← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37026

شرح صحيح مسلم - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (2 103 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

شرح حديث الاستعاذة من سوء القضاء قال: [حدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني سمي -مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام - عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)]. (جَهد) بفتح وضم الجيم، والأولى: (جَهد البلاء) بالفتح. [قال عمرو -أي: عمرو الناقد - في حديثه: قال سفيان بن عيينة: أشك أني زدت واحدة منها]. أي: أن سفيان بن عيينة كان يقول: أنا لست متأكداً، يمكن أني زدت واحدة، لكن لا أعرف ما هي، وربما لم أزد، وإنما هو مجرد شك، وهذا الكلام نستفيد منه دقة المحدثين فيما يروونه. أي: أنه لا يستجيز أحدهم لنفسه أن يتكلم عن النبي ﵊ بكلمة وهو يشك أنه قال أو لم يقل، إلا أن يبين أنه يشك أو غير ذلك.

стр. 947

شرح حديث: (من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، حدثنا محمد بن رمح -واللفظ له- أخبرنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الحارث بن يعقوب]. وهو الأنصاري مولاهم، والد عمرو بن الحارث، شيخ الليث، لكن الذي تخرج على يديه -أي: على يدي عمرو بن الحارث - هو عبد الله بن وهب. والحارث بن يعقوب والد عمرو هو مصري، لكنه نزل المدينة فقيل عنه: مولى الأنصار، وهو ثقة من عباد أهل مكة. قال: [أن يعقوب بن عبد الله -وهو يعقوب بن عبد الله بن الأشج، أبو يوسف المدني مولى قريش- حدثه أنه سمع بسر بن سعيد المدني العابد يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت خولة بنت حكيم السلمية]. وهي التي وهبت نفسها للنبي ﵊، وكانت تحت عثمان بن مظعون ﵁ قبل وفاته. قال: [سمعت خولة -وقيل: خويلة بالتصغير- تقول: سمعت النبي ﵊ يقول: (من نزل منزلاً -أي: دخل مكاناً آمناً آو غير آمن- ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك)]. هذا الكلام يريد رجالاً يعتقدون أن قوى الدنيا بأسرها لا يمكن أن تفعل شيئاً، إذ إن العقيدة دائماً تحتاج إلى رجل يقرأ ويخزن ما يقرأ في قلبه وليس في لسانه، أو يحفظ في عقله، فيقرأ الأثر من قلبه فيعقد عليه قلبه وعزمه، وإن وقع به مكروه فهو إما لخلل في اعتقاده، وإما ابتلاء من الله تعالى ليكفر عنه ذنباً وقع منه قبل هذا، والنبي ﵊ كان يعرف ذلك ويقوله، لكن ما حصل له هو ابتلاء من الله تعالى، ولذا إذا نزل أحدنا منزلاً، أو دخل خربة، أو مكاناً مظلماً، أو أتى إلى أحبابه وأصحابه فقال هذا الدعاء بعقيدة، فإنه لا يمكن أبداً أن يمد أحدهم يده عليه، أو يطول لسانه عليه إلا بقدر، والقدر هذا إذا تم يكون من أجل شيئين: إما مغفرة للذنب ولخلل في علاقته بالله ، فأراد الله تعالى أن يطهره منه، وهذا منزلة عظيمة كذلك، أو أن الله تعالى ابتلاه حتى يرفع درجاته. لكن الأصل أنك إذا نزلت منزلاً فقل: (أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق). أي: من شر كل مخلوق، ثم اعقد قلبك على أنه لا يستطيع أحد أن يمسك بشيء إلا بشيء أريد بك في السماء لرفع الدرجات أو لمغفرة الذنوب.

стр. 948

ذكر روايات وطرق أخرى لحديث الاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق قال: [وحدثنا هارون بن معروف وأبو الطاهر كلاهما عن ابن وهب -واللفظ لـ هارون -حدثنا عبد الله بن وهب قال: وأخبرنا عمرو بن الحارث، أن يزيد بن أبي حبيب والحارث بن يعقوب حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا نزل أحدكم منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه). قال يعقوب: وقال القعقاع بن حكيم الكناني المدني، عن ذكوان السمان أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة). أي: لقد نزلت البارحة منزلاً فلدغتني عقرب، فهو يقول له: أنت لم تعرف الذي حصل البارحة؟ فقال النبي ﵊: [(أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك)]. يعني: لا يمكن أن تلدغك. وتصور أن واحداً من الصحابة ﵁ يقول هذا وهو معتقد أن العقارب والخفافيش وحشرات الأرض وهوامها ودوابها لا يمكن أن تقربه إلا بإذن الله، لذا فقد كان معظم الصحابة أهل بادية، والبادية معروفة بالحشرات السامة القاتلة، فالواحد منهم كان يقول كلمة ثم ينام على عقيدة أنه لا يمكن لأي شيء يأتيه. قال: [وحدثني عيسى بن حماد المصري، أخبرني الليث، عن يزيد، عن جعفر] رجال السند كلهم مصريون، فـ عيسى مصري، والليث مصري، ويزيد مصري، وجعفر وهو ابن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة مصري. قال: [عن يعقوب أنه ذكر له أن أبا صالح السمان مولى غطفان أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رجل: (يا رسول الله! لدغتني عقرب). بمثل حديث ابن وهب]. قوله: (كان النبي ﷺ يتعوذ من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء، وجهد البلاء) أما درك الشقاء فهو إدراك ما يشقى به المرء، والاستعاذة من سوء القضاء يدخل فيها سوء القضاء في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة، وأما درك الشقاء فيكون أيضاً في أمور الآخرة والدنيا. ومعناه: أعوذ بك أن يدركني شقاء. أما شماتة الأعداء فهي: فرح العدو ببلية تنزل بعدوه. يقال: شمت -بكسر الميم وفتحها- فهو شامت واشمته غيره. وأما جهد البلاء فروي عن ابن عمر أنه فسره بقلة المال وكثرة العيال. وقال غيره: هي الحالة الشاقة. أما قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) قيل: معناه: الكاملات. أي: أعوذ بكلمات الله الكاملات التامات التي لا يدخلها نقص ولا عيب. وقيل: أعوذ بكلمات الله النافعة الشافية المانعة، والمراد بالكلمات هنا: القرآن الكريم. وفي هذا جواز الاستعاذة أو التعوذ أو الرقية بكلام الله .

стр. 949

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - آداب النوم وأذكاره لقد جاءت الشريعة الإسلامية بآداب وسنن على المسلم الحرص عليها، ومن ذلك ما جاءت به من سنن للنوم وأذكار، فليحرص كل مسلم على نيل ما ورد فيها من فضائل، وبذلك يحقق المتابعة لرسول الله ﷺ في أمور حياته.

стр. 950

باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فما زال الكلام موصولاً عن الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، جعلنا الله تعالى وإياكم من أهلها، ومع الباب السابع عشر: قال الإمام النووي عليه رحمة الله: (باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع). أي: ما يقول من أراد أن ينام ويأخذ مضجعه. والمضجع: هو المكان الذي يريد الإنسان أن ينام فيه.

стр. 951

شرح حديث البراء بن عازب فيما يقال عند النوم قال المصنف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لـ عثمان - قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير عن منصور عن سعد بن عبيدة -وهو أبو حمزة السلمي الكوفي - قال: حدثني البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة)]. يعني: إذا أردت أن تنام فتوضأ وضوءك للصلاة. وقوله: (وضوءك للصلاة) يدل على أن المراد الوضوء الاصطلاحي لا الوضوء اللغوي؛ لأن الوضوء اللغوي هو الغسل، فلو أنك غسلت كفيك فقط لصح في اللغة أن يقال: إنك توضأت، ولو أنك غسلت وجهك فقط لصدق في اللغة أن يقال: إنك توضأت. وأما قوله: (فتوضأ وضوءك للصلاة) يعني: أن تتوضأ الوضوء الاصطلاحي المعروف، الذي تتوضأه لأجل الصلاة، ولا يلزم منه الصلاة، فلا يلزم من إحداث الوضوء إحداث الصلاة؛ لأن الوضوء عبادة مستقلة عن الصلاة، وهو شرط في صحتها. قال: [(ثم اضطجع على شقك الأيمن)]، يعني: نم على جنبك الأيمن. وهذا هو الأدب الثاني. فأول أدب: أن تكون على وضوء. والأدب الثاني: أن تنام على جنبك الأيمن. قال: [(ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة)]، وفي رواية بزيادة: (وإن أصبحت أصبت خيراً). وفي رواية: (وإن أصبت أصبت خيراً). يعني: إن أصبت في نومك أو في يقظتك فهذه الإصابة خير من عند الله . [قال -أي البراء بن عازب -: (فرددتهن لأستذكرهن)]. يعني: أراد أن يحفظ هذه الكلمات، فرددهن أمام النبي ﵊؛ لأنه -أي: النبي ﵊ يخاطب البراء بن عازب ويقول له: إذا أخذت يا براء! مضجعك فافعل كيت وكيت وكيت، فأراد البراء ألا ينصرف من حضرة النبي ﵊ إلا بعد أن يحفظ هذه الكلمات، فقال: (فرددتهن لأستذكرهن. فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت)]. مع أن النبي ﵊ حفظه أولاً: (وبنبيك الذي أرسلت). فقال النبي ﵊: (لا). أي: أنا ما قلت هذا. [(قل آمنت بنبيك الذي أرسلت)]، لا برسولك الذي أرسلت.

стр. 952

شرح روايات وطرق أخرى لحديث البراء فيما يقال عند النوم قال: [وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله -وهو ابن إدريس الأودي أبو محمد الكوفي - قال: سمعت حصيناً -وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي - عن سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ ، وذكر هذا الحديث، غير أن منصوراً -أي: في الطريق الأول- أتم حديثاً]. يعني: حديثه أطول من هذا الحديث. [وزاد في حديث حصين -أي: من طريقه-: (وإذا أصبح أصاب خيراً)]. يعني: إذا نام على هذه الكلمات وعلى هذه الهيئة والكيفية فإذا مات من ليلته مات على الفطرة. أي: على فطرة الإسلام والتوحيد، (وإذا أصبح أصاب خيراً) يعني: وفق لفعل الخير. قال: [وحدثنا محمد بن مثنى حدثنا أبو داود -وهو أبو داود الطيالسي - حدثنا شعبة -وهو ابن الحجاج العتكي البصري - ح وحدثنا ابن بشار -وهو محمد بن بشار المعروف بـ بندار - حدثنا عبد الرحمن وأبو داود -وعبد الرحمن هو ابن مهدي، وأبو داود الطيالسي - قالا -أي كلاهما-: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن البراء بن عازب: (أن رسول الله ﷺ أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه من الليل)]، وفي طريق منصور قال: (يا براء! إذا أخذت مضجعك)، ولا يمنع أن يكون هذا القول وجه لغير البراء في حضرة البراء، كما أنه لا يمنع أن يكون البراء هو الذي سأل ماذا يقول وماذا يفعل إذا أراد أن ينام، فبين له ذلك النبي ﵊. فهذا الحديث ورد في نوم الليل؛ لقوله: (إذا أخذ مضجعه من الليل)، يعني: في الليل، وأما في نوم النهار فلا، ولقوله في الرواية الأولى: (فإن مت من ليلتك). فهذا يدل على أنه نوم الليل وإن لم يصرح في أول الرواية بأنه نوم الليل. قال: [(أن يقول: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت)]. وهنا قال: (وبرسولك الذي أرسلت). وهذا يدل على تعدد الحوادث؛ لأن النبي ﵊ أنكر على البراء قوله: (وبرسولك الذي أرسلت)؛ لأنه علمه وبنبيك الذي أرسلت، ثم علم النبي ﵊ غير البراء رواية: (وبرسولك الذي أرسلت). والمعلوم قطعاً أن كل رسول نبي وليس العكس، فليس كل نبي رسولاً، فالرسالة أعم من النبوة؛ ولذلك أراد النبي ﵊ أن يوقف البراء على حقيقة لفظه الذي أراد أن يعلمه إياه، فلما أخطأ في ذلك رده وأنكر عليه، والنبي ﵊ قد شهد له القرآن والسنة أنه رسول نبي. قال: [(فإن مات مات على الفطرة)]. ولم يذكر ابن بشار في حديثه: (من الليل)]. قال: [وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا أبو الأحوص -وهو سلام بن سليم الحنفي - عن أبي إسحاق -وهو السبيعي - عن البراء بن عازب قال: (قال رسول الله ﷺ لرجل: يا فلان! إذا أويت إلى فراشك)]. أي: إذا ذهبت إلى فراشك. أي: فراش نومك. [بمثل حديث عمرو بن مرة]. وفسرناه بالنوم لأنه مذكور في الرواية الصريحة، والغالب لا يؤخذ به إلا عند الخلاف، فإذا جاءت الرواية توقفنا عندها. [غير أنه قال: (وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً)]. أي: وإن أصبحت حياً لم تمت فإن الله تعالى يوفقك إلى فعل الخير. [وحدثنا ابن المثنى وابن بشار -وهما محمد بن المثنى ومحمد بن بشار - وهما فرسا رهان في السبق والعلم والفضل وغير ذلك من أعمال البر والخير، والرواية كذلك. [قالا: حدثنا محمد بن جعفر -وهو المعروف بـ غندر البصري - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق -وهو السبيعي - أنه سمع البراء بن عازب يقول: (أمر رسول الله ﷺ رجلاً)، بمثله ولم يذكر: (وإن أصبحت أصبت خيراً)].

