Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان)
ثم ذكر الله غيرهم فقال: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ [العنكبوت:٣٩] فقارون كان من قوم موسى وقد ذكرنا قصته في سورة القصص، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] والقصة معروفة.
(وفرعون): هو الذي حكم مصر والذي نظر في نفسه أنه أعلى من الناس، فادعى أنه إله عليهم، وكذب على الناس فوصدقوا كذبه، وكانوا قوماً مغفلين قال الله عنه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ﴾ [الزخرف:٥١] وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
فإذا بهم يصدقونه ويعبدونه من دون الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].
وهامان وزير فرعون الذي يعينه على باطله، فقد قال له: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨].
يقول له: سأبني لك صرحاً من أجل أن تطلع إلى السماء، وهو يعلم أن صرحه لن يبلغ السماء أبداً، ويبنيه ويصدق فرعون فيما يقول.
ويقول: هذا الصرح اصعد فيه إلى السماء فيصعد فرعون فوق الصرح، وينزل للقوم ويقول لهم: لم أجد أحداً في السماء، وليس هناك إله وهذا موسى كذاب، فهذا الكذاب هامان يعين فرعون على ما هو فيه من باطل.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [العنكبوت:٣٩] فقارون ألهاه ماله وحسده لموسى ﵊؛ لأنه كان ابن عم لموسى ﵊، فغار من موسى فقال: أنا معي الأموال كلها وأنت تكون رسولاً!! فغار منه فكان أن خسف الله به الأرض.
وفرعون وهامان كذبا موسى ﵇ وقام الاثنان بأعمال تدل على هذا التكذيب، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩] استكبروا وكأن هذه الآية تحذر كل مستكبر: مهما تكبرت وعلوت فلست بفائت على الله ، بل الله الذي تركهم كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] أي: اذهبوا واعملوا ما تريدون فيستكبرون ثم لا يفلتون من ربهم سبحانه.
стр. 1437
تفسير قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه)
قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: كل واحد من هؤلاء الأقوام أخذه الله بذنبه.
(فكلاً) هنا لف للكلام ثم نشر بعد ذلك كيف أهلكهم سبحانه.
فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: كما فعلنا بقوم لوط، وكما فعلنا بقوم شعيب وغيرهم، ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقوم شعيب وثمود وغيرهم.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقارون وغيره.
ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] كما فعلنا بقوم نوح المكذبين، وكما فعلنا بفرعون وجنوده.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: لم يفعل ذلك ظالماً لأحد، قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] حاشا له أن يظلم.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: ظلموا أنفسهم فاستحقوا عقوبة الله، وهذا فيه تحذير لكل إنسان يظلم نفسه أو يظلم غيره أنه لن يفلت من العقوبة، فعليه مراجعة نفسه والرجوع إلى الله سبحانه إنه تواب رحيم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1438
تفسير سورة العنكبوت [٤١ - ٤٣]
ضرب الله تعالى مثلاً رائعاً لأولئك الذين عبدوا غيره واتخذوا معبوداتهم أولياء لهم ببيت العنكبوت الذي هو أوهن البيوت، فكأنه يقول: كما أن بيت العنكبوت لا يمنعها من حرٍ ولا قرٍ ولا ريح ولا عدو، فكذلك أولياؤكم لا ينصرونكم ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن ينفعوا غيرهم، ثم بين أن هذه الأمثال لا يعقلها ويفهم المراد بها إلا من وهبه الله العلم ورزقه فهم كتابه وتدبر آياته جل وعلا.
стр. 1439
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
في هذه الآية من سورة العنكبوت يخبرنا الله عن الكفار الذين عبدوا الأصنام من دونه سبحانه، وأن مثل هؤلاء في ضعفهم، وضعف عقولهم، وضعف من يلجئون إليه ويدعونه من دون الله كمثل العنكبوت حين اتخذت بيتاً لا يحميها من أعدائها، وقد يكون بيتاً تعيش فيه وتستخدمه مصيدة لغيرها، أما أنه يحميها من أحد يريد أن يدوس عليها فيقطع ويمزق هذا البيت ويقتل العنكبوت فلا يحميها من ذلك، ولا يحميها من الرياح إذا هاجت وسارت عليها فأطارت البيت بمن فيه.
فكأنه يشير إلى أن هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله سبحانه لا ينفعونهم بشيء، ولا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا لأنفسهم كمثل بيت العنكبوت في وهنه وضعفه.
قال تعالى: (اتخذت بيتاً) وهذا البيت لا يحميها من أعدائها، وإذا جاءت الرياح أطارت البيت وضيعته، وإذا داس عليها إنسان أو حيوان لا تقدر أن تدفع ولا يدفع بيتها عنها، فكذلك هذه الأصنام وهذه الآلهة التي تعبد من دون الله، لا تملك لأصحابها لا نصراً ولا ولاية ولا تملك لهم ضراً ولا نفعاً ولا شيئاً.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت:٤١] الولي: هو النصير، والولي هو الذي يحمي الإنسان ويدافع عنه، ويكون متولياً لأمره، فلا يعقل أبداً أن هذه الأصنام والتماثيل تتولى أمور هؤلاء القوم وتدبر لهم كونهم وأمورهم، فمثلهم كمثل هذه العنكبوت (اتَّخَذَتْ) يعني: العنكبوت (اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) أوهن: أضعف من الضعف، قال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤] أي: صار عظمي ضعيفاً لا يحملني، فالإنسان الواهن: هو الإنسان الضعيف، به وهن أي: به ضعف.
فاتخذت هذه العنكبوت بيتاً، وأوهن وأضعف البيوت هو بيت العنكبوت.
وفي قوله تعالى: (البيوت) قراءتان: قراءة بالضم وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
وقراءة أبي جعفر ويعقوب، وباقي القراء بكسر الباء: (وإن أوهن البِيوت).
قال تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] أي: لو كانوا يعلمون أن هذه الأشياء التي عبدوها من دون الله كبيت العنكبوت ولو أنهم تدبروا في ذلك لعلموا أنها لا تنفعهم شيئاً ولا تملك لهم حيلة ولا تملك لهم رزقاً فابتعدوا عنها ولم يعبدوها من دون الله .
стр. 1440
من عجائب العنكبوت وبيته
وهذه الآية آية عجيبة جداً، وفيها معجزة عظيمة من المعجزات في تعبير القرآن العظيم بهذه الصيغ، قال تعالى: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] والتاء تاء التأنيث، وهنا إشارة إلى أن أنثى العنكبوت هي التي تبني البيت، وهذا بعد دراسات العلماء لهذه الحشرة العجيبة سنين طويلة يصلون في النهاية إلى ما في هذه الآية ويقولون: الذكر لا يبني البيت أبداً إنما الذي يبني البيت هي أنثى العنكبوت! والوهن الذي أشار إليه القرآن على معاني صحيحة؛ فالمعنى الذي يفهمه القارئ من أول قراءته لهذه الآية أن أضعف البيوت بيت العنكبوت، وهذا معنى صحيح؛ فهو بيت واه وضعيف، كما نقول: إنسان وهن منه العظم، كأن بيت العنكبوت لا ينصب نفسه ولا بد أن تلصقه في الجدران من أجل أن يستقر عليه.
ومعنىً آخر من وراء ذلك: أن الوهن في العنكبوت نفسه، وهو أنثى العنكبوت وذكر العنكبوت وأولاد العنكبوت.
وهذه العنكبوت حين التزاوج والتلاقح فالذكر حين يلقح الأنثى تستنفد قواه بهذا التلقيح وتأخذ منه ما فيه وفي النهاية تقتله وتأكله.
فحياة أنثى العنكبوت حياة عجيبة جداً! بعدما نفعها بأن لقحها قتلته، ولم تقتله فقط؛ بل أكلته أيضاً، فهذا بيت ليس فيه رحمة إنما يعتمد على المنفعة.
وأولاد العنكبوت يهربون من البيت وهم صغار، ولا يعيشون أبداً في البيت إلى أن يكبروا؛ لأن البيت واه وضعيف.
وليس هناك علاقات اجتماعية قوية بين الأنثى والذكر والأولاد، فلو جاعت أكلت أولادها، فعلى ذلك هو بيت عجيب جداً.
وهذه دراسات علمية منشورة على الإنترنت ذكرها علماء المسلمين وأخذوها عن علماء الكفار الذين درسوا حياة الحشرات وتكلموا عنها باستفاضة، قالوا: هذا القرآن يذكر لنا أن أنثى العنكبوت هي التي اتخذت بيتاً، وهم أثبتوا الآن أن الذي يبني هذا البيت هي الإناث وليس الذكور.
وبيت العنكبوت ضعيف، وهذا معروف من زمن قديم، والجديد الذي عند أهل العلم في ذلك يقولون: إنه فيه ضعف من نوع آخر، وهو أن من بداخله يأكل بعضهم بعضاً وليس فيه حياة اجتماعية أسرية بداخله.
وهذا أمر عجيب من تعبير القرآن؛ إذ يمكن أن يقول الناس: هذا يعمل مثل خيط العنكبوت، أما القرآن فلا يقول: خيط العنكبوت، إنما يقول: بيت العنكبوت، فيا ترى ما الفرق بين الاثنين؟ فالخيط مهما كانت قوته لو حاولت تبني منه بيتاً فذلك غير ممكن أن يستقيم الخيط فتبني منه بيتاً، لكن البيت لا بد أن تعلقه على جدار أو عمود، فلا بد من تعليقه على شيء من أجل أن يستقيم ويرتفع.
فلو أتيت بالخيط ووضعته وجلست داخل هذا الخيط مهما كانت قوته فليس بشيء؛ بل لا بد أن يكون معلقاً بعيداً عنك من أجل أن يكون بيتاً تعيش فيه.
أما إذا لم يكن له أشياء تحمله وترفعه وتنصبه عليه سقط على من فيه، فلم ينفع من فيه بشيء.
فالعلماء يتكلمون عن التعبير القرآني: بالبيوت، ولم يقل: الخيوط.
قالوا في الدراسة: إن خيوط العنكبوت ظهرت أقوى أنواع الخيوط، فخيط العنكبوت ليس خيطاً ضعيفاً بالنظر إلى ما هو مثله من الخيوط.
بمعنى: لو أتينا بأي نوع من أنواع الخيوط الرقيقة في مثل رقة خيط العنكبوت، لكان خيط العنكبوت أقوى من هذا الخيط حتى لو كان هذا الخيط من الفولاذ أو من الصلب، ولذلك يقول العلماء: إذا كانت هذه الخيوط تبدو ضعيفة واهية وتمزقها الرياح؛ إلا أن الدراسات أثبتت أنها على درجة عالية من المتانة والشدة والمرونة، فهي تعد أقوى مادة بيولوجية ينتجها حيوان عرفها الإنسان حتى الآن.
ولا يفوقها في الكون كله قوة خيط إلا نوع يسمى: بالكوارتز المصهور، قالوا: هذا أقوى منه.
وقالوا: هذا الشيء الرفيع يتمدد إلى خمسة أمثاله، وليس هناك خيط مثله، فإذا كان طوله سنتيمتراً واحداً فإنه يتمدد حتى يصبح طوله خمسة سنتيمترات، فهو قوي وفيه متانة.
وقالوا: إنهم حاولوا أن يقلدوا خيط العنكبوت من أجل أن يصنعوا خيوطاً قوية تضاهي خيط العنكبوت، وقد قالوا: إنه أقوى من الفولاذ المعدني بعشرين مرة، فتخيل! خيط تصنعه هذه العنكبوت الذي أنت تدوس عليها برجلك، فلا تستطيع أن تصنع خيطاً مثل خيطها إلا بجهد جهيد.
وقالوا: أقوى الخيوط الموجودة الذي يلي خيط العنكبوت خيط استحدثوه حديثاً مصنوع من الكوارتز المصهور، يقولون: وتبلغ قوة احتماله ثلاثمائة ألف رطل للبوصة المربعة.
أي: أنك لو أتيت ببوصة مربعة مضغوطة من خيط العنكبوت يتحمل قوة من غير أن يتفشى ويتكسر ثلاثمائة ألف رطل عليه.
قالوا: فإذا قدر جدلاً أن أتينا بخيط العنكبوت وضغطناه وعملنا منه حبلاً في سمك الإبهام، فبالإمكان أن يأخذ طيارة جامو، وهي إحدى الطائرات العملاقة.
ولكن كيف يصنعون ذلك من أجل أن يصلوا إلى القوة العظيمة التي لهذه الخيوط؟ قالوا: هناك غدد موجودة في بطن العنكبوت، وهناك ثلاثة ثقوب موجودة فيها ينزل منها ما تفرزه الغدد وتخرج منها على هيئة شعيرات، فيجتمع خيط مع خيط ويجدل الخيوط في بعضها بحيث تكون في النهاية خيط العنكبوت.
كذلك في بطنها أكثر من ستمائة غدة تفرز مادة معينة، وهذه المادة تنزل من ثقوب ثلاثة موجود في داخلها مثل المغازل كل واحدة تنزل خيطاً، والثانية تنزل خيطاً، ويلتف الخيط على بعضه، فيتجدل بحيث يكون خيط العنكبوت الذي يظهر أمامنا.
وقد اكتشفوا أن الحشرات أكثر شيء موجود على الأرض، وقالوا: يوجد أكثر من عشرة مليون نوع من أنواع الحشرات، ولم يصلوا إلا إلى معرفة حوالي مليون وقليل من هذا العدد الضخم من الحشرات الموجودة على الأرض.
والعنكبوت لوحده خمسة وثلاثون ألف نوع من هذه الحشرات الموجودة، وربنا ضرب لنا مثلاً بها وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
إذاً: البعوضة خلق، وأنت لا تستطيع أن تخلق مثله، والذبابة خلق وأنت لا تستطيع أن تخلق مثلها، فخلق عظيم من خلق الله توجد فيه حكم خلقها الله .
وقد قال لنا: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ [فصلت:٥٣] أي: هؤلاء الكفار سنريهم آياتنا، أما المؤمن فيعلم أن الله لا يخلق شيئاً إلا لحكمة، والكافر يظل يفكر ويصنع ويتأمل ويخرج بنتيجة يصل في النهاية إلى ما قاله الله .
فضرب الله بالعنكبوت المثل، والإنسان يراها حشرة تافهة ويتقزز منها، ولكن يقول لك: هذه لا تخلو من فوائد، وربنا سيذكرها هكذا وانتهى.
العنكبوت فيها فوائد كثيرة جداً لدرجة أنهم يقولون: إنها تلتهم الملايين من الحشرات الضارة.
كذلك تلتهم الملايين من النباتات الضارة بالصحة، بل إنها تعمل كمبيدات حشرية لدرجة أن أحد العلماء يقول ويؤكد: إن نهاية الإنسان تصبح حتمية لو أن العنكبوت لم تكن موجودة على وجه الأرض، هل تتخيل هذا الشيء؟! فيضرب الله تعالى المثل بشيء يدل على أنه مثل عظيم من الله ، والاختيار للألفاظ مقصود لمعانٍ عظيمة منه سبحانه.
