال: [حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل -يعني: ابن علية - عن عبد العزيز بن صهيب البصري عن أنس أو قال: (سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟)].
يعني: ما هي أكثر دعوة كان يدعو بها النبي ﵊، يسأل أنساً؛ لأنه كان خادم النبي ﵊ وهو أعلم بحال مخدومه.
قال: [(كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
قال: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها فإذا أراد أن يدعو بدعا -أي: بدعاء كثير- دعا بها فيه أدخل هذا الدعاء في دعائه).
وحدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس كان النبي صلى الله وعليه وسلم يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)].
стр. 912
باب فضل مجالس الذكر
قال: [حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا بهز - وهو ابن أسد العمي - حدثنا وهيب - وهو ابن خالد - حدثنا سهيل بن أبي الصالح السمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة)] يعني: سياحاً يسيرون في الأرض ويسيحون فيها.
قال: [(إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلاً)] ومعنى فضلاً أي: غير مكلفين بمهمة معينة، فلا هم من ملائكة الحساب، ولا كُتَّاب الأعمال، ولا من المكلفين بالجبال ولا المطر ولا غير ذلك، فهم فضلة الملائكة، أخذوا على أنفسهم أن يسيحوا في الأرض فإذا وجدوا مجلس علم اجتمعوا فيه.
قال: [(فضلاً يتبعون مجالس الذكر)].
وفي رواية: (يبتغون) أي: يطلبون مجالس الذكر ويبحثون عنها.
قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم)].
ليس كذكر الصوفية والدروشة والتمائم والتبختر، بل هو ذكر الله تعالى.
أي: بالعلم النافع والعمل الصالح.
قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا)].
أي: أن هذا الحف رأسي.
أي: يقعدون بعضهم فوق بعض حتى يكون أعلاهم عند أول سماء الدنيا، كل هذا من أجل مجلس علم، حتى تعرفوا منزلة العلم، فهو أشرف مطلوب يمكن أن يطلبه الإنسان، فطلب العلم له مناقب وشمائل لا يمكن أن تجتمع في أي شيء آخر.
قال: [(فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم؛ حتى يملئوا ما بينه وبين السماء الدنيا)].
قرأها بعض الرواة: (وحض) أي: وحض بعض الملائكة بعضاً.
والحض: الحث على الحضور، وفي رواية: (وحط) يعني: حط بعضهم على بعض حتى بلغوا السماء الدنيا، كل هذا لفضل العلم وأهله.
قال: [(فإذا تفرقوا)] أي: فإذا تفرق الناس عن مجلس العلم [(عرجوا وصعدوا إلى السماء -أي: الملائكة- فيسألهم الله وهو أعلم بهم)] بعد أن يلتقوا بمجلس العلم وطلابه يلتقون بالله .
قال: [(فيسألهم -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك.
قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك جنتك -اللهم إنا نسألك الجنة- قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا.
أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك)] يعني: يستعيذون بك، ويطلبون منك الأمان.
قال: (ممَّ يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا.
قال: فكيف لو رأوا ناري)] اللهم إنا نعوذ بك من النار.
[(قالوا: ويستغفرونك.
قال: فيقول: قد غفرت لهم)] اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا [(فيقول: قد غفرت لهم.
فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا.
قال: فيقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء)].
هؤلاء كلهم صالحون فيهم واحد شقي، خطاء [(إنما مر فجلس معهم)] أي: كان يمشي فجلس معهم.
قال: [(فيقول الله: وله غفرت.
هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)].
يقول الإمام: (في هذا الحديث فوائد: منها: فضيلة الذكر.
وفضيلة مجالس الذكر، والجلوس مع أهله وإن لم يشاركهم في الذكر، وفضل مجالسة الصالحين وبركتهم).
وقوله: (وبركتهم) هذا مذهب مرجوح إن لم يكن فاسداً.
قال: (قال القاضي عياض: وذكر الله تعالى ضربان -يعني: نوعان- إما ذكر بالقلب، وإما ذكر باللسان، وذكر القلب إما أن يكون سراً أو جهراً أحدهما -وهو أرفع الأذكار وأجلها-: الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه).
ثم يقول: (ويشهد لذلك حديث: (خير الذكر الخفي)).
لكنه حديث ضعيف.
قال: أحسن أنواع الذكر هو: ذكر بالقلب على جهة التدبر والتأمل في ملكوت الله ، في سماواته وأرضه ونجومه وقمره وشمسه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ومن يتدبر في آيات الله وفي خلقه وفي كونه يوقن أن لهذا الكون إلهاً مدبراً؛ لأنه لا يمكن أن يأتي هكذا بالصدفة كما يقول الدهريون، فالخالق هو الله ، وهذا الخلق كله بصنع الله وخلقه وتدبيره، فالذي يتدبر في الكون يجد العجائب.
أذكر أنه كان لديَّ سلحفاة، وكنت أكره وجودها في البيت، لكن الأولاد يحبونها، وكنت مشفقاً عليها من الجوع والعطش، فبينما أنا كذلك أخذت أقرأ في كتاب عن حياة السلحفاة فوجدت أن السلاحف تستطيع أن تمتنع عن الطعام والشراب من أربعة أشهر إلى ستة أشهر!
стр. 913
شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
للذكر فضل عظيم عند الله تعالى، فإن الله يضاعف به الحسنات ويمحو به السيئات، والاجتماع على الذكر وتلاوة القرآن له أيضاً فضل عظيم وفوائد جمة، فهو سبب لتنزل الرحمات، وحضور الملائكة لتلك الجلسات، ومباهاة الله ملائكته بأولئك القوم الذين انقطعوا لذكره، ومن أوى إليهم آواه الله، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.
стр. 914
فضل التهليل والتسبيح والدعاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن الباب العاشر وهو في فضل التهليل والتسبيح والدعاء، وفيه: [عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، وحطت عنه -أو ومحيت عنه- مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك.
ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)].
وفي رواية: قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحداً قال مثلما قال أو زاد عليه).
والزيادة إما أن تكون في العدد أو في الوقت.
وقال النبي ﵊: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرار كان كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل) ﵇.
وقال النبي ﵊ فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
هذا آخر حديث في صحيح البخاري، ختم به البخاري صحيحه، وفيه: من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتسبيحه وتوجيه الحمد إليه دون سواه .
وفيه غير ذلك من الفوائد وقد ذكرناها في الدرس الماضي.
وقال النبي ﵊: [(لئن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)].
وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: [(أن أعرابياً قال للنبي ﵊: علمني كلاماً أقوله.
قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
قال الأعرابي: هؤلاء لربي فما لي؟)].
أي: هذه الكلمات مدح وثناء وتمجيد وتعظيم لله، فهذا حق الله علي، فماذا لنفسي؟ قال النبي ﵊: [(قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني)].
وفي حديث سعد بن أبي وقاص أيضاً قال: [(كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة)].
стр. 915
باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
الباب الحادي عشر: قال الإمام النووي: (باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر):
стр. 916
شرح حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمداني -واللفظ لـ يحيى - قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير - عن الأعمش -وهو سليمان بن مهران الكوفي - عن أبي صالح] وهو ذكوان السمان، فلقب بـ السمان؛ لأنه كان يجلب السمن والزيت من المدينة فيبيعه في الكوفة، فلقب بصنعته وعمله.
[عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)].
هذا حديث عظيم، وهو أصل من أصول الإسلام، مطلعه يدل دلالة عظيمة صريحة أن الجزاء دائماً يكون من جنس العمل إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فقال النبي ﵊ في هذا الحديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة).
وفي رواية: (من كرب الدنيا والآخرة).
يجعل الله تعالى جزاء تنفيس هذا العبد لكرب إخوانه أن ينفس عنه كربه أو كرب الدنيا والآخرة.
وهذا المقطع من الحديث جليل القدر جداً؛ ولذلك لا يعرف معناه إلا من وقع في الكرب العظيم، أما من كان في حال السلامة والأمان فإنه لا يشعر بقيمة ولذة هذا الكلام، فإذا وقع الواحد منا في كرب عظيم لا مخرج له إلا أن يقيض الله تعالى له رجلاً ينفس هذه الكربة على يديه، فحينئذ يستشعر رحمة الله ، ورحمة الإسلام، وعظمة الإسلام، فلذلك كان غير واحد من السلف يقول: لئن أمشي في حاجة أخي لقضائها وتنفيسها أحب إلي من ألف ركعة.
أي: من النوافل.
ودائماً تفضيل الأعمال الصالحة على الصلاة يستثنى منه المكتوبات.
وبعضهم يستثني منه الرواتب.
أي السنن الراتبة.
وإنما كلامهم -أي: مذهب الجمهور- في تفضيل الأعمال على الصلوات.
أي: صلاة النافلة المطلقة بخلاف الفريضة وما يلزمها، وما شرع لها من صلاة راتبة قبلها أو بعدها.
стр. 917
معنى قوله: (من نفس عن مؤمن كربة)
قوله ﵊: (فمن نفس عن مؤمن) هذا قيد يخرج به غير المؤمن، وأنتم تعلمون أن الإيمان إذا أطلق يشمل معه الإسلام، وإذا إطلق الإسلام شمل معه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يدل عليه، كما سأل جبريل ﵇ النبي ﵊: (ما الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً).
وفي حديث وفد عبد القيس الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما أنهم قالوا: (يا رسول الله! بيننا وبينك كفار مضر، ولا يمكن أن نصل إليك إلا في الأشهر الحرم فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا.
قال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتودوا الخمس من المغنم).
فعرف النبي ﵊ الإيمان في هذا الحديث بما عرف به الإسلام في حديث جبريل، فدل هذا على أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يدل عليه، كما قال له: (وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
مع أن مدلول الإيمان هنا وأصول الإيمان هنا لم تكن هي نفس أصول الإيمان في حديث وفد عبد القيس، بل جعل الإيمان في وفد عبد القيس هو الإسلام؛ لأنه لم يذكر الإسلام.
فهذا يبين لنا معنى كلام الفقهاء: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في دليل افترقا في المدلول، وإذا افترقا في الأدلة شمل كل واحد منهما الآخر، وهذا معنى قولهم: (إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا).
مثل المسكين والفقير، عند إطلاق المسكين يشمل معه الفقير، لكن إذا كان المسكين والفقير في نص واحد فالفقير له مدلول، والمسكين له مدلول آخر.
قال: (من نفس عن مؤمن كربة).
الكربة هي أي هم وحزن وغم يدخل على المرء، سواء كان ذلك في دينه أو في ماله أو في أهله أو في أولاده أو في عمله أو في أي شيء يتعلق بهذا المؤمن، وتقييد الدليل لهذا بالإيمان -أي: بالمؤمن- إنما هو احتراز من تفريج الكرب عن الكافر.
فهذا فيه فضيلة تفريج الكرب عن أهل الإيمان والإسلام على السواء.
قال: (نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
والأمر شديد جداً، وربما لا نستشعر شدة الموقف إلا إذا كنا في موقف الحشد والحساب والجزاء.
ولذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ في الصحيحين، أن النبي ﷺ قال: (يجاء بالعبد يوم القيامة فيقف بين يدي الله ليس بينه وبينه ترجمان، فتنشر له صحيفة مد بصره، قد ملئت بالسيئات، فالله يقول له: عبدي! أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ والعبد يقول: نعم يا رب! نعم يا رب! حتى إذا ظن العبد الهلكة).