стр. 953

كلام النووي في حديث البراء فيما يقال عند النوم يقول الإمام النووي: ((إذا أخذت مضجعك) معناه: إذا أردت النوم في مضجعك، فتوضأ). قال: (وفي هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة: إحداها: الوضوء عند إرادة النوم، فإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء)، يعني: أنه لا يلزمه وضوء للنوم؛ لأنه إذا كان قد صلى العشاء مثلاً وهو باق على وضوئه الذي صلى فيه العشاء، فإن ذلك يكفيه؛ لأن الغرض أن ينام على طهارة، لا أن يخص النوم بوضوء، ويسميه وضوء نوم، بل إذا أراد النوم ولم يكن على وضوء توضأ، وإذا كان متوضئاً كفاه. قال: (لأن المقصود: النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته، ولا شك أن من مات على طهارة خير وأفضل ممن مات على غير طهارة، وليكون أصدق لرؤياه)، والإنسان إذا نام متوضئاً ورأى رؤيا فإنها تكون صادقة بقدر الإمكان، يعني: رؤيا حقيقية. قال: (وهي أبعد من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه)؛ لوجود الطهارة، وذلك أنه إنما نام على سنة، وسيقوم عليها بإذن الله. قال: (الثانية: -أي: السنة الثانية- النوم على الشق الأيمن؛ لأن النبي ﵊ كان يحب التيامن)، وذلك في أمره كله ﷺ ، كما في حديث عائشة: (كان يحب التيامن في تنعله وترجله وفي أمره كله). وقوله: في تنعله: أي إذا لبس النعل والحذاء بدأ اللبس برجله اليمنى، وإذا أراد أن يخلع بدأ باليسرى، (وإذا رجل شعره -أي: سرح شعره- سرح الشق الأيمن أولاً). كما كان ﵊ يحلق شقه الأيمن أولاً قبل الأيسر، وذلك لأن النبي ﵊ كان يحب التيامن. قال: (ولأنه أسرع إلى الانتباه)، يعني: أن الشخص إذا نام على جنبه الأيمن كان أسرع انتباهاً من الذي ينام على شقه الأيسر، فمن نام على شقه الأيسر كان نومه ثقيلاً جداً، فما بالكم بمن ينام على بطنه؟ وقد (دخل النبي ﵊ مسجده فوجد رجلاً قد اضطجع أو انبطح على بطنه فضربه بقدمه وقال: من هذا؟ قالوا: هذا فلان يا رسول الله! قال: أما علمت أن هذه ضجعة الشيطان). أي: هذه نومة الشيطان وليست نومة بني آدم، فمن نام على بطنه ففيه شبه من الشيطان في هديه في نومه. قال: (الثالثة: ذكر الله تعالى؛ ليكون خاتمة عمله). يعني: لا ينام المرء إلا على ذكر، حتى يكون آخر عمله الذي عمله مؤخراً ثم مات بعده من ليلته هو ذكر الله تعالى، والأعمال بالخواتيم، كما قال النبي ﵊: (إنما الأعمال بالخواتيم). وقد قرأت بحثاً علمياً لأحد الأطباء المبرزين ذكر فيه: أن النوم على الشق الأيسر يضر بالقلب. وقال: من أخطر الأشياء إسراعاً لفساد القلب أو تضرره هو النوم على الشق الأيسر؛ لأن هذا لا يجعل القلب يعمل بصورة طبيعية، وإنما يتأثر بضغطه في الفراش. ولا بأس من ضم هذا الكلام إلى كلام أهل العلم في شرح هذا الحديث. النائم ينادي ويناجي ربه بكلمات مباركات، وهي: (إني أسلمت وجهي إليك). وفي رواية: (أسلمت نفسي إليك). فالوجه والنفس سواء؛ لأن الوجه يدل على النفس، والنفس تدل على الوجه، فكلاهما بمعنى واحد. (أي: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك، طائعة لحكمك. قال العلماء: يقال: سلم وأسلم واستسلم بمعنى واحد). قال: (ومعنى: (ألجأت ظهري إليك). أي: توكلت عليك واعتمدتك في أمري كله كما يعتمد الإنسان بظهره إلى من يسنده). يعني: يا رب! ليس لي سواك، وكل اعتمادي وتوكلي عليك. قال: (وقوله: (رغبة ورهبة إليك) أي: طمعاً في ثوابك وخوفاً من عذابك)، والعبد لا ينجو بين يدي الله إلا بهذين، بأن يعبد ربه بجناحي الخوف والرجاء، الخوف من عقابه وناره وعذابه، والرجاء لرحمته وسعة فضله وجنته وثوابه في الدنيا والآخرة، وغير ذلك مما يرجوه العبد من ربه. وهذا يُرد به على من قال من الصوفية: إنه لم يعبد ربه إلا بجناح الرجاء، وأنه لا يخاف الله تعالى؛ لأن الله تعالى حبيبه، والحبيب لا يعذب حبيبه، وقال: إن الخوف نقص في العبادة. والذي قال هذا هي رابعة العدوية، ثم ذكرت لهذا مثلاً وقالت: إن الولد إذا خاف من أبيه فإن تبجيله وتعظيمه لأبيه لا يكون تبجيلاً وتعظيماً صحيحاً. فقاست الخوف من الله على الخوف من المخلوقين، والقياس غير صحيح؛ لوجود الفارق، وهذا الفارق هو تماماً نفس الفارق بين الخالق والمخلوق. والنبي ﵊ هو الذي كان يقول هذا الكلام إذا أخذ مضجعه، فقد كان يقول: (رهبة ورغبة إليك). فالنبي ﵊ كان يخاف الله تعالى، كما أنه كان يرجو الله تعالى، وعلى من دون النبي ﵊ رابعة وخامسة وسادسة وغيرها أن تكون أشد خوفاً من الله من النبي ﵊، وقد قال النبي ﵊: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له)، وفي رواية: (إني أعرفكم بالله وإني أخشاكم لله وأتقاكم له). وكلما ازداد المرء علماً بالله ازداد منه خوفاً وقرباً

стр. 954

شرح حديث: (أن النبي كان إذا أخذ مضجعه قال: اللهم باسمك أحيا) [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي وهو معاذ بن معاذ العنبري حدثنا شعبة عن عبد الله بن أبي السفر -وهو الثوري الكوفي - عن أبي بكر بن أبي موسى -وهو الأشعري أخو أبي بردة الأشعري - عن البراء بن عازب: (أن النبي ﵊ كان إذا أخذ مضجعه قال: اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت)]. هذا هو الذكر الثاني فقد كان هو نفسه ﵊ إذا أخذ مضجعه يعني: آوى إلى فراشه. [قال: (اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)]؛ لأن النوم هو الموتة الصغرى؛ ولذلك قال ﵊: (باسمك اللهم أموت). يعني: أنام. (وباسمك أحيا) إن أردت لي الحياة. (وإذا قام من نومه قال: الحمد لله الذي أحيانا -يعني: من الممات- بعدما أماتنا). فشبه النوم في أوله وآخره بأصل الخلق والبعث بعد الموت، ثم أجزل اللفظ فقال: (وإليك النشور). والنشور هو البعث بعد الموت، فشبه النبي ﵊ النوم بالموت، وأن المرء إذا نام ثم استيقظ فكأنه مات ثم بُعث يوم القيامة للحساب والنشر والجزاء والعقاب والثواب، قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور). وهذا وارد في أذكار الليل؛ ولذلك بوب عليه الإمام النووي بقوله: (ماذا يقول من أراد أن يأخذ مضجعه) يعني: من الليل.

стр. 955

شرح حديث: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها) قال: [حدثنا عقبة بن مكرم العمي وأبو بكر بن نافع قال: حدثنا غندر حدثنا شعبة عن خالد -وهو خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي أبو عثمان البصري - قال: سمعت عبد الله بن الحارث -وهو أبو الوليد البصري نسيب ابن سيرين - يحدث. عن عبد الله بن عمر أنه أمر رجلاً إذا أخذ مضجعه قال: (اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها)]. وهذه هي العبودية، فهي إثبات أن الله تعالى هو الرب الخالق المحيي المميت، لا خالق غيره، ولا يحيي ولا يميت غيره ، وفيه إثبات أن الله تعالى هو الذي خلق الأنفس، وهو الذي يتوفاها، أي: ينيمها أو يميتها. قال: [(وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها)]. أي: لك ما تعمله في حياتها وما تعمله في مماتها، أي: في نومها، وهذا يشهد له قول إبراهيم ﵇ الذي جاء في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]. قال: [(إن أحييتها فاحفظها)]، أي: إن كتبت لها الحياة بعد الموت -أي: اليقظة بعد النوم- والاستيقاظ من هذا النوم فاحفظها، وفي رواية: (فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين). قال: (وإن أمتها فاغفر لها)، أي: وإن أمت نفسي فاغفر لها، [(اللهم إني أسألك العافية)]. والعافية عند الاطلاق تشمل الدين والدنيا، فالعافية في الدين أن يعان المرء على طاعة الله ، والعافية في الدنيا أن يجتنب المرء الحرام ويحرص على الحلال. [(فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟)] يعني: قال أحدهم لـ عبد الله بن عمر: أهذا الكلام الذي أمرت به فلاناً من الناس سمعته أنت من أبيك؟ أي: من عمر -[(فقال: من خير من عمر، من رسول الله ﷺ ]، يعني: ما سمعت هذا الكلام من عمر، وإنما سمعته من رجل هو أخير وأفضل من عمر، بل ومن ملء الأرض من مثل عمر وأبي بكر؛ لأنه خير الخلق أجمعين ﵊. وهذا يدل على تمام وكمال إيمان عبد الله بن عمر؛ لأنه يحب النبي ﵊ أكثر من حبه لنفسه ولأبيه وماله وولده والناس أجمعين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده وماله والناس أجمعين). وكان بإمكانه أن يقول: لا، بل سمعته من النبي ﵊، وإنما أراد أن يثبت أن النبي ﵊ خير وأحب إلى قلبه من أبيه، وفي ذلك إثبات لكمال إيمان عبد الله بن عمر ﵄. [قال ابن نافع في روايته عن عبد الله بن الحارث: ولم يذكر: سمعت].