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] أي: لو يعلمون ذلك ويتأملون في كلام الله لآمنوا ودخلوا في دين الله ﵎.
وقد ذكر الله تعالى قبل ذلك النمل فقال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل:١٨]، وجاء عن النبي ﷺ (أنه نهى عن قتل النمل)، والعلماء يذكرون أيضاً أن النمل نافع جداً للإنسان، وأنه يتخذ سلاحاً يحمي الأشجار للإنسان من الحشرات الضارة بالأشجار التي تنخرها؛ لدرجة أن في اليمن يبيعون النمل، فيذهبون للغابات ويأتون بالأشجار التي عليها النمل وينقلونها على الجمال إلى السوق من أجل أن تباع، ويأخذها أصحاب مزارع الموالح وغيرها من أجل أن يحمي النمل لهم مزارعهم.
فالنبي ﷺ لا ينهى عن ذلك إلا لحكمة عظيمة جداً.
إذاً: نقتل ما كان مؤذياً للإنسان بالقرص، أو يخرب بيت الإنسان، أما غير ذلك فلو أنه قضي على النمل كله الذي على وجه الأرض لخربت وضاع على الإنسان غذاؤه.
ولو أنه قضي على جميع العناكب التي على وجه الأرض لمات الإنسان بعد ذلك من أعدائه الموجودين.
فالله لم يخلق شيئاً إلا لحكمة، والإنسان قد يستكبر، ويقول: هذا مخلوق ليس له لزوم، ويضيع شيئاً من الأشياء التي أوجدها الله في مكان، فإذا بتضييعه لهذا الشيء في هذا المكان يدمر له هذا المكان بسوء صنيعه.
وكذلك لو أن الإنسان أخذ شيئاً من موطن غير موطنه، ووضعه في مكان آخر، فتكاثر في هذا المكان، فلعله يخرب هذا المكان بصنيعه هذا.
فلو ترك الإنسان الدنيا على ما خلقها الله عليه ولم يتعرض للتجارب لتضييع البيئة التي أوجدها ربنا أوجدها وفطرها عليها؛ لكانت الأرض فيها الخير العظيم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
стр. 1441
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء)
قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت:٤٢] أي: الكفار، وهذه قراءة أبي عمرو وعاصم، ويعقوب: (إن الله يعلم ما يدعون).
ويقرأ بالخطاب باقي القراء: (إن الله يعلم ما تدعون) يعني: يا أيها الكفار! إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء، ولو كان حقيراً أو شيئاً صغيراً تخفونه فالله يعلم ما كان صغيراً وما كان كبيراً من عبادتكم الباطلة.
إن الله يعلم كل ما تدعون من دونه، ويعلم ما تفعلون، وهو العزيز الغالب الذي لا يقهر .
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٤٢] أي: الذي لم يخلق شيئاً إلا لحكمة والذي لم يرسل رسولاً إلا لحكمة والذي لم ينزل كتاباً إلا لحكمة سبحانه.
стр. 1442
تفسير قوله تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس)
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت:٤٣] أي: تلك الأمثال العظيمة التي يذكرها الله : ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت:٤٣] أي: نبينها ونوضحها للناس ونذكرها لهم على وجه العظة والتمثيل، ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] أي: وما يفهم هذا الشيء وما يتعقل معانيها إلا العالمون.
والكافر الغبي يقول: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] فمرة يذكر ذبابة، ومرة يذكر بعوضة، ومرة يذكر العنكبوت، ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟! أما العلماء فيقولون لك: أنت لا تفهم شيئاً، فلو قضي على العناكب التي خلقها الله تعالى لكان القضاء عليك أنت يليها، ولو أن هذه الحشرات الموجودة في الكون كلها غير موجودة فلن تستطيع أن تعيش، أو سيكون لك أعداء لا تقدر عليهم، وهذه الحشرات هي التي يبيد الله بها هذه الأشياء؛ فانظر لحكمة الخالق الباري ، واعقل وتفهم ما يقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
نسأل الله أن يجعلنا من عباده العالمين المؤمنين الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1443
تفسير سورة العنكبوت [٤٤ - ٤٥]
بين المولى جل في علاه أن من دلائل عظمته وقدرته خلقه لهذه السماوات السبع بغير عمد، وأنه قد خلقها بالعدل والقسط، ففي ذلك الخلق على هذه الهيئة آية عظيمة باهرة تزيد أهل الإيمان إيماناً وتقوى، وتبعث في قلوبهم الرهبة والخشية من الله تعالى، فيعملوا بما أمر، ويجتنبوا ما نهى عنه وزجر، ومن ذلك إقامة الصلاة التي أمر الله تعالى بها، وتأديتها كما أمر سبحانه.
стр. 1444
تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت:٤٤].
يخبرنا ربنا أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: بالعدل وبالقسط، خلقها الله حقاً وبالحق خلقها سبحانه، فهي موجودة حقاً وصدقاً، والذي أوجدها هو الله سبحانه وهو الذي أقام السماوات والأرض على العدل وعلى القسط وعلى الحق .
وهذه آيات من آيات رب العالمين ودلالة للمؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم.
وتأمل أنه قبل ذلك ذكر بيت العنكبوت فقال: ﴿إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١].
ثم قال: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت:٤٤]، وقال سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٢٧ - ٣٣].
يخبرنا عن هذا الخلق العظيم فيقول: هل أنتم أقوى أم هذه السماوات وهذه الأرضون؟! والإنسان كلما ازداد علماً كلما عرف أنه ضعيف وأنه ليس شيئاً، فأصل خلقة الإنسان هذا التراب الذي يمشي عليه، وإن كان حين سيره يضرب برجله الأرض، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، أي: لن تشقها برجلك لأنك أضعف من ذلك.
﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ﴾ [الإسراء:٣٧]، أي: لن تطول فتصير كقمة الجبل، فأنت ضعيف والسماء والأرض والجبال أقوى منك.
والله خلق هذا كله وأحكمه إحكاماً وأتقنه إتقاناً، فانظر إلى بيت العنكبوت وضعفه، وانظر إلى السماوات والأرض وقوتها، وانظر إلى من يعبدون غير الله سبحانه، من الذي يستحق أن يعبد؟ أهذه الأصنام وهذه الآلهة التي هي أوهى من بيت العنكبوت أم الله الواحد القهار الذي خلق السماوات والأرض بالحق؟ لا شك أن الأحق بالعبادة هو الله .
فقد خلق السماوات والأرض وشرع لعباده ولم يتركهم هملاً، فهو أولى أن يطاع لكونه الخالق الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه، لا هذه الأنداد والآلهة التي لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت:٤٤]، أي: في خلق السماوات، وقد قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، أي: من كان له لب وقلب وبصيرة وعقل عرف الآيات في ذلك، وعرف أنها لم تخلق نفسها ولم يوجدها إلا خالقها الله سبحانه فتوجه إليه وحده بالعبادة.
ولذلك جاء عن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، أنه قال في الصباح لأصحابه: (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها).
ولذلك كان ﷺ يقرأ هذه الآيات إذا استيقظ من نومه كل ليلة ليصلي بالليل، فيقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد أماتنا وإليه النشور)، ثم يقرأ العشر الآيات من آخر سورة آل عمران التي أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
إذاً: المؤمنون يذكرون الله ويتفكرون في هذا الخلق فيزدادون إيماناً، فبدأ بقوله: (خلق السماوات والأرض)، وعقب بعد ذلك بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [آل عمران:٤٩]، وبعد ذلك ذكر الصلاة وذكر الله .
وكأن هذه أشياء مرتبة بعضها على بعض، انظر إلى الكون فتفكر، فإذا تفكرت وتدبرت عرفت الخالق ، وعرفت قوته وقدرته وأنه يستحق العبادة، فإذا عرفت ذلك فاعبده بالصلاة ولا تكتف بخمس صلوات في اليوم والليلة، بل أدم ذكر الله ليل نهار، واذكر الله قائماً وقاعداً وساجداً وراكعاً بل اذكر الله على كل حال.
стр. 1445
تفسير قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب)
ثم أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه فقال ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥] أي: اقرأ عليهم قراءة تدبر وترتيل؛ ليتدبروا ويسمعوا منك هذا الكلام العظيم.
فأمره بقراءة هذا القرآن والمداومة على ذلك، فيقرأ في نفسه، ويقرأ للناس، ويقرأ للمؤمنين؛ ليتعظوا ويزدادوا إيماناً، ويقرأ للكافرين؛ لعلهم أن يؤمنوا ويدخلوا في هذا الدين.
وهذا أمر له بالتبليغ، أي: اتل في نفسك، وبلغ الناس فيسمعوا منك ذلك، وهذا القرآن الذي نزل على النبي ﷺ هو وحي جاء من عند رب العالمين ونزل من السماء.
стр. 1446
أمر الله تعالى بإقامة الصلاة
ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ولم يقل: صل؛ لأن إقامة الصلاة تعني: إحسانها وإعدادها على النحو الذي يرضي الله ، فقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) من الإقامة فأنت أقم صلاتك، وائمر الناس بها.
فيقيمها صلوات الله وسلامه عليه ويداوم عليها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وجميع شروطها، ويأمر الناس بها ويصلي بهم، فكان يعلمهم الصلاة بالقول، ويعلمهم بالفعل، ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
ويعلمهم بالإنكار عليهم إذا أخطئوا، فلما رأى المسيء صلاته أمره النبي ﷺ بالصلاة فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ، ثم استقبل القبلة وكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اقعد وافعل ذلك في صلاتك كلها)، فيعلمهم النبي ﷺ إتقان الصلاة، ويحذرهم من التهاون والتفريط فيها ويقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
ويأمرهم بإسباغ الوضوء، وأن الذي لا يسبغ الوضوء لا صلاة له فيقول: (ويل للأعقاب من النار)، أي: الذي يتوضأ ويتعجل الوضوء ولا يغسل رجليه جيداً.
وقد وجد رجلاً يصلي وعلى قدمه لمعة موجودة على ظاهر قدمه -أي: علامة على أن الماء لم يصل إلى هذا المكان- فأمره النبي ﷺ أن يرجع فيتوضأ ويعيد هذه الصلاة.
فالإنسان المؤمن يحرص على أن يصلي صلاة كاملة يتقرب بها إلى الله سبحانه على النحو الذي يريده منا.
وقد جاء عن النبي ﷺ في الصلوات الخمس قوله: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟) يعني: هل يبقى من قذره ووسخه شيء؟ قالوا: (لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) رواه الترمذي وصححه وهو حديث صحيح.
فيذكر فيه النبي ﷺ الصلوات الخمس التي تنظف قلب الإنسان وبدنه، تنظفه من ذنوبه الظاهرة والباطنة، وقد جاء في حديث النبي ﷺ قوله: (إذا قام العبد يصلي أتي بذنوبه فجعلت على منكبيه، فإذا قام في الصلاة تساقطت، وإذا ركع تساقطت، وإذا سجد تساقطت)، فهذه الصلاة عظيمة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، وهي نور تنير للإنسان دنياه وأخراه، وتنير قبره، وهي صلة بين العبد وبين الله ، يتقرب بها إلى الله فيريح الله قلبه بها، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر قال: (أرحنا بها يا بلال!) فكان يستريح بهذه الصلاة، بل قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وقرة العين: استقرارها وهدوء النفس، وراحة البال له.
ولذلك أمرنا الله بها وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فيبين لنا حكمة من حكم الصلاة وفائدة من فوائدها.
وإذا ضايقه أمر صلى لله فيفرج الله عنه هذا الكرب الذي نزل به، أو يريح قلب الإنسان فيصبر ويتصبر، قال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فلذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يأتسون بالنبي ﷺ ، فإذا نزلت بأحدهم مصيبة فزع إلى الصلاة لعل الله يخفف عنه وطأة هذا الشيء الذي نزل به.
فالصلاة للإنسان تريح قلبه، وتشعره أنه راجع إلى الله ، فمهما حدث من مصائب الدنيا ففي النهاية كل الدنيا ستزول وهو سيرجع إلى الله ، فالأمر هين سهل طالما أنه حافظ على صلته بالله.
стр. 1447
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
والصلاة تعين الإنسان على تقوى الله وتعينه على اجتناب المعاصي والفواحش، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
فالإنسان المؤمن حين يسمع الأذان للصلاة يستمع له ويردد الأذان: الله أكبر من كل شيء، فلو أنه انتبه لهذا الذي يسمعه علم أن كل شيء حقير، والله الكبير الجليل العظيم المتعال سبحانه، فلجأ إليه وترك كل شيء، وتوجه إلى بيت الله لهذه الصلاة العظيمة مستريح النفس ولن يضيع منه شيء من الدنيا، وكيف تضيع منه مصالحه وكيف تضيع منه أمواله وهو ذاهب ليطيع الله ؟! فهو متوجه إلى الله ليصلي الصلاة المكتوبة، وهو ذاكر لله وداخل إلى بيت الله، فلن ينظر إلى فلانة وهي تمشي في الطريق، ولن يخدع إنساناً أو يغشه.
فالمؤمن الصحيح الإيمان لا يفعل هذا الشيء، فهو يتذكر أنه ذاهب ليقابل الله ، ولكي يعبده كأنه يراه كما قال النبي ﷺ : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وإذا كنت لا ترى الله فاستشعر أنك تراه سبحانه فهو يراك .
وفي الدنيا حاسب نفسك وراقبها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فلا يقع الإنسان في فاحشة من الفواحش لا فاحشة فعلية كالزنا ونحوها، ولا فاحشة قولية كالبذاءات ونحوها، فيكون المؤمن مبتعداً تماماً عما يغضب الله .
وكذلك تنهى عن المنكر، وكل ما ليس معروفاً فهو منكر ينكره القلب وينكره العقل السليم، وينكر على الإنسان أن يقع في القبيح أو المعاصي أو يقع في الأذى.
إذاً: كل ما كان منكراً فالصلاة نور في قلب الإنسان تمنعه أن يعمل ذلك؛ لكونه ذاهباً إلى الصلاة، ثم يدخل فيها فيتذكر ذنبه ويقول: يا ربي اغفر لي وتب علي، فيلوم نفسه، وقد أقسم الله بالنفس اللوامة فقال: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:٢] فلها فضيلة عند الله عندما تلوم صاحبها فيرجع ويتوب إلى الله .
هذه الصلاة تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر، فيدخل في صلاته فيذكر الله فينجلي النور في القلب وينبلج ويجلي الصدأ الذي عليه.