أي: ظن أنه ليس بناج لكثرة ما سمعه مما قد عمله آنفاً في حياته الدنيا فيقول الله -وهذا من فضل رحمته- (وأنا قد سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم).
لكن هذا الدليل وغيره من أدلة الرجاء لا تجعل أحدنا يركن إليها؛ لأن الواحد منا لا يأمن مكر الله ، وإذا أخذك الله تعالى بفضله فهذا له سبحانه، وإذا أخذك بعدله هلكت، وهو غير ظالم لك، فاحذر أن يعاملك الله تعالى بعدله، كما ينبغي أن تعلم إذا كنت من أصحاب الكبائر فأنت في مشيئة الله إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك، ويكفيك وجلاً وخوفاً ورعباً أنك في مشيئة الله.
стр. 918
معنى قوله: (من يسر على معسر يسر الله عليه)
قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠].
إذا كان المدين معسراً ليس مماطلاً، فهذا له حكم الإعسار في الشرع وهو الإنظار إلى حين ميسرة.
أي: إلى أن يتيسر أمره، والعفو لمن ملكه أفضل.
ولذلك جاء في الصحيح: (أن رجلاً كان يداين الناس، وكان يرسل غلامه ويوصيه: يا بني! أنظر المعسر أو تجاوز).
يعني: لا تأخذ منه شيئاً، برئت ذمته وساحته.
(فجيء بهذا العبد يوم القيامة فوقف بين يدي الله ، قال: يا عبدي! ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! قلت: أجود بمال الله على عباد الله! قال: أتجود على عبادي وأنا الجواد؟ لقد عفوت عنك).
وهذا الرجل لم يعمل خيراً قط إلا هذا العمل، وهو من أمة سابقة على أمة النبي ﵊؛ حتى لا يقول أحد هذا العبد دخل بغير صلاة ولا صيام ولا شيء من هذا، فهذا في شرع من قبلنا؛ ولذلك تجاوز الله عنه لهذا العمل.
وكما تعلمون (أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
فهي دخلت النار؛ لأجل أنها عذبت نفساً محترمة، وكان بإمكانها أن ترعاها وأن تصونها إما بإطعامها أو بتركها تأكل من هوام الأرض، ولكنها لم تفعل ذلك.
وتعلمون (أن امرأة بغياً -أي: امرأة زانية- دخلت الجنة لأجل نجدتها لكلب كان يلعق الثرى من شدة العطش، وكانت هذه البغي قد مرت بهذه الحالة من العطش، فلما رأت ما نزل بالكلب من عطش خلعت خفها فنزلت البئر وملأته ماءً وقدمته للكلب، فشكر الله تعالى لها صنيعها).
وهذا يفسر قول النبي ﵊: (إن الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله).
ويقول النبي ﵊: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
وقال ﵊: (إنما الأعمال بالخواتيم).
أي: بقدر ما يختم لك بها.
وقال ﵊: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
قال: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة).
أما إذا كان مماطلاً فإنما يكفيه قول النبي ﵊ الذي أخرجه مسلم وأحمد في مسنده أن النبي ﵊ قال: (مطل الغني ظلم).
قال العلماء: الغني: هو من ملك أداء الدين.
ولا يلزم من ذلك: أن يكون صاحب ملايين، أو صاحب عمارات وعقارات، بل يثبت له حكم الغنى إذا كان يملك مقدار الدين الذي عليه.
وأنتم تعلمون خطورة الدين، والنبي ﵊ قال: (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين).
وقال النبي ﵊: (لما جاء برجل بين يديه ليصلي عليه الجنازة قال: أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يوفى به دينه؟ قالوا: لا يا رسول الله.
فقال: دونكم صاحبكم صلوا عليه.
فقام رجل من أصحابه وتحمل حمالته.
فقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، فصلى عليه النبي ﵊ لما في صلاته على أصحابه وأمته من البركة والخير، لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وادع لهم- ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
(ثم لما جن الليل رأى هذا الذي قد تحمل الحمالة فقال: يا فلان؟ أقضيت عن صاحبك؟ قال: لا يا رسول الله! إنما هما ديناران، والأمر عجل).
يعني: القصة كلها وقعت هذا اليوم.
فقال: (يا فلان! اذهب فاقض عن صاحبك، فذهب الرجل فلقيه النبي ﵊ في صلاة الغداة) أي: في صلاة الصبح من اليوم الثاني: (فقال: يا فلان!) أو قال: (أين فلان! قال: أنا يا رسول الله! قال: هل قضيت عن صاحبك؟ قال: نعم يا رسول الله.
قال النبي ﵊: الآن بردت عليه جلده).
تصور أن القبر يحمى على رجل عليه ديناران، فما بالكم بمن يرتع في أموال الناس يمنة ويسرة، يأخذها لا يبالي بردها، ولذلك قال النبي ﵊: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله).
لم يقل: أتلف ماله، وإنما قال: أتلفه الله.
стр. 919
معنى قوله: (من ستر مسلماً ستره الله)
قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
(ومن ستر مسلماً): لا بد للصحوة أن تقف عند هذا النص، فما أسرع الغيبة والنميمة في الصحوة الإسلامية وما أفشاها وما أكثرها! ولذلك فإن مجتمع الصحوة مجتمع منفتح إلى أعلى مستوى، وإلى أقصى حد بخلاف عامة الناس الذين ربما لا يصلون ولا يصومون ولا يدرون في أي شهر نحن، ولا كيف أيامنا، ولا كيف نسير، ولا لماذا خلقوا، ومع هذا تجدهم في غاية الأدب والاحترام، فهم يكفون ألسنتهم، لا يتكلم أحد في عرض صاحبه، ولا في عرض جاره، ومهما ظهر على جاره من نعيم الدنيا وملذاتها لا يخطر على باله أن يسأل جاره من أين لك هذا؟ ولا يخطر على باله حتى أن يبارك له؛ لأن كل منهم في حاله، لكن مجتمع المناطق الشعبية، ومجتمع الصحوة على جهة الخصوص مجتمع قد امتلأ حقداً وحسداً وضغينة وهتكاً للأعراض وسلباً لعدالة الثقات العدول، وغير ذلك من هذه الأمراض الفتاكة التي تمر بها الصحوة الإسلامية اليوم، والنبي ﵊ يقول: (من ستر مسلماً) أي: على خزية وقع فيها أو منقصة.
ولو أن رجلاً اليوم وقع في معصية لانتشر صيت هذه المعصية في ملأ الصحوة كسرعة البرق.
ونحن مأمورون أن نستر عليه، وأنتم تعلمون قصة ماعز الأسلمي الذي زنى، واستدرجه سيده ومولاه، قال: اذهب بنا إلى النبي ﵊ حتى ينزل فيك قرآن بالتوبة، وهو يريد أن يقام عليه الحد، وأنتم تعلمون أن القصة طويلة، فلما أقيم عليه الحد التفت النبي ﵊ إلى نعيم بن هزال وهو سيد ماعز وقال: (ويحك يا نعيم) أي: ويل لك.
(لو سترته لكان خيراً لك) وهذا زنا، وهو كبيرة من الكبائر.
قال: (لو سترته بثوبك) يعني: الواحد ممكن يرى رجلاً يزني فيخلع له ثوبه ويستره.
هذا ظاهر الحديث.
وما الذي يمنعك من ذلك والشرع قد أتى بكل خير وحث على الستر؟ ولذلك فإن هذه المجلات والصحف التي تذكر الحوادث لم تعالج ظاهرة الفساد في المجتمع بل كانت سبباً في انتشار الجريمة أكثر، وتجد الرجل يدخل السجن بجريمة واحدة ويخرج منه مجرماً حقيقياً.
وجدت ولداً عمره اثنا عشرة سنة، يحوم حول سيارة، فراقبته من بعيد حتى فتح باب السيارة، فلما وضع يده على المسجلة أخذته برقبته، فقال: والله ما عملت شيئاً.
فقلت له: المسجلة في يدك.
فقال: سيارة أبي نفس السيارة هذه.
فقلت له: اتحاد السيارة يعني اتحاد المسجلة.
ثم قلت له: على أية حال أنا سأتركك؛ لأنك لو دخلت السجن ستخرج مجرماً كبيراً، ليس سارق تسجيلات أو شيء تافه، ستخرج من السجن وستمارس سرقة الفلل والقصور؛ لأنك ستجد العمد كلهم والبهوات الكبيرة والمتخصصين على أعلى مستوى داخل السجن.
ثم أخذته معي المسجد وأعطيته عصيراً وباسطته، وأخذت منه المسجلة وذهبت بها لصاحب السيارة وقلت له: هذه المسجلة لكم؟ قال: ما كنت أظن أن شيخاً يسرق؟ فقلت له: لو أن الشيخ سرق فلماذا يرجعها لك؟ فقصصت عليه الحكاية فقال لي: أعطني الولد.
قلت له: أنا سأضبط المسألة.
ثم إن هذا الولد -الحمد لله تعالى- يتردد الآن على المسجد، ويأتي من أماكن بعيدة، ويركب مواصلات من أجل أن يصلي ويثبت لي أنه على خير وأنه يأتي المسجد.
والبارحة قلت له: ما هي الأخبار.
قال لي: والله ما أفعلها إلا إذا كنت محتاجاً.
لكني أريد أن أقول: الإخوة أحياناً يكون العلم وبالاً عليهم، إذا لم يكن فيه إخلاص وتقوى وتطبيق للعلم في قلب صاحبه يصير وبالاً عليه، فيقف عند حد الشبهات دائماً، ويعمل مثل الثعبان أو الحرباء يتلون ويتشكل على قدر مصلحته.
قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
المسلم لما يعمل شيئاً الأصل فيه الستر حتى لا تتفشى الرذيلة في المجتمع، وتأمره وتنهاه سراً، ولا تذهب تفضحه.
والبعض من الصحابة ﵃ وقعوا في الكبائر، ومع هذا رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولست بذلك أهون من شأن المعصية، والذي وقع في المعصية وجاء خبره في القرآن والسنة تاب الله عليه بتوبته، بل ربما بدل سيئاته حسنات بحكم التوبة، ولذلك لما جيء برجل من الصحابة اتهم باللواط مع طفل، جاءوا به إلى عمر، فقال عمر: يؤخذ كل شاهد على حدة.
فيقال لكل منهم: هل رأيت؟ يقول: والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت ذكره في دبره.
فلما جيء بالرابع قال: عمر: يا فلان! اتق الله ولا تشهد إلا بما رأته عيناك، أرأيت ذكره في دبره؟ قال: لا يا أمير المؤمنين ولكني رأيتهما ملتحفين واللحاف يرتفع وينخفض، فقال أمير المؤمنين عمر ﵁: الله أكبر، وأقام حد القذف في ظهر الثلاثة الأول، مع أن كل واحد منهم أقسم أنه قد رأى بعينيه، لكن هذه الشهادة على هذا الحد لم تكتمل النصاب، وأنتم تعلمون أن النصاب فيه أربعة شهود.
فلما أتى هذا الشاهد الرابع بما لا يقام به الحد كان يلزم أمير المؤمنين أن يقيم حد القذ
стр. 920
معنى قوله: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)
قال: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
أي: من سلك طريقاً يطلب فيه العلم لله تعالى، فإن الله يجعل له طريقاً مسلوكاً إلى الجنة، وهذا في العلم الشرعي على جهة الخصوص، كما قال النووي وغيره.
قال: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله).
ولا يلزم أن يكون هذا الاجتماع في بيت الله ، بل هذا لا مفهوم له من جهة النص، والأصل عدم القيد.