стр. 956

شرح حديث أبي هريرة فيما يقال عند النوم قال: [حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل -وهو ابن أبي صالح السمان - قال: (كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام)]. وهنا نكتة ظريفة جداً: وهي أن سهيل بن أبي صالح هو ابن لـ أبي صالح السمان المسمى بـ ذكوان كان يقول: كان أبو صالح إذا أراد أحدنا أن ينام -يعني: إذا أراد أحد أبنائه أن ينام- أمره بكيت وكيت وكيت وهذا يدل على قيام السلف الصالح ﵃ بحسن تربية أبنائهم، وعدم تركهم حتى في لحظة نومهم، فكان أبو صالح السمان يأمر بنيه إذا أرادوا أن يناموا أن يناموا على السنة، وإذا قاموا أن يقوموا كذلك على السنة وعلى توحيد لله . قال سهيل: كان أبو صالح -أي: كان أبوه- إذا أراد أحدهم أن ينام [يأمره أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: (اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم)]. وكل هذه مخلوقات، فالسماوات مخلوقة، والأرضين السبع مخلوقة، وكذلك عرش الرحمن ﵎ مخلوق، ولا خالق إلا الله ، فكأنه أراد أن يثبت في هذا الحديث كمال الربوبية لله ، وأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وأن كل ما دون الله مخلوق وخالقه هو الله. وقوله: (اللهم رب السماوات السبع والأرضين ورب العرش العظيم)، كأن التقدير: رب السماوات وما فيهن والأرضين وما فيهن ومن فيهن، فإن الله ﵎ هو الذي خلق الخلق جميعاً. قال: [(ربنا ورب كل شيء)]، والشيء يطلق على العاقل وغير العاقل، يعني: أن الله تعالى هو الذي خلق الخلق أجمعين. قال: [(فالق الحب والنوى)]، أي: الخالق للحب والنوى، والمدبر لكل شيء مهما دق وجل، يعني: مهما كان صغيراً دقيقاً، وربما لا يكاد يُرى إلا بأحدث المناظير؛ فإن الله ﵎ هو الذي خلق كل هذا. قال: [(ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان)]. فالله ﵎ هو الذي أرسل الرسل، وأنزل معهم الكتب، فأنزل مع موسى ﵇ التوراة، وأنزل الإنجيل مع عيسى، وأنزل الفرقان مع محمد ﵊. قال: [(أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته)]، وفي رواية: (من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها)، يعني: أنت قادر عليها ومتحكم فيها، وأنتم تعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير، فعلى العبد أن يستجير بربه أن ينجيه من شر كل ذي شر، والله ﵎ قادر عليه وآخذ بزمام أمره ومالك لناصيته، فإن هذه الثعابين والحشرات والعقارب والحيات وغيرها أشياء، وهي كذلك ذوات، وبإمكانها أن تؤذي هذا النائم، ولو قال المرء هذا قبل نومه فإن هذه الأشياء لو رتعت حوله بعد ذكره لهذا الدعاء فإنها إن شاء الله تعالى لا تضره. وقوله: (أعوذ بك) أي: ألجأ إليك يا رب! أن تنجيني من شر كل شيء أو دابة أنت آخذ بناصيته أو بناصيتها. [(اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء)]، أي: أنت الأول قبل أن تخلق الخلق، وقبل أن تخلق السماوات والأرض، فإن الله ﵎ أول بلا ابتداء، أي: لا بداية له؛ لأن كل شيء له بداية، مخلوق وحادث، والله ﵎ لا يلحقه الحدث، وهذا قول: لا يرضاه السلف، وكذلك لا نرضاه نحن، فإن كل ما لا يرضاه السلف لا نرضاه نحن كذلك في ديننا ولا دنيانا، ولكني أردت مزيد بيان أن كل شيء له أول وله بداية فإنما هو مخلوق، إلا الله ، فإنه الأول بلا ابتداء، وهو الآخر كذلك بلا انتهاء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. قال: (وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر). وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث: أن من قال هذا الحديث قضى الله تعالى عنه دينه، ولم يحوجه إلى أحد. يعني: أغناه عن الناس. [وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ]، أي: أن الذي يروي هذا عن أبي هريرة هو أبو صالح السمان، وكأن السند عن سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر). وأبو صالح السمان كان يأمر أولاده إذا أرادوا أن يناموا أو يأخذوا مضجعهم أن يقولوا هذه الكلمات ولا يتركهم ينامون حتى يقولوها؛ ليحفظهم الله بهذه الكلمات المباركا

стр. 957

شرح روايات وطرق أخرى لحديث أبي هريرة فيما يقال عند النوم قال: [وحدثني عبد الحميد بن بيان الواسطي قال: حدثنا خالد الطحان عن سهيل عن أبيه أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أمراً إذا أخذنا مضجعنا أن نقول:) ثم ذكر الحديث بمثل حديث جرير -السابق- وقال: (من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها)، يعني: لم يقل: (من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته). والمعنى واحد. [وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني الكوفي حدثنا أبو أسامة - حماد بن أسامة الكوفي -، ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا ابن أبي عبيدة -وهو محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي، واسم أبيه عبد الملك - قال: حدثنا أبي -أي: عبد الملك - كلاهما عن الأعمش، يعني: عبد الملك وأبي أسامة كلاهما يروي عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران الكوفي، وهذا الإسناد كله كوفي إلا أبي صالح مدني، وأبو هريرة كذلك دوسي مدني، ولكن الحديث انتقل إلى أهل الكوفة عن طريق رحلة أبي صالح من المدينة إلى الكوفة؛ لأن أبا صالح السمان إنما لُقب بالسمان لأنه كان يجلب السمن والزيت من المدينة ويبيعه في الكوفة، وكان إذا نزل الكوفة نزل في بيت الأعمش، فهو من أجل شيوخ الأعمش. [عن أبي هريرة قال: (أتت فاطمة النبي ﷺ تسأله خادماً]. وفاطمة ابنة النبي ﵊، وكانت متزوجة علي بن أبي طالب ﵁. [(فقال لها: قولي: اللهم رب السماوات السبع)]، إلى آخر الحديث. وعندما كنت طفلاً في الابتدائية كان أحد الجيران في قريتي أخرساً لا يسمع ولا يتكلم، وكان ينام في بيته المجاور لنا، وفي أحد الأيام خرج عليه ثعبان عظيم جداً وأحاط برقبته، ولم يستطع أحد أن يتعامل معه، وظل هذا الثعبان يشتد عليه ويشتد حتى مات، وقد تذكرت هذه القصة اليوم، فأيقنت -وأنا موقن من غير عمل. أي: من غير تجارب- ببركة قول الله وقول نبيه ﵊، فقلت: سبحان الله! لو كان أحداً علم أهل القرى والريف كيف ينامون وكيف يستيقظون لما حدث مثل هذا. [(إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه)]، أي: لا يعلم ماذا ترك في فراشه الذي نام فيه آنفاً. (فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: سبحانك اللهم ربي، بك وضعت جنبي وبك أرفعه)، أي: كأنه أراد أن يقول: يا رب! لا حول لي ولا قوة إلا بك، بك وضعت جنبي وبك أرفعه، فلا يمكن أبداً لمن أراد أن يضع جنبه بغير إرادة الله أن يضعه، كما أن من نام وأراد أن يقوم في ساعة معينة، والله لم يرد له القيام في هذه الساعة لا يستطيع أن يقوم. وقوله: (بك وضعت جنبي)، أي: بحولك وقوتك وطولك وضعت جنبي لا بحولي؛ لأنه لا حول لي ولا قوة لي ولا طول لي إلا حولك وقوتك وطولك. قال: [(إن أمسكت نفسي فاغفر لها)]، أي: وإن قبضتني وأمتني فاغفر لي أو لها. (وإن أرسلتها)، أي: وإن أرسلت نفسي. [(فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)]، وقيد العبادة هنا بالصالحين؛ ليطلب من الله أن يعامله معاملة أهل الصلاح. [وحدثنا أبو كريب حدثنا عبدة -وهو ابن سليمان - عن عبيد الله بن عمر العمري بهذا الإسناد، وقال: (ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، فإن أحييت نفسي فارحمها)].

стр. 958

شرح حديث أنس فيما يقال عند النوم قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني -أي: ابن أسلم البناني - عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)]. وهذا يقال كذلك بعد الفراغ من الطعام، وبعد الفراغ من الشراب، وعند النوم. وأعظم كلمة يتقرب بها العبد إلى مولاه كلمة الحمد؛ ولذلك يقول النبي ﵊ في الصحيح: (إن الله تعالى ليرضى من عبده -واللام للتوكيد- أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها). فشكر الطعام الحمد، وشكر الشراب الحمد؛ ولذلك سن النبي ﵊ لمن فرغ من طعامه أن يحمده، وأن يقول فقط: (الحمد لله)، يعني: إذا وضع أمامك أشهى المأكولات وأفضل الأطعمة فإن الله تعالى ينتظر منك كلمة واحدة فقط، وهي أن تحمده على هذه النعمة؛ لأن الحمد إقرار بأن النعم من عند الله ، وهذا هو مراد الله تعالى من خلقه أن يقروا له بأنه الخالق الباري. [(وكان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا)]. لأن الطعام من عند الله وكذلك الشراب. (وكفانا). أي: كفانا الشر، أو كفانا مئونة الحياة، أو كفانا الأذى، أو كفانا كل شيء، أي: في ديننا ودنيانا. (وآوانا) أي: رحمنا، أو تكون بمعنى المأوى وهو السكن، ولذلك قال ﵊: [(فكم ممن لا كافي لهم ولا مؤوي)]، يعني: كم من الخلق، وهذا والله صحيح، فلو دخلت محطة قطار مثلاً أو شيئاً من هذا القبيل، فإنك تجد الناس كلهم ينامون على الرصيف، وأنت عندك بيت، فإذا ركبت سيارة ففي خمس دقائق تكون في البيت، وتنام على السرير مرتاحاً، أفلا تستشعر نعمة الله عليك؟ وهناك من الشباب من يرى نفسه جميلاً وشعره ناعماً، وربما يكون أصفر وعينيه خضراوين، ويقول: السنة أن أسرح شعري على اليمين والشمال وأعمل فارقاً في نصف رأسي، ونحن سنوافقه على ذلك إذا كانت نيته صالحة، وينوي الاتباع، ولكن إذا كانت نيته الاتباع فليكمل الاتباع بلبس العمامة. فعلى الشخص أن يستشعر نعمة الله عليه، وأنه مكفي وغيره غير مكفي، وأنه له مأوى وغيره لا مأوى له. وأذكر أني مرة في سنة (١٩٧٨هـ) جئت إلى القاهرة، وكان لي أقارب، فذهبت إلى أخي الذي كان يسكن في كلية دار العلوم، فوجدته قد كتب ورقة على الباب أنه مسافر وسيأتي بعد ثلاثة أيام، وكتب تاريخ ذلك اليوم، مما يعني: أني سأنتظر ثلاثة أيام، فذهبت إلى عمتي، فوجدت عمتي قد كتبت ورقة على الباب بأنها سافرت، فعدت إلى بعض أصحاب أخي الذين يعرفونه، فلم أجد أحداً، وكنت أريد أن أنام بأي شكل، فجئت إلى ابن عمتي وكان يعمل في شيراتون، وكتب أنه ذهب إلى العمل، وسيأتي الساعة العاشرة صباحاً، وأنا لم أنم إلى تلك اللحظة، فصعدت إلى الدور الأخير في الطالبية في شارع صبري، فوجدت شقة جديدة لازالت تتشطب وبها رمل، وكان معي شنطة فيها كتب، فقلت: أعمل هذه الكتب وسادة وأمهد هذا الرمل على شكل سرير، وأنام على الرمل وأضع كتبي تحت رأسي، ورضيت بهذه الحال، فجاء صاحب العمارة وهي مفتوحة وليس فيها أبواب، وقال لي: يا فلان! قلت له: نعم، قال: أتظن أننا فتحنا العمارة لوكندة أو ماذا؟ قلت له: أصل الحكاية. قال لي: لا أريد أن أسمع، انزل، فنزلت، وذهبت إلى مسجد عباد الرحمن الذي هو على نفس الشارع، قبل صلاة العشاء، ولم أكن ناوياً صلاة المغرب ولا العشاء؛ لأنني لا أستطيع نهائياً، وقلت: بعد أن آخذ قسطاً من النوم -وأنا على سفر- أقوم وأجمع، فنزلت قبل العشاء بحوالي نصف ساعة، فصليت المغرب وأسندت ظهري على الحائط كي أرتاح ونمت، فجاء الرجل الخادم وقال: هل ستصلي أم لا؟ فقلت له: نعم، فقمت وتوضأت وصليت العشاء مع الناس، وبعد العشاء ذهبت إلى هذا الرجل وقلت له: أغلق علي باب المسجد، قال لي: لماذا؟ قلت له: أريد أنام هنا إلى الفجر، أصلاً أنا. قال لي: لا لا، لا أصل ولا فصل، فمن يضمن لي، أخشى إن تركتك أن آتي وقد سرقت الميكرفون، وسرقت الأشرطة، وسرقت كذا. قلت له: يا عم! والله أنا لست من هذا الصنف أبداً، أنا رجل محترم وابن ناس، قال لي: أنا لا أعرف، ولا يمكن أبداً. فخرجت من المسجد وأنا لا أستطيع أن أضع رجلي على الأرض، فاستأجرت سيارة من موقف السيارات إلى أن وصلت إلى مسجد الحسين كي أنام لا لأصلي، فذهبت إلى هناك ونمت إلى الفجر، ولما بدأ المقرئ يقرأ استيقظت، فالمسجد مفتوح طوال الليل، وكنت أتصور أن الحمامات داخل المسجد، فدخلت الغرفة المباركة على اعتبار أنها حمامات، لأنني أبحث عن الحمام، فإذا بقلبي ينقبض، وخرج لي شخص ذراعه لا يقل عن مائة وخمسين كيلو، فقلت له: أين الحمامات؟ فقال: الحمامات في الخارج، اخرج، فخرجت وأنا خائف منه، ولما كنت خارجاً أمسكني في رقبتي مسكة أفقدتني النور تماماً