فكلما ذكر الله انزاح عن قلبه شيء من صدى الذنوب إلى أن يخرج من صلاته سليم الصدر، مستريح البال، قرير العين، فيتوجه إلى عمله فلا يخون ولا يخدع ولا يغش، ويذكر نفسه: أنا الآن خرجت من الصلاة فكيف أعمل هذا وأنا مصلي وأقابل الله سبحانه؟ فاحذر فالله يراقبك.
فالصلاة تمنع الإنسان من المعاصي أو تقللها، فلعله يقع في ذنب ولكن يتدارك نفسه فيستغفر الله ، ويندم على ذلك.
أما الذي يترك الصلاة فيسمع المؤذن يؤذن فإذا به يجلس في مكانه ويحاول أن يلتفت عن هذا الأذان، والأذان يقول له: حي على الصلاة، أي: تعال وهو ينشغل بالحديث مع غيره.
ولذلك احذر أن تسمع الأذان وتتكلم مع الناس، فأحياناً بعض الإخوة تجده يتكلم والمؤذن يؤذن، فلم يكن هذا هو هدي النبي ﷺ ولا الصحابة، بل كانوا ينشغلون بالأذان، فأول ما يسمع الأذان حتى لو كان يقرأ القرآن يترك القرآن ويردد الأذان مع المؤذن فالله أكبر من كل شيء، والله أكبر من هذا الحديث الذي تتكلم مع صاحبك، اقطع علائقك بالدنيا واذهب إلى الله وردد هذا الأذان، فإذا انتهى الأذان كان لك أجر عظيم من الله على الترديد.
إذاً: لا ننشغل عن الأذان وعن النداء، ولا نتكلم في الشارع أو نقف على باب المسجد إلى أن يصلي الناس السنة ثم ندخل عند إقامة الصلاة تهاوناً بصلاة السنة، ولعلنا إن صلينا هذه الصلاة فإنها تكون زيادة لنا من الخير، وتكون زيادة في قلوبنا من النور والقرب من الله ، فالصلاة فرصة للإنسان يتقرب بها إلى الله.
وتجد البعض يدخل إلى المسجد فإذا أكمل صلاة السنة تكلم مع الذي بجانبه وليس هذا وقت كلام، إنما هو وقت دعاء، والنبي ﷺ أخبر أن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، فهذه أوقات عظيمة جداً وفوائد نفيسة وفرص فلا نضيعها، فندعو الله في هذا الوقت الذي يستجاب فيه الدعاء، ندعو لأنفسنا وللمسلمين وندعو الله أن يفرج الكروب والبلاء الذي امتلأت به ديار المسلمين.
فالصلاة الحقيقية التي يصليها الإنسان متقرباً بها إلى الله تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وكم من إنسان يخرج من صلاته مثلما دخل فيها، إذا دخل في الصلاة سرح ونسي وانشغل بعمله، وصار يعد فلوسه، ويوسوس: سأذهب بعد الصلاة إلى فلان، وسأعمل كذا وقد ذكرنا أن الخواطر التي ترد على النفس والقلب إذا لم يجذبها الإنسان ولم يستطرد فيها لا شيء عليه قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وكلنا يسرح وينسى.
ولكن الإنسان الذي يدخل في صلاته فلا يفهم شيئاً من الذي يقوله، وفي رأسه شيء آخر، فهذه ليست الصلاة التي أمر الله بها، وأخبر أنها تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر.
وقد ورد في حديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي ﷺ ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا أتاه) أي: كأن إسلامه جديد وأنه كان يصلي مع النبي ﷺ ، ومن ثم يخرج يسرق، فشكوا للنبي ﷺ ذلك، والذي يظهر أنه لم يثبت عليه ذلك وإلا لقطعت يده.
(فلما شكوا للنبي ﷺ قال: إن الصلاة ستنهاه) يعني: إذا كان يصلي صلاة صحيحة فإنها ستنهاه صلاته، فلم يلبث أن تاب ورجع إلى الله .
إذاً: لما أحسن في الصلاة نفعته، وكم من إنسان قد يصلي ويسرق، وقد يدخل المسجد ليصلي من أجل أن يسرق الأحذية وهو خارج من بيت الله .
والصلاة التي يتقرب بها إلى الله وتنهاه عن الفواحش وعن المنكرات صلاة يرجو بها الله فيقبل على الله بقلبه فيها، ويتفكر ويتأمل فيما يقرأ.
فالفاتحة مثلاً خطاب ومحادثة بينك وبين الله، (فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال سبحانه: أثنى علي عبدي.
وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله : مجدني عبدي.
وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، قال الله سبحانه: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] قال الله: نعم.
سنعطيك ذلك) فتخرج من هذه الصلاة وقد هداك الله الصراط المستقيم وأبعدك عن الفواحش والمنكرات.
стр. 1448
صلاة النافلة وفضلها
وتتقرب إلى الله بصلاة النافلة فتصلي ركعتين قبل الفجر، فقد كان النبي ﷺ يواظب عليهما لفضلهما سفراً وحضراً، والسنة عدم الإطالة فيهما، بل كان النبي ﷺ يصليهما بسرعة وما يزيد على ركعتين، بل قد قال النبي ﷺ : (لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين).
إذاً: هما ركعتان فقط بعد أذان الفجر لا أكثر من ذلك، ولكن لهما أجر عظيم جداً عند الله جعل النبي ﷺ لا يتركهما سفراً ولا حضراً.
وتصلي قبل صلاة الظهر أربع ركعات وبعدها أربع ركعات، يقول النبي ﷺ : (من صلى قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً حرم الله بدنه على النار).
وتصلي أربع ركعات قبل العصر يقول النبي ﷺ : (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً).
وتصلي ركعتين بعد المغرب تواظب عليها كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك.
وما بين المغرب والعشاء كانوا يعدونها من صلاة الليل صلاة عظيمة.
وتصلي بعد العشاء وتوتر وتتهجد بعد ذلك.
فإذا واظبت من رواتب النهار على عشر ركعات بني لك بيت في الجنة، والذي يتأمل ويتدبر فيقول في نفسه: أنا صليت قبل الظهر أربعاً، وبعدها أربعاً فأرجو من الله أن يحرم بدني على النار.
وأواظب على ذلك، وكذلك يقول: أنا اليوم فاتتني الأربع قبل العصر وسوف أدركها غداً ولا أضيعها من أجل أن يرحمني ربي.
وكذلك يقول: لا تفوتني الصلاة الآتية، سأواظب على صلاة الجماعة من أجل ألا تفوتني تكبيرة الإحرام أربعين يوماً في صلاة الجماعة فيكون لي أجر عظيم عند الله، قال النبي ﷺ : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق).
فإذا خرج من الصلاة انتظر التي بعدها حتى يكمل الأربعين يوماً فيعطيه ربه ذلك، ولا يقول: تكفي حتى البراءة وانتهيت؛ بل يجعلها أكثر لتكتب له أكثر من براءة، بل اجعل حياتك كلها على ذلك كما كان الصحابة حياتهم كلها المواظبة على الصلاة وعلى التكبيرة الأولى، حتى إن أحدهم إذا فاتته هذه التكبيرة يحزن حزناً عظيماً على فواتها، وقد يظن أنه يعذب في ذلك؛ لأنهم عرفوا قدر الصلاة وشرفها.
نسأل الله أن يعرفنا قدرها وشرفها وأن يعيننا عليها ويجعلها قرة عين لنا وراحة لقلوبنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1449
تفسير سورة العنكبوت الآية [٤٥]
ذكر المولى جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوامر عظيمة للنبي الكريم ﷺ ولأمته المقتدين بهديه: فأمره بتلاوة القرآن الكريم واتباع ما جاء فيه، ثم أمره بإقامة الصلاة؛ لتكون بينه وبين ربه جل وعلا صلة وثيقة؛ ولأن هذه الصلاة إذا أقيمت كما ينبغي أثمرت البعد عن الفواحش والمنكرات، ثم أمره بذكر الله المقترن بالصلاة وغيرها أو المطلق في كل الأحوال، ثم ختم الآية بتخويف العصاة وتفريح المؤمنين بأنه يعلم صنيع الفريقين فيجازي كلاً بعمله.
стр. 1450
تفسير قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
هذه الآية العظيمة يأمر الله النبي ﷺ فيها بثلاثة أشياء: الأول: أمره بتلاوة ما نزل من القرآن، على وجه البيان والتبليغ والتوضيح، وتعليم الأمة، وعلى وجه ذكر الله .
فتلا النبي ﷺ هذا القرآن العظيم في صلاته، وتلاه في خطبه، وتلاه على المسلمين، وتلاه على المشركين، وأرسل إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى هذا الكتاب العظيم، وأرسل إلى العالمين أنسهم وجنهم.
وكان يتلو هذا القرآن في ورده، حتى إنه قد ينشغل عن حزبه فيعوضه في وقت آخر، ولا يفوته ذلك أبداً ﵊، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فقام بذلك.
стр. 1451
أمر الله تعالى بإقامة الصلاة
ثم قال له: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥]، أي: أقمها لنفسك فصل لله بالليل طويلاً، وصل لله بالنهار أيضاً، ثم أقمها للمؤمنين فائمر بالنداء لها، وصل بهم، وعلمهم أن يستقيموا فيها.
فعلمهم النبي ﷺ بأوامره وأفعاله، وبإنكاره على من يسيء منهم في صلاته وترغيبهم في الثواب فيها، وترهيبهم من التقصير فيها، فقام بذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وبين له ربه سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] أن هذه الصلاة عظيمة جداً، تنهى الذي يحسن فيها عن الفحشاء والمنكر، ولا شك أنها تنهى كل إنسان عن الفحشاء والمنكر كل بحسبه، فإنسان جاء ليصلي وانشغل عن هذه الصلاة بالتفكير في أشياء خارجها، فأقل ما فيها أنه وهو في صلاته لا يفعل المنكر ولا يفعل الفحشاء، فنهاه ما هو فيه عن أن يقترف آثاماً وذنوباً.
فإذا دخل الإنسان الذي يقع في المنكرات والمعاصي والفواحش في الصلاة فأقل ما فيها أن هذا الجزء من وقته ليس بفحشاء وليس بمنكر.
فالصلاة منعته من ذلك في ذهابه من بيته ومجيئه إلى بيت الله وهو متوجه إلى الصلاة على الأقل، وإذ هو متذكر لله في ذلك الحين.
أما الإنسان الذي يدخل في الصلاة بخشوع، وخضوع، وتواضع لله سبحانه، وحب لهذه الصلاة، وكان في كل أحواله مستشعراً الذل بين يدي الله ، وهو قائم يقرأ، وهو راكع منحن، وهو رافع، وهو ساجد لله سبحانه متواضعاً، وهو قاعد يستشعر أنه عبد ذليل بين يدي الرب الجليل ، وفي قراءته يتدبر معانيها، ويطبق على نفسه ما هو فيها من أن المحسنين لهم الجنة فيرجو ذلك، وأن المسيئين لهم النار فيخاف من ذلك، ويسأل الله من رحمته، يتعوذ بالله من غضبه وعقابه، فهو في مناجاة مع الله في صلاته، وإذا ركع عظم ربه وذكره، وإذا سجد دعا ربه وهو مستيقن بأن الله يستجيب دعاءه.
فإذا كانت الصلاة على هذا الوجه وخرج فيستحق أن يقال: إن هذه الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا يعقل أبداً أن يكون إنسان يصلي على هذه الصورة ثم يخرج من الصلاة ليزني مثلاً، أو يخرج ليسرق، أو ليقع في شهادة الزور، وقول الزور، وأكل حقوق الخلق.
فهذه الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهو فيها متصل بالله ، فإذا خرج لم تنقطع صلته بربه .
ولذلك يقول العلماء في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥]، أن المراد: إدامتها والقيام بحقوقها.
وأخبر الله سبحانه بالحكم من رواء هذه الصلاة بأنها تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من تلاوة القرآن واستماع الذكر الذي يشتمل على الموعظة.
والصلاة تشغل بدن المصلي إذا دخل فيها وخشع وأخبت لله سبحانه وذكر الله، وتذكر أنه واقف بين يديه فتذكر الموقف يوم القيامة.
الإنسان المؤمن يتفكر حال وقوفه في الصلاة أنه يقف بين يدي الله اختياراً، أما يوم القيامة فالكل واقفون بين يدي الله رب العالمين ومجموعون ومحشورون إليه اضطراراً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، وقال: ﴿وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، ولا بد للسؤال من إجابة، ولن يستطيع الهرب أبداً، ولا من الموقف بين يدي الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
فإذا وقف الإنسان في الصلاة في الدنيا تذكر الموقف يوم القيامة، وأن موقفه هذا يغني عن إطالة سؤال يوم القيامة، ويدفع عنه شر هذا اليوم الذي قال الله عنه: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠]، شديد العبوس، شديداً فيما هو فيه من سؤال وموقف وعرق، وفيما هو فيه من تبكيت وحسرة.
فإذا خرج الإنسان من هذه الصلاة لم تزل عليه هذه الصلاة وصفتها وخشوعها إلى الصلاة التي تليها، ولا يزال هكذا حتى يستمتع بهذه الصلاة.
ولذلك جاء عن بعض السلف رضوان الله عليهم أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر، وقال: أما تدرون بين يدي من أقف؟ استشعر أنه واقف بين يدي الله ، وهذه منزلة عظيمة جداً ليس كل إنسان يصل إليها، ولكن على الأقل يستشعر الخوف في قلبه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]، وقد أمر النبي ﷺ المؤمن أن يصلي صلاة مودع.
فإذا دخل في الصلاة قال في نفسه: يمكن أن تكون هذه آخر صلاة أصليها.
فإذا استشعر ذلك أحسن فيها أفضل الإحسان.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى﴾ [العنكبوت:٤٥]، أي: صاحبها المصلي، ﴿عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا انتهى من صلاته وقد أحسنها فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر.
стр. 1452
فضل الذكر
ثم قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، هذا هو الأمر الثالث، وإن كان على غير صيغة الأمر لكن في مواطن أخرى أمر الله به ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
والمعنى: إذا كان الله أمر بالتلاوة، وأمر بالصلاة، وبين أن التلاوة تؤدي بك إلى أن تبلغ هذه الرسالة العظيمة، وأن فيها التذكر، والموعظة، وأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فأعظم من ذلك المداومة على ذكر الله ، كأنه يقول: واذكر الله فإنه أعظم.
فالإنسان يذكر ربه في كل أحواله، ومن ضمن ذلك أنه يذكره في صلاته، فكأن الذكر هنا أعظم؛ لأنه سيكون في الصلاة وفي غير الصلاة.
فلا يظن أن قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] معناه: أن ذكر الله في غير الصلاة أعظم من ذكر الله في الصلاة، فلم يقل ذلك إنما أطلق ذكر الله في كل الأحوال، فإذا قلنا: أيها أعظم أن أصلي فأذكر الله في الصلاة، أم أكون ذاكراً لله في كل الأحوال بما فيها الصلاة؟ فلا شك أن هذه الحالة الثانية أعظم.