أي: وما اجتمع قوم على كتاب الله يتلونه ويتدارسونه فيما بينهم بل تثبت هذه الفضيلة لكل اجتماع على كتاب الله وعلى سنة رسوله وعلى ذكر الله تعالى.
قال: (يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة).
قال بعض أهل العلم: السكينة هي الرحمة وهذا غلط؛ لأن النبي ﷺ قال: (وغشيتهم الرحمة).
فلما كانت المغايرة بين السكينة والرحمة باجتماعهما في الدليل دل على أن السكينة غير الرحمة؛ ولذلك يقول أهل العلم: السكينة هي الطمأنينة، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وأعظم الذكر: تلاوة القرآن، فهي المحادثة مع الله بتلاوة كلامه الذي أنزله من السماء.
قال: (وحفتهم الملائكة).
قال العلماء: حفتهم الملائكة رأساً وأفقاً أم رأساً فقط، أم أفقاً فقط، كما جاء في الحديث: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً أو يلتمس فيه علماً إلا نزلت عليهم الملائكة فوجاً يتلوه فوج حتى يبلغوا السماء الدنيا).
إذاً: الملائكة أفواج الفوج الأول فوق الثاني فوق الثالث حتى يكونوا طبقات، ويكون نتاج هذا الاجتماع ظلة تظل طلبة العلم ومجلس العلم كهذا المجلس، نسأل الله أن نكون منهم.
فتصور أن هذا المجلس تحفه الملائكة وتنزل فيه السكينة وتغشاه الرحمة، ويباهي بنا الله تعالى أهل السماء، ومعظمنا إنما آثر أن يأتي في هذا المجلس بدل أن يجلس في الياهو، ولذلك جاء في الحديث: (إن فيهم فلاناً ليس منهم).
أي: فيهم واحد ليس منهم، غير أنه رأى الناس أعلنوا عن الدرس فقال: أجلس أسمع الدرس من أهل السنة هؤلاء، وهذا الرجل من أشقى الخلق، ومع هذا قال النبي ﵊ عن ربه: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).
يعني: هذا الرجل الذي ليس منهم، إنما يحظى ببركة هذا المجلس وتصيبه النفحات الربانية في هذا المجلس، وهذا ليس فضلاً للرجل وإنما هو فضل مجلس العلم، وفضل الاجتماع على كتاب الله وعلى سنة الرسول ﷺ .
قال: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
أي: من كان حسيباً أو نسيباً، فقصر في العمل لم ينفعه ذلك.
يعني: نسبك وحسبك ومالك وجاهك وسلطانك لا يغني عنك من الله شيئاً، إنما الذي يغني عنك هو العمل، فإذا قصرت في العمل فلا تنفعك حظوظ الدنيا بأسرها وإن حزت عليها، لا أبوك ولا أمك ولا جدك ولا عمك ولا خالك ولا الأزهر كله بمشيخته أو غير مشيخته، حتى وإن كنت ابن أمير المؤمنين، وإن كنت ابن نبي، ولذلك فإن نوحاً ﵇ لم يغن عن ولده شيئاً، ولوطاً لم يغن عن امرأته شيئاً، ونوحاً لم يغن عن امرأته شيئاً، وامرأة فرعون لم تغن عن فرعون شيئاً، فمن بطأ به عمله لا ينفعه النسب ولا الحسب، ولا الجاه ولا السلطان ولا الوزارة، ولا الرئاسة، ولا الحكم ولا الخلافة؛ وفي القبر يأتيك العمل الصالح فيمثل لك على صورة رجل قد امتلأ نوراً فتقول: من أنت يرحمك الله؟ هذا الوجه الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح.
أما إذا كنت غير ذلك -والعياذ بالله- فيمثل لك هذا العمل في صورة رجل على أقبح صورة تراها.
стр. 921
ذكر لطيفة إسنادية في رواية حديث: (من نفس عن مؤمن كربة)
[حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثني -أو حدثنا- أبي وحدثناه نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة - قال: حدثنا الأعمش قال: ابن نمير].
يعني: أن الأعمش روى عن تلميذه، وهذا من باب رواية الأكابر عن الأصاغر، وأنتم تعرفون أن هذه المسألة واردة في في مصطلح الحديث.
الأعمش يقول: [حدثنا ابن نمير عن أبي صالح].
وفي حديث أبي أسامة [حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إلى آخر الحديث].
فابن نمير يطلق على محمد بن عبد الله بن نمير وعلى عبد الله بن نمير ومسلم يروي عن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أبيه عبد الله بن نمير [حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أسامة -الذي هو حماد بن أسامة - قالا -أي: عبد الله بن نمير وحماد بن أسامة - حدثنا الأعمش].
إذاً: عبد الله بن نمير عن الأعمش وحماد بن أسامة عن الأعمش، والأعمش يقول: عن أبو صالح.
وممكن أن يشرك في ابن نمير ثلاثة أشخاص: محمد بن نمير، وعبد الله بن نمير، وابن نمير آخر.
الإسناد الأول انتهى عند عبد الله بن نمير، والإسناد الثاني انتهى عند حماد بن أسامة كلاهما يرويان عن الأعمش، فـ الأعمش ليست له رواية عن عبد الله بن نمير، وعبد الله بن نمير تلميذ الأعمش وهو الذي يروي عنه، والإسناد يتوقف عند الأعمش، ومسلم هو الذي يقول: وفي طريق ابن نمير قال عن أبي صالح.
أي: قال الأعمش: عن أبي صالح.
فيكون هذا هو التقدير.
فحديث ابن نمير له طريقان: طريق عبد الله بن نمير وطريق أبي أسامة، أما ابن نمير فقال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح وأما أبو أسامة فقال: حدثنا الأعمش: حدثنا أبو صالح.
إذاً: التقدير هكذا: قال مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
وفي طريق حماد بن أسامة قال: حدثنا الأعمش قال: حدثنا أبو صالح.
فالحديث هذا روي بإسنادين: الإسناد الأول: قال مسلم: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي، ثم مرة أخرى يقول: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال: حدثنا أبو أسامة.
فالأول: انتهى عند عبد الله بن نمير، والثاني: انتهى عند حماد بن أسامة، وكلاهما يرويان عن الأعمش، وقال الأعمش في طريق ابن نمير: عن أبي صالح، ولم يقل حدثنا أبو صالح، وفي طريق أبي أسامة قال: حدثنا أبو صالح.
إذاً: مسلم صنع هذا من أجل أن يبين أن الأعمش في طريق ابن نمير لم يصرح بالسماع من أبي صالح، وفي طريق أبي أسامة قال: حدثنا أبو صالح.
إذاً: مرة لم يصرح بالسماع، ومرة صرح بالسماع، وأنتم تعرفون أن الأعمش يدلس، فيريد الإمام مسلم أن يقول لك: إذا كان الأعمش في طريق ابن نمير لم يصرح بالسماع من أبي صالح عن أبي هريرة فقد صرح في طريق أبي أسامة، فقال: حدثنا أبو صالح.
قال: [حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي معاوية، غير أن حديث أبي أسامة ليس فيه ذكر التيسير على المرء].
стр. 922
شرح حديث: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة)
قال: [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهو محمد بن بشار الملقب بـ بندار - قال: حدثنا محمد بن جعفر -الملقب بـ غندر - قال: حدثنا شعبة: سمعت أبا إسحاق -وهو السبيعي - يحدث عن الأغر أبي مسلم] الذي هو المديني نزيل الكوفة.
هناك فرق بين نسبة الراوي المديني والمدني، فالمديني نسبة إلى المدائن، مدينة في طهران، أو في بلاد فارس سابقاً اسمها المدائن، والنسبة إلى هذه المدينة مدائني أو مديني، أما المدني فنسبة إلى المدينة فقط.
ومعلوم أن الكوفة جوار المدائن، وقد كان يطمع خميني إيران في الكوفة والبصرة، وكان يقول: هذه بلادنا الأصلية.
[أنه قال: (أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)].
فالذكر هنا بمعنى دراسة العلم، وأهل السنة لهم منهج في موضوع الذكر، فالذكر في القرآن والسنة يعني: الاستغفار والتسبيح والتدبر في آلاء الله ، أو قراءة القرآن ودراسته، وقراءة السنة ودراستها وغير ذلك من علوم الشرع.
أما الدروشة والتمايل يمنة ويسرة وغير ذلك من هذه الأذكار المبتدعة التي أتى بها الصوفية فليست من دين الله لا من قريب ولا من بعيد.
[وحدثنيه زهير بن حرب - أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد- قال: حدثنا عبد الرحمن].
وزهير بن حرب أبو خيثمة النسائي.
يعني: من بلد اسمها نسا.
والنسبة إليها نسائي وهي في أعالي العراق من جهة فارس.
وزهير بن حرب هو أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد، وعبد الرحمن إمام بغداد في زمانه هو عبد الرحمن بن مهدي، وزهير بن حرب معروف بالرواية عن ابن مهدي.
стр. 923
شرح حديث أبي سعيد في مباهاة الله ملائكته بعباده الذاكرين
قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز عن أبي نعامة السعدي عن أبي عثمان]، وأبو عثمان من المخضرمين، أبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل.
[عن أبي سعيد الخدري ﵁ -وهو سعد بن مالك بن سنان - قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد)] أي: خرج معاوية بن أبي سفيان على حلقة في المسجد قد اجتمعوا، [(فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله.
قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)] يعني: أستحلفكم بالله ما جلستم إلا لهذا الغرض أي: لذكر الله تعالى.
[(قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم)].
يعني: أنا ما طلبت منكم أن تحلفوا اتهاماً لكم.
[(وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني)]، هذا فيه إثبات عظم صحبة معاوية ﵁ للنبي ﵊، وأنه من جملة الصحابة، بل إن معاوية كان من كتبة الوحي للنبي ﵊، وهو بالمنزلة العظمى والمكانة الأسمى والمنزلة العظيمة في الدين وكذلك في الصحابة ﵃ أجمعين.
والأصل في الخلاف الذي دار بين الصحابة أنه يطوى ولا يروى، وإذا روي يروى بين الخاصة مع الكراهة فلا يروى على العامة كما فعله أخونا طارق السويدان لما تكلم عن التاريخ الإسلامي ذكر الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية ﵄، ولم يكن موفقاًَ في ذلك، فضلاً أن طارق السويدان إنما يميل إلى التشيع.
أردت التنبيه بذلك لما أعلمه عنه من إنحراف عن عقيدة السلف، ومن خلط في مسائل التاريخ الإسلامي وغيره من المسائل، بل قد قال أكثر من ذلك صراحة لما قلت له: إن الشيعة يخالفون أهل السنة في أصول المعتقدات فكيف تدعو إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة؟ قال: إذا كان الشيعة قد أخطئوا فيما ذكرت فإن عند أهل السنة من الخطأ أعظم مما عند الشيعة.
وهذا الكلام لا يخرج إلا من إنسان قد فقد عقله، ولم يعرف عن أهل السنة ولا عن عقيدتهم شيئاً، وغير ذلك من الكلام الكثير، وقد التقيت به في الكويت في شهر أغسطس الماضي.
وهو على أية حال متشدد جداً لجماعته وجماعته لا يفرقون بين هذه العقائد الفاسدة وبين عقيدة أهل السنة والجماعة في الغالب.
قال: [(وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا)] أي: نشكره على هدايته إيانا للإسلام والإيمان.
قال: [(آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.
قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)].
انظروا إلى فضيلة طلب العلم وذكر الله .