стр. 959

باب التسبيح أول النهار وعند النوم

стр. 960

شرح حديث علي فيما يقوله إذا أخذ مضجعه قال: [عن علي بن أبي طالب ﵁: (أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها)، يعني: من طحن الحب بالرحى، فقد كانت تجد صعوبة أو أذى في يدها. [وأتى النبي ﷺ سبي فانطلقت فلم تجده]، أي: فانطلقت فاطمة فلم تجده، (ولقيت عائشة)، أي: في بيته ﵊، (فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي ﵊ إلينا -أي: في بيت علي بن أبي طالب - وقد أخذنا مضاجعنا -يعني: قد تهيئا للنوم- فذهبنا نقوم)]، أي: هممنا أن نقوم لاستقباله ﵊، فقال النبي ﵊: [(على مكانكما -يعني: على ما أنتما عليه- فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه)]. وفي رواية البخاري: (حتى وجدت برد قدميه على صدري)، ثم قال: [(ألا أعلمكما خيراً مما سألتما؟ قالت: بلى يا رسول الله! قال: إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين)] وفي الرواية الأولى: (قولي: اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض)، إلى آخر الحديث، وهنا يعلمهما أدباً آخر وذكراً آخر يختلف عن الذكر السابق [(أن تكبرا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحاه ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم)]. بنفس الترتيب أو يختلف؛ لأنه قد ورد في رواية أخرى باختلاف، فقال: (أن تسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً وثلاثين، وتكبرا أربعاً وثلاثين). فإما أن يسبق التكبير أو الحمد، وقد جاء في حديث النبي ﵊ أنه قال: (سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله، كلمات أربع لا يضرك بأيهن بدأت). ولكن هذا في الذكر بعد الصلاة وليس في النوم. وأما ذكر النوم فيختلف عن الذكر بعد الصلاة بأن التكبير فيه أربع وثلاثون، وأما التكبير في أذكار ما بعد الصلاة فهو ثلاث وثلاثون، وتمام المائة هو التهليل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وفي رواية بغير قوله: يحيي ويميت. والشاهد من هذا: أن النبي ﵊ علم ابنته وزوج ابنته -وهو ابن أخيه علي ﵁ أن التكبير والتحميد والتسبيح عند أخذ المضجع هو خير لهما من خادم، مع أن الظاهر للناس أن الخادم يريح المخدوم، ولكن النبي ﷺ بين أن استعمال الذكر خير من استعمال الخادم. وفي رواية: [(إذا أخذتما مضجعكما من الليل)]، وهذا يدل على أنه ذكر من أذكار النوم بالليل. وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديثه السابق، وفيه: [(قال علي: فما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ ]، يعني: ما تركت هذا الذكر منذ أن نصحنا وأمرنا به النبي ﵊. [قيل له: (ولا ليلة صفين؟)] يعني: ما تركته حتى في ليلة الحرب التي كانت بينك وبين أهل الشام في موقعة صفين؟ قال: (ولا ليلة صفين). وهذا يدل على شدة تمسك الصحابة ﵃ بالذكر والدعاء حتى في أحلك المواقف. والنبي ﵊ كان أحياناً يرشد في معمعة الجهاد والقتال وبريق السيوف بسنن لو أننا نصحنا بها الآن في وقت السلم لقيل لنا: إن هذه من توافه الأمور، وليس في الدين توافه ولا قشور ولا لباب، فدين الله ﵎ كله دين، وهو على مراتب وشعب، وبعضها أعلى من بعض كما في حديثه ﵊: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق). فليحذر الإنسان أن يستهين بقول لله تعالى أو بقول للرسول ﷺ . [وعن أبي هريرة: (أن فاطمة أتت النبي ﷺ تسأله خادماً، وشكت العمل، -يعني: اشتكت من شدة عملها أو قسوة عملها- فقال: ما ألفيته عندنا)، يعني: نحن لا يوجد عندنا شيء، قال: (أولا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبيرين أربعاً وثلاثين حين تأخذين مضجعك -وفي رواية-: من الليل)]. هذه بعض أذكار الليل. وعند البخاري من حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة)، أي: كان يحافظ ويواظب على هذا الذكر بالذات، ويفعله في كل ليلة، (جمع كفيه -يعني: ضم كفيه- ثم نفث فيهما)، والنفث: هواء يخرج بشدة وهو دون التفل وفوق النفس العادي، يعني: ينفخ بشدة في كفيه، (ثم يقرأ: ﴿

стр. 961

فضل قراءة آية الكرسي عند النوم آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله ، حتى بشهادة إبليس، فإنه لما كان أبو هريرة حارساً وقائماً على بيت المال أتاه الشيطان واشتكى الفقر والعيال، وهو كذاب، فقال له: أنا عندي عيال ولا يوجد لدي عمل ولا مال ولا غير ذلك، وكلما أذهب إلى عمل أطرد منه، فأعطني أنا وعيالي، فأعطاه في اليوم الأول فذهب، ثم أتى أبو هريرة إلى النبي ﵊، فبادره النبي بقوله: ماذا فعل صاحبك؟ قال: يا رسول الله! اشتكى فقراً أو عالة وعيالاً. فقال: سيأتيك غداً، ثم أتاه في اليوم الثاني فاشتكى نفس الشكوى، فأعطاه نفس العطاء، فقال النبي ﵊: ماذا فعل صاحبك اليوم؟ قال: أتاني واشتكى عالة وعيالاً، قال: سيأتيك غداً، فبدأ أبو هريرة يشك في هذا الأمر؛ لأنه أتى له في صورة آدمي، وجاء له في صورة إنسان، وليس في صورة شيطان، فلما أتاه في اليوم الثالث رفض أن يعطيه شيئاً، فلما أصر أبو هريرة على عدم العطاء قال له الشيطان -وهو في صورة الإنسان-: أو لا أدلك على آية في كتاب الله هي أعظم آية؟ وإذا قرأتها إذا أخذت مضجعك كان عليك من الله حافظ حتى تصبح واجتنبك الشيطان؟ فالشيطان أدرى بنفسه، قال أبو هريرة: بلى، قال الشيطان: قل: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ثم أعطاه، وأتى أبو هريرة إلى النبي ﵊ فقال: (ماذا فعل صاحبك اليوم؟ قال: يا رسول الله! أتاني فامتنعت عليه -يعني: لم أعطه شيئاً- فقال: أو لا أدلك على خير آية أو أفضل آية في كتاب الله إذا قلتها حين أخذت مضجعك كان عليك من الله حافظ ولم يضرك الشيطان حتى تصبح؟ قلت: بلى، قال: قل: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال النبي ﵊: صدقك وهو كذوب)، يعني: في هذه بالذات هو صادق، والأصل فيه أنه كذاب. فاتخاذنا لهذه العبادة عند النوم بقراءة وتلاوة آية الكرسي بإقرار النبي ﵊، فلا يقولن شخص: كيف نقتدي بالشيطان؟! لأن العبرة هنا بإقرار النبي ﵊ له.

стр. 962

فضل قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة عند النوم في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه). وهاتان الآيتان هما من أول قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، إلى آخر السورة، فمن قرأهما في ليلة كفتاه. والعلماء اختلفوا في قوله: (في ليلة)، وهل هو قبل النوم أم هو من أذكار المساء؟ فمن قال: بأن أذكار المساء لا تقال إلا بعد غروب الشمس قال: إن قراءة أواخر سورة البقرة من أذكار المساء لا من أذكار النوم، ومن جوز -وهم الجمهور- أن أذكار المساء تقرأ بعد العصر أو قبيل المغرب جعل هذا الذكر من آداب النوم. والذي يترجح لي مشروعية الذكر بعد الغروب، ومن أتى بها قبل الغروب فلا حرج عليه. واختلف أهل العلم في معنى (كفتاه) هل هي كفاية من الشر، أو كفاية من العذاب، أو كفاية من هواجس الشيطان في أثناء نومه. وقيل: كفتاه من قيام الليل، وقيل: كفتاه من عمل الطاعة؛ لأنها أعظم طاعة، وقيل: كفتاه ثواباً، يعني: من أثيب بقراءة هاتين الآيتين كان في غنى لمزيد ثواب هاتين الآيتين إلى غير ذلك من أقوالهم رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. وإذا تقلب النائم ليلاً. يعني: إذا كان شخص يتقلب من جنب إلى آخر، أو من مكان إلى مكان، أو من موضع في الفراش إلى موضع آخر فإنه يقول: (لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار). ويقول هذا وهو يتقلب.