فهذا المقصود أنك بذكر الله سبحانه يطمئن قلبك، سواء كنت في الصلاة، أو في غير الصلاة، فكأنه يشير إلى الذكر لله دائماً.
والذكر يكون باللسان وبالقلب وبعقل الإنسان، كأن يتفكر ويتعظ بما يقول ولا ينسى.
وقد يذكر الله بلسانه وعقله في شغل آخر لا يفهم ماذا يقول، كمن يجلس يسبح الله بعد الصلاة ولا يكون فاهماً لما يقول؛ فإن شاء الله يكون له أجر على ذلك.
لكن أجر من يقول: سبحان الله، وهو يفهم معناها، ويتدبرها، ويتلذذ بطعم سبحان الله وهو يقولها، فهذا أعظم بكثير من إنسان يقول بلسانه ولا يفهم بقلبه، وإن كان الذكر باللسان يؤجر عليه.
والذي يقرأ القرآن قراءة سريعة يتدبر بعضها؛ يريد أن يراجع لكيلا ينسى فهو مأجور على ذلك، وأعظم منه من يقرأ بتأنٍ وتمهل وخشوع تدبر وتفكر واتعاظ، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وذكر الله يكون بقراءة القرآن، وكذلك بالأذكار التي قالها النبي ﷺ وبدعاء الله ، وذكر الله بأن تطلب منه الجنة، وأن تتعوذ به من النار، فلا يزال ذكر الله على بال المؤمن وفي قلبه فيكون ذاكراً لله بلسانه وبقلبه.
فإذا كان عقل الإنسان حاضراً وهو في ذكر الله ﵎، فهذا عظيم جداً، وتأتي مكافأة من هذا شأنه في الدنيا وفي الآخرة، فينجيه هذا الذكر من مضايق كثيرة جداً بكثرة الذكر، قال النبي ﷺ : (إذا أردتم أن يستجيب الله لكم وقت البلاء فأكثروا من الدعاء وقت الرخاء)، ففي وقت رخائك أكثر من الدعاء، فإذا جاء وقت البلاء استجاب الله لك؛ لأن صوتك مسموع في السماء، والملائكة تشهد لك عند الله سبحانه، وهو أعلم.
فلا يزال الإنسان ذاكراً لله حتى يعطيه الله ما يتمناه في الدنيا والآخرة.
وكلما كان الإنسان منشغلاً بالدنيا كلما كانت الأماني موجودة، فيقول: يا رب! أعطني مالاً أو أعطني قصراً أو غير ذلك فطلباته في الدنيا كثيرة.
وكلما ترقى الإنسان ووصل لدرجة في ذكر الله سبحانه وحبه كان أمله في الآخرة يقول: يا رب! أسألك الجنة وأريد الحور العين، يا رب! أريد قصوراً في الجنة، فإذا كان يوم القيامة ووجد ما دعا به تمنى أنه لم يستجيب له دعاء في الدنيا وأنه ادخر له كل ذلك ليوم القيامة.
فالإنسان الذاكر لله يعطيه الله ما يتمنى في الدنيا أو في الآخرة، وقد ترى إنساناً حقيراً، وتجده يمشي حافياً، وملابسه مقطعة أو مرقعة، ولكنه قرير العين، ومستريح البال، ومطمئن القلب، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذه الجنة هي جنة حب الله سبحانه وذكره.
فالمؤمن يستمتع بذكر الله، ويصل أقصى درجات الاستمتاع في الجنة، فيلهم التسبيح كما يلهم النفس، أي: كما أن النفس في الدنيا لا يستغنى عنه فكذلك أهل الجنة لا يستغني أحد منهم عن ذكر الله سبحانه، وعن تسبيح الله؛ لأنه استمتع به أعظم استمتاع.
والجنة عظيمة غالية، وأعظم ما يكون للإنسان المؤمن في الجنة والذي يتمناه أن ينظر إلى الله ، وأن يتشرف بالقرب من الله سبحانه.
وقد أمرنا الله بالذكر في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وأمر الله بقراءة هذا القرآن، وبالاستماع له فقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِك﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
وذكر المؤمنين الصالحين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] كذلك أمر الله النبي ﷺ بالصبر فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]، أي: الصلاة قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر، وقبل غروبها وهي صلاة العصر، فتواظب على صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، فجمع الصلوات الخمس في هذه الآية من سورة طه.
فالنبي ﷺ مأمور والمؤمنون مأمورون تبعاً بالصبر وإقامة الصلاة.
ومدحهم الله سبحانه فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فبدأ بالذكر ثم ثنى بإقامة الصلاة.
فهو في حال بيعه وشرائه ذاكر لله ، ففي صلاته لا بد أن يكون ذاكراً لله سبحانه؛ لأن حاله دائماً على ذلك، يتلذذ بذكر الله.
وإذا ذكر الله ذكره الله، كما جاء في الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملئه ذكرته في ملأ خير منه)، وقد جاءت في ذكر الله أحاديث عظيمة جميلة منها ما رواه أبو داود عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل) فالنبي ﷺ أحب إليه أن يجلس من الفجر إلى أن تطلع الشمس مع قوم يذكرون الله سبحانه، ثم قال: (ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)، وقال أيضاً ﷺ : (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين)، فتقول: الحمد لله وتثني على الله سبحانه، وتشكر الله سبحانه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فكأنك تطلب منه المزيد، فإذا أعطاك نعمة وحمدت الله تعالى جعل لك زيادة فوق هذه النعمة من فضله ومن كرمه.
وقال النبي ﷺ : (سبق المفردون الموحدون قالوا: ما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، يعني: سبقوا إلى الجنات سبقوا إلى النعيم، غيرهم محبوس في الحساب وهم حوسبوا بسرعة ودخلوا إلى الجنة فسبقوا غيرهم إلى الجنات.
وجاء أيضاً في الحديث أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فاخبرني بشيء أتشبث به)، يعني: أن الشرائع والسنن والأفعال كثيرة فأنا أكثر حاجة إلى ما أواظب عليه فلا أنساه، فقال النبي ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله).
وليس معناه أن يترك الصلاة والصيام، بل كأنه نصحه بأعظم ما يكون أن يذكر الله ليذكره فيستغل بذلك وقته.
وروى الإمام الترمذي عن أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم)، وكل إنسان يتمنى لو أنه يعمل شيئاً من هذه الأشياء أو ينالها، وقوله: (خير) أفعل تفضيل بمعنى: أفضل وأخير أعمالكم، وأزكاها وأطهرها، وأعلاها، وأنفسها عند الله ، فما هو الشيء الذي هو أعظم من إنفاق الذهب والفضة، وخير من الجهاد؟ (قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى).
فذكر الله أعظم من هذه الأشياء، لأنه يدعو المؤمن لكل هذه الأشياء، فإذا ذكر الله تعالى دعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى الصوم فصلى وصام، ودعاه إلى الجهاد في سبيل الله سبحانه، وإذا لقي عدو الله ذكر الله فلم يرهب أحداً، ولم يخف أحداً، فكان الذكر أعظم.
لكن انظر للإنسان الذي ينفق الذهب والورق فلعله لا يذكر الله وينساه، فيرائي بعمله، ويسمع به، وينتظر الجواب في الدنيا ولم يعمل العمل لله فحبط هذا العمل بذلك.
فإذا أعطى إنساناً فقيراً مالاً وبعد فترة شتمه الفقير قال له: يا ليتني لم أعطك شيئاً، أنا الذي أكلتك وشربتك، مَنّ عليه فضاع الأجر، فإذا كان ذكر ال
стр. 1453
تفسير سورة العنكبوت [٤٦ - ٤٧]
في هذه الآيات توجيهات ربانية هامة، فقد أمر المصطفى ﷺ بتلاوة القرآن واتباعه، وإقامة الصلاة؛ لأنها تنهى عن الفواحش والمنكرات، وذكر الله تعالى الذي يكون في كل حال وعلى كل حال، ثم بين المولى سبحانه كيفية جدال أهل الكتاب بالأسلوب الحسن الجميل، وأن يبين لهم أننا مؤمنون بما أنزل الله من كتب وأرسل من رسول، وإلهنا جميعاً إله واحد نحن له منقادون ومذعنون لأحكامه.
стр. 1454
أمر الله تعالى لنبيه بتلاوة القرآن والصلاة والذكر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أمر الله نبيه أن يتلو ما أوحي إليه من الكتاب وأن يقيم الصلاة صلوات الله وسلامه عليه فقال: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فأُمر ﷺ بالتلاوة والتبليغ.
وقال له ربه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤].
فأمره بأن يجهر للناس بهذه الدعوة العظيمة ويدعوهم إلى الله سبحانه، ويستعين على الدعوة إلى الله بالصلاة وبذكر الله .
والصلاة عظيمة يستعين بها الإنسان على الدعوة إلى الله سبحانه ويتقرب بها إليه، وهي صلة بينه وبين الله.
والصلاة تنهى العبد عن معصية الله سبحانه، وتنهاه عن الفواحش والمنكرات، وتعينه على طاعة الله سبحانه، وعلى تبليغ هذه الدعوة بما يفتح الله على العبد بذلك.
وأمره بذكر الله والإكثار من ذكره سبحانه فقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] أي: ذكر الله أكبر من كل شيء، فإذا كان الإنسان يصلي فينتهي عن الفحشاء والمنكر بهذه الصلاة، وهنا ذكر الله يكون في صلاته وفي عمله وفي قيامه وفي قعوده وفي كل أحواله.
فإذا كان الذكر قد استولى على قلب الإنسان ليل نهار في كل أحواله سواء في صلاة أو في غير صلاة، فهذا أكبر بكثير من الصلاة وحدها.
والمعنى: أكثر من ذكر الله سبحانه ولا تترك الذكر.
فكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحواله، سواء كان على وضوء أم لا، وكان لا يمنعه ولا يشغله عن ذكر الله شيء.
وذكر الله تعالى يستعين به العبد على طاعة الله سبحانه ويستعين به على الدعوة إلى الله.
فالذين يدعوهم إلى الله: إما أن يكونوا مسلمين، وإما أن يكونوا كفاراً، وهؤلاء الكفار منهم من في قلبه طيبة، وقد يستمع إلى هذا القرآن فيؤمن؛ فأمر النبي ﷺ أن يبلغ مثل هذا وأن يجادله بالحسنى.
إذاً: بذكر الله وإقامة الصلاة يكون عند الإنسان رصيد في قلبه من تقوى الله ، ومن طاعته سبحانه، فيدعوه هذا إلى أن يدعو إلى الله بالحسنى، ويدعو إلى الله سبحانه بالموعظة الحسنة.
стр. 1455
تفسير قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)
قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فالإنسان المؤمن يدافع عن دين الله سبحانه: إما بالقول، أو بالفعل.
والدفاع بالقول يكون بالجدال مع أهل الكتاب ومع غيرهم ممن يريدون أن يتعلموا هذا الدين العظيم، فإذا أرادوا أن يتعلموا فلعل أحدهم يناقش: لماذا قال كذا؟ ولماذا يفعل كذا؟ وما هو الدليل على كذا؟ فإذا كان يناقش بالحسنى فناقشه بالحسنى، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) يقول مجاهد: هي آية محكمة، يعني: ليست منسوخة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى دعائهم إلى الله ، والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم.
والإنسان الداعي إلى الله تعالى قد يدعو أناساً مسلمين إلى المزيد من الطاعة، وقد يدعو كفاراً ليدخلوا في هذا الدين.
فالدعوة إلى الله تعالى تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، فإما أن يستجيب المدعو ويدخل في هذا الدين، وإما ألا يستجيب.
والمدعو قد يكون كافراً مشركاً، وربنا سبحانه ذكر في سورة براءة كيف يدعى هؤلاء فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦] انظر إلى هذا الكلام العظيم من رب العالمين: لو أن أحداً من الكفار من أعدائك قال لك: أريد أن أسمع هذا القرآن، وأريد أن أعرف ماذا تقولون، وهو كافر حربي ليس بينك وبينه أمان، فتقول له: اسمع هذا القرآن واسمع هذا الدين العظيم، وتدعوه إلى دين الله ، وهذا قد يستجيب وقد لا يستجيب، فالذي عليك أن تدعو فقط أما أن يستجيب فهذا أمر الله سبحانه.
فإذا أتى إليك وسمع منك وقال لك: سأفكر، ولم يدخل في هذا الدين، فما تعمل مع هذا الإنسان؟ قال: (ثم أبلغه مأمنه) أي: أرجعه إلى مكانه مرة أخرى آمناً حتى لو كان عدوك، ومحارباً لك، بمعنى: أنه لو أتى إليك لقتال جاز قتله، لكن في حال الدعوة إلى الله وعندما يطلب أن يسمع كلام الله فليس شرطاً إذا سمع أن يدخل في الإسلام وإلا قتل.
فهذا العدو الذي جاء من الكفار إليكم ليستمع إلى هذا القرآن أسمعوه القرآن، وعلموه كلام رب العالمين سبحانه، فإذا استجاب فالحمد لله، وإذا لم يستجب فاصبروا عليه واتركوه يرجع إلى مأمنه مرة ثانية، وبعدما يرجع إلى مأمنه رجع الأمر إلى أنه كافر حربي وأنتم مسلمون، والحرب دائرة بين الإسلام والكفر.
فكان النبي ﷺ يمتثل كلام رب العالمين سبحانه، ويدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة.
قال سبحانه: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٦] والأصل أن المسلم لا يجادل إلا دفاعاً عن هذا الدين، فإذا كان بعض المنافقين يتكلم فيجادل ويرد على هذا الإنسان؛ لأنه يستحق ذلك حتى لا يفتن أحداً من المسلمين.
وكذلك أهل الكتاب لا تدخل معهم في جدال إلا إذا بدءوا بذلك وأحبوا أن يتعرفوا على هذا الدين فيرد عليهم بذلك، ولابد أن يكون معك أساليب الجدال، فليس أي إنسان يصلح للجدال مع هؤلاء، إنما ذلك لأهل العلم.
فقد يجادل في التفسير فيكون العالم بالتفسير هو الذي يتصدى له ويرد عليه، وقد يجادل في الفقه فيكون العالم الفقيه هو الذي يتصدى له ويرد عليه، وقد يجادل في غير ذلك.
إذاً: أهل العلم هم الذين يتصدرون لهؤلاء فيجادلوهم بالتي هي أحسن.
ولكن قد يتطاول هذا الكتابي أو الكافر على المسلمين، ويخرج عن الجدال والمناقشة إلى سوء الأدب وإلى الشتم والتحدي، وإلى أن يقذف هذا الدين، أو النبي ﷺ ، ففي هذه الحالة يكون ظالماً فيستحق أن يرد عليه بالجهاد في سبيل الله .