يعني: الواحد منا يحتقر نفسه، ولا بد له أن يحتقر نفسه؛ لأننا في حقيقة الأمر لسنا على شيء، ولكن هو من باب التحدث بنعمة الله أن هدانا للإسلام، وأن عصمنا بالإسلام والسنة، وهو السبيل الأوحد والصراط المستقيم، وإن كان فينا عيب وتقصير ونقص وخلط في الأعمال والسلوك، لكن حسبنا أن الله هدانا وبين لنا الطريق، وأضل غيرنا وربما هداهم للإسلام ولكنه لم يمن عليهم بطريقة سليمة صحيحة في الإسلام.
ولذلك يقول ميمون بن مهران وغيره من أهل العلم من التابعين: لا ندري أي النعمتين علينا أعظم، أن هدانا الله للإسلام أم عصمنا في الإسلام بسنة وسبيل.
يعني: الواحد لما يكون مسلماً على نهج النبوة وأهل السنة والجماعة بخلاف أن يكون مسلماً شيعياً أو رافضياً أو قدرياً أو معتزلياً أو أشعرياً أو غير ذلك من هذه الانحرافات الضالة عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
أما أن يكون مسلماً منحرفاً أو كافراً كفراً بواحاً، فبعض الشر أهون من بعضه كما يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم.
لكن فضل الله عظيم جداً أن هداك للإسلام أو أنبتك في بيئة إسلامية، وأن هداك من وسط هذه البيئة -التي لا تعرف من دين الله إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه- لمعرفة الطريق الحق.
قال: (ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) فتصور أن الله تعالى يباهي ويفاخر بنا ملائكة السماء، مع أن هؤلاء الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم مفطورون على التكبير والتسبيح والتهليل والذكر وغير ذلك، لم يقترفوا معصية قط، وليست المعصية طريقهم، ومع هذا فالله تعالى لا يباهي بنا العصاة، ولا يباهي بنا الكفار، ولا يباهي بنا من انشغل أو غفل عن الذكر، وإنما يباهي بنا من كانت حياته من أولها إلى آخرها ذكر وتسبيح لله .
ولذلك ا
стр. 924
باب استحباب الاستغفار والإكثار منه
قال: (باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه) الاستغفار أن تقول: أستغفر الله.
أي: أطلب مغفرتك يا رب! لما قد بدر مني من معاص وذنوب وهفوات وغفوات، وغفلات وانشغالات عن ذكرك وطاعتك.
стр. 925
شرح حديث: (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)
قال: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة وأبو الربيع جميعاً عن حماد بن زيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أبي بردة الأشعري عن الأغر المزني -وكانت له صحبة- أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليغان على قلبي)] أي: يغشى قلبي ويعلو قلبي، ويفتر قلبي، (وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)].
وفي رواية: (وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة) وليس بين الروايتين تعارض؛ لأن الذي يستغفره أكثر من سبعين مرة لا يمنع أن تكون هذه الكثرة مائة مرة، فالجمع بين الروايتين: أنه لا يمنع أن تكون الكثرة قد بلغت مائة مرة.
وقيل: إن سبب هذا الغين هو اشتغاله بالنظر في مصالح أمته وأمورهم، ومحاربة العدو ومداراته، وتأليف المؤلفة قلوبهم، ونحو ذلك، فيشتغل بذلك من عظيم مقامه، فيراه ذنباً بالنسبة إلى عظيم منزلته.
مثلما تقول الصوفية وإن كان كلاماً يحتمل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
يعني: الذي أعمله أنا وأنت هذا بالنسبة للمقربين سيئات وليس بحسنات، لأنهم يعبدون الله بمنتهى الشفافية.
ولذلك أنس ﵁ يخاطب تابعي أهل البصرة، يخاطب الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم من أئمة البصرة، يقول: إنكم لتعملون أعمالاً ترونها أدق من الشعرة كنا نعدها على عهد النبي ﵊ من الكبائر.
أنس ﵁ يقول هذا الكلام للحسن البصري الذي علم الأمة كلها الزهد، وقتادة الذي ضرب في الزهد بأعظم باع، فإذا كان هؤلاء بهذا الوصف، فماذا سيكون حالنا؟! (والنبي ﵊ كان إذا دخل الخلاء قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث، وإذا خرج قال: غفرانك).
ومعنى (غفرانك) أنه انقطع عن الذكر في أثناء وجوده في الخلاء؛ لأن هذا المقام لا يتناسب مع ذكر الله، فانقطع ذكره لله على قدر بقائه في الكنيف أو في الحمام أو في الخلاء، فاستغفر ربه بعد خروجه من الحمام لما فرط وقصر من استغفار وذكر وتلاوة.
ولما نرى حالنا نجد أن الواحد يدخل في الصلاة التي هي أصل الذكر ويخرج منها كما دخل.
فالأوقات التي جعلت للذكر لا نذكر الله فيها إلا قليلاً، أما أوقات السلف ﵃ فقد كانت كلها لله ، وأما حياة الأنبياء فأسطورة في ذكر الله ، لا يمكن لأحد قط أن يصل إلى ما وصلوا إليه.
وعمر بن الخطاب ﵁ كان يريد أن يسابق أبا بكر في ذكر الله وفي الطاعات وأعمال الخير، فعجز أن يساويه في منزلته، فقال: والله يا أبا بكر! لا أسابقك إلى خير قط، فما سابقتك إلا سبقتني.
يعني: عمر عرف قدره، مع أنه كان إذا ذكر ذكر العدل كله، كان علامة على العدل، وعلامة على الفتوحات، وعلامة على انتصار الإسلام، وعلامة على الصبر، وعلامة على الحلم، وعلامة على كل مكارم الأخلاق.
وعمر ﵁ يقول له: ليتني شعرة في صدرك يا أبا بكر! وهذا من أدب عمر ﵁، فقد تربى بتربية النبي ﵊.
وإذا كان يغان على قلبه ﵊ لانشغاله بمصالح المسلمين، وقتاله في غزوة بدر وغزوة أحد وخيبر والخندق وغيرها من الغزوات، فينشغل في أثناء الجهاد عن ذكر الله بلسانه وقلبه، لكنه دائماً في طاعة، والنبي ﵊ يقول هذا الكلام فقط من أجل أن يعلم الأمة الأدب، ويربيها أحسن تربية، يقول لهم: أنا في أثناء انشغالي في مصالح الأمة كذلك أنسى أو يذهب عن خاطري أن أذكر الله تعالى بلساني وقلبي، مع أنه ما انشغل قط ﷺ عن ذكر ربه.
والنبي ﵊ يقول: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي).
يعني: حتى في لحظة النوم أو في وقت النوم قلبه يذكر الله .
إذاً: لا يمكن أن ينشغل في أثناء يقظة عينيه عن ذكر الله تعالى، فكيف بالجهاد وقتال العدو والدفاع عن دين الله، فلا يقال عنه: انشغل عن طاعة الله أو عن ذكر الله، وإنما أراد النبي ﵊ أن يعلم الأمة كيف تتربى وكيف تتعامل مع ربها.
وعائشة ﵂ استغربت اجتهاد النبي ﵊ في طاعة ربه، وقيامه حتى تورمت قدماه، فقالت له: (رفقاً بك يا رسول الله! إن الله تعالى قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر) مع أنه أول من تنشق عنه الأرض، ولا يدخل أحد الجنة إلا بعد دخوله.
وعددت من مناقبه ﵊، وهو يسمع، ثم قال لها: (أفلا أكون عبداً شكورا).
وهذا يدل على أن عبادته لله كانت عبادة شكر وليس عبادة إلزام كحالي أنا وأنت، نحن نعبد
стр. 926
الحث على المسارعة في التوبة
[حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة قال: سمعت الأغر وكان من أصحاب النبي ﷺ يحدث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)].
قال: [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)] وهذه التوبة يسميها العلماء: التوبة العامة؛ لأن التوبة توبة خاصة وتوبة عامة، التوبة الخاصة توبة تخص كل إنسان على حدة، وهذه تنقطع بالغرغرة، (إن الله يقبل التوبة عن عبده ما لم يغرغر).
أما التوبة العامة فبابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، وهذه من علامات الساعة الكبرى، فحنيئذ ﴿لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
ولذلك التوبة العامة بابها يغلق بطلوع الشمس من المغرب، حتى لو تاب الإنسان وآمن في ذلك الوقت فهذا لا ينفع، كما لم ينفع إيمان فرعون قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] لا يا عدو الله، في هذه اللحظة لن تنفعك التوبة؛ لأن هذه لحظة الغرغرة ولحظة الموت، وهذه التوبة الخاصة التي أغلقت دونك.
إذاً: كل إنسان له توبة، وتوبته قبل الغرغرة، إذا أيقن بالهلاك، ورأى مقعده من الجنة ومقعده من النار أغلق باب التوبة، أما باب التوبة العامة فهو لكل الأمة ولجميع الخلائق وإنما يكون مردها ومآلها إلى أحد أشراط الساعة وهو طلوع الشمس من المغرب.
أما قوله: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة) قال العلماء: للتوبة ثلاثة شروط: أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم عزماً جازماً ألا يعود إليها، أو إلى مثلها أبداً.
هذا بالنسبة لتوبة العبد في حقوق الله .
стр. 927
شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب استحباب خفض الصوت بالذكر - التعوذ من شر الفتن
لقد شرع لعباده المؤمنين عبادته ومناجاته والتقرب إليه بالذكر والدعاء، فالدعاء هو العبادة، وما من باب من الأبواب العبودية والحياتية إلا وله ذكر مخصوص، أو دعاء يناسب مقامه، وما ذاك إلا من عناية الشارع بما يصل بين العبد وربه في سائر أحواله، وفق آداب معلومة، وصفات شرعية محفوظة.
стр. 928
باب استحباب خفض الصوت بالذكر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فمع الباب الثالث عشر من كتاب الذكر والدعاء: قال الإمام النووي: (باب استحباب خفض الصوت بالذكر).
أي: باب استحباب إذا ذكر أحد ربه أن يخفض صوته بالذكر؛ لأن الله ﵎ سميع عليم.
стр. 929
شرح حديث: (أيها الناس! أربعوا على أنفسكم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل وأبو معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير، بالخاء المعجمة الموحدة- عن عاصم -وهو ابن سليمان الأحول - عن أبي عثمان] وهو عبد الرحمن بن مل النهدي، سكن الكوفة ثم البصرة، وهو مخضرم، ومعنى مخضرم: أنه أسلم في حياة النبي ﵊ ولم يره، لكن عبد الرحمن بن مل أعظم من ذلك بدرجة، وهو أنه رحل إلى النبي ﷺ ، وفي أثناء رحلته إلى المدينة توفي النبي ﵊، وما سمع بوفاته إلا بعد أن دخل المدينة، وهذه حسرة عظيمة جداً.
قال: [عن أبي موسى الأشعري -وهو عبد الله بن قيس - قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير)].
أي: يرفعون أصواتهم بالتكبير، وأنتم تعلمون أن السنة للراكب أو السنة للمسافر إذا صعد شرفاً -مكاناً عالياً- أن يقول: الله أكبر، وإذا نزل أن يقول: (سبحان ربي الأعلى).
وهذه سنة ثابتة.
وأدلتها في الصحيحين وغيرهما.
فلو صعدت ثنية أو شرفاً أو مكاناً مرتفعاً أو كبري أو غير ذلك ففي أثناء صعودك سواء كنت راكباً أو ماشياً فقل: الله أكبر، وإذا نزلت فقل: سبحان ربي الأعلى، ولو كنت غير مسافر.