стр. 963

بيان ما يقول من استيقظ ليلاً نختم بحديث عظيم جداً يتعلق بالنوم، وهو قول النبي ﵊ كما أخرجه البخاري من حديث عبادة بن الصامت مرفوعاً: (من تعار من الليل -أي قام- فقال حين يستيقظ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). وفي رواية: (يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له)، يعني: الذي يقوم من النوم بالليل يقول هذا الدعاء: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له). وفي هذا إثبات الإلهية لله ، وأنه واحد في الإلهية والربوبية، كما أنه واحد في أسمائه وأفعاله. وفي قوله: (ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له). وهذه مكافأة وهدية ربانية لو قال هذه الكلمات التي كلها توحيد وإثبات البعث والحساب والنشور، وإثبات التهليل والتسبيح وغير ذلك لله ، وكلها تدل على شدة الذل والعبودية لله ، فلو قال العبد ذلك، ثم قال: (اللهم اغفر لي) غفر الله له، أو دعا استجاب الله ﵎ لدعائه. ثم قال النبي ﵊: (فإن قام فتوضأ وصلى قبلت صلاته). ونحن نصلي بالليل والنهار ولا نعلم أهي مقبولة أم لا، وأما في هذه الحالة فإنك على يقين من أن الله تعالى يقبل صلاتك، وأنت لست أفضل من عبد الله بن عمر ﵄ الذي قال: لو أني علمت أن الله تقبل مني ركعتين كفاني ذلك، قيل له: كيف ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: ألم تقرءوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. يعني: لو أنه علم أن الله قبل منه ركعتين فقط لأحس بالاطمئنان قليلاً أنه من أهل التقوى ومن المتقين. أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال والأقوال؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 964

الأسئلة

стр. 965

من رأى في المنام أنه يحج السؤال رأيت في المنام أني أحج أكثر من مرة، فما تفسير هذه الرؤيا؟ الجواب أنا لا أعبر الرؤى، ولا أحسن هذا الباب، غير أني أعلم بعض أحكام الرؤى والأحلام، ولا أستطيع أن أقول في هذه الرؤيا غير أنها من مبشرات الخير؛ لأنه رأى أنه على طاعة، فأسأل الله تعالى أن يمكنه منها في اليقظة. ولكن قوله: (رأيت في المنام أني أحج أكثر من مرة) أرجو ألا يكون هذا الحج في العام الواحد؛ لأنه لا يكون الحج إلا مرة واحدة في كل عام.

стр. 966

حكم حلق بعض الرأس وترك البعض الآخر السؤال ما حكم الكابوريا، أحلال أم حرام؟ الجواب الكابوريا من حيث كونها حيوانات بحرية حلال، وأما من حيث كونها حلاقة وهيئة في الرأس فهي حرام، وهذا هو المعني في السؤال، وفي الشرع اسمها: القزع. وقد نهى النبي ﵊ عن القزع، وهو حلق بعض الرأس وترك البعض الآخر. وبعض أهل العلم حدد القزع بترك قص مقدم الرأس، مثلما كنا نعمل في الماضي ونحن نرعى الأغنام، فقد كنا نحلق الرأس كله ونترك مقدمة الرأس، ومع انتشار هذه السنة الكفرية في شباب المسلمين يعجبني القول الذي يعمم النهي بحلق بعض الرأس وترك البعض الآخر في أي موطن كان هذا القزع، فسواء حلق فوق أذنه وترك أم رأسه أو حلق أم رأسه وترك الذي فوق أذنه، أو حلق الرأس من الخلف وترك المقدمة، أو حلق المقدمة وترك الخلف كل هذا يسمى بالقزع، وقد ذكر اللغويون أن القزع يصدق على كل هذه الهيئات، والذي وقع في زمنه ﵊ (أنه رأى غلاماً قد حلق رأسه إلا مقدمه -أي: إلا مقدم الرأس- فنهى عن ذلك ﵊. ولا يصح لشباب المسلمين أن يتشبهوا بغيرهم من أصحاب الملل الأخرى، ولذلك قال النبي ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم).

стр. 967

حكم إسبال الثياب السؤال ثوب الأخ الذي عن يمينك تكلم فيه أهل العلم، وأقل ما قالوا: إنه مكروه، وقال البعض: حرام لاسيما في الصلاة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ الجواب ليس معلوماً هذا الأخ بعينه، وهذا أمر يصلح لنا جميعاً، وهو إسبال الإزار، وأظن أن السؤال يعني هذا، وإسبال الإزار كبيرة من الكبائر، والذين صنفوا في الكبائر عدوا منها الإسبال؛ لما ورد في حقه من النهي والوعيد الشديد، والنبي ﵊ يقول كما في صحيح مسلم: (ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). وقال ﵊ كما في حديث البراء بن عازب وغيره: (إزرة المؤمن إلى منتصف الساق، فإن أبى ففوق الكعبين). وقوله: (إزرة المسلم) يعني: إزاره أياً كان هذا الإزار، وهو ما يلبس في أسفل البدن، سواء كان ثوباً أو بنطلوناً أو سروالاً أو غير ذلك، فلابد أن يكون فوق الكعبين، فقد صح عنه ﵊ أنه قال: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، أي: من القدم، وهذا تهديد ووعيد لصاحب الإسبال. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه دخل على النبي ﵊ مرة وهو مسبل فأمره أن يرفع ثوبه، فما نزل ثوب عبد الله بن عمر عن منتصف ساقه قط، ولا يحتج أحد بحديث أو فعل أبي بكر الصديق ﵁ وأنه قال: (إن ثوبي ينزل، غير أني أتعاهده أو أتعهده). فليس في هذا الحديث ما يدل على أنه كان مسبلاً؛ لأنه كان يحرص دائماً على رفعه، ولذلك لما علم ذلك منه النبي ﵊ وأنه لم يكن مسبلاً عمداً وإنما هو يتعهده بالرفع حتى يوافق في ذلك السنة، فقال النبي ﵊: (لست منهم يا أبا بكر!)، أي: لست ممن يفعله خيلاء. ولذلك أهل العلم يقولون: إسبال الإزار على سبيل الخيلاء والفخر وغير ذلك حرام، وإسباله ليس على سبيل الخيلاء والبطر مكروه كراهة شديدة.

стр. 968

بيان حال رابعة العدوية السؤال هل كانت رابعة العدوية صوفية؟ الجواب رابعة العدوية مختلف فيها، فبعضهم غالى تماماً فيها وأثبت أنها من أئمة الصوفية، والبعض جافى عنها تماماً وقال: إنها عبارة عن شخصية وهمية، والأمر ليس كذلك، بل هي شخصية حقيقية، وقد ترجم لها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وقد كانت من أبناء القرن الثاني الهجري؛ لأنها عاصرت سفيان الثوري، وهي صوفية، وكان سفيان يكثر زيارتها ويذم عندها الدنيا، فقالت: يا سفيان! دع عنك هذا، فإن من أحب شيئاً أكثر ذكره. أي: لو كنت لا تحبها لما ذكرتها أبداً. وهذا كلام جميل، ورابعة كغيرها من نساء الأمة ورجالها، فإذا أصابت فإصابتها على العين، وإذا أخطأت فيرد عليها خطؤها.

стр. 969

حكم التقبيل والمعانقة في السلام السؤال هل من السنة معانقة الرجل أخاه وتقبيل الكتفين والمصافحة بالضغط على الأصابع فترة من الزمن؟ الجواب لقد زاد الناس في هيئات وكيفيات السلام والتحية هيئات كثيرة جداً، وهذه الهيئات تختلف من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، وترك التقبيل أولى من التقبيل، فإن فعلته فلا حرج عليك، خاصة وأن النبي ﵊ قبل جعفر بن أبي طالب، وكان مالك لا يقبل مطلقاً، وكان الشافعي ﵀ يقبل، وكان أبو حنيفة يقبل. وقد صنف ابن الأعرابي رسالة لطيفة جداً سماها: (القبل والمعانقة والمصافحة)، والنبي ﵊ كان يقبل كذلك محارمه من البنات والبنين، فقد كان يقبل الفضل بن العباس وعبد الله بن عباس، وقد ثبت التقبيل في غير ما حديث، وما ورد أنه قبل الحسن في فمه فإنما فعل ذلك لعلة ذكرها بعد ذلك، وقبل الفضل بن العباس بين عينيه. يعني: في جبهته وبين عينيه. فالتقبيل جائز، وتركه أولى؛ لأن النبي ﷺ لم يداوم على ذلك، وقد ورد النهي عن التقبيل، وحمله العلماء على كراهة التنزيه. والله أعلم.

стр. 970

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل إن وقوع العبد في المعصية ومقارفته للخطأ من سمات البشر التي جبلهم الله عليها، وكما أن الشارع بين للعبد ما يأتي به من أذكار وأدعية للاستغفار والتوبة عما قارفه من المعاصي، أرشد كذلك إلى أدعية وأذكار للاستعاذة من الوقوع في الذنب والمعصية ابتداءً، وهذا فضل من الله تفضل به على الأمة المحمدية.

стр. 971

باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: فمع باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.

стр. 972

شرح حديث عائشة: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه واللفظ لـ يحيى قالا: أخبرنا جرير عن منصور عن هلال عن فروة بن نوفل الأشجعي]. والصحيح أنه ليس صحابياً، وإنما الصحبة ثابتة لأبيه بلا نزاع، أما هو فمن كبار ثقات التابعين. [قال: (سألت عائشة عما كان رسول الله ﷺ يدعو به الله)]. لم يسألها عن الدعاء عند الطعام ولا عند الكرب ولا عند نزول المطر، ولا في المساء والصباح، وإنما سألها سؤالاً عاماً كأنه كان يسأل عن معظم دعائه ﵊، أو: ما هو الدعاء المعتاد الذي كان يدعو به النبي ﵊؟ سأل عائشة ﵂ خاصة ليطلع على أقواله الإيمانية ﵊ في بيته، فلا شك أنه يسأل الخبيرة بذلك. [قالت: (كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)]. يعني: يستعيذ الله ﵎ ويستغفره لما يمكن أن يكون بدر منه، ولما يمكن أن يقع منه في المستقبل، وهذا محمول منه ﵊ على الهفوات والهنات. أما الكبائر فإن الأنبياء جميعاً معصومون من الوقوع فيها، وما وقع من الكبائر على يد الأنبياء إنما ذلك كان قبل البعثة وقبل النبوة، كما وقع من موسى ﵇، وأنه قتل رجلاً من بني إسرائيل، وهذا القتل كان قبل مبعثه ﵊. أما الهفوات والصغائر فإن المحققين من أهل العلم، ومن أهل الأصول والحديث يقولون بجوازها على الأنبياء؛ ولذلك قوله هنا: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت) أي: من الصغائر والهفوات والهنات واللمم. أي: الشيء الصغير جداً الذي يلم بالفرد دون قصد منه. فالنبي ﵊ يستعيذ بالله مما يمكن أن يكون وقع منه في أيامه الأولى قبل البعثة أو بعد البعثة مما وقع فيه من هنات وزلات يسيرة جداً، أعقبها استغفاراً وتوبة وإنابة إلى الله ، أو أنه ﵊ أراد أن يدعو بهذا الدعاء لعلمه اليقيني بأن الدعاء هو العبادة، فهو أراد أن يتقرب إلى ربه ومولاه وسيده بهذا الدعاء؛ لأن الدعاء عبادة، أو أراد ﵊ بهذا الدعاء: التواضع، وأن يعلم أمته كيف يدعون الله ، وغير ذلك من التأويلات الكثيرة التي قالها أهل العلم في شرح هذا الحديث وغيره.