ولذلك قال بعض المفسرين: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] أي: قاتلوا الذين كفروا من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإذا كان فيهم الصغار فلا يقاتلون، لكن إذا وصل الأمر إلى التحدي وإلى الاعتداء على هذا الدين، وخرجوا عن الجدل بالحسنى إلى الجدل بالفحش؛ فهنا يستحقون الجهاد والدفع والرد عليهم؛ فلذلك قال الله سبحانه: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت:٤٦]، إذاً: الأصل عدم الجدال، ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: إذا احتجت للرد فرد بالتي هي أحسن مع من يحسن من هؤلاء ويريد أن يتعرف على هذا الدين.
لكن الذين ظلموا منهم، والذين يسبون ويطعنون في كلام رب العالمين وفي النبي ﷺ فلا يصلح معهم الجدال بالحسنى، قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: فيستحقون أن يجاهدوا في سبيل الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦] يعني: قولوا لهؤلاء الذين يجادلون ليتعرفوا ثم يدخلوا في هذا الدين: إن الذي أنزل الكتاب على موسى ﵇، وعلى عيسى ﵇، والذي أنزل الكتاب على محمد صلوات وسلامه عليه هو إله واحد، وهو الذي نتوجه إليه بالعبادة وحده لا شريك له.
وقوله: (وإلهنا وإلهكم واحد) أي: الإله المعبود الذي نزل التوراة، ونزل الإنجيل، ونزل القرآن إله واحد لا شريك له لا نعبد إلا إياه .
إذاً: هم لا ينكرون الربوبية ولكن يشركون في ألوهية الله سبحانه، فالرب عندهم الذي خلق ورزق وأعطى وأحيا وأمات هو الله سبحانه، ولكن في العبادة يعبدون الله وغير الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه﴾ [التوبة:٣٠] فعبدوا وأشركوا بالله سبحانه، فقولوا لهم: الإله واحد لا شريك فاعبدوا هذا الإله الواحد.
وقولوا: آمنا بما أنزل على الأنبياء جميعهم، وبما أنزل علينا؛ فآمنوا بذلك وانظروا في التوراة تجدون التبشير بالنبي ﷺ فيها، وانظروا في الإنجيل تجدون البشارة بالنبي ﷺ ، فآمنوا بهذا القرآن العظيم، قال الله سبحانه: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: آمنا بالقرآن وبالتوراة وبالإنجيل، قال: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: المعبود الذي نعبده ولا نشرك به هو واحد لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولد ولا والد.
قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: مذعنون وطائعون ومستسلمون ومنقادون لشرعه .
стр. 1456
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب)
ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٤٧] أي: كما أنزلنا كتب السابقين من السماء على هؤلاء الأنبياء كذلك أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم وهو القرآن.
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت:٤٧] أي: آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وما نزل عليه من القرآن، فهم يؤمنون ويصدقون بذلك.
إذاً: هنا المؤمنون هم الذين تابعوا النبي ﷺ .
أو أن قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٤٧] يعني: من اليهود والنصارى من عرفوا البشارة بالنبي ﷺ ، وبهذا القرآن فآمنوا وصدقوا، كـ عبد الله بن سلام ﵁، لما ذهب إلى النبي ﷺ ونظر في هذا القرآن الذي جاء به، ونظر في علامات نبوته فآمن وصدق رضي الله تعالى عنه.
ثم قال: ﴿وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت:٤٧] إذاً: هنا المسلمون آمنوا، جاءهم الكتاب المنزل على النبي ﷺ فآمنوا، وكذلك من أهل الكتاب من آمن من اليهود ومن النصارى ومن غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩] أي: الذي يجحد ويكذب مع معرفته بالحق الذي جاء به النبي ﷺ فهو الظالم.
فـ عبد الله بن سلام كان مع اليهود في مدارسهم وفي بيته يتعلمون منه ومن غيره، ودخل عليهم النبي ﷺ في يوم عيد لهم، ودعاهم إلى دين الله سبحانه؛ فإذا باليهود يكرهون ذلك منه، فطلب منهم الإيمان بما جاء به صلوات الله وسلامه عليه، فرفضوا وأبوا واستكبروا، حتى سألهم: (أما تجدون صفتي عندكم؟ فقالوا: لا) فلما أراد الخروج فإذا بـ عبد الله بن سلام ينادي على النبي ﷺ ويقول: إنك على الحق، ويتبع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهم يعرفون ذلك ويعرفون أنه على الحق، ومعرفتهم بذلك حقيقية؛ ولذلك الله يشهد عليهم فيقول: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٠] أي: يعرفون النبي ﷺ ، ويعرفون ما جاء به؛ كما أن الإنسان يعرف ابنه ولا يخطئ فيه.
قال سبحانه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ [العنكبوت:٤٩] أي: يكذب وهو يعلم: ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧] أي: من كفر فهو يجحد بآيات الله سبحانه ويكذب بها.
وقد ذكرنا أن الإنسان المؤمن لا يتعرض للجدال مع أهل الكتاب إلا بالحسنى، والمتعرض لهم بالجدال يحتاج أن يطلع على كتبهم حتى يرد عليهم، لكن الذي يطلع ليرد ليس كل إنسان مسلم يفعل ذلك؛ ولذلك يقول الإمام البخاري: باب قول النبي ﷺ : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، فيذكر الحديث تعليقاً، ويذكر الحافظ ابن حجر حديثاً أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ﵁: (أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب) أي: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان له أصدقاء من أهل الكتاب فطلب من بعضهم أن ينسخوا شيئاً من التوراة فكتبوه له، فأخذ الصحيفة وذهب بها إلى النبي ﷺ وقرأ عليه هذه الصحيفة، فغضب النبي ﷺ وقال: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).
إذاً: عمر المسلم ووقته لا يتسع للاطلاع على كل كتب أهل الكتاب وعلى كلامهم، ولعله إذا اطلع على ذلك يطلع على شيء فيكون من الحق الذي جاء به موسى أو الذي جاء به عيسى عليهما الصلاة والسلام؛ فيكذب بهذا الشيء فيكون قد كذب بكلام حق من عند الله ، أو يطلع على شيء يكون باطلاً مما حرفه أهل الكتاب فيصدق بهذا في نفسه فيكون مكذباً بما جاء به النبي ﷺ ؛ ولذلك النبي ﷺ قطع عنهم ذريعة الوقوع في ذلك ومنعهم من قراءة كتب أهل الكتاب.
وهنا قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] إذاً: ضروري للذي سيجادلهم أن يكون مطلعاً على ما يقولون، فمثلاً: لما جاء عدي بن حاتم ﵁ إلى النبي ﷺ وهو لابس صليباً، وكان يناقش النبي ﷺ ؛ فالنبي ﷺ لم يطلب منه أن ينزع الصليب عنه، ثم بعد ذلك دعاه إلى الدين فقال: أنا على ديني، فقال له النبي ﷺ : (أنا أعلم بدينك، منك ألست من الركوسية؟ ألست تأكل مرباع قومك ولا يحل لك في دينك؟) فهنا بهت الرجل ولم يعرف الرد على النبي ﷺ ، فقد أتى وقد جعل نفسه أنه رجل من أهل الدين وأنه يعلم النصرانية جيداً، فإذا بالنبي ﷺ يرد عليه ويقول له: أنت من فرقة الركوسية من النصرانية، وتأكل مرباع قومك، وذلك يحرم عليك في دينك أن تأكل ضريبة قومك، تأخذ الربع من أموال قومك وأنت تعرف أن هذا لا يحل لك في دينك، فهنا عرف الرجل أن النبي ﷺ أدرى منه بدينه، فإذا به يدخل في دين الله ويستجيب للنبي ﷺ .
إذاً: المناظر الذي يناظر أهل الكتاب لا بد أن يطلع على ما يرد عليهم به، ولذلك كأنه يستثنى ذلك؛ لهذه الآية: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦].
إذاً: العلماء من المسلمين يجوز لبعضهم أن يطلع على كتب هؤلاء ليرد عليهم إذا ناظروا المسلمين وناقشوهم في دينهم.
أما أن كل المسلمين يقرءون في كتب أهل الكتاب، فهذا حرام، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فليس كل إنسان يقرأ يفهم، ولكن الذي درس القرآن ودرس سنة النبي ﷺ ، وفهم ذلك وعقله، فهذا الذي يجوز له في حالة الجدال مع أهل الكتاب أن يطلع ليرد على كلامهم.
وأيضاً جاء في حديث أن النبي ﷺ قال: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء) وقال في رواية: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا) أي: كيف سيهدونكم وهم قد ضلوا عن سبيل الله سبحانه؟! قال: (وأن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل) يقول المهلب: هذا النهي إنما هو في سؤالهم عما لا نص فيه؛ لأن شرعنا مكتف بنفسه.
وعندما أمر ربنا نبيه ﷺ أن يسأل الذين أوتوا الكتاب من قبل، قال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤] فهنا قيد: إذا كنت في شك، وهل يشك النبي ﷺ ؟ حاشا له ﵊، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا نشك ولا نسأل) أي: مستحيل أننا نشك، ولا نحتاج أن نسأل هؤلاء، فقلوبنا مطمئنة بالإيمان، فكأن هذا الكلام فيه التحفيز على الإيمان والتصديق.
إذاً: هنا المؤمن يقول: لست محتاجاً أن أسأل أهل الكتاب عن النبي ﷺ ، فأنا مصدق بهذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين.
للحديث بقية إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1457
تفسير سورة العنكبوت [٤٦ - ٤٩]
ذكر الله في هذه الآيات الكريمة أنه على المسلم عند مجادلة أهل الكتاب أن يعلن إيمانه بكل ما أنزل الله من كتب وما أرسل من رسل، وأن إلهنا جميعاً هو إله واحد لا شريك له نحن له مستسلمون وخاضعون، ثم بين الله تعالى أن النبي ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولو كان كذلك لظن هؤلاء وغيرهم وشكوا في أنه جاء بهذا القرآن من عند نفسه، ولكن ذلك ليس صحيحاً؛ بل هو آيات بينات في صدور أهل العلم محفوظة، وليس له وظيفة سوى إنذار الناس بالعذاب وتبشيرهم بالجنة لمن اتقى ربه سبحانه.
стр. 1458
تفسير قوله تعالى: (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
لما ذكر الله للمؤمنين أنه لا ينبغي لهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم قال: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦] فأدب المسلمين بأدب من آداب هذا القرآن العظيم وهو ترك الجدل، فلا ينبغي للإنسان المؤمن أن ينشغل بالجدل إلا إذا احتاج إلى ذلك، كما إذا جادله إنسان من الكفار من أهل الكتاب أو من غيرهم في دين الله سبحانه فليرد عليه بعلم.
إذاً: ينبغي على المسلم أن يتعلم دينه حتى لا يجادله إنسان فلا يعرف كيف يرد على هذا الذي يجادل فيه، فيتعلم ويدفع بالتي هي أحسن ويرد بالحسنى، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فلا يكون هم الإنسان الجدل، ولذلك جاء في الحديث: (لا يفلح قوم أوتوا الجدل) وفي الحديث أيضاً: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) فالإنسان بعدما كان على هدى ابتدأ في الجدل، فصار علمه كله عبارة عن أسئلة ومجادلات وأشياء عقلية، وابتعد عن القرآن الكريم وعن سنة النبي ﷺ بتحكيم العقل بالجدل.
لكن إن احتاج المسلم إلى ذلك فيدفع بالتي هي أحسن.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا﴾ [العنكبوت:٤٦] لهم ولغيرهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي قولوا لليهود للنصارى أهل الكتاب: آمنا بالكتب المنزلة من عند الله ، ولا نفرق بين أحد من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، بل آمنا بالجميع.
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: الإله الذي نعبده هو إله واحد لا شريك له، لا صاحبة ولا ولد ولا والد، بل هو إله واحد وحده الذي يستحق العبادة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: مذعنون مستسلمون له سبحانه.
стр. 1459
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب)
ثم قال تعالى ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٤٧] يعني: كما أنزلنا الكتب السابقة من السماء على هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كذلك أنزل إليك هذا القرآن العظيم من ربك الإله المعبود الرب الخالق سبحانه.
قال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت:٤٧] أي: من جاءهم هذا الكتاب من المسلمين الذين عرفوا أنه الحق آمنوا به وصدقوه.
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧] أي: من اليهود والنصارى من عرف الحق واتبعه أيضاً، أما الجاحدون لكلام رب العالمين فهم الكافرون الذين كذبوا وأعرضوا عنه، وكذبوا النبي ﷺ وما جاء به من عند ربه، فقال الله لهؤلاء المكذبين: انظروا لهذا الرسول الكريم ﵊ الذي جاء بهذا الكتاب العظيم المعجز، والذي فيه نبأ من كان قبلكم، وخبر من يأتي بعدكم، أخبار يوم القيامة، وذكر الأنبياء السابقين، هل حكمتم عقولكم حتى تعرفوا أن هذا نبي حق أم أنكم رددتم ما جاء به بغير نظر وفهم وتعقل؟ لكن لا يؤمن بآياتنا إلا الإنسان المؤمن الذي يعلم ويعقل ويفهم.
стр. 1460
تفسير قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب)
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] أي: هلا نظروا إلى ذلك ففهموا أن النبي ﷺ نبي أمي، والأمي: هو الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة، وهذه من معجزات النبي ﷺ أن يكون أبداً ما قرأ ولا كتب قبل ذلك، وجاء بهذا القرآن العظيم المعجز الذي يتحدى به الجميع.
وهلا فهموا وعقلوا كيف يكون رجل لم يقرأ ولم يكتب ولا خالط أهل الكتاب قبل ذلك، ولا سافر إليهم في طلب علم منهم، ولا جالسهم في مكة ولا في غيرها، يخبر عن ربه سبحانه بهذا القرآن العظيم ويخبر عن الأنبياء السابقين، وما أتوا به من الآيات وما فعلوه مع أقوامهم وما صنع معهم؛ حتى إن أهل الكتاب ليتعجبون من دقة ما يذكره النبي ﷺ ، وهو لم يأت به من عنده ولكن من عند رب العالمين .
ولو فكروا من أين تكلم عن آدم ﵇ وعما حدث بين ابني آدم، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] فقتل أحدهما الآخر، لعلموا أنه لم يعرف ذلك النبي ﷺ إلا بوحي من السماء، وإن كان عرفه أهل الكتاب من كتبهم، فهو لم يقرأ كتبهم، وكتب أهل الكتاب كانت بلغتهم وبلسانهم، فالتوراة مكتوبة باللغة السريانية أو يترجمونها عنها إلى العبرانية لكن ليس إلى العربية.