قال: [(فقال النبي ﷺ : أيها الناس! أربعوا على أنفسكم -أي: رفقوا بأنفسكم ولا تكلفوها فوق طاقتها- إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً)].
أي: مهما أسررتم وأخفيتم الذكر والتكبير فإن الله تعالى يسمعه ويعلمه.
قال: [(إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم)].
وفي ذلك إثبات السمع لله ، كما أن من أسماء الله : القريب، فهو أقرب إلى أحدنا من خطام ناقته، ومن حبل الوريد الذي هو داخل في تكوين الإنسان، فالله تعالى أقرب إلى العبد من كل شيء، والله تعالى أقرب من كل قريب من عباده .
قال أبو موسى الأشعري: [(وأنا خلف النبي ﵊ أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله)].
أي: لما كان الصحابة ﵃ مشغولين بالتكبير عند ارتفاعهم أو صعودهم شرفاً أو ثنية أو غير ذلك كان أبو موسى خلف النبي ﵊ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال النبي ﵊: [(يا عبد الله بن قيس! -وهو أبو موسى الأشعري - ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى يا رسول الله! قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله)].
مع أنه كان يقولها، لكن هذا تأكيد لأهمية هذا القول.
أعني: الحوقلة كما يسميها الفقهاء، فيريد النبي ﵊ أن يبين لـ أبي موسى قيمة ما يقول، وفضل ما يقول، وأن هذه الكلمة كنز من كنوز الجنة، وأنتم تعلمون أن الكنز هو ما يخزنه صاحبه لعظيم قيمته، وهذا إذا كان متاعاً من أمتعة الدنيا، فما بالكم بكنوز الآخرة، بل بكنوز الجنة على جهة الخصوص؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله إنما هي كنز من كنوز الجنة، بل ثبت أن النبي ﵊ كان يكثر من هذا القول في ليله ونهاره، وكان دائماً ما يُسمع النبي ﵊ مستغفراً أو تائباً أو محوقلاً.
стр. 930
كلام النووي في شرح حديث: (أيها الناس أربعوا على أنفسكم)
يقول الإمام النووي عليه رحمة الله: معنى: (أربعوا).
أي: ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم، فإن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبعد من يخاطبه ليسمعه.
يعني: أن الإنسان يضطر إلى رفع صوته حتى يسمعه من يخاطبه.
ثم قال: وأنتم تدعون الله تعالى وليس هو بأصم ولا غائب -وليس ببعيد عنكم- بل هو سميع قريب، وهو معكم بالعلم والإحاطة.
وقول النووي: وهو معكم بالعلم والإحاطة، هذا القول منه رحمه الله تعالى عض عليه بالنواجذ؛ لأنه ﵀ في الغالب يؤول أو ينقل قول المتأولة من الأشاعرة ثم لا ينكره، بينما في هذا القول وافق منهج أهل السنة وبعض أهل العلم ينسب النووي لمذهب الأشاعرة وليس كذلك، بل الإمام النووي لم يتأهل جيداً لمسائل الاعتقاد، ولذلك أحياناً ينقل كلام السلف ويستحسنه، وأحياناً ينقل كلام الخلف ويسكت، وأحياناً ينكر، وقلما ينكر.
فهنا في المعية نقل كلام أهل العلم من السلف والصحابة وغيرهم بأن معية الله لعباده إنما هي معية سمع وعلم وإحاطة وغير ذلك، أما معية الذات فلم يقل بها إلا الخلف؛ لأن السلف إنما يثبتون لله الفوقية والعلو، فالله ﵎ استوى على العرش.
ومعنى استوى: علا وارتفع.
فالله ﵎ ينزل في ثلث الليل الآخر، أو إذا بقي ثلث الليل الآخر فينادي عباده، ونزوله سبحانه للسماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وكماله، والسلف يعتقدون أن نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا لا يستلزم خلو العرش منه، كما أنه لا يستلزم الانتقال والحركة؛ لأن النزول في حق الرب ﵎ يختلف عن النزول في حق المخلوقين، فإذا نزل أحدنا من الدور الثاني إلى الدور الأول فإنما هذا نزول يعرفه البشر، كما أنه يستلزم خلو المكان الأول منه، ويستلزم الانتقال والحركة، وكل هذا في قوانين البشر معقول، أما في القانون السماوي الإلهي وفيما يتعلق بالذات العلية فإنه لم يقل بذلك أحد من السلف ﵃ أجمعين.
стр. 931
ذكر بعض طرق حديث: (أربعوا على أنفسكم)
قال: [حدثنا ابن نمير -وهو محمد بن عبد الله بن نمير - وإسحاق بن إبراهيم -المعروف بـ ابن راهويه - وأبو سعيد الأشج جميعاً عن حفص بن غياث، عن عاصم -وهو الأحول- بهذا الإسناد، نحوه.
أي: عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى بمثل الحديث السابق.
حدثنا أبو كامل -وهو فضيل بن حسين الجحدري - حدثنا يزيد بن زريع].
وهو إمام أهل البصرة في زمانه، قال الإمام أحمد: هو ثقة ثقة، شرف أهل البصرة، لم تنجب البصرة في زمانه أفضل منه.
[قال: حدثنا التيمي].
التيمي يطلق على سليمان بن طرخان التيمي، ويطلق على ولده المعتمر، لكن عند إطلاق التيمي فيطلق على الأب سليمان، وخاصة إذا كان في طبقة التابعين أو تابعي التابعين.
قال: [حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان -وهو النهدي - عن أبي موسى الأشعري: (أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ وهم يصعدون في ثنية -أي: في مكان مرتفع في الجبل- فجعل رجل كلما علا ثنية نادى: لا إله إلا الله والله أكبر)]، يقدم كلمة التوحيد ثم يثني بالتكبير، والله ﵎ واحد أحد، وهو الكبير المتعال ، فهذا الرجل كلما صعد ثنية وحد الله تعالى وناداه باسم من أسمائه ، فقال: الله أكبر، أو والله أكبر.
قال: [(فجعل نبي الله ﷺ يقول: إنكم لا تنادون أصم ولا غائباً)].
أي: لا تدعون أصم ولا غائباً، فلا تكلفوا أنفسكم رفع الصوت، وإنما يكفيكم أن تذكروا الله ﵎ ولو بصوت يسمعه من قرب منكم من صاحبه، فلا داعي أن تشقوا على أنفسكم بالنداء ورفع الصوت.
قال: [فقال: (يا أبا موسى! -أو يا عبد الله بن قيس! - ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟ قلت: ما هي يا رسول الله؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).
стр. 932
معنى حديث: (فإن الله خلق آدم على صورته)
وحدثناه محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه -وهو سليمان التيمي - حدثنا أبو عثمان، عن أبي موسى قال: (بينما رسول الله ﷺ ، فذكر نحوه].
وأنتم تعلمون أن قول الراوي: (نحوه) يختلف عن قوله: (مثله).
إذ إن المثلية تستلزم المطابقة، وأما النحوية فتستلزم أن تكون هذه الرواية بمعنى الرواية السابقة، وذلك كقولنا: فلان مثل فلان في الكرم.
فلا يلزم منه أن تكون المثلية في كل شيء.
وكما في الحديث في الصحيحين: (لا تضربوا الوجه ولا تقبحوه، فإن الله خلق آدم على صورته).
وفي رواية خارج الصحيحين: (فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن) فيها إشكال.
يعني: أن ربنا شابه آدم! وقوله: (لا تضرب الوجه ولا تقبح، فإن الله خلق آدم) كلام موجه لـ معاوية بن الحكم السلمي لما لطم جاريته، فقال له النبي ﵊: (لا تضرب الوجه ولا تقبح، فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن).
وأضعف الأقوال في معنى هذا الحديث: أن الإضافة هنا إضافة تشريف، لكن في الحقيقة فيها شبهة تشبيه كذلك.
أي: تشبيه الله بآدم.
وأقوى قول لأهل العلم في هذه المسألة كقول النبي ﵊: (هل ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في رابعة النهار، أو كما ترون القمر في ليلة البدر ليس دونها سحاب).
فهنا تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
يعني: مثلما ترون الآن القمر ليس دونه سحاب أو ضباب أو إشكاليات تمنعكم من رؤية القمر فإنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، وسترون ربكم تماماً كما ترون هذه الشمس.
يعني: ليس فيه أي غبش يمنعكم من رؤية الله ، ولا يحصل لكم ضيم ولا وهم ولا شك ولا ريب ولا غير ذلك.
إذاً: هذا تشبيه الرؤية بالرؤية.
أما أن تقول: إن الحديث يستلزم أن الله تعالى شبه القمر أو شبه الشمس فلا؛ لأنه سيكون عندئذ تشبيه المرئي بالمرئي، وليس مقصوداً في الروايات، وإنما المقصود أنكم كما ترون القمر صحواً جميلاً مدوراً نيراً لا يمنعكم من رؤيته غيم ولا ضباب ولا شيء من هذا، فكذلك لا يمنعكم من رؤية الله شيء.
أما قوله ﵊: (إن الله خلق آدم على صورته)، فاختلف أهل العلم في عود الضمير، فقالوا: (الهاء) في (صورته) يعود على المضروب، فإن الله خلق آدم على صورة المضروب.
والكلام هذا لا تساعده الأدلة النقلية ولا كلام العرب؛ لأن المشبه إنما يلحق بالمشبه به غالباً، ولا يلحق المشبه به بالمشبه.
يعني: لما أقول: إن الله خلق آدم على صورته.
وأقول: إن الضمير يعود على المضروب، فهذا الكلام لغة لا يستقيم، مثل أن أقول: إن هذا الرجل يشبه ابنه، أو هذا الولد يشبه أباه، لكن لا يصح أن أقول للأخ الكبير: أنت تشبه أخاك الصغير الذي هو أصغر منك بعشر سنوات، فضلاً أن يكون ذلك في الأب، وآدم أبو البشر، فلما أشبه آدم بأحد لا يصح، لكن ممكن أشبه الناس بآدم؛ لأنه الناس من آدم، وآدم هو أبو البشر.
وقال بعض أهل العلم من المحققين من السلف: إن لله ﵎ ذات، وهذه الذات موصوفة بصفات، فإذا كانت ذات لها صفات فلا بد أن تكون لها صورة، والله ﵎ خلق الخلق على صور كما أنه ذات له صورة، وصورة المولى ﵎ لا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، أما صور المخلوقين فمعلومة، فهذا تشبيه الصورة بالصورة.
بمعنى: كما أن لله تعالى ذات فله صورة وكذلك مخلوقاته عبارة عن صور وذوات، فهذا تشبيه لصورة بصورة، لا تشبيه للمصور بالمصور، ولا تشبيه للعبد بالخالق ﵎.
إذاً: كما أن لله تعالى ذاتاً موصوفة بصفات ولها صورة، فكذلك آدم أبو البشر له ذات لها صفات ولها صورة، فهنا في هذا الحديث: إثبات الصورة لله وإثبات الصورة للمخلوقين، لكن إثبات الصورة لله وللمخلوقين لا يستلزم المشابهة والمماثلة أبداً، بل يستحيل إثبات المماثلة والمشابهة في كل شيء بين الخالق وبين المخلوق.
إذاً: الذين تكلفوا رد حديث: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) واكتفوا بذكر عود الضمير إلى آدم، إنما تكلفوا ما لا طاقة لهم به؛ لأن الحديث بلفظ: صورة الرحمن، صحيح بغير إشكال.
