← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٥٦ - ٦٢]. لما أخبرنا الله عن المشركين وعن تهورهم واستعجالهم العذاب، فقال الله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣]، وكل ما هو آت فهو قريب، فالمشركون يطلبون من النبي ﷺ تعجيل العذاب، ولكن الله قد قضى أن عذابهم له أجل مسمى، فهو في علم الله ، والمؤمنون يستعجلون عذاب الكافرين، ويستعجلون الانتصار عليهم، والله قد أجل عنده أجلاً، فإذا جاء أجل الله ونزل قضاؤه وقدره بهؤلاء ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ [العنكبوت:٥٣] أي: فلن يأتيهم بعلامة قبلها، ولكن يأتيهم بغتة: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤]، أي: هؤلاء الكفار الذين يطلبون العذاب وينتظر المؤمنون عذابهم يخبر الله بأنهم تحيط بهم جنهم يوم القيامة، (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، فلا يقدرون على الهرب منها، ويوم القيامة يستشعر الجميع أن الدنيا لم تكن شيئاً مهما طالت وإذا سئلوا ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣]، فمهما طال العمر بالإنسان فإنه في يوم القيامة يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم، أي: جزءاً من اليوم، فالإنسان الذي يستعجل في الدنيا يقال له: لا تعجل ستعرف يوم القيامة أن الدنيا لم تكن شيئاً، وأن طول عمرك في الدنيا لا يساوي شيئاً، قال الله عن عذاب يوم القيامة الذي يستعجلونه: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]، أي: فقد أحدقت بهم جهنم، وأحاطت بهم، فمن فوقهم نار، ومن تحتهم نار، وهم محبوسون داخلها لا انفكاك لهم عنها، ولا مهرب منها. لقد أمر الله المؤمنين في الدنيا بأن يهاجروا من الأرض التي فيها الكفر، والظلم فقال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: لم تخلقوا لتهانوا في مكان تقدرون على الهرب منه والخروج منه، فاخرجوا فإن أرض الله واسعة كما أخبرنا الله . وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت:٥٦] هذا نداء للمؤمنين، وهذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم، وباقي القراء يقرءونها: (يا عبادِ الذين آمنوا). ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦] قراءة الجمهور، (إن أرضي) بالسكون، وقراءة ابن عامر: ((إن أرضيَ واسعة فإياي فاعبدون)) وقراءة الجمهور: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، وقراءة يعقوب وقفاً ووصلاً: ((فاعبدوني)). فالله يأمر المؤمنين بقوله: (اعبدوني) أي: في أي مكان، فلا تصبروا على البقاء في مكان تهانون فيه، وتمنعون فيه من إقامة شعائركم، وشرائع الله سبحانه بل هاجروا منه إلى مكان آخر. والمؤمنون منهم من هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، ومنهم من بقي بمكة ولم يهاجر، فكان المسلمون يراسلونهم، ويطلبون منهم أن يخرجوا، فيقولون: نخشى إن هاجرنا، والبعض منهم خرجوا، واستطاعوا أن يصلوا إلى النبي ﷺ ، والبعض الآخر أمسك بهم الكفار، وعذبوهم وضربوهم في مكة، فالله يقول للمؤمنين: ((إن أرضي واسعة)) فمن استطاع أن يهاجر إلى النبي ﷺ فليفعل ذلك، ومن استطاع ولم يفعل وظل مع الكفار، ومع من يفتنه عن دينه مع قدرته على الخروج فقد وقع في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧]، فهم كانوا مستضعفين في بلدهم لكنهم كانوا يقدرون على الخروج من هذه الأرض ومع ذلك ظلوا فيها، فقد بقوا في مكة يفتنهم الكفار فيفتنون، فأخبر الله سبحانه عن هؤلاء وأمثالهم الذين فتنهم الكفار فارتدوا على أعقابهم، وتركوا دين الله سبحانه بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] وهنا يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]. والإنسان مخلوق لعبادة الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالمطلوب منه العبادة، وعمر الإنسان غالٍ جداً لا يساويه أي ثمن من الأثمان، وأغلى شيء عند الإنسان عمره، فكلما عبد الله كلما كان قريباً من ربه سبحانه، ويكون منزله في أعلى الجنات، وكلما فرط وقصر كلما بعد شيئاً فشيئاً حتى يكون في النار، ولذلك على الإنسان أن ينتهز لحظاته، وساعاته وأوقاته حتى يدخل جنة الخلود بعمله الصالح بعد رحمة الله سبحانه.

стр. 1472

تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) قال الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧]، فهذه نهاية كل إنسان، فلا أحد سيخلد في هذه الدنيا، وطالما أن الله أمرنا بعبادته فلنعبد الله سبحانه، وإذا ضُيق على الإنسان في مكان فليخرج إلى مكان آخر، فلا يمكث في مكان يفتن فيه، ويبتعد عن دين الله، ثم يقول: أنا معذور، يكفر بالله سبحانه ويقول: أنا معذور، ويفعل أفعال الفساق ويقول: أنا معذور، فطالما أنه يستطيع أن يخرج إلى مكان آخر فليبتعد عن الفساق وعن الظلمة والكفار، وليعبد الله ، فأرض الله واسعة. فلا أحد سيفر من الموت، فإن الموت محيط بالإنسان، ومهما أمل الإنسان في العيش وفي الحياة فإنه في نهاية المطاف سيأتيه الموت من حيث لا يدري، ومن حيث لا يحتسب: (كل إنسان يغدو فمعتق نفسه أو موبقها)، وكما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن الإنسان يأتي عليه الصباح لا يدري هل سيكمل باقي يومه أو يموت في هذا اليوم؟ وهل سيموت على طاعة أم يموت على معصية؟ وقد أخبرنا الله أن الموت يأتي للإنسان بغتة، فبعد أن كان في الدنيا إذا به عند الله سبحانه، وبعد أن كان في ظهر الأرض إذا هو في بطنها. فمن عمل صالحاً فإنه يستبشر حين يلقى الله بعمله الصالح؛ كجهاده في سبيل الله وغيره من الأعمال الصالحة، أما الإنسان الذي يفر من الله، فإنه مهما فر فإن الموت محيط به، يقول النبي ﷺ : (وقد رسم لأصحابه خطوطاً على الأرض، فقال هم الخط الأول: (هذا الإنسان، وخط بعده بقليل وقال: وهذا أجله، وخط بعده بكثير وقال: وهذا أمله). فالإنسان يريد أن يحقق أمله وأمله بعيد جداً، فبينما هو ينظر إلى الأبعد إذ جاءه الأقرب، فليس كل ما يؤمله الإنسان سيأخذه، وأسعد الناس الذي يأتيه موته وهو مطيع لله ، انظروا إلى الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، وكيف قتله اليهود لعنة الله عليهم، ولكم أن تعتبروا بهذا الرجل فقد ختم الله له بالعمل الصالح فقد صلى الفجر ثم خرج فقتل شهيداً، فلعله ما كان يحلم بهذا الشيء، فإنه لم يكن يقاتل بسلاح ولا في يديه مدفع، وجاءته الشهادة وهو خارج في ذمة الله ، وهذه بشارة من الله ، فمن كان يدري أن الشهادة ستأتيه في هذا الوقت، نسأل الله أن يجعله من الشهداء، وأن يسكنه الجنة. ولعل الإنسان يرى المنظر فضيعاً جداً، أن يسقط على إنسان صاروخ أو قنبلة أو يأكله قطار، أو تدوسه سيارة، إنه منظر صعب ورهيب جداً، ولكن الحقيقة أن الشهيد عند الله له أجر عظيم، ففي الوقت الذي يأتيه حتفه لا يشعر بشيء، (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، فالبعوضة تقرص الإنسان فلا يحس بها، وكذلك الشهيد، حتى وإن كان المنظر أمام الناس منظراً مروعاً ومنظراً صعباً، ولكن النبي ﷺ يطمئنهم ويقول لهم: لا تخافوا على الشهيد، فإن الله أرأف به منكم، فالله يجعل هذا الشيء الهائل الذي تراه شيئاً يسيراً جداً، ويبشر الشهيد بالحور العين تستقبله، ويغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى منزله من الجنة، وغير ذلك من خصائص الشهيد عند رب العالمين سبحانه. فـ أحمد ياسين قتل في سبيل الله نحسبه على يد الكفار، يقول عمر ﵁ وقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي لعنة الله عليه، لـ ابن عباس: اذهب فانظر من قتلني، فيذهب ويبحث ثم يقول له: قتلك أبو لؤلؤة، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد أحد من المسلمين، فقد كان يخاف أن يكون رجلاً من المسلمين ظلمه مثلاً فقتله. وعمر بن الخطاب كان يسأل الله الشهادة، ويقول: اللهم ارزقني شهادة في بلد نبيك ﷺ ، فيتعجبون له، كيف تقتل في بلد النبي ﷺ والجهاد بعيد عنها؟! والبلد دار إيمان، وكل الذين فيها مسلمون، فيقول: يأتي بها الله إن شاء، وليس في قلب عمر أنه سيموت هذه الموتة رضي الله تعالى عنه، فإذا بالشهادة تأتي إليه وهو في المحراب يصلي بالناس ﵁، والموت يأتي للإنسان بغتة، يا ترى هل كان عمر ﵁ وهو ذاهب يصلي يدري أن أحداً سيقتله، لم يكن يدري رضي الله تعالى عنه، وكذلك كل إنسان، فطالما أننا لا ندري متى يأتي علينا الموت فليكن العمل الصالح دائماً هو هدفنا. مرة من المرات أحد إخواننا صلى معنا الفجر، ثم ذهب، فلما وصل عند سكة الحديد داسه القطار، نرجو له الشهادة عند الله ، والذي صلى الفجر هو في ذمة الله ، والله يحذرنا على لسان النبي ﷺ من أذى هذا الإنسان الذي صلى الفجر في جماعة. ولذلك نستبشر خيراً لمقتل الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، نسأل الله أن يسلط على اليهود من يبيدهم، وأن يزيلهم، وأن يدمرهم تدميراً هم ومن يدافع عنهم، كما نسأله سبحانه أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يدمر الكفرة والمجرمين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. يقول الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]، أي: المرجع إلى الله ، فأعد الجواب الذي ستقوله لله .

стр. 1473

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت:٥٨] يطمئن الله المؤمنين، بأن الدنيا زائلة، فمهما طالت، ومهما عُذب المؤمن فيها فإنها ستزول ولن تبقى. ومعنى ((لنبوِّئنهم)) أي: لننزلنهم منزلاً في أعالي الجنات، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر ((لنبوينهم))، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((لنثوينهم)) من الثوى بمعنى: الإقامة، أي: لندخلنهم مكاناً يقيمون فيه ولا يخرجون منه، ((من الجنة غرفاً))، الغرف هي الأماكن العالية الرفيعة الفخمة، فالله جهز هذه الغرف للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهم لم يقولوا: آمنا، بألسنتهم وكفرت قلوبهم وفسقت أعمالهم، لا؛ بل قالوا: (آمنا) بالقول، وصدق ذلك القلب والعمل، والغرف معناها: الجنات العظيمة العالية، وليس كما يتخيل الإنسان الغرفة التي في بيته، فهذه وإن سميت غرفة لكن هناك فرق كبير بين هذه وبين تلك، فقد قال سبحانه: ﴿غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [العنكبوت:٥٨]. وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال النبي ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم)، فأهل الجنة الذين هم في أدنى الجنات وفي أوسط الجنات ينظرون إلى أهل الغرف الذين هم في أعالي الجنات، قال ﷺ : (يتراءون) والترائي: هو النظر للشيء البعيد، مثلما تنظر إلى الكواكب التي في السماء. قال ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق)، الغابر: أي: البعيد جداً، و (الدري): أي: المتلألئ في الأفق، قال: (من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)، أي: لتفاضل الدرجات، فبحسب عمل الإنسان يرفعه الله درجات، نسأل الله أن يجعلنا في أعالي الجنات. (قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟) أي: أن الغرف العالية ليست إلا للأنبياء، قال ﷺ : (بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، (بلى) يعني: ليس كما تقولون، ولكن هناك رجال مؤمنون سيبلغون ذلك، وهم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، نسأل الله أن يجعلنا منهم. وروى الترمذي عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)، أي: قصوراً عظيمة في الجنة، وصاحب هذه القصور يرى داخلها وهو خارجها، ويرى خارجها وهو داخلها، (ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام)، فالذي يريد أن يصل إلى هذه الغرف فليعلم أنها لمن أطاب الكلام)، أي: كان خلقه حسناً، وكلامه طيباً، ليس رديئاً ولا فاحشاً، ولا نماماً، ولا مغتاباً، بل هو صادق في كلامه ولا يخرج من فمه إلا الطيب. (وأطعم الطعام) أطعم الفقير والمسكين، وابن السبيل، والجار، والضيف، وأطعم أهله، (وأدام الصيام) يعني: صام كثيراً، ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، فكأنما صام الدهر)، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، فالنبي ﷺ يخبرنا بما يسهل علينا، فإذا أردت أن يكون أجرك كمن صام الدهر صم من كل شهر ثلاثة أيام، وصم الإثنين والخميس، ففيهما يرفع العمل إلى الله ، وصم يوم عرفة، ويوم عاشوراء وهكذا، فالإنسان المؤمن يتحرى الأوقات الفاضلة، فيكثر فيها من الصيام بحسب ما يقدره الله عليه. قال: (وصلى بالليل والناس نيام)، فهو مع الناس حسن الخلق، وهو مع الله في صيام وقيام، وقيام الليل في البداية قد يكون صعباً على الإنسان، ولكن مع العادة يصير متعة للإنسان، كما قال الثوري ﵀: كابدنا قيام الليل عشرين سنة، واستمتعنا به عشرين سنة. نسأل الله أن يعيننا على عمل أهل الغرف العاليات، وأن يجعلنا منهم ومعهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1474

تفسير سورة العنكبوت [٥٨ - ٦٣] وعد الله المؤمنين بالرزق الحسن في هذه الحياة الدنيا إذا صبروا وتوكلوا على الله، وأخبر أنه كم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخر قوتها والله يرزقها ويطعمها ويسقيها، فمن لم يضيع رزق هذه الدابة وهو الله فلن يضيع رزق من عبده وآمن به، ولكن الله حكيم عليم، فهو يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيق الرزق على من يشاء، ليبتلي العباد بالغنى والفقر، وفي ذلك حكم كثيرة للأفراد وللمجتمعات، ولا يصلح حال العباد إلا بتفاوتهم في الأرزاق.