والذين في المدينة كانوا يقرءون التوراة بلسانها؛ ولذلك أكثر الذين كانوا في المدينة من اليهود كانوا لا يقرءون، لكن يذهبون إلى بيت مدراسهم فيقرأ عالمهم، فإذا أحبوا أن يفهموا شيئاَ يترجمه لهم إلى اللغة العربية ويفهمهم ويحرف ما يشاء في ذلك.
ولذلك عمر بن الخطاب ﵁ لما ذهب لبعضهم وأخذ منهم حكماً من التوراة ترجموها لـ عمر فقالوا له: عندنا في التوراة كذا وكذا، فذكروا الترجمة، فأخذها وذهب بها للنبي ﷺ ، فغضب النبي ﷺ من ذلك: كيف تصدقهم؟ وما يدريك وأنت لا تفهم اللغة التي نزلت بها التوراة ثم تأخذ منهم ما يحرفونه هم، لعلك تصدق بشيء يكون مما افتروه وكذبوه، ولعلك تكذب بشيء فيكون حقاً من عند الله ؟ فليس من حقك ذلك، ثم قال لـ عمر: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني).
فالغرض هنا: أن الله سبحانه ذكر في هذا القرآن العظيم أنباء السابقين، فذكر قصة نوح ﵇ في مواضع من كتابه سبحانه، وكيف أغرق الله الناس بالطوفان، وأنجى نوحاً والذين آمنوا معه، وهذا شيء لا يعرفه الناس إنما يعرفه أهل الكتاب، وأنه كان في زمن من الأزمان نوح ﵊ فدعا قومه فلما لم يستجيبوا فدعا عليهم.
فالتفصيل الذي في القرآن لا يعرف جميعه إلا من اطلع على التوراة وعلى كلام أهل الكتاب فيعرف بعضاً من ذلك ويأتي القرآن يفصل هذا الشيء.
وموسى ﵊ أرسل إلى قومه ودعاهم إلى الله، وكذبه فرعون وجنوده، وبنو إسرائيل تلونوا عليه، وأثبت الله ذلك في الكتاب في مواضع كثيرة جداً، فذكر موسى بالذات ﵊؛ لأنه صاحب شريعة، وكم حدث له من الأحداث مع قومه ومع بني إسرائيل، وكيف تقلبوا عليه وتلونوا معه وتغيروا وفي النهاية أسلم من أسلم وكفر من كفر.
فالله أثبت في كتابه أشياء لا يعرفها إلا أحبار أهل الكتاب، فيجدون ذلك عندهم ويجدونه عند النبي ﷺ ، ويتفكرون من أين عرفه ﷺ ؟ ليس هناك إلا أمران: إما أن النبي ﷺ عرف هذه الأشياء من اطلاعه على كتب أهل الكتاب، وإما بوحي من عند رب العالمين .
ويستحيل أن يأتي العلم بطريق آخر غير هذين الطريقين، فكونه لم يقرأ كتب أهل الكتاب وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجالس أهل الكتاب قبل ذلك؛ دل على أنه وحي.
وقد مدحه ربنا بذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] إذاً: اسمه ﷺ مذكور عندهم في التوراة ومذكور عندهم في الإنجيل، وهم يحرفون اسمه بشيء آخر حتى لا يقولوا عن النبي ﷺ : إنه هو الذي جاء من عند رب العالمين.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] يعني: أن النبي ﷺ لم يقرأ أي كتاب قبل هذا القرآن أبداً.
وكذلك لم يكن شاعراً من الشعراء، ولا كاهناً من الكهان، إذ الكهان معروف أسلوبهم وطريقة السجع في كلامهم الذي يريدون أن يثبتوا به شيئاً أو ينفوه.
وكذلك فالشعراء تعرف القصائد التي يقولونها، فلم يقل النبي ﷺ شعراً قبل ذلك، بل إنه عندما كان يتمثل بأبيات لبعض الناس قالها فلعله يخطئ فيها صلوات الله وسلامه عليه، ولا يقيم التفعيلة والوزن لبيت الشعر، ولا يهتم بذلك، فلما قال رجل من المشركين للنبي ﷺ : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع فهذا بيت شعر له وزن وتسمع الموسيقى الشعرية حين تقرؤه، ومعناه: أتجعل الغنيمة أو ما تعطيني من شيء أنا وفرسي نصف ما يأخذه فلان وفلان وتعطيني أنا الأقل؟! فيقول له النبي ﷺ : (أنت الذي تقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟) فانكسرت التفعيلة ولم يعد شعراً، ولذلك عندما سمع الصحابة ذلك قالوا: صدق الله العظيم، لست بشاعر.
وهذا مدح للنبي ﷺ ، إذ لو كان شاعراً لقالوا: هو لفق القرآن هذا من الشعر وغير التفعيلة بشيء آخر.
والقرآن ليس شعراً، يفهم ذلك من درس الشعر، ومن قرأه وصاغه، وقد يتمثل ببيت مما قاله من قبله، أما من عند نفسه ﵊ فلا يقول شعراً.
فإذا كان ليس شاعراً وليس كاهناً، ولم يعهد عليه قبل ذلك قط أنه يكذب على البشر، ولم يقرأ كتاباً من كتب أهل الكتاب، ولا يجيد قراءة ولا كتابة، ثم يأتي بهذا القرآن الذي يعجز الخلق جميعهم إلى قيام الساعة، فلا يكون هذا إلا رسول ﵊.
فربنا سبحانه يقول لهؤلاء: اعقلوا وافهموا، فهذا رسول رب العالمين ﵊.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] أي: لو كنت كذلك: ﴿لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فظهر بذلك حكمة الله تعالى في أن النبي ﷺ لا يقرأ ولا يكتب.
وكونه لا يقرأ ولا يكتب ليس معناه مدح عدم القراءة والكتابة، وليس معناه أن يقال للأمة الإسلامية: لا تتعلموا القراءة والكتابة، بل هذا خاص به ﷺ ، ومدح له أنه لا يقرأ ولا يكتب وجاء بهذا الكتاب المعجز ثم أنتم أيها المشركون الذين تقرءون وتكتبون هاتوا قرآناً مثله، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾ [القصص:٤٩] وقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] فلم يقدروا، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] ولم يقدروا على ذلك.
وقال: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس:٣٨] وقال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣] وقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] أي: ولو قوى بعضهم بعضاً واجتمع بعضهم مع بعض وبذلوا ما بذلوه من أجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كانوا بعضهم لبعض ظهيراً.
стр. 1461
تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات)
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] إذاً: النبي ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب.
أما ما جاء أنه ﷺ لم يمت حتى كتب فهذا لا يصح، ولا ينافي ذلك أنه كتب اسمه ﷺ في عام الحديبية عندما كتب علي ﵁ محمد رسول الله ﷺ ؛ فإذا بـ سهيل بن عمرو يعترض ويقول: لو كنا نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله.
فرفض علي ﵁ أن يغير رسول الله ﵊ فأخذ النبي ﷺ منه القلم ومحا كلمة (رسول الله) وكتب مكانها (ابن عبد الله).
فهذه معجزة له ﷺ لكونه لا يجيد قراءةً ولا كتابة، وهذه المرة عرف مكان كلمة (رسول الله) فشطبها وكتب (ابن عبد الله)، فهذه المرة الوحيدة التي كتب فيها.
والعلماء اختلفوا في ذلك: هل كتب بنفسه ﷺ أو أمر غيره أن يكتب؟ ففي الحديث الذي في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ أمر علياً وأمره أن يمحو ذلك، فـ علي قال: والله لا أمحوه.
فقال رسول الله ﷺ : أرني مكانها) أي: أين مكانها من الصحيفة، إذاً: حتى هذا الحين لا يستطيع أن يقرأ ولا يكتب، فأشار له إلى مكان كلمة (رسول الله) فمحاها بيده وكتب مكانها: ابن عبد الله.
وأكثر أهل العلم على أنه أمر غير علي ﵁ أن يكتب ذلك.
وبعض أهل العلم ذكر أنه كتب بيده ﷺ ، وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي كتب فيها ﷺ ، فتكون هذه معجزة من معجزاته ﵊؛ لأنه ليس هناك أحد يكتب فجأة.
وقد خاطب الله تعالى النبي ﷺ بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فذكر شيئين: النبي ﷺ والكتاب.
ثم قال: ((بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)) فاختلف المفسرون في عود الضمير (هو) فقال بعضهم: إنه عائد على القرآن، أي: القرآن آيات بينات.
وقال بعضهم: إنه عائد على النبي ﷺ نفسه، أي: النبي ﷺ آية من رب العالمين أن يكون نبياً أمياً لا يقرأ ولا يكتب ويأتي بهذا الإعجاز العظيم من عنده سبحانه.
فالذين قالوا: (بل هو) عائد على القرآن، قالوا: القرآن آيات بينات جليات واضحات من رب العالمين لا غموض ولا إشكال فيها، والذين أوتوا العلم هم الذين يفهمون ذلك ويحصلونه ويحفظونه في صدورهم.
إذاً: على هذا القول يكون القرآن هو الكتاب الوحيد الذي في الصدور، والتوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله التي نزلت لم ييسر حفظها لأحد، إنما كان يحفظها فقط الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما الناس فلم يكونوا يحفظونها؛ ولذلك حرفت هذه الكتب، وسهل بذلك تبديلها وتغييرها، وشرحها بغير لغتها، فإذا بدلها بغير لغتها حرف فيها ما يشاء.
أما القرآن فهو منضبط محفوظ في الصدور، يحفظه المسلمون من لدن النبي ﷺ إلى ما يشاء الله .
فالقرآن آيات محفوظة في الصدور ومكتوبة في الصحف، فالإنسان المؤمن يحفظ كتاب الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
وعلى القول الآخر بأن المعنى: هو النبي ﷺ ، ففي قوله تعالى: (آيات) معنيان: الأول: وجدان أهل الكتاب اسم النبي ﷺ وصفته في كتبهم، ثم يجدونها محققة في شخصه، فيكون ذلك دافعاً لهم على الإيمان به، فقد كان البعض منهم يأتي إليه ويختبر تحقق هذه الصفات فيه، فإذا تأكد أنه فعلاً النبي ﵊ دخل في دين الله .
ويكون المقصود بقوله تعالى: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] أن من أهل الكتاب من عرفوها من كتبهم.
والقول الآخر: أي: أن النبي ﷺ ذو آيات بينات، أي: صاحب معجزات من عند رب العالمين أعظمها هذا القرآن العظيم، ومنها الآيات الأخرى مثل: انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه حتى يتوضأ ويشرب جيشه الذين معه، وقد تكرر ذلك مراراً، وغير ذلك من بركات ومعجزات جعلها الله على يده، حتى يعرف أهل العلم ذلك ويستيقنون، وأما من يجحدون بذلك فهم الظالمون، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1462
تفسير سورة العنكبوت [٥٠ - ٥٥]
اعترض المشركون على محمد ﷺ وطلبوا آيات عامة يأتيهم بها ليؤمنوا، فكان من رحمة الله تعالى أنه لم يجبهم إلى ذلك؛ لأنه لو أجابهم فكفروا لعمهم العذاب؛ بل أمره أن يرد عليهم بأن الآيات عند الله ينزلها متى شاء وأنا مكلف بالنذارة البينة، ثم رد الله عليهم أن أعظم الآيات هي نزول هذا الكتاب المبين الذي نزوله رحمة للمؤمنين، فإذا لم يؤمنوا بذلك فكيف يؤمنون بما هو دونه؟! وليس ذلك إلا جحود واستكبار، ومن استكبارهم أيضاً استعجالهم بالعذاب، ولكن ذلك ليس إليهم بل إلى ربهم، وقد جعل له أجلاً وسيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
стр. 1463
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠].
يخبرنا الله عن المشركين في صنيعهم مع النبي ﷺ وتعنتهم معه وجحودهم وتكذيبهم، قالوا للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠].
ف
الجواب
يطلبون آيات حسية، ومعجزات يرونها أمامهم كما أرسل موسى بالعصا التي صارت حية، وكما أخرج يده فصارت بيضاء لها شعاع كالشمس، وكما أرسل إلى ثمود أخوهم صالح ومعه آية من آيات الله طلبوها وهي الناقة معها فصيلها، فطلبوا أن يروا شيئاً كهذا، وقد رأوا آيات من الله ، وأعظم الآيات والمعجزات هذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، ولكن كفرهم وتكذيبهم يجعلهم يتعنتون ولا يستحيون.
لكنهم يريدون آيات يرونها نازلة من السماء، وقد رأوا بعض هذه الآيات، وقد علم النبي ﷺ من ربه سبحانه أنه لو جاءتهم آية يرونها جميعهم فيكذبون فسيأتيهم العذاب بعد ذلك.
فلما طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل الله له الصفا ذهباً، فسأل النبي ﷺ ربه ذلك، فأخبره ربه سبحانه أن لو فعلنا فكذبوا أهلكناهم، فأبى النبي ﷺ ولم يطلب ذلك.
فالآية التي تأتي عامة من عند الله سبحانه ويراها الجميع إذا كذبوا جاء العذاب من عند رب العالمين سبحانه.
وانظر لما طلب الحواريون من المسيح عيسى ﵊ أن ينزل عليهم من عند ربهم مائدة من السماء، فقال المسيح ﵊ لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:١١٢]، فقال الله عنهم: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:١١٣].
فسأل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربه هذه الآية، فكان الجواب من الله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥].
إذاً: الآية التي تطلب ثم تأتي ويصر من رآها على التكذيب يأتيه عذاب يستأصل الجميع.
ولما كان النبي ﷺ أرسل رحمة للعالمين، فمن رحمته أنه لم يجبهم فيما طلبوه.
فإن قيل: وانشقاق القمر ألم يكن من الآيات التي من الممكن أن يراها الجميع؟ ف
الجواب
آية انشقاق القمر لم تكن للجميع، ولو رآها جميع الكفار لأهلكهم الله بتكذيبهم بعد ذلك.
وإذا كان بعضهم قد طلبوا من النبي ﷺ هذه الآية التي كانت بالليل، والناس نائمون، فالذين طلبوا فقط هم الذين رأوا ذلك، وكذلك المسافرون أيضاً رأوا ذلك في سفرهم، ولذلك عندما كذب الذين رأوها جاءهم وعيدهم في حياتهم، فمنهم من قتل، ومنهم أخذه الله .
لكن الكفار يريدون آية عامة كأن تحول لهم الصفا ذهباً ويراها الجميع ليل نهار، أو ينزل لهم من السماء كتاب يذكر أن محمداً رسول من عند رب العالمين، ويرونه وهو نازل من السماء ومعه ملائكة يشهدون، وقالوا: ولو فعلت ذلك ما نظن أننا نؤمن بك.
إذاً: الأمر هو تكذيب للنبي ﷺ ، ولا يريدون أن يؤمنوا أصلاً، إنما يريدون أن يجادلوا بالباطل.