ثم ما الذي يمنعنا أن نؤمن بأن لله تعالى صورة كما آمنا بكل أسمائه وصفاته، وأن نفوض كيفية الصورة لله ، أما صورة المخلوقين فنحن نعرفها.
стр. 933
لطيفة إسنادية في روايات حديث: (أربعوا على أنفسكم)
قال: [حدثنا خلف بن هشام وأبو الربيع -وهو سليمان بن داود العتكي - قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب -وهو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري - عن أبي عثمان، عن أبي موسى قال: (كنا مع النبي ﵊ في سفر) فذكر نحو حديث عاصم].
من الذي ذكر؟ أنا لما أقول: روى فلان مثل فلان، أو نحو حديث فلان، إذاً لا بد أنه يكون هناك اختلاف في الإسناد، فمن الذي روى الحديث؟ أبو موسى الأشعري، والذي روى عن أبي موسى في كل الأسانيد التي مرت هو: أبو عثمان النهدي، وأبو عثمان النهدي مرة لقي عاصماً، ومرة لقي أيوب.
إذاً: لما يأتي هنا يذكر الحديث من طريق أيوب ويقول: فذكر نحو حديث عاصم، فالذي ذكر نحو حديث عاصم هو: أيوب.
стр. 934
شرح حديث (والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)
قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - ابن راهويه - أخبرنا الثقفي - وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - حدثنا خالد الحذاء].
وهو خالد بن مهران الحذاء، وقيل: الحذاء هو لقب له، ولقب بهذا لأنه كان يجالس الحذائين، مع أنه عالم كبير، وقد روى له الشيخان في صحيحيهما، ومع هذا كان عنده من التواضع ما يجعله يجالس الحذائين، وليس فقط كان يذهب مثلاً كل شهر مرة، بل ما لقب بهذا إلا لكونه كان يكثر من مجالسة الحذائين.
وقيل: هو نفسه كان حذاءً، وكان لا يقرأ ولا يكتب، فإذا اجتمع عليه طلاب العلم بعد الصلاة لقنهم العلم وهو يصلح النعل، لكن هذا الكلام ضعيف.
وأرجح الأقوال فيه: إما أنه كان يجالس الحذائين، أو أنه كان مشهوراً بقوله إذا سئل عن مسلك أو مشرب أو خلق أو عقيدة أو غير ذلك، كان ينصح السائل فيقول له: احذ حذو فلان.
سواء في الأخلاق، أو السلوك أو العقيدة أو غير ذلك.
قال: [عن أبي عثمان عن أبي موسى قال: (كنا مع رسول الله ﵊ في غزاة).
فذكر الحديث -أي: ذكر الحديث السابق- وقال فيه: (والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)].
أي: إذا كان العبد أو الراكب لهذه الدابة يظن أن عنق الراحلة قريباً منه، فالله ﵎ أقرب إلى أحدنا من عنق راحلته.
[قال: وليس في حديثه ذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النضر بن شميل، حدثنا عثمان بن غياث، حدثنا أبو عثمان، عن أبي موسى الأشعري قال: (قال لي رسول الله ﷺ : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة -أو قال:- على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت: بلى.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله)].
أي: هي كنز من كنوز الجنة.
ففي هذا الحديث الندب إلى خفض الصوت بالذكر، إذا لم تدعو حاجة إلى رفعه، فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه.
أي: الذي يخفض صوته بذكر الله أبلغ في تعظيم الله وتوقيره وإجلاله، إلا إذا دعت الضرورة والحاجة، أو لم يتمكن الإنسان من خفض الصوت، فلا بأس أن يرفع بذلك صوته ولا حرج عليه، فخفض الصوت بالذكر مندوب وليس واجباً، فإذا دعت حاجة إلى الرفع رفع كما جاءت بذلك الروايات.
أما قوله: (والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، فهو بمعنى ما سبق، ومعناه المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦].
أي: نحن أقرب إلى المحتضر من حبل الوريد الذي هو داخل في رقبته.
والمراد: تحقيق سماع الدعاء.
فالله ﵎ يعلم السر وأخفى، بل يعلم السر الذي يسره الإنسان لأخيه، ويعلم كذلك ما تحدث به نفس الإنسان قبل أن يتكلم به مع أي أحد، بل قبل أن يجهر به مع نفسه، فالله ﵎ يعلمه، بل ويعلم ما هو أخفى من ذلك، يعلم الذي سيفكر فيه العبد، والذي سيعمله العبد، ومصير العبد بين يديه ، فإذا كان الله تعالى يعلم كل ذلك، الحاصل منه وغير الحاصل، الماضي منه والمستقبل، الذي يسره الإنسان والذي يجهر به، الذي لم يفكر فيه الإنسان أصلاً، فهذا يحقق أن الله تعالى أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد، وهو تحقيق سماع الدعاء.
стр. 935
معنى قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)
أما قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة).
قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وانقياد وإذعان لله .
ومعناها: لا حول ولا حيلة ولا طاقة لنا في فعل شيء أو ترك شيء أو إتيان طاعة أو الوقوع في معصية إلا بإذن الله تعالى، وأنتم تعلمون أن الخير والشر من الله تعالى، أما الخير فإنه إرادة الله تعالى الشرعية التي مبناها على المحبة والرضا، وأما الشر فإنه لا يقع في الكون إلا ما أراد الله ، إرادة شرعية دينية، أو إرادة كونية قدرية، فالشر وإن لم يكن من شرع الله ولا واقعاً تحت مرضات الله ، لكن العبد لا يمكن له أن يأتي بعمل إلا إذا أذن الله ﵎ فيه من جهة الخلق والإيجاد.
قال العلماء: سبب ذلك: أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى.
يعني: تفويض الأمر إلى الله ، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾ [غافر:٤٤]، حتى لا تظنوا أن هذا من باب التفويض المذموم الذي هو صرف النص عن ظاهره فيما يتعلق بصفات الله .
قال: واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لقضائه وأمره، وأن العبد لا يملك شيئاً من الأمر.
ومعنى الكنز: أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس كما أن الكنز هو أنفس أموالكم.
قال أهل اللغة: الحول: الحركة والحيلة.
أي: لا حركة لنا ولا استطاعة لنا ولا حيلة لنا إلا بمشيئة الله تعالى.
وقيل: معناه: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله تعالى.
وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله للعبد، ولا قوة للعبد على طاعة الله إلا بمعونته .
وحكي هذا عن ابن مسعود ﵁ وكله متقارب.
يعني: كل هذه المعاني والتفسيرات متقاربة المعنى كما قال أهل اللغة.
ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة.
стр. 936
شرح حديث أبي بكر: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا ليث -وهو الليث بن سعد المصري - ح وحدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب -وهو المصري- عن أبي الخير -وهو مرثد بن عبد الله اليزني - عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر ﵄].
وهنا نقطة عظيمة وهي: مدى حرص الصديق على الخير، إذ يطلب من النبي ﵊ -وهو من هو في المكانة والإمامة والمنزلة- أن يعلمه دعاءً، أو كلاماً يدعو به في صلاته، [فقال النبي ﵊: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيرا -وفي رواية: كثيراً- ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)].
إذا العبد يقول هذا الكلام في صلاته، فياحبذا لو كان ذلك في سجوده؛ (لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
قال: فأكثروا فيه الدعا)؛ لأن السجود هو حالة من العبد يبرهن بها عن مزيد ذله وخضوعه لله ، إذ إنه يأتي بهامته التي هي أعلى شيء وأشرف شيء في بدن الإنسان فيضعها في الوحل والتراب والرغام لله من جهة الحب أو على جهة الحب والعبادة والقرب، فإذا كان العبد يحقق هذا لله ، فياحبذا لو أنه دعا بدعاء بين يدي الله في هذا الموطن وافتقر إلى الله تعالى على نحو قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
وفيها: إثبات أن الله ﵎ غفور رحيم، كما أن فيها صحة مناسبة ذكر هذه الأسماء مع الدعاء، فمثلاً لا يقول العبد: اغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك العزيز القوي المنتقم الجبار.
لا يصلح هذا الكلام، وإنما يصلح أن يسم الله ﵎ بأسماء تتناسب مع أصل الدعاء.
فمثلاً: لا يصح أن يقول أحدهم: اللهم انتقم من فلان الذي ظلمني إنك أنت الغفور الرحيم.
كيف يتناسب هذا مع هذا؟! إذاً: أنت تذكر من أسماء الله تعالى ما يتناسب مع أصل الدعاء، قال: (إنك أنت الغفور الرحيم)
стр. 937
لطيفة إسنادية في حديث (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)
قال: [وحدثنيه أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني رجل سماه].
إذاً: الإسناد هذا ضعيف؛ لأن عبد الله بن وهب لما سمى الرجل لم نعرفه نحن، وجهالة الراوي سبب في ضعف الإسناد.
فمثلاً: عندما أقول لك: أخبرني فلان من الناس، ستقول: لا يصح ذلك؛ لأن فلاناً قد يكون ضعيفاً، وفي هذه الحالة إما أن نسميه وبعد تسميته وتحديد عينه يعرف بالتوثيق، وإلا فإن الإسناد ضعيف للجهالة.
أي: جهالة الراوي، وهذا ليس انقطاعاً، إذ الجهالة تختلف عن الانقطاع.
قال: [أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث].
إذاً عمرو بن الحارث متابع لرجل مجهول، وبالتالي لابد أن أنظر في ترجمة عمرو بن الحارث، هل هو ثقة أو ليس بثقة؟ فإن كان ثقة فأنا أعتبر هذا الرجل المجهول كأنه لم يكن؛ لأن عمرو بن الحارث يحل محله، فسواء ذكر اسمه أو لم يذكر اسمه.
فجهالة الراوي في كل طبقات الإسناد تضر بثبوت الإسناد، وتضر بثبوت الحديث ويكون ضعيفاً، إلا في طبقة واحدة وهي طبقة الصحابة، كأن يقول التابعي: حدثني رجل من أصحاب النبي ﵊، فإن ذلك لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول ﵃.
قال: [أخبرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث].
وكلاهما في طبقة واحدة، فيغني عن المجهول المعلوم، وهو عمرو بن الحارث، وهو ثقة.
стр. 938
تواضع الصديق ﵁ في طلب العلم
قال: [عن يزيد بن أبي حبيب المصري، عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: (إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ : علمني يا رسول الله دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي)].
هذا الدعاء إما أن يحمل على أنه في الصلاة في المسجد -أي: في صلاة الفريضة- وفي بيته في صلاة النافلة، وإما أن يدل هذا الحديث على استحباب هذا الدعاء في الصلاة وفي غيرها، وأشد استحباباً أن يكون في الصلاة وفي البيت.
وانظروا إلى تواضع وأدب أبي بكر الصديق ﵁، فقد بلغ من السن ما بلغ، ومن المنزلة ما بلغ، ومع هذا يأتي بلغة صبي الكتاب بين يدي شيخه ويقول: (يا رسول الله! علمني).
ولم يستأنف ولم يستنكف عن طلب العلم، مع علو منزلته وعظيم شرفه، ومع ذلك فقد طلب من النبي ﵊ في حضرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وأنتم تعلمون أن عبد الله بن عمرو من صغار الصحابة، وأبو بكر الصديق ﵁ أكبر الصحابة، ولم يستنكف أبو بكر في هذا الموطن أن يقول أمام طفل من أطفال الصحابة: (يا رسول الله! علمني).