стр. 973

شرح روايات وطرق أخرى لحديث عائشة: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت) قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. وهو الكوفي، الإمام الكبير صاحب المصنف -وأبو كريب - وهو محمد بن العلاء الهمداني قالا: حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين -وهو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي - عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل، قال: (سألت عائشة عن دعاء كان يدعو به رسول الله ﷺ فقال: كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)]. أما قول فروة بن نوفل: (سألت عائشة عن دعاء كان يدعو به) يعني: يستمر على الدعاء عليه، ويواظب عليه. ومن الأخطاء الفادحة جداً: تحريف الكلم عن مواضعه بغير قصد، أما إذا كان بقصد فهذا كفر بواح؛ وهو أني سمعت أحد الخطباء يقول: كان النبي ﵊ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملتَ ومن شر ما لم أعمل). فالنسبة لفعل الشر هنا لله ، وهذا بلا شك خطأ فادح جداً وإن لم يكن مقصوداً، لكن على أية حال يقلب المعنى رأساً على عقب، كما لو قال في الصلاة: صراط الذين أنعمتُ عليهم، مع أن الآية: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة:٧] وهذا بلا شك تحريف للكلم، وهذا الذي يسميه أهل العلم اللحن الجلي الذي تبطل به الصلاة؛ لأنه يغير المعنى تماماً، ولذلك تبطل به صلاة الإمام وصلاة المأمومين كذلك. [حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار] ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلاهما فرسا رهان عالمان جليلان، وفي كل وجوه الترجيح يثبت أنهما سواء، فهما في جهة العدالة سواء بغير ترجيح، وفي جهة الضبط والإتقان سواء بغير ترجيح، وهذا الذي يسميه العلماء كفرسي رهان. يعني: أن الفرسين ينطلقان سوياً ويصلان سوياً في توقيت واحد، فكذلك محمد بن المثنى العنزي البصري أبو موسى ومحمد بن بشار المعروف بـ بندار، هما كفرسي رهان، يعني: ليس بينهما أي وجه من وجوه الترجيح؛ لأنهما في كل زاوية من زوايا الترجيح سواء. قال: [حدثنا ابن أبي عدي -وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي - ح وحدثنا محمد بن عمرو بن جبلة حدثنا محمد يعني: ابن جعفر كلاهما عن شعبة]، محمد بن جعفر المعروف بـ غندر تلميذ شعبة بل وربيبه، لأن شعبة تزوج أمه بعد وفاة أبيه. وقوله: كلاهما عن شعبة. أي: ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر، فـ ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر كلاهما يرويان عن شعبة [عن حصين بهذا الإسناد]. أي: بالإسناد السابق مثله تماماً. غير أن محمد بن جعفر في حديثه: (ومن شر ما لم أعمل). [وحدثنا عبد الله بن هاشم] وهو ابن حيان العبدي أبو عبد الرحمن الكوفي، سكن نيسابور. [حدثنا وكيع -هو ابن الجراح العتكي الكوفي - عن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو عن عبدة بن أبي لبابة عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، وشر ما لم أعمل)].

стр. 974

شرح حديث ابن عباس: (اللهم لك أسلمت وبك آمنت) قال: [وحدثني حجاج بن الشاعر قال: حدثنا عبد الله بن عمرو أبو معمر] وهو التميمي المقعد، هكذا لقبه. قال: [حدثنا عبد الوارث وهو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان البصري، أحد الأعلام، حدثنا أبو عبيدة العنبري التميمي قال: حدثنا الحسين -وهو ابن ذكوان المعلم البصري - قال: حدثني ابن بريدة -وهو عبد الله بن بريدة - عن يحيى بن يعمر البصري عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت، أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)] هذا دعاء رائع جداً وجميل، وفيه ما يلي: أولاً: فيه الإذعان والاستسلام لله ؛ لأنه في أوله كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت) فيقول: لك أسلمت. أي: انقدت إليك وأذعنت واستسلمت وخضعت ولا أومن إلا بك. ومن سياق الكلام لم يقل: اللهم إني أسلمت لك. ولكنه قال: (لك أسلمت). وهذه شبه جملة، مكونة من الجار والمجرور تفيد الحصر والقصر، فكأنه يقول: لك أسلمت لا لغيرك، وبك آمنت لا بغيرك، فهو يقصر الإيمان على الله والإسلام لله ، كما أنك تقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فلو قلت: نعبد إياك ونستعين إياك لجاز أن يقال: نعبد إياك وغيرك، ونستعين إياك وغيرك، لأن الجملة حينئذ لا تفيد الحصر، فيجوز أن نعبد الله ونعبد غيره، ويجوز أن نستعين بالله ونستعين بغيره؛ لأن الجملة لا تفيد الحصر. أما قولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: العبادة مقصورة على الله ، لا تصرف إلا لله، وكذلك الاستعانة مقصورة ومحصورة فيه ، فلا يجوز صرفها لغير الله. قال: (وعليك توكلت). ولم يقل: (توكلت عليك). إلى آخر الحديث؛ ليدل على حصر هذه العبادات كلها في جنب الله ، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ولو صرف شيء منها لغير الله لوقع الفاعل في الشرك؛ لأن هذه كلها عبادات. وهذا الحديث كذلك يبين الفرق بين الإيمان والإسلام؛ لأنه لم يقل: لك أسلمت وآمنت، وإنما قال: (لك أسلمت وبك آمنت)، ليدل على أن الإسلام له مدلول وأن الإيمان له مدلول آخر. فهذا الحديث قد بين الفارق بين الإيمان وبين الإسلام، وأنتم تعلمون أن كل مؤمن مسلم ولا بد، وليس كل مسلم مؤمناً، كما أن كل محسن مؤمناً ولا بد، ومن باب أولى أن يكون مخلصاً، ولا يلزم أن يكون المؤمن محسناً؛ لأن الإحسان أعلى مرتبة من الإيمان، كما أن الإيمان أعلى مرتبة من الإسلام، فالأعلى يشمل الأدنى وليس العكس. قال: (وإليك أنبت) أي: رجعت. (وبك خاصمت) المخاصمة هي: المحاججة؛ ولذلك يقال: فلان دخل مع فلان في خصومة. أي: ليس في خصام، وإنما في مناظرة، في لجاج، في حجاج، في بيان مسألة الحجة بالحجة، فالمخاصمة هي: المجادلة بالحق، فقوله هنا: (وبك خاصمت) أي: استعنت بك في سرد الأدلة من كلامك، ومن كلامي الذي تلهمني به، وكأن النبي ﵊ يقول لربه: لا حول لي ولا قوة مع أعدائي إلا بك. (وبك خاصمت) أي: لا أستطيع أن أخاصم ولا أن أجادل ولا أن أحاجج إلا بك يا رب. (اللهم إني أعوذ بعزتك) الاستعاذة هي اللجوء والتضرع، فالنبي ﵊ يتضرع إلى الله بعزته، والعزة من صفات الله . قال بعض أهل العلم: لا يجوز القسم إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وما دون ذلك فهو شرك. ولا يجوز نداء الصفة، كما تقول: يا عزة الله، يا رحمة الله، يا قدرة الله، يا ملك الله، ونداء الصفة شرك بالله ؛ لأنك تنادي الصفة لا تنادي الموصوف، فدخلت الشبهة على بعض السامعين لذكر عزة الله ، كما في هذا الحديث. والنبي ﵊ يقول في هذا الحديث: (اللهم إني أعوذ بعزتك) فهو استعاذ بصفته تعالى وهي العزة، فهنا استعاذة بعزة الله، والاستعاذة بعزة الله ليست نداءً، لأنها مسبوقة بقوله: اللهم، فالنداء أولاً لله ، ثم أعقب النداء لله بالاستعاذة بعزته، فليس هذا باب شبهة قط فيما يتعلق بنداء الصفة. قال: (اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني) وهذا يثبت أن الخير والشر بإذن الله ؛ لأنه قال: اللهم إني أعوذ بعزتك. وقوله: (لا إله إلا أنت) جملة اعتراضية، ففيها إثبات وحدانية الله وإلهيته، وأن الخير والشر بيديه. أما قوله ﵊: (والخير في يديك، والشر ليس إليك). أي: الشر المحض الذي لا خير فيه. فإنه ليس من أفعال الله ، لكن الشر الذي يحمل معه الخير هو من فعل الله . فالشر الذي في ظاهره شر ولكنه يحمل معه الخير هو من فعل الله عز وج

стр. 975

شرح حديث أبي هريرة: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا) [حدثني أبو الطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني سليمان بن بلال المدني عن سهيل بن أبي صالح المدني عن أبيه وهو أبو صالح ذكوان السمان عن أبي هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا كان في سفر وأسحر)] وأسحر أي: بلغ وقت السحر، إما نام وقام وإما سار بالليل حتى وقت السحر. يعني: كان النبي ﵊ إذا كان في سفر فنام من ليله ثم قام في وقت السحر الذي هو لون الفجر أو أنه سار بالليل، والمعلوم المسنون هو السفر بالليل، ولا يمنع أن يكون السفر بالنهار، ولكن النبي ﵊ إنما سن وفضل السفر بالليل لا بالنهار، على خلاف عادة الناس، وعلى خلاف ما يحب الناس الآن، فإنهم يحبون أن يسافروا في الصباح، حيث الضوء وكشف الطريق وغير ذلك، وحتى يأمنوا الحوادث بالليل. ولكن النبي ﵊ بين أن الأرض تطوى بالليل دون النهار، وربنا الذي يعرف ذلك، ونحن قد آمنا بأن الأرض تطوى بالليل، أليست الأرض والسماوات في قبضة الملك ؟ والله يستطيع أن يكور السماوات والأرض، ولا يمنع القادر على أن يكور السماوات والأرض، بل هو القادر على ما هو أعظم من ذلك، وهو قادر على كل شيء أن يضم الأرض بعضها إلى بعض فتقصر المسافة. فالنبي ﷺ بين أن الأرض تطوى بالليل، وتقصر، والمسافر بالليل لا يجد عناء السفر بالنهار، والسفر بالليل أحب إلى قلبي من السفر بالنهار، والنبي ﵊ يقول: (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل) والدلوج هو الانطلاق في السير في أول الليل، وإذا أدلج على هذا النحو بلغ هدفه. وكان من عادته ﵊ أنه يسافر بالليل، ويقطع طريقه في أول الليل، فإذا تعبت دابته استراح، فربما نام وربما استراح شيئاً يسيراً يصلي فيه ثم ينطلق حتى يسحر. فهنا قال: (كان إذا كان في سفر وأسحر) أي: بلغ وقت السحر إما ماشياً وإما بعد نومه. قال: [(سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذاً بالله من النار)] وسمع بمعنى شهد وإما سمع أي: أخبر مخبر عن الله أن الله تعالى يسمع حمد من حمده وشكر من شكره على حسن بلائه الذي نزل به. ثم يقول ﵊: (ربنا صاحبنا وأفضل علينا). ومعنى صاحبنا أي: احفظنا وأحطنا واكلأنا وأفضل علينا بجزيل نعمك، واصرف عنا كل مكروه. كما أنك تقول: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في المال والأهل. (اللهم أنت الصاحب) يعني: أنت الحافظ، وأنت المعين، وأنت الميسر، وأنت المتفضل، وأنت المحيط بنا، الذي تكلؤنا. قال: [(عائذاً بالله من النار)] أي: أقول هذا في حال استعاذتي واستجارتي بالله تعالى أن أعذب بالنار.