стр. 1475

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٥٨ - ٦٢]. لما ذكر الله الموت ذكر أن المرجع إليه ليجازي الخلق على ما عملوا، فأما الكفار فيعذبهم الله عذاباً يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم في نار جهنم، ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥]، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فالله يبوئهم من الجنة نزلاً، وينزلهم من الجنة منزلاً عظيماً عالياً، وهي غرف الجنات، كما قال : ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت:٥٨]، أي: لندخلنهم ولننزلنهم ولننسكننهم ولنقيمنهم في هذه الجنة العالية ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]. وذكر الله العمل فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت:٥٨]، والجزاء يوم القيامة أن يقال لهم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]، يعني: أنعم بهذا لمن عمل. فهم لم يكتفوا بأن يقولوا: آمنا وصدقنا بقلوبنا، ولم يكتفوا بأن نطقوا بألسنتهم بكلمة التوحيد، ولكن العمل الصالح وراء ذلك، فالله أمر المؤمنين بالعمل الصالح فقال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، فلما عملوا الصالحات جوزوا بالجنات وقيل لهم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]. وروى النسائي من حديث فضالة بن عبيد قال: قال ﷺ : (أنا زعيم -والزعيم: الضامن- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، يعني بالقصور التي في الجنات، وربض المكان: الفناء الذي حول المكان، ووسط المكان أعظم من ربضه، فالجنة فيها ربض، وكأنه المنزلة الأقل في الجنة، وفيها منزلة أخرى هي أوسط الجنة، ومنزلة أخرى هي أعلى الجنة. فذكر الأولى والثانية فقال: (أنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، هذا للمؤمن الذي أسلم والذي هاجر في سبيل الله ، ثم قال: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة)، هذا للمجاهد في سبيل الله ، لمن يجاهد بسنانه وبلسانه وبقلبه أعداء الله يجاهد المنافقين، ويجاهد الكفار، ويجاهد لنشر دين الله ، ويدفع ما يلقيه أهل الباطل من شبهات، ويدفع ما يقوله أهل الكفر من اتهامات، فيجاهد في سبيل الله ، فالنبي ﷺ زعيم ضامن له ببيت في ربض الجنة، وببيت آخر في وسط الجنة، وببيت ثالث في أعلى الجنة، قال ﷺ : (من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهرباً يموت حيث شاء أن يموت)، والمعنى: طالما أنك أسلمت لله وآمنت بالله وجاهدت في سبيل الله سبحانه وعملت العمل الصالح فمت حيث شئت، فسواء مت وأنت تجاهد في سبيل الله فصرت شهيداً، أو مت وأنت على فراشك في بيتك، فلك هذا الأجر لا ينقص أبداً، والضامن لك هذا الأجر هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. يقول الله : ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨]، أي: أن جزاءهم الجنة العالية العظيمة التي ذكرها النبي ﷺ وذكر أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

стр. 1476

تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) ثم قال الله : ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٩]، أي: أنهم عملوا الصالحات وصبروا، والصبر أنواع: صبر على أوامر الله، فينفذ الأوامر، بأن يقول له: افعل كذا، فيفعل، ويصبر على ذلك، قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)، فيجاهد الإنسان نفسه في العمل الصالح والعمل بما أمر الله سبحانه. وإذا نهى الله عن شيء فالمؤمن يجتنبه، قال النبي ﷺ : (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، أي: لا تأتوا هذا الشيء واتركوه بالكلية، فالمؤمن يصبر على ذلك. والله نهى العبد عن الحرام وعن شهوات باطلة، وإذا بالنفس تدفعه ليقع فيها، ولكن يصبر ويتصبر لأمر الله سبحانه، فهذا صبر آخر، وهو الصبر عن المعصية. الصبر الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره، على أقدار الله سبحانه، فحين تنزل المصيبة بالعبد يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]. وفي أول هذه السورة قال الله : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فلا بد من الابتلاء والاختبار والامتحان من الله لعباده، فمن صبر على ذلك فله الأجر من الله سبحانه ﵎. فعلى الإنسان أن يصبر على المصائب، ويصبر على الطاعة، ويصبر عن المعصية. قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٩]، أي: صبروا لأمر الله ، وتوكلوا على الله سبحانه أعظم التوكل، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فلو أن الإنسان يتوكل على الله سبحانه كما تتوكل الطير على ربها سبحانه لرزقه الله كما يرزق الطير؛ فإنها تصبح فتغدو تبحث عن رزقها فالله يعطيها رزقها، فقوله: (تغدو خماصاً) خمص البطن بمعنى: ضامر البطن، قل حجمها من قلة الطعام، وقوله: (تروح بطاناً)، أي: قد شبعت وامتلأت بطونها وانتفخت من كثرة ما أكلت من طعام. فلو أن العبد توكل على الله حق التوكل وكان واثقاً بالله سبحانه، وأن الرزق بيد الله سبحانه، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، وكل شيء بيد الله سبحانه، ولم ينسب ما هو لله لغير الله سبحانه، ولم يظن أو يحدث نفسه أن رزقي عند فلان، وفلان يعطيني الرزق؛ لرزقه الله من حيث لا يحتسب، فالرزق عند الله سبحانه، والله الرزاق العظيم الذي قال لعباده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، فالعبد يتوكل على الله سبحانه، وإذا أحسن التوكل جاءه رزقه من عند الله من حيث لا يحتسب، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. فهنا ربنا ذكر أمر التوكل عليه ، فذكر أنه من صفات المؤمنين الذين يستحقون الجنات.

стр. 1477

تفسير قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها) أخبر سبحانه في هذه الآية كيف أن الدواب كلها تتوكل على ربها سبحانه وهو يرزقها ﵎ فقال: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠]. وقوله: (وَكَأَيِّن)، هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير: (وكآين) بالمد المتوسط، وقرأها أبو جعفر بالتسهيل مع المد ومع القصر: (وكآين من دابة لا تحمل رزقها) بالتكسين فيها وبالتسهيل. إذاً: هنا قراءة: (وكآين من دابة) بتسكين النون سواء في قراءة ابن كثير أو في قراءة أبي جعفر، والجمهور يقرءون: (وكأيِّن من دابة) تسكن وتدغم فيما بعدها. وقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت:٦٠]، في هذا إشارة إلى أنه لا يوجد دابة تحمل رزقها ذاهبة وآتية، ولكن القليل من أنواع الدواب هي التي قد تفعل ذلك، ولكن الأكثر من الدواب التي خلقها الله لا تحمل رزقها على ظهرها فتذهب وتجيء به، وإنما تبحث فتأكل، فإذا أكلت اكتفت. والدابة: كل ما يدب على الأرض من حيوان، والمقصود: أن كل دابة قد خلقها الله لا تحمل رزقها، ولكن الله يرزقها وإياكم. لقد علم الله العباد كيف يصبرون على أمر الله ، وكيف يتوكلون على الله ويحسنون الظن بالله ، فيصبر الإنسان، وإن جاع لا يجلس في بيته، وإنما عليه أن يذهب ليبحث عن الرزق متوكلاً على الله واثقاً بالله، فإذا بالله يفتح له باب الخير، وقد يمتحنه ويختبر إخلاصه هل يصبر أو لا يصبر؟ فيضيق عليه شيئاً ثم يأتي الفتح والفرج من الله ﵎. وقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠]، أي: ويرزقكم أنتم أيضاً، فالإنسان ينظر ويعتبر، فانظر واعتبر كيف رزق الله كل هذه الدواب؛ فرزق كل طائر يطير في السماء، وكل إنسان يسير، وكل حيوان يدب على أربع، وكل حشرة، وكل شيء يرزقه الله ﵎. فقوله: ((اللَّهُ يَرْزُقُهَا))، يعني: الدابة ((وَإِيَّاكُمْ))، يعني: يرزقكم الله . وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم)، أي: يسمع دعاءكم حين تقولون: يا رب! ارزقنا يا رب! أعطنا، وهو العليم بمن يستحق هذا ومن يستحق ذلك.

стр. 1478

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر) قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١]. وقوله: ((لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ))، يعني: لئن سألت الخلق: ((مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) وكل مخلوق -سواء كان مسلماً أو كافراً- يعلم أن الله هو الخالق ، ولا يكابر في ذلك إلا كذاب جاحد مكابر، كما كابر فرعون وكما كابر النمرود، وإذا بالله يفضح الاثنين وغيرهما ممن جحد ذلك، فهذا النمرود لما زعم أنه يحيي ويميت قال له إبراهيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: فضح وأسكت وألقم حجراً، ولما قال له إبراهيم: ((رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ)) تعاظم وقال: وأنا أيضاً أحيي وأميت، فقيل له: تحيي من؟ فقال: أحكم على واحد بالإعدام ومن ثم أعفو عنه فأكون قد أحييته، فلما كان هذا الكلام كلاماً فارغاً وظاهر الفساد، ولكنه سيجد من يدافعون عن هذا الكلام، أعرض إبراهيم عن هذا الشيء الذي يعرفون أنه كاذب فيه، وأتى له بشيء ثان أشد منه لا يقدر أن يدعيه، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. وسار على حذوه فرعون بعد ذلك وقال للناس كما حكى الله عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال كما حكى الله عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، فإذا به يستخفهم فيصدقونه، فيفضحه الله سبحانه حين يغرقه في اليم ويرفع يديه ويدعو ويقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، فما زعم أحد أبداً أنه رب إلا وفضحه الله وأظهر كذبه. قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١]، الجواب أن الخالق واحد وهو الله سبحانه. إذاً: هنا العباد لا يختلفون في أمر الخالق، حتى ولو أنكروا بألسنتهم فإن القلوب تقر أنه خالقهم، ولكن في التوجه في العبادة: إلى من يتوجهون بالعبادة؟ ومن الذي يعبدونه؟ هنا يختلفون؛ فهؤلاء يعبدون شيئاً وهؤلاء يعبدون غيره إلا من هدى الله سبحانه إلى توحيده. قال سبحانه: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١]، أي: إذا كانوا يعرفون الخالق سبحانه الذي يرزق والذي خلق السماوات والأرض والذي سخر الشمس والقمر وجعل الشمس تجري لمستقر لها، والقمر يدور مع الأرض وكل شيء بحساب وبقدر عنده ﵎، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟! وقوله: ((أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) يؤفك بمعنى: يصرف ويمشي بعيداً ويضل، والمعنى: كيف ضلوا عن عبادة الله؟! وكيف صرفوا عن توحيد الله وقد عرفوا أنه الذي يخلق ويرزق سبحانه؟!

стр. 1479

تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) قال الله : ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت:٦٢]. قوله: ((يَبْسُطُ)) أي: يوسع، ((وَيَقْدِرُ)) أي: يضيق، فالله يفعل كل شيء بحساب، كما قال : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، فإذا وسع وفتح وبسط فمن يقدر أن يمسك هذا الرزق؟ وهنا قال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [العنكبوت:٦٢]، أي: سواء كان مسلماً أو كان كافراً؛ لأن الدنيا لو كانت تساوي شيئاً لم يعط الكفار منها شيئاً، ولكن ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت:٦٢]، والله يضيق على من يشاء من خلقه، فلا يقل الإنسان: لماذا ربنا وسع لفلان ولماذا ضيق على فلان، مع أن فلاناً جيد ويصلي وهكذا وربنا مضيق عليه في الرزق؟! فهذا أمر الله ؛ فإنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، والدنيا لا تساوي شيئاً، فيضيق على فلان الذي يصلي والذي هو يعمل الصالحات؛ حتى يرفع درجاته عنده . إذاً: أنت وإن اعترضت في الدنيا فإنك في الآخرة تعرف الجواب حين ترى هذا الإنسان قد رفعه الله درجات عظيمة، وحين ستر عليه ذنوباً كثيرة فعلها واستتر بها، فالله ضيق عليه في الرزق كشيء من العقوبة له؛ لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب والزلات، فالله يبسط ويقدر سبحانه، ولذا قال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢].

стр. 1480

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً) قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣]، من الذي ينزل من السماء ماءً؟ ومن الذي يرسل الرياح ويسيرها كيف يشاء؟ إنه الله ؛ فإنه ينزل الغيث ويسقي به بلدة ميتة، وينزل الغيث ماءً كثيراً غدقاً غير رائث من فضله . وكان النبي ﷺ يطلب منه أصحابه أن يدعو ربهم أن يسقيهم، فإذا به يقف وهو في خطبته ويقطع الخطبة ويدعو ربه سبحانه، فإذا بالمطر ينزل من السماء، فمن الذي أتى بهذا المطر وهم يرون السماء صافية والشمس مشرقة وليس بينهم وبين جبل سلع من سحاب، فإذا بسحابة تنشأ وتتوسط السماء وتنزل على العباد رزقاً من عند الله ؟ إنه الله وحده الذي ينزل الغيث، وقد زعم الكفار أنهم حاولوا ذلك وقدروا على شيء من ذلك! قالوا: ننتظر سحابة مليئة بالماء وحين تأتي نرمي عليها بشيء من صواريخ أو شيء من تراب أو حاجة تفجر هذه السحابة فتنزل الماء، فهنا يقال: ما الذي صنعوا من ذلك؟ ومن الذي جاء بالسحابة؟ ومن الذي خلقها؟ ومن الذي سيرها؟ ومن الذي ملأها بالماء؟ إنه الله، وهم حين يفعلون ذلك قد ينزل شيء من رذاذ المطر وقد لا ينزل شيء، فالله هو الذي ينزل ما يغيث به العباد، ولم يذكر رذاذاً من المطر، إنما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1481

تفسير سورة العنكبوت [٦٣ - ٦٦] آيات الله تعالى الكونية الدالة على ألوهيته كثيرة، ولذا قرر الله بها المشركين، وجعلها برهاناً على كفرهم به سبحانه؛ لأنهم يعلمون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأن الله بيده الرزق والنجاة من المهالك، وإذا بهم يشركون بالله ويعبدون غيره عند السراء والرخاء، وما ذلك إلا لأجل أن يتمتعوا بهذه الدنيا الفانية الزائلة، ويوم القيامة لن يفلتوا من عذاب الله ونقمته.