ما قال له: أنا والله كنت أريدك منفرداً حتى لا يعلم هذا الطفل الصغير، لا؛ لأنه لا يتعلم العلم مستح ولا متكبر، وهذا الأثر ذكره الإمام البخاري في كتاب العلم عن عبد الله بن مسعود ﵁.
فالعلم إنما يحول بينك وبينه الكبر والحياء؛ ولذلك قالت عائشة ﵂: رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
والمقصود: حياء المرأة الطبيعي الذي يجعل المرأة تستحي دائماً من كل شيء، وأن تسأل عن أي شيء، لكن نساء الأنصار بالذات علمن النساء المهاجرات أنه لا حياء في طلب العلم.
وهذا يرد به على القول المشهور المعروف: لا حياء في الدين.
فهذا القول خطأ.
والصواب: أن الدين كله حياء وصواب ذلك: أنه لا حياء في الطلب؛ لأن الحياء في الطلب ليس حياءً حقيقياً، وإنما هو عجز وضعف، فالحياء كل الحياء أن تطلب العلم، وتستحي من نفسك وأنت جاهل.
قال: [(إن أبا بكر الصديق ﵁ قال لرسول الله ﵊: علمني يا رسول الله دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي).
ثم ذكر بمثل حديث الليث، غير أنه قال: (ظلماً كثيراً)].
ومعظم الروايات التي روي بها هذا الحديث إنما أفادت لفظ: (كثيراً) بدل (كبيراً).
стр. 939
باب التعوذ من شر الفتن وغيرها
الباب الرابع عشر: (باب التعوذ من شر الفتن وغيرها).
أي: من الفتن كلها، لكن التعوذ من شر الفتن أعظم من التعوذ من مجرد الفتنة.
يعني: مثل أن أقول: هناك شيء شر، وهناك شيء أشر منه.
стр. 940
شرح حديث (اللهم فإني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار)
وفي كتاب الصلاة وغيره: (بيان تعوذه ﵊ من فتنة القبر)، وفتنة القبر هي فتنة منكر ونكير؛ لأن فتنة القبر غير عذاب القبر، ففتنة القبر إنما تكون حين سؤال الملكين للرجل، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فإذا كان العبد من أهل الإيمان والعمل والتوحيد سدد ووفق وثبت في الإجابة عن هذا السؤال، قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﵊.
وإذا لم يكن العبد من أهل الإيمان والتوحيد ولم يكن عاملاً، بل كان عاصياً مستهتراً، أو كان جاحداً منكراً أو منافقاً أو كافراً قال: (لا أدري، وجدت الناس أو سمعت الناس يقولون: كذا فقلت كذا).
وفي رواية يقول: (ها ها لا أدري).
كالمشدوه الذي ظن أنه لا يقف هذا الموقف قط، فالمنكرين الآن لعذاب القبر وفتنة القبر، والمكذبين الآن لسؤال منكر ونكير لا بد أنهم سيفاجئون بذلك؛ لأنه لم يكن هذا في ظنهم في الدنيا، بل جحدوا ذلك وأنكروه، ولذا فإنهم سيفاجئون في قبورهم حين نزولهم وإغلاق القبر عليهم بمنكر ونكير، والذي قلما يثبت بأس المرء وقلب المرء أمام منظريهما، إلا من ثبته الله تعالى؛ ولذلك الصحابة ﵃ الذي بلغوا في العلم والفضل والتقوى والورع والمنزلة مبلغاً عظيماً جداً كان النبي ﵊ يقول إذا دفن أحدهم: (أدعو لأخيكم فإنه الآن يسأل).
لأنه أحوج ما يكون إلى الدعاء بالتثبيت، وهو في أمس الحاجة لدعاء إخوانه وهو يسمع قرع نعالهم في الخارج.
وهنا: إثبات استحباب الدعاء والقيام على القبر مدة من الزمان تكفي لنحر جزور وسلخه وتوزيع لحمه أو تفريق لحمه، وهذه المدة التي يبقى فيها منكر ونكير مع هذا المقبور حديثاً.
أما عذاب القبر فإنما مثله كما مر النبي ﵊ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
فهناك بعض الأعمال يعاقب الله عليها العبد في الدنيا، وبعضها يعاقب عليها في القبر، وهي الدار الثانية، وبعضها يعاقب عليها في الدار الآخرة .
وقد شرحنا الكلام هذا وقلنا: فيه خمسة عشر قولاً لأهل العلم، وأرجح الأقوال في قوله: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير).
أي: هذا العمل الذي يعذب المخلوق بسببه لم يكن شديداً ولا قاسياً عليه في الدنيا، إذ كان بإمكانه أن يحترز منه، لكنه لما فرط وأهمل عذب بسبب التفريط في قبره.
قال: (أما فتنة المسيح الدجال، فأنتم تعلمون أنه لن تكون فتنة أعظم منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى قيام الساعة من فتنة المسيح الدجال، وقد تكلمنا عن المسيح مراراً وتكراراً بما يغني عن إعادته الآن.
قال: أما غسل الخطايا بالماء والثلج فهذا تشبيه المراد منه: شدة التنقية أو شدة النقاء، فتقول: اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد.
وكأن التقدير: اللهم اغسلني.
أي: اللهم اغسل لي خطاياي واجعلني نقياً نقاءً تاماً منها كما إذا غسل الثوب الأبيض بالماء أو الثلج أو البرد.
وفي تكملة الحديث: (ونق قلبي من الخطايا)، أي: اجعله طاهراً مطهراً كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، أي: من الوسخ.
وأهل القبور لا يفتنون بـ الدجال؛ لأن الدجال يبعث قبل قيام الساعة، وأن من مات لا يبعث إلا مع البعث العام، ولا يكون البعث إلا بعد موت الدجال، بل وموت الخلائق جميعاً حتى الملائكة، وأول من تنشق عنه الأرض هو النبي ﵊، على خلاف بينه وبين موسى ﵇.
والراجح: أن الأرض أول ما تنشق عن نبينا ﵊، فيجد موسى ﵇ عند العرش فيقول النبي ﵊: (فلا أدري أصعق قبلي، أو أفاق من الصعقة قبلي؟).
لكن الراجح من أقوال المحققين: أن الأرض أول ما تنشق عن نبينا ﵊.
قال: [(ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس)]، فانظر إلى النبي ﵊ وهو الذي يدعو بهذا الدعاء: [(اللهم اغسلني من ذنوبي بالماء والثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)]، وقلبه منقى ﵊، وقصة شق الصدر التي هي من معجزاته ﵊ ليست بخافية عنا، فقد انتزع من قلبه حظ الشيطان وملئوه إيماناً، فليس فيه إلا الإيمان بالله تعالى، لكن النبي ﵊ الذي كان يدعو بهذا الدعاء، ويستمر على هذا الدعاء إنما يتأدب مع ربه بإظهار الذل والخضوع والانكسار بين يديه .
كما أن من الفوائد في هذا الحديث: أن النبي ﵊ لما كان هو القدوة والإسوة أراد أن يدعو بهذا الدعاء ليعلم الأمة كيف تدعو الله تعالى، فقال: [(وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)].
فهنا مجاز أيضاً، وهو أن النبي عليه
стр. 941
شرح الإمام النووي لحديث (اللهم فإني أعوذ بك من فتنة النار)
قال: (وأما الكسل: فهو عدم انبعاث النفس إلى الخير وقلة الرغبة مع إمكانه).
أي: هو ممكن أن يفعل الخير، لكن نفسه كسولة، فكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من ذلك.
قال الخطابي: (إنما استعاذ النبي ﷺ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال.
قال القاضي: وقد تكون استعاذته من فقر المال والمراد الفتنة في عدم احتمال هذا المال وقلة الرضا به؛ ولذا قال: فتنة القبر، ولم يقل: الفقر، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بفضل الفقر).
قال: (وأما العجز فهو: عدم القدرة على إتيان الفعل.
وقيل: هو ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما يستحب الاستعاذة منه).
وأما استعاذته ﵊ من الهرم فالمراد به الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر.
أي: لو أن واحداً بلغ من العمر (٦٠) أو (٧٠) سنة، فإنه يستطيع أن يخدم نفسه، لكن في (٨٠) أو (٩٠) أو (١٠٠) يعجز حتى عن خدمة نفسه، فيحتاج إلى من يطعمه ويسقيه ويحمله ويقضي له حاجته وغير ذلك، وهذا بلا شك ثقل عظيم جداً، أسأل الله تعالى ألا يردنا وإياكم إلى أرذل العمر، قال: (وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المناظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها.
قال: (وأما استعاذته من المغرم وهو الدين فقد فسره ﷺ في الأحاديث السابقة في كتاب الصلاة أن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف.
أي: إذا كان الرجل مديناً فإنه إذا حدث كذب).
فيقول للدائن مثلاً: والله العظيم أنا لي فلوس عند فلان، فإذا أعطاني سأعطيك، وهو في الحقيقة ليس له عند فلان شيئاً، وربما إذا أتاه الدائن وطرق بابه قال لولده أخرج فقل له: أبي ليس موجوداً، فيخرج الابن فيقول له: أبي يقول لك: هو ليس في البيت! فالولد صادق لا يعرف الكذب، فهو ينقل الكلام حرفياً؛ لأنه ملتزم بالأمانة.
قال: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف؛ ولأنه قد يمطل المدين صاحب الدين؛ ولأنه قد يشتغل به قلبه، وربما مات قبل وفائه فبقيت ذمته مرتهنة به) أي: بهذا الدين.
وأما استعاذته ﵊ من الجبن والبخل فلما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكر، والإغلاظ على العصاة -لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه جبان- ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم والجهاد، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم الإخلاق، ويمتنع من الطمع فيما ليس له.
قال العلماء: (واستعاذته ﵊ من هذه الأشياء كلها لتكمل صفاته في كل أحواله وشرعه أيضاً تعليماً).
أي: أنه قال ذلك من باب التعليم للأمة كي يدعون الله تعالى.
قال: (وفي هذه الأحاديث دليل لاستحباب الدعاء والاستعاذة من كل الأشياء المذكورة وما في معناها، وهذا هو الصحيح الذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار، وذهبت طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل؛ استسلاماً للقضاء).
وهذا تنطع لا يكون إلا من الزهاد، إذ إنه أحياناً تأخذهم غفلة الزهد أن يتكلموا بالحق، فيتكلمون بغيره ظناً منهم أنه دين، كما يقول الصوفية مثلاً: حمل المتاع في الأسفار قادح في التوحيد.
يعني: أنا ممكن أن أسافر من هنا إلى مكة من أجل أن أحج، وأوقن بأن الله تعالى سيطعمني ويسقيني في الطريق، وأنا راكب على دابتي فلماذا أمشي راجلاً؟ هل هذا دين؟! هم يقولون هذا.
كما يقولون: حمل الأزواد في الأسفار مخل بالتوكل! إذاً فأين الأخذ بالأسباب؟! قال: (وذهبت طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل؛ استسلاماً للقضاء).
مع أن الدعاء عبادة، وهو من قضاء الله تعالى وقدره، فكيف نتركه؟! (وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن دعا لنفسه فالأولى تركه).
لكن النبي ﷺ في نفس الأحاديث كان يدعو لنفسه.
قال: (وقال آخرون منهم -أي: من الزهاد-: إن وجد في نفسه باعثاً للدعاء استحب وإلا فلا).
أي: عندما ينشط يدعو وإلا فلا.
قال: (ودليل الفقهاء -أي: القائلون باستحباب الدعاء-: هو ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء وفعله، والأخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بفعله).