стр. 976

شرح حديث: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري) [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي -وهو معاذ العنبري - حدثنا شعبة عن أبي إسحاق وهو السبيعي عن أبي بردة -وهو ابن أبي موسى الأشعري - عن أبيه عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء]، وهذا دعاء عام ليس مخصوصاً بوقت دون وقت، وإنما هذا من الأدعية العامة. يقول: [(اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي)]. وأهل اللغة يفرقون بين الخطأ والخطيئة، فيقولون: الخطيئة للذنب العظيم، كما في قول الله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥] ولم يقل: من خطاياهم، أو من خطئهم، وإنما قال: (خَطِيئَاتِهِمْ) فالخطيئة بمعنى الذنب العظيم. والنبي ﵊ لم يرتكب ذنباً عظيماً، وإنما عد النبي ﵊ عدم بعض الكمال والتمام في حقه ذنباً عظيماً، كما تقول الصوفية: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني: حسنات قوم هي عند قوم سيئات. ونحن لا نقول بهذا القول، لكن أردت بأن أقرب المعنى. والنبي ﵊ قد وقع في هفوة أو في شيء من هذا كقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، والعبوس لو صدر من واحد منا لا حرج عليه، وهو باب من أبواب سوء الخلق وانتهت القضية على هذا، ولو قابلتك وقلت لك: سامحني ما كنت أعرفك، والذي لا يعرفك لا يقدرك، أو كلام من هذا، انتهت القضية. لكن النبي ﷺ اعتبر هذا في حق نفسه كبيرة من الكبائر، مع أنها ليست كبيرة، ولكنها هفوة وزلة صغيرة استغفر منها النبي ﵊، وهذا الفارق بيننا وبين الأنبياء، أن الواحد منا يقع في الذنب ولا يعقبه بتوبة، وربما يقع في كبيرة أو كبائر ولا يعقبها بتوبة، بخلاف الأنبياء يقعون في اللمم ثم سرعان ما ينتبهون فيعودون إلى الله ويستغفرونه ويتوبون مما بلغ منهم، وهذا فارق عظيم جداً ليس بالأمر الهين. فهكذا النبي ﵊ اعتبر أن ما بدر منه من هفوات هي خطيئات مع أنها خطايا، وذنوب صغيرة. وفي الحديث عند البخاري وكذا مسلم: (أن المؤمن يعد ذنبه كالجبل). يعني: المؤمن يعتبر ذنبه الصغير كالجبل وهو واقف تحته يخشى أن ينهار عليه. أما الفاجر فإن كبائر الذنوب عنده ليست إلا كذبابة وقعت على أنفه فقال بها هكذا فطارت. يعني: أشار إليها بيده ثم طارت بعد ذلك؛ لأنه مستهتر ومستهين. إذا كان هذا في حق المؤمن والفاجر، فما بالكم إذا كان المؤمنون في صعيد والنبي ﵊ في صعيد آخر يعتبر أن أقل ما يمكن أن يلام فيه أنه خطيئة، مع أن النبي ﷺ لم يفعل هذا إلا كما يفعله أقرب المقربين الأتقياء. تصور لو دخل علينا رجل نعرف عنه الفساد والضلال، وهو زعيم قوم أو أمير قوم، ودخل وهو يضرب به المثل في الضلال، فأنا أرجو الخير له أن يدخل في الإسلام إن كان كافراً أو غير ذلك، وسأترك الدرس وأجلس أتكلم معه، ولو كلمني أحدكم أو كلكم. وهكذا. لما دخل أشراف قريش على النبي ﵊ يناقشونه ويجادلونه فأتاهم ابن أم مكتوم رجل أعمى ﵁ ولكنه مؤمن، وكانت له عند النبي ﷺ حاجة، وسؤال، فلما دخل والنبي ﷺ يكلم أشراف قريش آثر استمرار الكلام معهم وتأخير ابن أم مكتوم، فأنزل الله فيه العتاب كما في قوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]. يعني: لا تصرف بصرك ووجهك وقلبك يا محمد عن أصحابك مهما كانوا فقراء، أذلة، ضعفاء، قلة، ولا تغتر بأشراف القوم، فإنهم لا خير فيهم. فهو مجرد عتاب، ولكن تصور أن هذا العتاب واللوم البسيط اعتبره النبي ﵊ كالجبل من المعاصي، فيقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي). والجهل ضد الحلم لا العلم، ولذلك النبي ﷺ كان يقول إذا خرج من بيته: (اللهم إني أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علي). يعني: أن أنتقم لنفسي، أو أثأر لنفسي، (أو يجهل علي). يعني: أعوذ بك أن تسلط علي رجلاً غليظاً لا رحمة عنده ولا حلم، فالجهل هنا ضد الحلم وليس هو الذي يقابل العلم. (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري). هو لم يسرف ﵊، لكن هذا أدب الدعاء، وما دمت تدعو الإله فيستحب لك أن تبين له أنك في منتهى الذل بين يديه، وأن تعد الصغائر بين يديه كبائر، لا أن تقول: يا رب! أنا لم أفعل شيئاً، والحمد لله، لا سرقت ولا زنيت ولا قتلت ولا، ولا، ولا وتعد الكبائر التي صنفها الذهبي وتقول الحكاية كلها بعض الصغائر كالشتم، والسب، وهوى الشيطان، هذه أمور بسيطة تتعالج. لا. أنا أريدك أن تعد الذنب وإن صغر كبيرة من

стр. 977

شرح حديث: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) قال: [حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم القطعي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن قدامة بن موسى عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري)]. وانظر إلى هذا الدعاء فالنبي ﷺ قدم الدين قبل الدنيا؛ لأن الدين دائماً قبل الدنيا، ولو أنك حزت الدنيا بحذافيرها وفقدت الدين فما حزت شيئاً قط، بل خسرت كل شيء. ولو أنك فزت بالدين وخسرت كل شيء بعده لفزت بكل شيء؛ ولذلك النبي ﵊ كان دائماً يبين لأصحابه هذه القاعدة، فيقول: (انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ لئلا تزدروا نعمة الله عليكم). والعلماء يقولون في قوله ﵊: (انظروا إلى من هو فوقكم ولا تنظروا إلى من هو دونكم). أي: في الدين والخير والطاعة، لا تتأثر بمن هو دونك، لأنك لو تأثرت بمن هو دونك فستقف عند حد معين من الطاعة. أما إذا تأسيت وجدت أعظم أسوة هو النبي ﵊ وأصحابه الكرام، ولذلك يقول ابن مسعود: من كان متأسياً فليتأس بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أي: من كان مقتدياً فليقتد بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، والأسوة المعصوم الذي لا يخطئ هو النبي ﵊. ولذلك القراءة في سيرة النبي ﵊ وفي سيرة أصحابه الكرام تجعل الواحد دائماً يحتقر نفسه! اقرأ مثلاً في سير الصحابة ﵃، اقرأ الثلاث المجلدات الأول في سير أعلام النبلاء، لترى كيف كانت عبادة الصحابة ﵃؟ وكيف كان عملهم وجهادهم وصبرهم وجلدهم وإنفاقهم في سبيل الله ؟ والنساء يقرأن في حياة الصحابيات وحياة الصالحات من السلف ﵅، فكل واحد أو واحدة منا لا بد وأنه سيحتقر نفسه ويحتقر عمله، بل ربما يصل الواحد فينا إلى درجة اليقين أنه هالك، والواحد منا يقول: لولا رحمة ربنا سندخل الجنة. ما هي مؤهلاتنا التي ممكن أن ندخل بها الجنة؟ إن للجنة مؤهلات، فمؤهلاتنا كلها غيبة ونميمة وتقصير في طاعة الله ، وخداع وغش وريبة وربا وتزوير وتمويه، فليس لنا مؤهلات تدخلنا الجنة إلا برحمة الله . لما نقرأ في حياة السلف سنقول: أين نحن؟ وبعض المتبجحين منا والمقصرين والمفرطين جداً في طاعة الله يطلبون الفردوس الأعلى، ومرافقة النبي ﷺ ، مع أننا ليس لدينا مؤهلات لدخول الجنة من الأصل، ولا لعبور الصراط، لكنها على أية حال رحمة الله التي نرجوها. كان ﵊ يقول: [(اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري). أول طلب يطلبه النبي ﵊ ويقدمه على غيره من المطالب هو إصلاح الدين. أي: بإقامته على منهج الله . [(وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي)] يعني: الدين ليس فيه إلا جنة أو نار، إنما الدنيا فيها المعاش، وأنت تعيش على الفول وغيرك يعيش على لحم الضأن، فأنتما سواء، هي عيشة وخلاص. يعني: هذه المعيشة ليست محل اهتمام ولا تعظيم ولا تفكير؛ إنما الذي يستحق التفكير والاهتمام هو الدين، والحديث: (انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم). العلة فيه: (لئلا تزدروا نعمة الله عليكم). فالفقير الذي يصلي ويصوم عند ما يزدري نعمة الله عليه حينما ينظر إلى ما أعطى الله للغني من نعيم فيقول: لماذا ربنا أعطى الرجل هذا، رغم أنه لا يستحق وحرمني وأنا أستحق؟ وهذا الغني الذي نتحدث عنه أفضل من هذا الرجل إذا قال هذا الكلام واعتقده؛ لأنه يعتقد أن الله تعالى غير حكيم في توزيع أرزاقه، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، يرزق من يشاء، ويحرم من يشاء، ويعطي من يشاء، وإذا أعطى الله عبداً فإنما يعطيه لحكمة، وإذا منع عبداً فإنما يمنعه لحكمة، فربنا سبحانه هو الحكيم. فالأصل أن الفقير لا يصاحب الغني، إذا كان سيؤثر عليه بأن يزدري نعمة ربنا عليه، وأحسن له أن يصاحب الفقراء من أهل الإيمان، من أجل يستمر شاكراً لنعمة الله عليه. وكثير من الفقراء إذا صاحبوا الأغنياء تمردوا على أسرهم، بل وسعوا جاهدين لئن يكونوا مثلهم وأعلى منهم، وهذه المسألة في عامة الناس مذمومة، فما بالك في أهل العلم وطلاب العلم، فهي أكثر ذماً وقبحاً، بل هي تقدح في عدالة من فعل هذا، ولذلك قال ﷺ : (انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم). يعني: في الدنيا، (مخافة أن تحتقروا نعمة الله التي أسداها لكم). قال: [(وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)]، أي: رجوعي إليك. [(واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة ل

стр. 978

شرح حديث: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى) قال: [حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص] وهو عوف بن مالك، أبو الأحوص عوف بن مالك لكن ليس الأشجعي؛ لأن الأشجعي صحابي، بينما هذا هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي. [عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)]. قوله: (اللهم إني أسألك الهدى). أي: الهداية. فالناس يتصورون أن العلم هو الهداية، أو المعرفة هي الهداية وليس هذا بصحيح، وإنما الهدى هو الإذعان والاستسلام والإيمان بالله ، ولذلك فالعلم لا يغني عنك من الله شيئاً إذا لم تعمل به، بل هو سبب إحراقك في النار إذا لم تعمل به أو لم تطلبه لله . (والتقى) التقوى. (والعفاف) العفة. (والغنى) المقصود به غنى النفس، والغنى عما في أيدي الناس. يعني: رزق الكفاف؛ ولذلك كان النبي ﵊ يقول في دعائه: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً). وفي رواية: (كفافاً). وقوتاً يعني: قوت يوم بيوم. وكفافاً. يعني: ما يكفيهم في يومهم. ولو كان جمع الدنيا هو المراد لورد إلينا ولو مرة واحدة في نص إلهي أو نبوي طلب الدنيا، لكن النصوص الشرعية كلها تدل على ذم الدنيا، والنصوص التي مدحت الدنيا إنما مدحتها من باب أن صاحبها يستغلها في طاعة الله ، ويؤدي فيها حق الله تعالى، وحق الفقراء والمساكين، أما غير ذلك فهي مذمومة مسبقاً.