стр. 1482

دلائل ربوبية الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣ - ٦٦]. يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها عن دلائل ربوبيته سبحانه، وأنه وحده الرب الخالق الفعال لما يريد سبحانه، فإذا كان هو الرب الذي يخلق ويرزق وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، ويعلم ذلك الكفار كما يعلمه المسلمون، فليكن هذا الإله الواحد سبحانه هو الذي يعبد ليس غيره؛ ولذلك يبكت الله سبحانه هؤلاء المشركين ويقرع آذانهم بهذه الآيات، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦١] فإذا كانوا يقولون: الذي سخر الشمس والقمر، والذي خلق السماوات وما فيها، والأرض وما عليها هو الله سبحانه الذي خلق كل شيء وهم يعرفون ذلك، فلماذا ينصرفون عن توحيده؟ ولماذا يعبدون غيره ويشركون به؟ ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١] يعني: تعجب من انصرافهم عن توحيد الله -الذي عرفوا أنه الإله وحده- إلى عبادة غيره. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢] الله يوسع ويبسط لمن يشاء، ويضيق على من يشاء، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم:٤٨] ، أغنى: أعطى الغنى، وأعطى المال، وأعطى السعة، وأقنى: أفقر . فالله يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه، وهم يعرفون ذلك، فلماذا صرفوا عن توحيده وعن عبادته؟ فعجباً لهم!! قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣] وهذا شيء يشاهدونه ويعرفونه، فالأرض تكون مجدبة لا نبات فيها ولا ماء عليها، فيسألون الله سبحانه ويدعونه؛ فينزل من السماء ماءً، فإذا بالأرض تخرج زرعها وتخرج ثمارها؛ فيأكلون ويشربون ويتنعمون، ثم يشركون بالله ويجعلون رزقهم أنهم يكفرون بالله، ويستبدلون شكر الله سبحانه كفراً به. قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ [العنكبوت:٦٣] الجواب ﴿ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت:٦٣] شهدتم على أنفسكم، الحمد لله على نعمه وفضله، الحمد لله: الثناء الجميل على الله بما هو أهل له من صفات كمال وجمال وجلال. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت:٦٣] أحمده ﵎ على ذاته وكماله وصفاته سبحانه، وأشكره على آلائه ونعمائه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣] يعني: يمشون في الأرض وينظرون إلى نعم الله وآياته فلا يفهمون أنه هو الذي يستحق العبادة وحده، فينصرفون عن توحيده، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:٤٤] لا عقول لهم يفهمون بها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].

стр. 1483

تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) قال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] الحياة الدنيا: هي الحياة التي يحياها الإنسان، لذا سميت حياة، والدار الآخرة حياة، ولكن ليست كهذه الحياة، بل هي حياة أخرى؛ ولذلك يقول تعالى عنها: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] يعني: دار الحياة الدائمة، ودار الإقامة الدائمة التي لا تفنى ولا تزول. فقال هنا: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] وعندما تقارن بين الدنيا وبين الآخرة فإنك تجد أن الدنيا لا تساوي شيئاً، قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] يعني: مهما جد الناس فيها، ومهما أخذوا بالأسباب فهم في لعب إذا قاسوا ذلك بالآخرة. ويوم القيامة يتذكر الناس هذه الحياة الدنيا فيقول بعضهم لبعض: كم لبثنا فيها؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ﴾ [الكهف:١٩] لم نقعد في هذه الدنيا إلا يوماً أو بعض يوم، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]. يقولون: يا ترى كم لبثنا في هذه الدنيا؟ عشرة أيام مثلاً! ((يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا)) هو يوم واحد الذي لبثناه في الدنيا، لأنهم عندما يقيسون الدنيا بالآخرة يكون الفرق كبيراً جداً، فيوم القيامة وحده مقداره خمسون ألف سنة، والإنسان إذا عاش ستين سنة أو سبعين سنة أو أكثر أو أقل من ذلك، ثم أتى يقارنها بيوم مقدراه ألف سنة فإنه يرى أنه كان يلعب في هذه الحياة الدنيا، وعلى سبيل المثال عندما تقول: قارن بين الموظفين الذين يشتغلون في مصر، والموظفين الذين يشتغلون في الخارج، تجد الذي يشتغل في أمريكا يقول لك: أنا أشتغل من الصبح حتى الليل، وأرجع إلى البيت لأنام فقط، ولا أحس براحة أبداً، وأذهب إلى الشغل في اليوم الثاني، والموظف هنا في مصر يقول عن نفسه: أنا لا ألعب، بل أنا أشتغل وأتعب وأشقى، لكن عندما نقارنه بإنسان آخر يشتغل أحسن وأفضل منه ويشقى في عمله، نقول له: هذا الذي تفعله ليس عملاً إنما هو لعب. كذلك الحال عند مقارنة الدنيا بالآخرة، ففي الدنيا يذهب الإنسان ويأتي ويقعد ويقف وينام، أما في الآخرة فإنه سيقف خمسين ألف سنة بين يدي الله ﵎: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. وفي هذا اليوم من شدة وهول الموقف ينظر الناس إلى مناظر فظيعة، فيرون مانع الزكاة يؤتى بزكاته فتحمى في النار ثم يكوى بها في هذا الموقف، وإذا كانت من بهيمة الأنعام يؤتى بها كلها في قاع قرقر ويبطح لها هذا الإنسان فتمشي عليه الأنعام مدة خمسين ألف سنة، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حتى يرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، فينظر الناس إلى ذلك وهم واقفون ينتظرون الحساب، وفصل القضاء بين العباد، ومن شدة هذا الموقف يقول بعض الناس: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، اصرفنا ولو إلى النار. فإذا تذكروا الدنيا يقولون: إنها دنيا دنية ما الذي كنا نعمل فيها؟ وما هو المرض الذي أصابنا في الدنيا؟ وما هو البلاء الذي جاء لنا في الدنيا؟ لا شيء لا شيء إذا قورن بهول هذا اليوم، فإذا دخلوا النار عرفوا حقيقة ما كانوا فيه من لعب ولهو في الدنيا، ومن تضييع وتفريط، وعرفوا قول الله سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] الحياة الدنيا لهو يلهو فيها الإنسان، ولعب يلعب فيها الإنسان، فعندما يقول: أنا أعبد ربي في هذه الدنيا، فيقال له: انظر كم ساعة تنامها في اليوم؟ وكم ساعة تدخل فيها الخلاء؟ وكم ساعة تأكل فيها؟ وكم ساعة تتكلم فيها؟ وكم ساعة تصلي لله ؟ فلو جمعت وقت الصلوات كلها في اليوم فستجد أنه لا يساوي شيئاً مقابل أربع وعشرين ساعة هي مجموع ساعات اليوم الواحد، وقد يقف الإنسان يتكلم مع أصحابه ويضحك ساعات طويلة، فإذا جاء إلى عبادة الله إذا به يتضجر بسرعة. فيستشعر العبد يوم القيامة أنه كان في لهو ولعب، إلا الذين اتقوا الله ، وعرفوا أن الأعمار غالية، وأن الدنيا لن تأتي مرة ثانية، فانتهزوا هذه الدنيا وخافوا على أعمارهم أن تضيع سدى وهباءً، فإذا بهم يعملون في هذه الدنيا بكل وسيلة وحيلة يتقربون فيها إلى الله ، بالليل يقومون لله ، فإذا ناموا كانت نيتهم ليقوموا لله ، وليعبدوا الله ، ولعل أحدهم يتمنى لو أنه لا ينام، وأنه يقدر على أن يتفرغ الليل والنهار لعبادة الله ، حتى كان بعض السلف يقول لله من كثرة صلاته واستمتاعه بصلاته: يا رب! إن كنت جعلت لأحد يصلي في قبره فاجعلني أصلي في قبري! من كثرة ما استمتع بالصلاة بين يدي الله ، وكانوا يصومون لله سبحانه ويستمتع أحدهم بصيامه في الهواجر كما يستمتع أحدنا بإفطاره وشرب الماء البارد في اليوم الحار، وقد عرفوا الثواب العظيم من وراء ذلك، عرفوا أن الذي يصوم يوماً يبعد عن النار بمقدار سبعين خريفاً، فالمؤمنون المتقون المحسنون عرفوا أن الأعمار فرصة لا تعوض، فانتهزوا ليلهم ونهارهم، كانت هممهم عبادة الله في كل حال، تجد الشخص في قيامه في نومه في عمله يعبد الله . فعندما تذهب إلى عملك تحسن عملك وتتقنه؛ لأنك تعلم أن الله يراقبك، فتؤجر على ذلك، تتعب وتشقى في العمل، وترجع إلى بيتك وقد كلت يداك من كثرة العمل؛ فيأجرك الله سبحانه حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك يكون لك أجر في ذلك. فكان عملك عبادة بهذا المعنى، تصلي لله سبحانه، وتصوم لله، ولذا تجد بعض الناس يترك الصلاة والصوم ويقول: أنا أعمل للأولاد والعمل عبادة وهو مفرط في حق الله سبحانه، فلابد أن يأتي بالواجبات والفرائض كما أمر الله سبحانه، ويعمل عمله الذي هو عليه فرض ليطعم نفسه ويكفي عياله، ويتقن في عمله حتى يكسب من حلال فيدعو ربه سبحانه، فيستجيب الله له. فالحياة الدنيا لهو ولعب إلا ما كان فيها من ذكر لله، يقول النبي ﷺ : (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)، الدنيا لا تساوي شيئاً، ولا تستحق إلا أن تكون ملعونة ملعوناً ما فيها: (إلا ذكر الله وما والاه). الإنسان الذاكر لله هو الذي يستحق رحمة رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فالذكر من العبادات لله التي خلق الإنسان من أجلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. قال : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت:٦٤] إذا كان في عمل للدنيا، أما إذا كان لله فهو الجد كل الجد، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] هم لم يعلموا، ولكن هي الآخرة سوف يعلمون ذلك. والله يقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] وكأن العلم هنا علم آخر غير العلم الذي هو بمعنى المعرفة، فالعلم هنا: هو اليقين المنافي للشك، فلو بعد عن قلوبهم الشك، وعرفوا أنهم راجعون إلى الله، وأنه مجازيهم لكانوا يعلمون: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٣٧]، بمعنى: لا يعلمون علماً يدفعهم إلى العمل ويمنعهم عن المعاصي.

стр. 1484

تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] يذكرهم بنعمه عليهم سبحانه إذا ركبوا في السفينة أو في المركب: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وهنا دلالة الاقتضاء تقتضي أن هنا شيء محذوف، والتقدير: إذا ركبوا في الفلك، ثم هاجت الأمواج والرياح، وتلاطمت بهم الأمواج، إذا بهم يخافون من الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣]. وهذه عادة الإنسان في وقت شدته يقول: يا رب! يا رب! وفي وقت رخائه ينسى ربه ، وهنا يقول الله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت:٦٥] مشيراً إلى شدتهم، ففي وقت شدتهم: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] يا رب! نجنا يا رب! نجنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، فتوجهوا إليه وحده، فلما كانوا في الفلك وجاءت الريح العاصفة: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] فدعوا الله وحده سبحانه. ثم قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] إذا هم يشركون بالله فيدعون غير الله سبحانه، وكان أهل الجاهلية على ذلك، وكذلك الكثيرون من الناس اليوم على ذلك، فحينما يشتد بهم الكرب يقولون: يا رب يا رب! فإذا انتهى الأمر يقول أحدهم: يا سيدي فلان! يا سيدي فلان! ويدعون غير الله ، وقد عرفنا قصة عكرمة لما فر من النبي ﷺ وكره أن يدخل في هذا الدين العظيم، وركب في السفينة، فإذا بالبحر يعلو، والريح تشتد، ويأتي ربان السفينة ينادي على الناس: إنه لا ينجيكم إلا الله، ادعوا الله، فهنا جاء التوحيد، عرفوا الله وهم في السفينة، وكان أهل السفينة مشركين، فـ عكرمة بن أبي جهل فكر في ذلك، وسبحان من يمن على من يشاء بفضله سبحانه، أبوه أبو جهل ذاك الملعون الذي حارب النبي ﷺ حتى قتله الله في يوم بدر، وصار إلى لعنة الله وناره، وهذا ابنه عكرمة كاد يكون كأبيه ولكن أدركته رحمة رب العالمين سبحانه. فركب البحر فاراً من النبي ﷺ ، لا يطيق أن يكون في مكان مع النبي ﷺ ، فلما ركب وعلت الأمواج وقال ربان السفينة: إنه لا ينفعكم ولا ينجيكم إلا الله، فإذا به يتدبر في الأمر ويتفكر: إذا كان لا ينجينا في البحر إلا الله فلا ينجينا في البر إلا الله. فلا يستحق أن يعبد إلا الله، وأخذ على نفسه عهداً لئن أنجاه الله ليذهبن إلى النبي ﷺ وليبايعنه، وليجدنه رءوفاً رحيماً، فكان أن أنجاهم الله، وذهب عكرمة للنبي ﷺ ، وسلم عليه بالإسلام وأسلم رضي الله ﵎ عنه.