стр. 942
باب التعوذ من العجز والكسل وغيره
قال الإمام النووي: الباب الخامس عشر: (باب: التعوذ من العجز والكسل وغيره).
стр. 943
شرح حديث التعوذ من فتنة المحيا والممات
[حدثنا يحيى بن أيوب، حدثنا ابن علية -هو إسماعيل بن إبراهيم بن علية، وعلية أمه- قال: وأخبرنا سليمان التيمي، حدثنا أنس بن مالك قال: (كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات)].
ونحن قد ذكرنا كل الكلام في شرح الحديث السابق عدا فتنة المحيا والممات، وفتنة المحيا -أي: فتنة الحياة- إما أن تكون في الدين أو في الدنيا، وكان النبي ﷺ يستعيذ أن يفتن في حياته فتنة تتعلق بالدين أو تتعلق بالدنيا، فمثلاً: حبك للمال وشغفك وطلبك وانشغالك به فتنة من فتن الدنيا، فإذا حزت المال بين يديك فانشغلت به عن طاعة الله فهو من فتن الدنيا، وهكذا في كل فتنة نقول هذا الكلام.
وأما فتنة الممات فقيل: المقصود بها: فتنة القبر، أو عذاب القبر، أو عذاب ما بعد الممات من فتنة البعث والنشور، والحساب، والجنة والنار، وغير ذلك.
وقيل: -وهو الراجح- أن فتنة الممات هي: رؤية العبد مكانه من الجنة أو النار في لحظة الاحتضار، وهي أعظم فتنة يتعرض لها العبد، وهي آخر فتنة على الإطلاق يتعرض لها العبد قبل وفاته وقبل خروج الروح، فيرى مكانه من النار فيفتن فيه.
ثم يقال له: هذا مكانك لولا أن الله أبدلك مكانه في الجنة.
ويرى مكانه من الجنة فيسعد بذلك ويفرح فيقال له -أي تقول له الملائكة-: (هذا مكانك لولا أنك عملت كذا وكذا فقد أبدلك الله مكانه من النار).
ثم يرى مكانه من النار، فحينئذ يكره لقاء الله تعالى فيكره الله تعالى لقاءه كما مر بنا، فهذه فتنة المحيا وتلك فتنة الممات، عصمنا الله تعالى وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 944
لطيفة إسنادية في حديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات
قال: [وحدثنا أبو كامل الحجدري، حدثنا يزيد بن زريع، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا معتمر -وهو ابن سليمان التيمي - كلاهما عن التيمي -أي: سليمان - عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ بمثله.
غير أن يزيد ليس في حديثه قوله: (ومن فتنة المحيا والممات).
قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، أخبرنا ابن المبارك -وهو عبد الله بن المبارك المروزي - عن سليمان التيمي، عن أنس بن مالك: (عن النبي ﵊ أنه تعوذ من أشياء ذكرها.
والبخل)].
أي: استعاذ بالله أن يكون بخيلاً.
قال: [حدثنا أبو بكر بن نافع العبدي، حدثنا بهز بن أسد العمي، حدثنا هارون] وهو ابن موسى النحوي الأزدي العتكي؛ لأن هناك هارون من الطبقة السابعة، وهذا بصري والآخر كوفي، وكلاهما أعور، فالذي معنا هو: هارون بن موسى الأعور أخرج له البخاري ومسلم.
وهناك هارون بن سعد الأعور أخرج له مسلم فقط.
وكلاهما في طبقة واحدة، وهذا كوفي وذاك بصري.
وهارون بن موسى النحوي الأزدي العتكي مولاهم البصري، ثقة، عالم بالقراءات، لكنه رمي بالقدر.
وهارون بن سعد الأعور رمي بالرفض.
يعني: كلاهما مرمي بشيء.
وهكذا نفرق بينهم بالرواة وبالشيوخ والتلاميذ، وهذا رمي بالرفض، ولذا ليس من الإنصاف أن ترد أقوال المبتدعة، إنما الإنصاف إذا وافق قولهم الحق قبلناه، ومثله إذا وافق قول الكفار الحق قبلناه، وهذا مذهب السلف.
والمبتدع يقبل قوله بشروط: الشرط الأول: ألا تكون بدعته مكفرة.
الشرط الثاني: ألا يكون داعية إلى بدعته.
أي: لا يكون رائداً في البدعة.
الشرط الثالث: ألا تكون روايته خادمة لبدعته قط.
والكلام فيه تفصيل، لكن على أية حال يكفي هذا.
قال: [حدثنا شعيب بن الحبحاب -وهو أبو صالح البصري - عن أنس قال: (كان النبي ﵊ يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر)].
أي: أن يرد إلى عمر طويل جداً فيعجز معه عن خدمة نفسه.
قال: [(وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات)].
стр. 945
باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره
(باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره).
стр. 946
شرح حديث الاستعاذة من سوء القضاء
قال: [حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني سمي -مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام - عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)].
(جَهد) بفتح وضم الجيم، والأولى: (جَهد البلاء) بالفتح.
[قال عمرو -أي: عمرو الناقد - في حديثه: قال سفيان بن عيينة: أشك أني زدت واحدة منها].
أي: أن سفيان بن عيينة كان يقول: أنا لست متأكداً، يمكن أني زدت واحدة، لكن لا أعرف ما هي، وربما لم أزد، وإنما هو مجرد شك، وهذا الكلام نستفيد منه دقة المحدثين فيما يروونه.
أي: أنه لا يستجيز أحدهم لنفسه أن يتكلم عن النبي ﵊ بكلمة وهو يشك أنه قال أو لم يقل، إلا أن يبين أنه يشك أو غير ذلك.
стр. 947
شرح حديث: (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات)
قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، حدثنا محمد بن رمح -واللفظ له- أخبرنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث بن يعقوب].
وهو الأنصاري مولاهم، والد عمرو بن الحارث، شيخ الليث، لكن الذي تخرج على يديه -أي: على يدي عمرو بن الحارث - هو عبد الله بن وهب.
والحارث بن يعقوب والد عمرو هو مصري، لكنه نزل المدينة فقيل عنه: مولى الأنصار، وهو ثقة من عباد أهل مكة.
قال: [أن يعقوب بن عبد الله -وهو يعقوب بن عبد الله بن الأشج، أبو يوسف المدني مولى قريش- حدثه أنه سمع بسر بن سعيد المدني العابد يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت خولة بنت حكيم السلمية].
وهي التي وهبت نفسها للنبي ﵊، وكانت تحت عثمان بن مظعون ﵁ قبل وفاته.
قال: [سمعت خولة -وقيل: خويلة بالتصغير- تقول: سمعت النبي ﵊ يقول: (من نزل منزلاً -أي: دخل مكاناً آمناً آو غير آمن- ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)].
هذا الكلام يريد رجالاً يعتقدون أن قوى الدنيا بأسرها لا يمكن أن تفعل شيئاً، إذ إن العقيدة دائماً تحتاج إلى رجل يقرأ ويخزن ما يقرأ في قلبه وليس في لسانه، أو يحفظ في عقله، فيقرأ الأثر من قلبه فيعقد عليه قلبه وعزمه، وإن وقع به مكروه فهو إما لخلل في اعتقاده، وإما ابتلاء من الله تعالى ليكفر عنه ذنباً وقع منه قبل هذا، والنبي ﵊ كان يعرف ذلك ويقوله، لكن ما حصل له هو ابتلاء من الله تعالى، ولذا إذا نزل أحدنا منزلاً، أو دخل خربة، أو مكاناً مظلماً، أو أتى إلى أحبابه وأصحابه فقال هذا الدعاء بعقيدة، فإنه لا يمكن أبداً أن يمد أحدهم يده عليه، أو يطول لسانه عليه إلا بقدر، والقدر هذا إذا تم يكون من أجل شيئين: إما مغفرة للذنب ولخلل في علاقته بالله ، فأراد الله تعالى أن يطهره منه، وهذا منزلة عظيمة كذلك، أو أن الله تعالى ابتلاه حتى يرفع درجاته.
لكن الأصل أنك إذا نزلت منزلاً فقل: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق).
أي: من شر كل مخلوق، ثم اعقد قلبك على أنه لا يستطيع أحد أن يمسك بشيء إلا بشيء أريد بك في السماء لرفع الدرجات أو لمغفرة الذنوب.
стр. 948
ذكر روايات وطرق أخرى لحديث الاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق
قال: [وحدثنا هارون بن معروف وأبو الطاهر كلاهما عن ابن وهب -واللفظ لـ هارون -حدثنا عبد الله بن وهب قال: وأخبرنا عمرو بن الحارث، أن يزيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه).
قال يعقوب: وقال القعقاع بن حكيم الكناني المدني، عن ذكوان السمان أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة).
أي: لقد نزلت البارحة منزلاً فلدغتني عقرب، فهو يقول له: أنت لم تعرف الذي حصل البارحة؟ فقال النبي ﵊: [(أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك)].
يعني: لا يمكن أن تلدغك.
وتصور أن واحداً من الصحابة ﵁ يقول هذا وهو معتقد أن العقارب والخفافيش وحشرات الأرض وهوامها ودوابها لا يمكن أن تقربه إلا بإذن الله، لذا فقد كان معظم الصحابة أهل بادية، والبادية معروفة بالحشرات السامة القاتلة، فالواحد منهم كان يقول كلمة ثم ينام على عقيدة أنه لا يمكن لأي شيء يأتيه.
قال: [وحدثني عيسى بن حماد المصري، أخبرني الليث، عن يزيد، عن جعفر] رجال السند كلهم مصريون، فـ عيسى مصري، والليث مصري، ويزيد مصري، وجعفر وهو ابن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة مصري.
قال: [عن يعقوب أنه ذكر له أن أبا صالح السمان مولى غطفان أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رجل: (يا رسول الله! لدغتني عقرب).
بمثل حديث ابن وهب].
قوله: (كان النبي ﷺ يتعوذ من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء) أما درك الشقاء فهو إدراك ما يشقى به المرء، والاستعاذة من سوء القضاء يدخل فيها سوء القضاء في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة، وأما درك الشقاء فيكون أيضاً في أمور الآخرة والدنيا.
ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء.
أما شماتة الأعداء فهي: فرح العدو ببلية تنزل بعدوه.
يقال: شمت -بكسر الميم وفتحها- فهو شامت واشمته غيره.
وأما جهد البلاء فروي عن ابن عمر أنه فسره بقلة المال وكثرة العيال.
وقال غيره: هي الحالة الشاقة.
أما قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) قيل: معناه: الكاملات.
أي: أعوذ بكلمات الله الكاملات التامات التي لا يدخلها نقص ولا عيب.
وقيل: أعوذ بكلمات الله النافعة الشافية المانعة، والمراد بالكلمات هنا: القرآن الكريم.
وفي هذا جواز الاستعاذة أو التعوذ أو الرقية بكلام الله .
стр. 949
شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - آداب النوم وأذكاره
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بآداب وسنن على المسلم الحرص عليها، ومن ذلك ما جاءت به من سنن للنوم وأذكار، فليحرص كل مسلم على نيل ما ورد فيها من فضائل، وبذلك يحقق المتابعة لرسول الله ﷺ في أمور حياته.
стр. 950
باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فما زال الكلام موصولاً عن الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، جعلنا الله تعالى وإياكم من أهلها، ومع الباب السابع عشر: قال الإمام النووي عليه رحمة الله: (باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع).
أي: ما يقول من أراد أن ينام ويأخذ مضجعه.
والمضجع: هو المكان الذي يريد الإنسان أن ينام فيه.
следующие страницы →