стр. 1464
القراءات في قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه)
وفي قوله تعالى عن الكفار: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ﴾ [العنكبوت:٥٠] بصيغة الجمع قراءتان: قراءة الجمهور (آيات).
وقراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه)، بالإفراد، لكن ابن كثير في كلمة (عليه) يشبع الهاء فيها.
أما باقي القراء فبالكسر بغير إشباع (عليهِ آية من ربه).
وقد قالوا: (مِنْ رَبِّهِ) وهم يعلمون أن ربه هو ربهم ، ولكن قالوا كنوع من التكذيب: اذهب إلى ربك، وهات من عند ربك هذا الذي تزعم أنه يعطيك وأنك رسوله.
قال تعالى: ﴿قل إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠] أي: أن الذي يخلق الآيات ويرسلها هو الله ، فهو الذي أعطى موسى تسع آيات بينات كالعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
إذاً: هذه آيات ومعجزات بينة من عند الله يرسلها متى يشاء.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠] هذا أسلوب قصر وحصر كأنه قال: ما أنا إلا نذير مبين، والمعنى: أنا رسول من عند رب العالمين أنذركم وأخوفكم إذا لم تؤمنوا بعذاب الله الذي توعدكم به.
стр. 1465
تفسير قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب)
قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] ففيهم نوع من العزة والكبرياء، عندما يتحداهم أحد يقبلون التحدي، ولعل الإنسان منهم أن يذهب للقتال ويرى خصمه أقوى منه، ويتحداه خصمه فيخرج لخصمه ليقاتله وهو يعلم أن خصمه أقوى منه.
ولكن القرآن يتحداهم ويكسر أنوفهم ويرغمها في الرغام والتراب، ويقول لهم: هاتوا سورة من مثله، ولا يقبل أحد هذا التحدي، ولا يقدرون على ذلك، ويقولون: ما هو بقول البشر، ومع ذلك لا يؤمنون.
стр. 1466
القراءات في قوله تعالى (أولم يكفهم) و (عليهم)
قي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] قراءتان: قراءة الجمهور بكسر الهاء في (يكفهم) وقراءة رويس عن يعقوب (أولم يكفهُم) بضم الهاء فيها.
وفي (عَلَيْهِمْ) أيضاً قراءتان: قراءة الجمهور بكسر الهاء.
وقراءة حمزة ويعقوب (عليهُم) بضم الهاء.
قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى﴾ [العنكبوت:٥١] أي: يتلى تلاوة مرتلة من النبي ﷺ ولم يعهدوا مثل ذلك في كلامهم قط.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: في هذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين، أو في هذا الإنزال من السماء، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١] أي: رحمة من رب العالمين أن أنزل هذا الكتاب العظيم الذي فيه الهدى للناس، والذي هو طريق إلى جنة رب العالمين.
﴿وَذِكْرَى﴾ [العنكبوت:٥١] أي: تذكرة وتبصرة وعبرة لمن يؤمنون، وقد قال لنبيه ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، وقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فهو يذكر كل الناس ولكن لا ينتفع بها إلا من دخل الإيمان قلبه.
والقرآن الكريم نزل من عند رب العالمين رحمة وذكرى، فعندما يقرأ المؤمن هذا القرآن يستشعر رحمة رب العالمين سبحانه، ويستشعر جمال هذا القرآن، فيطمئن قلبه بذكر الله، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
يقرأ القرآن وله بكل حرف من القرآن يقرؤه عشر حسنات، فإذا قرأت (ألم) ألف بعشر حسنات، ولام بعشر حسنات، وميم بعشر حسنات.
وإذا قرأت سورة الإخلاص مرة واحدة كأنك قرأت ثلث القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كأنك قرأت القرآن كاملاً، ولو قرأتها عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة رحمة من رب العالمين سبحانه بأشياء قليلة تفعلها وتقولها يكون لك الثواب العظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 1467
تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً)
قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ [العنكبوت:٥٢] أي: كفى بالله الذي يحكم علي ويحكم عليكم، ويشهد علي ويشهد عليكم ويحاسبنا يوم القيامة، أي: قل لهؤلاء المكذبين: كفى بالله شهيداً يشهد لي بالصدق، ويشهد عليكم بالتكذيب.
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٥٢] أي: يعلم كل شيء: ما في السموات وما فوقها، وما في الأرض وما تحتها، وما بين ذلك.
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [العنكبوت:٥٢] أي: الذين آمنوا بالشيطان، وبكل ما هو باطل وليس بحق، وكفروا بالله ، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٢] أي: خسروا أعظم شيء يدافعون عنه ويدفعون وهو أنفسهم.
فالإنسان يقي نفسه بغيرها، ويدافع عن نفسه ولو ضاع غيره فهذه النفس يخسرها يوم القيامة، وتشهد عليه فيضيع نفسه بسبب تكذيبه في الدنيا.
وفي الدنيا يمكن أن يقول الإنسان لآخر: أنا أفديك بنفسي، فإذا جاء يوم القيامة فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كل منهم يقول: نفسي نفسي، وقد كانوا في الدنيا يدعون الخلق إلى الله ، أما يوم القيامة فلا توجد حياة ثانية يضيعون الآخرة من أجلها، إنما الدار الآخرة هي الحياة وفيها الإقامة الدائمة عند رب العالمين، لا حياة بعدها، ولذلك كل واحد يقول: نفسي نفسي.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] ومن أعز على الإنسان من هؤلاء؟ ومع ذلك فر من الجميع ويقول: نفسي، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي يقول: أمتي أمتي ويشفع للخلق يوم القيامة.
стр. 1468
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب)
قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣].
قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أي: هؤلاء الذين جهلوا هذا الدين العظيم وجهلوا قدر ربهم سبحانه فيهم أناس طويلة ألسنتهم مثل أبي جهل والنضر بن الحارث، فكانوا يذهبون إلى النبي ﷺ ويقولون: أين العذاب الذي تخبرنا عنه؟ لم لم يأت إلى الآن؟ قال تعالى عن ذلك: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، وتأمل التحدي في كلامهم، يطلبون من الله تعالى أن يرسل لهم وثيقة عذاب مع النبي ﷺ ، ويجعله عاجلاً لا آجلاً.
والقط: الوثيقة بالشيء، فقالوا: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) أي: ما توعدتنا به من العذاب يوم القيامة عجله لنا الآن.
وإذا دعاهم النبي ﷺ إلى الحق قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] فليس عند هؤلاء عقول حين يقولون ذلك.
فيقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣] فالله لا يخلف الميعاد، والعذاب آت ولكن الله أجل ذلك لأجل مسمى معلوم عنده، وسيأتيهم عذابهم إما في الدنيا بأن يقتلوا أو يموتوا فيذهبوا إلى عذابهم في قبورهم كما عذب فرعون وجنوده، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وكذلك هؤلاء ربنا يقول: لا تستعجلوا فالعذاب آتيكم، فقتل منهم أبو جهل وغيره في يوم بدر وألقوا في قليب بدر، والله عذبهم، ووقف النبي ﷺ على حافة البئر يقول لهؤلاء: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟) تعذبون في هذا القليب ويتقد عليكم ناراً بما صنعتم مع النبي ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: أجلنا العذاب للوقت الذي رأيناه وأردناه، وأيضاً وعد الله نبيه ﷺ أن يؤخرهم إلى يوم القيامة ولا يعجل لهم في الدنيا عذاباً يستأصل جميعهم.
قال سبحانه: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: يقيناً سيأتي هذا العذاب، وسيأتيهم بغتة قال تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣].
إذاً: الواحد منهم يظن أنه قادر على شيء وفجأة يأتيه العذاب في الدنيا ثم في الآخرة، فالموت يأتي بغتة، ولا يوجد نذير قبله يقول: إنك ستموت يوم كذا، الساعة كذا، وكم قال الأطباء أن هذا المريض لن يعيش إلا يومين أو ثلاثة ثم يعيش بعدها سنين.
وكم يقولون عن إنسان: إنه بصحة وعافية وقوة ولا خطر عليه، فيموت في تلك اللحظة، والله على كل شيء قدير.
وهل ظن أبو جهل وهو خارج من مكة يحفز الناس على قتال النبي ﷺ ويخرج معهم فقال له بعضهم: ارجع بالناس، فلن نكسب شيئاً من القتال، إنما نقتل أقوامنا، فإذا بـ أبي جهل يقول له: أنت جبان، ويحفزه على ذلك فكان الاثنان قتيلين في يوم بدر.
وخرج أبو جهل في يوم بدر وهو يهيج الناس على القتال ويلبس عدة الحرب، وكان من أقوى الناس، وحوله مثل الحرجة ممن يدافعون عنه، والحرجة: شجر الغابة الملتف، وكأن أبا جهل لا يخلص إليه، فكانوا يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه أحد، وإذا بمقتله يكون على يد غلامين شابين صغيرين من الأنصار كلاهما يسأل عبد الرحمن بن عوف ﵁: يا عماه! أين أبو جهل؟ فيتعجب عبد الرحمن بن عوف، وكان في القتال يقول: ووددت لو أني بين رجلين أقوى منهما، يعني: أن الذين بجواره ولدان من الأنصار ما زالا في سن بداية الشباب، فلما قالا له: أين أبو جهل؟ قال: أين أنتم من أبي جهل؟ ومن أين تصلون إلى أبي جهل؟ فيقسم كل منهما ويخبر أنه آلى على نفسه لئن رأى أبا جهل لا يفارق سواده سواده حتى يكون أحدهما قتيلاً؛ لأنه كان يشتم النبي ﷺ ، ويكون مقتله على يد الاثنين معاذ ومعوذ ابني عفراء رضي الله تعالى عنهما، فلما أبصراه استلماه بسيفيهما، ووصلا إليه وهو مثل الحرجة فوقع صريعاً على الأرض.
ويأتي إليه ابن مسعود ﵁ ويركب على صدره ويقطع رقبته ويقول له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ نحيفاً قصيراً، إذا جلس عمر ﵁ يكون طوله كطول ابن مسعود وهو واقف، فلما أراد ابن مسعود أن يقطع رقبة أبي جهل لعنة الله عليه قال له: يا رويعي الغنم، تصغير يقصد به التحقير، يعني: أنت تقتلني أنا! لقد ارتقيت مرتقى صعباً، تطلع أنت فوق صدري! هل كان يتوقع ذلك أبو جهل لعنة الله عليه وعلى أمثاله؟! فلما يئس قال: هل أبعد من رجل قتله قومه؟! كفر وتكذيب إلى أن يموت لعنة الله عليه، ومعنى كلامه أن أبعد رجل هو من قتله قومه، فمثلما غيري قتله قومه أنتم أيضاً قتلتموني.
قال الله : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤] فليس هناك مهرب إنما هم كداخل السور لا يستطيع أن يهرب منها، فجهنم تحيط بهم محدقة بهم.
стр. 1469
تفسير قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٥] أي: اذكر هذا اليوم وذكرهم بهذا وأنذرهم يوم يغشاهم، والغشي ما يأتي من فوق، فتأتيهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أي: من كل مكان نسأل الله العفو والعافية.
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ﴾ [العنكبوت:٥٥] ويقول الله سبحانه ﵎، وهذه قراءة نافع وقراءة الكوفيين (ويقول)، وباقي القراء: (ونقول) بنون العظمة، أي: نقول لهؤلاء: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]، ذوقوا العذاب جزاء بما كنتم تكسبون.
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥] أي يغطيهم عذاب رب العالمين، نار من فوقهم، نار سوداء مظلمة تغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥].
أما المؤمنون فيدخلهم الله جنته ويقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يجيرنا من عذابه وناره.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1470
تفسير سورة العنكبوت [٥٣ - ٥٨]
أمر الله تعالى عباده المستضعفين أن يهاجروا إلى أرض يستطيعون أن يعبدوا الله فيها، والهجرة قد يخاف فيها من الموت أو الفقر، فأخبرهم الله أن كل نفس ذائقة الموت، فلا يتركوا الهجرة خوفاً من الموت، فإنهم إن ماتوا مهاجرين فسيدخلهم جنات النعيم، ووعدهم بالرزق، فإنه تكفل برزق كل مخلوق خلقه فكيف يضيع رزق من هاجر لأجله؟!
стр. 1471
تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٥٦ - ٦٢].
لما أخبرنا الله عن المشركين وعن تهورهم واستعجالهم العذاب، فقال الله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣]، وكل ما هو آت فهو قريب، فالمشركون يطلبون من النبي ﷺ تعجيل العذاب، ولكن الله قد قضى أن عذابهم له أجل مسمى، فهو في علم الله ، والمؤمنون يستعجلون عذاب الكافرين، ويستعجلون الانتصار عليهم، والله قد أجل عنده أجلاً، فإذا جاء أجل الله ونزل قضاؤه وقدره بهؤلاء ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: فلن يأتيهم بعلامة قبلها، ولكن يأتيهم بغتة: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣].
وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤]، أي: هؤلاء الكفار الذين يطلبون العذاب وينتظر المؤمنون عذابهم يخبر الله بأنهم تحيط بهم جنهم يوم القيامة، (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، فلا يقدرون على الهرب منها، ويوم القيامة يستشعر الجميع أن الدنيا لم تكن شيئاً مهما طالت وإذا سئلوا ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣]، فمهما طال العمر بالإنسان فإنه في يوم القيامة يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم، أي: جزءاً من اليوم، فالإنسان الذي يستعجل في الدنيا يقال له: لا تعجل ستعرف يوم القيامة أن الدنيا لم تكن شيئاً، وأن طول عمرك في الدنيا لا يساوي شيئاً، قال الله عن عذاب يوم القيامة الذي يستعجلونه: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]، أي: فقد أحدقت بهم جهنم، وأحاطت بهم، فمن فوقهم نار، ومن تحتهم نار، وهم محبوسون داخلها لا انفكاك لهم عنها، ولا مهرب منها.
لقد أمر الله المؤمنين في الدنيا بأن يهاجروا من الأرض التي فيها الكفر، والظلم فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: لم تخلقوا لتهانوا في مكان تقدرون على الهرب منه والخروج منه، فاخرجوا فإن أرض الله واسعة كما أخبرنا الله .
وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت:٥٦] هذا نداء للمؤمنين، وهذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم، وباقي القراء يقرءونها: (يا عبادِ الذين آمنوا).
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦] قراءة الجمهور، (إن أرضي) بالسكون، وقراءة ابن عامر: ((إن أرضيَ واسعة فإياي فاعبدون)) وقراءة الجمهور: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، وقراءة يعقوب وقفاً ووصلاً: ((فاعبدوني)).
فالله يأمر المؤمنين بقوله: (اعبدوني) أي: في أي مكان، فلا تصبروا على البقاء في مكان تهانون فيه، وتمنعون فيه من إقامة شعائركم، وشرائع الله سبحانه بل هاجروا منه إلى مكان آخر.