стр. 1485

تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم) قال سبحانه في الكثيرين من هؤلاء: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] إذا هم يدعون غير الله سبحانه، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦] واللام هنا إما لام كي أي: لكي يكفروا، يشركون لكي يجحدوا ربهم سبحانه ويعبدوا غيره، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت:٦٦] لكي يتمتعوا بهذه الدنيا الحقيرة باللهو واللعب، ثم يرجعون إلى الله. وإما أن اللام لام العاقبة، ويكون معنى: (ليكفروا بما آتيناهم): يشركون لتكون العاقبة كفرهم بالله ، وتمتعاً قليلاً ثم يصلون إلى النار بعد ذلك. وإما أن اللام لام الأمر، وكسرت وقرئت أيضاً بالسكون على أنها لام الأمر، فقرأها بالكسر قالون عن نافع، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف: (ولْيتمتعوا) بالسكون، وبقية القراء قرءوها بالكسر مثل قراءة حفص عن عاصم، وقراءة ورش عن نافع: (ولِيتمتعوا فسوف يعلمون) بالكسر. فعلى قراءة السكون تكون بمعنى: التهديد من الله، مثل قوله : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] فليس المعنى التخيير أي: الذي تريدونه اعملوه، بل هذا تهديد، أي: اعمل وستعرف بماذا أجازيك، فهذا تهديد ووعيد من الله سبحانه. كذلك على قراءة الكسر يأتي فيها ذلك المعنى؛ لأن أصل لام الأمر السكون، فعلى ذلك يكون المعنى حتى في الكسر أيضاً التهديد من الله لهؤلاء: (ولِيتمتعوا فسوف يعلمون) فسوف يعلمون ماذا سيحدث لهم في الدنيا وفي قبورهم ويوم القيامة يوم يبعثون. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1486

تفسير سورة العنكبوت [٦٥ - ٦٩] يحفظ الله عباده ويغيثهم عند الشدائد، ومع ذلك يشركون به سبحانه في الرخاء، ويحذر الله من كفرهم وضلالهم وتكذيبهم للحق وافترائهم عليه سبحانه بالكذب، والجهاد في الله ومن أجل الله سبب في معية الله وهدايته عبده المحسن إلى طريق الرشاد.

стр. 1487

تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فسوف يعلمون) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة العنكبوت: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٥ - ٦٩]. في هذه الآيات الأخيرة من سورة العنكبوت يخبرنا الله عن عظيم فضله على عباده، أنه هو الذي خلقهم وأنه هو الذي رزقهم، وأنه هو الذي نزل لهم من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها، وأنه هو الذي ينجيهم في البر والبحر، فإذا ركبوا في الفلك فارتفعت عليهم الأمواج، وهاجت بهم الرياح، فلا يجدون ملجأً من الله إلا إليه، فيدعون الله مخلصين له الدين، متجردين له وحده لا شريك له بالعبادة، ويتركون آلهتهم والأنداد التي اتخذوها من دون الله ، ويتوجهون إليه وحده بالعبادة، فيدعونه مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر يرجعون مرة ثانية إلى شركهم بالله سبحانه، فليفعلوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦]. وهذا تهديد ووعيد من الله سبحانه لهؤلاء الكافرين، فهو يقول لهم: اكفروا بما شئتم، وتمتعوا بما شئتم، وانتظروا ما يأتيكم به الله من عذاب فسوف تعلمون. وهذه الآية قد تكرر معناها في القرآن ثلاث مرات، فقد قال الله تعالى في هذه السورة سورة العنكبوت: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦]، وقال الله في سورة النحل وفي سورة الروم: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥٥]، فالله يقول للكفار: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦]، أي: تمتعوا بما شئتم في هذه الدنيا، فإنها لا قيمة لها، فلو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، فمن الأشياء التي يحسدهم عليها الناس، أن أعطاهم الله من المال وأعطاهم من النعم، وأعطاهم من البنين، وأعطاهم من القوة في أجسادهم، وأعطاهم من الثياب والرياش، وأعطاهم ما يتنعمون به، وهذا دليل على أن الدنيا حقيرة، فلو كانت تساوي شيئاً عند الله لما أعطى هؤلاء منها شيئاً.

стр. 1488

تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت:٦٧]، أي: هؤلاء الكفار، ألم يروا آية من آيات الله فيهم وفي بلدتهم مكة تدلهم على ربهم وخالقهم سبحانه، مقدر الأقدار الذي يكفرون به ويشركون به، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت:٦٧]، لماذا جعل الله مكة وحدها آمنة وكل الناس من حولهم يتخطفون؟ من الذي جعل هذا البلد بلداً آمناً؟ يأتي الناس إليه من كل مكان، ويحجون بيت الله ، ويكونون آمنين وهم فيه، وفي رحلاتهم من بلادهم إلى الحرم لا يكونون آمنين، فإذا جاءوا إلى الحرم أمنوا، وقد يلقى الرجل قاتل أبيه وقاتل أخيه في الحرم ولا يتعرض له بشيء، كل هذا في الجاهلية، وهذا تحريم قدري من الله . أليست هذه آية من الآيات التي تدلهم على نعم الله عليهم، فأنتم في بلادكم في أمان، ومن يأتي إلى بلادكم يستشعر فيها الأمان، فإذا خرجوا من عندكم يتخطف الناس من حول هذا البلد العظيم، أو من حول سكان هذا البلد. والخطف: هو الأخذ بسرعة، فالناس من حولهم يتخطفون بالقتل والغصب وغير ذلك، ويؤخذون، وكانت عادة العرب الإغارة، أي: أن يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ولا يهتمون لذلك، فهم معتادون على هذا الشيء. فإذا جاءت الأشهر الحرم كفوا وسكتوا وانتظروا حتى تمر الأشهر الحرم، ولعلهم يتعجلون خروج هذه الأشهر الحرم فيغيرون أسماءها، فإذا جاء عليهم شهر محرم فلا بد أن يحرموا، وشهر محرم بعد ذي القعدة وذي الحجة، فيقولون: نلغي المحرم في هذه السنة، ونجعل اسمه صفراً، فيسمونه صفراً؛ ليغير بعضهم على بعض، ومن أجل أن يقاتل بعضهم بعضاً، ويأخذوا أموال بعض، ويسبي بعضهم نساء بعض فيه، أما في مكة فلا أحد يجرؤ أن يفعل ذلك، وقد رأوا آيات الله سبحانه، ومن أعظم ما رأوه حين جاء أبرهة من اليمن إلى مكة ليهدم الكعبة، ومعه الفيلة يريد بها هدم الكعبة بيت الله ، فأرسل الله عليه وعلى جيشه طيراً أبابيل، قال تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٤ - ٥]. وقد رأى أهل مكة ذلك؛ فخاف الناس كلهم من هذا المكان، وعرفوا أنه المكان الآمن، فهو بيت الله ، وأن له رباً يحميه، هذه الكلمة العظيمة قالها عبد المطلب جد النبي ﷺ لـ أبرهة، فقد قال له: جئت أسأل عن إبلي، أما البيت فله رب يحميه، أي: لن تستطيع أن تعمل شيئاً في هدم البيت، ومن الممكن أن تفعل في إبلي ما تشاء؛ ومن أجل هذا جئت أطلب إبلي التي أخذتها، أما البيت فلن تقدر عليه. وأخذ إبله، وخرج أهل مكة ينظرون كيف سيدافع الله عن حرمه وعن بيته، فزلزل الله أبرهة وجيشه وهزمهم سبحانه، بأن أرسل عليهم طيوراً ترميهم بحجارة من نار، فجعلهم كعصف مأكول. قال الله سبحانه: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧]، أي: بالشيطان، وبالكفر بالله سبحانه، وبما يشركونه بالله من آلهة وأنداد، قال تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧]، أي: يكفرون بنعم الله ، والقرآن نعمة من الله ، والتوحيد، أن يعلمهم التوحيد ليكونوا من أهل الجنة نعمة من الله سبحانه؛ ولذلك أهل الجنة يقولون عن هذا الدين العظيم حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. فمنة من الله وكرم منه سبحانه أن يهدي العباد إلى جنته، قال سبحانه: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧]، هكذا ذكرت هنا، وفي النحل وفي غيرها قال الله تعالى: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل:٧٢]، أي: أيكفرون بنعمة الله وينسون توحيده وشكره سبحانه؟

стр. 1489

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت:٦٨] كذب الكفار على ربهم ، وزعموا أن هذا القرآن ليس كلام رب العالمين، إنما يعلمه بشر، وإنما يعلمه رجل باليمامة اسمه الرحمن، وإنما يعلمه رجل أعجمي، فكذبوا وافتروا على الله الكذب، وكذبوا على النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولمَّا أخبرهم الله عن هذا المكان الآمن، كيف أمنهم فيه، وجعل الناس من حولهم يخطف بعضهم بعضاً، قالوا للنبي ﷺ : ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، كما في سورة القصص، فقال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٧ - ٥٨]. فقد كذبوا بما يقوله الله ، وقد أمنهم في ديارهم، فقالوا: سنتخطف من أرضنا، لا نستطيع أن نؤمن معك لكيلا نتخطف من أرضنا، وقد أخبرهم الله بأنهم آمنون، قال تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا))، فما الذي سيجعلكم تتخطفون من دياركم؟ وما الذي سيجعل الكفار يأتون إليكم إذا أسلمتم وأنتم في بلادكم؟ والله يدافع عن حرمه وعن بلده . قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [العنكبوت:٦٨]، فادعى لله الصاحبة، وادعى لله الولد، أو كذب بالحق وبالقرآن الذي جاء من عند رب العالمين، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨]، فقوله: ((أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ))، استفهام، والمعنى فيه التقرير، أي: أنه فعلاً فيها، والمثوى: دار الإقامة، والمستقر أي: أليس في جهنم مستقر للكافرين؟ بلى، فيها المستقر للكافرين، يستقرون فيها ولا يخرجون منها أبداً، ولا يموتون ولا يحيون فيها، لا حياة كريمة، ولا موتاً يريحهم، وإنما العذاب الأليم.

стр. 1490

تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) أما المؤمنون الصالحون المجاهدون في سبيل الله ، فقد مدحهم الله في كتابه، وأعد لهم الجنات العظيمة كما تقدم قبل ذلك، وهنا يخبر بمعيته سبحانه لهؤلاء حيث يبين الله أنه مع هؤلاء المؤمنين المتقين المحسنين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، أي: لنهدينهم طرق الحق، فمن جاهد في الله هداه الله ، ومن جاهد في الله ثبته الله ، ومن جاهد في الله علمه الله، من جاهد في الله كان محسناً، وكان الله معه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، فهو سبحانه يؤكد ذلك، فكن محسناً، والإحسان كما جاء في حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فإن لم تكن أنت ترى الله فالله يراك، فلا بد أن تراقب الله ، وتعبده كأنك تراه. ففي هذه الآية قد أخبرنا الله أنه مع المحسنين الذين جاهدوا في الله ، فجاهد في سبيل الله حتى يهديك الله سبحانه، ويبين لك السبل، والجهاد جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الهوى، والجهاد في طلب العلم الشرعي، وجهاد الكفار والمنافقين، وكل بحسب ما يستحقه من نوع الجهاد. وإذا اتقى العبد ربه وأحسن في عبادته لله، فإن الله يكون معه. ويقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وجاء عن عمر بن عبد العزيز رضي الله ﵎ عنه أنه قال: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، فانظروا إلى الكلام العظيم الجميل للإمام عمر بن عبد العزيز ﵁، لقد كان عمر بن عبد العزيز من العلماء، ومع ذلك من تواضعه يقول: إنما قصر بنا ودفعنا إلى الجهل ومنعنا من العلم تقصيرنا في العمل. وكان الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ﵁ يقول: ما احتقرت نفسي عند أحد - يعني من العلماء - إلا عند عمر بن عبد العزيز ﵁، هذا هو ابن شهاب الزهري الذي يقول علماء الحديث: حديث لا يعرفه الزهري فليس بحديث، فـ الزهري عالم عظيم من أعلم الناس بحديث النبي ﷺ ، ومن أحفظ الناس وأتقنهم، ومع ذلك يقول: إنه لم يحقر نفسه عند أحد من العلماء أبداً، فكل العلماء يراهم دونه ﵁، إلا عمر بن عبد العزيز، فقد كان عمر بن عبد العزيز عالماً عظيماً، وكان إماماً رضي الله ﵎ عنه، فيرى نفسه أنه أقل من عمر بن عبد العزيز ﵁. إن عمر بن عبد العزيز حين توفي لم يتجاوز بضعة وأربعين سنة، رضي الله ﵎ عنه، ومع ذلك كان الخليفة العادل الذي لم تشغله الخلافة عن العلم الشرعي، ولم يشغله شيء عن العلم الشرعي، وإنما تجرد لله ، وعمل لله، فكان الخليفة الراشد رضي الله ﵎ عنه. يقول عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا -أي: الذي دفعنا للجهل ونحن لا نعرف مزيداً من العلم- قال: تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا، لأورثنا الله علماً لا تقوم به أبداننا. إذاً: العلم ليس الحفظ والتحصيل فقط، بل العلم هو العمل به، فالإنسان يعمل بما علم، وكلما علم عمل بما علم، فالله يفتح له علوماً أخرى غير التي عمل بها، فيقول عمر ﵁: لو عملنا ببعض ما علمنا، لأورثنا الله علماً لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. يقول أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين والرد على المبطلين، والمعنى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، من نصروا دين الله بكل وسيلة لنصر دين الله ، من جهاد بقوة وسلاح وسيف وسنان، ودعوة باللسان، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، يقول الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي: أن أعظم شيء في الجهاد هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفس في طاعة الله ، وهو الجهاد الأكبر، فالإنسان المسلم إذا جاهد نفسه استطاع أن يجاهد أعداءه، أما إذا كان لا يجاهد نفسه، وإذا كان يتبع هواه وشهواته، فإنه لا يقدر أن يجاهد أعداء الله . أيضاً جاء عن سفيان بن عيينة، أنه وصى ابن المبارك ﵄، فقال: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وابن المبارك وما أدراك من ابن المبارك ﵁! كان إماماً عظيماً عالماً فقيهاً محدثاً، عالماً بالقرآن، حتى قالوا: إنه كان إماماً في تسع عشرة خصلة من الخصال، فقد كان إماماً في الفقه، وإماماً في القرآن، وإماماً في الجهاد في سبيل الله ، وإماماً في العمل، وإماماً في الزهد، وإماماً في الحديث، وإماماً في أشياء كثيرة، رضي الله ﵎ عنه، فكانت وصية سفيان بن عيينة لـ ابن المبارك نافعة له، يقول له رضي الله ﵎ عنه: إذا رأيت الناس قد اختلفوا، وأردت أن يوفقك الله للحق، فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، أي: كن مع المجاهدين، وكن مع أهل الثغور، فالله يهديك لما يحبه سبحانه، وما اختلف الناس فيه، قال: فإن الله يقول: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. نسأل الله أن يجعلنا مع هؤلاء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1491

تفسير سورة الروم [ ١ - ٣] سورة الروم إحدى السور المكية التي تتميز بخصائص السور المكية، وقد أخبر الله فيها عن معجزات غيبية تحققت في عهد النبي ﷺ وبعد عهده، فهذا القرآن هو المعجزة الكبرى للنبي ﷺ ، ولكن أهل الزيغ والضلال معرضون عن ذلك.