стр. 979

شرح حديث زيد بن أرقم: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) وفي رواية زيد بن أرقم قال: [لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل)]. العجز: الضعف. [(والجبن والبخل، والهرم)] الهرم الذي هو كبر السن [(وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها -يعني: ارزق نفسي التقوى- وزكها -أي: طهرها- أنت خير من زكاها)]. ليس معنى ذلك أن هناك من يزكي النفس دون الله ، لقوله: (أنت خيرٌ) أو أنت خير من زكاها. لا يعني: أن غيرك يزكيها لكن أنت أحسن من يزكيها، ليس هذا المعنى، إنما المعنى أنت المزكي لها لا غيرك. [(أنت وليها ومولاها)]. [(اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)] مع أن النبي ﵊ كان دائماً يحث على العلم وطلب العلم وفضل العلم، لكن النبي ﵊ استعاذ من علم لا ينفع بين يدي الله، إما أن يكون هذا هو علم الشرع ولكن المتعلم أو الطالب له لم يتعلمه لله ولم يعمل به، فهذا علم ينقلب عليه وبالاً يوم القيامة؛ ولذلك أول من تسعر بهم جهنم ثلاثة: منهم: العالم الذي تعلم العلم ليقال فقط أنه عالم. يعني: طلبه للوجاهة أو الرئاسة، أو لحظ من حظوظ الدنيا وغير ذلك، فهذا سينقلب عليه علمه وبالاً. وكذلك العلوم التي لا تنفع: علم السحر والفلسفة والمنطق والدجل، وعلم النجوم وغير هذا من العلوم المحرمة، كل هذا من العلم الذي لا ينفع. [(اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع)] أي: نفس عندها نهم وشره، كلما وقعت العين على شيء اشتهته النفس واشتهاه القلب، وهذه آفة في النساء، ولا يمنع أن تكون في كثير من الرجال، امرأتك تمشي معك أو أختك أو أمك، كلما وقعت عينها على أشياء جميلة تريدها. قال: [(ومن دعوة لا يستجاب لها)]. وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: [كان قال النبي ﵊ يقول إذا أمسى: (أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له)]. على أية حال يا إخواني أظن أننا قد دخلنا في أدعية مخصوصة بأوقات معلومة؛ وهي أدعية اليوم والليلة، أو أدعية النهار والليل.

стр. 980

شرح صحيح مسلم - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - أذكار الصباح والمساء إن العبد المسلم إذا أصبح كل يوم كان على كل سلامى منه صدقة، فإن أتى بأذكار الصباح والمساء وسائر الأذكار فإنه يكون قد أدى صدقة أعضائه، ثم يكون له بهذه الأذكار حصن من الشرور، وحماية من الشيطان وقبيله، وزيادة قرب له من ربه الذي يذكر عباده بقدر ذكرهم له.

стр. 981

تابع باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل

стр. 982

شرح حديث: (أمسينا وأمسى الملك لله) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زلنا مع كتاب الذكر. قال المصنف ﵀: [عن النبي ﵊: (أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني أسألك خير هذه الليلة، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)]. وهذا الدعاء يقال في أول الليل. وقوله: (اللهم إني أسألك خير هذه الليلة) جاء في رواية من طريق ابن سويد: (وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة) أي: ما يقدر فيها من نزول الشر. والنبي ﵊ أمر بإيكاء الأواني. أي: بتغطية الأواني التي فيها طعام أو شراب؛ لأن الداء ينزل في ليلة في السنة، فلا تدري لعل الليلة التي تركت فيها آنيتك مكشوفة هي الليلة التي وافقت نزول الشر والداء من السماء، فحينئذ يصيب هذا الشر الإناء أو الطعام فتأكله فيصيبك ما قدر الله لك. فقوله ﵊: (اللهم إني أسألك خير هذه الليلة) أو من خير هذه الليلة، فكأنه ﵊ سأل ربه أن يصيبه من خير هذه الليلة المقبلة عليه، أو يصيبه خيرها كله، فهو إما أن يسأله من بعض خير هذه الليلة أو يسأله الخير كله. قوله: (وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر) بفتح الباء وكسر ما قبلها، وهو: وسوء العمر، وأن أرد إلى أرذل العمر. والكبر هو العمر المتقدم وهو السن. وفي رواية: (وسوء الكبر)، الذي هو غمط الناس. أي: ظلم الناس ورد الحق. قوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر). هذا دليل على أن القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وأن عذاب القبر ثابت في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊. قال: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير -وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي - عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: (كان نبي الله ﷺ إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له) قال: أراه قال فيهن]. أي: إبراهيم النخعي ينقل عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة، وخير ما بعدها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما بعدها، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)، وإذا أصبح قال ذلك أيضاً: (أصبحنا وأصبح الملك لله) إلى آخر الحديث وإذا قاله في المساء قال: (أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى آخر الحديث، فهذا الدعاء يقال في كل صباح ومساء. وفي رواية قال: (كان النبي ﵊ إذا أمسى قال: أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) ولم يقل: وشر ما بعدها، إنما قال: (وشر ما فيها) أي: من شر. (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر). والهرم: الذي هو أرذل العمر. (وفتنة الدنيا وعذاب القبر). (فتنة) هنا اسم جنس، يشمل جميع الفتن التي يمكن أن يمر بها الإنسان في حياته، فتنة مال، فتنة نساء، فتنة جاه، فتنة سلطان، فتنة الدين، كلها فتن، فالنبي ﵊ كان يستعيذ بالله أن يقع في فتنة من فتن الدنيا أو الآخرة. وهذا إما أن يكون لتمام وكمال العبودية لله، فهو ﵊ معصوم أن يقع في مثل هذا، أو لأنه أراد أن يعلم أمته كيف يدعون الله . وفي رواية بزيادة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).

стр. 983

شرح حديث أبي هريرة: (لا إله إلا الله وحده) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثني الليث -وهو الليث بن سعد - عن سعيد بن أبي سعيد -وهو المعروف بـ المقبري، وهذا لقب له؛ لأنه كان يسكن بجوار البقيع- عن أبيه -وهو أبو سعيد المقبري - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده)]، وجند الله هم أولياؤه وأنصاره، وهم المؤمنون الموحدون، فالله أعزهم بعزته. [(ونصر عبده)] وهو محمد ﵊، فإما أن يكون هذا للعهد. أي: هذا العبد المعهود عليه العبودية لله وهو النبي ﵊، وإما أن يكون هذا لبيان الجنس ليشمل جميع العباد الصالحين. قال: [(وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده)]. وفي رواية: (وهزم الأحزاب وحده). والأحزاب: هم القبائل المتحزبون على حزب الإيمان. ومعنى (غلب الأحزاب وحده) أي: من غير قتال دار بينهم وبين أهل الإيمان، بل أرسل الله عليهم ريحاً اقتلعت خيامهم حتى انهزموا بغير قتال دار بينهم وبين أهل الإيمان. أما قوله: (فلا شيء بعده) أي: فلا شيء سواه هزم الأحزاب، فهو وحده لا أحد معه هزم وغلب الأحزاب. قال: [حدثنا أبو كريب -وهو محمد بن العلاء الهمداني - قال: حدثنا ابن إدريس -وهو عبد الله - قال: سمعت عاصم بن كليب عن أبي بردة عن علي ﵁ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق والسداد سداد السهم)] أي: هدايتك الطريق حتى لا تنسى. فالنبي ﵊ يعلم علياً دعاءً يدعو به دائماً في كل أحواله وأحايينه، وأتى له بأمارات من أجل لو نسي أصل الدعاء يذكر أن هداية الطريق هداية، فيقول: (اللهم اهدني وسددني) وأن سداده وحرصه على إصابة الهدف بالسهم سداد. والتقدير: فإذا نسيت هذا فاذكر بالهداية هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم.

стр. 984

باب التسبيح في النهار وعند النوم

стр. 985

شرح حديث: (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات) قال: [حدثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد وابن أبي عمر -واللفظ له- قالوا: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة - عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب -وهو مولى ابن عباس - عن ابن عباس ﵄ عن جويرية ﵂ (أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح)] بكرة. أي: في أول النهار؛ وحين صلى الصبح أي: بعد أن صلى الصبح في مسجده ثم دخل على امرأته جويرية ﵂ فوجدها قد صلت وجلست في مصلاها تذكر الله تعالى، قال: [(خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها -أي: في المكان الذي صلت فيه- ثم رجع بعد أن أضحى)] أي: بعد أن دخل وقت الضحى، أو بعد أن صلى الضحى وهي جالسة على حالها التي رآها عليها النبي ﵊ [فقال: (ما زلت على الحالة التي فارقتك عليها؟)] يعني: أنت باقية لم تتحركي ولم تغادري هذا المكان منذ أن رأيتك بكرة. [(قالت: نعم يا رسول الله! فقال: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن)]. يعني: أنا قلت أربع كلمات بعد أن غادرتك وتركتك على هذه الحال ورددتها ثلاث مرات، فهي تزن جميع أذكارك في يومك وليلتك. ومعنى (لو وزنت هذه الكلمات بما قلت لوزنتهن). أي: لفاقتهن في الفضل والثواب. قال: [(سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته)]. وسبحان الله وبحمده كلمة حبيبة إلى الرحمن، خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، كما جاء بذلك الحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) وهو آخر حديث في صحيح البخاري. فالنبي ﵊ بين لـ جويرية بالدرجة الأولى فضل هذه الكلمات؛ لأنها المخاطبة بهذا، والمخبرة بهذا الثواب وفضل هذه الكلمات وإن كان الخطاب والخبر للأمة إلى قيام الساعة. ولا يعني ذلك أنه ﵊ سبح عدد الخلق؛ لأن عدد الخلق لا يمكن إحصاؤه، فلما غلب ﵊ على الإحصاء لم يفكر فيه أصلاً؛ لأن الخلق نعمة من نعم الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. فإذا كانت نعمة الخلق لا يمكن إحصاؤها فأراد النبي ﵊ إجمال ذلك وبيان أنه يريد أن يسبح الله وأن يحمده عدد خلقه، وإن كان عدد الخلق بالنسبة إليه أمراً مجهولاً ولا يمكن إحصاؤه، فإنما أجمل الكلام إجمالاً؛ ولذلك سن للذاكر المتعبد أن يثني على الله بما هو أهله، فلما عز الإنسان أن يثني على الله بما هو أهله؛ لأن أحداً لا يكافئ الله في الثناء والحمد والشكر والتمجيد، فسن أن نقول: (أنت كما اثنيت على نفسك) لأن أحداً لا يبلغ الثناء الكامل التام لله . (لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، بعض الناس يقرؤها منقطعه؛ فيقول: (لا نحصي ثناءً عليك أنت) ويقف، ثم يقول: (كما أثنيت على نفسك)، فيصير المعنى غير مستقيم، ولكن القراءة الصحيحة التي يثبت بها الفهم الصحيح: (لا نحصي ثناءً عليك)، يعني: إذا أردنا إحصاء الثناء عليك فلا نقوى على ذلك، ولا نقدر عليه، (أنت كما أثنيت على نفسك)؛ لأن الله أعلم بما له من ثناء وحمد وتمجيد، فإن العبد يثني على الله بعظيم المحامد والثناء، ثم يرى أنه عاجز عن الوفاء بالحمد والشكر لله ، فيفوض الأمر إلى منتهاه، أو في منتهاه إلى الله ، يقول: يا رب! أنت تستحق أكثر من هذا الثناء والحمد، وأنت أعظم مما يمكن أن يتصوره المرء من ثناء وحمد، فأنت في النهاية كما أثنيت على نفسك، لكن ليس معنى هذا أنك تكل وتعجز عن الثناء والحمد، ولكن تحمد وتمجد وتعظم الله . فهنا قال ﵊: (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه) يعني: سبحانك وبحمدك حتى ترضى، أي: أسبحك وأحمدك حتى ترضى عني. وقوله: (وزنة عرشك) لا أحد يعمل زنة العرش إلا الله ؛ ولذلك النبي ﵊ ضرب مثلاً بالكرسي في العرش كحلقة في فلاة، قال: (السماوات السبع والأراضين السبع في الكرسي كحلقة في صحراء، والكرسي في العرش كحلقة في فلاة)، إذاً: زنة العرش فوق طاقة البشر، وفوق عقول البشر، ولذلك قال ﵊: (سبحانك وبحمدك وزنة عرشك ومداد كلمات) يعني: أسبحك وأنزهك وأحمدك حمداً لا منتهى له. (ومداد كلماتك)، المداد الذي هو الحبر، لو أن الله جعل الأشجار جميعاً أقلاماً، والبحار مداداً وجعل عباده يأخذون هذه
следующие страницы →