والمؤمنون منهم من هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، ومنهم من بقي بمكة ولم يهاجر، فكان المسلمون يراسلونهم، ويطلبون منهم أن يخرجوا، فيقولون: نخشى إن هاجرنا، والبعض منهم خرجوا، واستطاعوا أن يصلوا إلى النبي ﷺ ، والبعض الآخر أمسك بهم الكفار، وعذبوهم وضربوهم في مكة، فالله يقول للمؤمنين: ((إن أرضي واسعة)) فمن استطاع أن يهاجر إلى النبي ﷺ فليفعل ذلك، ومن استطاع ولم يفعل وظل مع الكفار، ومع من يفتنه عن دينه مع قدرته على الخروج فقد وقع في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧]، فهم كانوا مستضعفين في بلدهم لكنهم كانوا يقدرون على الخروج من هذه الأرض ومع ذلك ظلوا فيها، فقد بقوا في مكة يفتنهم الكفار فيفتنون، فأخبر الله سبحانه عن هؤلاء وأمثالهم الذين فتنهم الكفار فارتدوا على أعقابهم، وتركوا دين الله سبحانه بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] وهنا يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
والإنسان مخلوق لعبادة الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالمطلوب منه العبادة، وعمر الإنسان غالٍ جداً لا يساويه أي ثمن من الأثمان، وأغلى شيء عند الإنسان عمره، فكلما عبد الله كلما كان قريباً من ربه سبحانه، ويكون منزله في أعلى الجنات، وكلما فرط وقصر كلما بعد شيئاً فشيئاً حتى يكون في النار، ولذلك على الإنسان أن ينتهز لحظاته، وساعاته وأوقاته حتى يدخل جنة الخلود بعمله الصالح بعد رحمة الله سبحانه.
стр. 1472
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
قال الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧]، فهذه نهاية كل إنسان، فلا أحد سيخلد في هذه الدنيا، وطالما أن الله أمرنا بعبادته فلنعبد الله سبحانه، وإذا ضُيق على الإنسان في مكان فليخرج إلى مكان آخر، فلا يمكث في مكان يفتن فيه، ويبتعد عن دين الله، ثم يقول: أنا معذور، يكفر بالله سبحانه ويقول: أنا معذور، ويفعل أفعال الفساق ويقول: أنا معذور، فطالما أنه يستطيع أن يخرج إلى مكان آخر فليبتعد عن الفساق وعن الظلمة والكفار، وليعبد الله ، فأرض الله واسعة.
فلا أحد سيفر من الموت، فإن الموت محيط بالإنسان، ومهما أمل الإنسان في العيش وفي الحياة فإنه في نهاية المطاف سيأتيه الموت من حيث لا يدري، ومن حيث لا يحتسب: (كل إنسان يغدو فمعتق نفسه أو موبقها)، وكما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن الإنسان يأتي عليه الصباح لا يدري هل سيكمل باقي يومه أو يموت في هذا اليوم؟ وهل سيموت على طاعة أم يموت على معصية؟ وقد أخبرنا الله أن الموت يأتي للإنسان بغتة، فبعد أن كان في الدنيا إذا به عند الله سبحانه، وبعد أن كان في ظهر الأرض إذا هو في بطنها.
فمن عمل صالحاً فإنه يستبشر حين يلقى الله بعمله الصالح؛ كجهاده في سبيل الله وغيره من الأعمال الصالحة، أما الإنسان الذي يفر من الله، فإنه مهما فر فإن الموت محيط به، يقول النبي ﷺ : (وقد رسم لأصحابه خطوطاً على الأرض، فقال هم الخط الأول: (هذا الإنسان، وخط بعده بقليل وقال: وهذا أجله، وخط بعده بكثير وقال: وهذا أمله).
فالإنسان يريد أن يحقق أمله وأمله بعيد جداً، فبينما هو ينظر إلى الأبعد إذ جاءه الأقرب، فليس كل ما يؤمله الإنسان سيأخذه، وأسعد الناس الذي يأتيه موته وهو مطيع لله ، انظروا إلى الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، وكيف قتله اليهود لعنة الله عليهم، ولكم أن تعتبروا بهذا الرجل فقد ختم الله له بالعمل الصالح فقد صلى الفجر ثم خرج فقتل شهيداً، فلعله ما كان يحلم بهذا الشيء، فإنه لم يكن يقاتل بسلاح ولا في يديه مدفع، وجاءته الشهادة وهو خارج في ذمة الله ، وهذه بشارة من الله ، فمن كان يدري أن الشهادة ستأتيه في هذا الوقت، نسأل الله أن يجعله من الشهداء، وأن يسكنه الجنة.
ولعل الإنسان يرى المنظر فضيعاً جداً، أن يسقط على إنسان صاروخ أو قنبلة أو يأكله قطار، أو تدوسه سيارة، إنه منظر صعب ورهيب جداً، ولكن الحقيقة أن الشهيد عند الله له أجر عظيم، ففي الوقت الذي يأتيه حتفه لا يشعر بشيء، (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، فالبعوضة تقرص الإنسان فلا يحس بها، وكذلك الشهيد، حتى وإن كان المنظر أمام الناس منظراً مروعاً ومنظراً صعباً، ولكن النبي ﷺ يطمئنهم ويقول لهم: لا تخافوا على الشهيد، فإن الله أرأف به منكم، فالله يجعل هذا الشيء الهائل الذي تراه شيئاً يسيراً جداً، ويبشر الشهيد بالحور العين تستقبله، ويغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى منزله من الجنة، وغير ذلك من خصائص الشهيد عند رب العالمين سبحانه.
فـ أحمد ياسين قتل في سبيل الله نحسبه على يد الكفار، يقول عمر ﵁ وقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي لعنة الله عليه، لـ ابن عباس: اذهب فانظر من قتلني، فيذهب ويبحث ثم يقول له: قتلك أبو لؤلؤة، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد أحد من المسلمين، فقد كان يخاف أن يكون رجلاً من المسلمين ظلمه مثلاً فقتله.
وعمر بن الخطاب كان يسأل الله الشهادة، ويقول: اللهم ارزقني شهادة في بلد نبيك ﷺ ، فيتعجبون له، كيف تقتل في بلد النبي ﷺ والجهاد بعيد عنها؟! والبلد دار إيمان، وكل الذين فيها مسلمون، فيقول: يأتي بها الله إن شاء، وليس في قلب عمر أنه سيموت هذه الموتة رضي الله تعالى عنه، فإذا بالشهادة تأتي إليه وهو في المحراب يصلي بالناس ﵁، والموت يأتي للإنسان بغتة، يا ترى هل كان عمر ﵁ وهو ذاهب يصلي يدري أن أحداً سيقتله، لم يكن يدري رضي الله تعالى عنه، وكذلك كل إنسان، فطالما أننا لا ندري متى يأتي علينا الموت فليكن العمل الصالح دائماً هو هدفنا.
مرة من المرات أحد إخواننا صلى معنا الفجر، ثم ذهب، فلما وصل عند سكة الحديد داسه القطار، نرجو له الشهادة عند الله ، والذي صلى الفجر هو في ذمة الله ، والله يحذرنا على لسان النبي ﷺ من أذى هذا الإنسان الذي صلى الفجر في جماعة.
ولذلك نستبشر خيراً لمقتل الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، نسأل الله أن يسلط على اليهود من يبيدهم، وأن يزيلهم، وأن يدمرهم تدميراً هم ومن يدافع عنهم، كما نسأله سبحانه أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يدمر الكفرة والمجرمين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
يقول الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]، أي: المرجع إلى الله ، فأعد الجواب الذي ستقوله لله .
стр. 1473
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت:٥٨] يطمئن الله المؤمنين، بأن الدنيا زائلة، فمهما طالت، ومهما عُذب المؤمن فيها فإنها ستزول ولن تبقى.
ومعنى ((لنبوِّئنهم)) أي: لننزلنهم منزلاً في أعالي الجنات، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر ((لنبوينهم))، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((لنثوينهم)) من الثوى بمعنى: الإقامة، أي: لندخلنهم مكاناً يقيمون فيه ولا يخرجون منه، ((من الجنة غرفاً))، الغرف هي الأماكن العالية الرفيعة الفخمة، فالله جهز هذه الغرف للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهم لم يقولوا: آمنا، بألسنتهم وكفرت قلوبهم وفسقت أعمالهم، لا؛ بل قالوا: (آمنا) بالقول، وصدق ذلك القلب والعمل، والغرف معناها: الجنات العظيمة العالية، وليس كما يتخيل الإنسان الغرفة التي في بيته، فهذه وإن سميت غرفة لكن هناك فرق كبير بين هذه وبين تلك، فقد قال سبحانه: ﴿غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [العنكبوت:٥٨].
وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال النبي ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم)، فأهل الجنة الذين هم في أدنى الجنات وفي أوسط الجنات ينظرون إلى أهل الغرف الذين هم في أعالي الجنات، قال ﷺ : (يتراءون) والترائي: هو النظر للشيء البعيد، مثلما تنظر إلى الكواكب التي في السماء.
قال ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق)، الغابر: أي: البعيد جداً، و (الدري): أي: المتلألئ في الأفق، قال: (من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)، أي: لتفاضل الدرجات، فبحسب عمل الإنسان يرفعه الله درجات، نسأل الله أن يجعلنا في أعالي الجنات.
(قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟) أي: أن الغرف العالية ليست إلا للأنبياء، قال ﷺ : (بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، (بلى) يعني: ليس كما تقولون، ولكن هناك رجال مؤمنون سيبلغون ذلك، وهم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
وروى الترمذي عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)، أي: قصوراً عظيمة في الجنة، وصاحب هذه القصور يرى داخلها وهو خارجها، ويرى خارجها وهو داخلها، (ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام)، فالذي يريد أن يصل إلى هذه الغرف فليعلم أنها لمن أطاب الكلام)، أي: كان خلقه حسناً، وكلامه طيباً، ليس رديئاً ولا فاحشاً، ولا نماماً، ولا مغتاباً، بل هو صادق في كلامه ولا يخرج من فمه إلا الطيب.
(وأطعم الطعام) أطعم الفقير والمسكين، وابن السبيل، والجار، والضيف، وأطعم أهله، (وأدام الصيام) يعني: صام كثيراً، ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، فكأنما صام الدهر)، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، فالنبي ﷺ يخبرنا بما يسهل علينا، فإذا أردت أن يكون أجرك كمن صام الدهر صم من كل شهر ثلاثة أيام، وصم الإثنين والخميس، ففيهما يرفع العمل إلى الله ، وصم يوم عرفة، ويوم عاشوراء وهكذا، فالإنسان المؤمن يتحرى الأوقات الفاضلة، فيكثر فيها من الصيام بحسب ما يقدره الله عليه.
قال: (وصلى بالليل والناس نيام)، فهو مع الناس حسن الخلق، وهو مع الله في صيام وقيام، وقيام الليل في البداية قد يكون صعباً على الإنسان، ولكن مع العادة يصير متعة للإنسان، كما قال الثوري ﵀: كابدنا قيام الليل عشرين سنة، واستمتعنا به عشرين سنة.
نسأل الله أن يعيننا على عمل أهل الغرف العاليات، وأن يجعلنا منهم ومعهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1474
تفسير سورة العنكبوت [٥٨ - ٦٣]
وعد الله المؤمنين بالرزق الحسن في هذه الحياة الدنيا إذا صبروا وتوكلوا على الله، وأخبر أنه كم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخر قوتها والله يرزقها ويطعمها ويسقيها، فمن لم يضيع رزق هذه الدابة وهو الله فلن يضيع رزق من عبده وآمن به، ولكن الله حكيم عليم، فهو يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيق الرزق على من يشاء، ليبتلي العباد بالغنى والفقر، وفي ذلك حكم كثيرة للأفراد وللمجتمعات، ولا يصلح حال العباد إلا بتفاوتهم في الأرزاق.
стр. 1475
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٥٨ - ٦٢].
لما ذكر الله الموت ذكر أن المرجع إليه ليجازي الخلق على ما عملوا، فأما الكفار فيعذبهم الله عذاباً يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم في نار جهنم، ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فالله يبوئهم من الجنة نزلاً، وينزلهم من الجنة منزلاً عظيماً عالياً، وهي غرف الجنات، كما قال : ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت:٥٨]، أي: لندخلنهم ولننزلنهم ولننسكننهم ولنقيمنهم في هذه الجنة العالية ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨].
وذكر الله العمل فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت:٥٨]، والجزاء يوم القيامة أن يقال لهم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]، يعني: أنعم بهذا لمن عمل.
فهم لم يكتفوا بأن يقولوا: آمنا وصدقنا بقلوبنا، ولم يكتفوا بأن نطقوا بألسنتهم بكلمة التوحيد، ولكن العمل الصالح وراء ذلك، فالله أمر المؤمنين بالعمل الصالح فقال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، فلما عملوا الصالحات جوزوا بالجنات وقيل لهم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨].
وروى النسائي من حديث فضالة بن عبيد قال: قال ﷺ : (أنا زعيم -والزعيم: الضامن- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، يعني بالقصور التي في الجنات، وربض المكان: الفناء الذي حول المكان، ووسط المكان أعظم من ربضه، فالجنة فيها ربض، وكأنه المنزلة الأقل في الجنة، وفيها منزلة أخرى هي أوسط الجنة، ومنزلة أخرى هي أعلى الجنة.
فذكر الأولى والثانية فقال: (أنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، هذا للمؤمن الذي أسلم والذي هاجر في سبيل الله ، ثم قال: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة)، هذا للمجاهد في سبيل الله ، لمن يجاهد بسنانه وبلسانه وبقلبه أعداء الله يجاهد المنافقين، ويجاهد الكفار، ويجاهد لنشر دين الله ، ويدفع ما يلقيه أهل الباطل من شبهات، ويدفع ما يقوله أهل الكفر من اتهامات، فيجاهد في سبيل الله ، فالنبي ﷺ زعيم ضامن له ببيت في ربض الجنة، وببيت آخر في وسط الجنة، وببيت ثالث في أعلى الجنة، قال ﷺ : (من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهرباً يموت حيث شاء أن يموت)، والمعنى: طالما أنك أسلمت لله وآمنت بالله وجاهدت في سبيل الله سبحانه وعملت العمل الصالح فمت حيث شئت، فسواء مت وأنت تجاهد في سبيل الله فصرت شهيداً، أو مت وأنت على فراشك في بيتك، فلك هذا الأجر لا ينقص أبداً، والضامن لك هذا الأجر هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
يقول الله : ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]، أي: أن جزاءهم الجنة العالية العظيمة التي ذكرها النبي ﷺ وذكر أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
следующие страницы →