стр. 1492

بين يدي سورة الروم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:١ - ٤]. هذه السورة الثلاثون من كتاب الله ، وهي سورة الروم، وسميت بسورة الروم؛ لأنه بدأ بذكر الروم فيها، قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، ثم ذكر أنهم سيغلبون بعد بضع سنين. سورة الروم من السور المكية، وهي سورة عجيبة وفيها معجزة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، بل معجزات في هذه السورة العظيمة، وهي تحتوي على خصائص السور المكية من ذكر نبوءة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وذكر توحيد الله سبحانه، وذكر من عبدوا غير الله ، وفيها ذكر نعم الله على العباد، وفيها مقتضى ربوبيته ، وكيف أنه إذا أعطى العباد رحمة من عنده سبحانه إذا بالعباد يفرحون، وقد يصل بهم فرحهم إلى الفخر، وإلى الغرور والاستكبار، وإذا أذاقهم شيئاً من الضر إذا بهم يقنطون، فالإنسان عجيب في تقلبه بين حالة الفرح الشديد الذي يدعو إلى الزهو والخيلاء والاستكبار، فيبتعد عن عبادة الله سبحانه، وبين أن يقنط إذا جاءه شيء مما يسوءه. ويذكر الله في هذه السورة رزق الله سبحانه، وأنه هو الذي بيده الرزق، وأنه يقبض ويبسط ، وفيها الحث على إيتاء ذي القربى حقوقهم واليتامى والمساكين وغير ذلك. وفيها إشارة إلى تحريم الربا، فقال الله سبحانه ﵎: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩]. كذلك فيها بيان ربوبية رب العالمين سبحانه، وأنه الرب الذي يخلق، والذي يرزق سبحانه ﵎، والذي يحيي، والذي يميت، والذي يبعث عباده سبحانه، قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم:٤٠]، هل هناك شريك آخر يفعل مثل الذي يفعله الله سبحانه؟ حاشا لله سبحانه، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠]. كذلك يخبر سبحانه عن سبب استحقاق العباد لعقوبة رب العالمين ، أنهم إذا كسبوا بأيديهم المفاسد ظهر الفساد فعم الجميع، واستحقوا عقوبة الله، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]، فإذا اكتسب الناس السيئات استحقوا أن يعمهم الفساد ويأتيهم من عند ربهم العذاب، وفيها أيضاً الأمر بالتوجه إلى عبادة رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم:٤٣]. وفيها الإشارة إلى اليوم الآخر، وأن الله يفصل بين العباد في هذا اليوم، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم:٤٥]. وفيها ذكر إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ففيها الوعد من الله سبحانه للمؤمنين بأن الله ينصرهم سبحانه، وأنهم مهما كانوا ضعفاء فلا بد أن يأتي عليهم وقت ينصرهم الله سبحانه، كما أن الأرض تكون ميتة، فينزل الله عليها الغيث فيحييها بعد ما يئس أهلها من ذلك، ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم:٤٨]، ثم قال: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]، فإذا أحيا الأرض بعدما كنتم تتوقعون أن لا حياة بها، وأنها لا تحيا، فكذلك قد يأتي على المسلمين زمن فيه شدة، وفيه تعذيب، وفيه ضيق، فإذا بالله ينزل رحمته، كما ينزل الغيث على الأرض فيحييكم، ويردكم قاهرين غالبين بعدما كنتم مهزومين مغلوبين. كذلك أشار الله في هذه السورة إلى ضعف الإنسان ومراحل عمره، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. كذلك أشار إلى ما يكون يوم القيامة من وقوف المجرمين بين يدي رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم:٥٥]، ثم ذكر الله سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع الظالمين اعتذارهم ولا عتبهم. كذلك يخبر الله سبحانه أنه في هذا القرآن العظيم ضرب الأمثلة للناس لعلهم يتذكرون بهذه الأمثلة، ولكن من طبع الله على قلبه لا يفيق ولا يرجع ولا يتذكر. ثم أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه بالصبر على ما هو فيه هو والمؤمنين، قال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]. فهذه العبر الموجودة في هذه السورة تبين لنا أن هذه السورة فيها تصبير للنبي ﷺ وللمؤمنين على ما هم فيه من أذى هؤلاء الكفار، والسورة ستون آية، والبعض يعدها تسعة وخمسين آية؛ والخلاف في العد كما ذكرنا قبل ذلك مبني على معرفة وقف النبي ﷺ ، وأين وقف ﷺ ؟ فبحسب قراءته ﷺ ووقفه يعدون رأس الآية، فيقولون: هذه الآية الأولى، هذه الثانية، هذه الثالثة، ولذلك لا يوجد خلاف إلا في مواطن، فالبعض عدها آية، وجعل الوقف عليها رأس آية، والبعض لم يعدها، والخلاف في العد في خمس مواطن في هذه السورة. في الموطن الأول: ﴿الم﴾ [الروم:١]، هذه عدها البعض آية، والبعض عدها تابعة للآية التي تليها، فممن عدها آية: الكوفيون، فيقرءون: ﴿الم﴾ [الروم:١]، ويقفون، على أنها رأس آية، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:٢]، وغيرهم يقرءون: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢]، على أن الآيتين آية واحدة، فهذا من الخلاف فيها. كذلك في قوله سبحانه: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:٢]، البعض عد الوقف عندها آية، والبعض الآخر يعدها تابعة لما قبلها. كذلك في قوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤]، عند المدني الآخر وكذلك عند الكوفيين أنها ليست آية، ولكنها وقف، وعند غيرهم أنها آية، فيقفون عليها: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤]. كذلك قوله سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]، عدها الكوفيون آية، وغيرهم يعدونها أنها ليست آية وهي مما بعدها. كذلك قوله سبحانه: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥]، البعض يعد هنا الوقف على أنها آية، والبعض لا يعدها آية، والغرض أن الوقف الذي وقفه النبي ﷺ في أماكن فبناء على سماعهم من النبي ﷺ ووقفه البعض عد هذه آية، والبعض عدها أنها آية مع الذي يليها.

стр. 1493

تفسير قوله تعالى: (الم . غلبت الروم) السورة بدأها الله بقوله: ﴿الم﴾ [الروم:١] أي: هذه الحروف من اللغة العربية التي تقرءونها، والتي تكتبونها، والتي تقولون بها خطبكم وشعركم ونثركم، فإن هذا القرآن من هذه الحروف، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، أي: هاتوا مثل هذا القرآن، فالقرآن لم نأت به بحروف أعجمية، بل هو من حروف تقرءونها وتكتبونها. قال تعالى: ﴿الم﴾ [الروم:١]، ففيها التحدي من الله لعباده، هاتوا مثل هذا القرآن من مثل هذه الحروف. قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٢ - ٤]، وقال تعالى في سورة يوسف: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فالله يطمئن المؤمنين أن الظلم وإن استمر فترة فإنه ينتهي، ولابد أن يأتي نور الله وعدله وحكمه . وفي هذه الآية معجزة للنبي ﷺ ، فقد أخبر النبي ﷺ بشيء سيكون، وقد كان عند الناس بالمعايير البشرية وبالمقاييس التي هم فيها مستحيل أن يحدث هذا الشيء، والله يخبر في وقت ضيق المسلمين أن هذا سيحدث ولن يكون بعيداً، بل سيكون في بضع سنين! قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٤] أي: يفرح المؤمنون بنصر الله، فالمؤمنون كانوا مضطهدين من قبل أهل الشرك، فأهل مكة كانوا مشركين، وكانوا يضطهدون المسلمين، ويؤذونهم ويعذبونهم، فكان المسلمون ينتظرون فرج الله ونصره، وقد أراهم الله واقعةً بين الدولتين العظميين اللتين كانتا في زمن النبي ﷺ ، دولة الفرس ودولة الروم، فقد جارت دولة الفرس على دولة الروم فإذا بهم يغلبونهم ويهزمونهم هزيمة منكرة، وكانت هزيمة فظيعة للروم، وكان الروم أهل كتاب نصارى، أما الفرس فقد كانوا عباد النيران؛ لذلك كان ميل المشركين من قريش إلى الفرس؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام والفرس يعبدون النيران، فالأمر قريب من بعضه، فكلهم يعبدون غير الله، فلذلك فرح المشركون بانتصار الفرس؛ لأنهم مثلهم لا كتاب عندهم من رب العالمين، ففرحوا وأغاظوا المسلمين، وأخبروا المسلمين أنهم وثنيون، وسينتصرون عليهم وإن كانوا هم أهل كتاب، كما انتصر الفرس وهم وثنيون على الروم وهم أهل كتاب، فأنزل الله آيات يطمئن فيها المؤمنين أن ذلك لن يدوم، إنما هي سنون قليلة، وتنتصر الروم على الفرس، فأخبر النبي ﷺ بذلك، ونزل القرآن بهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢ - ٤]، أي: في بضع سنين وسينتصر الروم مرة ثانية. فإذا بالمشركين يستهزئون بذلك، كيف ينتصر الروم وقد هزموا؟ وكانت المعايير الموجودة والمقاييس البشرية أن هذا مستحيل أن يحدث، كان هذا الكلام في عهد النبي ﷺ في الزمن المكي سنة ستمائة وعشرين ميلادية، ففيها هزمت الروم على أيدي الوثنيين أهل الفرس عباد النيران، وكانت الخسائر جسيمة جداً على الروم جراء هذه الهزيمة، حتى قالوا: لن تقوم لدولة الروم قائمة بعد ذلك، فإن الفرس أخذوا أطرافاً من بلاد الروم، وقد أغار على الروم أناس من الشمال أيضاً يقال لهم: الآفار والسلاف واللمبارديون وغيرهم، وكأن الدنيا كلها تكالبت على الروم، فلذلك قالوا: لن تقوم للروم قائمة بعد ذلك. فجمع الروم الأموال للدفاع عن أنفسهم فقط وليس للغزو، فقد جمعوا كل الأموال الموجودة في مملكة الروم للدفاع عن أنفسهم، فوصل الأمر بهم إلى أخذ كل الأموال التي مع الناس، ومع ذلك لم تكف هذه الأموال للدفاع ولشراء العدد، فجمعوا الذهب والحلي والبرنز ليصيغوه أموالاً ينتفع بها الجيش للدفاع عن أنفسهم، حتى لا تضيع دولة الروم، وفي هذا الوقت الذي استشعر فيه الروم أنهم ضائعون وأن البلاد ضائعة يخبر الله المؤمنين أن دولة الروم لن تضيع، بل سيغلبون في يوم من الأيام، فانتظر المؤمنون ذلك؛ لأن الروم أقرب إليهم من هؤلاء المشركين، فبذلك قال الله للمؤمنين أنه: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣ - ٤]. ثم بعد ذلك سيفرح المؤمنون بنصر الله ، فأنجز الله وعده يوم بدر بنصر المسلمين، وانتصر الروم في هذا اليوم على الفرس نصراً عجيباً جداً، فالله سبحانه إذا أراد شيئاً لا أحد يستطيع رده ومستحيل أن أحداً من الخلق يمنع ما يريده الله .

стр. 1494

ذكر ما جاء من قصة اختلاف كسرى مع قادته وأسباب هزيمته أرسل ملك الفرس إلى بلاد الروم أخوين من القادة العظام الذين عنده لقتال الروم، ولما وصلوا إلى بلاد الروم وفعلوا بهم ما فعلوا إذا بأحدهما يرى في المنام أنه جالس على سرير كسرى، فشاعت الرؤيا بين الناس، حتى وصلت إلى الملك، فأراد كسرى قتل هذا القائد الذي رأى هذه الرؤيا خوفاً على ملكه، فأرسل إلى أخيه قائد الجيش أن يقتل أخاه، فرفض ذلك، فبعث له رسالة ثانية: اقتل أخاك! فرفض، وبعث له رسالة ثالثة فإذا به لا يفعل ذلك، فعزله الملك، وولى مكانه أخاه الآخر الذي كان قد أمر بقتله قبل ذلك، وأرسل إليه الملك رسالة أن اقتل أخاك، وكاد يفعل ذلك، لولا أن أخاه أراه الرسائل الثلاث وقال: يرسل إليك الملك بقتلي وأنا أخوك، وتريد أن تنفذه، وقد أرسل إلي من قبل بثلاث رسالات يأمرني فيها بقتلك، فلم أفعل، فلما نظر في الأمر وجد أن ذلك صحيح، وعرف أن الملك يريد الوقيعة بينه وبين أخيه، وأنه يريد بهما شراً، فلم يفعل وعصى الملك وأخذ يتفاوض معه، ولحقت الهزيمة بالفرس، ولا يتوقع الإنسان مثل ذلك، فإن ذلك شيء عجيب جداً! فإذا بالروم يجتمعون لقتال كسرى، وهزموه ومن معه، وهذا تدبير رب العالمين سبحانه، إذ انهزموا كما أخبر الله في فترة يسيرة، قال تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤]، ولم يجعل الله الأمر مفتوحاً، بل قال لهم: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤]، والعرب عندهم (بضع) ما بين الثلاث إلى التسع، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤].

стр. 1495

مراهنة الصديق المشركين على انتصار الروم قبل تحريم الرهان لما سمع المشركون قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣]، استهزءوا بذلك، وذهبوا إلى أبي بكر الصديق يستهزئون بالنبي ﷺ ، ويقولون: صاحبك يقول: إن الروم ستغلب، فإذا بـ أبي بكر يبادر بالتصديق ﵁، وقال: أراهن أنه سيحدث ما قال الله سبحانه، في وقت لم يكن الرهان محرماً، فـ أبو بكر الصديق حسب أنهم سيغلبون في بضع سنين كما قال الله سبحانه، فاتفقا على ذلك، فرجع إلى النبي ﷺ ، فأخبرهم النبي ﷺ أن البضع ما بين الثلاث والتسع، وأمره أن يزيد في المدة ويزيد في الرهان، وفعلاً ذهب وزاد في المدة، ووقع ما قاله الله ، وانتصر الروم على الفرس في الوقت الذي انتصر فيه المسلمون في يوم بدر على المشركين! وكان نزول هذه الآيات في مكة قبل هجرة المسلمين ثم هاجر المسلمون، والذي راهن أبا بكر هو أبي بن خلف قال أبي بن خلف: إن غلبت الروم الفرس فأنا أدفع لك كذا، فكان الاتفاق على خمس من البعير أو نحو ذلك، ولما أراد أبو بكر الصديق أن يتوجه مع النبي ﷺ إلى المدينة، جعل الرهان مع أحد أبنائه، وحدث بعد ذلك أن غلبت الروم الفرس فإذا بـ أبي بكر يكسب هذا المال الذي راهن به ويتصدق بهذا المال، ويحرم الله المراهنة بعد ذلك. ففي هذه الآية معجزة من المعجزات وهو الإخبار بالغيب ثم وقوعه كما قال الله ، فلم يكن في حساب الناس أن الروم ستقوم دولتها مرة أخرى إلا بعد مائة سنة، ولكن الله حقق هذا الشيء المستحيل عند البشر ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤]، فكان ذلك بعد سبع سنوات مما ذكره الله ، بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فمن معجزات القرآن الإخبار بالغيب، إذ تحقق على النحو الذي ذكره الله .

стр. 1496

المعجزة المستنبطة من قوله تعالى: (في أدنى الأرض) قال : ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]، قالوا: هذه أيضاً معجزة أخرى من معجزات القرآن العجيبة، فالأولى معجزة إخبار بغيب، والقرآن معجزة رب العالمين، في صياغته وإتقانه؛ لذلك الكفار لم يقدروا أن يأتوا بمثله، وتشريع القرآن معجز، ولا يقدر أحد أبداً أن يأتي بتشريع مثل تشريع رب العالمين أو يدانيه، كذلك في القرآن وجوه إعجازية، وإخبار بمغيبات، لم يطلع عليها النبي ﷺ ، ولم يقرأ كتب أهل الكتاب، وهو الأمي ﷺ ، فكان يخبر بأشياء لا يعرفها أهل الكتاب، ويعجزهم بذلك. ومن إعجازه أيضاً: ما ذكره علماء الأرض والجيولوجيا، قالوا: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٣]، لها معنيان: معنى الدنو أي: القرب، فالمعركة التي وقعت بين الروم والفرس كانت في فلسطين عند البحر الميت، وفي نفس المكان انتصر الروم على الفرس بعد ذلك. فمفهوم قوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٣] أي: في أقرب الأرض إلينا، فبلاد الفرس شاسعة في الشمال، وبلاد الروم شاسعة في الشمال وفي الغرب، فأدنى الأرض إلينا فلسطين، فكانوا يفهمون المعنى على ذلك، وهو معنى صحيح، ولكن الآية أشارت إلى شيء آخر، وهو أن الدنو يأتي بمعنى: الشيء الأسفل، فقوله تعالى: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٣] أي: في أسفل الأرض، وأخفض منطقة من الأرض، فلما بحث علماء الأرض هل المكان الذي حدثت فيه هذه الحرب كانت فعلاً أخفض الأرض كما ذكر الله سبحانه؟ قال الشيخ الزنداني: التقيت مع أحد من أساتذة علوم الجيولوجيا في أمريكا اسمه: البروفسور ظلمة وهو من كبار علماء الجيولوجيا في أمريكا، جاء زيارة ومعه نموذج للكرة الأرضية بها تفاصيل لارتفاعات ولانخفاضات وأعماق البحار، كله مبين بالتضاريس، ومحسوب بالمتر. فسأله الشيخ عبد المجيد الزنداني: ما هي أخفض مناطق الأرض؟ إن الله يقول: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٣]، وهي المنطقة التي حصلت فيها الحرب بين الروم وبين الفرس، فهي أخفض منطقة على الأرض، فإذا بالرجل يعاند؛ لأنه لم يسمع القرآن من قبل وقال: المناطق المنخفضة في الأرض كثيرة، فهناك منخفضات موجودة في هولندا، ومنخفضات موجودة في أمريكا، ومنخفضات موجودة في كذا، وحاول أن يفهمه أن هذا المكان ليس أخفض مناطق الأرض. قال الشيخ عبد المجيد: واستغرب الرجل حين قلت مرة أخرى: أنا متأكد مما أقول، إن هذه أخفض منطقة في الأرض، فإذا بالرجل يخرج نموذج الكرة الأرضية التي معه، وأخذ يتتبع ما فيها من تضاريس، فوجد سهماً موجوداً على فلسطين، على مكان البحر الميت فقال: إنها فعلاً أخفض منطقة على سطح الكرة الأرضية، قال الشيخ عبد المجيد: أدار هذه الكرة الأرضية التي فيها الارتفاعات والانخفاضات بسرعة، فلما أدراها على منطقة بيت المقدس وعلى المنطقة التي حولها وجد سهماً طويلاً خارجاً من المنطقة، ومكتوب بخط واضح أخفض منطقة في العالم! فقال الرجل: صحيح، الأمر كما قلت: إنها أخفض منطقة في الأرض! هذه المنطقة موجودة تحت سطح البحر بحوالي ثلاثمائة وخمسة وتسعين متراً تحت سطح البحر، وهي المنطقة الوحيدة في العالم الذي تصل لهذا الدنو، ولهذا السهل من سطح البحر! وهذه معجزة أخرى في كتاب رب العالمين سبحانه. والمعجزة الأولى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]، فأشار إلى أنهم سيغلبون بعد ذلك فكان الأمر على ما ذكر . نسأل الله أن يعلمنا ديننا وأن يفقهنا فيه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1497

تفسير سورة الروم [١ - ٨] أخبر الله بهزيمة الروم، ثم وعدهم بالنصر بعد ذلك على الفرس، وكان ما قال؛ ليبين أن وعده سبحانه نافذ ولا مرد له ولا دافع، ونصر الله تعالى هو حليف المؤمنين في كل زمان إذا هم نصروا دينه، والكفار لا يزالون في عتوهم ونفورهم وتكبرهم على أوامر الله وعلى الحق، والله يدعوهم إلى الرجوع إليه والنظر في آلائه الدالة على ربوبيته دون ما سواه.

стр. 1498

تفسير قوله تعالى: (ألم . غلبت الروم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فقال الله في سورة الروم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:١ - ٨]. بدأ الله سبحانه ﵎ هذه السورة بهذه البشارة للمؤمنين، وهي أن الروم الذين غلبوا في أدنى الأرض سيغلبون عدوهم من الفرس بعد ذلك، وكان المشركون قد شمتوا بالمسلمين حين بلغ الجميع أن الروم قد هزمت؛ لأن الروم أهل كتاب وهم أقرب إلى المؤمنين من المشركين، وبلاد الفرس عباد نيران، وهم أقرب إلى المشركين ومن أعدى أعداء المسلمين، وفي الآية السابقة يطمئن الله سبحانه ﵎ المؤمنين أن الغلبة لعباده المؤمنين، وكأن المسلمين حينها كانوا ينظرون في عواقب الأمور ويتوسمون أن أهل الكتاب إذا انتصروا فنحن سننتصر يوماً من الأيام، وإذا هزم أهل الكتاب نظر المشركون إلى المسلمين وقالوا: أنتم أيضاً ستهزمون في يوم من الأيام، فرد الله سبحانه زعم المشركين فقال : ((غُلِبَتِ الرُّومُ * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)).

стр. 1499

القول في الحروف المقطعة في أوائل السور بدأت السورة بذكر الحروف المقطعة قال تعالى: ﴿الم﴾ [الروم:١] وهذه من حروف اللغة العربية التي يتحدى بها الله الخلق جميعهم، والتحدي: أن هاتوا كتاباً مثل هذا القرآن فيه مثل هذا الإعجاز العظيم وهو من جنس الحروف التي تنطقون بها ((الم)). وذكرنا فيما مضى فقلنا: إن الغالب أنه إذا ابتدأت السورة بحروف، تتكرر هذه الحروف في هذه السورة، فيكون نسبة تكرار هذه الحروف وخاصة الحرف الأول منها أعلى نسبة من نسب التكرار في السورة نفسها، فيكون الألف أعلى حرف تكرر في هذه السورة، يليه اللام، ثم المجموع من الألف واللام والميم يكون أعلى ما تكرر في هذه السورة. وهذا ضرب من ضروب الإعجاز الذي يتحدى الله الخلق أن هاتوا كتاباً مثل هذا الكتاب، أو سورة مثل هذه السورة، فيتجلى في السورة دقة الأحكام التي فيها، وجمالها في بلاغتها وفصاحتها وإتقانها، وفي التشريع الذي تضمنته آياتها، وما فيها من إعجاز علمي، ومن نبوءة صحيحة صادقة، كالإخبار بأخبار صادقة سابقة على النبي صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك وغيره كثير، فتجد فيه إعجاز هذا الكتاب العظيم الذي يقول فيه الإنسان المنصف إذا قرأه: يستحيل أن يكون هذا من قول البشر. كما أن من فوائد الحروف المقطعة في أوائل السور أيضاً: شد وجذب الانتباه، فالعرب لم يكونوا معتادين على ذلك، فلم يسمع العربي أحداً يقول له: الم، فإذا سمعها جهل ما الذي يقصده قائلها، فانتفض ليسمع ما الذي يريده؟ وذلك كما يسمع الإنسان صوتاً غريباً لم يعتد على سماعه، فيجتهد أن يصغي إليه، على خلاف الصوت الذي قد اعتاد أن يسمعه، فقد يمر على أذنه من غير أن ينتبه إليه. ومثال ذلك: ما يحدث لو مر بكم القطار وأنتم تعرفونه، فإنه كلما مرّ كأنه لم يمر، ولا ينتبه لمروره أحد منكم بخلاف إنسان كانت هذه هي أول مرة يرى فيها القطار، فإنه إذا مر القطار سيجتهد أن ينظر إليه، وسيتملكه العجب عند رؤيته له، فكذلك عندما يأتيهم من الله سبحانه ﵎ شيء لم يعتادوا عليه كقوله سبحانه: ﴿الم﴾ [الروم:١] فإنه يشدهم فيسألوا: ماذا تعني هذه الحروف؟ وقد يحرصون على أن يسمعوا ما يقوله ﷺ ، ليعرفوا ما يريد من هذه الأحرف، فكأن القرآن يقول لهم: تعالوا واسمعوا ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣]، وعند سماعهم يزدادون عجباً على عجب، فيتساءلون: ما الذي تقوله؟ وهل ما تخبر به من أن الروم ستنتصر على فارس حقاً؟ فيعلق ما قاله النبي ﷺ بأذهانهم، ويظلون يتوقعون ويتحدثون: هل سيصدق ما أخبر به القرآن أم أنه سيكذب؟ أما المؤمنون فهم جازمون بصدق كلام رب العالمين.

стр. 1500

أبو بكر يراهن على صدق ما وعد به القرآن أبو بكر الصديق بعد نزول الآيات في صدر سور الروم يندفع في أرجاء مكة وينادي على أهل مكة ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤] فقد روى الإمام الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه أنه لما نزلت هذه الآية ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] خرج أبو بكر بها إلى المشركين وذكر ونادى في أرجاء مكة بذلك، ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣]. فقال الكفار: أفلا نراهن على ذلك، أي: نراهنك أنه لن يحصل الذي تقول به، فيقبل منهم أبو بكر الصديق هذه المراهنة، والرهان نوع من القمار، وأصل القمار من قمره في الشيء بمعنى: غلبه فيه، وهي بمعنى: الخطر والمخاطرة؛ لأن مال أحد الطرفين على خطر، فإنه إما أن يكسب، أو يُغلب فيضيع منه ماله، وكان هذا موجوداً في أول الإسلام، وبعد مبعث النبي ﷺ بقليل، ثم حرم بعد ذلك، وقد كان هذا الأمر موجوداً في الأعوام المكية، فلذلك راهنهم أبو بكر في أن الذي أخبر به النبي ﷺ هو صدق، وبعد أن ارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، قالوا لـ أبي بكر ﵁: كم تجعل البضع؟ فاتفقوا على ست سنوات، وأبو بكر الصديق ﵁ اجتهد حين وافقهم على الست السنوات، وإلا فالآية لم تحدد ذلك، وقد أخطأ ﵁ فيما اجتهد به، فهو ليس معصوماً، إنما العصمة لكتاب رب العالمين وسنة النبي ﷺ ، أما قول البشر فلا، والبضع في لغة العرب من ثلاثة إلى تسعة، فلما جاءت السنة السادسة لم يحصل الغلب الذي راهن عليه أبو بكر، فعاب المسلمون ذلك على أبي بكر الصديق وقالوا: كيف تقول ستة والقرآن لم يقل: ستة؟ وقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: (أفلا احتطت لذلك؟) أي: بأن لا تنزل عن التسعة إلى الستة. وكانوا قد جعلوا الرهان خمس جمال، وجعلوا الأجل إلى ثلاث سنوات، وبعد ذلك زادوا في الأجل لدون التسع السنوات، ثم حدث ما أخبر به القرآن العظيم على ما قدمنا قبل ذلك، وغلبت الروم الفرس ففرح المسلمون، وكان هذا في يوم بدر، ففي يوم انتصار المسلمين على المشركين انتصر أهل الكتاب على المجوس، وفرح المسلمون بنصر الله سبحانه. وقد كان الفرس قوة عظمى في العدة والعتاد والروم كذلك، ولكن كان الفرس أقوى من الروم، وفي هذا الحين كان الفرس منتصرين على الروم نصراً عظيماً، وأخذوا منهم بلاداً من بلاد الروم، وكان الخوف ينتاب المسلمين، إذ عندما تتقابل قوتان عظيمتان إحداهما أقوى من الأخرى، وهذه الأقوى هي عدوة للمسلمين، فإن ذلك يجعل المسلمين يخافون أن ينتصر أعداءهم، كما أن المسلمين يفرحون بأن القوة الأخرى تنتصر عليهم، أما الفرح الأعظم فهو بنصر الله سبحانه الذي كان في يوم بدر، فحدث الانتصاران في هذا اليوم، ففرح المسلمون بنصر الله لهم، وكذلك وقع ما اعتقده المسلمون من صدق كلام رب العالمين سبحانه وأن الروم تنتصر على الفرس، فعبر القرآن عن هذه الفرحة فقال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤ - ٥]، ومعلوم أن النصر من أمر الله سبحانه ﵎ ومن قضائه وقدره، فهو ينصر من يشاء

стр. 1501

تفسير قوله تعالى: (بنصر الله ينصر من يشاء) قال سبحانه: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٥] ولم يقل في الآية: إنه ينصر المسلمين؛ لأن نصر المسلمين يحتاج إلى أخذ بأسباب النصر، ومتى وجدت الأسباب انتصر المسلمون، وإذا لم توجد الأسباب ينتصر الأقوى الذي يأخذ بالأسباب، ومن أهم أسباب النصر: العمل بشرع الله تعالى، فإذا كانت دولة المسلمين تعمل بشرع رب العالمين سبحانه ﵎، فيأخذ فيها المظلوم حقه من ظالمه، ويحكم فيها بشرع الله تعالى، عند ذلك يجعل الله هذه الأمة مقدسة مطهرة، غالبة تغلب أعداءها، وإذا كانت أمة المسلمين يشيع فيها الظلم، ويهجر فيها كتاب الله وراء الظهور، فلن يكون لهم النصر، وإذا كان المسلمون في عهد النبي ﷺ وهم الذين يعملون بشرع الله رب العالمين، حين يعصون الله سبحانه ويعصون النبي ﷺ يستحقون الهزيمة كما حصل في يوم أحد وفي أول يوم حنين، فكيف بحالهم بعد ذلك؟ فالمؤمن الذي يطيع الله سبحانه ﵎ ويأخذ بالأسباب، يستحق عون الله سبحانه، أما الذي يترك ما أمر الله به فلا يستحق أن يعينه الله سبحانه ﵎. ولذلك قيد انتصار المؤمنين وفتح الله سبحانه على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، فإذا أعد المسلمون العدة لقتال أعداء الله سبحانه، وأخذوا بالأسباب، فإن الله سبحانه ينصرهم على عدوهم ويكون معهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، فإذا اتقى المسلمون ربهم سبحانه استحقوا أن يكون معهم، وإذا خالفوا ولم يتقوا الله لم يستحقوا معية الله سبحانه ﵎؛ لأن الله مع المتقين، كما أن الله مع المحسنين أيضاً، فالمسلمون إذا أحسنوا واتقوا فالله معهم ينصرهم ويؤيدهم سبحانه، وإذا ظلموا وتركوا نصر دين الله سبحانه لم يستحقوا أن يكون الله سبحانه ﵎ معهم. والمسلمون حين أخذوا بأسباب النصر في بدر نصرهم الله تعالى، قال سبحانه عن ذلك اليوم: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥] أي: يفرحون أن نصر الله المؤمنين، وأن حقق ما وعد، بأن نصر الروم على الفرس، ثم أخبر أن النصر بمشيئته سبحانه فقال: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٥] أي: ينصر من يشاء من عباده، فينصر المؤمنين ويجعل لهم الانتصار والغلبة إذا أطاعوا الله سبحانه، ويسلط عليهم غيرهم لأنهم عصوه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:٥] أي: العزيز الذي لا يسأل عما يفعل سبحانه ﵎، فلا يحتج المغلوب على ربه فيقول: يا رب! لم هزمتنا؟ لم جعلت الأعداء يتملكون أمرنا؟ بل قل: هو العزيز، فلا يسأل عما يفعل سبحانه، فختم الآية بأنه العزيز الرحيم سبحانه ﵎، والعزيز أي: المنيع الجانب، القاهر الذي لا يغلب سبحانه ﵎. فإن هُزِم المسلمون ليس معناه أن الله سبحانه حاشاه ﵎ ليس بعزيز، فهو العزيز وله العزة سبحانه ﵎ ولرسوله وللمؤمنين، فينصر من يشاء وقد ينصر المسلمين، وقد ينصر عليهم غيرهم، ولكن هو العزيز سبحانه الذي لا يغلب أبداً وإن غلب الناس، فالله عزيز قاهر غالب على أمره، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، كما أنه الرحيم بخلقه أجمعين سبحانه، ورحمته هي الرحمة العظيمة الدائمة في الدنيا وفي الآخرة، فرحمته بعباده المؤمنين أن يكون معهم ويؤيدهم وينزل شرعه الحكيم سبحانه ﵎ ليهديهم ويكون معهم سبحانه ﵎ في الدنيا وفي الآخرة. قال الله سبحانه: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٤] أي: لله الأمر من قبل الغلب ومن بعد الغلب، فالله هو مدبر الأمر سبحانه ﵎، وكل شيء بيده، وكل شيء يملكه الله ، وفي الآية أخبر بانفراده بالقدرة والتقدير، كما أخبر بانفراده بالتحكم في كل شيء سبحانه، وبين أن الأمر بيده يفعل ما يشاء.

стр. 1502

تفسير قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده) إن نصر المؤمنين وعد من الله سبحانه لعباده، قال سبحانه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٦] والوعد مصدر، أي وعدكم وعداً، فهذا وعد من الله سبحانه، ولأنه منه سبحانه فإنه وعد حق، وقد عبر بالمصدر والمفعول المطلق حيث قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦] أي أنه وعد الله سبحانه ولا بد أن يتحقق موعوده: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].

стр. 1503

تفسير قوله تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] فبين في الآية أن ما لديهم من علم كـ لا علم، فهم يجهلون مع علمهم، أما ما يعلمون فهي علوم الظواهر من الحياة الدنيا، ولا يغوصون في بواطن هذه الأشياء، ولا يطلعون على ما وراءها، فهم يعلمون في الحياة الدنيا أن الماء ينزل من السماء في فصل كذا وفصل كذا وفي شهر كذا وشهر كذا، وبسبب علمهم ذاك يحددون مواسم البذور والأشهر المناسبة لكل نوع منها، ومواسم الري والحصاد وغير ذلك، فكان علمهم مقتصراً على ظواهر الحياة الدنيا، أما أنهم ينظرون نظر تأمل أن الذي أنزل الماء من السماء هو الله، وأنه لذلك يستحق أن يشكر وأن يعبد سبحانه ﵎؛ فلا، وكأن علمهم علم بالدنيا فحسب، فيتلهفون كيف نكسب؟ وكيف نجمع هذا الذي كسبناه؟ وكيف نبني؟ وفعلهم وهمهم منحصر على ظواهر الدنيا، أما ما وراء ذلك من العلم بالغيب والإيمان بالله سبحانه ﵎ وشكر المنعم سبحانه ﵎ على ما أنعم على العباد فليس لهم به شأن، وهذا حال أكثر الناس، والأقل هم الذين يعلمون بما لهم من بصائر وبما في قلوبهم من إيمان، فتجدهم يشكرون الله سبحانه، ويعلمون أنه هو الحق المبين. إن من غفل عن الآخرة مهما أوتي من علم فعلمه كـ لاعلم، ومهما حاز الإنسان من رتب علمية كأن يكون أستاذاً أو دكتوراً أو غيرها من الرتب في الدنيا، ويشار إليه بالبنان وهو عن الآخرة غافل وغير مستعد للموت ولم يستعد للجنة ولا للنار فإن علمه كـ: (لاشيء) عند الله سبحانه ﵎، وذلك لأنه لم ينتفع بذلك العلم بأن يخشى الله، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فإذا أورثه هذا العلم الخوف من الله سبحانه وخشيته فهو العلم النافع الذي سيجعله عبداً لله مؤمناً به سبحانه، أما علم في أمر ظواهر الدنيا لا يتعدى ذلك إلى الإيمان باليوم الآخر، بل ويظل صاحبه ملحداً وقد يدعي أن الطبيعة هي التي خلقته، وأن الله سبحانه لم ينزل كتاباً ولم يرسل رسولاً، فلا يعد علماً ولا يستحق صاحبه شيئاً، إنما يعيش في الحياة كبهيمة الأنعام ونهايته إلى النار والعياذ بالله. وقد أعاد الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] تأكيداً ووصفهم بأنهم غافلون أي: في غفلة عظيمة عن الآخرة وعن الموت وعما يكون بعد الموت.

стр. 1504

تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم) لأن الكفار يعطلون جوارحهم وأفئدتهم فقد أنكر الله عليهم غفلتهم فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨] فالاستفهام في الآية: للإنكار، وهو دعوة أن يتفكر المرء في نفسه. فقوله: (في أنفسهم) كلمة (في) تفيد الظرفية وليست مفعولاً به، ليكون المعنى: أن يتفكر الإنسان في نفسه وتظل النفس عنده محل التفكر ليعتبر بها! لا، بل تعني الظرفية أن يتفكر بينه وبين نفسه في صمت، فيعمل عقله منفرداً ويتفكر في السماوات وفي الأرض؛ لأنه حين يتفكر مع مجموعة من الكفار قد يقوم إليه بعضهم فيدعوه إلى الكفر وإلى البعد عن الله سبحانه، فيستحيي أن يقر أن هناك إلهاً موجوداً؛ لأن الباقين يقولون بخلاف ذلك، أما إذا فكر في نفسه فلن يضحك على نفسه، أو يكذب عليها. وفيها يخاطب الله العبد: أن تفكر في نفسك، وهو عندما يدعو الناس إلى التفكر لا يريد أن يتفكروا مجموعات بل إن الله سبحانه ﵎ يأمر أن يتفكر المرء وحده أو مثنى أو ثلاث، فوحده مع نفسه، ومثنى أي: مع إنسان آخر؛ وذلك لأن العادة أن التفكير الجماعي يغلب فيه المجتمعون بعضهم بعضاً بعلو الصوت، وفيه قد يستحيي بعضهم من بعض فلا يتكلم معه، بخلاف التفكر الفردي أو الثنائي فإن المرء إذا كان وحده فسيمحص الفكرة ويعيد جريانها في ذهنه إلى أن يصل التفكير إلى أقصاه، فيثمر غايته، وكذلك إذا كان التفكير مع شخص آخر يعمل فكرة أيضاً، فإذا اختمرت الفكرة في ذهنه فله أن يشاور بعد ذلك مجموعات من الناس، فتكون المشاورة مع مجموعة من الناس والتفكير فرادى ومثاني، ويكون أمر الله سبحانه ﵎ بالتفكير متحققاً على هذه الصورة، وإنما جعل فرادى ومثاني لأن التفكير يحتاج من الإنسان أن يغوص في المعنى، وينفرد بنفسه حتى يتفكر فيما وراء الظواهر الحسية القريبة.

стр. 1505

آثار التفكير الفردي ومزاياه الله عندما يأمر بالتفكير يأمر به مثنى وفرادى، فإذا أمر بالشورى أمرهم جماعات فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]. أما عند الأمر بالتفكير فيقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦]، وفي الآية أمرهم أن يتفكروا في أمر النبي ﷺ ، هل هو مجنون؟ فلو جلس مجموعة من الكفار ليتفكروا في ذلك لربما يطلع عليهم أبو جهل فيقول: هذا مجنون، ويحلف لهم على ذلك، وهم يخافون أن يكذبوا ساداتهم، فيقرون له أن محمداً مجنون، ويقولون كما يقول، وبذلك عُلِم عدم جدوى هذا النوع من التفكير، وأن التفكير الصحيح أن تجلس وحدك ثم تسائل نفسك: لم يقول فلان عليه أنه مجنون؟ أليس من الممكن أن يكون فلاناً في نفسه شيء من هذا النبي ﷺ ؟ وهكذا وحينما يفعل الإنسان ذلك فيتفكر في نفسه يصل في النهاية أنه ﵊ إنسان عاقل وأنه رسول من عند رب العالمين، ولذلك كان كفار قريش عندما يأتي رجل من خارج مكة يجتمعون إليه، ويقولون له: احذر كذاب قريش، ويظلون يوعزون صدره على النبي الكريم وينصحونه بزعمهم، إلى أن يسد أذنيه بشيء يمنعه من أن يسمع النبي ﷺ حتى يصل إليه، فإن كان عاقلاً لبيباً سمع فآمن وإلا فلا. ويقول بعضهم: إني جئت النبي ﷺ وقد أقسمت عدد أصابع يدي: أني لا أسمع من النبي ﷺ ، ولكن الله يشاء له الإيمان فيتفكر ويسائل نفسه: لم حلفت أني لا أسمعه؟ أفلا نسمعه ثم ننظر ما سيقول؟! فيرفع أصابعه من آذانه، ويكف عن القسم الذي حلفه، ويذهب للنبي ﷺ لينظر، فيجد ما يقوله صحيحاً، ويعلم أن كلامه هو ما يؤيده العقل ويؤمن بالنبي ﷺ ، وما صنعه هو التفكر الذي أمر الله به، ومن الغباء أن تجعل غيرك يسخر منك بالأفكار التي يمليها عليك، بل لا بد أن تفكر مع نفسك: لم تقول هذا الشيء؟ لم تعاد هذا النبي ﷺ ؟ لم تكذب هذا القرآن؟ وقد كان الوليد بن المغيرة يتفكر في القرآن ويسمع النبي ﷺ وهو يتلوه، فما كان منه إلا أن يقول: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق - أي: مكتسي من فوقه ومن تحته بالخيرات - وما هو بقول بشر. وبعد ذلك يعايره قومه ويقولون له: ضحك عليك النبي ﷺ . وهو لا يستطيع أن يرد إذ القرآن كلام جميل. وما يزالون به يقولون له: سحرك محمد ﷺ ، قل في القرآن شيئاً، فينتكس ويجيبهم إلى قولهم. ويخبرنا الله عن هذا الإنسان فيقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر:١١ - ١٤] وبعد كل الذي أعطيته يطلب المزيد: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١٥ - ١٦] أي: معانداً مع معرفته بالحق، فقد عرف أنه الحق من عند رب العالمين، ثم جحده استحياءً من قومه أن يقولوا: سحرك محمد ﷺ ، أو أغراك فقال لك: سأعطيك مالاً أو ضحك عليك النبي ﷺ ، ثم يخبر الله سبحانه عن تفكيره فيقول: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨ - ١٩] أي: لعنه الله في تفكيره وتقديره الذي قاله، فقد قال قولاً ذميماً بعد أن هدده قومه أن يفضحوه قال سبحانه مخبراً عنه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٤]. وكان قد أقر بعد سماعه أن هذا ليس بقول البشر، فلما جاء الكفار إليه وقالوا له: ما الذي تقوله؟ أوقد تبعت محمداً وأصحابه؟ إنك بفعلك هذا ستجعل الناس يسخرون منا، فاستمالوه فقال: سنقول عنه: ساحر يسحر الناس بهذا الذي يقوله. ومن قصته رأينا كيف أنه تغير وتحول بعدما فكر في نفسه في البداية وقال: هذا الكلام ليس من قول البشر، والوليد بن المغيرة لم يكن رجلاً عادياً بل هو من سادة قريش وكبرائها، ولتعلم منزلته في قومه نسوق هذا الحدث لما دخل عمر بن الخطاب في الإسلام، فقد أتت إليه قريش جميعها تريد أن تضرب عمر ﵁ وتقتله، فذهبوا إليه كالبحر كلهم يريد بيت عمر حتى إن عمر فزع من ذلك، وابن عمر واقف فوق سطح البيت ينظر أمواجاً من البشر التي جاءت تريد عمر، لكن الوليد بن المغيرة وحده رد هؤلاء جميعهم، وقال: أنا على دينه ارجعوا، فرجعوا كلهم وتركوا عمر بن الخطاب ﵁، والوليد بن المغيرة لم يكن على دينه حقيقة ولكن كأنه يقول: أنا أجيره فلا يقربه أحد. فـ الوليد حين يتفكر لوحده يعرف أن هذا القرآن حق من عند رب العالمين، فيقول: ما هو بقول بشر، وبعد أن يجتمع عليه قومه ويعيروه يخاف ويرجع عن قول الحق بل يقول عن القرآن: إن هذا إلا سحر يؤثر! لذلك الله يقول للإنسان: تفكر في نفسك، ولا تجعل فكر غيرك يطغي عليك، فقد وهبتك عقلاً لتفكر فيه قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨] أي: أنهم إذا تفكروا علموا أن هذه السماوات لم تخلق سدى وعبثاً، وأن هذه الأرض لم تخلق عبثاً، وأن هذه الآيات التي يراها الإنسان الشمس والقمر والنجوم والكواكب والجبال والبحار والأمواج والأسماك والحيتان فيها والطيور في السماء، لم يخلقها الله عبثاً، وبذلك يعلم الإنسان أن الله لم يخلق هذا كله عبثاً سبحانه ﵎، بل خلقه لحكمة وغاية قال سبحانه: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم:٨] أي: خلقها متلبسة بالحق، فخلقها بعدله وبحكمته وبحقه سبحانه ﵎ قال: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨] أي أن كل شيء مخلوق بأجل ولأجل مسمىً عند الله، فقد حدد وجوده وفناءه وبعثه يوم القيامة، فكل شيء موجود ليس بالتعمير في الدنيا إلى الأبد، ولكن إلى أجل مسمى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل:٦١] ولكن الكثيرين من الناس يكفرون بذلك، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:٨] أي: بهذا الأجل المسمى وبالرجوع إلى الله لكافرون أما المؤمنون فهم وإن عاشوا في الدنيا وعمروا فيها فهم يعرفون أنهم راجعون إلى الله، فيعملون لله بالصدق وبالإخلاص وبالعلم وباليقين.

стр. 1506

تفسير سورة الروم [٨ - ١٧] أمر الله تعالى بالتفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فهو المستحق لأن يعبد ويطاع، وذكر سبحانه عاقبة الأمم السابقة المكذبة به وبرسله، وكيف كانت نهايتهم وهلاكهم، وذكر عاقبة المؤمنين، وأنهم في الجنة يحبرون ويتنعمون ويتلذذون بما لا يخطر على بال.

стр. 1507

تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:٨]. يأمر الله عباده بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فيقول: ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ)) أي: أولم يتفكر العباد بينهم وبين أنفسهم في خلق السماوات والأرض، وفي ملكوت الله سبحانه، فيعرفون أن هذا الخلق العظيم الذي خلقه الله سبحانه آية للعباد، ليعرفوا قدرة ربهم وقوة ربهم، وأن هذا الكون لا بد وأن يكون له خالق قد خلقه، أولم يتفكروا في ذلك أم أنهم كالأنعام لا يفهمون ولا يعرفون ولا يفكرون؟ قال سبحانه: ((مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)) أي: خلقها حقاً بالحق وبالعدل، وبالقسط بحكمته ، فهو خلقها ليحق الحق بكلماته ، وخلقها لأجل مسمى، وكل شيء عنده بمقدار، وكل شيء بقضاء وقدر، فإذا جاء الأجل انشقت السماء فهي يومئذ واهية، وإذا بالأرض تتفجر بما فيها من أنهار ومن بحار، وبما فيها من جبال، كل ذلك بأمر ربها . كذلك العباد كل عبد مخلوق لأجل معين، له وقت معين يخلق فيه، ووقت معين يموت فيه، ووقت معين يبعث فيه، كل ذلك عند الله بمقدار، ولكن الناس لا يفهمون ذلك، ((وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)) أي: يكفرون بالبعث والنشور، وبالعود إلى الله سبحانه للحساب إما للجنة أو للنار.

стр. 1508

تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩] يعني: هؤلاء الكفار الذين يتنطعون ويتعنتون، ويتطاولون على ربهم، ويكذبون رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام، هلا ساروا في الأرض فنظروا فيها؟ انظروا كيف بدأ الله الخلق؟! وكيف ينشئه؟! وكيف يعيده ؟! وكيف فعل بالسابقين؟! وكيف كان عاقبة الذين من قبلهم ونهايتهم؟! عاقبة الشيء ونهايته هي النتيجة التي من ورائه، انظروا كيف عاقب الله سبحانه قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة قوم مدين، وغيرهم كثيرين ممن خلق الله سبحانه، فمنهم من قص علينا قصصهم، ومنهم من لم يذكرهم لنا، فلو أن الإنسان سار في الأرض فلينظر نظرة اعتبار لا نظرة تفسح وتمشية، بل يعتبرون مما حصل للأقوام السابقين، وما الذي صنعوه، وكيف أنهم علوا في الأرض، ففرعون كان قومه يبجلونه ويرفعون شأنه، ويعبدونه من دون الله سبحانه، والآن إذا ذكرناه قلنا: هذا المجنون الذي كان اسمه فرعون، هذا الإنسان الغبي الذي ظن نفسه إلهاً مع الله ، هذا الذي خدع الناس وقال: أنا ابن الشمس، هذا المغفل الأحمق. فقومه الذين كانوا معه لا يجرؤون أن يقولوا ذلك له، بل كان يستخفهم فيطيعونه، فنقول: كانوا خفاف العقول، كانوا يطيعونه وهم يعرفون أنه كذاب، وأنهم كذابون في عبادتهم له، فلو أن الناس تفكروا واعتبروا بهؤلاء الذين خافوا من فرعون فعبدوه من دون الله سبحانه، كيف انتهى أمر فرعون وقومه، وصاروا عبرة للناس، وهلا اعتبرتم بهؤلاء؟! كيف فعل الله بهم، ففرعون أغرقه الله سبحانه، وهو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وحين أغرقه الله قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]. قال تعالى: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ)) أي: نهاية ونتيجة سوء عملهم، ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم:٩] يعني: كانت أبدانهم قوية، وكانوا طوالاً في قامتهم، وكانوا عراضاً في أبدانهم، وكانوا ذوي عضلات وقوة، وآثارهم تدل على ذلك، انظر إلى الذين بنوا الأهرام يا ترى كيف كانت أجسامهم؟ وكيف كانت قوتهم؟ لعلهم (أوناش) ولعلهم (روافع)، لقد أعطاهم الله قوة بدنية، فرفعوا وبنوا وصارت آثارهم تدل على ما أعطاهم الله سبحانه من قوة ومن علوم، لكن هل انتفعوا بما أعطاهم الله من قوة؟ لا، بل تمردوا وعتوا وعلوا في الأرض واستكبروا، فالله يقول: ((كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ)) أي: أنهم كانوا يقلبون الأرض بالحرث، فكانوا يزرعون ويبذرون ويحصدون، وكانوا أقوياء يفعلون ذلك. قوله: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩] أي: أقاموا فيها أعماراً طويلة، فهم عمروا حتى قيل: لن يزولوا، أين ذهب هؤلاء؟ انتهى أمرهم، حين يتكلم عنهم الإنسان يقول: قوم في الماضي السحيق، هل كانوا يظنون أن يصيروا ماضياً يتندر بهم ويتكلم الناس عنهم؟! لقد أقاموا عمراً طويلاً، فظنوا أنهم لن يبيدوا أبداً، أو قوله سبحانه: ((وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا)) أي: عمروها بالسكنى وعمروها بالزراعة والفلاحة، وعمروها بالصناعة، وعمروها بغير ذلك. قوله: ((أكثر مما عمروها)) يعني: الذين من بعدهم، وأعمار العباد تتناقص، ففي عهد نوح عاش نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في الدعوة، أما الآن فلا أحد يعيش هذا العمر، فأعمار أمة النبي ﷺ قصيرة، من الستين إلى السبعين، والقليل من يجوزون ذلك، لكن السابقون عمروا، كان الواحد يعيش مائتين سنة ويظن أن عمره طويل، ولكن ليس بطويل جداً، الآن لا أحد يعيش هذه المدة، والآن يقولون: المعمر الذي يعيش في البلد الفلاني مائة وخمس عشرة سنة، أو عاش مائة وسبع عشرة سنة فنحن نقول: هذا معمر فكيف به إذا عاش ثلاثمائة سنة أو أربعمائة سنة، يكون ماذا؟ السابقون عاشوا هذه السنين وأكثر. فالله يقول: ((وعمروها)) أي: عمروا الأرض وسكنوا فوقها، وامتدت أعمارهم، لكن مهما طال عمر الإنسان فلا بد في النهاية أن يرجع إلى الله ليحاسبه سبحانه. قال: ((وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: بالآيات البينات من عند الله، هذه الآيات التي تبين نفسها وتفصح عن نفسها، أو جاءتهم معجزات من عند رب العالمين سبحانه، وقراءة الجمهور: ((وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ))، وقراءة أبي عمرو (وجاءتهم رسْلهم بالبينات) بسكون السين فيها. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩] كأن هنا فيه شيء مقدر محذوف، والمعنى: أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا ولم يعتبروا ولم يتعظوا فأهلكهم الله، ولم يظلمهم الله سبحانه بإهلاكهم، قال: ((فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ)) وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. والله قد حرم الظلم على نفسه قال: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فمستحيل أن الله يحكم بغير العدل، فحكمه العدل، وقوله الحق سبحانه، ((فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) أي: ظلموا أنفسهم بشركهم وبعصيانهم وبتمردهم على ربهم سبحانه، وباستكبارهم على رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام، فاستحقوا عقوبة رب العالمين سبحانه التي ذكرها في كتابه.

стр. 1509

تفسير قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم:١٠]، قوله: ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ)) على أن هنا (عاقبة) خبر (كان) مقدم، كأنه يقول: كانت العاقبة أو العقوبة لهؤلاء من عند رب العالمين ، فيكون السوء ما يسوء هؤلاء الذين أساءوا، فعلى قراءة ابن عامر وقراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ)) أما باقي القراء: نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب فيقرءون: ((ثم كان عاقبةُ)). فإذاً: هنا على هذه القراءة كانت العاقبة وكانت النتيجة الشيء الذي يسوء الإنسان، والشر الذي يحيق بهذا الكافر نتيجة وعقوبة وعاقبة فعله وصنيعه. وكانت عاقبتهم ما يسوءهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، ولأنهم فعلوا أسباباً استحقوا بها أن يسيئهم الله سبحانه وأن يجعلهم في النار. يقول الله : ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا)) أي: عاقبة المسيئين، وعاقبة المسيئين هي: ((السُّوأَى)) فعلى تأنيث السوء، مثل ما نقول: الحسنى تأنيث الحسن، وقد تأتي بمعنى أفعل التفضيل. قوله: ((أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون)) يعني: استحقوا ما يسوءهم يوم القيامة من شر في النار. بسبب أنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا بهذه الآيات يستهزئون.

стр. 1510

تفسير قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم:١١]، الله الذي يجب على العباد أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ لأنه الرب الذي بدأ الخلق وهو الذي يعيده سبحانه. فهنا ذكر ألوهيته سبحانه، والألوهية هي أنه سبحانه يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فهو إله، أي: معبود. قوله: ((الله يبدأ الخلق)) بدء الخلق وإعادة الخلق من صفات الربوبية، وهو الرب الذي يفعل ما يريد سبحانه، ويفعل ما لا يقدر غيره أن يفعله، فهو الذي يبدأ الخلق، بدأه وفطره وأبدعه وأوجده على غير مثال سابق، لم يكن هناك خلق قبل هذا، فقد خلق هذا الخلق بهذا الشكل الآن سبحانه. قوله: ((ثم يعيده)) أي: الذي يبدأ قادر على الإعادة، قادر أن يفنيه ثم يعيده مرة ثانية. قوله: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) المرجع إلى الله فقوله: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) هذه قراءة الجمهور على الخطاب، وقراءة أبي عمرو وشعبة عن عاصم: (ثم إليه يرجعون) على الغائب، فترجعون على الخطاب، أي: أنتم (ترجعون) إلى الله، و (يرجعون) على الغائب، أي: يرجعون هم. وقراءة يعقوب ستكون: (ترجعون) و (يرجعون) يقرؤها روح عن يعقوب ويقرؤها رويس عن يعقوب: (ترجعون) و (يرجعون).
следующие страницы →